← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الصَّلاةِ، ثم لمَّا ذكرَ بَنَى على صَلاتِه وسجدَ لِلسَّهوِ، ولأنَّه كَلامٌ على وَجهِ السَّهوِ فأشبَهَ لَفظَ السَّلامِ. وأيضًا: فإنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ مِنْ بابِ التُّروكِ، فيُعذَرُ فيه بالخَطَأِ والنِّسيانِ، كما في الصَّومِ، بل أَولَى؛ لأنَّ الكَفَّ عن الأكلِ والشُّربِ في الصَّومِ رُكنٌ، ولأنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ مَحظورٌ، ولأنَّ الإثم فيه مَرفوعٌ إجماعًا، فإذا رُفِعَ إثمُه لم يَبقَ مَحظورًا. وإذا لم يكنِ الأكلُ ناسِيًا مُنافِيًا لِلصَّومِ، مع كَونِ الكَفِّ عنه رُكنًا؛ فلأَلَّا يَكونَ الكَلامُ ناسِيًا مُنافِيًا لِلصَّلاةِ بطَريقِ الأَولَى. ولا يُعذَرُ الجاهِلُ بذلك إلا إذا كانَ قَريبَ عَهدٍ بالإسلامِ، أو نَشَأَ بَعيدًا عن العُلماءِ، فأمَّا مَنْ طالَ عَهدُه بالإسلامِ أو نَشَأَ قَريبًا من العُلماءِ، فتبطُلُ صَلاتُه؛ لِتَقصِيرِهِ في التَّعليمِ، وكذا لو علِم تَحريمَ الكَلامِ في الصَّلاةِ، ولم يَعلَم أنَّه مُبطِلٌ لها، كما لو علِم تَحريمَ الزِّنا، ولم يَعلَم حَدَّه؛ فإنَّه يُحَدُّ بغيرِ خِلافٍ. وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ وأحمدُ في رِوايةٍ وهو قولُ بعضِ المالِكيَّةِ إلى بُطلانِ صَلاتِه؛ لعُمومِ أحاديثِ المَنعِ من الكَلامِ، ولأنَّه ليس مِنْ جِنسِ ما هو مَشروعٌ في الصَّلاةِ، فلم يُسامَح فيه، ولا فَرقَ بينَ العامِدِ والنَّاسِي في الحُكمِ، وإنَّما يختلِفانِ في المَأثَمِ واستِحقاقِ الوَعِيدِ، فأمَّا في الأحكامِ التي هي فَسادُ الصَّلاةِ وإيجابُ قَضائِها فلا يختلِفانِ، ألَا تَرَى أنَّ لِلنَّاسِي بالأَكلِ والحَدثِ والجِماعِ في الصَّلاةِ حُكمَ العامِدِ فيما يتعلَّقُ عليه من أحكامِ هذه

стр. 1087

الأفعالِ من إيجابِ القَضاءِ وإفسادِ الصَّلاةِ، وإن كانَا مُختلِفينِ في حُكمِ المَأثَمِ واستِحقاقِ الوَعِيدِ، وإذا كانَ ذلك على ما وَصَفنَا كانَ حكمُ النَّهيِ فيما يَقتَضيهِ من إيجابِ القَضاءِ مُعلَّقًا بالنَّاسِي؛ كهو بالعامِدِ؛ لا فَرقَ بينَهُما فيهِ، وإنِ اختَلفَا في حُكمِ المَأثَمِ والوَعِيدِ. وأمَّا قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وضعَ عن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسيَانَ وما استُكرِهُوا عليه». فمَحمُولٌ على رَفعِ الإثمِ (١). الكَلامُ المُبطِلُ لِلصَّلاةِ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الكَلامَ المُبطِلَ لِلصَّلاةِ: ما انتَظَمَ منه حَرفانِ فصَاعِدًا؛ لأنَّ الحَرفَينِ يُكَوِّنانِ كَلِمةً، كأَبٍ وأَخٍ، وكذلكَ الأفعالُ والحُروفُ، ولا تَنتَظِمُ كَلِمةٌ في أقَلَّ مِنْ حَرفَينِ. قالَ الخَطِيبُ الشِّربِينِيُّ ﵀: الحَرفانِ من جِنسِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أقَلَّ ما يُبنَى عليه الكَلامُ حَرفانِ للِابتِداءِ والوَقفِ، أو حَرفٌ مُفهِمٌ، نحوَ: «قِ»، مِنْ الوِقايةِ، و: «عِ»، مِنْ الوَعيِ، وَ: «فِ»، مِنْ الوَفَاءِ. وزادَ الشافِعيَّةُ مَدَّةً بعدَ حَرفٍ، وإن لم يُفهِم، نحوَ: «آ»؛ لأنَّ المَمدودَ في الحَقيقةِ حَرفانِ، وهذا على الأصَحِّ عندَهُم، ومُقابِلُ الأصَحِّ أنَّها لا تبطُلُ؛ لأنَّ المدَّةَ قد تتَّفقُ لِإشباعِ الحَركَةِ، ولا تُعدُّ حَرفًا. وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ الكَلامَ المُبطِلَ لِلصَّلاةِ هو حَرفٌ أو صَوتٌ

стр. 1088

ساذَجٌ، سَواءٌ صَدَر مِنْ المُصلِّي بالاختِيارِ أو بالإكراهِ، وسَواءٌ وجبَ عليه هذا الصَّوتُ، كإنقاذِ أعمَى، أو لَم يَجِب (١). ٢ - الخِطابُ بنَظمِ القُرآنِ والذِّكرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في بُطلانِ صَلاةِ مَنْ خاطَبَ أحَدًا بشَيءٍ من القُرآنِ وهو يُصلِّي، كقولِه لِمَنِ اسمُه يَحيَى أو مُوسى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، أو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧]؛ أو لِمَنْ بالبابِ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى بُطلانِ الصَّلاةِ بكلِّ ما قُصد به الخِطابُ من القُرآنِ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: والظَّاهرُ أنَّها تفسُدُ، وإن لم يكنِ المُخاطَبُ مُسمًّى بهذا الاسمِ إذا قَصد خِطابَه. وقيَّد المالِكيَّةُ بُطلانَ الصَّلاةِ بالخِطابِ بالقُرآنِ بما إذا قَصد به التَّفهيمَ بغيرِ مَحَلِّه، وذلك كما لو كانَ في الفاتِحةِ أو غيرِها، فاستُؤذِنَ عليه فقطعَها إلى آيةِ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، أمَّا إن قُصد التَّفهيمُ به بمَحَلِّه فلا تبطُلُ به الصَّلاةُ، كأَن يَستَأذِنَ عليه شَخصٌ وهو يَقرأُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥]، فيَرفَعَ صَوتَه بقولِه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ لِقَصدِ الإذنِ في الدُّخولِ، أو يَبتَدئَ ذلك بعدَ الفَراغِ من الفاتِحةِ. وقيَّد الشافِعيَّةُ بُطلانَ الصَّلاةِ بالخِطابِ بالقُرآنِ بما إذا قَصد التَّفهيمَ

стр. 1089

فقط، أو لم يَقصِد شَيئًا؛ لأنَّه فيهما يُشبِهُ كَلامَ الآدَميِّينَ، فلا يَكونُ قُرآنًا إلَّا بالقَصدِ، وأمَّا إن قَصد معَ التَّفهيمِ القِراءةَ لم تبطُلِ الصَّلاةُ؛ لأنَّه قُرآنٌ؛ فصارَ كما لو قَصد القُرآنَ وَحدَه. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولو نطقَ بنَظمِ القُرآنِ بقَصدِ التَّفهيمِ ك ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢]؛ مُفهِمًا بهِ مَنْ يَستَأذِنُ في أخذِ شَيءٍ أن يَأخُذَه، ومِثلَ قولِه لِمَنِ استَأذَنَ عليه في دُخولٍ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر: ٤٦]؛ وقولِه لِمَنْ يَنهاهُ عن فِعلِ شَيءٍ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]؛ إن قَصد معه -أي: التَّفهيمِ- قِراءةً، لم تبطُل؛ لأنَّه قُرآنٌ؛ فصارَ كما لو قَصد القُرآنَ وَحدَه، ولأنَّ عَلِيًّا كانَ يُصلِّي، فدخلَ رَجلٌ من الخَوارِجِ فقالَ: لا حُكمَ إلَّا للهِ ورَسولِه، فتَلَا علِيٌّ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠]. وإلَّا بأن قَصد التَّفهيمَ فقط، أو لم يَقصِد شَيئًا، بطَلت به؛ لأنَّه فيهما يُشبِهُ كَلامَ الآدَميِّينَ؛ فلا يَكونُ قُرآنًا إلَّا بالقَصدِ. قالَ في الدَّقائقِ: يُفهَم مِنْ قولِ المِنهاجِ أربَعةُ مَسائِلَ: إحداها: إذا قَصد القِراءةَ. الثَّانيةُ: إذا قَصد القِراءةَ والإعلامَ. الثَّالثةُ: إذا قَصد الإعلامَ فَقط. الرَّابعةُ: ألَّا يَقصد شَيئًا، فَفِي الأُولى والثَّانيةِ: لا تبطُلُ، وفي الثَّالثةِ والرَّابعةِ: تبطُلُ. ثم قالَ ﵀: وهذا التَّفصيلُ يَجرِي في الفَتحِ على الإمامِ بالقُرآنِ، والجَهرِ بالتَّكبيرِ، أو التَّسميعِ؛ فإنَّه إن قَصد الرَّدَّ معَ القِراءةِ أو القِراءةَ فقط، أو قَصد التَّكبيرَ أو التَّسميعَ فقط، أو معَ الإعلامِ لم تبطُل، وإلَّا بطَلت،

стр. 1090

وإن كانَ في كَلامِ بعضِ المُتأخِّرِينَ ما يُوهِمُ خِلافَ ذلك (١). وذَهب الحَنابِلةُ إلى صحَّةِ صَلاةِ مَنْ خاطَبَ بشَيءٍ مِنْ القُرآنِ. قالَ البُهوتيُّ ﵀: لِما رَوى الخلَّالُ بإسنادِه عن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ قالَ: استَأذَنَّا على عَبد الرَّحمنِ بنِ أبي لَيلَى وهو يُصلِّي، فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]؛ فقُلنا: كيفَ صَنَعتَ؟ فقالَ: استَأذَنَّا على عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ وهوَ يُصلِّي فقالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، ولأنَّه قُرآنٌ لم تَفسُد به الصَّلاةُ، كما لو لم يَقصِدِ التَّنبيهَ، وقالَ القاضي: إذا قَصد بالحَمدِ الذِّكرَ أو القُرآنَ، لم تبطُل، وإن قَصد خِطابَ آدَميٍّ بطَلت، وإن قَصدهُما فوَجهانِ، فأمَّا إن أتَى بما لا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ من غيرِه، كَقولِه لِرَجلٍ اسمُه إبراهيمُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]؛ ونحوِه، فَسَدَت صَلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ النَّاسِ، ولَم يَتمَيَّز عن كَلامِهم بمَا يَتمَيَّزُ به القُرآنُ؛ أشبَهَ ما لو جَمعَ بينَ كَلِماتٍ مُتفرِّقةٍ مِنْ القُرآنِ، فقالَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]: ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١] ﴿الْكَبِيرُ﴾ [الرعد: ٩] (٢). كما ذَهب الإمامانِ أبو حَنيفَةَ ومُحمَّدٌ -رحمهما الله- إلى بُطلانِ الصَّلاةِ بكلِّ مَا قُصد به الجَوابُ مِنْ الذِّكرِ والثَّناءِ، خِلافًا لِأبي يُوسفَ، كأَن قِيلَ: أَمعَ اللهِ إلهٌ؟ فقالَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥]. أو: ما مالُكَ؟ فقالَ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨].

стр. 1091

وأمَّا إن كانَ الجَوابُ بما لَيسَ بثَناءٍ فإنَّها تفسُدُ اتِّفاقًا، كأَن قِيلَ: ما مالُكَ؟ فقالَ: الإبلُ والبَقرُ والعَبيدُ، مَثَلًا؛ لأنَّه ليس قُرآنًا ولَا ثَناءً، أمَّا لو أخبَرَه بخَبرِ سُوءٍ فاستَرجَعَ أو سارَّ فحَمِدَ، أو تَعَجَّبَ بالتَّسبيحِ أو التَّهليلِ، وهو في الصَّلاةِ؛ فإنَّها تفسُدُ عندَ أبي حَنيفَةَ ومُحمدٍ، خِلافًا لِأبي يُوسفَ؛ لأنَّ الأصلَ عندَه أنَّ ما كانَ ثَناءً أو قُرآنًا لا يتغيَّرُ بالنِّيةِ، وعندَهما يتغيَّرُ. وصَرَّحوا بأنَّ تَشميتَ العاطِسِ في الصَّلاةِ لغيرِه يُفسِدُ الصَّلاةَ؛ فلو عَطَسَ شَخصٌ فقالَ له المُصلِّي: «يَرحَمُكَ اللهُ»، فَسَدَت صَلاتُه؛ لأنَّه يَجرِي في مُخاطَباتِ النَّاسِ، فكانَ مِنْ كَلامِهم، بخِلافِ ما إذا قالَ العاطِسُ أو السَّامِعُ: الحَمدُ للهِ؛ فإنَّها لا تُفسِدُ صَلاتَه؛ لأنَّه لم يُتَعارَف جَوابًا إلَّا إذا أرادَ التَّعليمَ؛ فإنَّ صَلاتَه تفسُدُ، وأمَّا إذا عطَس فشَمَّتَ نَفسَه فقالَ: يَرحَمُكِ اللهُ يا نَفسُ، لا تفسُدُ صَلاتُه؛ لأنَّه لم يكن خِطابًا لغيرِه لم يُعتبَر من كَلامِ النَّاسِ، كما إذا قالَ: يَرحَمُنِي اللهُ (١). وذَهب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الصَّلاةَ لا تبطُلُ بالذِّكرِ والدُّعاءِ إلَّا أن يُخاطِبَ كقولِه لِعاطِسٍ: يَرحَمُكَ اللهُ؛ فتبطُلَ بذلك، ويُستَثنَى من ذلك الخِطابُ للهِ تَعالى ولِرَسولِه ﷺ فلا تبطُلُ به الصَّلاةُ، ك «لا قُوَّةَ إلَّا باللهِ». وصرَّح الحَنابِلةُ بكَراهَتِه؛ لِلِاختِلافِ في إبطالِ الصَّلاةِ. واستدَلُّوا على جَوازِ ذلك بما رَواهُ رِفاعةُ بنُ مالِكٍ ﵁ قالَ:

стр. 1092

«صلَّيتُ خلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ فَعَطَستُ، فقُلتُ: الحَمدُ لِلَّهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه، مُبارَكًا عليه، كما يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى. فلمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ انصَرفَ فقالَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ في الصَّلاةِ؟ فلم يَتَكلَّم أَحدٌ، ثم قالَهَا الثَّانيَةَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ في الصَّلاةِ؟ فلم يَتَكلَّم أَحدٌ، ثم قالَهَا الثَّالثةَ: مَنِ المُتَكَلِّمُ في الصَّلاةِ؟ فقالَ رِفَاعَةُ بنُ رَافِعِ بنِ عَفرَاءَ: أنا يا رَسولَ اللهِ. قالَ: كَيفَ قُلتَ؟ قالَ: قُلتُ: الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه، مُبارَكًا عليه، كما يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : وَالذي نَفسِي بِيَدِه لقدِ ابتَدَرَهَا بِضعَةٌ وَثَلاثونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصعَدُ» (١). ويُؤيِّدُ ذلك أيضًا ما في حَديثِ مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلمِيِّ قالَ: «بينَا أنا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ ﷺ إِذْ عطَس رَجلٌ مِنْ القَومِ، فقُلتُ: يَرحَمُكَ … » الحَديثَ (٢). وفيهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد نَهاهُ عن تَشميتِ العاطِسِ ولم يَنهَ العاطِسَ عن الحَمدِ (٣). وذَهب المالِكيَّةُ إلى جَوازِ الحَمدِ لِلعاطِسِ، والاستِرجاعِ من مُصيبةٍ أُخبِرَ بها، ونحوِها، إلا أنَّه يُندَبُ تَركُه، كمَا صرَّحُوا بجَوازِ التَّسبيحِ

стр. 1093

والتَّهليلِ والحَوقلَةِ؛ بقَصدِ التَّفهيمِ في أيِّ مَحَلٍّ مِنْ الصَّلاةِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ كلَّها مَحَلٌّ لذلك (١). ٣ - التَّأوُّهُ والأنِينُ في الصَّلاةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في التَّأوُّهِ والأنِينِ في الصَّلاةِ، هل يُبطِلُ الصَّلاةَ أو لا؟ فقالَ أبو حَنيفَةَ وأحمدُ: إنَّ صَلاتَه لا تبطُلُ إذا كانَ مِنْ خَشيَةِ اللهِ تَعالَى، لأنَّه مِنْ جِنسِ ذكرِ الله تَعالَى ودُعائِه؛ فإنَّه كَلامٌ يَقتَضِي الرَّهبَةَ مِنْ اللهِ، والرَّغبةَ إليهِ، وهذا خَوفُ اللهِ في الصَّلاةِ، وقد مدَحَ اللهُ إبراهيمَ ﵇ بأنَّه أوَّاهٌ، فقالَ تَعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقد فُسِّرَ بالَّذي يَتأوَّهُ مِنْ خَشيَةِ اللهِ تَعالَى. قالَ الكاسانيُّ ﵀: ولَو أَنَّ في صَلاتِه أو بَكَى وارتَفَعَ بُكاؤُه، فإن كانَ ذلك مِنْ ذكرِ الجَنَّةِ أو النَّارِ، لا تفسُدُ الصَّلاةُ، وإن كانَ من وَجَعٍ أو مُصيبةٍ يُفسِدُها؛ لِأنَّ الأنِينَ أوِ البُكاءَ مِنْ ذكرِ الجَنَّةِ والنَّارِ يَكونُ لِخَوفِ عَذابِ اللهِ تَعالَى وأليمِ عِقابِه، ورَجاءَ ثَوابِه، فيَكونُ عِبادةً خالِصةً، ولهذا مدَحَ اللهُ تَعالى خَليلَه ﵊ بالتَّأوُّهِ، فقالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقالَ في مَوضِعٍ آخرَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ لأنَّه كانَ كَثيرَ التَّأوُّهِ في الصَّلاةِ، «وكانَ لِجَوفِ رَسولِ اللهِ ﷺ أزِيزٌ كأزيزِ المِرجَلِ في الصَّلاةِ»، وإذا كانَ كذلك فالصَّوتُ المُنبَعِثُ عن مِثلِ الأنِينِ لا يَكونُ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، فلا يَكونُ مُفسِدًا؛ ولأنَّ التَّأوُّهَ والبُكاءَ مِنْ

стр. 1094

ذكرِ الجَنَّةِ والنَّارِ يَكونُ بمَنزِلةِ التَّصريحِ بمَسألةِ الجنَّةِ، والتَّعوُّذِ من النَّارِ، وذلكَ غيرُ مُفسِدٍ، كذا هذا، وإذا كانَ ذلك مِنْ وَجَعٍ أو مُصيبةٍ كانَ من كَلامِ النَّاسِ، وكَلامُ النَّاسِ مُفسِدٌ. ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنَّه قالَ: إذا قالَ: آهٍ، لا تفسُدُ صَلاتُه، وإن كانَ مِنْ وَجَعٍ أو مُصيبَةٍ، وإذا قالَ: أوَّه، تفسُدُ صَلاتُه؛ لأنَّ الأوَّلَ ليس مِنْ قَبِيلِ الكَلامِ، بل هو شَبيهٌ بالتَّنحنُحِ والتَّنفُّسِ، والثَّاني مِنْ قَبيلِ الكَلامِ؛ والجَوابُ ما ذكَرنا (١). وقالَ مالِكٌ ﵀: الأنِينُ لا يَقطعُ الصَّلاةَ لِلمَريضِ، وأكرَهُه لِلصَّحيحِ، ورَوى ابنُ عَبد الحَكَمِ عن مالِكٍ: النَّشيجُ والأنِينُ والنَّفخُ لا يَقطعُ الصَّلاةَ. وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إذا بانَ له حَرفانِ من هذه الأصواتِ كانَ كَلامًا مُبطِلًا. قالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀: وهوَ أشَدُّ الأقوالِ في هذه المَسألةِ وأبَعدُها عن الحُجَّةِ، فإنَّ الإبطالَ إن أثبَتُوهُ بدُخولِها في مُسَمَّى الكَلامِ في لَفظِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فمِنَ المَعلومِ الضَّروريِّ أنَّ هذه لا تَدخلُ في مُسمَّى الكَلامِ، وإن كانَ بالقِياسِ لم يَصحَّ ذلك؛ فإنَّ في الكَلامِ يَقصِدُ المُتكَلِّمُ مَعانيَ يُعبِّرُ عنها بلَفظِه، وذلكَ يَشغَلُ المُصلِّي، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إِنَّ في الصَّلاةِ لَشُغلًا»، وأمَّا هذه الأصواتُ فهي طَبيعيَّةٌ كالتَّنفُّسِ، ومَعلومٌ أنَّه لو زادَ في التَّنَفُّسِ على قَدرِ الحاجَةِ لم تبطُل صَلاتُه،

стр. 1095

وإنَّما تُفارِقُ التَّنفُّسَ بأنَّ فيها صَوتًا، وإبطالُ الصَّلاةِ بمُجرَّدِ الصَّوتِ إثباتُ حُكمٍ بلا أصلٍ ولا نَظيرٍ. وأيضًا جاءَت أحادِيثُ بالنَّحنَحَةِ والنَّفخِ. وأيضًا الصَّلاةُ صَحيحةٌ بيَقينٍ فلَا يَجوزُ إبطالُها بالشَّكِّ (١). ٤ - البُكاءُ في الصَّلاةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في البُكاءِ، هل يُبطِلُ الصَّلاةَ أو لا؟ فذَهب الأئمَّةُ الثَّلاثةُ، أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ وأحمدُ إلى أنَّ البُكاءَ إذا كانَ مِنْ خَشيةِ اللهِ تَعالَى، أو ذكرِ الجَنَّةِ أو النَّارِ، لم تبطُل صَلاتُه، وإن كانَ مِنْ وَجَعٍ في بَدنِه أو مُصيبةٍ في مالِه وأهلِه، بطَلت صَلاتُه. وذلك لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وقالَ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، ففيه الدِّلالةُ على أنَّ البُكاءَ في الصَّلاةِ من خَوفِ اللهِ لا يَقطعُ الصَّلاةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قد مدَحَهُم بالبُكاءِ في السُّجودِ، ولم يُفَرِّق بينَ سُجودِ الصَّلاةِ وسُجودِ التِّلاوةِ وسَجدَةِ الشُّكرِ. ولقولِه تَعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، يَعني به بُكاءَهم في حالِ السُّجودِ، فهو يَزيدُهُم خُشوعًا إلى خُشوعِهم. ورَوى مُطَرِّفُ بنُ عَبد اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ عن أبيه قالَ: «أَتَيتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يُصلِّي، وَلِجَوفِه أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرجَلِ، يَعني يَبكِي» (٢).

стр. 1096

وعن عَبد اللهِ بنِ شَدَّادٍ قالَ: سَمِعتُ نَشيجَ عمرَ ﵁، وإنِّي لَفِي آخرِ الصُّفوفِ في صَلاةِ الفَجرِ يَقرأُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] (١). والنَّشيجُ: على وَزنِ «فَعِيلٌ»، مِنْ نَشَجَ الباكِي نَشجًا، إذا غُصَّ بالبُكاءِ في حَلقِه، أو تردَّدَ في صَدرِه، ولم يَنتَحِب، وكلُّ صَوتٍ بَدأَ كالنَّفحةِ فهوَ نَشيجٌ، ذكرَه أبو المَعالي في: «المُنتَهى»، وفي «المُحكَم»: النَّشيجُ أشَدُّ البُكاءِ، وقيلَ: هيَ فاقةٌ يَرتَفِعُ لها النَّفَسُ، كالفِراقِ. وقالَ أبو عُبَيدٍ: النَّشيجُ: هو مِثلُ بُكاءِ الصَّبيِّ إذا ردَّدَ صَوتَه في صَدرِه ولم يُخرِجه. قالُوا: فهذا عمرُ نشَج ولم يُنكِر عليه أحَدٌ من الصَّحابةِ، وقد كانُوا خلفَه؛ فصارَ إجماعًا. وعن علِيٍّ ﵁ قالَ: «مَا كانَ فِينَا فَارِسٌ يومَ بَدرٍ غيرَ المِقدَادِ، وَلَقَدْ رَأَيتُنَا وَمَا فِينَا قائِمٌ إِلا رَسولَ اللهِ ﷺ تحتَ شَجَرَةٍ يُصلِّي وَيَبكِي حتى أصبَحَ» (٢). وعن عائِشةَ ﵂ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ في مرَضِهِ: «مُرُوا

стр. 1097

أَبا بَكرٍ يُصلِّي بِالنَّاسِ. قالَت عائِشَةُ: قُلتُ: إِنَّ أَبا بَكرٍ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسمِعِ النَّاسَ مِنْ البُكاءِ؛ فَمُر عمرَ فَليُصلِّ. فقالَ: مُرُوا أَبا بَكرٍ فَليُصلِّ لِلنَّاسِ. قالَت عائِشَةُ لِحَفصَةَ: قُولِي له إِنَّ أَبا بَكرٍ إذا قامَ في مَقامِكَ لم يُسمِعِ النَّاسَ مِنْ البُكاءِ، فَمُر عمرَ فَليُصلِّ لِلنَّاسِ. فَفعلَت حَفصَةُ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : مَه؛ إِنَّكُنَّ لَأَنتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسفَ؛ مُرُوا أَبا بَكرٍ فَليُصلِّ لِلنَّاسِ. قالَت حَفصَةُ لِعائِشَةَ: ما كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنكِ خَيرًا» (١). وفي رِوايةٍ لِلبُخارِيِّ: «إِنَّ أَبا بَكرٍ رَجلٌ أَسِيفٌ»، ووَجهُ الاستِدلالِ به أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا صمَّم على استِخلافِ أبي بَكرٍ بعدَ أن أُخبِرَ أنَّه إذا قرأَ غلَبه البُكاءُ؛ دلَّ ذلك على الجَوازِ (٢). وذَهب الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ إلى بُطلانِ الصَّلاةِ لِمَنْ بَكَى فيها ولَو مِنْ خَوفِ الآخِرةِ (٣). ٥ - الضَّحِكُ في الصَّلاةِ: قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ الضَّحِكَ في الصَّلاةِ يَنقُضُ الصَّلاةَ (٤).

стр. 1098

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: أجمَعوا على أنَّ القَهقهَةَ في الصَّلاةِ تُبطِلُها (١). وذلكَ لأنَّه أفحَشُ مِنْ الكَلامِ، وفيها من الاستِخفافِ بالصَّلاةِ والتَّلاعُبِ بها ما يُناقِضُ مَقصودَها؛ فأُبطِلَت لذلك (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إن ضَحِكَ فبانَ حَرفانِ فَسَدَت صَلاتُه، وكذلكَ إن قَهقَهَ ولم يكن هناك حَرفانِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا. أمَّا التَّبسُّمُ في الصَّلاةِ فقالَ أيضًا: وأكثرُ أهلِ العِلمِ على أنَّ التَّبسُّمَ لا يُفسِدُها (٣). ٦ - الأكلُ والشُّربُ في الصَّلاةِ: قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ المُصلِّي مَمنوعٌ مِنْ الأكلِ والشُّربِ، وأجمَعوا على أنَّ مَنْ أكلَ وشرِب في صَلاةِ الفَرضِ عامِدًا عليه الإعادةُ (٤). أمَّا صَلاةُ النَّافِلةِ: فذَهب أبو حَنيفَةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى بُطلانِها أيضًا، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ ما أبطَلَ الفَرضَ أبطَلَ التَّطوُّعَ، كسائرِ مُبطِلاتِه.

стр. 1099

وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى أنَّه سهَّل في الشُّربِ في النَّافِلةِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ الزُّبَيرِ وسَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أنَّهما شربا في التَّطوُّعِ، وعن طاوُسٍ أنَّه لا بَأسَ به، وكذلك قالَ إسحاقُ؛ لأنَّه عمَلٌ يَسيرٌ، فأشبَهَ غيرَ الأكلِ، فأمَّا إن كَثُرَ فلا خِلافَ أنَّه يُفسِدُها؛ لأنَّ غيرَ الأكلِ مِنْ الأعمالِ يُفسِدُ إذا كَثُرَ؛ فالأكلُ والشُّربُ أَولَى (١). ٧ - لو أكلَ أو شرِب ناسيًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أكلَ أو شرِب ناسِيًا هل تبطُلُ صَلاتُه بذلك أو لا؟ فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَلاتَه لا تبطُلُ بالأكلِ ولا بالشُّربِ ناسِيًا؛ لعُمومِ قولِه ﷺ : «عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسيَانُ» (٢). ويُشرعُ لذلك سُجودُ السَّهوِ؛ فإنَّ ما يُبطِلُ عَمدُهُ الصَّلاةَ إذا عُفِيَ عنه لِأجلِ السَّهوِ، شُرِعَ له السُّجودُ، كالزِّيادَةِ من جِنسِ الصَّلاةِ، ومَتى كَثُرَ ذلك أبطَلَ الصَّلاةَ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الأفعالَ المَعفُوَّ عن يَسيرِها إذا كَثُرَت أبطَلَت، فهذا أَولَى (٣).

стр. 1100

وذَهب الحَنفيَّةُ إلى بُطلانِ الصَّلاةِ، سَواءٌ أكلَ أو شرِب عامِدًا أو ناسِيًا؛ لأنَّ الأكلَ والشُّربَ ساهِيًا نادِرٌ غايَةَ النُّدرةِ، وأنَّه عمَلٌ كَثيرٌ ليس من أعمالِ الصَّلاةِ؛ ولأنَّه لو نَظَرَ إليه النَّاظِرُ لا يَشُكُّ في أنَّه في غيرِ الصَّلاةِ (١). ٨ - العملُ الكَثيرُ في الصَّلاةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ العملَ الكَثيرَ في الصَّلاةِ مُبطِلٌ لها، وأنَّ العملَ القَليلَ غيرُ مُبطِلٍ لها. قالَ أبو عمرَ بنُ عَبد البرِّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ العملَ الكَثيرَ في الصَّلاةِ يُفسِدُها (٢). أمَّا العملُ القَليلُ في الصَّلاةِ فلا يُبطِلُها، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أخبارٌ في إباحةِ العملِ اليَسيرِ فيها، فمِنها أنَّه خَلَعَ نَعليه في الصَّلاةِ، ومنها: أنَّه مَسَّ لِحيَتَه، وأنَّه أشارَ بيَدِه، ومنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه أقامَ على يَسارِ النَّبيِّ ﷺ فأخذَ بذُؤَابَتِه وأدارَه إلى يَمينِه، ومنها أنَّه كانَ يُصلِّي وهو حامِلٌ أُمامةَ بِنتَ أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ، فإذا سجدَ وضعَهَا، وإذا رفعَ رَأسَه حَمَلَها، ومنها: أنَّه صلَّى على المِنبَرِ، ولأنَّه ﷺ أمرَ بدَفعِ المارِّ بينَ يَديه، وأمرَ بقَتلِ الأسوَدَينِ الحَيَّةِ والعَقرَبِ في الصَّلاةِ، ولأنَّ المُصَلِّيَ لا يَخلُو من عمَلٍ قَليلٍ؛ فلم تبطُل صَلاتُه بذلك. قالَ ابنُ عَبد البرِّ: والفَرقُ بينَ العملِ القَليلِ الجائِزِ مِثلُه في الصَّلاةِ ما

стр. 1101

لم يكن عَبثًا ولَعِبًا، وبينَ العملِ الكَثيرِ الذي لا يَجوزُ مِثلُه في الصَّلاةِ؛ ليس عن العُلماءِ فيه حَدٌّ مَحدودٌ، ولَا سُنَّةٌ ثابِتةٌ، وإنَّما هوَ الاجتِهادُ، والاحتِياطُ في الصَّلاةِ أَولَى فأَولى لِلنَّهيِ (١). ٩ - حكمُ قِراءةِ القُرآنِ مِنْ المُصحَفِ في صَلاةِ الفَرضِ أو صَلاةِ التَّراويحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قرأَ في صَلاتِه مِنْ المُصحَفِ هل تبطُلُ صَلاتُه بذلك أو لا؟ فذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ إلى أنَّ مَنْ قرأَ مِنْ المُصحَفِ في صَلاتِه وهو غيرُ حافِظٍ؛ فإنَّ صَلاتَه تفسُدُ بذلك. ولَه في ذلك وَجهَانِ أو طَريقانِ: أحَدُهما: أنَّ حَملَ المُصحَفِ والنَّظرَ فيه وتَقليبَ الأوراقِ عمَلٌ كَثيرٌ لَيسَ من أعمالِ الصَّلاةِ، ولا حاجَةَ إلى تَحَمُّلِه في الصَّلاةِ، فتفسُدُ الصَّلاةُ. الآخَرُ: أنَّه تَلقَّنَ مِنْ المُصحَفِ فصارَ كما إذا تَلقَّنَ مِنْ غيرِه، وعلى هذا الآخَرِ: لا فَرقَ بينَ المَوضوعِ والمَحمولِ عندَه، وعلى الأوَّلِ يَفتَرِقانِ؛ فإنَّه

стр. 1102

لو كانَ مَوضوعًا بينَ يَديهِ ويَقرأُ منه مِنْ غيرِ حَملٍ وتَقليبِ الأوراقِ، أو قرأَ ما هوَ مَكتوبٌ على المِحرابِ مِنْ القُرآنِ؛ لا تفسُدُ صَلاتُه؛ لِعدمِ المُفسِدِ، وهوَ العملُ الكَثيرُ. واستُدلَّ لِأبي حَنيفَةَ بمَا أخرَجه ابنُ أبي داودَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «نَهَانَا أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عمرُ ﵁ أَنْ يُؤَمَّ النَّاسُ في المُصحَفِ» (١). قالَ أبو بَكرٍ الرَّازيُّ ﵀: قولُ أبِي حَنيفَةَ مَحمولٌ على مَنْ لم يَحفَظِ القُرآنَ، ولا يُمكِنُه أن يَقرأَ إلَّا مِنْ المُصحَفِ، فأمَّا الحافِظُ فلا تفسُدُ صَلاتُه في قولِهم جَميعًا، وتبِعه على ذلك السَّرخَسيُّ وأبو نَصرٍ الصَّفَّارُ مُعلِّلًا بأنَّ هذه القِراءةَ مُضافةٌ إلى حِفظِه، لا إلى تَلَقُّنِه مِنْ المُصحَفِ، وجزمَ به في فَتحِ القَديرِ والنِّهايةِ والتَّبيُّنِ، قالَ ابنُ نُجَيمٍ: وهو أوجَهُ، كما لا يَخفَى (٢). وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ من الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لو قرأَ القُرآنَ مِنْ المُصحَفِ لم تبطُل صَلاتُه، سَواءٌ كانَ يَحفَظُه أو لا، إلَّا أنَّه يُكرَهُ ذلك في الفَرضِ عندَهم، إلَّا الشافِعيَّ؛ لأنَّه تَشبُّهٌ بصَنيعِ أهلِ الكتابِ، كما قالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ. قالَ ابنُ نُجَيمٍ ﵀: اعلَم أنَّ التَّشبُّهَ بأهلِ الكتابِ لا يُكرَهُ في كلِّ شَيءٍ، فإنَّا نأكُلُ ونَشرَبُ كما يَفعلُونَ، إنَّما الحَرامُ هو التَّشبُّهُ فيما كانَ

стр. 1103

مَذمومًا، وفيما يُقصَدُ به التَّشبيهُ، كذا ذكرَه قاضيخان. فعلى هذا لو لم يُقصَد به التَّشبيهُ لا يُكرَهُ عندَهما (١). وقالَ ابنُ القاسِمِ في المُدوَّنَةِ: وقالَ مالِكٌ لا بَأسَ أن يَؤُمَّ النَّاسَ في المُصحَفِ في رَمضانَ في النَّافِلةِ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وكَرِهَ ذلك في الفَريضةِ (٢). وقالَ النَّوويُّ ﵀: لو قرَأَ القُرآنَ مِنْ المُصحَفِ لم تبطُل صَلاتُه، سَواءٌ كانَ يَحفَظُ أو لا، بَلْ يجبُ عليه ذلك إذا لم يَحفَظِ الفاتِحةَ ولو قَلَّبَ أوراقَه أحيانًا لم تبطُل. وهذا مَذهبُنا ومَذهبُ مالِكٍ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ. قالَ: واحتجَّ أصحابُنا بأنَّه أتَى بالقِراءةِ، وأمَّا الفِكرُ والنَّظرُ فلا تبطُلُ الصَّلاةُ بالاتِّفاقِ إذا كانَ في غيرِ المُصحَفِ، ففيهِ أَولَى، وأمَّا التَّلقينُ في الصَّلاةِ فلا يُبطِلُها عندَنا بلا خِلافٍ (٣). وقالَ في الإنصافِ: ويَجوزُ له النَّظرُ في المُصحَفِ، يَعني القِراءةَ فيه، وهذا المَذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطعَ به كَثيرٌ منهم. وعنه: يَجوزُ ذلك في النَّفلِ، وعنه: يَجوزُ لغيرِ حافِظٍ فقط، وعنه: فِعلُ ذلك يُبطِلُ الفَرضَ، وقِيلَ: والنَّفلَ (٤). والأوَّلُ: المَذهبُ.

стр. 1104

والدَّليلُ على جَوازِ ذلك أنَّ عائِشَةَ ﵂ كانَ يَؤُمُّها عَبدُها ذَكوانُ من المُصحَفِ (١). وسُئلَ الزُّهريُّ: عن رَجلٍ يَقرأُ في رَمضانَ في المُصحَفِ، فقالَ: كانَ خيارُنا يَقرؤُونَ في المَصاحِفِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولِأنَّ ما جازَ قِراءَتُه ظاهِرًا جازَ نَظيرًا، كالحافِظِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ ذلك يَحتاجُ إلى عمَلٍ طَويلٍ، وإن كانَ كَثيرًا فهوَ مُتَّصِلٌ، واختُصَّتِ الكَراهةُ بمَن يَحفَظُ؛ لأنَّه يَشتَغِلُ بذلك عن الخُشوعِ في الصَّلاةِ، والنَّظر إلى مَوضِعِ السُّجودِ لغيرِ حاجةٍ، وكُرِهَ في الفَرضِ على الإطلاقِ؛ لأنَّ العادةَ أنَّه لا يحتاجُ إلى ذلك فيها (٢). ١٠ - تَكرارُ الفاتِحةِ في رَكعةٍ: ذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ تَكرارَ الفاتِحةِ في الفَرضِ غيرُ مَشروعٍ، ويُكرَهُ له ذلك، أمَّا في النَّوافِلِ فلا يُكرَهُ (٣). وقالَ المالِكيَّةُ: إن كرَّر الفاتِحةَ في الرَّكعةِ فلا تبطُلُ صَلاتُه على المَذهبِ، وإنَّما يَحرمُ إن كانَ عَمدًا، ويَسجُدُ إن كانَ سَهوًا (٤).

стр. 1105

وقالَ الشَّافعيَّةُ: إن كرَّر الفاتِحةَ مرَّتينِ سَهوًا لم يَضُرَّ، وإن تعمَّد فوَجهَانِ؛ الصَّحيحُ المَنصوصُ: لا تبطُلُ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بصُورةِ الصَّلاةِ، والآخَرُ: تبطُلُ، كتَكرارِ الرُّكوعِ، قالَ النَّوويُّ: المَذهبُ أنَّها لا تبطُلُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يُكرَهُ له تَكرارُ الفاتِحةِ؛ لأنَّه لم يُنقَل عنه ﷺ ، ولا عن أصحابِه، وخُروجًا من خِلافِ مَنْ أبطَلَها بِه؛ لأنَّها رُكنٌ، والفَرقُ بينَ الرُّكنِ القَوليِّ وَالرُّكنِ الفِعليِّ أنَّ تَكرارَ القَوليِّ لا يُخِلُّ بهَيئةِ الصَّلاةِ. قالَ في الإنصافِ: هذا المَذهبُ، وعليه جَماهيرُ الأصحابِ، وقطعَ به كَثيرٌ منهم، وقِيلَ: تبطُلُ، وهو رِوايةٌ في الفائِقِ وغيرِه، وأطلَقَهُما في الرِّعايةِ الكُبرَى (٢). ١١ - تَكرارُ رُكنٍ من أركانِها عَمدًا: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه متى زادَ فِعلًا مِنْ جِنسِ الصَّلاةِ قِيامًا أو قُعودًا أو رُكوعًا أو سُجودًا عَمدًا بطَلت صَلاتُه، قالَ ابنُ قُدامةَ: الزِّيادةُ في الصَّلاةِ تَنقَسِمُ إلى قِسمَينِ: زِيادةِ أقوالٍ، وزِيادةِ أفعالٍ، وزِيادةُ الأفعالِ تَتنَوَّعُ نَوعَينِ: أحَدُهما: زِيادةٌ من جِنسِ الصَّلاةِ، مثلَ أن يَقومَ في مَوضِعِ جُلوسٍ، أو يَجلِسَ في مَوضِعِ قِيامٍ، أو يَزيدَ رَكعةً أو رُكنًا، فإن فعلَه عَمدًا بطَلت صَلاتُه إجماعًا، وإن كانَ سَهوًا سجدَ لَه، قَليلًا كانَ أو كَثيرًا؛ لقولِ رَسولِ اللهِ

стр. 1106

ﷺ : «إذا زادَ الرَّجلُ أو نقصَ -أي: في صَلاتِه- فَليَسجُد سَجدتَينِ» رَواه مُسلِمٌ (١). والنَّوعُ الآخَرُ: مِنْ غيرِ جِنسِ الصَّلاةِ؛ كالمَشيِ والحَكِّ والتَّرَوُّحِ؛ فهذا تبطُلُ الصَّلاةُ بكَثيرِه، ويُعفَى عن يَسيرِه، ولا يَسجُدُ لَه، ولا فَرقَ بينَ عَمدِه وسَهوِه (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الضَّربُ الثَّاني: زياداتُ الأقوالِ، وهي قِسمانِ أيضًا: أحَدُهما: ما يُبطِلُ عَمدُه الصَّلاةَ، كالسَّلامِ وكَلامِ الآدَميِّينَ، فإذا أتَى به سَهوًا فسلَّم في غيرِ مَوضِعِه سجدَ على ما ذكَرناه في حَديثِ ذي اليَدينِ، وإن تَكلَّمَ في الصَّلاةِ سَهوًا فهل تبطُلُ الصَّلاةُ به، أو يَسجُدُ لِسَهوٍ؟ على رِوايتَينِ. القِسمُ الثَّاني: ما لا يُبطِلُ عَمدُه الصَّلاةَ، وهو نَوعانِ: أحَدُهما: أن يَأتيَ بذِكرٍ مَشروعٍ في الصَّلاةِ في غيرِ مَحَلِّه، كالقِراءةِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ، والتشهُّدِ في القِيامِ، والصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في التشهُّدِ الأوَّلِ، وقِراءةِ السُّورةِ في الأُخريَينِ من الرُّباعيَّةِ أو الأخيرةِ من المَغربِ، وما أشبَهَ ذلك، إذَا فعلَه سَهوًا؛ فهل يُشرعُ له سُجودُ السَّهوِ؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: لا يُشرعُ له سُجودٌ؛ لأنَّ الصَّلاةَ لا تبطُلُ بعَمدِه؛ فلم يُشرع له سُجودٌ لِسَهوِه، كَتَركِ سُننِ الأفعالِ.

стр. 1107

والأُخرى: يُشرعُ له السُّجودُ؛ لقولِه ﷺ : «إذا نَسيَ أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ» رَواه مُسلِمٌ، فإذَا قُلنا: يُشرعُ له السُّجودُ؛ فذلك مُستحَبٌّ غيرُ واجِبٍ؛ لأنَّه جَبرٌ لغيرِ واجِبٍ، فلَم يكن واجِبًا، كجَبرِ سائرِ السُّننِ. قالَ أحمدُ: إنَّما السَّهوُ الذي يجبُ فيه السُّجودُ ما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ ولأنَّ الأصلَ عدمُ وُجوبِ السُّجودِ. النَّوعُ الآخَرُ: أن يَأتيَ فيها بذِكرٍ أو دُعاءٍ لم يَردِ الشَّرعُ به فيها، كقولِه: آمينَ رَبَّ العالَمينَ، وقولِه في التَّكبيرِ: اللهُ أكبَرُ كَبيرًا؛ فهذا لا يُشرعُ له السُّجودُ؛ لأنَّه رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سمِع رَجلًا يَقولُ في الصَّلاةِ: «الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه، كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضَى»، فلم يَأمُره بالسُّجودِ. فَصلٌ: وإذَا جلسَ لِلتشهُّدِ في غيرِ مَوضِعِه قَدرَ جلسةِ الاستِراحةِ فقالَ القاضي: يَلزمُه السُّجودُ، سَواءٌ قُلنا: جَلسةُ الاستِراحةِ مَسنونةٌ أو لم نَقُل ذلكَ؛ لأنَّه لم يُرِدها بجُلوسِه، إنَّما أرادَ غيرَها، وكانَ سَهوًا، ويُحتَملُ ألَّا يَلزمَه؛ لأنَّه فِعلٌ لو تعمَّده لم تبطُل به صَلاتُه، فلا يَسجُدُ لِسَهوٍ، كالعملِ اليَسيرِ من غيرِ جِنسِ الصَّلاةِ (١). ١٢ - تَركُ رُكنٍ من أركانِ الصَّلاةِ: إذَا تركَ المُصلِّي رُكنًا من أركانِ الصَّلاةِ، فلا يَخلُو إمَّا أن يترُكَه عَمدًا أو

стр. 1108

سَهوًا أو جَهلًا؛ ولِكُلٍّ حكمُه؛ فإن تركَه عَمدًا فقدِ اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ صَلاتَه تبطُلُ بذلك، ولا تَصحُّ منه، ولا يكفيه سُجودُ السَّهوِ. وإن تركَه سَهوًا أو جَهلًا فقدِ اتَّفَقوا على أنَّه يأتِي به إن أمكَنَ تَدارُكُه، فإن لم يُمكِن تَدارُكُه فإنَّ صَلاتَه تفسُدُ عندَ الحَنفيَّةِ (١). أمَّا الجُمهُورُ فقالوا: تُلغَي الرَّكعةُ التي تركَ منها الرُّكنَ فقط، وذلك إذا كانَ الرُّكنُ المَتروكُ غيرَ النِّيةِ وتَكبيرةِ الإحرامِ، فإن كانا هُما استَأنَفَ الصَّلاةَ؛ لأنَّه غيرُ مُصَلٍّ. جاءَ في «كَشَّافِ القِناعِ»: (مَنْ نَسيَ رُكنًا غيرَ التَّحرِيمِيَّةِ) أي: تَكبيرةِ الإحرامِ (لِعدمِ انعِقادِ الصَّلاةِ بتَركِهَا)، وكذا النِّيةُ على القولِ برُكنيَّتِها (فذكرَهُ بعدَ شُرُوعِه في قِراءَةِ) الرَّكعةِ (التي بعدَها) أي: المَتروكِ منها الرُّكنُ

стр. 1109

(بطَلتِ) الرَّكعةُ (التي تركَه منها فقط)، نصَّ عليه؛ لأنَّه تركَ رُكنًا ولم يُمكِنهُ استِدراكُه لِتَلَبُّسِهِ بالرَّكعةِ التي بعدَها؛ فلَغَت رَكعَتُه، وصارَتِ التي شرعَ فيها عِوَضًا عنها، ولا يُعِيدُ الاستِفتاحَ. نصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ. فإن كانَ التَّركُ من الأُولَى صارَتِ التي شرعَ فيها عِوَضًا: الثانِيةُ أوَّلَتهُ والثالِثةُ ثانِيَتُه والرَّابعةُ ثالِثَتُه، ويَأتي برَكعَةٍ، وكذا القولُ في الثانِيةِ والثَّالثةِ. وعُلم منه أنَّه لا يَبطُلُ ما مَضَى مِنْ الرَّكعاتِ قبلَ المَتروكِ رُكنُها، وقالَ ابنُ الزَّغوانيِّ: بَلَى، وبَعَّدَه ابنُ تَميمٍ وغيرُه، (فإن رَجعَ) إلى مَا تركَه (عالِمًا عَمدًا بَطلَت صَلاتُه)؛ لأنَّه تركَ الواجِبَ عَمدًا، وإن رَجعَ سَهوًا أو جَهلًا لم تبطُل صَلاتُه، لكنَّه لا يُعتَدُّ بما يَفعلُه في الرَّكعةِ التي تركَه منها؛ لأنَّها فَسَدت بشُروعِه في قِراءةِ غيرِها؛ فلم تَعُد على الصِّحةِ بحالٍ. ذكرَه في الشَّرحِ (وإن ذكرَه) أي: الرُّكنَ المَنسِيَّ (قبلَه) أي: قبلَ شُرُوعِه في القِراءةِ التي بعدَها (عادَ لُزومًا؛ فأتَى به) أي: المَتروكِ، نصَّ عليه لكَونِ القِيامِ غيرَ مَقصودٍ في نَفسِه؛ لأنَّه يَلزمُ منه قَدرُ القِراءةِ الواجِبةِ وهي المَقصودَةِ، ولأنَّه أيضًا ذكرَهُ في مَوضِعِه، كمَا لو تركَ سَجدةً مِنْ الرَّكعةِ الأخيرةِ، فذكرَها قبلَ السَّلامِ، فإنَّه يَأتي بها في الحالِ (و) أَتَى (بما بعدَه نَصًّا) مِنْ الأركانِ والواجِباتِ لوُجوبِ التَّرتيبِ (فلو ذكرَ الرُّكوعَ وقد جلسَ أتَى بهِ وبما بعدَه)؛ لمَا تَقدَّم (وإن سجدَ سَجدَةً ثم قامَ)، قبلَ سُجودِه الثانيةَ ناسِيًا (فإن كانَ جلسَ لِلفَصلِ) بينَ السَّجدتَينِ (سجدَ الثانيةَ ويَجلِسُ) لِلفَصلِ؛ لِحُصولِه في مَحَلِه (وإلَّا) أي: وإن لم يكن جلسَ لِلفَصلِ (جلسَ) لهُ (ثم سجدَ) الثانيةَ تَدارُكًا لِما فاتَه (وإن كانَ جلسَ) السَّجدةَ الأُولَى (لِلِاستِراحةِ لم يُجزِئه)

стр. 1110

جُلوسُهُ (عن جَلستِه لِلفَصلِ، كَنيَّتِه بجُلوسِهِ نَفلًا)؛ فإنَّه لا يُجزِئُه عن جِلسَةِ الفَصلِ لوُجوبِها. (فإن لم يَعُد) إلى الرُّكنِ المَتروكِ مَنْ ذَكرَهُ قبلَ شُروعِه في قِراءةِ الأُخرَى (عَمدًا بطَلت صَلاتُه)؛ لِتَركِه الواجِبَ عَمدًا (و) إن لم يَعُد (سَهوًا أو جَهلًا، بطَلتِ الرَّكعةُ فقط)؛ لأنَّه فِعلٌ غيرُ مُتعمَّدٍ أشبَهَ ما لو مَضَى قبلَ ذكرِ المَتروكِ حتى شرعَ في القِراءةِ. (فإن علِم) بالمَتروكِ (بعدَ السَّلامِ فهو كتَركِه رَكعةً كامِلةً)؛ لأنَّ الرَّكعةَ التي لَغَت بتَركِها رُكنًا غيرُ مُعتَدٍّ بها؛ فوُجودُها كعدمِها، فإذا سلَّم قبلَ ذكرِها فقد سلَّم مِنْ نَقصٍ (يَأتي بها) أي: بالرَّكعةِ (مع قُربِ الفَصلِ عُرفًا، كما تَقدَّم). ولوِ انحَرفَ عن القِبلةِ أو خرَج مِنْ المَسجدِ. نصَّ عليهِ، ويَسجُدُ له قبلَ السَّلامِ، نقلَه حَربٌ، بخِلافِ تَركِ الرَّكعةِ بتَمامِها. قالَه في المُبدِعِ، وإن طالَ الفَصلُ أو أحدَثَ، بطَلت؛ لِفَواتِ المُوالاةِ، كما لو ذكرَهُ في يَومٍ آخرَ ( … إلخ) (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ: في مَذاهبِ العُلماءِ فيمَن تركَ أربعَ سَجداتٍ مِنْ أربَعِ رَكعاتٍ، مِنْ كلِّ رَكعةٍ سَجدةً: قد ذكَرنا أنَّ مَذَهبنَا أنَّه

стр. 1111

يَحصلُ له رَكعَتانِ، ويَأتِي برَكعتَينِ أُخرَيَينِ بشَرطِه المَذكورِ. وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ وأحمدُ فيما حَكى الشَّيخُ أبو حامِدٍ عنهما: لا يَحصلُ له إلا تَكبيرةُ الإحرامِ، وحَكى ابنُ المُنذرِ عن الحَسنِ والثَّورِيِّ وأبي حَنيفَةَ وأصحابِ الرَّأيِ: أنَّه يَسجُدُ في آخرِ صَلاتِه أربعَ سَجداتٍ، وقد تَمَّت صَلاتُه. وعنِ النَّخَعِيِّ: مَنْ نَسيَ سَجدةً مِنْ الظُّهرِ فذكرَها في صَلاةِ العَصرِ؛ قالَ: يَمضِي في صَلاتِه؛ فإذا فرغَ سجدَها. وقالَ مالِكٌ وأحمدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَينِ عنهما: لا يَحصلُ له إلا ما فعلَه في الرَّكعةِ الرَّابعةِ، وفي رِوايةٍ عنهما: يَستَأنِفُ الصَّلاةَ. أمَّا إذا تركَ سَجدةً أو سَجدتَينِ مِنْ الرَّكعةِ الأُولى فذكرَ ذلك في الثانيةِ فقد ذكَرنا مَذَهبنا فيه، وأنَّه يَعودُ إلى سُجودِه الأوَّلِ. وقالَ أحمدُ: إن ذكرَ قبلَ أن يَشرَعَ في القِراءةِ عادَ، وإلَّا يَبطُل حكمُ الأُولَى، ويَعتمِد بالثانيةِ، وقالَ مالِكٌ: يَعودُ ما لم يَركَع (١). وسيَأتي بَيانُ ذلك في بابِ سُجودِ السَّهوِ. ١٣ - مَنْ قامَ للثَّالثةِ ولم يَجلِس لِلتشهُّدِ ثم رَجعَ إليهِ: ذَهب الفُقهاءُ إلى أنَّ مَنْ نَسيَ التشهُّدَ الأوَّلَ لزِمه الرُّجوعُ والإتيانُ بهِ ما لم يَستَتِمَّ قائِمًا، وذلكَ لمَا رَواهُ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا قامَ أحَدُكم مِنْ الرَّكعتَينِ فلم يَستَتِمَّ قائِمًا، فليَجلِس، فإذا استَتَمَّ فلا يَجلِس، ويَسجُدُ سَجدَتَيِ السَّهوِ» (٢).

стр. 1112

ولأنَّه أَخَلَّ بهِ، وذَكَرهُ قبلَ الشُّروعِ في رُكنٍ. أمَّا إذا استَتمَّ قائِمًا عالِمًا ذاكِرًا لِلتشهُّدِ الأوَّلِ، ثم عادَ إليهِ بعدَ الشُّروعِ في القِراءةِ للثالِثةِ؛ فلا يَجوزُ لهُ الرُّجوعُ، وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ لِلحَديثِ السابقِ. فإن رَجعَ فقد ذَهب الحَنفيَّةُ في الصَّحيحِ عندَهم والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَلاتَه تبطُلُ بذلكَ؛ لِتَكامُلِ الجِنايةِ برَفضِ الفَرضِ بعدَ الشُّروعِ فيهِ؛ لِأجلِ ما هوَ ليس بفَرضٍ. فأمَّا إن كانَ جاهِلًا بالتَّحريمِ، أو ناسِيًا، لم تبطُل؛ لأنَّه زادَ في الصَّلاةِ سَهوًا، ومتى علِم بتَحريمِ ذلك وهو في التشهُّدِ نَهَضَ ولم يُتمَّ الجُلوسَ، ولو ذكرَ الإمامُ التشهُّدَ قبلَ انتِصابهِ وبعدَ قِيامِ المَأمومِينَ وشُروعِهم في القِراءةِ، فرَجعَ، لزِمهمُ الرُّجوعُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإن ذكرَهُ بعدَ اعتِدالهِ قائِمًا وقبلَ شُروعِه في القِراءةِ، فالأَولى لهُ ألَّا يَجلِسَ، وإن جلسَ جازَ. نصَّ عليهِ .. ويُحتَملُ أنَّه لا يَجوزُ لهُ الرُّجوعُ؛ لِحَديثِ المُغيرةِ السابقِ، ولأنَّه شرعَ في رُكنٍ؛ فلم يَجُز لهُ الرُّجوعُ، كما لو شرعَ في القِراءةِ (١). وذَهب الإمامُ مالِكٌ وبَعضُ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ مَنْ قامَ مِنْ اثنَتَينِ ثم عادَ إلى الجُلوسِ بعدَ قِيامِه فصَلاتُه تامَّةٌ، وتُجزِئُه سَجدَتَا السَّهوِ (٢).

стр. 1113

ولا تبطُلُ صَلاتُه بذلكَ، لكنَّه أساءَ. قال ابنُ عَبد البرِّ ﵀ في التَّمهيدِ بعدَما ذكرَ حَديثَ عَبد اللهِ بنِ بُحينَةَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم قامَ فلم يَجلِس، فَقامَ الناسُ معه، فلمَّا قَضى صَلَاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر، ثم سجدَ سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (١). قالَ: وفي هذا الحَديثِ مِنْ الفِقهِ أنَّ المُصلِّي إذَا قامَ مِنْ اثنَتَينِ واعتَدلَ قائِمًا لم يكن لهُ أن يَرجِعَ، وإنَّما قُلنا: واعتَدلَ قائِمًا؛ لأنَّ النَّاهِضَ لا يُسمَّى قائِمًا حتى يَعتدِلَ على الحَقيقةِ، وإنَّما القائمُ المُعتَدِلُ، وفي حَديثِنا هذا: «ثم قامَ»، وإنَّما قُلنا: لا يَنبَغِي لهُ إذَا اعتَدلَ قائِمًا أن يَرجِعَ؛ لأنَّه مَعلومٌ أنَّ مَنِ اعتَدلَ قائِمًا في هذه المَسألةِ لا يَخلُو مِنْ أن يَذكُرَ بنَفسِهِ، أو يُذَكِّرَهُ مَنْ خلفَه بالتَّسبيحِ، ولا سِيَّمَا قَومًا قِيلَ لهم: «مَنْ نابَه شَيءٌ في صَلاتِه فليُسبِّح»، وهُم أهلُ النَّهيِ وأَولَى مَنْ عَمِلَ بما حَفِظَ ووَعَى، وأيُّ الحالَينِ كانَت فلَم يَنصرِف رَسولُ اللهِ ﷺ إلى الجُلُوسِ بعدَ قيامِه؛ فكذلكَ يَنبَغِي لِكلِّ مَنْ قامَ مِنْ اثنَتَينِ ألَّا يَرجِعَ، فإن رَجعَ إلى الجُلوسِ بعدَ قيامِه لم تَفسُد صَلاتُه عندَ جُمهورِ العُلماءِ (٢)، وإنِ اختَلَفوا في سُجودِ سَهوِهِ وحالِ رُجوعِه، وقد قالَ بَعضُ المُتَأخِّرينَ: تفسُدُ صَلاتُه، وهو قَولٌ ضَعيفٌ لا وَجهَ لهُ؛ لأنَّ

стр. 1114

الأصلَ ما فعلَه، وتَركُ الرُّجوعِ رُخصةٌ وتَنبيهٌ على أنَّ الجَلسةَ لم تكُن فَرضًا، واللهُ أعلَمُ (١). ١٤ - تَخَلُّفُ شَرطٍ مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ: لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلَّا إذَا كانَت مُستَوفِيةً لِشُروطِهَا؛ فإذَا تَخلَّف شَرطٌ مِنْ تلكَ الشُّروطِ بطَلتِ الصَّلاةُ، وقد تَقدَّم ذكرُ هذه الشُّروطِ، وهي على سَبيلِ الإجمالِ ما يَلي: ١ - الطَّهارةُ الحَقيقيَّةُ: وهي طَهارةُ البَدنِ والثَّوبِ والمَكانِ عن النَّجاسَةِ الحَقيقيَّةِ. ٢ - الطَّهارةُ الحُكمِيَّةُ: وهي طَهارةُ أعضاءِ الوُضوءِ مِنْ الحَدثِ، وطَهارةُ جَميعِ الأعضاءِ عن الجَنابَةِ. ٣ - سَترُ العَورةِ. ٤ - استِقبالُ القِبلةِ معَ القُدرَةِ. ٥ - دُخولُ وقتِ الصَّلاةِ؛ إلَّا في بعضِ الأحيانِ، كالجَمعِ في السَّفرِ والمَطَرِ والمرَضِ كما سَيَأتي بَيانُه في مَوضِعهِ إن شاءَ اللهُ تَعالَى.

стр. 1115

باب سُجودِ السَّهوِ السَّهوُ لُغةً: نِسيانُ الشَّيءِ والغَفلَةُ عنهُ (١). وسُجودُ السَّهوِ عندَ الفُقهاءِ: هو ما يَكونُ في آخرِ الصَّلاةِ، أو بعدَها؛ لِجَبرِ خَلَلٍ، بِتَركِ بعضِ مَأمورٍ بهِ، أو فِعلِ بعضِ مَنهيٍّ عنه دونَ تَعَمُّدٍ (٢). حكمُ سُجودِ السَّهوِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ سُجودَ السَّهوِ في الصَّلاةِ مَشروعٌ، وأنَّه إذَا سَها في صَلاتِه جبَر ذلك بسُجودِ السَّهوِ (٣). إلَّا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل هوَ واجبٌ أو سُنَّةٌ؟ فذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المُعتمَدِ إلى وُجوبِ سُجودِ السَّهوِ. قالَ الحَنفيَّةُ: سُجودُ السَّهوِ واجِبٌ لِتَركِ واجِبٍ سَهوًا؛ لأنَّه ضَمانُ فائِتٍ، وهوَ لا يَكونُ إلا واجِبًا؛ لأنَّه شُرِعَ لِنَقصٍ تَمَكَّنَ في الصَّلاةِ ورَفعُهُ واجِبٌ؛ فيَكونُ واجِبًا، ولِقَولهِ ﷺ : «إذا نَسيَ أحَدُكُم فليَسجُد سَجدتَينِ» (٤)،

стр. 1116

ولا يجبُ إلا بتَركِ الواجِبِ دونَ السُّنةِ، ووجبَ نَظرًا لِلمَعذورِ بالسَّهوِ، لا لِلمُتعَمِّدِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: سُجودُ السَّهوِ لمَا يُبطِلُ عَمدُهُ الصَّلاةَ واجِبٌ؛ لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «صلَّى بِنَا رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسًا؛ فلمَّا انفَتَلَ تَوَشوَشَ القَومُ بينَهُم، فقالَ: ما شَأنُكُم؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ قالَ: لَا، قالوا: فَإِنَّكَ قد صلَّيتَ خَمسًا، فَانفَتَلَ ثم سجدَ سَجدتَينِ ثم سلَّم، ثم قالَ: إنَّما أنا بَشَرٌ مِثلُكُم، أَنسَى كما تَنسَونَ، فإذا نَسيَ أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ». وفي رِوايةٍ: «فإذا زادَ الرَّجلُ أو نقصَ فَليَسجُد سَجدتَينِ» (٢). ولحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فلم يَدرِ كَمْ صلَّى ثَلاثا أَمْ أَربَعًا؛ فَليَطرَحِ الشَّكَّ وَليَبنِ على ما استَيقَنَ، ثم يَسجُد سَجدتَينِ قبلَ أَنْ يسلِّمَ، فَإِنْ كانَ صلَّى خَمسًا شَفَعنَ له صَلاتَه، وَإِنْ كانَ صلَّى إِتمَامًا لِأَربَعٍ كانَتَا تَرغِيمًا لِلشَّيطَانِ» (٣). ووَجهُ الدَّلالةِ مِنْ هَذَينِ الحَديثَينِ أنَّهما اشتَمَلا على الأمرِ المُقتَضِي لِلوُجوبِ (٤).

стр. 1117

وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه سُنَّةٌ، لقولِه ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحدُكُم في صَلاتِه فَليُلقِ الشَّكَّ وَليَبنِ على اليَقِينِ؛ فَإِنِ استَيقَنَ التَّمَامَ سجدَ سَجدتَينِ؛ فَإِنْ كانَت صَلاتُه تَامَّةً كانَتِ الرَّكعَةُ نَافِلَةً (وَالسَّجدَتَانِ نَافِلَةً)، وَإِنْ كانَت نَاقِصَةً كانَتِ الرَّكعَةُ تَمَامًا لِصَلاتِه، وَالسَّجدَتَانِ تُرغِمَانِ أَنفَ الشَّيطَانِ» (١). ولأنَّه يُفعَلُ جَبرًا لمَا لا يجبُ فلا يجبُ، والبَدلُ إمَّا كمُبدَلِه وإمَّا أخَفُ. فإن قيلَ: قَولهُ ﵊: «وليَسجُد سَجدتَينِ» ظاهرُه الوُجوبُ، ويَعتَضِدُ بجُبرانِ الحَجِّ، أي: فإنَّه واجِبٌ … قيلَ: إنما وجبَ جُبرانُ الحَجِّ لكَونِه بَدلًا من واجِبٍ بخِلافِ هذا، وسَواءٌ في ذلك صَلاةُ الفَرضِ وصَلاةُ النَّفلِ على المَذهبِ عندَ الشافِعيَّةِ، وعنِ القَديمِ قَولٌ: إنَّه لا يُشرعُ في صَلاةِ النَّفلِ؛ لأنَّها أخَفُّ مِنْ الفَرضِ. قِيلَ: ولا يُعرَفُ هذا لِلشافِعيِّ، بَلْ نصَّ في القَديمِ على أنَّه يَسجُدُ لها (٢). وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقَد فرَّق بينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأفعالِ وبينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأقوالِ وبينَ الزِّيادةِ والنُقصانِ، فقالَ: سُجودُ السَّهوِ الذي يَكونُ لِلأفعالِ الناقِصةِ واجِبٌ، وهو عندَهُ مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، هذا في المَشهورِ، وعنه: أنَّ سُجودَ السَّهوِ لِلنُقصانِ

стр. 1118

واجِبٌ، وسُجودَ الزِّيادةِ مَندوبٌ (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلَفوا في سُجودِ السَّهوِ، هل هوَ فَرضٌ أو سُنَّةٌ؛ فذَهب الشافِعيُّ إلى أنَّه سُنَّةٌ، وَذَهب أبو حَنيفَةَ إلى أنَّه فَرضٌ لكِن مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ، وفرَّق مالِكٌ بينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأفعالِ، وبينَ السُّجودِ لِلسَّهوِ في الأقوالِ وبينَ الزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ فقالَ: سُجودُ السَّهوِ الذي يَكونُ لِلأفعالِ النَّاقِصةِ واجبٌ. وهوَ عندَهُ مِنْ شُروطِ صِحةِ الصَّلاةِ، هذا في المَشهورِ، وعنهُ: أنَّ سُجودَ السَّهوِ لِلنُّقصانِ واجِبٌ، وسُجودَ الزِّيادةِ مَندوبٌ. والسَّببُ في اختِلافِهم في حَملِ أفعالِه ﵊ في ذلك على الوُجوبِ، أو على النَّدبِ؛ فأمَّا أبو حَنيفَةَ فحَمَلَ أفعالَه ﵊ في السُّجودِ على الوُجوبِ، إذا كانَ هوَ الأصلَ عندَهم؛ إذ جاءَ بَيانًا لِواجِبٍ، كما قالَ ﵊: «صَلُّوا كمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي»، وأمَّا الشافِعيُّ فحَمَلَ أفعالَه في ذلك على النَّدبِ، وأخرَجها عن الأصلِ بالقياسِ، وذلكَ أنَّه لمَّا كانَ السُّجودُ عندَ الجُمهورِ ليس يَنوبُ عن فَرضٍ، وإنَّما يَنوبُ عن نَدبٍ؛ رَأى أنَّ البَدلَ عما ليس بواجِبٍ ليس هوَ بواجِبٍ. وأمَّا مالِكٌ فتأكَّدت عندَهُ الأفعالُ أكثرَ مِنْ الأقوالِ؛ لكَونِها مِنْ صُلبِ الصَّلاةِ أكثرَ مِنْ الأقوالِ، أعني أنَّ الفُروضَ التي هيَ أفعالٌ أكثرُ مِنْ فُروضِ الأقوالِ؛ فكَأنَّه رَأى أنَّ الأفعالَ آكَدُ مِنْ الأقوالِ، وإن كانَ ليس يَنوبُ سُجودُ السَّهوِ إلا عمَّا كانَ منها ليس بفَرضٍ، وتَفريقُهُ أيضًا بينَ سُجودِ النُّقصانِ والزِّيادةِ على الرِّوايةِ الثانيةِ؛ ليَكونَ سُجودُ النُّقصانِ شُرِعَ بَدلًا

стр. 1119

ممَّا سقطَ مِنْ أجزاءِ الصَّلاةِ، وسُجودُ الزِّيادةِ كَأنَّه استِغفارٌ؛ لا بَدلٌ (١). مَوضِعُ سُجودِ السَّهوِ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ على أنَّ سُجودَ السَّهوِ جائِزٌ قبلَ السَّلامِ وبعدَه؛ لِصحَّةِ الأخبارِ الوارِدةِ عن النَّبيِّ ﷺ في كِلا الأمرَينِ، قالَ الماوَردِيُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّ سُجودَ السَّهوِ جائِزٌ قبلَ السَّلامِ وبعدَه، وإنَّما اختَلَفوا في المَسنونِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ القاضي عِياضٌ ﵀ وجَماعةٌ مِنْ أصحابِنا: ولا خِلافَ بينَ هؤلاءِ المُختَلِفينَ وغيرِهم مِنْ العُلماءِ أنَّه لو سجدَ قبلَ السَّلامِ أو بعدَه لِلزِّيادةِ أو لِلنَّقصِ أنَّه يُجزِئُه، ولا تفسُدُ صَلاتُه، وإنَّما اختِلافُهم في الأفضَلِ، واللهُ أعلَمُ (٣). إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا في الأفضَلِ؛ هل يَكونُ قبلَ السَّلامِ أو بعدَه؟ فذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَوضِعَ سُجودِ السَّهوِ بعدَ التَّسليمِ مُطلَقًا؛ سَواءٌ في الزِّيادةِ أوِ النُّقصانِ، أي: أنَّه يَتشهَّدُ ثم يسلِّمُ تَسليمةً واحدةً على الأصَحِّ، ثم يَسجدُ لِلسَّهوِ، ثم يَتشهَّدُ، ثم يسلِّمُ كذلكَ، فإن سلَّم تَسليمتَينِ سقطَ السُّجودُ، لحَديثِ ثَوبانَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لِكلِّ سَهوٍ سَجدَتَانِ بعدَما يسلِّمُ» (٤).

стр. 1120

وقيلَ: يُسلِّمُ تَسليمَتَينِ؛ لقولِه ﷺ : «لِكلِّ سَهوٍ سَجدَتَانِ بعدَما يسلِّمُ». والمُتَعارَفُ منهُ ما يَكونُ مِنْ الجانِبَينِ؛ فيُحمَلُ عليهِ، وفي الهِدايةِ: وقالَ شَمسُ الأئمَّةِ: وهو الأصحُّ؛ لأنَّه قولُ كِبارِ الصَّحابةِ؛ كعمرَ وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃ (١). وذَهب المالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى التَّفريقِ بينَ الزِّيادةِ والنُّقصانِ، فإن كانَ السُّجودُ لِنُقصانٍ كانَ قبلَ السَّلامِ، وإن كانَ لِزيادةٍ كانَ بعدَ السَّلامِ، وذلك لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مالِكِ بنِ بُحَينَةَ ﵁ أنَّه قالَ: «صلَّى لنَا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ مِنْ بعضِ الصَّلواتِ، ثم قامَ فلم يَجلِس؛ فَقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر فَسجدَ سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (٢)، وهذا في النَّقصِ. وأمَّا الزِّيادةُ فإنَّه يَسجُدُ بعدَ السَّلامِ؛ لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «صلَّى بِنَا رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسًا، فلمَّا انفَتَلَ تَوَشوَشَ القَومُ بينَهُم، فقالَ: ما شَأنُكُم؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ قالَ: لَا، قالوا: فَإِنَّكَ قد صلَّيتَ خَمسًا، فَانفَتَلَ ثم سجدَ سَجدتَينِ ثم سلَّم، ثم قالَ: إنَّما أنا بَشَرٌ مِثلُكُم، أَنسَى كما تَنسَونَ، فإذا نَسيَ أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ» (٣).

стр. 1121

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ورُوي عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «كلُّ شَيءٍ شَكَكتَ فيه مِنْ صَلاتِكَ، مِنْ نُقصَانٍ، مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجودٍ، أَوْ غيرِ ذلك، فَاستَقبِل أكثرَ ظَنِّكَ، وَاجعَل سَجدَتَيِ السَّهوِ مِنْ هذا النحوِ قبلَ التَّسليمِ، فَأَمَّا غيرُ ذلك مِنْ السَّهوِ فَاجعَلهُ بعدَ التَّسليمِ» (١) (٢). وإن جَمعَ بينَ زِيادةٍ ونَقصٍ يَسجُدُ قبلَ السَّلامِ؛ تَرجيحًا لجانِبِ النَّقصِ. وذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ سُجودَ السَّهوِ مَوضِعُهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ، وذلكَ لحَديثِ ابنِ بُحَينَةَ ﵁ أنَّه قالَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ مِنْ بعضِ الصَّلواتِ ثم قامَ فلَم يَجلِس، فَقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر فَسجدَ سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (٣). وفيهِ أنَّه ﷺ سجدَ قبلَ السَّلامِ، ولأنَّه يُفعَلُ لِإصلاحِ الصَّلاةِ؛ فكانَ قبلَ السَّلامِ، كما لو نَسيَ سَجدةً في الصَّلاةِ. وفي قَولٍ ثالِثٍ عندَ الشافِعيَّةِ: يَتخيَّرُ إن شاءَ قبلَ السَّلامِ، وإن شاءَ بعدَه (٤).

стр. 1122

وذَهب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السُّجودَ كلَّهُ قبلَ السَّلامِ، إلَّا في المَوضِعَينِ اللَّذَينِ وردَ النَّصُّ بسُجودِهما بعدَ السَّلامِ، وهُما: الأوَّلُ: إذَا سلَّم مِنْ نَقصِ رَكعةٍ فأكثرَ كما في حَديثِ ذي اليَدينِ: «أنَّه ﷺ سلَّم مِنْ رَكعتَينِ، فَسجدَ بعدَ السَّلامِ» (١). وحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁: «أنَّه سلَّم مِنْ ثَلاث، فَسجدَ بعدَ السَّلامِ» (٢). والآخَرُ: إذَا تَحرَّى الإمامُ فبَنَى على أغلَبِ ظَنِّهِ، كما في حَديثِ ابنِ مَسعودٍ عندَما تَحَرى فسجدَ بعدَ السَّلامِ؛ فرَوى الشَّيخانِ عن إبراهيمَ عن عَلقَمةَ قالَ: قالَ عَبدُ اللَّهِ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ قال إبرَاهِيمُ: لا أَدري زادَ أو نقصَ- فلمَّا سلَّم قيلَ له: يا رَسولَ اللَّهِ، أحَدثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ؟ قال: وما ذاكَ؟ قالوا: صلَّيتَ كذا وكذا. فثَنى رِجلَيهِ وَاستَقبَلَ القِبلَةَ وسجدَ سَجدتَينِ ثم سلَّم، فلمَّا أَقبَلَ عَلَينَا بوَجهِهِ قال: إنه لو حَدثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ لَنبَّأتُكم بهِ، وَلَكِن إنَّما أنا بَشَرٌ مِثلُكُم، أَنسَى كما تَنسَونَ، فإذا نَسيتُ فَذكِّرونِي، وإذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فَليَتَحَر الصَّوَابَ، فَليُتمَّ عليه، ثم لِيسلِّم، ثم يَسجد سَجدتَينِ» (٣) (٤).

стр. 1123

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلَفوا في مَواضِعِ سُجودِ السَّهوِ على خَمسةِ أقوالٍ: فذَهَبتِ الشافِعيَّةُ إلى أنَّ سُجودَ السَّهوِ مَوضِعُهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ، وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَوضِعَه أبَدًا بعدَ السَّلامِ، وفرَّق المالِكيَّةُ فقالوا: إن كانَ السُّجودُ لِنُقصانٍ كانَ قبلَ السَّلامِ، وإن كانَ لِزيادةٍ كانَ بعدَ السَّلامِ. وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: يَسجُدُ قبلَ السَّلامِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ قبلَ السَّلامِ، ويَسجُدُ بعدَ السَّلامِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ السَّلامِ؛ فما كانَ مِنْ سُجودٍ في غيرِ تلكَ المَواضِعِ يَسجُدُ لهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ. وقالَ أهلُ الظَّاهرِ: لا يَسجُدُ لِلسَّهوِ إلا في المَواضِعِ الخَمسةِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ فقط، وغيرُ ذلك إن كانَ فَرضًا أتَى بهِ، وإن كانَ نَدبًا فليس عليه شيءٌ؛ والسَّببُ في اختِلافِهم أنُّهُ ﵊ ثَبت عنه أنَّه سجدَ قبلَ السَّلامِ، وسجدَ بعدَ السَّلامِ، وذلكَ أنَّه ثَبت من حَديثِ ابنِ بُحَينَةَ أنَّه قالَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم قامَ فلم يَجلِس، فقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه سجدَ سَجدتَينِ وهو جالِسٌ»، وثَبت أيضًا أنَّه سجدَ بعدَ السَّلامِ في حَديثِ ذي اليَدينِ المُتقدِّمِ؛ إذ سلَّم مِنْ اثنَتَينِ، فذَهب الذينَ جَوَّزوا القياسَ في سُجودِ السَّهوِ -أعني: الذينَ رَأَوا تَعدِيةَ الحُكمِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها ﵊ إلى أشباهها في هذه الآثارِ الصَّحيحةِ- ثَلاثةَ مَذاهبَ: أحَدُها: مَذهبُ التَّرجيحِ. والثاني: مَذهبُ الجَمعِ. والثالِثُ: مَذهبُ الجَمعِ والتَّرجِيحِ. فمَن رجَّح حَديثَ ابنِ بُحينَةَ قالَ: السُّجودُ قبلَ السَّلامِ، واحتَجَّ لذلكَ بحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ الثابِتِ

стр. 1124

أنَّه ﵊ قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكم في صَلاتِه فلَم يَدرِ كَمْ صلَّى، أثَلاثًا أم أربَعًا؛ فليُصلِّ رَكعةً وليَسجُد سَجدتَينِ وهوَ جالِسٌ قبلَ التَّسليمِ؛ فإن كانَتِ الرَّكعةُ التي صلَّاها خامِسةً شَفَعَها بهاتَينِ السَّجدتَينِ، وإن كانَت رابِعةً فالسَّجدَتانِ تَرغيمٌ لِلشَّيطانِ». قالوا: ففيهِ السُّجودُ لِلزِّيادةِ قبلَ السَّلامِ؛ لأنَّها مُمكِنَةُ الوُقوعِ خامِسةً، واحتَجوا لذلكَ أيضًا بما رُويَ عن ابنِ شِهابٍ أنَّه قالَ: «كانَ آخرُ الأمرَينِ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ السُّجودَ قبلَ السَّلامِ»، وأمَّا مَنْ رجَّح حَديثَ ذي اليَدينِ فقالَ: السُّجودُ بعدَ السَّلامِ، واحتَجوا لِتَرجيحِ هذا الحَديثِ بأنَّ حَديثَ ابنِ بُحَينَةَ قد عارَضَهُ حَديثُ المُغيرَةِ بنِ شُعبةَ أنَّه ﵊ «قامَ مِنْ اثنَتَينِ ولم يَجلِس ثم سجدَ بعدَ السَّلامِ»، قالَ أبو عمرَ: ليس مِثلَه في النَّقلِ فيُعارَضَ بهِ. واحتَجوا أيضًا لذلكَ بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ الثَّابِتِ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى خَمسًا ساهِيًا وسجدَ لِسَهوِهِ بعدَ السَّلامِ»، وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ فإنَّهم قالوا: إنَّ هذه الأحاديثَ لا تَتَناقَضُ، وذلكَ أنَّ السُّجودَ فيها بعدَ السَّلامِ، إنَّما هوَ في الزِّيادةِ، والسُّجودُ قبلَ السَّلامِ في النُّقصانِ؛ فوجبَ أن يَكونَ حكمُ السُّجودِ في سائرِ المَواضِعِ كما هو في هذا المَوضِعِ، قالوا: وهو أَولَى مِنْ حَملِ الأحادِيثِ على التَّعارُضِ. وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ والتَّرجيحِ فقالَ: يَسجُدُ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ على النحوِ الذي سجدَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ؛ فإنَّ ذلك هو حكمُ تلكَ المَواضِعِ، وأمَّا المَواضِعُ التي لم يَسجُد فيها رَسولُ اللهِ ﷺ فالحكمُ فيها السُّجودُ قبلَ السَّلامِ؛

стр. 1125

فَكَأنَّه قاسَ على المَواضِعِ التي سجدَ فيها ﵊ قبلَ السَّلامِ، ولم يَقِس على المَواضِعِ التي سجدَ فيها بعدَ السَّلامِ، وأبقَى سُجودَ المَواضِعِ التي سجدَ فيها على ما سجدَ فيها؛ فمِن جِهةِ أنَّه أبقَى حُكمَ هذه المَواضِعِ على ما وَرَدت عليهِ، وجعلَها مُتغايِرَةَ الأحكامِ، هو ضَربٌ مِنْ الجَمعِ ورَفعٌ لِلتَّعارُضِ بينَ مَفهومِها، ومِن جِهةِ أنَّه عَدَّى مَفهومَ بعضِها دونَ بَعضٍ، وألحَقَ بهِ المَسكوتَ عنه؛ فذلكَ ضَربٌ مِنْ التَّرجيحِ -أعني: أنَّه قاسَ على السُّجودِ الذي قبلَ السَّلامِ، ولم يَقِس على الذي بعدَه-، وأمَّا مَنْ لم يَفهَم مِنْ هذه الأفعالِ حُكمًا خارِجًا عنها، وقصرَ حُكمَها على أنفُسِها -وهُم أهلُ الظَّاهرِ- فاقتَصرُوا بالسُّجودِ على هذه المَواضِعِ فَقط، وأمَّا أحمدُ بنُ حَنبَلٍ فجاءَ نَظرُه مُختلِطًا مِنْ نظَرِ أهلِ الظاهِرِ ونَظَرِ أهلِ القِياسِ، وذلكَ أنَّه اقتَصرَ بالسُّجودِ كما قُلنا بعدَ السَّلامِ على المَواضِعِ التي وردَ فيها الأثَرُ، ولم يُعدِّهُ، وعَدَّى السُّجودَ الذي وردَ في المَواضِعِ التي قبلَ السَّلامِ، ولِكُلِّ واحدٍ مِنْ هؤلاءِ أدلَّةٌ يُرجِّحُ بها مَذَهبه مِنْ جِهةِ القِياسِ -أعنِي: لِأصحابِ القِياسِ-، والمَواضِعُ الخَمسةُ التي سَها فيها رَسولُ اللهِ ﷺ أحَدُها: أنَّه قامَ مِنْ اثنَتَينِ على ما جاءَ في حَديثِ ابنِ بُحَينَةَ. والثاني: أنَّه سلَّم مِنْ اثنَتَينِ على ما جاءَ في حَديثِ ذي اليَدينِ. والثالِثُ: أنَّه صلَّى خَمسًا على ما في حَديثِ ابنِ عمرَ، خرَجهُ مُسلِمٌ والبُخاريُّ. والرابِعُ: أنَّه سلَّم مِنْ ثَلاثٍ على ما في حَديثِ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ. والخامِسُ: السُّجودُ عن الشَّكِّ على ما جاءَ في حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، وسيأتي بَعدُ، واختَلَفوا: لماذا يجبُ سُجودُ السَّهوِ؟ فقيلَ: يجبُ
следующие страницы →