لم يَنوِ شَيئًا، فإنْ نَوَى أقلَّ لَزمَه ما نَواهُ، سواءٌ دخَلَ بها أو لم يَدخُلْ، فإنْ نَوَى الواحدةَ البائِنةَ لَزمَه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها ولا يَنوي، ولَزمَه واحِدةٌ في غَيرِها.
النَّوعُ السَّادسُ: ما يَلزمُ فيهِ الثَّلاثُ في المَدخولِ بها فقَطْ، ويَنوِي في غَيرِ المَدخولِ بها كقَولِهِ: «وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرامٌ، أو وَجْهِي على وَجْهِكِ حَرامٌ»، وك: «لا نِكاحِ بَيْنِي وبيْنَكِ، أو لا مِلكَ لي عليكِ، أو لا سَبيلَ لي عَليكِ» فيَلزمُه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها فقطْ.
إلَّا لعِتابٍ، فإنْ كانَ لعِتابٍ فلا شيءَ عليهِ، كما لو كانَتْ تَفعَلُ أُمورًا لا تُوافِقُ غرَضَه بلا إذنٍ منهُ فقالَ لها ذلكَ، فالعِتابُ قَرينةٌ وبِساطٌ دالٌّ على عَدمِ إرادَتِه الطَّلاقَ كقَولِه: «يا حَرامُ» ولم يَنوِ بهِ الطَّلاقَ، أو قالَ: «الحَلالُ حَرامٌ» أو قالَ: «الحَلالُ حَرامٌ عَليَّ، أو عليَّ حَرامٌ، أو جَميعُ ما أملِكُ حَرامٌ» ولم يُرِدْ إدخالَ الزَّوجةِ في لَفظٍ مِنْ هذهِ الألفاظِ فلا شيءَ عليهِ، فإنْ قصَدَ إدخالَها فثلاثٌ في المَدخولِ بها وفي غَيرِها إلَّا لنيَّةِ أقلَّ.
النَّوعُ السَّابعُ: ما يَلزمُ فيهِ واحدةٌ إلَّا لِنيَّةِ أكثَرَ، دخَلَ بها أم لا، ك: «فارَقتُكِ» إلَّا لنيَّةِ أكثَرَ، وهيَ رَجعيَّةٌ في المَدخولِ بها.
وكلُّ ذلكَ ما لم يَدلَّ البساطُ والقَرائنُ على عدَمِ إرادةِ الطَّلاقِ، وأنَّ المُخاطَبةَ بلَفظٍ ممَّا ذُكِرَ ليسَتْ في مَعرِضِ الطَّلاقِ بحالٍ.
ويُصدَّقُ في نَفيِ الطَّلاقِ إنْ دَلَّ بِساطٌ على النَّفيِ في جَميعِ الكِناياتِ
стр. 10537
الظَّاهرةِ كالصَّريحِ، فإنهُ يُصدَّقُ في نَفيهِ عِنْدَ قيامِ القَرائنِ، كما لو أخَذَها الطَّلقُ عِنْدَ ولادَتِها فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» إعلامًا أو استِعلامًا، أو كانَتْ مَربُوطةً فقالَتْ لهُ هي أو غَيرُها: أطلِقْنِي، فقالَ: أنتِ طالِقٌ، ونحوُ ذلكَ ممَّا يَقتضيهِ الحالُ.
والقِسمُ الثَّاني: الكِنايةُ الخَفيَّةُ: وهي ما شأنُها أنْ تُستعمَلَ في غَيرِ الطَّلاقِ، فالكِنايةُ المُحتملةُ كقَولِه: «الحَقِي بأهلِكِ واذهَبِي وابعُدِي عنِّي» وما أشبَهَ ذلكَ، فهذا لا يَلزمُه الطَّلاقُ إلَّا إنْ نَواهُ، وإنْ قالَ أنهُ لم يَنوِ الطَّلاقَ قُبِلَ قَولُه في ذلكَ.
فيَنوِي في أصلِ الطَّلاقِ وفي عَددِه في كُلِّ كِنايةٍ خَفيَّةٍ تُوهِمُ قصْدَ الطَّلاقِ نحوُ: اذهَبِي وانصَرِفي وانطَلِقي، أو أنا لم أتزَوَّجْ، أو قيلَ لهُ: أَلَكَ امرأةٌ؟ فقالَ: لا، أو قالَ لها: أنتِ حُرَّةٌ أو مُعتَقةٌ أو الحَقِي بأهلِكِ، فإنِ ادَّعَى عدَمَ الطَّلاقِ صُدِّقَ، وإنِ ادَّعَى عَددًا واحِدةً أو أكثَرَ صُدِّقَ، فإنِ ادَّعَى أنهُ نَوَى الطَّلاقَ ولَم يَنوِ عَددًا لَزمَه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها وغَيرِها.
وإنْ قصَدَ الطَّلاقَ بكَلمةٍ ك: «اسقِينِي» أو صَوتٍ ساذَجٍ لَزِمَ، وهذا مِنَ الكِنايةِ الخفيَّةِ عندَ الفُقهاءِ وإنْ لَم يُستعمَلْ في لازِمِ مَعناهُ.
وإنْ قصَدَ التَّلفظَ بالطَّلاقِ فعدَلَ لغَيرِهِ غَلطًا كما لو أرادَ أنْ يقولَ: «أنتِ طالِقٌ» فالتَفَتَ لِسانُه بقَولهِ: «أنتِ قائِمةٌ» فلا يَلزمُه شيءٌ؛ لعَدمِ وُجودِ رُكنِهِ -وهو اللَّفظُ الدَّالُّ عليهِ- أو غَيرِهِ معَ نيَّتهِ، بلْ أرادَ إيقاعَهُ بلَفظِه، فوقَعَ في غَيرِه.
стр. 10538
وكذا إذا أرادَ أنْ يَنطِقَ بالثَّلاثِ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» وسكَتَ عنِ التَّلفظِ بالثَّلاثِ فلا يَلزمُه ما زادَ على الواحِدةِ؛ لأنهُ لم يَقصدِ الثَّلاثِ بقَولِه: أنتِ طالِقٌ، وإنَّما أرادَ أنْ يَنطِقَ بالثَّلاثِ فبَدَا لهُ عدَمُ الثَّلاثُ فسكَتَ عَنِ النُّطقِ به.
وأمَّا لو أرادَ أنْ يُنجِّزَ واحدةً فقالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقيلَ: يَلزمُه الثَّلاثُ في الفَتوى والقَضاءِ، وهو قولُ مالِكٍ وسحنُونٍ، وأمَّا لو أرادَ أنْ يُعلِّقَ الثَّلاثَ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» وسكَتَ ولم يَأتِ بالشَّرطِ فلا شيءَ عليهِ (١).
وقالَ الشَّافعيةِ: ألفاظُ الكِنايةِ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ إلَّا معَ النِّيةِ، وهي كَثيرةٌ كقَولِه: أنتِ خَليَّةٌ وبَريَّةٌ وبَتَّةٌ وبَتْلَةٌ وبائِنٌ وحَرامٌ وحُرَّةٌ وأنتِ واحِدَةٌ واعتَدِّي واستَبْرِئي رَحِمَكِ والحَقِي بأهلِكِ وحَبْلُكِ على غارِبكِ ولا أَنْدَهُ سِرْبَكِ -أي: لا أَزْجُرُ إِبلَكِ، ومَعناهُ لا أهتَمُّ بشَأنِكِ- واغرُبِي واعزُبِي واخرُجِي واذهَبِي وسافِرِي وتَجنَّبِي وتَجرَّدِي وتقنَّعِي وتَستَّرِي والزَمِي الطَّريقَ وبِينِي وأَبْعِدِي ووَدِّعِينِي ودَعِينِي وبَرئْتُ مِنكِ ولا حاجةَ لي فيكِ وأنتِ وشأنُكِ وأنتِ مُطلَقةٌ ومُنطَلِقةٌ وتَجرَّعِي وذُوقِي وتَزوَّدِي وما أشبَهَ
стр. 10539
ذلكَ؛ إذْ ضابِطُ الكِنايةِ: كُلُّ لفظٍ لهُ إشعارٌ قَريبٌ بالفِراقِ ولم يَشعِ استِعمالُه فيهِ شَرعًا ولا عُرفًا.
أمَّا الألفاظُ الَّتي لا تَحتملُ الطَّلاقَ إلَّا على تَقديرٍ مُتعسِّفٍ فلا أثَرَ لها، فلا يَقعُ بها طلاقٌ وإنْ نَوَى، وذلكَ كقولِه: بارَكَ اللهِ فيكِ وأحسَنَ اللهُ جَزاءَكِ وما أحسَنَ وجهَكِ وتَعالِي واقرُبِي واغزِلِي واسقِينِي وأطعِمينِي وزَوِّدِيني واقعُدِي وما أشبَهَ ذلكَ.
ولو قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ حُرَّةٌ أو مُعتَقةٌ أو أعتَقتُكِ» ونَوَى الطَّلاقَ طُلِّقَتْ.
وليسَ الطَّلاقُ كنايةَ ظِهارٍ وعَكسُهُ وإنِ اشتَركَا في إفادةِ التَّحريمِ؛ لأنَّ تَنفيذَ كُلٍّ مِنهُما في مَوضوعِه مُمكِنٌّ، فهذهِ المَسألةُ مِنْ فُروعِ قاعِدةِ (ما كانَ صَريحًا في بابِهِ ووجَدَ نفاذًا في مَوضُوعِه لا يكونُ كِنايةً في غَيرِه)، فلو قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي» ونَوَى الطَّلاقَ أو «أنتِ طالِقٌ» ونَوَى الظِّهارَ لم يَقَعْ ما نَواهُ، بلْ يقَعُ مُقتضَى الصَّريحِ.
وإذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ أو مُحرَّمةٌ أو حرَّمتُكِ» بأنْ نوَى الطَّلاقَ نفَذَ رَجعيًّا، فإنْ نوَى عَددًا وقَعَ ما نوَى.
وفي وَجهٍ: لا يَكونُ طلاقًا إذا قُلنا: إنهُ صَريحٌ في اقتِضاءِ الكفَّارةِ؛ لأنَّ اللَّفظَ الصَّريحَ إذا وجَدَ نفاذًا في مَوضوعِه لا يَنصرِفُ إلى غَيرِه بالنِّيةِ.
وإنْ نوَى الظِّهارَ فهو ظِهارٌ، وإنْ نَواهُما مَعًا فهلْ يكونُ ظِهارًا أم
стр. 10540
طلاقًا؟ أم تَخيَّر فما اختارَهُ مِنهُما ثبَتَ؟ فيهِ أوجُهٌ أصَحُّها الثَّالثُ، ولا يَنعقِدُ الاثنانِ معًا قَطعًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يُزيلُ النِّكاحَ، والظِّهارُ يَستَدعِي بقاءَهُ.
أو نوَى بذلكَ تَحريمَ عَيْنِها أو فَرجِها أو وَطئِها أو رأسِها لم تَحرُمْ عليهِ، وإنْ كُرِهَ لهُ ذلكَ؛ لمَا رَوَى النَّسائِيُّ «أنَّ رَجلًا سألَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: إنِّي جَعلْتُ امرَأتي عليَّ حَرامًا، فقالَ: كَذبْتَ ليسَتْ عليكَ بحَرامٍ، ثمَّ قرَأَ قولَه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَة»، ولكنْ عَليهِ كفَّارَةُ يمينٍ -أي مِثلُها-؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ اليَمينَ إنَّما تَنعقِدُ باسِمٍ مِنْ أسمائِه تعالَى أو صفةٍ مِنْ صِفاتِه، ولا يَتوقَّفُ وُجوبُها على الوَطءِ، كما لو قالَ ذلكَ لأَمَتِه؛ أخذًا مِنْ قِصَّةِ مارِيةَ لمَّا قالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «هيَ عليَّ حَرامٌ نزَلَ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾» أي: أوجَبَ عليكُم كفَّارةً ككفَّارةِ أيْمانِكُم.
وكذا لا تَحرُمُ عليهِ وإنْ كُرِهَ لهُ ذلكَ، وعليهِ كفَّارةُ يَمينٍ في الحالِ أي مِثلُها كما مرَّ، وهذا إنْ لم تكنْ لهُ نيَّةٌ في قَولِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» في الأظهَرِ؛ لعُمومِ ما مَرَّ.
والثَّاني: أنَّ هذا القولَ لَغوٌ فلا كفَّارةَ عليهِ فيهِ.
الكِنايةُ لا تَعمَلُ بنَفسِها، بلْ لا بُدَّ فيها مِنْ نيَّةِ الطَّلاقِ، وتَقتَرنُ النِّيةُ باللَّفظِ، فلو تَقدَّمتْ ثمَّ تَلفَّظَ بلا نيَّةِ أو فرَغَ مِنْ اللَّفظِ ثمَّ نوَى لم تُطلَّقْ، فلوِ اقتَرنَتْ بأوَّلِ اللَّفظِ دُونَ آخرِه أو عَكسُه طُلِّقَتْ على الأصحِّ، ولا تَلتحِقُ
стр. 10541
الكِنايةُ بالصَّريحِ بسُؤالِ المَرأةِ الطَّلاقَ ولا بقَرينةِ الغَضبِ واللِّجاجِ، ومتى تَلفَّظَ بكِنايةٍ وقالَ: «ما نَوَيتُ» صُدِّقَ بيَمينِه، فإنْ نكَلَ حلَفَتْ وحُكِمَ بوُقوعِ الطَّلاقِ، وربَّما اعتمدَتْ قَرائِن يجوزُ الحَلِفُ بمِثلِها.
ويُشترطُ أنْ تكونَ نيَّةُ الطَّلاقِ في الكِنايةِ مُقارِنةً للَّفظِ.
ولا يَخلوُ حالُ النِّيةِ مِنْ أربعةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ تكونَ النِّيةُ مُتقدِّمةً على جَميعِ اللَّفظِ، فلا يقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ النيَّةَ تجرَّدَتْ عَنْ لفظٍ فلم يقَعْ بها طلاقٌ، واللَّفظُ تَجرَّدَ عن نيَّةٍ فلم يَقعْ بهِ طلاقٌ.
والقِسمُ الثَّاني: أنْ تكونَ النِّيةُ مُتأخِّرةً عن جَميعِ اللَّفظِ، فلا يقَعُ الطَّلاقُ أيضًا؛ لِمَا ذكَرْنا أنَّ اللَّفظَ لمَّا تَجرَّدَ عنِ النِّيةِ لمْ يَقعْ بهِ طلاقٌ، والنَّيةُ لمَّا تجرَّدَتْ عنِ اللَّفظِ لم يقَعْ بها طلاقٌ.
مِثالُ هذَينِ: نيَّةُ الصَّلاةِ إنْ تَقدَّمَتْ على الإحرامِ لم تصِحَّ، وإنْ تأخَّرتْ عنهُ لم تصِحَّ.
والقِسمُ الثَّالثُ: أنْ تكونَ النِّيةُ مُقارِنةً لجَميعِ اللَّفظِ، فتُوجَدُ مِنْ أوَّلِ اللَّفظِ إلى آخِرِه، فالطَّلاقُ واقِعٌ باللَّفظِ والنِّيةِ معًا، ولا يكونُ وُقوعُه بأحدِهما وإنْ كانَ اللَّفظُ هو المُغلَّبُ لظُهورِه.
والقِسمُ الرَّابعُ: أنْ تُوجَدَ النِّيةُ في بعضِ اللَّفظِ وتُعدَمَ في بعضِه، إمَّا أنْ تُوجَدَ في أوَّلِه وتُعدَمَ في آخرِه، أو تُوجَدَ في آخرِهِ وتُعدَمَ في أوَّلِه، مِثلَ أنْ
стр. 10542
يقولَ لها: «أنتِ بائِنٌ» فيَنوِي عِنْدَ قَولِه: «أنتِ بَا» بتَركِ النِّيةِ عِنْدَ قَولِه: «ئِنٌ»، أو يَتركَ النِّيةَ عِنْدَ قَولِه: «أنتِ بَا» ويَنوِي عِنْدَ قولِهِ: «ئِنٌ»، ففي وُقوعِ الطَّلاقِ بهِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَقعُ اللَّفظُ إذا اعتُبِرتْ فيهِ النِّيةُ، كانَ وُجودُها عِنْدَ بَعضِها كعَدمِها في جَميعِه، كالنِّيةِ في تَكبيرةِ الإحرامِ.
والوَجهُ الثَّاني -وهو الأصَحُّ-: أنَّ الطَّلاقَ واقِعٌ؛ لأنَّ استِصحابَ النِّيةِ في جَميعِ ما يُعتبَرُ فيهِ النِّيةُ ليسَ بلازمٍ، كالصَّلاةِ لا يلزَمُ استِصحابُ النِّيةِ في جَميعِها، وقالَ الماوَرْديُّ: والأصَحُّ عِندي أنْ يُنظَرَ في النِّيةِ؛ فإنْ وُجدَتْ في أوَّلِ اللَّفظِ وقَعَ بهِ الطَّلاقُ وإنْ عُدمَتْ في آخِرِه، كالصَّلاةِ إذا وُجدَتِ النِّيةُ في أوَّلِها جازَ أنْ تُعدَمَ في آخرِها، وإنْ وُجدَتِ النِّيةُ في آخِرِ اللَّفظِ وعُدمَتْ في أوَّلِه لم يَقعْ لهُ الطَّلاقُ، كالنِّيةِ في آخِرِ الصَّلاةِ، ولأنَّ النِّيةَ إذا انعَقدَتْ مع أوَّلِ اللَّفظِ كانَ باقيهِ راجِعًا إليها، وإذا خَلَتْ مِنْ أوَّلِه صارَ لغوًا وكانَ ما بقيَ منهُ معَ النِّيةِ ناقِصًا فخرَجَ مِنْ كِناياتِ الطَّلاقِ، وهذا التَّفصيلُ أشبَهُ بنصِّ الشَّافعيِّ؛ لأنهُ قالَ: لم يَكنْ طلاقًا حتَّى يُبتدَأَ ونيُه الطَّلاقُ، فاعتبَرَها في ابتِداءِ اللَّفظِ، واللهُ أعلمُ (١).
وقالَ الحنابِلةُ: الكِناياتُ في الطَّلاقِ نوعانِ: ظاهِرةٌ وخفيَّةٌ، فالظَّاهِرةُ:
стр. 10543
يقَعُ بها الثَّلاثُ؛ لأنَّ ذلكَ يُروَى عن عَليٍّ (١) وابنِ عُمرَ (٢) وزيدٍ (٣) في وَقائعَ مُختلِفةٍ، ولا يُعرَفُ لهم مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابةِ فكانَ إجماعًا، ولأنهُ لفظٌ يَقتضِي البَينونةَ بالطَّلاقِ فوقَعَ ثلاثًا كما لو طلَّقَ ثلاثًا، وإفضاؤُهُ إلى البَينونةِ ظاهِرٌ، ولا فرْقَ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِها؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم يُفرِّقوا.
وكانَ الإمامُ أحمَدُ يَكرهُ الفُتيَا في الكِناياتِ الظَّاهرةِ؛ لاختِلافِ الصَّحابةِ ﵃ معَ مَيْلِه أنَّها ثلاثٌ.
وعَنهُ: يَقعُ بالكِنايةِ الظَّاهرةِ ما نَواهُ؛ لِمَا رُويَ أنَّ رُكانةَ بنَ عَبدِ يَزِيدَ طلَّقَ امرَأتَه سُهَيمةَ البَتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ وقالَ: واللهِ ما أردْتُ إلَّا واحدةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «واللهِ ما أردْتَ إلَّا واحدةً؟ فقالَ رُكانةُ: واللهِ ما أردْتُ إلَّا واحدةً، فرَدَّها إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فطَلَّقَها الثَّانيةَ في زمانِ عُمرَ والثَّالثةَ في زمانِ عُثمانَ» (٤)،
стр. 10544
ولأنهُ ﷺ قالَ لابنَةِ الجَوْنِ: «الحَقِي بأهلِكِ» وهوَ لا يُطلِّقُ ثلاثًا.
فعلى هذهِ الرِّوايةِ إنْ لم يَنوِ الإتيانَ بالكِنايةِ الظَّاهرةِ بنيَّةِ الطَّلاقِ عَددًا فواحدةٌ، كما لو قالَ لها: أنتِ طالِقٌ، ويُقبَلُ منهُ حُكمًا بيانُ ما نَواهُ بالكِنايةِ الظَّاهرةِ، أو أنهُ لم يَنوِ شَيئًا بَناهُ على الرِّوايةِ الثَّانيةِ؛ لأنهُ أدرَى بنيتِه، ويَقعُ عليهِ واحدةٌ.
ويَقعُ ثلاثٌ في «أنتِ طالِقٌ بائِنٌ» أو «أنتِ طالِقٌ ألبتَّةَ» أو «أنتِ طالِقٌ بلا رَجعةٍ» ولا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ؛ لأنهُ وصَفَ بها الطَّلاقَ الصَّريحَ.
ولو قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ واحدةً بائِنةً، أو واحدةً بتَّةً» وقَعَ رَجعيًّا؛ لأنَّه وصَفَ الواحدةَ بغَيرِ وَصفِها فأُلغيَ.
و «أنتِ طالِقٌ واحدةً ثلاثًا، أو ثلاثًا واحدةً» يقَعُ ثلاثٌ.
والكِنايةُ الخفِيَّةُ: يقَعُ بها واحدةٌ؛ لأنَّ مُقتضاهُ التَّركُ دُونَ البَينونةِ كصَريحِ الطَّلاقِ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لابنَةِ الجَوْنِ: «الحَقِي بأهلِكِ» (١). ولم يَكنْ ليُطلِّقَ ثلاثًا، وقَد نهى عنهُ، وقالَ لسَودةَ: «اعتَدِّي» (٢) فجَعلَها طلْقةً.
стр. 10545
ما لم يَنوِ أكثرَ فيَقعُ ما نَوَى؛ لأنهُ لفظٌ لا يُنافي العَددَ، فوجَبَ وُقوعُ ما نَواهُ بهِ.
فإنْ لم يَنوِ مَنْ أتَى بكنايةٍ خفيَّةٍ عَددًا وقَعَ واحدةٌ رجعيَّةٌ إنْ كانَتْ مَدخولًا بها، وإلَّا بأنْ لم تكنِ المُطلَّقةُ مَدخولًا بها وَقعَتْ واحدةٌ بائِنةٌ؛ لأنَّها إنَّما تَقتضي التَّركَ كما يَقتضيهِ صَريحُ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ اقتِضاءٍ للبَينونةِ، فوقَعَ واحدةٌ رجعيَّةٌ كما لو أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ.
النَّوعُ الأوَّلُ: الكِنايةُ الظَّاهرةُ: وهي الألفاظُ المَوضوعةُ للبَينونةِ؛ لأنَّ مَعنَى الطَّلاقِ فيها أظهَرُ، وهي ستَّ عَشرةَ كِنايةً:
«أنتِ خَليَّةٌ» هي في الأصلِ: النَّاقةُ تُطلَقُ مِنْ عِقالِها ويُخلَّى عنها، ويُقالُ للمرأةِ (خَليَّةٌ) كِنايةً عنِ الطَّلاقِ.
و «بَريَّةٌ» و «بائِنٌ» أي: مُنفصِلةٌ، و «بَتَّةٌ» أي: مَقطوعةٌ، و «بَتْلَةٌ» أي: مُنقطِعةٌ، وسُمِّيتْ مَريمُ البَتولَ لانقِطاعِها عَنِ النِّكاحِ بالكُليَّةِ.
و «أنتِ حُرَّةٌ» لأنَّ الحُرَّةَ هي الَّتي لا رِقَّ عليها، ولا شَكَّ أنَّ النِّكاحَ رِقٌّ، وفي الخبَرِ: «فاتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ؛ فإنَّهنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ» أي: أُسَراءُ، والزَّوجُ ليسَ لهُ على الزَّوجةِ إلَّا رِقُّ الزَّوجيةِ، فإذا أخبَرَ بزَوالِ الرِّقِّ فهوَ الرِّقُ المَعهودُ وهوَ رِقُّ الزَّوجيةِ.
و «أنتِ الحَرَجُ» -بفَتحِ الحاءِ والرَّاءِ- يَعني: الحَرامُ والإثمُ.
стр. 10546
و «حَبْلُكِ على غارِبكِ» هوَ مُقدَّمُ السَّنامِ، أي: أنتِ مُرسَلةٌ مُطلَّقةٌ غَيرُ مَشدودةٍ ولا مُمسَكةٍ بعَقدِ النِّكاحِ.
وتَزوَّجِي مَنْ شِئتِ، وحَلَلْتِ للأزواجِ، ولا سَبيلَ لي عليكِ، ولا سُلطانَ لي عليكِ، وأَعتَقتُكِ، وغَطِّي شَعرَكِ، وتَقنَّعِي، وأمرُكِ بيَدكِ.
النَّوعُ الثَّاني: الكِنايةُ الخَفيَّةُ: لأنَّها أَخفَى في الدَّلالةِ مِنْ الأُولَى، وهي الألفاظُ المَوضوعةُ للطَّلقةِ الواحدةِ ما لم ينوِ أكثَرَ، نحوُ: اخرُجِي، واذهَبِي، وذُوقِي، وتَجرَّعِي، وخَلَّيتُكِ، وأنتِ مُخلَّاةٌ -أي مُطلَّقةٌ، مِنْ قَولِهم: خلَّى سَبيلِي، فهو مُخلًّى- وأنتِ واحدةُ -أي مُنفَردةٌ- ولستِ لي بامرأةٍ، واعتَدِّي، واستَبْرِئي -مِنْ استِبراءِ الإماءِ- واعتَزلِي -أي كُوني وَحْدَكِ في جانِبٍ- والحَقِي بأهلِكِ، ولا حاجَةَ لي فيكِ، وما بَقِيَ شيءٌ، وأعفاكِ اللهُ، واللهُ قد أراحَكِ مِنِّي، واختارِي، وجَرَى القَلَمُ، وكذا بلَفظِ الفِراقِ والسَّراحِ وما تَصرَّفَ مِنهُما غَيرُ ما تقدَّمَ استِثناؤُه في الصَّريحِ.
وقالَ ابنُ عَقيلٍ: «إنَّ اللهَ قَدْ طَلَّقَكِ» كِنايةٌ خَفيةٌ، وكذا «فرَّقَ اللهُ بَينِي وبَينكِ في الدُّنيا والآخِرةِ»، وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ في رَجلٍ قالَ لزَوجتِهِ: إنْ أَبرَأتِنِي فأنتِ طالِقٌ، فقالَتْ: أَبرأَكَ اللهُ ممَّا تَدَّعِي النِّساءُ على الرِّجالِ، فظَنَّ أنهُ يَبَرأُ فطلَّقَ قالَ: يَبْرَأُ ممَّا تَدَّعِي النِّساءُ على الرِّجالِ إنْ كانَتْ رَشيدةً.
فهذهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ -أي: إنَّ اللهَ قَدْ طلَّقَكِ، وفَرَّقَ اللهُ بَينِي وبَينكِ في
стр. 10547
الدُّنيا والآخِرَةِ، وأَبرأَكِ اللهُ- الحُكمُ فيها سَواءٌ، ونَظيرُ ذلكَ «إنَّ اللهَ قَدْ باعَك» في إيجابِ البَيعِ، أو «قَدْ أقالَكَ» في الإقالةِ، ونحوُ ذلكَ ك «إنَّ اللهَ قد أَجَّرَكَ، أو وَهبَكَ» والبَراءةُ فيما تقدَّمَ صَحيحةُ ولَو جَهِلَتْ ما أبرأت مِنه.
والكِنايةُ -ولو ظاهِرةً- لا يَقعُ بها طلاقٌ إلَّا أنْ يَنوِيهِ؛ لأنَّ الكِنايةَ لمَّا قَصُرَتْ رُتبتُها عَنْ الصَّريحِ وُقِفَ عَملُها على نيَّةِ الطَّلاقِ تَقويةً لها، ولأنها لفظٌ يَحتمِلُ غيرَ معنَى الطَّلاقِ، فلا يَتعيَّنُ لهُ بدُونِ النِّيةِ.
ويُشتَرطُ أنْ تكونَ النيَّةُ مُقارِنةً للَفظِ الكِنايةِ، فلو تَلفَّظَ بالكِنايةِ ثمَّ نوَى بها الطَّلاقَ بعْدَ ذلكَ لم يقَعْ، كما لو نَوى الطَّهارةَ بالغُسلِ قبْلَ فَراغِه مِنهُ. وقيلَ: يُعتبَرُ أنْ تُقارِنَ أوَّلَه.
فلو قارنَتِ الجُزءَ الثَّاني مِنَ الكِنايةِ دُونَ الأوَّلِ لم يَقعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ ما بقيَ لا يَصلُحُ للإيقاعِ بعْدَ إتيانِه بالجُزءِ الأوَّلِ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ.
وإنْ وُجدَتْ في أوَّلِه وعَزُبَت عَنهُ في سائِرِه وَقعَ.
أو يأتي معَ الكِنايةِ بما يَقومُ مَقامَ نيَّةِ الطَّلاقِ، كحالِ خُصومةٍ وغَضبٍ وجَوابِ سُؤالِها الطَّلاقَ، فيَقعُ الطَّلاقُ ممَّن أتى بكنايةٍ إِذَنْ ولو بلا نيَّةٍ؛ لأنَّ دَلالةَ الحالِ كالنِّيةِ، بدَليلِ أنها تُغيِّرُ حُكمَ الأقوالِ والأفعالِ، فإنَّ مَنْ قالَ: «يا عَفيفَ ابنَ العَفيفِ» حالَ تَعظِيمهِ كانَ مَدحًا، ولو قالَ حالَ الشَّتمِ كانَ ذمًّا وقَذْفًا.
فلوِ ادَّعى في هذهِ الأحوالِ -أي: حالَ الخَصومَةِ والغَضبِ وسُؤالِها
стр. 10548
الطَّلاقَ- أنهُ ما أرادَ الطَّلاقَ أو ادَّعى أنهُ أرادَ غيرَ الطَّلاقِ دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ؛ لاحتِمالِ صِدقِه، ولم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنهُ خِلافُ ما دَلَّتْ عليهِ الحالُ.
وما لا يَدلُّ على الطَّلاقِ نحوُ «كُلِي واشرَبِي واقعُدِي وقُومِي وباركَ اللهُ عليكِ وأنتِ مَليحةٌ أو قَبيحةٌ» لا يَقعُ بهِ طلاقٌ ولو نَواهُ؛ لأنهُ لا يَحتمِلُ الطَّلاقَ، فلو وقَعَ بهِ الطَّلاقُ وقَعَ بمُجرَّدِ النيَّةِ، وكذا قَولُه: «أنا طالِقٌ، أو أنا مِنكِ طالِقٌ، أو أنا مِنكِ بائِنٌ، أو حَرامٌ، أو بَريءٌ» فلا يقَعُ بهِ طلاقٌ وإنْ نَواهُ؛ لأنهُ مَحلٌّ لا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليهِ بالنِّيةِ، فتَعيَّنَ لهُ (١).
قولُ الزَّوجِ: «أنتِ عليَّ حرامٌ»:
اختَلفَ الفُقهاءُ في قَولِ الرَّجلِ لزَوجتهِ: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» هل يُعتبَرُ هذا القَولُ طلاقًا أم ظِهارًا أم يَمينًا فيهِ الكفَّارةُ؟ أم لا يُحسَبُ شيئًا أصلًا؟ أم يُحسَبُ حسَبَ نيَّتهِ؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمتُكِ عَليَّ، أو أنا عليكِ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمْتُ نَفسِي عليكِ، أو أنتِ مُحرَّمةٌ عَليَّ» فهو كلُّه سَواءٌ، ويُسألُ عَنْ نيَّتِه؛ لأنَّه تكلَّمَ بكَلامٍ مُبهَمٍ مُحتمِلٍ
стр. 10549
لمَعانٍ، وكَلامُ المُتكلِّمِ مَحمولٌ على مُرادِه، ومُرادُه إنما يُعرَفُ مِنْ جِهتِه، فيُسألُ عَنْ نيَّتِه.
فإنْ قالَ: «نَوَيتُ الطَّلاقَ» فهي تَطليقةٌ بائِنةٌ إلَّا أنْ يَنويَ الثَّلاثَ، فإنْ نَوى ثلاثًا فثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدةً فواحِدةٌ، وإنْ نَوى ثِنتَينِ فواحِدةٌ بائِنةٌ؛ لأنَّ قولَه: «حَرامٌ» كِنايةٌ، والكِنايةُ يُرجَعُ فيها إلى نيَّتِه.
وإنْ قالَ: «أردْتُ الظِّهارَ فهو ظِهارٌ عِنْدَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ؛ لأنَّه وصَفَها بالتَّحريمِ، وفي الظِّهارِ نوعُ تَحريمٍ، والمُطلَقُ يُحمَلُ على المُقيَّدِ إذا نَواهُ؛ لأنه وصَفَها بكَونِها مُحرَّمةً، والمَرأةُ تارةً تكونُ مُحرَّمةً بالطَّلاقِ، وتارةً تكونُ مُحرَّمةً بالظِّهارِ، فأيَّ ذلكَ نَوى فقَدْ نَوى ما يَحتمِلُه كَلامُه فيُصدَّقُ فيهِ.
وقالَ مُحمدٌ: لا يكونُ ظِهارًا؛ لانعِدامِ التَّشبيهِ بالمَحارمِ؛ لأنَّ الظِّهارَ تَشبيهُ الحلالِ بالحَرامِ، والتَّشبيهُ لا بُدَّ لهُ مِنْ حَرفِ التَّشبيهِ ولم يُوجَدْ، فلا يكونُ ظِهارًا.
وإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ، أو لم أُرِدْ بهِ شيئًا» فهو يَمينٌ يَصيرُ بها مُوليًا؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ إنَّما هوَ اليَمينُ، فإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ» فقَدْ أرادَ اليَمينَ، وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ شَيئًا» لم يُصدَّقْ في القَضاءِ؛ لأنَّ ظاهِرَ ذلكَ اليَمينُ، وإذا ثبَتَ أنه يَمينٌ كانَ بها مُوليًا، حتَّى لو ترَكَها أربعةَ أشهُرٍ بانَتْ بتَطليقةٍ؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ أنْ يكونَ يَمينًا.
стр. 10550
وإنْ قالَ: «أردْتُ الكذِبَ» فليسَ بشيءٍ وهوَ كما قالَ، ولا يكونُ إيلاءً؛ لأنَّه نَوى حَقيقةَ كَلامِه، وهذا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ، أمَّا في القَضاءِ فلا يُصدَّقُ ويكونُ يَمينًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الحرامَ في الشَّرعِ يَمينٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، قيلَ: نَزلَتِ الآيةُ في تَحريمِ جارِيتِه ﷺ ماريةَ القبطيَّةِ لمَّا قالَ: «هي عليَّ حَرامٌ»، وسمَّى اللهُ تعالَى ذلكَ يَمينًا بقَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: وسَّعَ اللهُ عليكُم أو أباحَ لكُم أنْ تُحِلُّوا مَنْ أيمانِكُم بالكَّفارةِ، وفي بَعضِ القِراءاتِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ كَفَّارَةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، والخِطابُ عامٌّ يَتناولُ رَسولَ اللهِ وأمَّتَه.
وكفَّارةُ اليَمينِ تَستَدعي وُجودَ اليَمينِ، فدَلَّ أنَّ هذا اللَّفظَ يَمينٌ في الشَّرعِ، فإذا نَوى بهِ الكذِبَ لا يُصدَّقُ في إبطالِ اليَمينِ في القَضاءِ؛ لعُدولِه عنِ الظَّاهِرِ.
وقالَ في «اللُّبابِ»: قالَ في «الهِداية»: ومِنَ المَشايخِ مَنْ يَصرِفُ لفْظَ التَّحريمِ إلى الطَّلاقِ مِنْ غيرِ نيَّةٍ لحُكمِ العُرفِ، قالَ الإمامُ المَحبُوبِيُّ: وبهِ يُفتَى.
وقالَ نَجمُ الأئمَّةِ: قالَ أصحابُنا المُتأخِّرونَ: «الحَلالُ عَليَّ حَرامٌ، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ، أو حَلالُ اللهِ عليَّ حَرامٌ، أو كُلُّ حَلالٍ عليَّ حَرامٌ» طلاقٌ بائِنٌ، ولا يَفتقِرُ إلى النَّيةِ؛ للعُرفِ، حتَّى قالُوا في قَولِ مُحمدٍ: (إنْ نَوى يَمينًا
стр. 10551
فهُوَ يَمينٌ، ولا تَدخُلُ امرأتُهُ إلَّا بالنِّيةِ، وهو على المأكُولِ والمَشروبِ): إنَّما أجابَ بهِ على عُرفِ دِيارِهم، أمَّا في عُرفِ بلادِنا فيُريدُونَ تَحريمَ المَنكُوحةِ فيُحمَلُ عليهِ. اه.
وفي «مُختارات النَّوازِلِ»: وقَد قالَ المُتأخِّرونَ: يَقعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ؛ لغَلبةِ الاستِعمالِ بالعُرفِ، وعليهِ الفَتوَى، ولهذا لا يَحلِفُ بهِ إلَّا الرِّجالُ، قُلتُ: ومِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ في مِصْرِنا وريفِنا: (الطَّلاقُ يَلزمُني) و (الحَرامُ يَلزمُني) و (عليَّ الطَّلاقُ) و (عليَّ الحَرامُ) كذا في «التَّصحِيح» (١).
وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» تكونُ طالِقًا بالثَّلاثِ، ولا يُسألُ عن نيَّتِه؛ لِمَا رَواهُ مالِكٌ في «المُوطَّأ» أنَّه بلَغَه أنَّ عليَّ بنِ أبي طالِبٍ كانَ يقولُ في الرَّجُلِ يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّها ثلاثُ تَطليقاتٍ».
قالَ مالكٌ: وذلكَ أحسَنُ ما سَمِعتُ في ذلكَ (٢).
وإذا قالَ لها قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنها ثلاثٌ، إلَّا أنْ يقولَ: «نَويتُ واحِدةً» في قولِ مالِكٍ، وقالَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ: هي
стр. 10552
واحِدةٌ إلَّا أنْ يقولَ: «أردْتُ ثلاثًا»، وقالَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجشُونِ: لا يَنوي فيها وهي ثلاثٌ على كُلِّ حالٍ كالمَدخولِ بها سَواءٌ.
جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» هل تَسألُه عَنْ نيَّتِه أو عن شيءٍ مِنْ الأشياءِ؟ (قالَ): لا يُسألُ عن شيءٍ عِنْدَ مالكٍ، وهيَ ثلاثٌ ألبتَّةُ إنْ كانَ دخَلَ بها، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» وقالَ: «لم أُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، إنما أردْتُ بهذا القَولِ الظِّهارَ»؟ (قالَ): سَمعتُ مالِكًا يَقولُ في الَّذي يَقولُ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقُ ألبَتَّةَ» ثَّم زعَمَ أنه إنَّما أرادَ بذلكَ واحِدةً: إنَّ ذلكَ لا يُقبَلُ مِنهُ، قالَ مالِكٌ: إنَّما يُؤخَذُ النَّاسُ بما لفَظَتْ به ألسِنَتُهم مِنْ أمرِ الطَّلاقِ، (قالَ ابنُ القاسِمِ): والحَرامُ عِنْدَ مالِكٍ طلاقٌ، ولا يَدِينُ في الحَرامِ كما لا يَدِينُ في الطلَّاقِ …
(قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» يَنوِي بذلكَ تَطليقةً أو تَطليقتَينِ، أيَكونُ ذلكَ لهُ في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: إنْ كانَ قَدْ دخَلَ بها فهيَ البَتَّةُ، وليسَ نيَّتُه بشيءٍ، فإنْ لَم يَدخُلْ بها فذلكَ لهُ؛ لأنَّ الواحِدةَ والاثنتَينِ تُحرِّمُ الَّتي لم يُدخَلْ بها، والمَدخولُ بها لا يُحرِّمُها إلَّا الثَّلاثُ …
(قُلتُ): أرَأيتَ إذا قالَ لامرأتِهِ: «قدْ حرَّمتُكِ عليَّ، أو قَدْ حَرَّمْتُ نَفسِي عليكِ» أهوَ سواءٌ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعمْ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: إذا قالَ: «قدْ طَلَّقتُكِ، أو أنا طالِقٌ مِنكِ» إنَّ هذا سَواءٌ وهيَ طالِقٌ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ