← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10536–10575 · переход к 10541.

стр. 10536

لم يَنوِ شَيئًا، فإنْ نَوَى أقلَّ لَزمَه ما نَواهُ، سواءٌ دخَلَ بها أو لم يَدخُلْ، فإنْ نَوَى الواحدةَ البائِنةَ لَزمَه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها ولا يَنوي، ولَزمَه واحِدةٌ في غَيرِها. النَّوعُ السَّادسُ: ما يَلزمُ فيهِ الثَّلاثُ في المَدخولِ بها فقَطْ، ويَنوِي في غَيرِ المَدخولِ بها كقَولِهِ: «وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرامٌ، أو وَجْهِي على وَجْهِكِ حَرامٌ»، وك: «لا نِكاحِ بَيْنِي وبيْنَكِ، أو لا مِلكَ لي عليكِ، أو لا سَبيلَ لي عَليكِ» فيَلزمُه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها فقطْ. إلَّا لعِتابٍ، فإنْ كانَ لعِتابٍ فلا شيءَ عليهِ، كما لو كانَتْ تَفعَلُ أُمورًا لا تُوافِقُ غرَضَه بلا إذنٍ منهُ فقالَ لها ذلكَ، فالعِتابُ قَرينةٌ وبِساطٌ دالٌّ على عَدمِ إرادَتِه الطَّلاقَ كقَولِه: «يا حَرامُ» ولم يَنوِ بهِ الطَّلاقَ، أو قالَ: «الحَلالُ حَرامٌ» أو قالَ: «الحَلالُ حَرامٌ عَليَّ، أو عليَّ حَرامٌ، أو جَميعُ ما أملِكُ حَرامٌ» ولم يُرِدْ إدخالَ الزَّوجةِ في لَفظٍ مِنْ هذهِ الألفاظِ فلا شيءَ عليهِ، فإنْ قصَدَ إدخالَها فثلاثٌ في المَدخولِ بها وفي غَيرِها إلَّا لنيَّةِ أقلَّ. النَّوعُ السَّابعُ: ما يَلزمُ فيهِ واحدةٌ إلَّا لِنيَّةِ أكثَرَ، دخَلَ بها أم لا، ك: «فارَقتُكِ» إلَّا لنيَّةِ أكثَرَ، وهيَ رَجعيَّةٌ في المَدخولِ بها. وكلُّ ذلكَ ما لم يَدلَّ البساطُ والقَرائنُ على عدَمِ إرادةِ الطَّلاقِ، وأنَّ المُخاطَبةَ بلَفظٍ ممَّا ذُكِرَ ليسَتْ في مَعرِضِ الطَّلاقِ بحالٍ. ويُصدَّقُ في نَفيِ الطَّلاقِ إنْ دَلَّ بِساطٌ على النَّفيِ في جَميعِ الكِناياتِ

стр. 10537

الظَّاهرةِ كالصَّريحِ، فإنهُ يُصدَّقُ في نَفيهِ عِنْدَ قيامِ القَرائنِ، كما لو أخَذَها الطَّلقُ عِنْدَ ولادَتِها فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» إعلامًا أو استِعلامًا، أو كانَتْ مَربُوطةً فقالَتْ لهُ هي أو غَيرُها: أطلِقْنِي، فقالَ: أنتِ طالِقٌ، ونحوُ ذلكَ ممَّا يَقتضيهِ الحالُ. والقِسمُ الثَّاني: الكِنايةُ الخَفيَّةُ: وهي ما شأنُها أنْ تُستعمَلَ في غَيرِ الطَّلاقِ، فالكِنايةُ المُحتملةُ كقَولِه: «الحَقِي بأهلِكِ واذهَبِي وابعُدِي عنِّي» وما أشبَهَ ذلكَ، فهذا لا يَلزمُه الطَّلاقُ إلَّا إنْ نَواهُ، وإنْ قالَ أنهُ لم يَنوِ الطَّلاقَ قُبِلَ قَولُه في ذلكَ. فيَنوِي في أصلِ الطَّلاقِ وفي عَددِه في كُلِّ كِنايةٍ خَفيَّةٍ تُوهِمُ قصْدَ الطَّلاقِ نحوُ: اذهَبِي وانصَرِفي وانطَلِقي، أو أنا لم أتزَوَّجْ، أو قيلَ لهُ: أَلَكَ امرأةٌ؟ فقالَ: لا، أو قالَ لها: أنتِ حُرَّةٌ أو مُعتَقةٌ أو الحَقِي بأهلِكِ، فإنِ ادَّعَى عدَمَ الطَّلاقِ صُدِّقَ، وإنِ ادَّعَى عَددًا واحِدةً أو أكثَرَ صُدِّقَ، فإنِ ادَّعَى أنهُ نَوَى الطَّلاقَ ولَم يَنوِ عَددًا لَزمَه الثَّلاثُ في المَدخولِ بها وغَيرِها. وإنْ قصَدَ الطَّلاقَ بكَلمةٍ ك: «اسقِينِي» أو صَوتٍ ساذَجٍ لَزِمَ، وهذا مِنَ الكِنايةِ الخفيَّةِ عندَ الفُقهاءِ وإنْ لَم يُستعمَلْ في لازِمِ مَعناهُ. وإنْ قصَدَ التَّلفظَ بالطَّلاقِ فعدَلَ لغَيرِهِ غَلطًا كما لو أرادَ أنْ يقولَ: «أنتِ طالِقٌ» فالتَفَتَ لِسانُه بقَولهِ: «أنتِ قائِمةٌ» فلا يَلزمُه شيءٌ؛ لعَدمِ وُجودِ رُكنِهِ -وهو اللَّفظُ الدَّالُّ عليهِ- أو غَيرِهِ معَ نيَّتهِ، بلْ أرادَ إيقاعَهُ بلَفظِه، فوقَعَ في غَيرِه.

стр. 10538

وكذا إذا أرادَ أنْ يَنطِقَ بالثَّلاثِ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» وسكَتَ عنِ التَّلفظِ بالثَّلاثِ فلا يَلزمُه ما زادَ على الواحِدةِ؛ لأنهُ لم يَقصدِ الثَّلاثِ بقَولِه: أنتِ طالِقٌ، وإنَّما أرادَ أنْ يَنطِقَ بالثَّلاثِ فبَدَا لهُ عدَمُ الثَّلاثُ فسكَتَ عَنِ النُّطقِ به. وأمَّا لو أرادَ أنْ يُنجِّزَ واحدةً فقالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فقيلَ: يَلزمُه الثَّلاثُ في الفَتوى والقَضاءِ، وهو قولُ مالِكٍ وسحنُونٍ، وأمَّا لو أرادَ أنْ يُعلِّقَ الثَّلاثَ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» وسكَتَ ولم يَأتِ بالشَّرطِ فلا شيءَ عليهِ (١). وقالَ الشَّافعيةِ: ألفاظُ الكِنايةِ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ إلَّا معَ النِّيةِ، وهي كَثيرةٌ كقَولِه: أنتِ خَليَّةٌ وبَريَّةٌ وبَتَّةٌ وبَتْلَةٌ وبائِنٌ وحَرامٌ وحُرَّةٌ وأنتِ واحِدَةٌ واعتَدِّي واستَبْرِئي رَحِمَكِ والحَقِي بأهلِكِ وحَبْلُكِ على غارِبكِ ولا أَنْدَهُ سِرْبَكِ -أي: لا أَزْجُرُ إِبلَكِ، ومَعناهُ لا أهتَمُّ بشَأنِكِ- واغرُبِي واعزُبِي واخرُجِي واذهَبِي وسافِرِي وتَجنَّبِي وتَجرَّدِي وتقنَّعِي وتَستَّرِي والزَمِي الطَّريقَ وبِينِي وأَبْعِدِي ووَدِّعِينِي ودَعِينِي وبَرئْتُ مِنكِ ولا حاجةَ لي فيكِ وأنتِ وشأنُكِ وأنتِ مُطلَقةٌ ومُنطَلِقةٌ وتَجرَّعِي وذُوقِي وتَزوَّدِي وما أشبَهَ

стр. 10539

ذلكَ؛ إذْ ضابِطُ الكِنايةِ: كُلُّ لفظٍ لهُ إشعارٌ قَريبٌ بالفِراقِ ولم يَشعِ استِعمالُه فيهِ شَرعًا ولا عُرفًا. أمَّا الألفاظُ الَّتي لا تَحتملُ الطَّلاقَ إلَّا على تَقديرٍ مُتعسِّفٍ فلا أثَرَ لها، فلا يَقعُ بها طلاقٌ وإنْ نَوَى، وذلكَ كقولِه: بارَكَ اللهِ فيكِ وأحسَنَ اللهُ جَزاءَكِ وما أحسَنَ وجهَكِ وتَعالِي واقرُبِي واغزِلِي واسقِينِي وأطعِمينِي وزَوِّدِيني واقعُدِي وما أشبَهَ ذلكَ. ولو قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ حُرَّةٌ أو مُعتَقةٌ أو أعتَقتُكِ» ونَوَى الطَّلاقَ طُلِّقَتْ. وليسَ الطَّلاقُ كنايةَ ظِهارٍ وعَكسُهُ وإنِ اشتَركَا في إفادةِ التَّحريمِ؛ لأنَّ تَنفيذَ كُلٍّ مِنهُما في مَوضوعِه مُمكِنٌّ، فهذهِ المَسألةُ مِنْ فُروعِ قاعِدةِ (ما كانَ صَريحًا في بابِهِ ووجَدَ نفاذًا في مَوضُوعِه لا يكونُ كِنايةً في غَيرِه)، فلو قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي» ونَوَى الطَّلاقَ أو «أنتِ طالِقٌ» ونَوَى الظِّهارَ لم يَقَعْ ما نَواهُ، بلْ يقَعُ مُقتضَى الصَّريحِ. وإذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ أو مُحرَّمةٌ أو حرَّمتُكِ» بأنْ نوَى الطَّلاقَ نفَذَ رَجعيًّا، فإنْ نوَى عَددًا وقَعَ ما نوَى. وفي وَجهٍ: لا يَكونُ طلاقًا إذا قُلنا: إنهُ صَريحٌ في اقتِضاءِ الكفَّارةِ؛ لأنَّ اللَّفظَ الصَّريحَ إذا وجَدَ نفاذًا في مَوضوعِه لا يَنصرِفُ إلى غَيرِه بالنِّيةِ. وإنْ نوَى الظِّهارَ فهو ظِهارٌ، وإنْ نَواهُما مَعًا فهلْ يكونُ ظِهارًا أم

стр. 10540

طلاقًا؟ أم تَخيَّر فما اختارَهُ مِنهُما ثبَتَ؟ فيهِ أوجُهٌ أصَحُّها الثَّالثُ، ولا يَنعقِدُ الاثنانِ معًا قَطعًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ يُزيلُ النِّكاحَ، والظِّهارُ يَستَدعِي بقاءَهُ. أو نوَى بذلكَ تَحريمَ عَيْنِها أو فَرجِها أو وَطئِها أو رأسِها لم تَحرُمْ عليهِ، وإنْ كُرِهَ لهُ ذلكَ؛ لمَا رَوَى النَّسائِيُّ «أنَّ رَجلًا سألَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: إنِّي جَعلْتُ امرَأتي عليَّ حَرامًا، فقالَ: كَذبْتَ ليسَتْ عليكَ بحَرامٍ، ثمَّ قرَأَ قولَه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَة»، ولكنْ عَليهِ كفَّارَةُ يمينٍ -أي مِثلُها-؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ اليَمينَ إنَّما تَنعقِدُ باسِمٍ مِنْ أسمائِه تعالَى أو صفةٍ مِنْ صِفاتِه، ولا يَتوقَّفُ وُجوبُها على الوَطءِ، كما لو قالَ ذلكَ لأَمَتِه؛ أخذًا مِنْ قِصَّةِ مارِيةَ لمَّا قالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «هيَ عليَّ حَرامٌ نزَلَ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾» أي: أوجَبَ عليكُم كفَّارةً ككفَّارةِ أيْمانِكُم. وكذا لا تَحرُمُ عليهِ وإنْ كُرِهَ لهُ ذلكَ، وعليهِ كفَّارةُ يَمينٍ في الحالِ أي مِثلُها كما مرَّ، وهذا إنْ لم تكنْ لهُ نيَّةٌ في قَولِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» في الأظهَرِ؛ لعُمومِ ما مَرَّ. والثَّاني: أنَّ هذا القولَ لَغوٌ فلا كفَّارةَ عليهِ فيهِ. الكِنايةُ لا تَعمَلُ بنَفسِها، بلْ لا بُدَّ فيها مِنْ نيَّةِ الطَّلاقِ، وتَقتَرنُ النِّيةُ باللَّفظِ، فلو تَقدَّمتْ ثمَّ تَلفَّظَ بلا نيَّةِ أو فرَغَ مِنْ اللَّفظِ ثمَّ نوَى لم تُطلَّقْ، فلوِ اقتَرنَتْ بأوَّلِ اللَّفظِ دُونَ آخرِه أو عَكسُه طُلِّقَتْ على الأصحِّ، ولا تَلتحِقُ

стр. 10541

الكِنايةُ بالصَّريحِ بسُؤالِ المَرأةِ الطَّلاقَ ولا بقَرينةِ الغَضبِ واللِّجاجِ، ومتى تَلفَّظَ بكِنايةٍ وقالَ: «ما نَوَيتُ» صُدِّقَ بيَمينِه، فإنْ نكَلَ حلَفَتْ وحُكِمَ بوُقوعِ الطَّلاقِ، وربَّما اعتمدَتْ قَرائِن يجوزُ الحَلِفُ بمِثلِها. ويُشترطُ أنْ تكونَ نيَّةُ الطَّلاقِ في الكِنايةِ مُقارِنةً للَّفظِ. ولا يَخلوُ حالُ النِّيةِ مِنْ أربعةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ تكونَ النِّيةُ مُتقدِّمةً على جَميعِ اللَّفظِ، فلا يقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ النيَّةَ تجرَّدَتْ عَنْ لفظٍ فلم يقَعْ بها طلاقٌ، واللَّفظُ تَجرَّدَ عن نيَّةٍ فلم يَقعْ بهِ طلاقٌ. والقِسمُ الثَّاني: أنْ تكونَ النِّيةُ مُتأخِّرةً عن جَميعِ اللَّفظِ، فلا يقَعُ الطَّلاقُ أيضًا؛ لِمَا ذكَرْنا أنَّ اللَّفظَ لمَّا تَجرَّدَ عنِ النِّيةِ لمْ يَقعْ بهِ طلاقٌ، والنَّيةُ لمَّا تجرَّدَتْ عنِ اللَّفظِ لم يقَعْ بها طلاقٌ. مِثالُ هذَينِ: نيَّةُ الصَّلاةِ إنْ تَقدَّمَتْ على الإحرامِ لم تصِحَّ، وإنْ تأخَّرتْ عنهُ لم تصِحَّ. والقِسمُ الثَّالثُ: أنْ تكونَ النِّيةُ مُقارِنةً لجَميعِ اللَّفظِ، فتُوجَدُ مِنْ أوَّلِ اللَّفظِ إلى آخِرِه، فالطَّلاقُ واقِعٌ باللَّفظِ والنِّيةِ معًا، ولا يكونُ وُقوعُه بأحدِهما وإنْ كانَ اللَّفظُ هو المُغلَّبُ لظُهورِه. والقِسمُ الرَّابعُ: أنْ تُوجَدَ النِّيةُ في بعضِ اللَّفظِ وتُعدَمَ في بعضِه، إمَّا أنْ تُوجَدَ في أوَّلِه وتُعدَمَ في آخرِه، أو تُوجَدَ في آخرِهِ وتُعدَمَ في أوَّلِه، مِثلَ أنْ

стр. 10542

يقولَ لها: «أنتِ بائِنٌ» فيَنوِي عِنْدَ قَولِه: «أنتِ بَا» بتَركِ النِّيةِ عِنْدَ قَولِه: «ئِنٌ»، أو يَتركَ النِّيةَ عِنْدَ قَولِه: «أنتِ بَا» ويَنوِي عِنْدَ قولِهِ: «ئِنٌ»، ففي وُقوعِ الطَّلاقِ بهِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَقعُ اللَّفظُ إذا اعتُبِرتْ فيهِ النِّيةُ، كانَ وُجودُها عِنْدَ بَعضِها كعَدمِها في جَميعِه، كالنِّيةِ في تَكبيرةِ الإحرامِ. والوَجهُ الثَّاني -وهو الأصَحُّ-: أنَّ الطَّلاقَ واقِعٌ؛ لأنَّ استِصحابَ النِّيةِ في جَميعِ ما يُعتبَرُ فيهِ النِّيةُ ليسَ بلازمٍ، كالصَّلاةِ لا يلزَمُ استِصحابُ النِّيةِ في جَميعِها، وقالَ الماوَرْديُّ: والأصَحُّ عِندي أنْ يُنظَرَ في النِّيةِ؛ فإنْ وُجدَتْ في أوَّلِ اللَّفظِ وقَعَ بهِ الطَّلاقُ وإنْ عُدمَتْ في آخِرِه، كالصَّلاةِ إذا وُجدَتِ النِّيةُ في أوَّلِها جازَ أنْ تُعدَمَ في آخرِها، وإنْ وُجدَتِ النِّيةُ في آخِرِ اللَّفظِ وعُدمَتْ في أوَّلِه لم يَقعْ لهُ الطَّلاقُ، كالنِّيةِ في آخِرِ الصَّلاةِ، ولأنَّ النِّيةَ إذا انعَقدَتْ مع أوَّلِ اللَّفظِ كانَ باقيهِ راجِعًا إليها، وإذا خَلَتْ مِنْ أوَّلِه صارَ لغوًا وكانَ ما بقيَ منهُ معَ النِّيةِ ناقِصًا فخرَجَ مِنْ كِناياتِ الطَّلاقِ، وهذا التَّفصيلُ أشبَهُ بنصِّ الشَّافعيِّ؛ لأنهُ قالَ: لم يَكنْ طلاقًا حتَّى يُبتدَأَ ونيُه الطَّلاقُ، فاعتبَرَها في ابتِداءِ اللَّفظِ، واللهُ أعلمُ (١). وقالَ الحنابِلةُ: الكِناياتُ في الطَّلاقِ نوعانِ: ظاهِرةٌ وخفيَّةٌ، فالظَّاهِرةُ:

стр. 10543

يقَعُ بها الثَّلاثُ؛ لأنَّ ذلكَ يُروَى عن عَليٍّ (١) وابنِ عُمرَ (٢) وزيدٍ (٣) في وَقائعَ مُختلِفةٍ، ولا يُعرَفُ لهم مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابةِ فكانَ إجماعًا، ولأنهُ لفظٌ يَقتضِي البَينونةَ بالطَّلاقِ فوقَعَ ثلاثًا كما لو طلَّقَ ثلاثًا، وإفضاؤُهُ إلى البَينونةِ ظاهِرٌ، ولا فرْقَ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِها؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم يُفرِّقوا. وكانَ الإمامُ أحمَدُ يَكرهُ الفُتيَا في الكِناياتِ الظَّاهرةِ؛ لاختِلافِ الصَّحابةِ ﵃ معَ مَيْلِه أنَّها ثلاثٌ. وعَنهُ: يَقعُ بالكِنايةِ الظَّاهرةِ ما نَواهُ؛ لِمَا رُويَ أنَّ رُكانةَ بنَ عَبدِ يَزِيدَ طلَّقَ امرَأتَه سُهَيمةَ البَتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ وقالَ: واللهِ ما أردْتُ إلَّا واحدةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «واللهِ ما أردْتَ إلَّا واحدةً؟ فقالَ رُكانةُ: واللهِ ما أردْتُ إلَّا واحدةً، فرَدَّها إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فطَلَّقَها الثَّانيةَ في زمانِ عُمرَ والثَّالثةَ في زمانِ عُثمانَ» (٤)،

стр. 10544

ولأنهُ ﷺ قالَ لابنَةِ الجَوْنِ: «الحَقِي بأهلِكِ» وهوَ لا يُطلِّقُ ثلاثًا. فعلى هذهِ الرِّوايةِ إنْ لم يَنوِ الإتيانَ بالكِنايةِ الظَّاهرةِ بنيَّةِ الطَّلاقِ عَددًا فواحدةٌ، كما لو قالَ لها: أنتِ طالِقٌ، ويُقبَلُ منهُ حُكمًا بيانُ ما نَواهُ بالكِنايةِ الظَّاهرةِ، أو أنهُ لم يَنوِ شَيئًا بَناهُ على الرِّوايةِ الثَّانيةِ؛ لأنهُ أدرَى بنيتِه، ويَقعُ عليهِ واحدةٌ. ويَقعُ ثلاثٌ في «أنتِ طالِقٌ بائِنٌ» أو «أنتِ طالِقٌ ألبتَّةَ» أو «أنتِ طالِقٌ بلا رَجعةٍ» ولا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ؛ لأنهُ وصَفَ بها الطَّلاقَ الصَّريحَ. ولو قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ واحدةً بائِنةً، أو واحدةً بتَّةً» وقَعَ رَجعيًّا؛ لأنَّه وصَفَ الواحدةَ بغَيرِ وَصفِها فأُلغيَ. و «أنتِ طالِقٌ واحدةً ثلاثًا، أو ثلاثًا واحدةً» يقَعُ ثلاثٌ. والكِنايةُ الخفِيَّةُ: يقَعُ بها واحدةٌ؛ لأنَّ مُقتضاهُ التَّركُ دُونَ البَينونةِ كصَريحِ الطَّلاقِ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لابنَةِ الجَوْنِ: «الحَقِي بأهلِكِ» (١). ولم يَكنْ ليُطلِّقَ ثلاثًا، وقَد نهى عنهُ، وقالَ لسَودةَ: «اعتَدِّي» (٢) فجَعلَها طلْقةً.

стр. 10545

ما لم يَنوِ أكثرَ فيَقعُ ما نَوَى؛ لأنهُ لفظٌ لا يُنافي العَددَ، فوجَبَ وُقوعُ ما نَواهُ بهِ. فإنْ لم يَنوِ مَنْ أتَى بكنايةٍ خفيَّةٍ عَددًا وقَعَ واحدةٌ رجعيَّةٌ إنْ كانَتْ مَدخولًا بها، وإلَّا بأنْ لم تكنِ المُطلَّقةُ مَدخولًا بها وَقعَتْ واحدةٌ بائِنةٌ؛ لأنَّها إنَّما تَقتضي التَّركَ كما يَقتضيهِ صَريحُ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ اقتِضاءٍ للبَينونةِ، فوقَعَ واحدةٌ رجعيَّةٌ كما لو أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ. النَّوعُ الأوَّلُ: الكِنايةُ الظَّاهرةُ: وهي الألفاظُ المَوضوعةُ للبَينونةِ؛ لأنَّ مَعنَى الطَّلاقِ فيها أظهَرُ، وهي ستَّ عَشرةَ كِنايةً: «أنتِ خَليَّةٌ» هي في الأصلِ: النَّاقةُ تُطلَقُ مِنْ عِقالِها ويُخلَّى عنها، ويُقالُ للمرأةِ (خَليَّةٌ) كِنايةً عنِ الطَّلاقِ. و «بَريَّةٌ» و «بائِنٌ» أي: مُنفصِلةٌ، و «بَتَّةٌ» أي: مَقطوعةٌ، و «بَتْلَةٌ» أي: مُنقطِعةٌ، وسُمِّيتْ مَريمُ البَتولَ لانقِطاعِها عَنِ النِّكاحِ بالكُليَّةِ. و «أنتِ حُرَّةٌ» لأنَّ الحُرَّةَ هي الَّتي لا رِقَّ عليها، ولا شَكَّ أنَّ النِّكاحَ رِقٌّ، وفي الخبَرِ: «فاتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ؛ فإنَّهنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ» أي: أُسَراءُ، والزَّوجُ ليسَ لهُ على الزَّوجةِ إلَّا رِقُّ الزَّوجيةِ، فإذا أخبَرَ بزَوالِ الرِّقِّ فهوَ الرِّقُ المَعهودُ وهوَ رِقُّ الزَّوجيةِ. و «أنتِ الحَرَجُ» -بفَتحِ الحاءِ والرَّاءِ- يَعني: الحَرامُ والإثمُ.

стр. 10546

و «حَبْلُكِ على غارِبكِ» هوَ مُقدَّمُ السَّنامِ، أي: أنتِ مُرسَلةٌ مُطلَّقةٌ غَيرُ مَشدودةٍ ولا مُمسَكةٍ بعَقدِ النِّكاحِ. وتَزوَّجِي مَنْ شِئتِ، وحَلَلْتِ للأزواجِ، ولا سَبيلَ لي عليكِ، ولا سُلطانَ لي عليكِ، وأَعتَقتُكِ، وغَطِّي شَعرَكِ، وتَقنَّعِي، وأمرُكِ بيَدكِ. النَّوعُ الثَّاني: الكِنايةُ الخَفيَّةُ: لأنَّها أَخفَى في الدَّلالةِ مِنْ الأُولَى، وهي الألفاظُ المَوضوعةُ للطَّلقةِ الواحدةِ ما لم ينوِ أكثَرَ، نحوُ: اخرُجِي، واذهَبِي، وذُوقِي، وتَجرَّعِي، وخَلَّيتُكِ، وأنتِ مُخلَّاةٌ -أي مُطلَّقةٌ، مِنْ قَولِهم: خلَّى سَبيلِي، فهو مُخلًّى- وأنتِ واحدةُ -أي مُنفَردةٌ- ولستِ لي بامرأةٍ، واعتَدِّي، واستَبْرِئي -مِنْ استِبراءِ الإماءِ- واعتَزلِي -أي كُوني وَحْدَكِ في جانِبٍ- والحَقِي بأهلِكِ، ولا حاجَةَ لي فيكِ، وما بَقِيَ شيءٌ، وأعفاكِ اللهُ، واللهُ قد أراحَكِ مِنِّي، واختارِي، وجَرَى القَلَمُ، وكذا بلَفظِ الفِراقِ والسَّراحِ وما تَصرَّفَ مِنهُما غَيرُ ما تقدَّمَ استِثناؤُه في الصَّريحِ. وقالَ ابنُ عَقيلٍ: «إنَّ اللهَ قَدْ طَلَّقَكِ» كِنايةٌ خَفيةٌ، وكذا «فرَّقَ اللهُ بَينِي وبَينكِ في الدُّنيا والآخِرةِ»، وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ في رَجلٍ قالَ لزَوجتِهِ: إنْ أَبرَأتِنِي فأنتِ طالِقٌ، فقالَتْ: أَبرأَكَ اللهُ ممَّا تَدَّعِي النِّساءُ على الرِّجالِ، فظَنَّ أنهُ يَبَرأُ فطلَّقَ قالَ: يَبْرَأُ ممَّا تَدَّعِي النِّساءُ على الرِّجالِ إنْ كانَتْ رَشيدةً. فهذهِ المَسائِلُ الثَّلاثُ -أي: إنَّ اللهَ قَدْ طلَّقَكِ، وفَرَّقَ اللهُ بَينِي وبَينكِ في

стр. 10547

الدُّنيا والآخِرَةِ، وأَبرأَكِ اللهُ- الحُكمُ فيها سَواءٌ، ونَظيرُ ذلكَ «إنَّ اللهَ قَدْ باعَك» في إيجابِ البَيعِ، أو «قَدْ أقالَكَ» في الإقالةِ، ونحوُ ذلكَ ك «إنَّ اللهَ قد أَجَّرَكَ، أو وَهبَكَ» والبَراءةُ فيما تقدَّمَ صَحيحةُ ولَو جَهِلَتْ ما أبرأت مِنه. والكِنايةُ -ولو ظاهِرةً- لا يَقعُ بها طلاقٌ إلَّا أنْ يَنوِيهِ؛ لأنَّ الكِنايةَ لمَّا قَصُرَتْ رُتبتُها عَنْ الصَّريحِ وُقِفَ عَملُها على نيَّةِ الطَّلاقِ تَقويةً لها، ولأنها لفظٌ يَحتمِلُ غيرَ معنَى الطَّلاقِ، فلا يَتعيَّنُ لهُ بدُونِ النِّيةِ. ويُشتَرطُ أنْ تكونَ النيَّةُ مُقارِنةً للَفظِ الكِنايةِ، فلو تَلفَّظَ بالكِنايةِ ثمَّ نوَى بها الطَّلاقَ بعْدَ ذلكَ لم يقَعْ، كما لو نَوى الطَّهارةَ بالغُسلِ قبْلَ فَراغِه مِنهُ. وقيلَ: يُعتبَرُ أنْ تُقارِنَ أوَّلَه. فلو قارنَتِ الجُزءَ الثَّاني مِنَ الكِنايةِ دُونَ الأوَّلِ لم يَقعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ ما بقيَ لا يَصلُحُ للإيقاعِ بعْدَ إتيانِه بالجُزءِ الأوَّلِ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ. وإنْ وُجدَتْ في أوَّلِه وعَزُبَت عَنهُ في سائِرِه وَقعَ. أو يأتي معَ الكِنايةِ بما يَقومُ مَقامَ نيَّةِ الطَّلاقِ، كحالِ خُصومةٍ وغَضبٍ وجَوابِ سُؤالِها الطَّلاقَ، فيَقعُ الطَّلاقُ ممَّن أتى بكنايةٍ إِذَنْ ولو بلا نيَّةٍ؛ لأنَّ دَلالةَ الحالِ كالنِّيةِ، بدَليلِ أنها تُغيِّرُ حُكمَ الأقوالِ والأفعالِ، فإنَّ مَنْ قالَ: «يا عَفيفَ ابنَ العَفيفِ» حالَ تَعظِيمهِ كانَ مَدحًا، ولو قالَ حالَ الشَّتمِ كانَ ذمًّا وقَذْفًا. فلوِ ادَّعى في هذهِ الأحوالِ -أي: حالَ الخَصومَةِ والغَضبِ وسُؤالِها

стр. 10548

الطَّلاقَ- أنهُ ما أرادَ الطَّلاقَ أو ادَّعى أنهُ أرادَ غيرَ الطَّلاقِ دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ؛ لاحتِمالِ صِدقِه، ولم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنهُ خِلافُ ما دَلَّتْ عليهِ الحالُ. وما لا يَدلُّ على الطَّلاقِ نحوُ «كُلِي واشرَبِي واقعُدِي وقُومِي وباركَ اللهُ عليكِ وأنتِ مَليحةٌ أو قَبيحةٌ» لا يَقعُ بهِ طلاقٌ ولو نَواهُ؛ لأنهُ لا يَحتمِلُ الطَّلاقَ، فلو وقَعَ بهِ الطَّلاقُ وقَعَ بمُجرَّدِ النيَّةِ، وكذا قَولُه: «أنا طالِقٌ، أو أنا مِنكِ طالِقٌ، أو أنا مِنكِ بائِنٌ، أو حَرامٌ، أو بَريءٌ» فلا يقَعُ بهِ طلاقٌ وإنْ نَواهُ؛ لأنهُ مَحلٌّ لا يقَعُ الطَّلاقُ بإضافَتِه إليهِ بالنِّيةِ، فتَعيَّنَ لهُ (١). قولُ الزَّوجِ: «أنتِ عليَّ حرامٌ»: اختَلفَ الفُقهاءُ في قَولِ الرَّجلِ لزَوجتهِ: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» هل يُعتبَرُ هذا القَولُ طلاقًا أم ظِهارًا أم يَمينًا فيهِ الكفَّارةُ؟ أم لا يُحسَبُ شيئًا أصلًا؟ أم يُحسَبُ حسَبَ نيَّتهِ؟ فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمتُكِ عَليَّ، أو أنا عليكِ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمْتُ نَفسِي عليكِ، أو أنتِ مُحرَّمةٌ عَليَّ» فهو كلُّه سَواءٌ، ويُسألُ عَنْ نيَّتِه؛ لأنَّه تكلَّمَ بكَلامٍ مُبهَمٍ مُحتمِلٍ

стр. 10549

لمَعانٍ، وكَلامُ المُتكلِّمِ مَحمولٌ على مُرادِه، ومُرادُه إنما يُعرَفُ مِنْ جِهتِه، فيُسألُ عَنْ نيَّتِه. فإنْ قالَ: «نَوَيتُ الطَّلاقَ» فهي تَطليقةٌ بائِنةٌ إلَّا أنْ يَنويَ الثَّلاثَ، فإنْ نَوى ثلاثًا فثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدةً فواحِدةٌ، وإنْ نَوى ثِنتَينِ فواحِدةٌ بائِنةٌ؛ لأنَّ قولَه: «حَرامٌ» كِنايةٌ، والكِنايةُ يُرجَعُ فيها إلى نيَّتِه. وإنْ قالَ: «أردْتُ الظِّهارَ فهو ظِهارٌ عِنْدَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ؛ لأنَّه وصَفَها بالتَّحريمِ، وفي الظِّهارِ نوعُ تَحريمٍ، والمُطلَقُ يُحمَلُ على المُقيَّدِ إذا نَواهُ؛ لأنه وصَفَها بكَونِها مُحرَّمةً، والمَرأةُ تارةً تكونُ مُحرَّمةً بالطَّلاقِ، وتارةً تكونُ مُحرَّمةً بالظِّهارِ، فأيَّ ذلكَ نَوى فقَدْ نَوى ما يَحتمِلُه كَلامُه فيُصدَّقُ فيهِ. وقالَ مُحمدٌ: لا يكونُ ظِهارًا؛ لانعِدامِ التَّشبيهِ بالمَحارمِ؛ لأنَّ الظِّهارَ تَشبيهُ الحلالِ بالحَرامِ، والتَّشبيهُ لا بُدَّ لهُ مِنْ حَرفِ التَّشبيهِ ولم يُوجَدْ، فلا يكونُ ظِهارًا. وإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ، أو لم أُرِدْ بهِ شيئًا» فهو يَمينٌ يَصيرُ بها مُوليًا؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ إنَّما هوَ اليَمينُ، فإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ» فقَدْ أرادَ اليَمينَ، وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ شَيئًا» لم يُصدَّقْ في القَضاءِ؛ لأنَّ ظاهِرَ ذلكَ اليَمينُ، وإذا ثبَتَ أنه يَمينٌ كانَ بها مُوليًا، حتَّى لو ترَكَها أربعةَ أشهُرٍ بانَتْ بتَطليقةٍ؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ أنْ يكونَ يَمينًا.

стр. 10550

وإنْ قالَ: «أردْتُ الكذِبَ» فليسَ بشيءٍ وهوَ كما قالَ، ولا يكونُ إيلاءً؛ لأنَّه نَوى حَقيقةَ كَلامِه، وهذا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ، أمَّا في القَضاءِ فلا يُصدَّقُ ويكونُ يَمينًا؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الحرامَ في الشَّرعِ يَمينٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، قيلَ: نَزلَتِ الآيةُ في تَحريمِ جارِيتِه ﷺ ماريةَ القبطيَّةِ لمَّا قالَ: «هي عليَّ حَرامٌ»، وسمَّى اللهُ تعالَى ذلكَ يَمينًا بقَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: وسَّعَ اللهُ عليكُم أو أباحَ لكُم أنْ تُحِلُّوا مَنْ أيمانِكُم بالكَّفارةِ، وفي بَعضِ القِراءاتِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ كَفَّارَةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، والخِطابُ عامٌّ يَتناولُ رَسولَ اللهِ وأمَّتَه. وكفَّارةُ اليَمينِ تَستَدعي وُجودَ اليَمينِ، فدَلَّ أنَّ هذا اللَّفظَ يَمينٌ في الشَّرعِ، فإذا نَوى بهِ الكذِبَ لا يُصدَّقُ في إبطالِ اليَمينِ في القَضاءِ؛ لعُدولِه عنِ الظَّاهِرِ. وقالَ في «اللُّبابِ»: قالَ في «الهِداية»: ومِنَ المَشايخِ مَنْ يَصرِفُ لفْظَ التَّحريمِ إلى الطَّلاقِ مِنْ غيرِ نيَّةٍ لحُكمِ العُرفِ، قالَ الإمامُ المَحبُوبِيُّ: وبهِ يُفتَى. وقالَ نَجمُ الأئمَّةِ: قالَ أصحابُنا المُتأخِّرونَ: «الحَلالُ عَليَّ حَرامٌ، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ، أو حَلالُ اللهِ عليَّ حَرامٌ، أو كُلُّ حَلالٍ عليَّ حَرامٌ» طلاقٌ بائِنٌ، ولا يَفتقِرُ إلى النَّيةِ؛ للعُرفِ، حتَّى قالُوا في قَولِ مُحمدٍ: (إنْ نَوى يَمينًا

стр. 10551

فهُوَ يَمينٌ، ولا تَدخُلُ امرأتُهُ إلَّا بالنِّيةِ، وهو على المأكُولِ والمَشروبِ): إنَّما أجابَ بهِ على عُرفِ دِيارِهم، أمَّا في عُرفِ بلادِنا فيُريدُونَ تَحريمَ المَنكُوحةِ فيُحمَلُ عليهِ. اه. وفي «مُختارات النَّوازِلِ»: وقَد قالَ المُتأخِّرونَ: يَقعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ؛ لغَلبةِ الاستِعمالِ بالعُرفِ، وعليهِ الفَتوَى، ولهذا لا يَحلِفُ بهِ إلَّا الرِّجالُ، قُلتُ: ومِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ في مِصْرِنا وريفِنا: (الطَّلاقُ يَلزمُني) و (الحَرامُ يَلزمُني) و (عليَّ الطَّلاقُ) و (عليَّ الحَرامُ) كذا في «التَّصحِيح» (١). وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» تكونُ طالِقًا بالثَّلاثِ، ولا يُسألُ عن نيَّتِه؛ لِمَا رَواهُ مالِكٌ في «المُوطَّأ» أنَّه بلَغَه أنَّ عليَّ بنِ أبي طالِبٍ كانَ يقولُ في الرَّجُلِ يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّها ثلاثُ تَطليقاتٍ». قالَ مالكٌ: وذلكَ أحسَنُ ما سَمِعتُ في ذلكَ (٢). وإذا قالَ لها قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنها ثلاثٌ، إلَّا أنْ يقولَ: «نَويتُ واحِدةً» في قولِ مالِكٍ، وقالَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ: هي

стр. 10552

واحِدةٌ إلَّا أنْ يقولَ: «أردْتُ ثلاثًا»، وقالَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجشُونِ: لا يَنوي فيها وهي ثلاثٌ على كُلِّ حالٍ كالمَدخولِ بها سَواءٌ. جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» هل تَسألُه عَنْ نيَّتِه أو عن شيءٍ مِنْ الأشياءِ؟ (قالَ): لا يُسألُ عن شيءٍ عِنْدَ مالكٍ، وهيَ ثلاثٌ ألبتَّةُ إنْ كانَ دخَلَ بها، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» وقالَ: «لم أُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، إنما أردْتُ بهذا القَولِ الظِّهارَ»؟ (قالَ): سَمعتُ مالِكًا يَقولُ في الَّذي يَقولُ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقُ ألبَتَّةَ» ثَّم زعَمَ أنه إنَّما أرادَ بذلكَ واحِدةً: إنَّ ذلكَ لا يُقبَلُ مِنهُ، قالَ مالِكٌ: إنَّما يُؤخَذُ النَّاسُ بما لفَظَتْ به ألسِنَتُهم مِنْ أمرِ الطَّلاقِ، (قالَ ابنُ القاسِمِ): والحَرامُ عِنْدَ مالِكٍ طلاقٌ، ولا يَدِينُ في الحَرامِ كما لا يَدِينُ في الطلَّاقِ … (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» يَنوِي بذلكَ تَطليقةً أو تَطليقتَينِ، أيَكونُ ذلكَ لهُ في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: إنْ كانَ قَدْ دخَلَ بها فهيَ البَتَّةُ، وليسَ نيَّتُه بشيءٍ، فإنْ لَم يَدخُلْ بها فذلكَ لهُ؛ لأنَّ الواحِدةَ والاثنتَينِ تُحرِّمُ الَّتي لم يُدخَلْ بها، والمَدخولُ بها لا يُحرِّمُها إلَّا الثَّلاثُ … (قُلتُ): أرَأيتَ إذا قالَ لامرأتِهِ: «قدْ حرَّمتُكِ عليَّ، أو قَدْ حَرَّمْتُ نَفسِي عليكِ» أهوَ سواءٌ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعمْ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: إذا قالَ: «قدْ طَلَّقتُكِ، أو أنا طالِقٌ مِنكِ» إنَّ هذا سَواءٌ وهيَ طالِقٌ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ

стр. 10553

قبْلَ الدُّخولِ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ»، (قالَ): هي ثَلاثٌ في قَولِ مالِكٍ، إلَّا أنْ يكونَ نوى واحِدةً أو اثنتَينِ فيَكونُ ذلكَ كما نَوى (١). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: والحُجَّةُ لمالِكٍ ومَن ذهَبَ مَذهبَهُ في الحَرامِ إجماعُ العُلماءِ أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا أنها تَحرُمُ عليهِ، فلمَّا كانَتِ الثَّلاثُ تَحريمًا كانَ تَحريمٌ ثلاثًا، واللهُ أعلَمُ (٢). وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» فإنْ أرادَ بهِ الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالطَّلاقِ، ويَقعُ مِنْ عَددِه ما نواهُ مِنْ واحِدةٍ أو اثنتَينِ أو ثَلاثٍ، وإنْ لم يَنوِ عَددًا كانَتْ واحِدةً رَجعيَّةً، وإنْ أرادَ بهِ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا؛ لأنهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالظِّهارِ، وإنْ أرادَ بهِ الإيلاءَ لم يَكنْ إيلاءً؛ لأنَّ الإيلاءُ يَمينٌ لا يَنعقِدُ بالكِنايةِ. وإنْ أرادَ بهِ تَحريمَ وطْئِها لم يَحرمْ، وعليهِ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لِمَا رَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى ابنِ عبَّاسِ ﵁ فقالَ: إنِّي جَعلْتُ امرأتِي عليَّ حَرامًا، قالَ: كَذبْتَ، ليسَتْ عليكَ بحَرامٍ، ثمَّ تَلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ويَجبُ عليهِ بذلكَ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حَرَّمَ

стр. 10554

ماريةَ القبطيَّةَ أمَّ إبراهِيمَ بنِ رَسولِ اللهِ ﷺ فأنزَلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، فوَجبَتِ الكفَّارةُ في الأمَةِ بالآيةِ، وقِسْنا الحُرَّةَ عليها؛ لأنها في مَعناها في تَحليلِ البُضعِ وتَحريمِه. وإنْ لَم يَكنْ لهُ إرادةٌ لم يَتعلَّقْ بهِ طلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا تَحريمٌ، وهل تَجبُ بهِ كفَّارةُ يَمينٍ أم لا؟ على قَولَينِ: أحَدُهما: يَجبُ عَليهِ الكفَّارةُ، والثَّاني: لا يَجبُ. قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: لو قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» لم يَقعْ بهِ طلاقٌ حتَّى يُريدَ الطَّلاقَ، فإذا أرادَ بهِ الطَّلاقَ فهوَ طلاقٌ، وهو ما أرادَ مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، وإنْ أرادَ طلاقًا ولَم يُرِدْ عَددًا مِنَ الطَّلاقِ فهي واحدةٌ يَملِكُ الرَّجعةَ، وإنْ قالَ: «أردْتُ تَحريمَها بلا طلاقٍ» لم تَكنْ حَرامًا، وكانَتْ عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ، ويُصيبُها إنْ شاءَ قبْلَ أنْ يُكفِّرَ، وإنَّما قُلنا عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ إذا أرادَ تَحريمَها ولَم يُرِدْ طلاقَها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حرَّمَ جاريتَه فأُمِرَ بكفَّارةِ يَمينٍ، واللهُ تعالَى أعلَمُ. قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآيَة، فلمَّا لَم يُرِدِ الزَّوجُ بتَحريمِ امرَأتهِ طلاقًا كانَ أَوْقعَ التَّحريمَ على فَرْجٍ مُباحٍ لهُ لمْ يَحرُمْ بتَحريمِه، فلَزمَتهُ كفَّارةٌ فيهِ كما لَزِمَ مَنْ حرَّمَ أمَتَه كفَّارةٌ فيها، ولَم تَحرُمْ عليهِ بتَحريمِه؛ لأنهُما

стр. 10555

معًا تَحريمٌ لفَرْجَينِ لم يَقعْ بواحدٍ مِنهُما طلاقٌ، ولو قالَ: «كلُّ ما أَملِكُ عليَّ حَرامٌ» -يَعني امرأتَه وجَوارِيه ومالَهُ- كفَّرَ عَنِ المرأةِ والجَوارِي كفَّارةً كفَّارةً إذا لمْ يُرِدْ طلاقَ المَرأةِ، ولو قالَ: «مَالي عليَّ حَرامٌ» لا يُريدُ امرَأتَه ولا جَوارِيه لَم يكنْ عليهِ كفَّارةٌ، ولم يَحرُمْ عليهِ مالُهُ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّ مَنْ قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّه يكونُ ظِهارًا تَجبُ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، نوَى ذلكَ أو لَم يَنوِ؛ لأنهُ تَحريمٌ للزَّوجةِ بغَيرِ طلاقٍ، فوَجبَتْ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، كما لَو قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ كظَهْرِ أمِّي»؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ جعَلَ التَّشبيهَ بمَن تَحرُمُ عليهِ ظِهارًا، فالتَّصريحُ مِنهُ بالتَّحريمِ أَولى، يُؤيِّدُه أنَّ اللهَ لَم يَجعلِ التَّحريمَ والتَّحليلَ إليهِ، فإذا قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ» فقَد قالَ المُنكَرَ مِنْ الزَّورِ وكَذَبَ على اللهِ، وقَد أوجَبَ أغلَظَ الكفَّارتَينِ عليهِ، وهيَ كفَّارةُ الظِّهارِ. قالَ عَبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ بنِ حَنبلٍ: سَألتُ أبي عَنْ رَجلٍ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» ونوَى الطَّلاقَ، قالَ: لا يكونُ طَلاقًا، نَوى أو لَم يَنوِ، قيلَ: فيهِ كفَّارةُ الظِّهارِ (٢).

стр. 10556

والرِّوايةُ الأُخرى: أنها يَمينٌ وعليهِ كفَّارتُها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «إذا حرَّمَ الرَّجلُ امرَأتَه فهيَ يَمينٌ يُكفِّرُها» وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [لقمان: ٢١] (١)، ولأنهُ تَحريمٌ للحَلالِ أشبَهَ تَحريمَ الأمَةِ، ولأنَّ ذلكَ يُروَى عنِ الصِّديقِ (٢) وعُمرَ (٣) وابنِ مَسعودٍ (٤) وعائِشةَ ﵃، ولأنهُ تَحريمٌ لامرَأةٍ فكانَ يَمينًا كتَحريمِ الأمَةِ. وعنهُ رِوايةٌ ثالِثةٌ: إذا نوَى الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ تَحريمٌ فصَحَّتِ الكِنايةُ عنهُ بالحَرامِ كَقولِه: «أنتِ الحَرَجُ»، فإنْ لَم يَنوِ الطَّلاقَ كانَ ظِهارًا.

стр. 10557

وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ونوَى الطَّلاقَ والظِّهارَ معًا كانَ ظِهارًا ولم يَكنْ طلاقًا؛ لأنَّ اللَّفظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أَولى بهذا اللَّفظِ، فيَنصرِفُ إليهِ. وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ، أعنِي بهِ الطَّلاقَ» ففيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: أنهُ طلاقٌ، وهيَ المَشهورةُ؛ لأنهُ صَريحٌ بلَفظِ الطَّلاقِ. والثَّانيةُ: هيَ ظِهارٌ؛ لأنهُ لا يَصلُحُ كِنايةً في الطَّلاقِ، فلَم يَصِرْ طلاقًا لقَولِه: «أعني بهِ الطَّلاقَ»، كقولِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» (١). وقالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في الرَّجلِ يَقولُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» على ثَمانِيةَ عشَرَ قَولًا (٢). ثمَّ ذَكَرَها. وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وهكذا حُكمُ قَولِه: «إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ عَليَّ حَرامٌ»، وهذا أَولَى بكفَّارَةِ يَمينٍ مِنْ قَولِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ». وفي قَولِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ، أو ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ كالمَيتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخِنزيرِ» مَذاهبُ:

стр. 10558

أحَدُها: أنهُ لغوٌ وباطِلٌ لا يَترتَّبُ عليهِ شيءٌ، وهو إحدَى الرِّوايتَينِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وبهِ قالَ مَسروقٌ وأبو سَلمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ وعَطاءٌ والشَّعبيُّ وداودُ وجَميعُ أهلِ الظَّاهِرِ وأكثَرُ أصحابِ الحَديثِ، وهوَ أحدُ قَولي المالكيَّةِ، اختارَهُ أصبَغُ بنُ الفَرجِ. وفي الصَّحيحِ عَنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ أنهُ سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يَقولُ: «إذا حَرَّمَ امرأتَهُ فليسَ بشيءٍ، لقدْ كانَ لكمْ في رَسولِ اللهِ أسوةٌ حَسنةٌ» (١)، وصحَّ عَنْ مَسرُوقٍ أنهُ قالَ: ما أُبالي أحرَّمْتُ امرأتِي أو قَصعةً مِنْ ثَريدٍ، وصَحَّ عَنِ الشَّعبيِّ في تَحريمِ المرأةِ: لهُوَ أهوَنُ عليَّ مِنْ نَعلِي، وقالَ أبوُ سَلمةَ: ما أُبالي أحرَّمْتُ امرَأتِي أو حَرَّمْتُ ماءَ النَّهرِ، وقالَ الحَجَّاجُ بنُ مِنهالٍ: إنَّ رَجلًا جعَلَ امرأتَه عليهِ حَرامًا، فسألَ عَنْ ذلكَ حُمَيدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ، فقالَ لهُ حُمَيدٌ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ [الشرح: ٧]، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٨]، وأنتَ رَجلٌ تَلعَبُ، فاذْهَبْ فالْعَبْ. المَذهَبُ الثَّاني: أنها ثلاثُ تَطليقاتٍ، وهوَ قولُ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ كرَّمَ اللهُ وَجهَهُ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عُمرَ والحسَنِ البَصريِّ ومُحمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلَى، وقضَى فيها أميرُ المُؤمنينَ عليٌّ بالثَّلاثِ في عَدِيِّ بنِ قَيسِ الكِلابيِّ، وقالَ لهُ: والَّذي نَفسِي بيَدهِ لَئِنْ مَسَستَها قبْلَ أنْ تَتزوَّجَ غيرَكَ لأرجُمنَّكَ.

стр. 10559

وحجَّةُ هذا القولِ أنها لا تُحرَّمُ عليهِ إلَّا بالثَّلاثِ، فكانَ وُقوعُ الثَّلاثِ مِنْ ضَرورةِ كَونِها حَرامًا عليهِ. المَذهبُ الثَّالِثُ: أنها بهذا القَولِ حَرامٌ عليهِ، صحَّ أيضًا عَنْ أبي هُريرةَ والحسَنِ وخِلَاسِ بنِ عَمرٍو وجابِرِ بنِ زَيدٍ وقَتادةَ، ولم يَذكُرْ هؤلاءِ طلاقًا، بَلْ أمرُوهُ باجتِنابِها فقطْ. وصَحَّ ذلكَ أيضًا عن عَليٍّ ﵇، فإمَّا أنْ يكونَ عَنهُ رِوايتانِ، أو يكونَ أرادَ تَحريمَ الثَّلاثِ، وحُجَّةُ هذا القَولِ أنَّ لفْظَه إنَّما اقتَضَى التَّحريمِ ولم يَتعرَّضْ لعَددِ الطَّلاقِ؛ فحُرِّمَتْ عليهِ بمُقتضَى تَحريمِه. المَذهبُ الرَّابِعُ: الوَقْفُ فيها، صَحَّ ذلكَ عَنْ أميرِ المُؤمنينَ عَليٍّ أيضًا، وهوَ قولُ الشَّعبيِّ، قالَ: يَقولُ رِجالٌ في «الحَلالُ حَرامٌ» إنَّها حَرامٌ حتَّى تَنْكِحَ زوجًا غيرَهُ، ويَنسُبونَه إلى عليٍّ، واللهِ ما قالَ ذلكَ عليٌّ، إنَّما قالَ: ما أنا بمُحِلِّها ولا بمُحرِّمِها عليكَ، إنْ شِئتَ فتَقدَّمْ، وإنْ شِئتَ فتَأخَّرْ. وحجَّةُ هؤلاءِ أنَّ التَّحريمَ ليسَ بطَلاقٍ، وهوَ لا يَملِكُ تَحريمَ الحَلالِ، وإنَّما يَملِكُ إنشاءَ السَّببِ الَّذي يُحرِّمُ بهِ، وهو الطَّلاقُ، وهذا ليسَ بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولا هو ممَّا ثبَتَ لهُ عُرفُ الشَّرعِ في تَحريمِ الزَّوجةِ، فاشتَبَه الأمرُ فيهِ. المَذهبُ الخامِسُ: إنْ نَوَى به الطَّلاقَ فهو طلاقٌ، وإلَّا فهُو يَمينٌ، وهذا قولُ طاوسٍ والزُّهريُّ والشَّافعيُّ ورِوايةٌ عن الحسَنِ.

стр. 10560

وحُجَّةُ هذا القَولِ أنهُ كِنايةٌ في الطَّلاقِ، فإنْ نَواهُ بهِ كانَ طلاقًا، وإنْ لم يَنوِه كانَ يَمينًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلى قَولِه: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. المَذهبُ السَّادسُ: أنهُ إنْ نَوَى بها الثَّلاثَ فثلاثٌ، وإنْ نَوَى واحدةً فواحدةٌ بائِنةٌ، وإنْ نَوَى يَمينًا فهو يَمينٌ، وإنْ لم يَنوِ شيئًا فهيَ كَذبةٌ لا شيءَ فيها، قالَهُ سُفيانُ، وحكاهُ النَّخَعيُّ عن أصحابهِ. وحُجَّةُ هذا القولِ أنَّ اللَّفظَ يَحتملُ لِمَا نَواهُ مِنْ ذلكَ، فيَتبعُ نيَّتَه. المَذهبُ السَّابعُ: مِثلُ هذا، إلَّا أنه إنْ لم يَنوِ شيئًا فهو يَمينٌ يُكفِّرُها، وهو قولُ الأوزاعيِّ. وحُجَّةُ هذا القَولِ ظاهِرُ قولِه تعالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فإذا نَوَى بهِ الطَّلاقَ لم يكنْ يَمينًا، فإذا طلَّقَ ولم يَنوِ الطَّلاقَ كانَ يَمينًا. المَذهَبُ الثِّامنُ: مِثلُ هذا أيضًا، إلَّا أنهُ إنْ لم يَنوِ شيئًا فواحِدةٌ بائِنةٌ؛ إعمالًا للَفظِ التَّحريمِ. المَذهبُ التَّاسعُ: أنَّ فيهِ كفارةَ الظِّهارِ، وصحَّ ذلكَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا وأبي قِلابةَ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ ووَهْبِ بنِ مُنبِّهٍ وعُثمانَ التَّيمِيِّ، وهو إحدَى الرِّواياتِ عَنِ الإمامِ أحمَدَ. وحُجَّةُ هذا القَولِ أنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ تَشبيهَ المَرأةِ بأمِّهِ المُحرَّمةِ عليهِ

стр. 10561

ظِهارًا، وجعَلَه مُنكَرًا مِنْ القولِ وزُورًا، فإذا كانَ التَّشبيهُ بالمُحرَّمةِ يَجعلُه مُظاهِرًا؛ فإذا صرَّحَ بتَحريمِها كانَ أَولَى بالظِّهارِ. وهذا أَقْيَسُ الأقوالِ وأفقَهُها، ويُؤيِّدُه أنَّ اللهَ لم يَجعَلْ للمُكلَّفِ التَّحريمَ والتَّحليلَ، وإنَّما ذلكَ إليهِ تعالَى، وإنَّما جعَلَ لهُ مُباشَرةَ الأفعالِ والأقوالِ الَّتي يَترتَّبُ عليها التَّحريمُ والتَّحليلُ، فالسَّببُ إلى العبدِ وحُكمُه إلى اللهِ تعالَى، فإذا قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» أو قالَ «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» فقدْ قالَ المُنكَرَ مِنْ القولِ والزُّورِ، وكَذَبَ؛ فإنَّ اللهَ لم يَجعَلْها كظَهرِ أمِّهِ، ولا جعَلَها عليهِ حَرامًا، فأوجَبَ عليهِ بهذا القولِ مِنَ المُنكَرِ والزُّورِ أَغلَظَ الكفَّارَتينِ، وهي كفَّارةُ الظِّهارِ. المَذهبُ العاشِرُ: أنها تَطليقةٌ واحدةٌ، وهيَ إحدَى الرِّوايتَينِ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ، وقَولُ حمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ شيخِ أبي حَنيفةَ. وحجَّةُ هذا القَولِ أنَّ تَطليقَ التَّحريمِ لا يَقتضِي التَّحريمَ بالثَّلاثِ، بلْ يَصدُقُ بأقلِّه، والواحِدةُ مُتيقَّنةٌ، فحُمِلَ اللَّفظُ عليها؛ لأنها اليَقينُ، فهو نَظيرُ التَّحريمِ بانقِضاءِ العِدَّةِ. المَذهبُ الحادِي عشَرَ: أنه يَنوي ما أرادَهُ مِنْ ذلكَ في إرادَةِ أصلِ الطَّلاقِ وعَددِه، وإنْ نوَى تَحريمًا بغَيرِ طلاقٍ فيَمينٌ مُكفَّرةٌ، وهوَ قولُ الشَّافعيِّ. وحُجَّةُ هذا القولِ أنَّ اللَّفظَ صالحٌ لذلكَ كُلِّه؛ فلا يَتعيَّنُ واحدٌ منها

стр. 10562

إلَّا بالنَّيةِ، فإنْ نَوَى تَحريمًا مُجرَّدًا كانَ امتِناعًا منها بالتَّحريمِ كامتِناعِه باليَمينِ، ولا تُحرَّمُ عليهِ في المَوضعَينِ. المَذهبُ الثَّاني عشَرَ: أنهُ يَنوِي أيضًا في أصلِ الطَّلاقِ وعَددِهِ، إلَّا أنه إنْ نَوَى واحدةً كانَتْ بائِنةً، وإنْ لم يَنوِ طلاقًا فهوَ مُولٍ، وإنْ نوَى الكَذبَ فليسَ بشيءٍ، وهوَ قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه. وحُجَّةُ هذا القَولِ احتِمالُ اللَّفظِ لِمَا ذكَرَه، إلَّا أنهُ إنْ نَوَى واحدةً كانَتْ بائِنةً؛ لاقتِضاءِ التَّحريمِ للبَينونةِ، وهيَ صُغرَى وكُبْرَى، والصُّغرَى هي المُتحقِّقةُ، فاعتُبِرَت دُونَ الكُبْرَى. وعنهُ رِوايةٌ أُخرَى: إنْ نَوَى الكَذبَ دُيِّنَ ولم يُقبَلْ في الحُكمِ، بل يكونُ مُوليًا، ولا يكونُ مُظاهرًا عِندَه، نواهُ أو لم يَنوِهِ، ولو صَرحَّ بهِ فقالَ: «أَعني به الظِّهارَ» لم يكنْ مُظاهِرًا. المَذهبُ الثَّالثَ عشَرَ: أنهُ يَمينٌ يُكفِّرُه ما يُكفِّرُ اليمينَ على كلِّ حالٍ، صحَّ ذلكَ أيضًا عَنْ أبي بكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ مَسعودٍ وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعِكرمةَ وعَطاءٍ ومَكحولٍ وقَتادةَ والحَسنِ والشَّعبيِّ وسَعيدِ بنِ المُسيّبِ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ ونافعٍ والأوزاعيِّ وأبي ثَورٍ وخَلْقٍ سِواهُم. وحجَّةُ هذا القولِ ظاهِرُ القُرآنِ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ فرْضَ تَحلِّةِ الأيمانِ عَقِبَ تَحريمِ الحَلالِ، فلا بُدَّ أنْ يَتناولَهُ يَقينًا، فلا يَجوزُ جعْلُ

стр. 10563

تَحلِّةِ الأيمانِ لغَيرِ المَذكورِ قبْلَها، ويَخرُجُ المَذكورُ عَنْ حُكمِ التَّحلَّةِ الَّتي قُصِدَ ذكْرُها لأجلِه. المَذهبُ الرَّابعَ عشَرَ: أنهُ يَمينٌ مُغلَّظةٌ يَتعيَّنُ فيها عِتقُ رَقبةٍ، صَحَّ ذلكَ أيضًا عَنْ ابنِ عبَّاسٍ وأبي بَكرٍ وعُمَرَ وابنِ مَسعودٍ وجَماعةٍ مِنَ التَّابعِينَ. وحُجَّةُ هذا القَولِ أنه لمَّا كانَ يَمينًا مُغلَّظةً غَلُظَتْ كَفَّارتُها بتَحتُّمِ العِتقِ، ووجهُ تَغليظِها تَضمُّنُها تَحريمَ ما أحَلَّ اللهُ، وليسَ إلى العَبدِ، وقَولُ المُنكَرِ والزُّورِ إنْ أرادَ الخَبَرَ فهوَ كاذِبٌ في إخبارِهِ مُعْتَدٍ في إقسامِه، فغَلُظَتْ كفَّارتُه بتَحتُّمِ العِتقِ كما غَلُظَتْ كفَّارةُ الظِّهارِ بهِ أو بصيامِ شَهرينِ أو بإطعامِ سِتِّينَ مِسكينًا. المَذهبُ الخامِسَ عَشرَ: أنه طَلاقٌ، ثمَّ إنّا إنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها فهو ما نَواهُ مِنَ الواحدةٍ وما فوْقَها، وإنْ كانَتْ مَدخولًا بها فهو ثلاثٌ وإنْ نَوَى أقَلَّ مِنها، وهو إحدَى الرِّوايتَينِ عن مالِكٍ. وحجَّةُ هذا القَولِ أنَّ اللَّفظَ لمَّا اقتَضَى التَّحريمَ وجَبَ أنْ يَترتَّبَ عليهِ حُكمُه، وغَيرُ المَدخولِ بها تُحرَّمُ بواحدَةٍ، والمَدخولُ بها لا تُحرَّمُ إلَّا بالثَّلاثِ. وبعْدُ ففي مَذهبِ مالِكٍ خَمسةُ أقوالٍ، هذا أحَدُها، وهوَ مَشهورُها. والثَّانِي أنهُ ثلاثٌ بكُلِّ حالٍ نَوَى الثَّلاثَ أو لم يَنوِها، اختارَها عَبدُ المَلكُ في مَبسُوطِه. والثَّالثُ أنهُ واحدةٌ بائِنةٌ مُطلَقًا، حَكاهُ ابنُ خُوَيْزِ مَنْدادٍ رِوايةً عن مالكٍ. الرَّابعُ أنهُ واحدةٌ رجعيَّةٌ، وهو قولُ عَبدِ العَزيزِ بنِ أبي سلَمةَ.

стр. 10564

الخامسُ أنَّهُ ما نواهُ مِنْ ذلكَ مُطلَقًا، سواءٌ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه، وقدْ عَرَفْت تَوجيهَ هذهِ الأقوالِ … [مَذهبُ ابنِ تَيميةَ في المَسألَةِ]: وفي المَسألةِ مَذهبٌ آخَرُ وراءَ هذا كُلِّه، وهو أنهُ إنْ أَوْقعَ التَّحريمَ كانَ ظِهارًا ولو نَوى بهِ الطَّلاقَ، وإنْ حلَفَ بهِ كانَ يَمينًا مُكفَّرةً، وهذا اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ، وعليهِ يَدلُّ النَّصُّ والقِياسُ؛ فإنهُ إذا أوقعَهُ كانَ قَدْ أتَى مُنكَرًا مِنَ القَولِ وزُورًا، وكانَ أَولَى بكفَّارةِ الظِّهارِ ممَّنْ شبَّهَ امرأتَهُ بالمُحرَّمةِ، وإذا حَلفَ بهِ كانَ يَمينًا مِنَ الأيمانِ، كما لو حلَفَ بالتِزامِ العِتقِ والحَجِّ والصَّدقةِ، وهذا مَحضُ القِياسِ والفِقهِ، ألَا تَرَى أنهُ إذا قالَ: «للهِ عليَّ أنْ أُعتِقَ، أو أحُجَّ، أو أصُومَ» لَزمَه، ولو قالَ: «إنْ كَلَّمْت فُلانًا فللَّهِ عليَّ ذلكَ» على وَجهِ اليَمينِ فهوَ يمينٌ، وكذلكَ لو قالَ: «هوَ يَهوديٌّ، أو نَصرانِيٌّ» كفَرَ بذلكَ، ولو قالَ: «إنْ فَعَلْت كذا فهو يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ» كانَ يَمينًا، وطَرْدَ هذا -بَلْ نَظيرُهُ مِنْ كُلِّ وَجهٍ- أنهُ إذا قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أُمِّي» كانَ ظِهارًا، فلو قالَ: «إنْ فَعلْت كذا فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أُمِّي» كانَ يَمينًا، وطَرْدُ هذا أيضًا إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» كانَ طلاقًا، وإنْ قالَ: «إنْ فَعلْت كذا فأنتِ طالِقٌ» كانَ يَمينًا، فهذه هي الأصولُ الصَّحيحةُ المُطَّرِدةُ المأخوذةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنةِ والمِيزانِ، وباللهِ التَّوفِيقُ (١).

стр. 10565

الألفاظُ الَّتي ليسَتْ مِنْ ألفاظِ الطَّلاقِ ولا يُكنَّى بها عَنهُ: أكثَرُ العُلماءِ يَرَونَ أنَّ الألفاظَ الَّتي ليسَتْ مِنْ ألفاظِ الطَّلاقِ ولا يُكنَّى بها عنهُ لا يَقعُ بها الطَّلاقُ ولو نَواهُ. قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأمَّا الألفاظُ الَّتي ليسَتْ مِنْ ألفاظِ الطَّلاقِ ولا يُكنَّى بها عنهُ فأكثَرُ العُلماءِ لا يُوقِعونَ بها طلاقًا وإنْ قصَدَهُ القائِلُ، وقالَ مالِكٌ: كُلُّ مَنْ أرادَ الطَّلاقَ بأيِّ لفظٍ كانَ لَزمَهُ الطَّلاقُ، حتَّى بقَولِه: كُلِي واشَرِبي وقُومِي واقعُدِي ونَحوه، والحجَّةُ له أنَّ اللهَ تعالَى جَعَل الرَّمزَ -وهوَ الإشارة- كالكَلامِ في الكِنايةِ بهِ عنِ المُرادِ بقَولِه: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وكما كانَ ما فعَلَه المُتلاعِنانِ مِنْ تَلاعُنِهما وتَفرُّقِهما طلاقًا وإنْ لَم يلفظْ بهِ، وكذلكَ رُويَ في المُختلِعةِ لمَّا رَدَّتْ عليهِ الحَديقةَ فأخَذَها كانَ طلاقًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا الألفاظُ الَّتي ليسَتْ مِنْ ألفاظِ الطَّلاقِ ولا يُكنَّى بها عَنِ الفِراقِ فأكثَرُ العُلماءِ لا يُوقِعونَ شيئًا منها طلاقًا وإنْ قصَدَه القائِلُ. وقالَ مالِكٌ: كُلُّ مَنْ أرادَ الطَّلاقَ بأيِّ لَفظةٍ كانَ لَزمَه الطَّلاقُ، حتَّى بقَولِه: كُلِي واشرَبي وقُومِي واقعُدِي ونَحوِ هذا، ولم يُتابِعْ مالكًا على ذلكَ إلَّا أصحابُه. والأصلُ أنَّ العِصمةَ المُتيقَّنةَ لا تَزولُ إلَّا بيَقينٍ مِنْ نيَّةٍ وقَصدٍ وإجماعٍ

стр. 10566

على مُرادِ اللهِ مِنْ ذلكَ، وهذا عِنْدِي وَجهُ الاحتياطِ للمُفتِي، وباللهِ التَّوفيقُ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا ما لا يُشبِهُ الطَّلاقَ ولا يَدلُّ على الفِراقِ كقَولِه: «اقعُدِي وقُومِي وكُلِي واشرَبي واقرُبِي وأَطعِمينِي واسقِينِي وباركَ اللهُ عليكِ وغفَرَ اللهُ لكِ ومَا أحسَنَكِ» وأشباهِ ذلكَ فليسَ بكِنايةٍ، ولا تَطلُقُ بهِ وإنْ نَوَى؛ لأنَّ اللَّفظَ لا يَحتمِلُ الطَّلاقَ، فلو وقَعَ الطَّلاقُ به لَوقَعَ بمُجرَّدِ النيَّةِ، وقدْ ذكَرْنا أنه لا يقَعُ بها، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ. واختَلفَ أصحابُ الشَّافعيِّ في قَولِه: كُلِي واشرَبِي، فقالَ بعضُهُم كقَولِنا، وقالَ بعضُهُم: هوَ كِنايةٌ؛ لأنهُ يَحتَملُ «كُلِي أَلَمَ الطَّلاقِ، واشرَبِي كأسَ الفِراقِ» فوقَعَ بهِ، كقَولِنا: ذُوقِي وتَجرَّعِي. ولنا: إنَّ هذا اللَّفظَ لا يُستَعملُ بمُفرَدِه إلَّا فيما لا ضرَرَ فيهِ، كنحوِ قَولِه تعالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [الطور: ١٩]، وقالَ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، فلَم يَكنْ كِنايةً كقولِهِ: اطعِمينِي، وفارَقَ «ذُوقِي وتَجرَّعِي»؛ فإنهُ يُستَعملُ في المَكارِهِ، كقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، و: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١]، و: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ [القمر: ٤٨]، وكذلكَ التَّجرُّعُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]، فلم يَصحَّ أنْ يَلحَقَ بهما ما ليسَ مَثلَهما (٢).

стр. 10567

فصل في ألفاظِ الطَّلاقِ وتَكرارِها إذا قالَ للمَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ»: هذهِ المَسألةُ لها عِدَّةُ صُورٍ: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يقولَ لها: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» وينوي ثَلاثًا: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ونَوَى اثنَتانِ وَقعَتْ طَلقتانِ بلا خِلافٍ عِنْدَ المَذاهبِ الأربَعةِ. وإنْ قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ونَوَى ثَلاثةً وَقعَتْ ثَلاثةٌ وإنْ كانَ في مَجلسٍ واحِدٍ. قالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ نَصرٍ المَروزيُّ ﵀: ولا اختِلافَ بيْنَ أهلِ العِلمِ أنها إذا كانَتْ مَدخولًا بها فقالَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» سَكتَ أو لَم يَسكُتْ فيما بيْنَهما عنَها طالِقٌ ثلاثًا، إلَّا أنْ يُريدَ تَكرارَ الكَلامِ بقَولِه الثَّانيةَ الثَّالثةَ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 10568

وقَد تَقدَّمَ كلامُ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيَّمِ أنهُ يقَعُ طَلقةٌ واحِدةٌ ما دامَ في مَجلسٍ واحِدٍ. الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يقولَ لهاَ: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» ولَم يَنوِ إلاَّ واحِدةً، وبالثَّانيةِ والثَّالثةِ التَّوكيدَ: إذا قالَ لزَوجتِه المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» أو «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ونَوَى بها إفهامَها أنَّ الأُولَى قَدْ وَقعَتْ بها، أو التَّأكيدَ لَم تَطلُقْ إلَّا واحدةً، ويَكونُ هذا في حُكمِ القَضاءِ والدِّيانةِ كما نَصَّ على ذلكَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابلةُ، إلا أنهُ عِنْدَ المالكيَّةِ يُصدَّقُ بيَمينٍ في القَضاءِ وبغَيرِ يَمينٍ في الفَتوَى. واستَدلُّوا على أنَّه إنْ أرادَ التَّوكيدَ لا الاستِئنافَ لا يَقعُ إلَّا ما أرادَه بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ نَكحَتْ بغَيرِ إذنِ وَليِّها فنِكاحُها باطِلٌ فنِكاحُها باطِلٌ فنِكاحُها

стр. 10569

باطِلٌ»، فكرَّرَها ثلاثًا، فكانَ ذلكَ منهُ مَحمولًا على التَّأكيدِ دُونَ الاستِئنافِ. وقالَ ﷺ : «واللهِ لَأغزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لَأغزُوَنَّ قُرَيشًا، واللهِ لَأغزُوَنَّ قُرَيشًا»، فكانَ تكرَارُه لذلكَ مَحمولًا على التَّأكيدِ دُونَ الاستِئنافِ؛ لأنهُ لَم يَغزُها بعْدَ هذهِ اليَمينِ إلَّا مرَّةً واحدةً، هذا لِسانُ العرَبِ وعادَتُهم، فوجَبَ أنْ يكونَ تَكرارُ لَفظِ الطَّلاقِ مَحمولًا عليهِ، ولأنهُ لو كرَّرَ الإقرارَ لَمَا تَضاعَفَ بهِ الحقُّ، كذلكَ الطَّلاقُ؛ لأنهُ لو قالَ: «لهُ عليَّ دِرهمٌ، لهُ عليَّ دِرهمٌ، لهُ عليَّ دِرهمٌ» لم يَلزمُه إلَّا دِرهمٌ واحدٌ، ويكونُ التَّكرارُ مَحمولًا على التَّأكيدِ، فكذلكَ الطَّلاقُ. لكنْ يُشتَرطُ الاتِّصالُ عِنْدَ الجُمهورِ، فلو قالَ: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ مضَى زمَنٌ ثمَّ أعادَ ذلكَ لها طلقَتْ ثانيةً، ولَم يُقبَلْ منهُ أنهُ أرادَ التَّأكيدَ؛ لأنهُ تابعٌ للكَلامِ، فقُبِلَ مُتَّصلًا كسائرِ التَّوابعِ مِنَ العَطفِ والصِّفةِ والبَدلِ. وكذا لو قالَ: «أنتِ مُطلَّقةٌ، أنتِ مُسرَّحةٌ، أنتِ مُفارَقةٌ» فهوَ كقَولِه: «أنتِ طالِق أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ»، على الأصحِّ عِنْدَ الشَّافعيةِ. وقيلَ: تَقعُ الثَّلاثةُ قَطعًا (١).

стр. 10570

وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا قالَ لامرَأتِه وقَد دخَلَ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «عَنَيتُ الأُولَى» صُدِّقَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، وأمَّا في القَضاءِ فهُمَا تَطليقتانِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنَ الكَلامَينِ إيقاعٌ مِنْ حَيثُ الظَّاهِرِ؛ فإنَّ صِيغةَ الكَلامِ الثَّاني كَصيغةِ الكَلامِ الأوَّلِ، والقاضِي مَأمورٌ باتِّباعِ الظَّاهِرِ، وما قالَهُ مِنْ قَصدِ تَكرارِ الكَلامِ الأوَّلِ مُحتَملٌ؛ لأنَّ الكَلامَ الواحِدَ يُكرَّرُ للتَّأكيدِ، واللهُ تعالَى مُطَّلِعٌ على ضَميرِه. وكذلكَ قَولُه: «قد طَلَّقتُكِ قد طلَّقتُكِ، أو أنتِ طالِقٌ قد طلَّقتُكِ أو أنتِ طالِقٌ، أو طالقٌ وأنتِ طالِقٌ» (١). ونَصَّ فُقهاءُ الحَنفيَّةِ والمالكيَّةِ على أنَّ الإنسانَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ، فقَالُ لهُ إنسانٌ: «ماذا قُلتَ؟ فقالَ: قدْ طَلَّقتُها، أو قالَ: قُلتُ: هيَ طالِقٌ» فهيَ طالِقٌ واحِدةً؛ لأنَّ كَلامَه الثَّاني جَوابٌ لسُؤالِ السَّائلِ، والسَّائِلُ

стр. 10571

إنَّما يَسألُه عنِ الكَلامِ الأوَّلِ لا عَنْ إيقاعٍ آخَرَ، فيَكونُ جَوابُه بَيانًا لذلكَ الكَلامِ (١). وقالَ المالكيَّةُ: مَنْ أوقَعَ على زَوجَتِه الَّتي دخَلَ بها طَلقةً رَجعيَّةً ولَم تَنقَضِ عدَّتُها فقالَ لهُ شَخصٌ: «ما فَعلْتَ؟ فأجابَهُ بقَولِهِ: «هيَ طالِقٌ» فإنْ أرادَ إخبارَهُ بما فعَلَ فإنهُ يَلزمُه طَلقةٌ واحِدةٌ وهيَ الأُولَى، وإنْ نَوَى الإنشاءَ فإنهُ يَلزمُه طَلقةٌ ثانيةٌ مُردَفةٌ على الأُولَى. وإنْ لَم يَنوِ إخبارًا ولا إنشاءً فقيلَ: تَلزمُه الطَّلقةُ الأُولَى فقطْ؛ حَمْلًا على الإخبارِ، كما عِنْدَ اللَّخمِيِّ، وقيلَ: يَلزمُه طَلقتانِ، كما عِنْدَ غَيرِه؛ حَمْلًا على الإنشاءِ، قَولانِ للمُتأخِّرينَ. وأمَّا لو كانَتْ غيْرَ مَدخولٍ بها أو كانَ الطَّلاقُ بائِنًا بأنْ كانَ على وَجهِ الخُلعِ أو رَجعيًّا وانقَضَتِ العِدَّةُ وقالَ: «مُطلَّقةٌ، أو طَلَّقتُها» فلا يَلزمُها إلَّا الطَلقةُ الأُولَى اتِّفاقًا. فمَحلُّ القَولَينِ مُقيَّدٌ بقُيودٍ: أنْ تكونَ الزَّوجةُ مَدخولًا بها، وأنْ يكونَ الطَّلاقُ رَجعيًّا ولم تَنقَضِ عِدَّتُها، وأنْ يأتِيَ بلَفظٍ يَحتمِلُ الإخبارَ والإنشاءَ، وأنْ يكونَ في القَضاءِ، ثمَّ إنهُ يُحلَّفُ على القَولِ بلُزومِ واحِدةٍ حَيثُ كانَ لهُ

стр. 10572

فيها طَلقةٌ وأرادَ رَجعَتَها، فإنْ لَم يَتقدَّمْ لهُ فيها طلاقٌ فلا يَلزمُه يَمينٌ؛ لأنهُ يَملِكُ الرَّجعةَ على الوَجهَينِ جَميعًا (١). الصُّورةُ الثَّالثةُ: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» وأَطلَقَ ولَم يَنوِ شَيئًا: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنهُ إذا قالَ لزَوجَتِه المَدخولِ بها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» أو «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» وأَطلَقَ ولمْ تكنْ لهُ نيَّةٌ ولَم يَقصدْ تأكيدًا ولا استِئنافًا وقَعَ ما قالَ؛ عمَلًا بظاهِرِ اللَّفظِ؛ لأنَّ كُلَّ لَفظةٍ مُوقِعةٌ لطَلقةٍ لوِ انفرَدَتْ، فإذا اجتَمعَتِ اجتَمعَ حُكمُها، ولأنَّ هذا اللَّفظَ للإيقاعِ ويَقتضِي الوُقوعَ، بدَليلِ ما لو لم يَتقدَّمْه مِثلُه، وإنَّما يَنصرفُ عن ذلكَ بنيَّةِ التَّأكيدِ والإفهامِ، فإذا لم يُوجَدْ ذلكَ وقَعَ مُقتضاهُ، كما يَجبُ العمَلُ بالعُمومِ في العامِّ إذا لم يُوجَدِ المُخصِّصُ، وبالإطلاقِ في المُطلَقِ إذا لم يُوجَدِ المُقيِّدُ. وفي مُقابِلِ الأظهَرِ عِنْدَ الشَّافعيةِ: لا يَقعُ إلَّا واحِدةٌ؛ لأنَّ التَّأكيدَ والاستِئنافَ مُحتمَلانِ، فيُؤخَذُ باليَقينِ (٢).

стр. 10573

إذا قالَ: «أنتِ طالقٌ واحِدةً» ونوَى ثلاثًا: إذا طلَّقَ الرَّجلُ زَوجَتَه واحِدةً فهذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ: الحالَةُ الأُولَى: أنْ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ واحِدةً»، فهذا إنْ أطلقَ وَقعَتْ واحِدةٌ بلا رَيبٍ، ولا خِلافَ بيْنَ الفُقهاءِ في ذلكَ. إلَّا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ واحِدةً» ونوَىَ عَددًا، اثنتَينِ أو ثَلاثًا، هلْ تكونُ واحَدةٌ أم ثَلاثٌ؟ فذهَبَ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ واحِدةً» ونَوَى ثلاثًا فهيَ واحِدةٌ؛ لأنَّ المَلفوظَ يُناقِضُ المَنْوِيَّ، واللَّفظُ أقوَى، فالعَملُ بهِ أَولَى؛ لأنَّ لفْظَه لا يَحتمِلُ أكثَرَ مِنها، فإذا نوَى ثَلاثًا فقَد نوَى ما لا يَحتمِلُه لَفظُه، فلو وقَعَ أكثَرُ مِنْ ذلكَ لَوقَعَ بمُجرَّدِ النِّيةِ، ومُجرَّدُ النِّيةِ لا يَقعُ بها طلاقٌ. وذهَبَ المالِكيَّةُ والشَّافِعيةُ في المُعتمَدِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنهُ يَقعُ المَنْوِيُّ لا المَلفُوظُ؛ عمَلًا بالنِّيةِ؛ لأنَّ الأعمالَ بالنِّياتِ (١).

стр. 10574

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ويَنوِي ثَلاثًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا طلَّقَ زَوجَتَه طَلقةً واحِدةً وهوَ يَنوِي ثَلاثًا بأنْ قالَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ»، هل تَقعُ ثَلاثٌ أم واحِدةٌ؟ فذهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ» ونوَى ثلاثًا لم يَقعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ لا يَتضمَّنُ عَددًا ولا بَينُونةً، فلَم يَقعْ بهِ الثَّلاثُ، ولأنَّ «أنتِ طالِقٌ» إخبارٌ عَنْ صِفةٍ هيَ عَليها، فلَم يَتضمَّنِ العَددَ كقَولِه: حائِضٌ وطاهِرٌ. ولأنَّ الطَّلاقَ صَريحٌ في الواحِدِ، فلَم يَجُزْ أنْ يُجعَلَ كِنايةً في الثَّلاثِ؛ لأنهُ يُؤخَّرُ إلى أنْ يكونَ اللَّفظُ الواحِدُ في الجِنسِ الواحِدِ صَريحًا وكِنايةً في حالٍ واحِدةٍ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، ولَم يُفصِّلْ بيْنَ أنْ يَنوِي الثَّلاثَ أو لم يَنوِ. ورُويَ أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ طلَّقَ امرأتَهُ في الحَيضِ «فأمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، ثمَّ ليُطلِّقها طاهِرًا أو حامِلًا»، ولَم يَستحلِفْه أنهُ لَم يُرِدْ ثلاثًا، ولوِ احتَملَ اللَّفظُ ذلكَ استَحلَفَه كما استَحلَفَ رُكانةَ في البَتَّةِ باللهِ «ما أردْتَ إلَّا واحِدةً».

стр. 10575

ولأنَّ قَولَه: «أنتِ طالِقٌ» يَقتضِي طَلقةً واحِدةً، بدَلالةِ إجماعِهمْ على أنهُ إذا لم يَنوِ شَيئًا كانَتْ واحِدةً. ولأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» صَريحٌ، والنِّيةُ لا تُسلَّطُ على الصَّريحِ فتَصرِفَه مِنْ وَجهٍ إلى وَجهٍ، وإذا سَقطَتِ النِّيةُ فكأنهُ أَطلَقَ اللَّفظَ، ولأنهُ صَريحٌ في الإيقاعِ، فإذا نوَى بهِ العَددَ لم يقَعْ، كمَن قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» ونوَى ظِهارَينِ (١). قالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» فإنهُ لا يَكونُ إلَّا واحِدةً، وإنْ أرادَ ثَلاثًا لم يَكنْ ثَلاثًا، وهوَ قَولُ الثَّوريِ والأوزاعيِّ. وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والشَّافعيُّ: إنْ أرادَ ثَلاثًا كانَ ثلاثًا. قالَ أبو جَعفرٍ: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا» فالواقِعُ هو الثَّلاثُ والطَّلاقُ صِفةٌ لهُ، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» وسكَتَ فالواقِعُ قولَهُ: «طالِقٌ»، فلو ثَلاثًا بنِيَّتهِ كانَ العامِل ما لَم يَلفِظْ بهِ الثَّلاثُ، والمَلفوظُ بهِ صِفةٌ لهُ، فلا يَصحُّ إيقاعُ ما ليسَ بمَلفوظٍ بهِ بالنِّيةِ، ولا يَجوزُ وُقوعُ الطَّلاقِ بنيَّةٍ لا لفْظَ مَعها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى تَجاوَزَ لهذهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثتْ بهِ أنفُسَها ما لم تَنطِقْ بهِ بلِسانٍ أو تَعمَلْه (٢).
следующие страницы →