← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10606–10645 · переход к 10611.

стр. 10606

لِمَنْ لا يكونُ عارِفًا بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ، فكيفَ بمَن كانَ عارِفًا بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ. فإنَّ القائِلَ بوُقوعِ الطَّلاقِ ليسَ مَعهُ مِنَ الحُجَّةِ ما يُقاوِمُ قولَ مَنْ نَفَى وُقوعَ الطَّلاقِ، ولوِ اجتَهدَ مَنِ اجتَهدَ في إقامةِ دَليلٍ شَرعيٍّ سالِمٍ عَنِ المُعارِضِ المُقاوِمِ على وُقوعِ الطَّلاقِ على الحالِفِ لَعَجَزَ عن ذلكَ كما عَجزَ عَنْ تَحديدِ ذلكَ، فهل يَسوغُ لأحَدٍ أنْ يَأمُرَ بما يُخالِفُ إجماعَ المُسلمينَ ويُخرِجُ عن سَبيلِ المُؤمنينَ؟ فإنَّ القولَ الَّذي ذهَبَ إليهِ بعضُ العُلماءِ وهو لَم يُعارِضْ نَصًّا ولا إجماعًا ولا ما في مَعنَى ذلكَ ويُقدِّمُ عليهِ الدَّليلَ الشَّرعيَّ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ والقياسِ الصَّحيحِ ليسَ لأحَدٍ المَنعُ مِنَ الفُتيا بهِ والقَضاءِ بهِ وإنْ لم يَظهرْ رُجحانُه، فكيفَ إذا ظهَرَ رُجحانُه بالكِتابِ والسُّنةِ وبَيَّنَ ما للهِ فيهِ مِنَ المِنَّةِ، فإنَّ اللهَ تعالَى يَقولُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وقالَ في كِتابِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وقَد ثبَتَ في الصَّحيحِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرأَى غيْرَها خَيرًا مِنها فلْيُكفِّرْ عَنْ يَمينِه ولْيَأتِ الَّذي هوَ خَيرٌ»، وهذا مَرويٌّ عنِ النَّبيِّ ﷺ مِنْ وُجوهٍ كثيرةٍ، وفي «مُسلِمٍ» مِنْ حَديثِ أبي هُريرةَ وعَديِّ بنِ حاتِمٍ وأبي مُوسَى الأشعريِّ وفي «الصَّحيحَينِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «إذا حَلفْتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيْرَها خَيرًا مِنها إلَّا أَتيتَ الَّذي هو خَيرٌ وتَحلَّلْتَها»، وفي «الصَّحيحَينِ» عن أبي هُريرةَ عنِ

стр. 10607

النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «لَأنْ يَلِجَ أحَدُكم بيَمينِه في أَهلِه آثَمُ لهُ مِنْ أنْ يُعطيَ الكفَّارةَ الَّتي فرَضَ اللهُ»، وقالَ البُخاريُّ: مَنِ استَلَجَ في أهلِه فهوَ أعظَمُ إثمًا، فقَولُه ﷺ : «يَلِجَ» مِنْ اللَّجاجِ؛ ولهذا سُمِّيَتْ هذهِ الأيمانُ «نُذُر اللَّجاجِ والغَضبِ». والألفاظُ الَّتي يَتكلَّمُ بها النَّاسُ في الطَّلاقِ ثلاثةُ أنواعٍ: صِيغةُ التَّنجيزِ والإرسالِ: كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ، أو مُطلَّقةٌ» فهذا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ باتِّفاقِ المُسلمِينَ. الثَّاني: صِيغَةُ قسَمٍ: كقَولِه: «الطَّلاقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا، أو لا أفعَلُ كذا»، فهذا يَمينٌ باتِّفاقِ أهلِ اللُّغةِ واتِّفاقِ طَوائفِ الفُقهاءِ واتِّفاقِ العامَّةِ واتِّفاقِ أهلِ الأرضِ. الثَّالثُ: صِيغةُ تَعليقٍ: كقَولِه: «إنْ فَعلْتُ كذا فامرَأتي طالِقٌ»، فهذه إنْ كانَ قَصدُه بهِ اليَمينُ -وهو الَّذي يَكرهُ وُقوعَ الطَّلاقِ مُطلَقًا كما يَكرهُ الانتِقالَ عَنْ دِينِه- إذا قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ»، أو يقولَ اليَهوديُّ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا مُسلِمٌ» فهو يَمينٌ حُكمُه حُكمُ الأوَّلِ الَّذي هوَ بصِيغةِ القسَمِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فإنَّ اليَمينَ هي ما تَضمَّنَتْ حَضًّا أو مَنعًا أو تَصديقًا أو تَكذيبًا بالتِزامِ ما يَكرهُ الحالِفُ وُقوعَه عِنْدَ المُخالَفةِ، فالحالِفُ لا يكونُ حالِفًا إلَّا إذا كَرِهَ وُقوعَ الجَزاءِ عِنْدَ الشَّرطِ، فإنْ كانَ يُريدُ وُقوعَ الجَزاءِ عِنْدَ الشَّرطِ لم يَكنْ حالِفًا، سَواءٌ كانَ يُريدُ الشَّرطَ وحْدَه ولا يَكرهُ الجَزاءَ عِنْدَ وُقوعِه، أو كانَ يُريدُ الجَزاءَ عِنْدَ

стр. 10608

وُقوعِه غيْرَ مُريدٍ لهُ، أو كانَ مُريدًا لهُمَا، فأمَّا إذا كانَ كارِهًا للشَّرطِ وكارِهًا للجَزاءِ مُطلَقًا -يَكرهُ وُقوعَه، وإنَّما التَزمَه عِنْدَ وُقوعِ الشَّرطِ؛ ليَمنَعَ نفْسَه أو غيْرَه ما التَزمَه مِنَ الشَّرطِ، أو ليَحُضَّ بذلكَ- فهذا يَمينٌ. وإنْ قصَدَ إيقاعَ الطَّلاقِ عِنْدَ وُجودِ الجَزاءِ كقَولِه: «إنْ أَعطَيتِني ألفًا فأنتِ طالِقٌ، وإذا طَهُرْتِ فأنتِ طالِقٌ، وإذا زَنَيتِ فأنتِ طالِقٌ» -وقَصدُه إيقاعُ الطَّلاقِ عِنْدَ الفاحِشةِ لا مُجرَّدُ الحلِفِ عَليها-؛ فهذا ليسَ بيَمينٍ، ولا كفَّارةَ في هذا عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقهاءِ فيما عَلمْناهُ، بلْ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ إذا وُجِدَ الشَّرطُ عِنْدَ السَّلفِ وجُمهورِ الفُقهاءِ. فاليَمينُ الَّتي يَقصِدُ بها الحَضَّ أو المَنعَ أو التَّصديقَ أو التَّكذيبَ بالتِزامِه عِنْدَ المُخالَفةِ ما يَكرهُ وُقوعَه، سَواءٌ كانَتْ بصِيغةِ القسَمِ أو بصِيغةِ الجَزاءٍ؛ يَمينٌ عِنْدَ جَميعِ الخَلقِ مِنَ العَربِ وغَيرِهم؛ فإنَّ كَونَ الكَلامِ يَمينًا مِثلُ كَونِه أمرًا أو نهيًا وخَبَرًا، وهذا المَعنَى ثابِتٌ عِنْدَ جَميعِ النَّاسِ العَربِ وغَيرِهم، وإنَّما تَتنوَّعُ اللُّغاتُ في الألفاظِ لا في المَعاني، بل ما كانَ مَعناهُ يَمينًا أو أمرًا أو نهيًا عِنْدَ العَجمِ فكذلكَ مَعناهُ يَمينٌ أو أمرٌ أو نهيٌ عِنْدَ العَربِ، وهذا أيضًا يَمينُ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهِم، وهو يَمينٌ في العُرفِ العامِّ ويَمينٌ عِنْدَ الفُقهاءِ كُلِّهم. وإذا كانَ يَمينًا فليسَ في الكِتابِ والسُّنةِ لليَمينِ إلَّا حُكمانِ:

стр. 10609

إمَّا أنْ تكونَ اليَمينُ مُنعقِدةً مُحتَرَمةً ففيها الكَّفارةُ. وإمَّا أنْ لا تكونَ مُنعقِدةً مُحتَرَمةً -كالحلِفِ بالمَخلوقاتِ مِثلَ الكَعبةِ والمَلائكةِ وغَيرِ ذلكَ- فهذا لا كفَّارةَ فيهِ بالاتِّفاقِ، فأمَّا يَمينٌ مُنعقِدةٌ مُحتَرَمةٌ غَيرُ مُكفَّرةٍ فهذا حُكمٌ ليسَ في كِتابِ اللهِ ولا في سُنَّةِ رَسولِه ﷺ ، ولا يَقومُ دَليلٌ شَرعيٌّ سالِمٌ عَنِ المُعارِضِ المُقامِ، فإنْ كانَتْ هذهِ اليَمينُ مِنْ أيمانِ المُسلمينَ فقَدْ دَخلَتْ في قَولِه تعالَى للمُسلمينَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وإنْ لَم تكنْ مِنْ أيمانِهم بل كانَتْ مِنَ الحلِفِ بالمَخلوقاتِ فلا يَجبُ بالحِنثِ لا كفَّارةٌ ولا غَيرُها، فتكونُ مُهدَرةً. فهذا ونَحوُه مِنْ دَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ والاعتِبارِ يُبيِّنُ أنَّ الإلزامَ بوُقوعِ الطَّلاقِ للحالِفِ في يَمينِه حُكمٌ يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنةَ، وحَسْبُ القَولِ الآخَرِ أنْ يكونَ ممَّا يُسوِّغُ الاجتِهادَ، فأمَّا أنْ يُقالَ: «إنهُ لم يَجبْ على المُسلمينَ كُلِّهم العَملُ بهذا القَولِ، ويَحرُمُ عليهِم العَملُ بذلكَ القَولِ» فهذا لا يَقولُه أحَدٌ مِنْ عُلماءِ المُسلمِينَ بعْدَ أنْ يَعرفَ ما بيْنَ المُسلمينَ مِنَ النِّزاعِ والأدلَّةِ، ومَن قالَ بالقَولِ المَرجوحِ وخَفِيَ عليهِ القَولُ الرَّاجحُ كانَ حَسْبُه أنْ يكونَ قَولُه سائِغًا لا يُمنَعُ مِنَ الحُكمِ بهِ والفُتيا بهِ، أمَّا إلزامُ المُسلمِينَ بهذا القَولِ ومَنعُهم مِنَ القَولِ الَّذي دَلَّ عَليه الكِتابُ والسُّنةُ فهذا خِلافُ أمرِ اللهِ ورَسولِه وعِبادِه المُؤمنِينَ مِنَ الأئمَّةِ الأربعَةِ وغَيرِهم، فمَن منَعَ الحُكمَ والفُتيا بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ وتَقليدِ مَنْ نَفَى بذلكَ فقَدْ خالَفَ كِتابَ اللهِ وسُنةَ

стр. 10610

رَسولِه وإجماعَ المُسلِمينَ، ولا يَفعلُ ذلكَ إلَّا مَنْ لَم يكنْ عِندَه عِلمٌ، فهذا حَسْبُه أنْ يُعذَرَ، لا يَجبُ اتِّباعُه، ومُعانِدٌ مُتَّبِعٌ لهَواهُ، لا يَقبلُ الحَقَّ إذا ظهَرَ لهُ، ولا يُصغِي لمَن يَقولُه ليَعرِفَ ما قالَ، بَلْ يَتبَعُ هَواهُ بغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾، فإنهُ إمَّا مُقلِّدٌ وإمَّا مُجتهِدٌ، فالمُقلِّدُ لا يُنْكِرُ القولَ الَّذي يُخالِفُ مَتبُوعَه إنكارَ مَنْ يَقولُ هو باطِلٌ، فإنهُ لا يَعلمُ أنهُ باطِلٌ، فَضلًا عَنْ أنْ يُحرِّمَ القولَ بهِ ويُوجِبَ القولَ بقَولِ سلَفِه، والمُجتهِدُ يَنْظُرُ ويُناظِرُ، وهو معَ ظُهورِ قَولِه لا يُسوِّغُ قولَ مُنازعِيه الَّذي ساغَ فيهِ الاجتِهادُ، وهو ما لم يَظهرْ أنهُ خالَفَ نَصًّا ولا إجماعًا، فمَن خرَجَ عَنْ حَدِّ التَّقليدِ السَّائغِ والاجتِهادِ كانَ فيهِ شَبَهٌ مِنَ الَّذينَ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، وكانَ مَنْ اتَّبعَ هَواهُ بغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ، ومَن قالَ: «إنَّه اتَّبعَ هذهِ الفُتيا فوُلِدَ لهُ وَلدٌ بعدَ ذلكَ فهوَ وَلَدُ زِنا» كانَ هذا القائِلُ في غايَةِ الجَهلِ والضَّلالِ والمُشاقَّةِ للهِ ولرَسولِه. وعلى الجُملةِ إذا كانَ المُلتَزَمُ بهِ قُربةً للهِ تعالَى يَقصدُ بهِ القُربَ إلى اللهِ تعالَى لَزمَه فِعلُه أو الكفَّارةُ، ولوِ التَزَمَ ما ليسَ بقُربةٍ كالتَّطليقِ والبَيعِ والإجارةِ ومِثلِ ذلكَ لَم يَلزمْه، بل يُجزِيهِ كفَّارةُ يَمينٍ عِنْدَ الصَّحابةِ وجُمهورِ المُسلمِينَ، وهو قولُ الشَّافعيِّ وأحمدَ، وإحدَى الرِّوايتَينِ عَنْ أبي حَنيفةَ، وقَولُ المُحقِّقِينَ مِنْ أصحابِ مالكٍ؛ لأنَّ الحالِفَ بالطَّلاقِ على وَجهِ اليَمينِ يَكرهُ وُقوعَه إذا وُجِدَ الشَّرطُ كما يَكرهُ وُقوعَ الكُفرِ؛ فلا يَقعُ وعليهِ الكفَّارةُ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وقَدِ اتَّفقَ النَّاسُ على أنه لو قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ» فحنَثَ أنهُ لا يَكفُرُ بذلكَ إنْ قصَدَ اليَمينَ؛ لأنَّ قصْدَ اليَمينِ منَعَ مِنَ الكُفرِ، وبهذا وغَيرِه احتَجَّ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ على أنَّ الحلِفَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ كنَذرِ اللَّجاجِ والغضَبِ وكالحلِفِ بقَولِه: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ»، وحَكاهُ إجماع الصَّحابةِ في العِتقِ، وحَكاهُ غَيرُه إجماعًا لهمْ في الحَلفِ بالطَّلاقِ على

стр. 10611

أنَّه لا يَلزمُ. قالَ: لأنَّه قَدْ صَحَّ عَنْ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في الجنَّةِ، ولا يُعرَفُ له في الصَّحابةِ مخالِفٌ، ذكَرَه ابنُ بَزِيزةَ في شَرحِ أحكامِ عَبدِ الحَقِّ الإشبيليِّ، فاجتَهدَ خُصومُه في الرَّدِّ عليهِ بكُلِّ مُمكِنٍ، وكانَ حاصِلُ ما رَدُّوا بهِ قَولَه أربعَةَ أشياءَ: أحَدُها -وهوَ عُمدةُ القَومِ-: أنهُ خِلافُ مَرسومِ السُّلطانِ. والثَّاني: أنهُ خِلافُ الأئمَّةِ الأربعَةِ. والثَّالثُ: أنهُ خِلافُ القِياسِ على الشَّرطِ والجَزاءِ المَقصودَينِ، كقَولِه: «إنْ أبرَأتِني فأنتِ طالِقٌ» ففَعلَتْ.

стр. 10612

والرَّابعُ: أنَّ العمَلَ قدِ استَمرَّ على خِلافِ هذا القَولِ، فلا يُلتَفتُ إليهِ. فنَقَضَ حُجَجَهُم، وأقامَ نَحوًا مِنْ ثلاثِينَ دَليلًا على صحَّةِ هذا القولِ، وصنَّفَ في المَسألةِ قَريبًا مِنْ ألْفِ وَرَقةٍ، ثمَّ مضَى لسَبيلِه راجِيًا مِنَ اللهِ أجرًا أو أجْرَينِ، وهوَ ومُنازِعوهُ يومَ القِيامَةِ عِنْدَ ربِّهمْ يَختصِمونَ (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ أيضًا في «إغاثة اللَّهفانِ»: فَصلٌ: وأمَّا قَولُكمْ: إنَّ مَنْ حلَفَ بطلاقِ زَوجَتِه لَيَشربَنَّ هذا الخَمرَ، أو لَيَقتُلَنَّ هذا الرَّجلَ أو نحوَ ذلكَ؛ كانَ في الحِيلةِ تَخليصُه مِنْ هذهِ المَفسدةِ ومِن مَفسدةِ وُقوعِ الطَّلاقِ. فيُقالُ: نَعمْ واللهِ، قد شَرَعَ اللهُ لهُ ما يَتخلَّصُ بهِ، ولخَلاصِه طُرقٌ عَديدةٌ، فلا تَتعيَّنُ الحِيلةُ الَّتي هيَ خِداعٌ ومَكرٌ لتَخليصِه، بل هَهُنا طَرقٌ عِدَّةٌ قد سَلكَ كُلَّ طَريقِ مِنها طائِفةٌ مِنَ الفُقهاءِ مِنْ سلَفِ الأمَّةِ وخلَفِها. الطَّريقُ الأُولَى: طَريقةُ مَنْ قالَ: لا تَنعقِدُ هذه اليَمينُ بحالٍ، ولا يَحنَثُ فيها بشَيءٍ، سَواءٌ كانَتْ بصِيغةِ الحلِفِ كقَولِه: «الطَّلاقُ يَلزَمُني لَأفعَلَنَّ»، أو بصِيغةِ التَّعليقِ المَقصودِ كقَولِه: «إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ، أو إنْ حِضْتِ، أو إنْ جاءَ رَأسُ الشَّهرِ فأنتِ طالِقٌ»، أو التَّعليقُ المَقصودُ بهِ اليَمينُ مِنَ الحَضِّ والمَنعِ والتَّصديقِ والتَّكذيبِ كقَولِه: «إنْ لم أفعَلْ كذا، وإنْ فَعلْتُ كذا فامرَأتي طالقٌ»، وهذا اختيارُ أجَلِّ أصحابِ الشَّافعيِّ الَّذينَ جالَسُوهُ أو مَنْ هوَ مِنْ أجَلِّهم أبي عَبدِ الرَّحمنِ، وهوَ أجَلُّ مِنْ أصحابِ الوُجوهِ المُنتَسبينَ

стр. 10613

إلى الشَّافعيِّ، وهذا مَذهبُ أكثَرِ أهلِ الظَّاهِرِ، فعِندَهم أنَّ الطَّلاقَ لا يَقبَلُ التَّعليقَ كالنِّكاحِ، ولَم يَرُدَّ مُخالِفُو هؤلاءِ عليهم بحُجَّةٍ تَشفِي. الطَّريقُ الثَّانيةُ: طَريقُ مَنْ يَقولُ: لا يَقعُ الطَّلاقُ المَحلوفُ بهِ ولا العِتقُ المَحلوفُ بهِ، ويَلزمُه كفَّارةُ اليَمينِ إذا حنَثَ فيهِ، وهذا مَذهبُ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وعائِشةَ وزَينبَ بنتِ أمِّ سَلَمةَ وحَفصةَ في الحَلِفِ بالعِتقِ الَّذي هو قُربةٌ إلى اللهِ تعالَى، بلْ مِنْ أحَبِّ القُرَبِ إلى اللهِ، ويَسرِي في مِلكِ الغَيرِ، فما يَقولُ هؤلاءِ في الحلِفِ بالطَّلاقِ الَّذي هوَ أبغَضُ الحَلالِ إلى اللهِ تعالَى وأحَبُّ الأشياءِ إلى الشَّيطانِ، والسَّائِلُ لهؤلاءِ الصَّحابةِ «إنَّما كانَ امرَأةً حَلَفتْ بأنَّ كُلَّ مَملوكٍ لها حُرٌّ إنْ لَم تُفرِّقْ بيْنَ عَبدِها وبيْنَ امرأتِهِ، فقالوا لها: كفِّرِي عَنْ يَمينِكِ، وخَلِّي بيْنَ الرَّجلِ وبيْنَ امرَأتِه». وهؤلاءِ الصَّحابةُ أفقَهُ في دِينِ اللهِ وأعلَمُ مِنْ أنْ يُفتُوا بالكفَّارةِ في الحلِفِ بالعِتقِ ويَرَونَه يَمينًا ولا يَرَونَ الحلِفَ بالطَّلاقِ يَمينًا ويُلزِمونَ الحانِثَ بوُقوعِه، فإنهُ لا يَجِدُ فَقيهٌ شَمَّ رائِحةَ العِلمِ بيْنَ البابَينِ والتَّعليقَينِ فَرقًا بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ. وإنَّما لم يأخُذْ بهِ أحمَدُ؛ لأنهُ لَم يَصحَّ عِندَه إلَّا مِنْ طَريقِ سُليمانَ التَّيميِّ، واعتَقدَ أنهُ تَفرَّدَ بهِ، وقَد تابَعَه عليهِ مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصارِيُّ وأَشعَثُ الحمرَانِيُّ، ولهذا لَمَّا ثبَتَ عِنْدَ أبي ثورٍ قالَ بهِ … الطَّريقُ الثَّالثةُ: طَريقُ مَنْ يَقولُ: ليسَ الحلِفُ بالطَّلاقِ شيئًا، وهذا صَحيحٌ عَنْ طاوُسٍ وعِكرِمةَ.

стр. 10614

أمَّا طاوسٌ: فقالَ عَبدُ الرَّزاقِ: أَخبَرَنا مَعمَرٌ عنِ ابنِ جُريجٍ عنِ ابنِ طاوسٍ عَنْ أبيهِ: «أنهُ كانَ لا يَرَى الحلِفَ بالطَّلاقِ شَيئًا»، وقَد رَدَّ بعضُ المُتعصِّبينَ لتَقليدِهم ومَذاهِبِهم هذا النَّقلَ بأنَّ عبدَ الرَّزاقِ ذكَرَه في بابِ يَمينِ المُكرهِ فحمَلَه على الحلِفِ بالطَّلاقِ مُكرَهًا؛ وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ الحُجَّةَ ليسَتْ في التَّرجَمةِ، وإنَّما الاعتِبارُ بما يُروَى في أثناءِ التَّرجَمةِ، ولا سيِّما المُتقدِّمِينَ كابنِ أبي شَيبةَ وعَبدِ الرَّزاقِ ووَكيعٍ وغَيرِهم، فإنهُم يَذكرونَ في أثناءِ التَّرجَمةِ آثارًا لا تُطابِقُ التَّرجَمةَ وإنْ كانَ لها بها نَوعُ تَعلُّقٍ، وهذا في كُتبِهم لِمَنْ تأمَّلَه أكثَرُ وأشهَرُ مِنْ أنْ يَخفَى، وهوَ في «صَحيح البُخاريِّ» وغَيرِه، وفي كُتبِ الفُقهاءِ وسائِرِ المُصنِّفينَ، ثمَّ لو فَهِمَ عَبدُ الرَّزاقِ هذا وأنهُ في يَمينِ المُكرَهِ لم تكنِ الحُجَّةُ في فَهمِه، بلِ الأخذُ برِوايتِه، وأيُّ فائدةٍ في تَخصيصِ الحَلِفِ بالطَّلاقِ بذلكَ؟ بَلْ كُلُّ مُكرَهٍ حلَفَ بأيِّ يَمينٍ كانَتْ فيَمينُه ليسَتْ بشيءٍ. أمَّا عِكرِمةُ: فقالَ سنيدُ بنُ داودَ في تَفسيرهِ: حدَّثنَا عبادُ بنُ عبادٍ المهلبيُّ عن عاصِمٍ الأحوَلِ عَنْ عِكرِمةَ في رَجلٍ قالَ لغُلامِه: «إنْ لَم أَجلِدْكَ مِائةَ سَوطٍ فامرَأتي طِالقٌ» قالَ: لا يَجلِدُ غُلامَه ولا يُطلِّقُ امرَأتَه، هذا مِنْ خُطواتِ الشَّيطانِ». فإذا ضَمَمْتَ هذا الأثرَ إلى أثَرِ ابنِ طاوُسٍ عن أبيهِ إلى أثرِ ابنِ عبَّاسٍ فيمَن قالَتْ لمَملوكِها: «إنْ لَم أُفرِّقْ بيْنَكَ وبيْنَ امرأتِكَ فكُلُّ مَملوكٍ لي

стр. 10615

حرٌّ» إلى الآثارِ المُستفيضَةِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في الحلِفِ بتَحريمٍ الزَّوجةِ أنها يَمينٌ يُكفِّرُها؛ تَبيَّنَ لكَ ما كانَ عليهِ ابنُ عبَّاسٍ وأصحابُه في هذا البابِ. فإذا ضَمَمْتَ ذلكَ إلى آثارِ الصَّحابةِ في الحلِفِ بالتَّعليقاتِ كالحَجِّ والصَّومِ والصَّدقةِ والهدْيِ والمَشيِ إلى مكَّةَ حافِيًا ونَحوِ ذلكَ «أنها أيمانٌ مُكفَّرةٌ»؛ تَبيَّنَ لكَ حَقيقةُ ما كانَ عَليهِ الصَّحابةُ في ذلكَ، فإذا ضَمَمْتَ ذلكَ إلى القياسِ الصَّحيحِ الَّذي يَستَوي فيهِ حُكمُ الأصلِ والفَرعِ؛ تَبيَّنَ لكَ تَوافُقُ القياسِ وهذهِ الآثارِ. فإذا ارتَفَعْتَ دَرجةً أُخرَى ووَزَنْتَ ذلكَ بالنُّصوصِ مِنَ القُرآنِ والسُّنةِ تَبيَّنَ لكَ الرَّاجِحُ مِنَ المَرجوحِ، ومعَ هذا كُلِّه فلا يُدانُ لكَ بمُقاوَمةِ السُّلطانِ، ومَن يَقولُ: «حَكمْت وثبَتَ عِنْدِي» فاللهُ المُستعانُ. الطَّريقُ الرَّابعةُ: طَريقُ مَنْ يُفرِّقُ بيْنَ أنْ يَحلفَ على فِعلِ امرَأتِه أو على فِعلِ نَفسِه أو على غَيرِ الزَّوجةِ فيَقولُ: إنْ قالَ لامرَأتِه: «إنْ خَرجْتِ مِنَ الدَّارِ أو كلَّمْتِ رَجلًا أو فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ» فلا يقَعُ عليهِ الطَّلاقُ بفِعلِها ذلكَ، وإنْ حلَفَ على فِعلِ نَفسِه أو غَيرِ امرَأتِه وحنَثَ لَزمَه الطَّلاقُ. وهذا قَولُ أفقَهِ أصحابِ مالِكٍ على الإطلاقِ، وهوَ أشهَبُ بنُ عَبدِ العَزيزِ (١)، ومَحلُّهُ مِنَ الفِقهِ والعِلمِ غَيرُ خافٍ، ومأخَذُ هذا: أنَّ المَرأةَ إذا

стр. 10616

فَعلَتْ ذلكَ لِتُطلِّقَ نفْسَها لم يقَعْ بهِ الطَّلاقِ؛ مُعاقَبةً لها بنَقيضِ قَصدِها، وهذا جارٍ على أُصولِ مالِكٍ وأحمدَ ومَن وافَقَهُما في مُعاقَبةِ الفارِّ مِنَ التَّوريثِ والزَّكاةِ وقاتِلِ مُوَرِّثِه والمُوصِي لهُ ومَن دبَّرَه بنَقيضِ قَصدِه، وهذا هوَ الفِقهُ، لا سِيَّما وهو لَم يُرِدْ طلاقَها، إنما أرادَ حضَّهَا أو منْعَها وأنْ لا تَتعرَّضَ لِمَا يُؤذيهِ، فكيفَ يَكونُ فِعلُها سَببًا لأعظَمِ أذاهُ؟ وهوَ لمَ يُملِّكْها ذلكَ بالتَّوكيلِ والخِيارِ، ولا مَلَّكَها اللهُ إيَّاهُ بالفَسخِ، فكيفَ تكونُ الفُرقةُ

стр. 10617

إليها إنْ شاءَتْ أقامَتْ معَهُ وإنْ شاءَتْ فارَقَتْه بمُجرَّدِ حَضِّها ومَنعِها؟ وأيُّ شيءٍ أحسَنُ مِنْ هذا الفِقهِ وأطرَدُ على قَواعدِ الشَّريعةِ؟ الطَّريقُ الخامِسةُ: طَريقُ مَنْ يَفصِلُ بيْنَ الحلِفِ بصِيغةِ الشَّرطِ والجَزاءِ والحلِفِ بصِيغةِ الالتِزامِ. فالأوَّلُ كقَولِه: «إنْ فَعلْتُ كذا أو إنْ لم أفعَلْه فأنتِ طالِقٌ». والثَّاني كقَولِه: «الطَّلاقُ يَلزمُني، أو لي لازِمٌ، أو عليَّ الطَّلاقُ إنْ فَعلْتُ، أو إنْ لم أفعَلْ» فلا يَلزمُه الطَّلاقُ في هذا القِسمِ إذا حنَثَ دُونَ الأوَّلِ. وهذا أحَدُ الوُجوهِ الثَّلاثةِ لأصحابِ الشَّافعيِّ، وهوَ المَنقولُ عَنْ أبي حَنيفةَ وقُدماءِ أصحابِه، ذكَرَهُ صاحِبُ «الذَّخيرَة» وأبو اللَّيثِ في فَتاوِيه، قالَ أبو اللَّيثِ: ولو قالَ: «طلاقُكِ عَليَّ واجِبٌ أو لازِمٌ أو فَرضٌ أو ثابِتٌ» فمِنَ المُتأخِّرِينَ مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: يقَعُ واحِدةً رَجعيَّةً نَواهُ أو لَم يَنوِهِ، ومِنهُم مَنْ قالَ: لا يَقعُ وإنْ نَوَى، والفارِقُ العُرفُ. قالَ صاحِبُ «الذَّخيرَة»: وعلى هذا الخِلافِ: إذا قالَ: «إنْ فَعلْتِ كذا فطلاقُكِ عليَّ واجِبٌ» أو قالَ: «لازِمٌ» ففَعلَتْ، وذكَرَ القُدوريُّ في شَرحهِ: أنَّ على قولِ أبي حَنيفةَ لا يَقعُ الطَّلاقُ في الكُلِّ، وعندَ أبي يُوسفَ: إنْ نَوَى الطَّلاقَ يقَعُ في الكُلِّ، وعَن مُحمدٍ أنهُ يقَعُ في قَولِه: «لازِمٌ» ولا يَقعُ في «واجِبٌ». واختارَ الصَّدرُ الشَّهيدُ الوُقوعَ في الكُلِّ، وكانَ ظَهيرُ الدِّينِ المِرغينانِيُّ

стр. 10618

يُفتِي بعَدمِ الوُقوعِ في الكُلِّ. هذا كُلُّه لَفظُ صاحِبِ «الذَّخيرَة». وأمَّا الشَّافعيةُ: فقالَ ابنُ يُونسَ في «شَرح التَّنبيهِ»: وإنْ قالَ: «الطَّلاقُ والعِتاقُ لازِمٌ لي» ونَواهُ لَزمَه؛ لأنهُما يقَعانِ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ، وهذا اللَّفظُ مُحتَملٌ، فجُعِلَ كِنايةً، وقالَ الرُّويانِيُّ: «الطَّلاقُ لازِمٌ لِي» صَريحٌ، وعَدَّ ذلكَ في صَرائِحِ الطَّلاقِ، ولعَلَّ وَجهَه غَلَبةُ استِعمالِه لإرادةِ الطَّلاقِ، وقالَ القَفَّالُ في فَتاوِيه: ليسَ بصَريحٍ ولا كِنايةٍ، حتَّى لا يقَعُ بهِ الطَّلاقُ وإنْ نَواهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا بُدَّ فيهِ مِنَ الإضافةِ إلى المرأةِ، ولَم يَتحقَّقْ. هذا لَفظُه. وحَكى شَيخُنا هذا القولَ عَنْ بَعضِ أصحابِ أحمَدَ، فقَدْ صارَ الخِلافُ في هذا البابِ في المَذاهبِ الأربَعةِ بنَقلِ أصحابِها في كُتبِهم، ولهذا التَّفريقِ مأخَذٌ آخَرُ أحسَنُ مِنْ هذا الَّذي ذكَرَهُ الشَّارحُ، وهوَ أنَّ الطَّلاقَ لا يَصحُّ التِزامُه، وإنَّما يلْزَمُ التَّطليق، فإنَّ الطَّلاقَ هوَ الواقِعُ بالمرأةِ وهو اللَّازِمُ لها، وإنَّما الَّذي يَلتزِمُه الرَّجلُ هو التَّطليقُ، فالطَّلاقُ لازِمٌ لها إذا وقَعَ. إذا تَبيَّنَ هذا فالتِزامُ التَّطليقِ لا يُوجِبُ وُقوعَ الطَّلاقِ، فإنهُ لو قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ أنْ أُطلِّقَكِ، أو فللَّهِ عليَّ أنْ أُطلِّقَكِ، أو فتَطليقُكِ لازِمٌ لي، أو واجِبٌ عليَّ» وحنَثَ لم يقَعْ عليهِ الطَّلاقُ، فهكذا إذا قالَ: «إنْ فَعلْت كذا فالطَّلاقُ يَلزَمُني»؛ لأنهُ إنَّما التَزَمَ التَّطليقَ ولا يَقعُ بالتِزامِه، والمُوقِعونَ يَقولونَ: هَو قَدِ التَزمَ حُكمَ الطَّلاقِ، وهوَ خُروجُ البُضعِ مِنْ مِلكِه، وإنَّما يَلزمُه حُكمُه إذا وقَعَ، فصارَ هَذا الالتِزامُ مُستَلزِمًا لِوقوعِه، فقالَ لهُم

стр. 10619

الآخَرُونَ: إنَّما يَلزمُه حُكمُه إذا أتَى بسَببِه وهوَ التَّطلِيقُ، فحِينئذٍ يَلزمُه حُكمُه، وهوَ لم يَأتِ بالتَّطليقِ مُنجِّزًا بلا رَيبٍ، وإنَّما أتَى به مُعلِّقًا لهُ، والتِزامُ التَّطليقِ بالتَّنجيزِ لا يَلزمُ، فكيفَ يَلزمُ بالتَّعليقِ؟ والمُنصِفُ المُتبصِّرُ لا يَخفَى عليهِ الصَّحيحُ، وباللهِ التَّوفيقُ. فَصلٌ: ومِمَّنْ ذكَرَ الفَرْقَ بيْنَ الطَّلاقِ وبيْنَ الحلِفِ بالطَّلاقِ القاضي أبو الوَليدِ هِشامُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ هِشامٍ الأَزْدِيُّ القُرطُبيُّ في كِتابِه «مُفيد الحُكَّامِ فيما يعرضُ لهُم مِنْ نَوازِلِ الأحكامِ» فقالَ في كِتابِ الطَّلاقِ مِنْ ديوانِه وقَد ذكَرَ اختِلافَ أصحابِ مالِكٍ في الأيمانِ اللَّازِمةِ ثمَّ قالَ: ولا يَنبغِي أنْ تُتَلقَّى هذهِ المَسألةُ هكذا تَلقِّيًا تَقليديًّا إلَّا أنْ يشمَّها نُورُ الفَهمِ ويُوضِّحُها لسانُ البُرهانِ، وأنا أُشيرُ لكَ إلى نُكتةٍ تَسعَدُ بالغَرَضِ فيها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، مِنها: الفَرقُ بيْنَ الطَّلاقِ إيقاعًا وبيْنَ اليَمينِ بالطَّلاقِ، وفي «المُدَوَّنة» كِتابانِ مَوضوعانِ: أحَدُهما لنَفسِ الطَّلاقِ، والثَّاني للأيمانِ بالطَّلاقِ، ووَراءَ هذا الفَنِّ فِقهٌ على الجُملةِ، وذلكَ أنَّ الطَّلاقَ صُورَتُه في الشَّرعِ: حَلٌّ وارِدٌ على عَقدٍ، واليَمينُ بالطَّلاقِ عَقدٌ، فلْيُفهَمْ هذا، وإذا كانَ عَقدًا لَم يَحصُلْ منهُ حَلٌّ إلَّا أنْ تَنقلَه مِنْ مَوضِعِ العقدِ إلى مَوضِعِ الحَلِّ نيَّةٌ؛ ليَخرُجَ بها اللَّفظُ مِنْ حَقيقتِه إلى كِنايتِه، فقَدْ نَجَمَتْ هذهِ المَسألةُ في أيَّامِ الحَجَّاجِ بعْدَ أنِ استَقلَّ الشَّرعُ بأصُولِه وفُروعِه وحَقائقِه ومَجازاتِه في أيمانِ البَيْعةِ، وليسَ في أيمانِ الطَّلاقِ إلَّا ما أذكُرُه لكَ، وذلكَ أنَّ الطَّلاقَ على ضَربَينِ: صَريحٌ وكِنايةٌ.

стр. 10620

فالصَّريحُ: كُلُّ لَفظٍ استَقلَّ بنَفسِه في إثباتِ حُكمِه تحديدًا. والكِنايةُ على ضَربَينِ: كِنايةٌ غالِبةٌ وكِنايةٌ غَيرُ غالِبةٍ. فالغالِبةُ: كُلُّ ما أشعَرَ بثُبوتِ الطَّلاقِ في مَوضُوعِ اللُّغةِ أو الشَّرعِ، كقولِه: «الحَقِي بأهلِكِ، واعَتدِّي». وغَيرُ الغالِبةِ: كُلُّ ما لا يُشعِرُ بثُبوتِ الطَّلاقِ في وَضعِ اللُّغةِ والشَّرعِ، كقَولِه: «ناوِلينِي الثَّوبَ، وقالَ: أردْتُ بذلكَ الطَّلاقَ». فإذا عَرضْنا لفْظَ الأيمانِ على صَريحِ الطَّلاقِ لم تَكنْ مِنْ قِسمِه، وإنْ عَرضْناها على الكِنايةِ لَم تَكنْ مِنْ قِسمَيها، إلَّا بقَرينةٍ مِنْ شاهدٍ حالٍ أو جارِي عُرفٍ أو نيَّةٍ تُقارِنُ اللَّفظَ، فإنِ اضطَربَ شاهِدُ الحالِ أو جارِي العُرفِ باحتِمالٍ يَحتمِلُه فقَدْ تَعذَّرَ الوُقوفُ على النِّيةِ، ولا يَنبغِي لحاكمٍ ولا لغَيرِه أنْ يمدَّ القَلمَ في فَتوى حتَّى يَتأمَّلَ مِثلَ هذهِ المَعاني، فإنَّ الحُكمَ إنْ لم يقَعْ مُستوضَحًا عَنْ نُورٍ فِكريٍّ مُشعِرٍ بالمَعنَى المَربوطِ اضمَحلَّ. ثمَّ قالَ: وأنا ذاكِرٌ لكَ ما بَلَغنِي في هذهِ اليَمينِ مِنْ كَلامِ العُلماءِ ورَأيتُه مِنْ أقوالِ الفُقهاءِ، وهيَ يَمينٌ مُحدَثةٌ لَم تقَعْ في الصَّدرِ الأوَّلِ. ثمَّ ذكَرَ اختِلافَ أهلِ العِلمِ في الحلِفِ بالأيمانِ اللَّازِم، والمَقصودُ: أنهُ ذكَرَ الفَرْقَ الفِطْريَّ العَقليَّ الشَّرعيَّ بيْنَ إيقاعِ الطَّلاقِ والحلِفِ بالطَّلاقِ، وأنهُما بابانِ مُفتَرِقانِ بحَقائقِهما ومَقاصِدِهما وألفاظِهِما، فيَجبُ افتِراقُهما حُكمًا.

стр. 10621

أمَّا افتِراقُهُما بالحَقيقةِ: فما ذكَرَه مِنْ أنَّ الطَّلاقَ حَلٌّ وفَسخٌ واليَمينَ عُقدٌ والتِزامٌ، فهُمَا إذَنْ حَقيقتانِ مُختلِفتانِ، قالَ تعالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. ثمَّ أشارَ إلى الافتِراقِ في الحُكمِ بقَولِه: وإذا كانَتِ اليَمينُ عَقدًا لَم يَحصُلْ بها حَلٌّ إلَّا أنْ يُنقَلَ مِنْ مَوضِعِ العَقدِ إلى مَوضِعِ الحَلِّ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ الشَّارعِ لَم يَنقلْها مِنَ العَقدِ إلى الحَلِّ، فيَجبُ بَقاؤُها على ما وُضِعَتْ عليهِ، نَعمْ لَو قصَدَ الحالِفُ بها إيقاعَ الطَّلاقِ عِنْدَ الحِنثِ فقَدِ استَعملَها في العَقدِ والحَلِّ، فتَصيرُ كِنايةً في الوُقوعِ، وقَد نَواهُ فيقَعُ بهِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذا العَقدَ صالِحٌ للكِنايةِ، وقَدِ اقتَرَنتْ به النِّيةُ فيَقعُ الطَّلاقُ، أمَّا إذا نَوَى مُجرَّدَ العَقدِ ولم يَنوِ الطَّلاقَ البَتةَ، بل هو أَكرهُ شيءٍ إليهِ، فلم يَأتِ بما يَنقلُ اليَمينَ مِنْ مَوضُوعِها الشَّرعيِّ، ولا نقَلَها عنهُ الشَّارعُ، فلا يَلزمُه غَيرُ مُوجَبِ الأيمانِ، فلْيَتأمَّلِ المُنصِفُ العالِمُ هذا الفَرْقِ ويُخرِج قَلبَهُ ساعَةً مِنَ التَّعصُّبِ والتَقليدِ واتِّباعِ غَيرِ الدَّليلِ. والمَقصودُ: أنَّ بابَ اليَمينِ وبابَ الإيقاعِ مُختلِفانِ في الحَقيقةِ والقَصدِ واللَّفظِ، فيَجبُ اختِلافُهُما في الحُكمِ، أمَّا الحَقيقةُ فمَا تَقدَّمَ. وأمَّا القَصدُ: فلِأنَّ الحالِفَ مَقصودُه الحَضُّ والمَنعُ أو التَّصديقُ أو التَّكذيبُ، والمُطلِّقُ مَقصودُه التَّخلُّصُ مِنْ الزَّوجةِ مِنْ غَيرِ أنْ يَخطُرَ ببالِه حَضٌّ ولا مَنعٌ ولا تَصديقٌ ولا تَكذيبٌ، فالتَّسويَةُ بيْنَهما لا يَخفَى حالُها.

стр. 10622

وأمَّا اختِلافُهما لَفظًا: فإنَّ لفْظَ اليَمينِ لا بُدَّ فيها مِنِ التِزامٍ قَسَميٍّ يأتي فيهِ بجَوابِ القسَمِ، أو تَعليقٍ شَرطيٍّ يَقصدُ فيهِ انتِفاءَ الشَّرطِ والجَزاءِ، أو وُقوعَ الجَزاءِ على تَقديرِ وُقوعِ الشَّرطِ، وإنْ كانَ يَكرهُه ويَقصِدُ انتِفاءَه فالمُقدَّمُ في الصُّورةِ الأُولَى مُؤخَّرٌ في الثَّانيةِ، والمَنفيُّ في الأُولى ثابتٌ في الثَّانيةِ، ولَفظُ الإيقاعِ لا يَتضمَّنُ شيئًا مِنْ ذلكَ، ومَن تَصوَّرَ هذا حَقَّ التَّصوُّرِ جزَمَ بالحَقِّ في هذهِ المَسألةِ، واللهُ المُوفِّقُ (١). الطَّريقَةُ السَّادسةُ: أنْ يَزولَ المُعنَى الَّذي كانَتِ اليَمينُ لأجْلِه، فإذا فعَلَ المَحلوفَ عَليهِ بعْدَ ذلكَ لَم يَحنَثْ؛ لأنَّ امتِناعَه باليَمينِ إنَّما كانَ لعِلَّةٍ، فيَزولُ بزَوالِها، وهذا مُطَّرِدٌ على أصُولِ الشَّرعِ وقَواعدِ مَذهبِ أحمَدَ وغَيرِه ممَّن يَعتبِرُ النِّيةَ والقَصدَ في اليَمينِ تَعميمًا وتَخصيصًا وإطلاقًا وتَقييدًا، فإذا حلَفَ: «لا أُكلِّمُ فُلانةَ» وكانَ سبَبُ اليَمينِ الَّذي هَيَّجَها كَونُها أجنبيَّةً يَخافُ الوُقوعَ في عَرضِه بكَلامِها فتَزوَّجَها لم يَحنَثْ بكَلامِها؛ إعمالًا لسَببِ اليَمينِ وما هَيَّجَها في التَّقييدِ بكَونِها أجنبيَّةً، هذا إذا لَم يَكنْ لهُ نيَّةٌ ما دامَتْ كذلكَ، أمَّا إذا كانَتْ لهُ نيَّةٌ فلا إشكالَ في تَقييدِ اليَمينِ بها، ونَظيرُه: أنْ يَحلِفَ لا يُكلِّمُ فُلانًا ولا يُعاشِرُه لكَونِه صَبيًّا فصارَ رَجلًا، وكانَ نيَّتُه وسَببُ يَمينِه لأجْلِ صِباهُ، ونَظيرُه: أنْ يَحلِفَ: «لا دَخلْتُ هذهِ الدَّارَ» لأجْلِ مَنْ يَظنُّ بهِ التَّهمةَ لدُخولِها، فماتَ أو سافَرَ فدخَلَها لَم يَحنَثْ، وبذلكَ أَفتَى أبو حَنيفةَ

стр. 10623

وأبو يُوسفَ؛ مَنْ حلَفَ: «لا دخَلْتُ دارَ فُلانٍ هذهِ ولا كَلَّمتُ عبْدَه هذا» فباعَ فُلانٌ العَبدَ والدَّارَ. ونَظيرُ هذا: أنْ يَحلِفَ لا يُكلِّمُ فُلانًا، والحامِلُ لهُ على اليَمينِ كَونُه تارِكًا للصَّلاةِ أو مُرابِيًا أو خَمَّارًا أو والِيًا، فتابَ مِنْ ذلكَ كُلِّهِ وزالتِ الصِّفةُ الَّتي حلَفَ لأجْلِها لَم يَحنثْ بكَلامِه. وكذلكَ إذا حَلَفَ: «لا تَزوجَّتُ فُلانةَ» والحامِلُ لهُ على اليَمينِ صِفةٌ فيها مِثلَ كَونهَا بَغيًّا أو غَيرَ ذلكَ، فزالَتْ تِلكَ الصِّفةُ لَم يَحنَثْ بتَزوُّجِها. كُلُّ هذا مُراعاةً للمَقاصِدِ الَّتي الألفاظُ دالَّةٌ عليها، فإذا ظهَرَ القَصدُ كانَ هوَ المُعتبَرَ، ولهذا لو حلَفَ: «لَيَقضينَّه حقَّهُ في غَدٍ» وقَصدُه أو السَّببُ: أنْ لا يُجاوِزَه، فقَضاهُ قبْلَه لم يَحنَثْ، ولَو حَلفَ: لا يَبيعُ عبْدَه إلَّا بألفٍ فباعَهُ بأكثَرَ لَم يَحنَثْ، ولو حَلَفَ أنْ لا يَخرُجَ مِنَ البَلدِ إلَّا بإذنِ الواليِ والنِّيةُ أو السَّببُ يَقتضِي التَّقييدَ ما دامَ كذلكَ؛ فعُزِلَ لم يَحنَثْ بالخُروجِ بغَيرِ إذنِهِ. وكذلكَ لَو حلَفَ على زَوجتِه أو عَبدِه أو أَمَتِه أنْ لا تَخرُجَ إلَّا بإذنِهِ، فطلَّقَ أو أَعتَقَ أو باعَ لَم يَحنَثْ بخُروجِهم بغَيرِ إذنِه؛ لأنَّ اقتِضاءَ السَّببِ والقَصدَ بتَقييدٍ في غايةِ الظُّهورِ، ونَظائرُ ذلكَ كَثيرةٌ جدًّا. وسائِرُ الفُقهاءِ يَعتبرونَ ذلكَ، وإنْ خالَفُوهُ في كَثيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وهذا هوَ الصَّوابُ؛ لأنَّ الألفاظ إنَّما اعتُبِرتْ لدَلاتِها على المَقاصِدِ، فإذا ظهَرَ القَصدُ كانَ الاعتِبارُ لهُ وتَقيَّدَ اللَّفظُ بهِ، ولهذا لو دُعِيَ إلى غَداءٍ فحلَفَ لا

стр. 10624

يَتغدَّى تَقيَّدَتْ يَمينُه بذلكَ الغَداءِ وحْدَهُ؛ لأنَّ النِّيةَ والسَّببَ ومَناطَ اليَمينِ لا يَقتَضِي غيْرَهُ. وقد أخبَرَ النَّبيُّ «أنَّ الأعمالَ بالنِّياتِ، وإنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى»، وما لَم يَنوِه بيَمينِه أو كانَ السَّببُ لا يَقتضيهِ؛ لا يَجوزُ أنْ يُلزمَ بهِ معَ القَطعِ بأنهِ لَم يُرِدْه ولا خطَرَ على بالهِ. وقَد أفتَى غَيرُ واحِدٍ مِنَ الفُقهاءِ -مِنهم ابنُ عَقيلٍ وشَيخُنا وغَيرُهما- فيمَن قيلَ لهُ: «إنَّ امرَأتَكَ قَدْ خرَجَتْ مِنْ بَيتِكَ، أو قَدْ زَنَتْ بفُلانٍ» فقالَ: «هيَ طالِقٌ» ثمَّ تَبيَّنَ لهُ أنها لَم تَخرُجْ مِنَ البَيتِ، وأنَّ الَّذي رُمِيَتْ بهِ في بَلدٍ بَعيدٍ لا يُمكِنُ وُصولُه إليها، أو أنهُ حِينَ رُمِيَتْ بهِ كانَ مَيتًّا ونَحوُ ذلكَ ممَّا يَعلمُ بهِ أنها لَم تَزْنِ؛ فإنهُ لا يقَعُ عليهِ الطَّلاقُ؛ لأنهُ إنَّما طلَّقَها بِناءً على هذا السَّببِ، فهو كالشَّرطِ في طَلاقِها. وهذا الَّذي قالوهُ هوَ الَّذي لا يَقتضِي المَذهبُ وقَواعِدُ الفِقهِ غيْرَه، فإنهُم قد قالوا: لو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «أردْتُ إنْ قُمتِ» دُيِّنَ ولَم يقَعْ بهِ الطَّلاقُ، فهذا مِثلُه سَواءٌ، ونَظيرُ هذا ما قالوهُ: إنَّ المُكاتِبَ لو أدَّى إلى سَيِّدِه المالَ فقالَ: «أنتَ حُرٌّ» فبانَ أنَّ المالَ الَّذي أعطاهُ مُستَحقٌّ أو زُيوفٌ لم يَقعِ العِتقُ وإنْ كانَ قَدْ صرَّحَ بهِ، ذكَرَه أصحابُ أحمَدَ والشَّافعيِّ؛ لأنهُ إنَّما أعتَقَه بِناءً على سَلامةِ العِوَضِ ولَم يَسلَمْ لهُ، وقَواعِدُ الشَّريعةِ كُلُّها مَبنيَّةٌ على أنَّ الحُكمَ إذا ثبَتَ لعِلَّةٍ يَزولُ بزَوالِها، وأمثِلةُ ذلكَ أكثَرُ مِنْ أنْ تُحصَرَ، فهذهِ الطَّريقةُ تُخلِّصُ مِنْ كَثيرٍ مِنَ الحِنثِ.

стр. 10625

وإذا تأمَّلتَ هذهِ الطُّرُقَ لَرَأيتَ -أيَّتها سَلكْتَ- أحسَنَ مِنْ طُرقِ الحِيَلِ الَّتي يَتحيَّلونَ بها على عَدمِ الحِنثِ … (١). وقالَ في «إعلام المُوَقِّعِينَ»: ومِن هذا البابِ اليَمينُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ، فإنَّ إلزامَ الحالِفَ بهما إذا حنَثَ بطلاقِ زَوجَتِه وعِتقِ عَبدِه ممَّا حدَثَ الإفتاءُ بهِ بعْدَ انقِراضِ عَصرِ الصَّحابةِ؛ فلا يُحفَظُ عَنْ صَحابيٍّ في صِيغةِ القسَمِ إلزامُ الطَّلاقِ بهِ أبَدًا، وإنَّما المَحفوظُ إلزامُ الطَّلاقِ بصِيغةِ الشَّرطِ والجَزاءِ الَّذي قُصِدَ بهِ الطَّلاقُ عِنْدَ وُجودِ الشَّرطِ، كما في «صَحِيح البُخاريِّ» عَنْ نافِعٍ قالَ: طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ البتَّةَ إنْ خَرجَتْ، فقالَ ابنُ عُمرَ: «إنْ خَرجَتْ فقَدْ بانَتْ مِنهُ، وإنْ لَم تَخرُجْ فلَيسَ بشيءٍ»، فهذا لا يُنازِعُ فيهِ إلَّا مَنْ يَمنعُ وُقوعَ الطَّلاقِ المُعلَّقِ بالشَّرطِ مُطلَقًا. وأمَّا مَنْ يَفصِلُ بيْنَ القسَمِ المَحضِ والتَّعليقِ الَّذي يُقصَدُ بهِ الوُقوعُ فإنهُ يَقولُ بالآثارِ المَروِيَّةِ عنِ الصَّحابةِ كُلِّها في هذا البابِ، فإنهُم صحَّ عَنهمُ الإفتاءُ بالوُقوعِ في صُوَرٍ، وصَحَّ عَنهم عَدمُ الوُقوعِ في صُوَرٍ، والصَّوابُ ما أَفتَوا بهِ في النَّوعَينِ، ولا يُؤخَذُ ببَعضِ فتاوِيهمْ ويُتْركُ بَعضُها. فأمَّا الوُقوعُ فالمَحفوظُ عَنهُم ما ذكَرَه البُخاريُّ عَنِ ابنِ عُمرَ وما رَواهُ الثَّوريُّ عَنِ الزُّبَيرِ بنِ عَربيٍّ عن إبراهيمَ عنِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ في رَجلٍ قالَ لامرَأتِه: «إنْ فَعلْتِ كذا وكذا فهيَ طالِقٌ» ففَعلَتْه، قالَ: «هيَ واحِدةٌ وهوَ

стр. 10626

أحقُّ بهَا»، على أنَّه مُنقطِعٌ، وكذلكَ ما ذكَرَه البَيهَقيُّ وغَيرُه عنِ ابنِ عبَّاسٍ في رَجلٍ قالَ لامرَأتِه: «هيَ طالِقٌ إلى سَنةٍ» قالَ: «يَستَمتِعُ بها إلى سَنةٍ» ومِن هذا قَولُ أبي ذَرٍّ لامرَأتِه وقَد أَلحَّتْ عَليهِ في سُؤالِه عَنْ لَيلةِ القَدرِ فقالَ: إنْ عُدتِ سَألْتِني فأنتِ طالِقٌ. وهَهُنا نُكتةٌ لَطيفةٌ يَحسُنُ التَّنبيهُ عليها، وهيَ أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ النَّبيَّ ﷺ عَنْ لَيلةِ القَدرِ وألَحَّ عليهِ، حَتَّى قالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ في آخِرِ مَسألتِه: «التَمِسُوها في العَشرِ الأواخِرِ ولا تَسألْنِي عن شيءٍ بعْدَ هذا»، ثمَّ حدَّثَ النَّبيَّ ﷺ وحدَّثَ قالَ: فاهتَبلْتُ غَفلَتَهُ فقُلتُ: أقسَمْتُ عليكَ يا رَسولَ اللهِ بحَقِّي عليكَ لتُحدِّثنِّي في أيِّ العَشرِ هيَ، قالَ: فغَضبَ عَليَّ غضَبًا ما غَضِبَ عَليَّ مِنْ قَبلُ ولا مِنْ بَعدُ، ثمَّ قالَ: التَمِسوهَا في السَّبعِ الأواخِرِ ولا تَسأَلني عَنْ شيءٍ بَعدُ» ذكَرُه النَّسائيُّ والبَيهقيُّ، فأصابَ أبا ذَرٍّ مِنِ امرَأتِه وإلحاحِها عليهِ ما أَوجَبَ غَضَبَه وقالَ: إنْ عُدتِ سَألْتِني فأنتِ طالِقٌ. فهذِه جَميعُ الآثارِ المَحفوظَةِ عَنِ الصَّحابةِ في وُقوعِ الطَّلاقِ المُعلَّقِ. وأمَّا الآثارُ عنهُم في خِلافِه فصَحَّ عَنْ عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ وحَفصةَ وأمِّ سلَمةَ فيمَن حَلفَتْ بأنَّ كُلَّ مَملوكٍ لها حرٌّ إنْ لَم تُفرِّقْ بيْنَ عَبدِها وبيْنَ امرَأتِه؛ أنَّها تُكفِّرُ عن يَمينِها ولا تُفرِّقُ بَيْنَهُما … (١).

стр. 10627

حكمُ تعليقِ الطَّلاقِ على أمرٍ مُستَقبلٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا علَّقَ طَلاقَ زَوجَتِه على أمرٍ مُحتَملٍ وُقوعُه غَيرُ غالِبٍ كدُخولِ دارٍ ك: «إنْ دَخلْتِ الدَّارِ أو كَلَّمتِ زَيدًا فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ قَدِمَ زيدٌ فأنتِ طالِقٌ، أو إنْ أكلْتِ أو شَربْتِ أو لَبستِ فأنتِ طالِقٌ» فلا يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ، وانتَظرَ حُصولَ المَحلوفِ عليهِ، فإنْ حصَلَ لَزمَ، وإلَّا فلا. إلَّا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو عَلَّقَ الطَّلاقَ على أمرٍ مُستَقبلٍ مُحقَّقِ الوُقوعِ عَقلًا كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إذا طَلعَتِ الشَّمسُ، أو دخَلَ رَمضانُ» أو غالِبٍ وُقوعُه أو مَشكوكٍ في حُصولِه في الحالِ ويُمكِنُ الاطِّلاعُ عليهِ بعدُ أو لا يُمكِنُ؛ هل يُنجَّزُ الطَّلاقُ عليهِ في الحالِ؟ أم لا يقَعُ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الشَّرطِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيةُ والحنابِلةُ إلى أنهُ إذا علَّقَ طلاقَ امرَأتِه بشَرطٍ غَيرِ مُستحيلٍ لَم يقَعِ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الشَّرطِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، ولأنهُ علَّقَ الطَّلاقَ على شَرطٍ غَيرِ مُستحيلٍ؛ فلَم يَقعِ الطَّلاقُ قبْلَ وُجودِ الشَّرطِ، كما لو علَّقَه على قُدومِ زَيدٍ. ولأنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ كانَ يقولُ في الرَّجلِ يَقولِ لامرأتِهِ: «أنتِ طالِقٌ إلى رأسِ السَّنةِ» قالَ: «يَطَأُ فيما بيْنَه وبيْنَ رأسِ السَّنةِ» (١).

стр. 10628

ولأنهُ إزالةُ مِلكٍ يَصحُّ تَعليقُه بالصِّفاتِ، فمتى عَلَّقَه بصِفةٍ لم يقَعْ قبْلَها كالعِتقِ، ولأنهُ تَعليقٌ للطَّلاقِ بصِفةٍ لم تُوجَدْ فلم يَقعْ، كما لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ إذا قَدِمَ الحاجُّ»، وليسَ هذا تَوقيتًا للنِّكاحِ، وإنَّما هوَ تَوقيتٌ للطَّلاقِ، وهذا لا يُمنَعُ، كما أنَّ النِّكاحَ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ مُعلَّقًا بشَرطٍ، والطَّلاقُ يَجوزُ فيهِ التَّعليقِ (١). وذهبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا علَّقَ الطَّلاقَ على أمرٍ مُستقبلٍ مُحقَّقِ الوُقوعِ عَقلًا كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إذا طَلعَتِ الشَّمسُ، أو إنْ دخَلَ رَمضانُ، أو طالِقٌ بعْدَ سَنةٍ» أو غالبٍ وُقوعُه أو مَشكوكٍ في حُصولِه في الحالِ ويُمكِنُ الاطِّلاعُ عليهِ بعْدُ أو لا يُمكِنُ؛ فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ في الحالِ، وبَيانُه كما يلي: ١ - إنْ عَلَّقَ الطَّلاقَ بمُحقَّقِ الوُقوعِ عادةً وكانَ يَبلُغُه عُمرُهما مَعًا عادةً بأنْ كانَ أقلَّ مِنْ مُدَّةِ التَّعميرِ، كقَولِه لها: «أنتِ طالِقٌ بعدَ سَنةٍ مَثلًا»، فبَعديَّةُ السَّنةِ أمرٌ مُحقَّقٌ عادةً ويَبلغُه عُمرُهما عادةً، فيُنجَّزُ عليهِ مِنَ الآنِ، بخِلافِ بعدَ ثمَانينَ سَنةٍ، أو «أنتِ طالِقٌ يومَ مَوتي أو قبْلَه بساعَةٍ» فيُنجَّزُ عليهِ الآنَ؛

стр. 10629

لأنهُ حِينئذٍ شَبيهٌ بنِكاحِ المُتعةِ؛ لأنه جعَلَ حِلِّيَّةَ فَرجِها إلى وقتٍ مَعلومٍ يَبلغُه عمُرُه في ظاهرِ الحالِ، فلأجْلِ ذلكَ نُجِّزَ عليهِ، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يقولَ: «قبْلَ مَوتي بشَهرٍ أو «قبْلَ مُوتِكِ». وأمَّا إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ بعْدَ مَوتي أو مَوتِكِ، أو: إنْ مُتُّ» فلا شيءَ عليهِ؛ إذْ لا طلاقَ بعْدَ مَوتٍ. فيُشتَرطُ لوُقوعِه بُلوغُهما مَعًا إلى هذهِ المُدَّةِ، أمَّا إنْ كانَ يُشبِهُ بُلوغَ أحَدِهما إليهِ دُونَ الآخَرِ فلا يُنجَّزُ؛ لأنه إذا كانَ كُلٌّ مِنَ الزَّوجَينِ يَبلغُ الأجَلَ ظاهِرًا صار شَبيهًا بنِكاحِ المُتعةِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، وأمَّا إنْ كانَ يَبلغُه أحَدُهما فقَطْ فلا يأتي الأجَلُ إلَّا والفُرقةُ حاصِلةٌ بالمَوتِ، فلَم يُشبهِ المُتعةَ حِينئذٍ. فالأقسامُ أربَعةٌ: إمَّا أنْ يَكونَ ذلكَ الأجَلُ ممَّا يَبلُغُه عُمرُهما؛ فهذا يَلزمُ، أو يَكونَ ممَّا لا يَبلغُه عُمرُهما أو يَبلغُه عُمرُه أو عُمرُها؛ فهذِه الثَّلاثةُ لا شيءَ عليهِ فيها؛ إذْ لا تَطلُقُ مَيِّتةٌ ولا يُؤمَرُ ميِّتٌ بطلاقٍ. أو قالَ لها: «إنْ أمطَرَتِ السَّماءُ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ؛ إذِ المَطرُ أمرٌ واجِبٌ عادةً. أو: «إنْ لم أمَسَّ السَّماءَ فأنتِ طالِقٌ»، فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ؛ إذْ عَدَمُ مَسِّه لها مُحقَّقٌ عادةً؛ لأنهُ ليسَ في قُدرتَهِ، والأوَّلُ يَمينُ بِرٍّ، والثَّاني حِنثٌ. أو: «إنْ قُمْت أو قامَ زَيدٌ أو جلَسْت أو أكَلْت أو جلَسَ أو أكَلَ زَيدٌ» مِنْ كُلِّ فِعلٍ لا صَبْرَ للإنسانِ عَنهُ فيُنجَّزُ عليهِ في يَمينِ البِرِّ، بخِلافِ الحِنثِ نَحوُ:

стр. 10630

«إنْ لَم أقُمْ وإنْ لم آكُلْ» فيُنتَظَرُ كما يُنتَظَرُ في البِرِّ ممَّا للإنسانُ الصَّبْرُ عنهُ نحوُ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارَ». ٢ - أو عَلَّقَه بمُحقَّقٍ -أي واجِبٍ- شَرعًا ك: «إنْ صَلَّيتُ أو صُمتُ رَمضانَ فأنتِ طالِقٌ»، فيُنجَّزُ عَليهِ مِنَ الآنَ، وسَواءٌ صَلَّى الخمْسَ أو صَامَ رَمضانَ أم لَا؛ لِوُجوبِهِ عَليهِ شرْعًا، ومِثلُه: «إنْ صلَّى زَيدٌ». ٣ - أو عَلَّقَهُ بغالِبٍ وُقوعُه ك: «إنْ حِضْتِ أو حاضَتْ هِندُ» وقالَهُ لغَيرِ آيِسةٍ مِنَ الحَيضِ -وهيَ من شَأنها الحَيضُ- أو صَغيرةٍ يُتوقَّعُ مِنها الحَيضُ ولو بعْدَ عَشرِ سِنينَ؛ فيُنجَّزُ عليهِ، بخِلافِ ما لو قالَهُ لآيِسةٍ فلا شيءَ عليهِ؛ لأنَّ الحَيضَ في حقِّها مِنَ المُمتنِعِ عادةً. ٤ - أو عَلَّقَه بما لا يُعلَمُ حَالًا -أي: في حالِ التَّعليقِ بأنْ كانَ مَشكوكًا في الحالِ وإنْ كانَ يُعلَمُ في المآلِ- كقَولِه لحامِلٍ مُحقَّقةِ الحَملِ: «إنْ كانَ في بَطنِكِ غُلامٌ، أو: إنْ لم يَكنْ في بَطنِكِ غُلامٌ -أي ذَكَرٌ- فأنِتِ طالِقٌ» فيُنجَّزُ عليهِ ولا يُنتظَرُ ما في بَطنِها؛ للشَّكِ حِينَ اليَمينِ، ولا بقاءِ على فَرجٍ مَشكوكٍ. أو قالَ لها: «إنْ كانَ في هذهِ اللَّوزَةِ قَلْبانِ، أو: إنْ لَم يَكنْ فأنتِ طالِقٌ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ؛ للشَّكِ حالَ اليَمينِ، ونحوُ: «إنْ كانَتْ هذهِ البِطِّيخةُ حُلوةً، أو: إنْ لَم تكنْ» أو قالَ: «إنْ كانَ فُلانٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ، أو: إنْ لم يَكنْ مِنْ أهلِها فأنتِ طالِقٌ» للشَّكِ في الحالِ فيُنجَّزُ عليهِ، ما لم يكنْ مَقطوعًا بأنهُ مِنْ أهلِها كأحَدِ العَشَرةِ الكِرامِ ونَحوِهم ممَّنْ ورَدَ النَّصُّ فيهِم بدُخولِ الجنَّةِ.

стр. 10631

أو قالَ لغَيرِ ظاهِرةِ الحَملِ: «إنْ كُنْتِ حامِلًا، أو: إنْ لم تَكوني حامِلًا فأنتِ طالِقٌ» فيُنجَّزُ عليهِ؛ للشَّكِّ في الحَملِ وعَدمِه، وحُمِلَتِ المَرأةُ على البَراءةِ مِنَ الحَملِ إذا كانَتْ حالَ يَمينِه في طُهْرٍ لَم يَمَسَّ فيهِ، وحِينئذٍ فلا حِنثَ عليهِ في يَمينِ البِرِّ وهوَ: «إنْ كُنْتِ حامِلًا فأنتِ طالِقٌ»، بخِلافِ يَمينِ الحِنثِ وهو: «إنْ لَم تكوني إلخ» فيَحنَثُ؛ للعِلمِ بعَدمِ حَمْلِها. ٥ - أو عَلَّقَ بما لا يَمكِنُ اطِّلاعُنا عليهِ حالًا ومآلًا كمَشيئةِ اللهِ أو المَلائكةِ أو الجِنِّ، كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو إنْ شاءَتِ الجِنُّ، أو إلَّا أنْ يَشاءَ اللهُ … إلخ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ؛ لأنَّ مَشيئةَ مَنْ ذُكِرَ لا اطِّلاعَ لنا عليها، بخِلافِ: «إنْ شاءَ زيدٌ، أو إلَّا أنْ يَشاءَ زَيدٌ» فتُنتَظرُ مَشيئتُه. ٦ - أو عَلَّقَ بمُحتمَلٍ وُقوعُه -أي مُمكِنٍ لِكنْ ليسَ في وُسعِنا- ك: «إنْ لَم تُمطِرِ السَّماءُ في هذا الشَّهرِ، أو غَدًا، أو في هذا اليومِ -بأنْ قَيَّدَ بزَمنٍ يُمكِنُ فيهِ الوُجودُ والعَدمُ- فأنتِ طالِقٌ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ في يَمينِ الحِنثِ كما ذكَرْنا، بخِلافِ يَمينِ البِرِّ ك: «إنْ أَمطرَتِ السَّماءُ في هذا الشَّهرِ مَثلًا فأنتِ طالِقٌ» فيُنتظَرُ؛ فإنْ أمطَرَتْ في الأجَلِ المَذكورُ طَلُقَتْ وإلَّا فلا على الأرجَحِ، وهوَ قولُ الأكثَرِ، ومُقابِلُه يُنجَّزُ كالحِنثِ. ٧ - أو عَلَّقَه بمُحرَّمٍ بصِيغةِ حِنثٍ ك: «إنْ لَم أَزْنِ أو أشرَبِ الخَمرَ فأنتِ طالِقٌ» فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ لَكنْ بحُكمِ حاكِمٍ في هذا الفَرعِ، إلَّا أنْ يَتحقَّقَ فِعلُ المُحرَّمِ قبْلَ التَّنجيزِ فلا شيءَ عليهِ؛ لانحِلالِ يَمينِه.

стр. 10632

وحَيثُ احتاجَ لحُكمٍ فلو أخبَرُه مُفتٍ بوُقوعِ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ حُكمٍ فاعتَدَّتْ زَوجَتُه وتَزوَّجَتْ ثمَّ فعَلَ المَحلوفَ عليهِ المُحرَّمَ فإنَّ زَوجَتُه تُرَدُّ لعِصمةِ الأوَّلِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: أمَّا تَعليقُ الطَّلاقِ بوَقتٍ يَجِيءُ لا مَحالةَ كرَأسِ الشَّهرِ والسَّنةِ وآخِرِ النَّهارِ ونَحوِه فللفُقهاءِ في ذلكَ أربَعةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنها لا تَطلُقُ بحالٍ، وهذا مَذهبُ ابنِ حَزمٍ واختيارُ أبي عَبدِ الرَّحمَنِ الشَّافعيِّ، وهوَ مِنْ أجَلِّ أصحابِ الوُجوهِ. وحُجَّتُهم: أنَّ الطَّلاقَ لا يَقبلُ التَّعليقَ بالشَّرطِ كما لا يَقبَلُه النِّكاحُ والبَيعُ والإجارةُ والإبراءُ. قالُوا: والطَّلاقُ لا يَقعُ في الحالِ ولا عِنْدَ مَجيءِ الوَقتِ، أمَّا في الحالِ فلأنهُ لَم يُوقِعْه مُنجَّزًا، وأمَّا عِنْدَ مَجيءِ الوَقتِ فلأنهُ لم يَصدُرْ مِنهُ طلاقٌ حِينئذٍ ولَم يَتجدَّدْ سِوى مَجيءُ الزَّمانِ، ومَجيءُ الزَّمانِ لا يَكونُ طلاقًا. وقابَلَ هذا القولَ آخرُونَ وقالُوا: يَقعُ الطَّلاقُ في الحالِ، وهذا مَذهبُ مالِكٍ وجَماعةٍ مِنَ التَّابعِينَ.

стр. 10633

وحُجَّتُهم أنْ قالوا: لَو لَم يَقعْ في الحالِ لَحَصلَ مِنهُ استباحةُ وَطءٍ مُؤقَّتٍ، وذلكَ غَيرُ جائِزٍ في الشَّرعِ؛ لأنَّ استباحةَ الوَطءِ فيهِ لا تكونُ إلَّا مُطلَقًا غيْرَ مُؤقَّتٍ، ولهذا حَرُمَ نِكاحُ المُتعةِ لدُخولِ الأجَلِ فيهِ، وكذلكَ وَطءُ المُكاتِبةِ، أَلا تَرَى أنهُ لَو عَرى مِنَ الأجَلِ بأنْ يقولَ: «إنْ جِئتِني بألفِ دِرهمٍ فأنتِ حُرَّةٌ» لم يَمنعْ ذلكَ الوَطءَ. قالَ المُوقِعونَ عِنْدَ الأجَلِ: لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ حُكمُ الدَّوامِ مِنْ حُكمِ الابتِداءِ؛ فإنَّ الشَّريعةَ فرَّقَتْ بيْنَهما في مَواضِعَ كَثيرةٍ، فإنَّ ابتِداءَ عَقدِ النِّكاحِ في الإحرامِ فاسِدٌ دُونَ دَوامِه، وابتداءَ عَقدِه على المُعتدَّةِ فاسِدٌ دُونَ دَوامِه، وابتِداءَ عَقدِه على الأمَةِ معَ الطَّولِ وعَدمِ خَوفِ العَنَتِ فاسِدٌ دُونَ دَوامِه، وابتداءَ عَقدِه على الزَّانيةِ فاسِدٌ عِنْدَ أحمدَ ومَن وافَقَه دُونَ دَوامِه، ونَظائرُ ذلكَ كَثيرةٌ جِدًّا. قالوا: والمَعنَى الَّذي حَرُمَ لأجْلِه نِكاحُ المُتعةِ كَونُ العَقدِ مُؤقَّتًا مِنْ أصلِه، وهذا العَقدُ مُطلَقٌ، وإنما عرَضَ لهُ ما يُبطِلُه ويَقطعُه، فلا يَبطُلُ، كما لو عَلَّقَ الطَّلاقَ بشَرطٍ وهو يَعلَمُ أنها تَفعلُه أو يَفعلُه هوَ ولا بُدَّ ولكنْ يَجوزُ تَخلُّفُه. والقَولُ الثَّالثُ: أنهُ إنْ كانَ الطَّلاقُ المُعلَّقُ بمَجيءِ الوَقتِ المَعلومِ ثلاثًا وقَعَ في الحالِ، وإنْ كانَ رَجعيًّا لم يَقعْ قبْلَ مَجيئِه، وهذا إحدَى الرِّوايتينِ عنِ الإمامِ أحمَدَ، نَصَّ عليهِ في رِوايةِ مُهَنَّا: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ

стр. 10634

ثلاثًا قبْلَ مَوتي بشَهرٍ» هيَ طالِقٌ الساعةَ، كانَ سَعيدُ بنُ المُسيّبِ والزُّهريُّ لا يُوقِّتونَ في الطَّلاقِ، قالَ مُهَنَّا: فقُلتُ لهُ: أَفتَتزوَّجُ هذهِ الَّتي قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا قبْلَ مَوتي بشَهرٍ»؟ قالَ: لا، ولكنْ يُمسِكُ عنِ الوَطءِ أبدًا حتَّى يَموتَ. هذا لَفظُه. وهو في غايةِ الإشكالِ؛ فإنهُ قد أوقَعَ عليها الطَّلاقَ مُنجَّزًا، فكيفَ يَمنعُها مِنْ التَّزويجِ؟ وقَولُه: «يُمسِكُ عنِ الوَطءِ أبدًا» يَدلُّ على أنها زَوجَتَه إلَّا أنهُ لا يَطؤُها، وهذا لا يَكونُ معَ وُقوعِ الطَّلاقِ؛ فإنَّ الطَّلاقَ إذا وقَعَ زالَتْ أحكامُ الزَّوجيَّةِ كُلُّها. فقَدْ يُقالُ: أخَذَ بالاحتِياطِ فأوقَعَ الطَّلاقَ ومَنعَها مِنَ التَّزويجِ للخِلافِ في ذلكَ، فحَرَّمَ وطْأَها وهوَ أثرُ الطَّلاقِ، ومنَعَها مِنْ التَّزويجِ؛ لأنَّ النِّكاحَ لم يَنقطِعْ بإجماعٍ ولا نَصٍّ. ووَجهُ هذا: أنهُ إذا كانَ الطَّلاقُ ثلاثًا لَم يَحلَّ وَطؤُها بعْدَ الأجَلِ، فيَصيرُ حالُ الوَطءِ مُؤقَّتًا، وإنْ كانَ رَجعيًّا جازَ لهُ وَطؤُها بعْدَ الأجَلِ، فلا يَصيرُ الحالُ مُؤقَّتًا، وهذا أفقَهُ مِنْ القَولِ الأوَّلِ. والقَولُ الرَّابعُ: أنها لا تَطلُقُ إلَّا عِنْدَ مَجيءِ الأجَلِ، وهوَ قولُ الجُمهورِ، وإنَّما تَنازَعُوا: هل هو مُطلِّقٌ في الحالِ ومَجيءُ الوَقتِ شَرطٌ لنُفوذِ الطَّلاقِ؟ كما لَو وَكَّلَه في الحالِ وقالَ: «لا تَتصرَّفْ إلى رأسِ الشَّهرِ» فمَجيءُ رَأسِ

стр. 10635

الشَّهرِ شَرطٌ لنُفوذِ تَصرُّفِه لا لحُصولِ الوَكالةِ، بخِلافِ ما إذا قالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقَدْ وَكَّلتُكَ»، ولهذا يُفرِّقُ الشَّافعيُّ بيْنَهما فيُصحِّحُ الأُولى ويُبطِلُ الثَّانيةَ. أو يُقالُ: ليسَ مُطلِّقًا في الحالِ وإنَّما هوَ مُطلِّقٌ عِنْدَ مَجيءِ الأجَلِ، فيُقدَّرُ حِينئذٍ أنهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ»، فيَكونُ حُصولُ الشَّرطِ وتَقديرُ حَصولِ «أنتِ طالِقٌ» معًا، فعلى التَّقديرِ الأوَّلِ: السَّببُ تَقدَّمَ وتَأخَّرَ شَرطُ تَأثيرِه، وعلى التَّقديرِ الثَّانِي: نَفسُ السَّببِ تأخَّرَ تَقديًرا إلى مَجيءِ الوَقتِ، وكأنهُ قالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فحِينئذٍ أنا قائِلٌ لكِ: أنتِ طالِقٌ»، فإذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ قُدِّرَ قائِلًا لذلكَ اللَّفظِ المُتقدِّمِ. فمَذهبُ الحَنفيَّةِ أنَّ الشَّرطَ يَمتنِعُ بهِ وُجودُ العِلَّةِ، فإذا وُجِدَ الشَّرطُ وُجدَتِ العِلَّةُ، فيَصيرُ وُجودُها مُضافًا إلى الشَّرطِ وقبْلَ تَحقُّقِه لم يكنِ المُعلَّقُ عليهِ علَّةً، بخِلافِ الوُجوبِ؛ فإنهُ ثابِتٌ قبْلَ مَجيءِ الشَّرطِ، فإذا قالَ: «إنْ دَخلْت الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فالعلَّةُ للوُقوعِ التَّلفظُ بالطَّلاقِ والشَّرطُ الدُّخولُ، وتَأثيرُه في امتِناعِ وُجودِ العلَّةِ قبْلَه، فإذا وُجِدَ وُجدَتْ. وأصحابُ الشَّافعيِّ يَقولونَ: أثَرُ الشَّرطِ في تَراخِي الحُكمِ، والعلَّةُ قَدْ وُجدَتْ، وإنَّما تَراخَى تأثيرُها إلى وَقتِ مَجيءِ الشَّرطِ، فالمُتقدِّمُ علَّةٌ قد تأخَّرَ تأثيرُها إلى مَجيءِ الشَّرطِ (١).

стр. 10636

مَنْ حلَفَ على زَوجتِه أنْ لا تَخرُجَ إلا بإذنِهِ: الزَّوجُ إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني، أو بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ، أو قالَ: إنْ خَرجْتِ إلَّا أنْ آذَنَ لكِ، أو حتَّى آذَنَ لكِ، أو إلى أنْ آذَنَ لكِ» فالحُكمُ في هَذهِ الألفاظِ الخَمسةِ أنها متَى خَرجَتْ بغَيرِ إذنِهِ طَلُقَتْ وانحَلَّتْ يَمينُه؛ لأنَّ حرْفَ «أنْ» لا يَقتَضِي تَكرارًا، فإذا حنَثَ مرَّةً انحَلَّتْ كما لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئْتِ»، وإنْ أَذِنَ لها فخَرجَتْ لم يَحنَثْ بلا رَيبٍ؛ لعَدمِ المُخالَفةِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بيْنَ الفُقهاءِ (١). وأمَّا لو أَذِنَ لها ثمَّ خَرجَتْ بإذنِهِ ثمَّ خَرجَتْ بعْدَ ذلكَ بغَيرِ إذنِهِ هل تَطلُقُ أم لا؟ فهذا لا يَخلُو مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ: القِسمُ الأوَّلُ: ما اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّها تَنعقِدُ على مرَّةٍ واحِدةً ولا تُوجِبُ التَّكرارَ، وذلكَ لفْظَتَا «إلى» و «حتى»، فإذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ إنْ خَرجْتِ إلى أنْ آذَنَ لكِ، أو حتَّى آذَنَ لكِ» فتَنعقِدُ يَمينُه على خُروجِها مرَّةً واحِدةً بإذنِه، فإنْ خَرجَتْ مرَّةً واحِدةً بإذنِه بَرَّ وانحَلَّتْ يَمينُه، ولا يَحنَثُ وإنْ خَرجَتْ بعْدَ ذلكَ بغَيرِ إذنِه. والقِسمُ الثَّاني: ما اتَّفقُوا على أنَّها تَنعقِدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ،

стр. 10637

وهيَ لفظَةٌ واحِدةٌ، وذلكَ قَولُه: «كُلمَّا دَخلْتِ الدَّارَ بغَيرِ إِذني فأنتِ طالِقٌ»، فلَفظةُ «كُلمَّا» مَوضوعةٌ للتَّكرارِ، فبِرُّه يكونُ بإذنِه لها في كُلِّ مرَّةٍ، وحِنثُه يكونَ بأنْ لا يأذَنَ لها في كُلِّ مرَّةٍ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً بغَيرِ إذنِه حنَثَ وطَلُقَتْ واحِدةً ولم تَسقُطْ يَمينُه، وإنْ خَرجَتْ ثالثةً بغَيرِ إذنهِ حنَثَ وطَلُقَتْ ثالثةً وسَقطَتْ يَمينُه بعْدَها؛ لاستيفاءِ ما ملَكَه مِنْ طلاقِها، ولو أَذِنَ لها بالخُروجِ ثلاثَ مرَّاتٍ مِنْ ثَلاثِ خَرَجاتٍ بَرَّ ولَم تَنحلَّ يَمينُه؛ لبَقاءِ الطَّلاقِ، فإنْ خَرجَتْ رابِعةٍ بغَيرِ إذنِه طَلُقَتْ، فيُقدَّرُ الحِنثُ بالثَّلاثِ، ولم يَتقدَّرْ بها البِرُّ؛ لاعتِبارِ الحِنثِ بما ملَكَه مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، فلو خَرجَتْ مرَّةً بإذنِه وثانيةً بغَيرِ إذنِه وثالِثةً بإذنِه ورابِعةً بغَيرِ إذنِه بَرَّ في خَرْجَتينِ: الأُولى والثَّالثةِ، وحنَثَ في خَرجَتَينِ: في الثَّانيةِ والرَّابعةِ، ثمَّ على هذهِ العِبرةِ. والقِسمُ الثَّالثُ: ما اختُلفَ فيهِ: هل تَنعقِدُ يَمينُه على مرَّةٍ واحِدةٍ؟ أم على التَّكرارِ؟ وذلكَ فيما عدَا القِسمَينِ الماضِيَينِ مِنْ الألفاظِ، وهيَ خَمسةُ ألفاظٍ: أحَدُها: «إنْ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ إلَّا بإذني فأنتِ طالِقٌ». والثَّانيةُ: «إنْ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ إلَّا أنْ آذَنَ لكِ فأنتِ طالِقٌ». والثَّالثةُ: «إنْ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ». والرَّابعةُ: «أيَّ وقتٍ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ». والخامِسةُ: «متَى خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ».

стр. 10638

فاختَلفُوا في انعِقادِ اليَمينِ بهذهِ الألفاظِ، هل تُوجِبُ التَّكرارَ في البِرِّ والحِنثِ؟ على ثَلاثةِ مَذاهبَ للفُقهاءِ: المذهَبُ الأوَّلُ: وهوَ مَذهبُ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ أنها تَنعقِدُ على مرَّةٍ واحدَةٍ في البِرِّ والحِنثِ، ولا تُوجِبُ التَّكرارَ في بِرٍّ ولا حِنثٍ، فإنْ خَرجَتْ مرَّةً واحِدةً بإذنٍ بَرَّ وانحَلَّتِ اليَمينُ، ولا يَحنَثُ إنْ خَرجَتْ بعْدَ ذلكَ بغَيرِ إذنٍ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً واحِدةً بغَيرِ إذنٍ حنَثَ وسقَطَتِ اليَمينُ، ولا يَعودُ الحِنثُ إنْ خَرجَتْ بعْدَه بغَيرِ إذنٍ. لأن كُلَّ يَمينٍ اشتَملَتْ على مَنعٍ وتَمكينٍ وجَبَ أنْ يكونَ البِرُّ فيها مُقابِلًا للحِنثِ في وُجوبِ التَّكرارِ وسُقوطِه، كالمَعقودُ بلَفظِ الغايَةِ في سُقوطِ التَّكرارِ، وكالمَعقودةِ ب «كُلَّما» في وُجوبِ التَّكرارِ. ولأنَّ البِرَّ والحِنثَ في الأيمانِ مُعتبَرانِ بالعَقدِ، فإنْ أوجَبَ تَكرارِ المَنعِ والتَّمكينِ أوجَبَ تَكرارَ البِرِّ والحِنثِ، وإنْ لم يُوجِبْ تَكرارَهُما لم يَتكرَّرْ البِرِّ والحِنثِ، ولَفظُ التَّكرارِ مَعدومٌ في قَولِه: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني»، فانعَقدَ على مرَّةٍ، ومَوجودٌ في قَولِه: «كُلَّما خَرجْتِ بغَيرِ إذني»، فانعَقدَ على كُلِّ مرَّةٍ، ألَا تَراهُ لو قالَ لها: «إنْ خَرجْتِ بإذني فأنتِ طالِقٌ» انعَقدَتْ على مرَّةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجْتِ بإذني فأنتِ طالِقٌ» انعَقدَتْ على مرَّةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجْتِ بإذني» انعَقدَتْ على التَّكرارِ وما انعَقدَتْ

стр. 10639

عليهِ اليَمينُ، سواءٌ في البِرِّ والحِنثِ، في التَّكرارِ والانفِرادِ؛ لأنَّ عقْدَها إنْ قابَلَتْ مُقتَضاها كانَ حُكمُها مَقصورًا عليهِ (١). والمذهَبُ الثَّاني: وهو مَذهبُ المالكيَّةِ في المَشهورِ والحَنابلةِ في المَذهبِ أنها تَنعقِدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً بإذنٍ بَرَّ ولم يَنحلَّ اليَمينُ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً بغَيرِ إذنٍ حنَثَ ولم تَسقُطِ اليَمينُ؛ لأنَّه علَّقَ الطَّلاقَ على شَرطٍ وقدْ وُجدَ، فيَقعُ الطَّلاقُ كما لَو لم تَخرجْ بإذنِه (٢). قالَ الحنابلةُ: إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ خَرجْتِ حتَّى آذَنَ لكِ فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها فخَرجَتْ ثمَّ خَرجَتْ بغَيرِ إذنِه طَلُقَتْ؛ لأنَّ «خَرجْتِ» نكِرةٌ في سياقِ الشَّرطِ، وهيَ تَقتضِي العُمومَ، فقَدْ صدَقَ أنها خَرجَتْ بغَيرِ إذنِه، إلَّا أنْ يَنويَ الإذنَ مرَّةً ويأذَنَ لها فيهِ ثُمَّ تَخرجُ بعدُ فلا حِنثَ، أو يَقولَ الإذنَ مرَّةً بلَفظِه بأنْ يقولَ: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني مرَّةً فأنتِ طالِقٌ»؛ فإذا أَذِنَ فيهِ مرَّةً لم يَحنَثْ بخُروجِها بعدُ بغَيرِ إذنِه، وأمَّا إنْ قالَ: «إنْ خَرجْتِ مرَّةً بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها في الخُروجِ ثمَّ خَرجَتْ بغَيرِ إذنهِ حنَثَ؛ لأنَّ

стр. 10640

الخُروجَ الثَّاني خُروجٌ غَيرُ مأذونٍ فيهِ، وهوَ مَحلوفٌ عَليهِ، أشبَهَ ما لو خَرجَتِ ابتِداءً بغَيرِ إذنِه. فإنْ أَذِنَ لها في الخُروجِ كُلَّما شاءَتْ بأنْ قالَ لها: «اخرُجي كُلَّما شِئْتِ» لَم تَطلُقْ بخُروجِها؛ للإذنِ العامِّ، فلم تَخرُجْ إلَّا بإذنِه (١). والمذهَبُ الثَّالثُ: وهوَ مذهَبُ الحَنفيَّةِ، قالوا: إذا حلَفَ على امرَأتِه بالطَّلاقِ أنْ لا تَخرُجَ حتَّى يأذَنَ لها فأَذِنَ لها مرَّةً سقَطَتِ اليَمينُ؛ لأنَّ «حتَّى» للغايَةِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٥]، واليَمينُ يَتوقَّتُ بالتَّوقيتِ، ومِن حُكمِ الغايةِ أنْ يكونَ ما بعْدَها بخِلافِ ما قبْلَها، فإذا انتَهتِ اليَمينُ بالإذنِ مرَّةً لم يَحنَثْ بعْدَ ذلكَ وإنْ خَرجَتْ بغَيرِ إذنِه، إلَّا أنْ يَنويَ الإذنَ في كُلِّ مرَّةٍ، فحِينئذٍ يَكونُ مُشدِّدًا الأمرَ على نَفسِه بلفظٍ يَحتمِلُه. ولو قالَ: «لا تُخرُجي إلَّا بإذني» فلا بُدَّ مِنْ الإذنِ لكُلِّ مرَّةٍ، حتَّى إذا خرَجَتْ مرَّةً بغَيرِ إذنِه حنَثَ؛ لأنَّه استَثنَى خُروجًا بصِفةٍ، وهوَ أنْ يكونَ بإذنِه، فإنَّ «الباءَ» للإلصاقِ، فكُلُّ خُروجٍ لا يكونُ بتِلكَ الصِّفةِ كانَ شَرط الحنثِ، ومعنى كَلامِه: «إلَّا مُستَأذِنةً»، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] أي مَأمُورِينَ بذلكَ، ونَظيرُه: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بقِناعٍ، أو إلَّا

стр. 10641

بمَلاءَةٍ»، فإذا خَرجَتْ مرَّةً بغَيرِ قِناعٍ أو بغَيرِ مَلاءةٍ حنَثَ، ولا يَحنَثُ بخُروجِها بوُقوعِ غرقٍ أو حرقٍ غالِبٍ فيها. إلَّا أنَّه إنْ نوَى الإذنَ مرَّةً صُدِّقَ دِيانةً؛ لأنهُ مُحتمَلُ كَلامِه، لا قَضاءً؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ، وهو قَولُ أبي يُوسفَ وعليهِ الفَتوَى، والحِيلةُ في ذلكَ أنْ يقولَ لها: «كُلَّما أردْتِ الخُروجَ فقدْ أَذِنْتُ لكِ». فأمَّا إذا قالَ: «إلَّا أنْ آذَنَ لها» فهذا بمَنزلتِه، حتَّى إذا وُجِدَ الإذنُ مرَّةً لا يَبقَى اليَمينُ فيهِ؛ لأنَّ «إلَّا أنْ» بمَعنى «حتَّى» فيما يَتوقَّتُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، أي أنْ يُحاطَ بكُم (١). إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجْتِ إلى غَيرِ الحمَّامِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالقٌ» فخَرجَتْ إلى الحمَّامِ ثمَّ عَدَلَتْ إلى غَيرِه؟ إذا قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: «إنْ خَرجْتِ إلى غَيرِ الحمَّامِ، أو إلى غيرِ عِيادةِ المريضِ، أو إلى غيرِ المكانِ الفُلاني بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» فخَرجَتْ إلى الحمَّامِ أو إلى ذلكَ المكانِ ثمَّ عَدَلَتْ إلى غَيرِه، هل تَطلُقُ أم لا؟ هذا على ثَلاثةِ أضرُبٍ: الضَّربُ الأولُ: أنْ تَخرجَ إلى الحمَّامِ ثمَّ تَعدِلَ إلى غَيرِ الحمَّامِ، فلا

стр. 10642

حِنثَ عليهِ؛ اعتِبارًا بقَصدِ الخُروجِ أنَّه كانَ إلى الحمَّامِ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلةِ في وَجهٍ. وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يَحنثُ؛ لأنَّ قصْدَه في الغالِبِ ألَّا تَذهبَ إلى غَيرِ الحمَّامِ وعِيادةِ المَريضِ، وقَد ذَهبَتْ إلى غَيرِهما، ولأنَّ حُكمَ الاستِدامةِ حُكمُ الابتِداءِ. والضَّربُ الثَّاني: أنْ تَخرجَ إلى غَيرِ الحمَّامِ ثمَّ تَعدِلَ إلى الحمَّامِ، فيَحنَثُ؛ اعتِبارًا بقَصدِ الخُروجِ أنَّه كانَ إلى غَيرِ الحمَّامِ عندَ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ. والضَّربُ الثَّالثُ: أنْ تَخرجَ جامِعةً في قصْدَها بيْنَ الحمَّامِ وغَيرِ الحمَّامِ، فإنَّه يَحنثُ عِنْدَ الشَّافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ خُروجَها إلى غَيرِ الحمَّامِ مَوجودٌ، فلَم يَمنعِ اقتِرانُه بالخُروجِ إلى الحمَّامِ مِنْ وُقوعِ الحِنثِ بهِ، ولأنها إذا خَرجَتْ للحمَّامِ وغَيرِه فقَدْ صدَقَ عليها أنَّها خَرجَتْ إلى غَيرِ الحمَّامِ أو خَرجَتْ إلى الحمَّامِ. والوَجهُ الثَّاني عندَ الشَّافعيةِ: لا يَحنثُ بهِ؛ تَغليبًا لِمَا لا يُوجِبُ الحِنثَ على ما يُوجِبُه. وهذا خَطأٌ، ألَا تَراهُ لو قالَ لها: «إنْ كلَّمْتِ زَيدًا فأنتِ طالِقٌ» فكَلَّمتْ زَيدًا وعَمرًا معًا طَلُقَتْ ولَم يَمنعْ كَلامُها لعَمرٍو مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ بكَلامِها لزَيدٍ؟ (١).

стр. 10643

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قلتُ): أرأَيتَ إنْ حلَفَ رَجلٌ أنْ لا يأذَنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلَّا في عيادةِ مَريضٍ، فأَذِنَ لها فخَرجَتْ في عِيادةِ مَريضٍ، ثمَّ عرَضَتْ لها حاجَةٌ غيرُ العِيادةِ وهيَ عندَ المَريضِ فذَهبَتْ فيها، أيَحنَثُ الزَّوجُ أم لا؟ قالَ: لا يَحنَثُ، (قلتُ): أرأَيتَ إنْ حلَفَ أنْ لا يأذَنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلَّا في عِيادةِ مَريضٍ، فخَرجَتْ مِنْ غَيرِ أنْ يأذَنَ لها إلى الحمَّامِ أو إلى غَيرِ ذلكَ، أيَحنَثُ أم لا؟ (قالَ): لا يَحنَثُ في رَأيي؛ لأنَّ الزَّوجَ لم يأذَنْ لها إلى حيثُ خرجَتْ، إلَّا أنْ يَعلمَ بذلكَ فيَتركَها، فإنْ هوَ حينَ يَعلمُ بذلكَ لم يَتركُها فإنَّه لا يَحنثُ، (قلتُ): فإنْ لم يَعلمْ حتَّى فرَغَتْ مِنْ ذلكَ ورَجعَتْ؟ (قالَ): لا حِنثَ عَليهِ في رَأيي، (قالَ سحنونٌ): وقدْ ذكَرَ عَنْ رَبيعةَ شَيئًا مِثلَ هذا، أنَّه حانِثٌ في غَيرِ العِيادةِ إذا أقَرَّها؛ لأنَّه قد كانَ يَقدِرُ على ردِّها، فلمَّا ترَكَها فإنَّه أَذِنَ لها في خُروجِها (١). إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولم تَعلَمْ فخَرجَتْ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولم تَعلَمْ فخَرجَتْ، هل يَحنَثُ وتَطلُقُ أم لا؟

стр. 10644

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا قالَ لها: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولَم تَعلمْ فخَرجَتْ فإنها تَطلُقُ؛ لأنَّ قصْدَه «لا تَخرُجِي إلَّا بسَببِ إذني»، وقد صَدَقَ عليها أنها خَرجَتْ بغَيرِ سَببِ إذنِه، ولأنَّ الإذنَ حُكمٌ مِنْ أفعالِ أحكامِ المُكلَّفينَ يَتعلَّقَ بقائلٍ ومَقُولٍ له، فوجَبَ إذا فُعِلَ عارِيًا مِنْ عِلمِ فاعلِه بثُبوتِ ذلكَ الحُكمِ لهُ أنْ لا يُحكَمَ لفاعِلِه بأنَّه فعَلَه على ذلكَ الوجهِ، أصلُه الأمرُ والنَّهيُ، ولأنَّ مَنْ حلَفَ على امرَأتِه ألَّا تَخرجَ إلَّا بإذنِه فمَفهومُ ذلكَ مَنعُها مِنْ الافتِياتِ عليهِ وزَجرُها مِنْ اعتِقادِها أنها لا تلزمُ مُراعاة إذنِه وقَصرها على التَّصرفِ بيْنَ أمرِه ونهيِهِ فقطْ، وإذا كانَ هذا هو الغَرضَ وكانَ ذلكَ لا يُوجَدُ إلَّا مع عِلمِها بالإذنِ كانَ مَضمومًا إليهِ ومَشروطًا معهُ، فإذا وقَعَ عارِيًا منهُ وجَبَ أنْ يحنثَ بهِ، ولأنَّ الخُروجَ وُجِدَ مِنها على الصِّفةِ الَّتي كانَ عليها قبْلَ الإذنِ مِنِ اعتِقادِ الافتِياتِ عليهِ، فأشبَهَ أنْ تَخرجَ قبْلَ إذنِه. ولأنَّ الإذنَ إعلامٌ، وكذلكَ قيلَ في قولِه تعالَى: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أَعلَمْتُكم، فاستَويَا في العِلمِ، ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: إعلامٌ، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلَمُوا بهِ، واشتِقاقُه مِنْ الإذنِ، يَعني أوقَعْتُه في إذنِكَ وأعلَمْتُكَ بهِ، ومعَ عدمِ العِلمِ لا يكونُ إعلامًا فلا يَكونُ إذنًا، ولأنَّ إذْنَ الشَّارعِ في أوامِرِه ونواهِيه لا يَثبتُ

стр. 10645

إلَّا بعْدَ العِلمِ بها، كذلكَ إذنُ الآدَميِّ، وعلى هذا يمنعُ وجود الإذنِ مِنْ جِهتِه (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ وأبو يُوسفُ مِنْ الحنفيَّةِ ومالكٌ في رِوايةٍ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا حلفَ بطَلاقِها أنْ لا تَخرجَ إلَّا بإذنِه وخَشِيَ أنْ تَخرجَ بغَيرِ إذنِه عندَ الغَضبِ فاحتالَ وأَذِنَ لها مِنْ حَيثُ لا تَعلَمُ فخَرجَتْ بعْدَ ذلكَ لم يَحنَثْ ولا تَطلُقُ؛ لأنها خَرجَتْ بعْدَ وُجودِ الإذنِ مِنْ جِهتِه، فلَم يَحنَثْ كما لو عَلمَتْ به، ولأنَّه لو عزَلَ وكيلَه انعزَلَ وإنْ لم يَعلمْ بالعَزلِ، فكذلكَ تَصيرُ مأذونًا لها وإنْ لم تَعلمْ. ولأنَّ الأذنَ يَختصُّ بالآذِنِ، والعِلمَ بهِ مُختَصُّ بالمأذُونِ لها، وشَرطُ يَمينِه إنَّما كانَ مَعقودًا على ما يَختصُّ بهِ مِنْ الإذنِ دونَ ما يَختصُّ بها مِنْ العِلمِ، أَلَا تَرى أنَّ اسمَ الإذنِ يَنطلقُ على إذنِه دُونَ عِلمِها، فوجَبَ أنْ يكونَ تَفرُّدُه بالإذنِ مُوجِبًا لوُجودِ الشَّرطِ، فلا يَقعُ بهِ الحِنثُ، كما لو قالَ: «إنْ قُمْتُ فأنتِ طالِقٌ» طَلُقَتْ بقِيامِه وإنْ لم تَعلمْ. ولأنهُ لو كانَ العِلمُ شَرطًا في الإذنِ لَكانَ وُجودُه مِنْ الحالِفِ شَرطًا فيهِ،
следующие страницы →