النِّيةُ ولا تَعملُ فيها الإشارةُ، فلمَّا وقَعَتِ الثَّلاثُ بالإشارَةِ فأَولَى أنْ تقَعَ بالنِّيةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا فيمَن قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ» وادَّعَى أنهُ أرادَ بذلكَ أكثَرَ مِنْ واحِدةٍ، إمَّا اثنتَينِ وإمَّا ثلاثًا، فقالَ مالِكٌ: هو ما نَوَى وقَد لَزمَه، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ، إلَّا أنْ يُقيِّدَ فيَقولَ: «طَلقةً واحِدةً»، وهذا القَولُ هوَ المُختارُ عِنْدَ أصحابِه، وأمَّا أبو حَنيفةَ فقالَ: لا يقَعُ ثَلاثًا بلَفظِ الطَّلاقِ؛ لأنَّ العَددَ لا يَتضمَّنُه لَفظُ الإفرادِ لا كِنايةً ولا تَصريحًا.
وسَببُ اختِلافِهم: هل يَقعُ الطَّلاقُ بالنِّيةِ دُونَ اللَّفظِ؟ أو بالنِّيةِ معَ اللَّفظِ المُحتَمِلِ؟ فمن قالَ بالنِّيةِ أوجَبَ الثَّلاثَ، وكذلكَ مَنْ قالَ بالنِّيةِ واللَّفظِ المُحتمِلِ ورَأى أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ يَحتمِلُ العَددَ، ومَن رَأى أنهُ لا يَحتمِلُ العَددَ وأنهُ لا بُدَّ مِنِ اشتِراطِ اللَّفظِ في الطَّلاقِ معَ النِّيةِ قالَ: لا يَجبُ العَددُ وإنْ نَواهُ، وهذهِ المَسألةُ اختَلفُوا فيها، وهيَ مِنْ مَسائِلِ شُروطِ ألفاظِ الطَّلاقِ -أعنِي اشتِراطَ النِّيةِ معَ اللَّفظِ أو بانفِرادِ أحدِهِما-، فالمَشهورُ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ إلَّا باللَّفظِ والنِّيةِ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ، وقَد رُويَ عنهُ أنهُ يقَعُ باللَّفظِ دُونَ النِّيةِ، وعِندَ الشَّافعيِّ أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ الصَّريحَ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، فمَنِ اكتَفَى بالنِّيةِ احتَجَّ بقَولِه ﷺ : «إنَّما الأعمالُ
стр. 10580
بالنِّياتِ»، ومَن لَم يَعتبِرِ النِّيةَ دُونَ اللَّفظِ احتَجَّ بقَولِهِ ﵊: «رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطأُ» (١).
لو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ طالقٌ طالقٌ»:
إذا قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ» بدُونِ حَرفِ عَطفٍ فهذا لا يَخلو مِنْ ثلاثةِ أحوالٍ:
الحالَةُ الأُولَى: أنْ يَنويَ الثَّلاثَ: فلا خِلافَ بيْنَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنهُ إنْ نَوَى الثَّلاثَ وقعَتِ الثَّلاثُ.
الحالَةُ الثَّانيةُ: أنْ يَنويَ التَّوكيدَ بالثَّانيةِ والثَّالثةِ لا الاستِئنافَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ» وقالَ: «أردْتُ التَّوكيدَ لا الاستِئنافَ» أي قصَدَ تأكيدَ الأُولَى بالأُخرَيَينِ، هل يُقبَلُ مِنهُ ولا تَقعُ إلَّا واحدةٌ؟ أم لا يُقبَلُ منهُ قَضاءً ويُقبَلُ منهُ دِيانةً؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا قالَ: «أردْتُ باللَّفظِ الثَّاني والثَّالثِ التَّوكيدَ» قُبِلَ منهُ إذا لم يَتخلَّلْه فَصلٌ؛ لأنَّ الكَلامَ يُكرَّرُ للتَوكيدِ؛ لأنَّ اللَّفظَ الثَّاني لا يَصلُحُ للاستِئنافِ، فيُصرَفُ إلى التَّأكيدِ؛ لأنَّ التَّأكيدَ مَعهودٌ في كُلِّ اللُّغاتِ، ووقَعَ في كَلامِ النَّبيِّ ﷺ كقَولِه: «فنِكاحُها باطِلٌ باطِلٌ باطِلٌ».
стр. 10581
فإنْ تَخلَّلَه فَصلٌ فلا يُقبَلُ منهُ عِنْدَ الشَّافِعيةِ في الحُكمِ، ويُدَيَّنُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى.
وقالَ المالِكيَّةُ: إنْ تَباعَدَ ما بيْنَ الطَّلقتَينِ فإنْ كانتِ الأُولى رَجعيَّةً فإنَّ الثَّانيةَ تَلزمُه (١).
وقالَ الحنفيَّةُ: إذا قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ» وقالَ: «إنَّما أردْتُ بهِ التَّوكيدَ» صُدِّقَ دِيانةً لا قَضاءً، فإنَّ القاضي مَأمورٌ باتِّباعِ الظَّاهِرِ واللهُ يَتولَّى السَّرائِرَ، والمَرأةُ كالقاضِي لا يَحلُّ لها أنْ تُمكِّنَه إذا سَمعَتْ منهُ ذلكَ أو عَلِمَتْ بهِ؛ لأنها لا تَعلمُ إلَّا الظَّاهِرَ، وكلُّ مَوضِعٍ كانَ القَولُ فيهِ قولَه إنَّما يُصدَّقُ معَ اليَمينِ؛ لأنهُ أمينٌ في الإخبارِ عمَّا في ضَميرِه، والقَولُ قَولُه معَ يَمينِه (٢).
الحالَةُ الثَّالثةُ: أنْ لا يَنويَ شَيئًا بأنْ قالَ: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ، أو أنتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ» وأَطلَقَ ولم يَنوِ شَيئًا فاتَّفقُوا على أنهُ يَلزمُه واحدةٌ، واختَلفُوا هلْ تَقعُ ثَلاثًا أم واحدِةً فقَط؟
стр. 10582
فقالَ الحَنابلةُ والشَّافِعيةُ في قَولِ: إنْ قالَ: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ» ولم يَنوِ شَيئًا لم يَقعْ إلَّا واحِدةٌ؛ لأنهُ لم يَأتِ بيْنَهما بحَرفٍ يَقتَضي المُغايَرةَ، فلا يَكُنَّ مُتغايِراتٍ (١).
وقالَ الشَّافِعيةُ في الأظهَرِ -وهوَ قَولُ الحَنفيَّةِ والمَالكيَّةِ كما تَقدَّمَ في: أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ-: إنْ قالَ: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ» وأَطلَقَ ولم يَنوِ شَيئًا ولم تَكنْ لهُ نيَّةٌ ولم يَقصِدْ تأكيدًا ولا استِئنافًا وقَعَ ما قالَ، اثنتَينِ أو ثلاثًا؛ عمَلًا بظاهِرِ اللَّفظِ، ولأنَّ حمْلَه على فائِدةٍ جَديدةٍ أَولَى منهُ على التَّأكيدِ (٢).
إذا كرَّرَ الطَّلاقَ بحَرفِ عَطفٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كرَّرَ الزَّوجُ الطَّلاقَ بحَرفِ عَطفٍ، ب «واوٍ» أو «فاءٍ» أو «ثُمَّ».
مثلَ أنْ يَقولَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» أو: «أنتِ طالِقٌ فطالِقٌ فطالِقٌ» أو: «أنتِ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ»، هل تُحسَبُ ثَلاثَ طَلقاتٍ؟ أم يُرجَعُ فيها إلى نيَّتِه؟ أم ماذا؟
قالَ الحَنفيَّةُ: إنْ قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» أو: «أنتِ
стр. 10583
طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ» طَلُقَتْ ثلاثًا، فإنْ أرادَ بالآخرَينِ تَكرارَ الطَّلاقِ طَلُقَتْ واحدَةً (١).
وقالَ المالكيَّةُ: إذا كَرَّرَ الزَّوجُ الطَّلاقِ بعَطفٍ بالواوِ أو بالفاءِ أو بثُمَّ بأنْ قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» أو: «أنتِ طالِقٌ فطالِقٌ فطالِقٌ» أو: «أنتِ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ» فإنهُ يَلزمُه ما كرَّرَ مَرَّتَينِ أو ثلاثًا، سَواءٌ نسَقَهُ -أي تابَعَهُ- أو فَصَلَ بسُكوتٍ أو كَلامٍ إذا لم يَكنْ خُلعًا؛ لأنَّ الرَّجعيَّةَ زوجَةٌ يَلحقُها الطَّلاقُ ما دامَتْ في العِدَّةِ (٢).
وذهَبَ الشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجُ إذا كرَّرَ الخبَرَ بعَطفٍ بأنْ قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ» أو: «أنتِ طالِقٌ فطالِقٌ فطالِقٌ» أو: «أنتِ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ» ثمَّ قالَ: «قَصدْتُ تَأكيدَ الأوَّلِ بالثَّاني» لم يُقبَلْ منهُ؛ لاختِصاصِ الثَّاني بحَرفِ العَطفِ ومُوجَبُه التَّغايُرُ، فلم يُقبَلْ؛ لأنهُ غايَرَ بيْنَها وبيْنَ الأُولى بحَرفٍ يَقتَضي العَطفَ والمُغايَرةَ، وهذا يَمنعُ التَّأكيدَ.
إلَّا أنَّ الشَّافِعيةَ قالوا: هذا في الظَّاهِرِ، أمَّا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى فيُقبَلُ منهُ، فيَلزمُه في الظَّاهرِ طَلقتانِ وفي الباطِنِ واحِدةٌ.
стр. 10584
وإنْ قالَ: «قَصدْتُ تأكيدَ الثَّاني بالثَّالثِ» صَحَّ وقُبِلَ منهُ؛ لتَساوِيهما في الصِّيغةِ؛ لأنَّ الثَّالثةَ كالثَّانيةِ في لَفظِها، فإنْ قالَ: «أردْتُ بها التَّوكيدَ» دُيِّنَ ويُقبَلُ منهُ في الحُكمِ عِنْدَ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ؛ لأنهُ كَرَّرَ لفْظَ الطَّلاقِ مِثلَ الأوَّلِ، فقُبِلَ تَفسيرُه بالتَّأكيدِ كما لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ».
والرِّوايَةُ الثَّانيةُ عِنْدَ الحَنابلةِ: لا يُقبَلُ؛ لأنَّ حَرفَ العَطفِ لِلمُغايَرةِ فلا يُقبَلُ ما يُخالِفُ ذَلكَ كمَا لا يُقبَلُ في الثَّانيةِ.
وإنْ أَطلَقَ ولم يَقصِدْ ولم يَنوِ شَيئًا فقَولانِ عِنْدَ الشَّافِعيةِ: أظهَرُهما: تطلقُ ثَلاثًا؛ عمَلًا بظاهِرِ اللَّفظِ.
والثَّاني: لا يَقعُ إلَّا واحِدةً؛ لأنَّ التَّأكيدَ مُحتمِلٌ، فيُؤخَذُ باليَقينِ.
وإنْ غايَرَ بيْنَ الحُروفِ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ ثمَّ طالِقٌ» أو «طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ وطالِقٌ» أو «طالِقٌ وطالِقٌ فطالِقٌ» ونحوَ ذلكَ لم يُقبَلْ في شيءٍ مِنها إرادةُ التَّوكيدِ، لا للأُولَى ولا للثَّانيةِ في ظاهِرِ الحُكمِ عِنْدَ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ كُلَّ كَلمةٍ مُغايِرةٌ لِمَا قبْلَها مُخالِفةٌ لها في لَفظِها، والتَّوكيدُ إنَّما يكونُ بتكريرِ الأوَّلِ بصُورَتِه.
إلَّا أنَّ الشَّافِعيةَ قالوا: هذا في الظَّاهِرِ، أمَّا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى فيُقبَلُ منهُ أنه أرادَ التَّوكيدَ (١).
стр. 10585
النَّوعُ الثَّاني: الطَّلاقُ المنجَّزُ والمعلَّقُ والمضافُ إلى وَقتٍ:
قُلنا أنَّ الطَّلاقَ مِنْ حَيثُ وقوعِ الأثَرِ النَّاتجِ عنهُ ينقَسمُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ: طَلاقٍ مُنجَّزٍ وطلاقٍ مُعلَّقٍ على شرطٍ أو مُضافٍ إلى وَقتٍ.
النَّوعُ الأولُ: الطَّلاقُ المنجَّزُ:
تَنجيزُ الطَّلاقِ أنْ يقولَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ»، وهذا لفظٌ صَريحٌ، وكذا بالكِنايَةِ عِنْدَ الأئمَّةِ الأربَعةِ كقَولِه لزَوجَتِه: «الحَقِي بأهلِكِ، أو حَبْلُكِ على غارِبكِ» ونيَّتُه وُقوعُ الطَّلاقِ، فهذا يَقعُ طلاقُه بلا خِلافٍ بيْنَ فُقهاءِ المذاهِبِ الأربَعةِ، فالزَّوجُ إذا نجَّزَ الطَّلاقَ على زَوجتِه فقالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» وهو قاصِدٌ للطَّلاقِ غَيرُ مُكرَهٍ أنه يَلزمُه الطَّلاقُ، وهذا هو أصلُ الطَّلاقِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الطَّلاقُ يقَعُ ناجِزًا وعلى صِفَةٍ وإلى أجَلٍ، فوُقوعُه ناجِزًا أنْ يقولَ: «أنتِ طالِقٌ»، فتَقعُ بمُجرَّدِ اللَّفظِ، ووُقوعُه على صِفةٍ أنْ يَقولُ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ قَدِمَ زَيدٌ فأنتِ طالِقٌ»، فلا يَقعُ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الصِّفةِ، سواءٌ بصَفةٍ مُضافَةٍ إليها بدُخولِ الدَّارِ، أو مُضافةٍ إلى غَيرِها كقُدومِ زَيدٍ، وهذا مُتَّفَقٌ عليهِ (١).
стр. 10586
النَّوعُ الثَّاني: تَعليقُ الطَّلاقِ على شَرطٍ:
التَّعليقُ على شَرطٍ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: هوَ ربْطُ حُصولِ مَضمونِ جُملةٍ بحُصولِ مَضمونِ جُملةٍ أُخرَى.
والمُرادُ بالجُملةِ الأُولَى جُملةُ الجَزاءِ، وبالثَّانيةِ جُملةُ الشَّرطِ، وبالمَضمونِ ما تَضمَّنتْه الجُملةُ مِنْ المَعنَى، فهوَ في مِثلِ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ»، ربَطَ حُصولَ طلاقِها بحُصولِ دُخولِها الدَّارَ.
وسواءٌ كانَ ذلكَ المَضمونُ مِنْ قِبَلِ المُطلِّقِ أو المُطلَّقةِ أو غَيرِهما، أو لم يَكنْ مِنْ فِعلِ أحدٍ.
فإنْ كانَ مِنْ قِبَلِ المُطلِّقِ أو المُطلَّقةِ أو غَيرِهما سُمِّيَ يَمينًا مَجازًا عِنْدَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لِمَا فيهِ مِنْ مَعنى القَسَمِ، وهوَ تَقويةُ عَزمِ الحالِفِ أو عَزمِ غَيرِه على الفِعلِ أو التَّركِ، كما إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ دخَلْتِ دارَ فُلانٍ فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ ذَهبْتُ أنا إلى دارِ فُلانٍ فأنتِ طالِقٌ، أو أنتِ طالِقٌ إنْ زارَكِ فُلانٌ».
وهذا ليسَ بيَمينٍ وَضعًا، وإنَّما سُمِّيَ بها عِنْدَ الفُقهاءِ لحُصولِ مَعنى اليَمينِ بهِ، وهو الحمْلُ أو المَنعُ.
فاليَمينُ في الأصلِ القُوَّةُ، وسُمِّيتْ إحدَى اليَدينِ باليَمينِ لزيادةِ قوَّتِها على الأُخرَى، وسُمِّيَ الحَلِفُ باللهِ تعالَى يَمينًا لإفادتِه القُوَّةَ على المَحلوفِ عليهِ مِنْ الفِعلِ أو التَّركِ بعْدَ تَردُّدِ النَّفْسِ فيهِ، ولا شَكَّ في أنَّ تَعليقَ المَكروهِ للنَّفسِ على أمرٍ بحَيثُ يَنْزِلُ شَرعًا عندَ نُزولِه يُفيدُ قوَّةَ الامتِناعِ عن ذلكَ
стр. 10587
الأمرِ، وتَعليقُ المَحبوبِ للنَّفسِ على ذلكَ يُفيدُ الحمْلَ عليهِ فكانَ يَمينًا.
وفي قَولٍ للحنفيَّةِ أنَّ التَّعليقَ يَمينٌ في اللُّغةِ، وفي الاصطِلاحِ حَقيقةٌ، فاليَمينُ يقَعُ على الحَلِفِ باللهِ تعالَى وعلى التَّعليقِ.
وإذا كانَ الطَّلاقُ مُعلَّقًا لا على فِعلِ أحَدٍ كما إذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ» فهذا يكونُ تَعليقًا وليسَ يَمينًا؛ لانتِفاءِ معنَى اليَمينِ فيهِ، وإنْ كانَ في الحُكمِ مِثلَ اليَمينِ، ويُطلَقُ عليهِ يَمينٌ أيضًا عندَ بعضِ الفُقهاءِ (١).
فكمَا قُلنا: إنَّ الطَّلاقَ المُعلَّقَ يَمينٌ عِنْدَ الجُمهُورِ، وعليهِ يُحلَفُ بالطَّلاقِ، وحَقيقةُ الحَلِفِ بالطَّلاقِ هو تَعليقُ الطَّلاقِ.
حكمُ الحلِفِ بالطَّلاقِ وتَعليقِ الطَّلاقِ:
الحَلِفُ بالشَّيءِ حَقيقةً: هوَ القَسَمُ بهِ وإدخالُ بَعضِ حُروفِ القسَمِ عليهِ، كقَولِه: واللهِ والرَّحمنِ، وقد يُطلَقُ على التَّعليقِ بالشَّيءِ يَمينٌ، كما يَقولُ الفُقهاءُ: إذا حلَفَ بالطَّلاقِ على كذا، ومُرادُهم تَعليقُ الطَّلاقِ بهِ، وهذا مَجازٌ، وكأنَّ سَببَه مُشابَهةُ هذا التَّعليقِ باليَمينِ في اقتِضاءِ الحَثِّ أو المَنْعِ (٢). وقد تَقدَّمَ بَيانُ هذا.
والمَقصودُ بالحَلِفِ بالطَّلاقِ عِنْدَ جَماهِيرِ الفُقهاءِ: تَعليقُ الطَّلاقِ على
стр. 10588
نَحوٍ يُفيدُ المَنعَ مِنْ الفِعلِ أو الحمْلَ عليهِ أو يَبعَثُ على التَّصديقِ، فإنْ كانَ التَّعليقُ لا يُفيدُ شيئًا ممَّا ذُكِرَ -كأنْ يكونَ التَّعليقُ على أمرٍ غَيرِ اختياريٍّ نَحوُ: «إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ فأنتِ طالِقٌ» - لا يُعَدُّ التَّعليقُ حِينئذٍ يَمينًا بالطَّلاقِ؛ بل يُقالُ له: «الطَّلاقُ بصَفةٍ».
فالطَّلاقُ بصِفةٍ: أنْ يُعلِّقَ طلاقَها بشَرطٍ لا تَقدِرُ على دَفْعِه، كأنْ يقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ إذا طَلعَتِ الشَّمسُ، أو إذا دخَلَ أوَّلُ الشَّهرِ، أو جاءَ المَطرُ، أو قَدِمَ الحاجُّ، أو حِضْتِ، أو إنْ وَلَدْتِ، أو إنْ شِئت».
وأمَّا اليَمينُ بالطَّلاقِ: فما قُصِدَ بها المَنعُ مِنْ فِعلٍ، أو الحَثُّ على فِعلٍ، أو التَّصديقُ على فِعلٍ، على الشَّكلِ التَّالي:
فما قصَدَ بها المَنعَ مِنْ فِعلٍ كَقولِه: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ».
وما قصَدَ بها الحَثَّ على فِعلٍ كقَولِه: «إنْ لم تَدخُلِي الدَّارَ فأنتِ طالقٌ».
وما قصَدَ بها التَّصديقَ على فِعلٍ كقَولِه: «إنْ لم أَكُنْ دَخلْتُ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ»، وهذا كُلُّه حَلِفٌ بالطَّلاقِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: اختَلفَ أصحابُنا في الحَلِفِ بالطَّلاقِ، فقالَ القاضي في «الجامِع» وأبو الخَطَّابِ: هو تَعليقُه على شَرطٍ أيَّ شَرطٍ كانَ إلَّا قولَه: «إذا شِئتِ فأنتِ طالِقٌ» ونحوه، فإنهُ تَمليكٌ، و «إذا حِضتِ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ طلاقُ بِدعةٍ، و «إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ طلاقُ سُنَّةٍ، وهذا
стр. 10589
قولُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ ذلكَ يُسمَّى حَلِفًا عُرفًا فيَتعلَّقُ الحُكمُ به، كما لو قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ»، ولأنَّ في الشَّرطِ مَعنَى القسَمِ مِنْ حَيثُ كَونِه جُملةً غيْرَ مُستقلَّةٍ دُونَ الجَوابِ، فأشبَهَ قَولَه: واللهِ وبِاللهِ وتَاللهِ.
وقالَ القاضي في «المُجرَّد»: هو تَعليقُه على شَرطٍ يَقصِدُ بهِ الحَثَّ على الفِعلِ أو المَنعَ مِنهُ، كقَولِه: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ، وإنْ لَم تَدخُلي فأنتِ طالِقٌ» أو على تَصديقِ خَبَرِه مِثلَ قَولِه: «أنتِ طالِقٌ لقُدومِ زَيدٌ، أو لَم يَقدُمْ»، فأمَّا التَّعليقُ على غَيرِ ذلكَ كقَولهِ: «أنتِ طالِقٌ إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ، أو إنْ لَم يَقدُمِ السُّلطانُ» فهوَ شَرطٌ مَحضٌ ليسَ بحَلفٍ؛ لأنَّ حَقيقةَ الحلِفِ القسَمُ، وإنما سُمِّيَ تَعليقُ الطَّلاقِ على شَرطٍ حلِفًا تَجوُّزًا؛ لمُشارَكتِه الحَلِفَ في المَعنى المَشهورِ، وهو الحَثُّ أو المَنعُ أو تأكيدُ الخبَرِ، نَحوُ قَولُه: «واللهِ لَأفعَلَنَّ، أو لا أفعَلُ، أو لقدْ فَعلْتُ»، وما لم يَوجَدْ فيهِ هذا المَعنَى لا يَصحُّ تَسميتُه حَلِفًا، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ (١).
فالحَلِفُ بالطَّلاقِ ليسَ يَمينًا عِنْدَ أهلِ العِلمِ حَقيقةً، بلْ مَجازًا كما تَقدَّمَ، وإنَّما هو طلاقٌ بصِفةٍ؛ فإذا أوقَعَه مُوقِعٌ وقَعَ عِنْدَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ في كُلِّ مَذهبٍ عِندَهم.
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا الحَلِفُ بالطَّلاقِ والعِتقِ فليسَ بيَمينٍ عِنْدَ أهلِ التَّحصيلِ والنَّظرِ، وإنما هو طلاقٌ بصِفةٍ أو عِتقٌ بصِفةٍ إذا أوقَعَه
стр. 10590
مُوقِعٌ وقَعَ على حَسبِ ما يَجبُ في ذلكَ عِنْدَ العُلماءِ كلٌّ على أصلِه، وقَولُ المُتقدِّمينَ: «الأيمانُ بالطَّلاقِ والعِتقِ» إنَّما هو كَلامٌ خرَجَ على الاتِّساعِ والمَجازِ والتَّقريبِ، وأمَّا الحَقيقةُ فإنما هو طلاقٌ على صِفةٍ ما وعِتقٌ على صِفةٍ، ولا يَمينَ في الحَقيقةِ إلَّا باللهِ (١).
والحَلِفُ بالطَّلاقِ لم يَكنْ مَوجودًا في صَدرِ الإسلامِ، وإنَّما هي يَمينٌ مُحدَثةٌ لم تَقعْ في الصَّدرِ الأوَّلِ، وقد حَكى القاضِي أبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀ أنه رَأى هذهِ اليَمينَ في بَيعةِ أهلِ المَدينةِ ليَزيدَ بنِ مُعاويةَ وفيما بعْدَها مِنْ عُهودِ الخُلفاءِ، وذكَرَ أنهُ لم يرَ فيها للمُتقدِّمينَ نُصوصًا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: ومِن هذا البابِ اليَمينُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ، فإنَّ إلزامَ الحالِفِ بهمَا إذا حنَثَ بطلاقِ زَوجَتِه وعِتقِ عَبدِه ممَّا حدَثَ الإفتاءُ بهِ بعْدَ انقِراضِ عَصرِ الصَّحابةِ فلا يُحفَظُ عَنْ صَحابيٍّ في صِيغةِ القسَمِ إلزامُ الطَّلاقِ بهِ أبدًا، وإنما المَحفوظُ إلزامُ الطَّلاقِ بصِيغةِ الشَّرطِ والجَزاءِ الَّذي قصَدَ بهِ الطَّلاقَ عِنْدَ وُجودِ الشَّرطِ (٣).
فللحَلِفِ بالطَّلاقِ صُورَتانِ مِنْ حَيثُ الصِّيغةِ، هُما:
الأُولَى: التَّعليقُ اللَّفظيُّ أو الحسِّيُّ:
وهو ما تمَّ الحلِفُ فيهِ بصِيغةِ التَّعليقِ وذُكرَتْ فيهِ أداةٌ مِنْ أدواتِ
стр. 10591
الشَّرطِ في الصِّيغَةِ نَفسِها، كأنْ يَقولَ الزَّوجُ: «إنْ اغتَبتُ مُسلِمًا فزَوجَتي طالِقٌ»، أو «إنْ آذَتْ والدتِي فهي طالِقٌ».
الثَّانيةُ: التَّعليقُ المَعنَويُّ أو القَسَمِيُّ:
وهوَ أنْ يَتمَّ التَّعليقُ دُونَ ذِكرِ أداةٍ مِنْ أدَواتِ الشَّرطِ لَفظًا، وإنَّما يُوجَدُ مَعناها، كقَولِ الزَّوجِ: «عليَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا، أو: «عليَّ الحَرامُ لم أَغبنْكَ في السِّعرِ، أو: «الطَّلاقُ يَلزمُني إنْ أَخذْتُ مَتاعَكَ».
وهذا النَّوعِ يَشتملُ على التَّعليقِ ضِمنًا؛ لأنَّ مَعناهُ: إنْ فَعلْتُ كذا أو إنْ غَبنْتُكَ في السِّعرِ أو أخذْتُ مَتاعَكَ فزَوجَتي طالِقٌ.
قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: مَطلَبٌ في قَولِهم: «عليَّ الحَرامُ»:
قالَ في «النَّهر»: ولو قالَ: «عليَّ الطَّلاقُ، أو الطَّلاقُ يَلزمُنِي، أو الحَرامُ» ولم يَقُلْ: «لا أفعَلُ كذا» لم أجِدْه في كَلامِهم. اه
وفي «حَواشِي مِسكين»: وقَد ظَفَرَ فيهِ شَيخُنا مُصرّحًا بهِ في كَلامِ «الغايَة» للسُّروجيِّ مَعزِيًّا إلى «المُغنِي».
ونَصُّه: «الطَّلاقُ يَلزمُني، أو لازِمٌ لي» صَريحٌ؛ لأنهُ يُقالُ لِمَنْ وقَعَ طَلاقُه لَزمَه الطَّلاقُ، وكذا قَولُه: «عَليَّ الطَّلاقُ». اه
ونقَلَ السَّيدُ الحَمَويُّ عَنْ «الغايَة» مَعزيًّا إلى «الجَواهِرِ»: «الطَّلاقُ لي لازِمٌ» يَقعُ بغَيرِ نيَّةٍ. اه، قُلتُ: لَكنْ يُحتمَلُ أنَّ مُرادَ «الغايَة» ما إذا ذكَرَ
стр. 10592
المَحلوفَ عليهِ؛ لِمَا عَلمْت مِنْ أنه يُرادُ بهِ في العُرفِ التَّعليقُ، وأنَّ قَولَه: «عليَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا» بمَنزلةِ قَولِه: «إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ»، فإذا لم يَذكُرْ «لا أفعَلُ كذا» بَقيَ قَولُه: «عليَّ الطَّلاقُ» بدُونِ تَعليقٍ، والمُتعارَفُ استِعمالُه في مَوضِعِ التَّعليقِ دُونَ الإنشاءِ، فإذا لَم يُتعارَفِ استِعمالُه في الإنشاءِ مُنجَّزًا لم يَكنْ صَريحًا، فيَنبغي أنْ يكونَ على الخِلافِ الآتي فيما لو قالَ: «طَلاقُكِ عليَّ» (١).
حكمُ تعليقِ الطَّلاقِ واليَمينِ بالطَّلاقِ، هل يقعُ أم لا؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ الزَّوجَ إذا علَّقَ طلاقَ زَوجَتِه -مثلَ أنْ يقولَ لها: «عليَّ الطَّلاقُ لا أفعَلُ كذا، أو: إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ كَلَّمتِ زَيدًا أو أخاكِ أو غيرَ ذلكَ، أو: الطَّلاقُ يَلزمُني» - فإنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ ما دامَ لم يَقعْ ما عَلَّقَ عليهِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الطَّلاقُ يقَعُ ناجِزًا وعلى صِفةٍ وإلى أجَلٍ، فوُقوعُه ناجِزًا أنْ يقولَ: «أنتِ طالِقٌ» فتَقعُ بمُجرَّدِ اللَّفظِ، ووُقوعُه على صِفةٍ أنْ يقولَ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارِ فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ قَدِمَ زَيدٌ فأنتِ طالِقٌ» فلا يَقعُ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الصِّفةِ، سواءٌ بصَفةٍ مُضافةٍ إليها بدُخولِ الدَّارِ، أو مُضافةٍ إلى غَيرِها كقُدومِ زَيدٍ، وهذا مُتَّفَقٌ عليهِ (٢).
стр. 10593
إلا أنَّهمُ اختَلفُوا فيما لو وقَعَ ما عَلَّقَ عليهِ الطَّلاقَ أو الحَلِفَ، هل يَقعُ الطَّلاقُ أم لا؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: هوَ قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ، وحُكِيَ فيهِ الإجماعُ، أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ إذا وقَعَ ما عُلِّقَ عليهِ، وهوَ الصَّحيحُ عِنْدَ المَذاهِبِ الأربعةِ (١).
وحَكى ابنُ المُنذِرِ ﵀ فيهِ الإجماعَ فقالَ: ذِكرُ اليَمينِ بالطَّلاقِ:
أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنهُ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ على أنَّ مَنْ حَلَفَ بالطَّلاقِ على زَوجَتِه في أمرٍ لا يَفعَلُه ففَعلَهُ أنَّ الطَّلاقَ يقَعُ على زَوجَتِه.
هذا قولُ مالِكٍ والشَّافعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرَّأيِ، وذكَرَ أبو عُبيَدٍ أنَّ هذا قَولُ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ والشَّامِ (ومِصرَ) منهُم مالِكٌ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: وكذلكَ نَقولُ (٢).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ عُلماءِ الأمَّةِ سَلَفِهم وخَلَفِهم أنَّ الطَّلاقَ لا كفَّارَةَ فيهِ، وأنَّ اليَمينَ بالطَّلاقِ كالطَّلاقِ على الصِّفةِ، وأنه لازِمٌ معَ وُجودِ الصِّفةِ (٣).
واستَدلُّوا على ذلكَ بآثارٍ عنِ الصَّحابةِ، ولَم يَرِدْ مِنها شَيءٌ مَرفوعٌ عنِ
стр. 10594
النَّبيِّ ﷺ ، فرَوى البُخاريُّ مُعلَّقًا عن نافِعٍ قالَ: «طلَّقَ رجُلٌ امرَأتَهُ البتَّةَ إنْ خرَجَتْ، فقالَ ابنُ عُمرَ ﵄: إنْ خَرجَتْ فقَدْ بُتَّتْ منهُ، وإنْ لم تَخرُجْ فليسَ بشيءٍ» (١).
وعن إبراهيمَ عَنِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ في رَجُلٍ قالَ لامرَأتِه: «إنْ فَعلَتْ كذا وكذا فهيَ طالِقٌ فتَفعَلُهُ، قالَ: هي واحدةٌ وهو أحَقُّ بها» (٢).
القولُ الثَّاني: أنَّه لا يَقعُ مُطلَقًا وليسَ فيهِ كفَّارَةُ يَمينٍ، وهو قَولُ طائفةٍ مِنْ أهلِ العِلمِ كابنِ حَزمٍ وغَيرِه، حَكاهُ ابنُ تَيميةَ عَنهُم.
القَولُ الثَّالثُ: أنهُ يَمينٌ مُنعقِدةٌ وفيها كفَّارَةُ يَمينٍ، وهو اختيارُ جماعةٍ مِنَ المالِكيَّةِ والشَّافِعيةِ، وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ وغَيرِهما، وقد نَصَرَ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ هذا القولَ بقوَّةٍ.
فقدْ سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عَمَّن حلَفَ بالطَّلاقِ على أمرٍ مِنْ الأمورِ ثمَّ حنَثَ في يَمينِه، هلْ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ أم لا؟
فأجابَ: المَسألةُ فيها نِزاعٌ بيْنَ السَّلفِ والخلَفِ على ثلاثةِ أقوالٍ:
أحَدَها: أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ إذا حنَثَ في يَمينِه، وهذا هو المَشهورُ عِنْدَ أكثَرِ
стр. 10595
الفُقهاءِ المُتأخِّرينَ، حتَّى اعتَقدَ طائِفةٌ مِنهُم أنَّ ذلكَ إجماعٌ، ولهذا لم يَذكُرْ عامَّتُهم عليهِ حجَّةً، وحُجَّتُهم عليهِ ضَعيفةٌ جدًّا، وهي أنهُ التَزمَ أمرًا عِنْدَ وُجودِ شرطٍ فلَزمَه ما التَزمَه، وهذا مَنقوضٍ بصَورٍ كَثيرةٍ، وبَعضُها مُجمَعٌ عليهِ كنَذرِ الطَّلاقِ والمَعصيةِ والمُباحِ، وكالتِزامِ الكُفرِ على وَجهِ اليَمينِ، مع أنهُ ليسَ لهُ أصلٌ يُقاسُ بهِ إلَّا وبيْنَهما فَرقٌ مُؤثِّرٌ في الشَّرعِ، ولا دلَّ عليهِ عُمومُ نَصٍّ ولا إجماعٌ، لكنْ لمَّا كانَ مُوجبُ العَقدِ لُزومَ ما التزَمَه صارَ يُظَنُّ في بادئِ الرَّأيِ أنَّ هذا عَقدٌ لازِمٌ، وهذا يُوافِقُ ما كانوا عليهِ في أوَّلِ الإسلامِ قبْلَ أنْ يُنزِلَ اللهُ كفَّارةَ اليَمينِ مُوجبةً ومُحرّمةً، كما يُقالُ: إنهُ كانَ شرْعَ مَنْ قبْلَنا، لكنْ نسَخَ هذا شَرعُ مُحمدِ ﷺ ، وفرَضَ للمُسلمينَ تَحِلَّةَ أيمانِهم، وجعَلَ لهُم أنْ يُحِلُّوا عقْدَ اليَمينِ بما فرَضَه مِنْ الكَّفارةِ.
وأمَّا إذا لم يَحنَثْ في يَمينِه فلا يقَعُ بهِ الطَّلاقُ بلا رَيبٍ، إلَّا على قولٍ ضَعيفٍ يُروَى عَنْ شُريحٍ، ويُذكَرُ رِوايةً عن أحمَدَ فيما إذا قَدَّمَ الطَّلاقَ، وإذا قيلَ: يَقعُ بهِ الطَّلاقُ؛ فإنْ نَوَى باليَمينِ الثَّانيةِ تَوكيدَ الأُولى لا إنشاءَ يَمينٍ أُخرَى لم يقَعْ بهِ إلَّا طَلقةٌ واحِدةٌ، وإنْ أَطلَقَ وقَعَ بهِ ثلاثٌ، وقيلَ: لا يَقعُ بهِ إلَّا واحدةٌ.
والقَولُ الثَّاني: أنه لا يَقعُ بهِ طلاقٌ ولا يَلزمُه كفَّارةٌ، وهذا مَذهبُ داودَ وأصحابِه وطَوائِفَ مِنْ الشِّيعةِ، ويَذكُرُ ما يَدلُّ عليهِ عَنْ طائفةٍ مِنَ السَّلفِ، بل هو مأثورٌ عن طائفةٍ صَريحًا كأبي جَعفرٍ الباقِرٍ رِواية جَعفرِ بنِ مُحمدٍ.
стр. 10596
وأصلُ هؤلاءِ أنَّ الحَلِفَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ والظِّهارِ والحَرامِ والنَّذرِ لَغوٌ كالحَلِفِ بالمَخلوقاتِ، ويُفتِي به في اليَمينِ الَّتي يَحلِفُ بها بالتِزامِ الطَّلاقِ طائفةٌ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ كالقَفَّالِ وصاحِبِ «التَّتِمَّة»، ويُنقَلُ عن أبي حَنيفةَ نَصًّا؛ بِناءً على أنَّ قولَ القائِلِ: «الطَّلاقُ يَلزمُني، أو لازِمٌ لي» ونحوَ ذلكَ صِيغةُ نَذرٍ لا صِيغةُ إيقاعٍ، كقولِه: «للهِ عليَّ أنْ أُطلِّقَ».
ومَن نذَرَ أنْ يُطلِّقَ لم يَلزمْه طلاقٌ بلا نِزاعٍ، ولكنْ في لُزومِه الكفَّارةَ لُه قَولانِ: …
والقَولُ الثَّالثُ، وهوَ أصَحُّ الأقوالِ، وهو الَّذي يَدلُّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والاعتبارُ: أنَّ هذه يَمينٌ مِنْ أيمانِ المُسلمينَ، فيَجري فيها ما يَجري في أيمانِ المُسلمينَ، وهو الكفَّارةُ عِنْدَ الحِنثِ؛ إلَّا أنْ يَختارَ الحالِفُ إيقاعَ الطَّلاقِ فلهُ أنْ يُوقِعَه ولا كفَّارةَ، وهذا قولُ طائفةٍ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ كطاووسٍ وغَيرِه، وهو مُقتَضى المَنقولِ عَنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ في هذا البابِ، وبه يُفتِي كثيرٌ مِنْ المالكيَّةِ وغَيرِهم، حتَّى يُقالُ: إنَّ في كَثيرٍ مِنْ بِلادِ المَغرِبِ مَنْ يُفتِي بذلكَ مِنْ أئمَّةِ المالكيَّةِ، وهو مُقتَضى نُصوصِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ وأصولِه في غَيرِ مَوضِعٍ.
وعلى هذا القولِ فإذا كرَّرَ اليَمينَ المُكفّرةَ مَرَّتَينِ أو ثلاثًا على فِعلٍ واحِدٍ: فهَلْ عليهِ كفَّارةٌ واحِدةٌ؟ أو كفَّاراتٌ؟ فيهِ قَولانِ للعُلماءِ، وهُمَا رِوايتانِ عَنْ أحمدَ، أشهَرُهما عنهُ: تُجزِيهِ كفَّارةٌ واحدةٌ، وهذهِ الأقوالُ
стр. 10597
الثَّلاثةُ حَكاها ابنُ حَزمٍ وغَيرُه في الحَلِفِ بالطَّلاقِ كما حَكَوْها في الحَلِفِ بالعِتقِ والنَّذرِ وغَيرِهما، فإذا قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَبيدِي أحرارٌ» ففيها الأقوالُ الثَّلاثةُ؛ لكنْ هُنا لَم يَقُلْ أحدٌ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ: إنهُ لا يَلزمُه العِتقُ كما قالوا ذلكَ في الطَّلاقِ، فيَصحُّ نَذرُه بخِلافِ الطَّلاقِ، والمَنقولُ عَنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنهُ يُجزئُه كفَّارةُ يَمينٍ، كما ثبَتَ ذلكَ عَنِ ابنِ عُمرَ وحَفصةَ وزَينبَ، ورَوَوْه أيضًا عَنْ عائِشةَ وأمِّ سَلَمةَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ؛ وهو قولُ أكابرِ التَّابعِينَ كطاووسٍ وعَطاءٍ وغَيرِهما، ولم يَثبُتْ عن صَحابيٍّ ما يَخالِفُ ذلكَ؛ لا في الحَلِفِ بالطَّلاقِ ولا في الحَلِفِ بالعِتاقِ؛ بل إذا قالَ الصَّحابةُ: «إنَّ الحالِفَ بالعِتقِ لا يَلزمُه العِتقُ» فالحالِفُ بالطَّلاقِ أَولى عِندَهم، وهذا كالحلِفِ بالنَّذرِ مِثلَ أنْ يقولَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ الحَجُّ، أو صَومُ سَنةٍ، أو ثُلثُ مالي صَدقةٌ»، فإنَّ هذا يَمينٌ تُجزئُ فيهِ الكفَّارةُ عندَ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِثلَ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ وابنِ عُمرَ، وهو قولُ جَماهيرِ التَّابعِينَ كطاووسٍ وعَطاءٍ وأبي الشَّعثاءِ وعِكرمةَ والحسَنِ وغَيرِهم، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ المَنصوصُ عنهُ، ومَذهبُ أحمَدَ بلا نِزاعٍ عنهُ، وهو إحدَى الرِّوايتَينِ عن أبي حَنيفةَ اختارَها مُحمدُ بنُ الحسَنِ، وهو قولُ طائِفةٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ كابنِ وَهبٍ وابنِ أبي الغَمْرِ، وأفتَى ابنُ القاسِمِ ابنَهُ بذلكَ، والمَعروفُ عَنْ جُمهورِ السَّلفِ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومَن بَعدَهم أنهُ لا فرْقَ بيْنَ أنْ
стр. 10598
يَحلِفَ بالطَّلاقِ أو العِتاقِ أو النَّذرِ: إمَّا أنْ تُجزئَهُ الكفَّارةُ في كُلِّ يَمينٍ، وإمَّا أنْ لا شيءَ عليهِ، وإمَّا أنْ يُلزمَه كما حلَفَ بهِ، بل إذا كانَ قَولُه: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ أنْ أُعتِقَ رَقبةً» وقصَدَ بهِ اليَمينَ لا يَلزمُه العِتقُ؛ بلْ يُجزئُه كفَّارةُ يَمينٍ، ولو قالَهُ على وجهِ النَّذرِ لَزمَه بالاتِّفاقِ … (١).
وقالَ أيضًا: إذا حَلفَ الرَّجلُ بالطَّلاقِ فقالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا أو لا أفعَلُه، أو: الطَّلاقُ لازِمٌ لي لَأفعلَنَّه، أو: إنْ لَم أفعَلْه فالطَّلاقُ يَلزمُني أو لازِمٌ» ونحوُ هذهِ العِباراتِ الَّتي تَتضمَّنُ التِزامَ الطَّلاقِ في يَمينِه ثمَّ حنَثَ في يَمينِه فهلْ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ؟ فيهِ قَولانِ لعُلماءِ المُسلمِينَ في المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرِها مِنْ مَذاهبِ عُلماءِ المُسلمينَ:
أحَدُهما: أنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ، وهذا مَنصوصٌ عَنْ أبي حَنيفةَ نَفسِه، وهو قولُ طائفةٍ مِنْ أصحابِ الشَّافعيِّ كالقَفَّالِ وأبي سَعيدٍ المُتَولِّي صاحِبِ «التَّتِمَّة»، وبهِ يُفتِي ويَقضي في هذهِ الأزمِنةِ المُتأخِّرةِ طائِفةٌ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وغَيرِهم مِنْ أهلِ السُّنةِ والشِّيعةِ في بلادِ الشَّرقِ والجَزيرةِ والعِراقِ وخُرَاسانَ والحِجازِ واليَمنِ وغيرِها، وهو قولُ داودَ وأصحابِه كابنِ حَزمٍ وغَيرِه، كانوا يُفتونَ ويَقضونَ في بلادِ فارِسَ والعِراقِ والشَّامِ ومِصرَ وبلادِ المَغربِ إلى اليومِ، فإنهم خَلْقٌ عَظيمٌ وفيهم قُضاةٌ ومُفتونَ عَددٌ كَثيرٌ، وهو قولُ طائِفةٍ مِنَ السَّلفِ كطاووسٍ وغَيرِ طاوُوسٍ، وبهِ يُفتِي
стр. 10599
كَثيرٌ مِنْ عُلماءِ المَغربِ في هذهِ الأزمِنةِ المُتأخِّرةِ مِنْ المالكيَّةِ وغَيرِهم، وكانَ بعضُ شُيوخِ مِصرَ يُفتي بذلكَ، وقَد دَلَّ على ذلكَ كَلامُ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ المَنصوصُ عنهُ وأصولُ مَذهبِه في غَيرِ مَوضِعٍ.
ولو حلَفَ بالثَّلاثِ فقالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُني ثلاثًا لَأفعلَنَّ كذا» ثمَّ لم يَفعلْ فكانَ طائِفةٌ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ أصحابِ مالِكٍ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ وداودَ وغَيرِهم يُفتونَ بإنهُ لا يَقعُ بهِ الثَّلاثُ، لكنْ منهم مَنْ يُوقِعُ بهِ واحدةً، وهذا مَنقولٌ عن طائفةٍ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابعينَ وغَيرِهم في التَّنجيزِ فَضلًا عنِ التَّعلِيقِ واليَمينِ، وهذا قولُ مَنِ اتَّبعهُم على ذلكَ مِنْ أصحابِ مالِكٍ وأحمَدَ وداودَ في التَّنجيزِ والتَّعليقِ والحلِفِ.
ومِن السَّلَفِ طائِفةٌ مِنْ أعيانِهم فرَّقُوا في ذلكَ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها.
والَّذينَ لم يُوقِعُوا طلاقًا بمَن قالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا» مِنهم مَنْ لا يُوقِعُ بهِ طلاقًا ولا يَأمرُه بكفَّارةٍ، ومِنهم مَنْ يَأمرُه بكفَّارةٍ، وبكُلٍّ مِنْ القَولَينِ أفتَى كثيرٌ مِنَ العُلماءِ، وقَد بَسطْتُ أقوالَ العُلماءِ في هذهِ المَسائلِ وألفاظَهَم ومَن نقَلَ ذلكَ عَنهم، والكتُب المَوجودُ ذلكَ فيها والأدلَّة على هذهِ الأقوالِ في مَواضِعَ أُخَرَ تَبلُغُ عدَّةَ مُجلَّداتٍ.
وهذا بخِلافِ الَّذي ذَكرْتُه في مَذهبِ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ، وهوَ فيما إذا حلَفَ بصِيغةِ اللُّزومِ مِثلَ قولَهِ: «الطَّلاقُ يَلزمُني» ونحوُ ذلكَ، وهذا
стр. 10600
النِّزاعُ في المذهَبَينِ، سواءٌ كانَ مُنجَّزًا أو مُعلَّقًا بشَرطٍ أو مَحلوفًا بهِ، ففي المَذهبَينِ: هل ذلكَ صَريحٌ؟ أو كِنايةٌ؟ أو لا صَريحٌ ولا كِنايةٌ فلا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ وإنْ نَواهُ؟ ثلاثةٌ أقوالٍ، وفي مَذهبِ أحمدَ قَولانِ: هل ذلكَ صَريحٌ؟ أو كِنايةٌ؟
وأمَّا الحَلِفُ بالطَّلاقِ أو التَّعليقُ الَّذي يُقصَدُ بهِ الحَلِفُ فالنِّزاعُ فيهِ مِنْ غَيرِهم بغَيرِ هذهِ الصِّيغةِ، فمَن قالَ: «إنَّ مَنْ أفتَى بأنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ في مثلِ هذهِ الصُّورَةِ خالَفَ الإجماعَ وخالَفَ كلَّ قولٍ في المَذاهبِ الأربعةِ» فقدْ أخطَأَ واقتَفَى ما لا عِلمَ بهِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، بلْ أجمَعَ الأئمَّةُ الأربعَةُ واتْباعُهم وسائرُ الأئمَّةِ مِثلَهم على أنهُ مَنْ قَضَى بأنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ في مِثلِ هذهِ الصُّورةِ لم يَجُزْ نَقضُ حُكمِه، ومَن أفتَى بهِ ممَّن هو مِنْ أهلِ الفُتيَا ساغَ لهُ ذلكَ، ولم يَجُزِ الإنكارُ عليهِ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربَعةِ وغَيرِهم مِنْ أئمَّةِ المُسلمينَ، ولا على مَنْ قلَّدَه ولو قضَى أو أفتَى بقولٍ سائغٍ يَخرجُ عَنْ أقوالِ الأئمَّةِ الأربَعةِ في مَسائلِ الأيمانِ والطَّلاقِ وغَيرِهما ممَّا ثبَتَ فيهِ النِّزاعُ بيْنَ عُلماءِ المُسلمينَ، ولَم يُخالِفْ كتابًا ولا سُنَّةً ولا مَعنَى ذلكَ، بلْ كانَ القاضي بهِ والمُفتِي به يَستدلُّ عليهِ بالأدلَّةِ الشَّرعيةِ كالاستِدلالِ بالكِتابِ والسُّنةِ، فإنَّ هذا يَسوغُ له أنْ يَحكُمَ به ويُفتِي بهِ، ولا يَجوزُ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعَةِ نَقضُ حُكمِه إذا حكَمَ، ولا مَنعُه مِنَ الحُكمِ بهِ ولا مِنَ الفُتيا بهِ ولا مَنعُ أحَدٍ مِنْ تَقليدِه.
стр. 10601
ومَن قالَ: «إنهُ يَسوغُ المَنعُ مِنْ ذلكَ» فقَدْ خالَفَ إجماعَ الأئمَّةِ الأربعَةِ، بلْ خالَفَ إجماعَ المُسلِمينَ معَ مُخالَفتِه للهِ ورَسولِه، فإنَّ اللهَ تعالَى يقولُ في كِتابِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾، فأمَرَ اللهُ المُؤمنينَ بالرَّدِ فيما تَنازعُوا فيهِ إلى اللهِ والرَّسولِ، وهوَ الرَّدُّ إلى الكِتابِ والسُّنةِ، فمَن قالَ: «إنهُ ليسَ لأحَدٍ أنْ يَردَّ ما تَنازعُوا فيهِ إلى الكِتابِ والسُّنةِ، بلْ على المُسلمينَ اتباعُ قَولِنا دُونَ القَولِ الآخَرِ» مِنْ غَيرِ أنْ يُقيمَ دليلًا شَرعيًّا كالاستِدلالِ بالكِتابِ والسُّنةِ على صحَّةِ قَولِه فقدْ خالَفَ الكِتابَ والسُّنةَ وإجماعَ المُسلمينَ، وتَجبُ استِتابةُ مِثلِ هذا وعُقوبتُه كما يُعاقَبُ أمثالهُ، فإذا كانَتِ المَسألةُ ممَّا تَنازَعَ فيهِ عُلماءُ المُسلمينَ وتَمسَّكَ بأحَدِ القولَينِ لم يُحتَجَّ على قَولِه بالأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ كالكِتابِ والسُّنةِ، وليسَ معَ صاحِبِ القَولِ الآخَرِ مِنَ الأدلَّةِ الشَّرعيةِ ما يَبطُلُ بهِ قَولُه، لم يَكنْ لهذا الَّذي ليسَ معهُ حجَّةٌ تَدلُّ على صحَّةِ قَولِه أنْ يَمنعَ ذلكَ الَّذي يَحتَجُّ بالأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ بإجماعِ المُسلمينَ، بل جَوَّزَ أنْ يَمنعَ المُسلمونَ مِنْ القَولِ المُوافِقِ للكتابِ والسُّنةِ وأوجَبَ على النَّاسِ اتَّباعَ القَولِ الَّذي يُناقِضُه بلا حُجَّةٍ شَرعيَّةٍ تُوجِبُ عليهم اتِّباعَ هذا القَولِ، وتُحرِّمُ عليهم اتِّباعَ ذلكَ القَولِ؛ فإنهُ قدِ انسَلخَ مِنَ الدِّينِ تَجبُ استِتابتُه وعُقوبتُه كأمثالِه، وغايتُه أنْ يكونَ جاهِلًا فيُعذَرَ بالجَهلِ أوَّلًا حتَّى يَتبيَّنَ لهُ أقوالُ أهلِ
стр. 10602
العلمِ ودلائلُ الكتابِ والسُّنةِ، فإنْ أصَرَّ بعْدَ ذلكَ على مُشاقَّةِ الرَّسولِ مِنْ بعْدِ ما تَبيَّنَ لهُ الهُدَى واتَّبعَ غيْرَ سَبيلِ المُؤمنينَ فإنهُ يُستَتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ.
وكلُّ يَمينٍ مِنْ أيمانِ المُسلمينَ غَيرُ اليمينِ باللهِ مِثلُ الحلِفِ بالطَّلاقِ والعِتاقِ والظِّهارِ والحَرامِ والحلِفِ بالحَجِّ والمَشيِ والصَّدقةِ والصِّيامِ وغَيرِ ذلكَ- فللعُلماءِ فيها نِزاعٌ مَعروفٌ عندَ العُلماءِ، سواءٌ حلَفَ بصِيغةِ القسَمِ فقالَ: «الحَرامُ يَلزمُني، أو العِتقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا»، أو حلَفَ بصِيغةِ العِتقِ فقالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعليَّ الحَرامُ ونِسائي طَوالِقُ، أو فعَبيدِي أحرارٌ، أو مالي صَدقةٌ وعليَّ المَشيُ إلى بَيتِ اللهِ تعالَى».
واتَّفقتِ الأئمَّةُ الأربعَةُ وسائرُ أئمَّةِ المُسلمينَ على أنهُ يَسوغُ للقاضي أنْ يَقضِي في هذهِ المَسائلِ جَميعِها بأنهُ إذا حنَثَ لا يَلزمُه ما حلَفَ بهِ، بل إمَّا أنْ لا يَجبَ عليهِ شيءٌ، وإمَّا أنْ تُجزيهِ الكفَّارةُ، ويَسوغُ للمُفتِي أنْ يَقضي بذلكَ، وما زالَ في المُسلمينَ مَنْ يُفتِي بذلكَ مِنْ حينِ حدَثَ الحلِفُ بها وإلى هذهِ الأزمِنةِ، مِنهم مَنْ يُفتِي بالكفَّارةِ فيها، ومِنهم يُفتِي بأنهُ لا كفَّارةَ فيها ولا لُزومَ المَحلوفِ بهِ، كما أنَّ مِنهم مَنْ يُفتِي بلُزومِ المَحلوفِ بهِ، وهذهِ الأقوالُ الثَّلاثةُ في الأمَّةِ مَنْ يُفتِي بها بالحَلِفِ بالطَّلاقِ والعِتاقِ والحَرامِ والنَّذرِ، وأمَّا إذا حلَفَ بالمَخلوقاتِ كالكَعبةِ والمَلائكةِ فإنهُ لا كفَّارةَ في هذا باتِّفاقِ المُسلمِينَ.
стр. 10603
فالأيمانُ ثلاثةُ أقسامٍ:
إمَّا الحَلِفُ باللهِ؛ ففيهِ الكفَّارةُ بالاتِّفاقِ، وإمَّا الحَلِفُ بالمَخلوقاتِ؛ فلا كفَّارةَ فيهِ بالاتِّفاقِ، إلَّا الحلِفُ بالنَّبيِّ قولانِ في مَذهبِ أحمدَ، والجُمهورُ أنهُ لا كفَّارةَ فيهِ، وقَد عَدَّى بعضُ أصحابِ ذلكَ إلى جَميعِ النَّبيِّينَ، وجَماهيرُ العُلماءِ مِنْ أصحابِ أحمَدَ وغَيرِهم على خِلافِ ذلكَ.
وأمَّا ما عُقِدَ مِنْ الأيمانِ باللهِ تعالَى -وهو هذهِ الأيمانُ- فللمُسلمينَ فيها ثلاثةُ أقوالٍ، وإنْ كانَ مِنْ النَّاسِ مَنِ ادَّعى الإجماعَ في بَعضِها، فهذا كما أنَّ كَثيرًا مِنْ مَسائلِ النِّزاعِ يَدَّعي فيها الإجماعَ مَنْ لَم يَعلمِ النِّزاعَ، ومَقصودُه أنِّي لا أعلَمُ نِزاعًا، فمَنْ عَلِمَ النِّزاعَ وأثبَتَه كانَ مُثبِتًا عالِمًا، وهوَ مُقدَّمٌ على النَّافي الَّذي لا يَعلمُه باتِّفاقِ المُسلمينَ.
وإذا كانَتِ المَسألةُ مَسألةَ نِزاعٍ في السَّلفِ والخَلَفِ، ولم يكنْ مع مَنْ ألزَمَ الحالِفَ بالطَّلاقِ أو غَيرِه نَصُّ كتابٍ ولا سُنةٍ ولا إجماعٍ كانَ القَولُ بنَفيِ لُزومِه سائِغًا باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعَةِ وسائرِ أئمَّةِ المُسلمينَ، بلْ هُمْ مُتَّفِقونَ على أنه ليسَ لأحدٍ أنْ يَمنعَ قاضيًا يَصلُحُ للقضاءِ أنْ يَقضيَ بذلكَ، ولا يَمنعَ مُفتيًا يَصلحُ للفُتيا أنْ يُفتيَ بذلكَ، بل هُمْ يُسوِّغونَ الفُتيا والقَضاءَ في أقوالٍ ضَعيفةٍ؛ لوُجودِ الخِلافِ فيها، فكيفَ يَمنَعونَ مِثلَ هذا القَولِ الَّذي دلَّ عليهِ الكِتابُ والسُّنةُ والقِياسُ الصَّحيحُ الشَّرعيُّ؟! والقَولُ به ثابِتٌ عَنِ السَّلفِ والخَلَفِ، بلِ الصَّحابةُ الَّذينَ هُمْ خَيرُ هذهِ الأمَّةِ ثبَتَ عَنهم أنهم
стр. 10604
أفتَوْا في الحَلِفِ بالعِتقِ الَّذي هوَ أحبُّ إلى اللهِ تعالَى مِنَ الطَّلاقِ أنهُ لا يَلزمُ الحالِفَ بهِ، بل يُجزِيهِ كفَّارةُ يَمينٍ، فكيفَ يكونُ قَولُهم في الطَّلاقِ الَّذي هو أبغَضُ الحَلالِ إلى اللهِ؟ وهل يُظنُّ بالصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم أنهم يَقولونَ فيمَن حَلَفَ بما يُحبُّه اللهُ مِنْ الطَّاعاتِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدقةِ والحَجِّ أنهُ لا يَلزمُه أنْ يَفعلَ هذهِ الطَّاعاتِ، بلْ يُجزيهِ كفَّارةُ يَمينٍ، ويَقولونَ فيما لا يُحبُّهُ اللهُ بلْ يُبغِضُه إنهُ يَلزمُ مَنْ حلَفَ به؟!
وقَدِ اتَّفقَ المُسلمونَ على أنَّه مَنْ حلَفَ بالكُفرِ والإسلامِ أنهُ لا يَلزمُه كُفرٌ ولا إسلامٌ، فلو قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ» وفعَلَه لم يَصِرْ يَهوديًّا بالاتِّفاقِ، وهل يَلزمُه كفَّارةُ يَمينٍ؟ على قَولينِ:
أحَدَهما: يَلزمُه، وهوَ مَذهبُ أبي حَنيفةَ وأحمدَ في المَشهورِ عَنه.
والثَّاني: لا يَلزمُه، وهو قولُ مالكٍ والشَّافعيِّ ورِوايةٌ عَنْ أحمدَ، وذهَبَ بعضُ أصحابِ أبي حَنيفةَ إلى أنهُ إذا اعتَقدَ أنهُ يَصيرُ كافِرًا إذا حنَثَ وحلَفَ بهِ فإنهُ يَكفرُ، قالوا: لأنهُ مُختارٌ للكُفرِ، والجُمهورُ قالوا: لا يَكفرُ؛ لأنَّ قصْدَه أنْ لا يَلزمَه الكُفرُ، فلبُغضِه لهُ حلَفَ بهِ، وهكذا كلُّ مَنْ حلَفَ بطلاقٍ أو غَيرِه إنما يَقصِدُ بيَمينِه أنهُ لا يَلزمُه؛ لفَرطِ بِغضِه له.
وبهذا فرَّقَ الجُمهورُ بيْنَ نَذرِ التَّبَرُّرِ ونَذرِ اللَّجاجِ والغَضبِ، قالوا: لأنَّ الأوَّلَ قَصدُه وُجودُ الشَّرطِ والجزاءِ، بخِلافِ الثَّاني، فإذا قالَ: «إنْ شَفَى اللهُ مَريضِي فعَليَّ عِتقُ رَقبةٍ، أو فعَبدِي حرٌّ» لَزمَه ذلكَ بالاتِّفاقِ، وأمَّا إذا قالَ:
стр. 10605
«إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ عِتقُ رَقبةٍ، أو فعَبدِي حُرُّ» وقَصدُه أنْ لا يَفعلَه فهذا مَوضِعُ النِّزاعِ؛ هل يَلزمُه العِتقُ في الصُّورتَينِ؟ أو لا يَلزمُه في الصُّورتَينِ؟ أو يُجزيهِ كفَّارةُ يَمينٍ؟ أو يُجزيهِ الكفَّارةُ في تَعليقِ الوُجوبِ دُونَ تَعليقِ الوُقوعِ؟ وهذهِ الأقوالُ الثَّلاثةُ في الطَّلاقِ.
ولو قالَ اليَهوديُّ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا مُسلِمٌ» وفعَلَه لم يَصِرْ مُسلِمًا بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ الحالِفَ حلَفَ بما يَلزمُه وُقوعُه، وهكذا إذا قالَ المُسلِمُ: «إنْ فَعلْتُ كذا فنِسائي طَوالِقُ وعَبيدِي أحرارٌ وأنا يَهوديٌ»، هو يَكرهُ أنْ يُطلِّقَ نِساءَه ويُعتِقَ عَبيدَه ويُفارِقَ دِينَه، مع أنَّ المَنصوصَ عنِ الأئمَّةِ الأربعةِ وُقوعُ العِتقِ.
ومَعلومٌ أنَّ سَبعةً مِنْ الصَّحابةِ مِثلَ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وعائِشةَ وأمِّ سَلَمةَ وحَفصةَ وزَينبَ رَبيبةِ النِّبيِّ أجَلُّ مِنْ أربعةٍ مِنْ عُلماءِ المُسلمِينَ، فإذا قالوا هم وأئِمَّةُ التَّابعِينَ أنهُ لا يَلزمُه العِتقُ المَحلوفُ بهِ بَلْ يُجزيهِ كفَّارةُ يَمينٍ؛ كانَ هذا القَولُ مع دَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ إنَّما يَدلُّ على هذا القَولِ، فكيفَ يُسوغُ لمَن هو مِنْ أهلِ العِلمِ والإيمانِ أنْ يُلزِمَ أمَّةَ مُحمدٍ بالقَولِ المَرجوحِ في الكِتابِ والسُّنةِ والأقيِسةِ الصَّحيحةِ الشَّرعيَّةِ؟ مع ما لهُم مِنْ مَصلحةِ دِينِهم ودُنياهُم، فإنَّ في ذلكَ مِنْ صِيانةِ أنفُسِهم وحَريمِهم وأموالِهم وأعراضِهم وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهم وصِلةِ أرحامِهم واجتِماعِهم على طاعةِ اللهِ ورَسولِه واستِغنائِهمْ عن مَعصيةِ اللهِ ورَسولِه ما يُوجِبُ تَرجيحَه
стр. 10606
لِمَنْ لا يكونُ عارِفًا بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ، فكيفَ بمَن كانَ عارِفًا بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ.
فإنَّ القائِلَ بوُقوعِ الطَّلاقِ ليسَ مَعهُ مِنَ الحُجَّةِ ما يُقاوِمُ قولَ مَنْ نَفَى وُقوعَ الطَّلاقِ، ولوِ اجتَهدَ مَنِ اجتَهدَ في إقامةِ دَليلٍ شَرعيٍّ سالِمٍ عَنِ المُعارِضِ المُقاوِمِ على وُقوعِ الطَّلاقِ على الحالِفِ لَعَجَزَ عن ذلكَ كما عَجزَ عَنْ تَحديدِ ذلكَ، فهل يَسوغُ لأحَدٍ أنْ يَأمُرَ بما يُخالِفُ إجماعَ المُسلمينَ ويُخرِجُ عن سَبيلِ المُؤمنينَ؟ فإنَّ القولَ الَّذي ذهَبَ إليهِ بعضُ العُلماءِ وهو لَم يُعارِضْ نَصًّا ولا إجماعًا ولا ما في مَعنَى ذلكَ ويُقدِّمُ عليهِ الدَّليلَ الشَّرعيَّ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ والقياسِ الصَّحيحِ ليسَ لأحَدٍ المَنعُ مِنَ الفُتيا بهِ والقَضاءِ بهِ وإنْ لم يَظهرْ رُجحانُه، فكيفَ إذا ظهَرَ رُجحانُه بالكِتابِ والسُّنةِ وبَيَّنَ ما للهِ فيهِ مِنَ المِنَّةِ، فإنَّ اللهَ تعالَى يَقولُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وقالَ في كِتابِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وقَد ثبَتَ في الصَّحيحِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرأَى غيْرَها خَيرًا مِنها فلْيُكفِّرْ عَنْ يَمينِه ولْيَأتِ الَّذي هوَ خَيرٌ»، وهذا مَرويٌّ عنِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ وُجوهٍ كثيرةٍ، وفي «مُسلِمٍ» مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ وعَديِّ بنِ حاتِمٍ وأبي مُوسَى الأشعريِّ وفي «الصَّحيحَينِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «إذا حَلفْتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيْرَها خَيرًا مِنها إلَّا أَتيتَ الَّذي هو خَيرٌ وتَحلَّلْتَها»، وفي «الصَّحيحَينِ» عن أبي هُريرةَ عنِ
стр. 10607
النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «لَأنْ يَلِجَ أحَدُكم بيَمينِه في أَهلِه آثَمُ لهُ مِنْ أنْ يُعطيَ الكفَّارةَ الَّتي فرَضَ اللهُ»، وقالَ البُخاريُّ: مَنِ استَلَجَ في أهلِه فهوَ أعظَمُ إثمًا، فقَولُه ﷺ : «يَلِجَ» مِنْ اللَّجاجِ؛ ولهذا سُمِّيَتْ هذهِ الأيمانُ «نُذُر اللَّجاجِ والغَضبِ».
والألفاظُ الَّتي يَتكلَّمُ بها النَّاسُ في الطَّلاقِ ثلاثةُ أنواعٍ:
صِيغةُ التَّنجيزِ والإرسالِ: كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ، أو مُطلَّقةٌ» فهذا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ باتِّفاقِ المُسلمِينَ.
الثَّاني: صِيغَةُ قسَمٍ: كقَولِه: «الطَّلاقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا، أو لا أفعَلُ كذا»، فهذا يَمينٌ باتِّفاقِ أهلِ اللُّغةِ واتِّفاقِ طَوائفِ الفُقهاءِ واتِّفاقِ العامَّةِ واتِّفاقِ أهلِ الأرضِ.
الثَّالثُ: صِيغةُ تَعليقٍ: كقَولِه: «إنْ فَعلْتُ كذا فامرَأتي طالِقٌ»، فهذه إنْ كانَ قَصدُه بهِ اليَمينُ -وهو الَّذي يَكرهُ وُقوعَ الطَّلاقِ مُطلَقًا كما يَكرهُ الانتِقالَ عَنْ دِينِه- إذا قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ»، أو يقولَ اليَهوديُّ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا مُسلِمٌ» فهو يَمينٌ حُكمُه حُكمُ الأوَّلِ الَّذي هوَ بصِيغةِ القسَمِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فإنَّ اليَمينَ هي ما تَضمَّنَتْ حَضًّا أو مَنعًا أو تَصديقًا أو تَكذيبًا بالتِزامِ ما يَكرهُ الحالِفُ وُقوعَه عِنْدَ المُخالَفةِ، فالحالِفُ لا يكونُ حالِفًا إلَّا إذا كَرِهَ وُقوعَ الجَزاءِ عِنْدَ الشَّرطِ، فإنْ كانَ يُريدُ وُقوعَ الجَزاءِ عِنْدَ الشَّرطِ لم يَكنْ حالِفًا، سَواءٌ كانَ يُريدُ الشَّرطَ وحْدَه ولا يَكرهُ الجَزاءَ عِنْدَ وُقوعِه، أو كانَ يُريدُ الجَزاءَ عِنْدَ
стр. 10608
وُقوعِه غيْرَ مُريدٍ لهُ، أو كانَ مُريدًا لهُمَا، فأمَّا إذا كانَ كارِهًا للشَّرطِ وكارِهًا للجَزاءِ مُطلَقًا -يَكرهُ وُقوعَه، وإنَّما التَزمَه عِنْدَ وُقوعِ الشَّرطِ؛ ليَمنَعَ نفْسَه أو غيْرَه ما التَزمَه مِنَ الشَّرطِ، أو ليَحُضَّ بذلكَ- فهذا يَمينٌ.
وإنْ قصَدَ إيقاعَ الطَّلاقِ عِنْدَ وُجودِ الجَزاءِ كقَولِه: «إنْ أَعطَيتِني ألفًا فأنتِ طالِقٌ، وإذا طَهُرْتِ فأنتِ طالِقٌ، وإذا زَنَيتِ فأنتِ طالِقٌ» -وقَصدُه إيقاعُ الطَّلاقِ عِنْدَ الفاحِشةِ لا مُجرَّدُ الحلِفِ عَليها-؛ فهذا ليسَ بيَمينٍ، ولا كفَّارةَ في هذا عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقهاءِ فيما عَلمْناهُ، بلْ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ إذا وُجِدَ الشَّرطُ عِنْدَ السَّلفِ وجُمهورِ الفُقهاءِ.
فاليَمينُ الَّتي يَقصِدُ بها الحَضَّ أو المَنعَ أو التَّصديقَ أو التَّكذيبَ بالتِزامِه عِنْدَ المُخالَفةِ ما يَكرهُ وُقوعَه، سَواءٌ كانَتْ بصِيغةِ القسَمِ أو بصِيغةِ الجَزاءٍ؛ يَمينٌ عِنْدَ جَميعِ الخَلقِ مِنَ العَربِ وغَيرِهم؛ فإنَّ كَونَ الكَلامِ يَمينًا مِثلُ كَونِه أمرًا أو نهيًا وخَبَرًا، وهذا المَعنَى ثابِتٌ عِنْدَ جَميعِ النَّاسِ العَربِ وغَيرِهم، وإنَّما تَتنوَّعُ اللُّغاتُ في الألفاظِ لا في المَعاني، بل ما كانَ مَعناهُ يَمينًا أو أمرًا أو نهيًا عِنْدَ العَجمِ فكذلكَ مَعناهُ يَمينٌ أو أمرٌ أو نهيٌ عِنْدَ العَربِ، وهذا أيضًا يَمينُ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهِم، وهو يَمينٌ في العُرفِ العامِّ ويَمينٌ عِنْدَ الفُقهاءِ كُلِّهم.
وإذا كانَ يَمينًا فليسَ في الكِتابِ والسُّنةِ لليَمينِ إلَّا حُكمانِ: