بمَلاءَةٍ»، فإذا خَرجَتْ مرَّةً بغَيرِ قِناعٍ أو بغَيرِ مَلاءةٍ حنَثَ، ولا يَحنَثُ بخُروجِها بوُقوعِ غرقٍ أو حرقٍ غالِبٍ فيها.
إلَّا أنَّه إنْ نوَى الإذنَ مرَّةً صُدِّقَ دِيانةً؛ لأنهُ مُحتمَلُ كَلامِه، لا قَضاءً؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ، وهو قَولُ أبي يُوسفَ وعليهِ الفَتوَى، والحِيلةُ في ذلكَ أنْ يقولَ لها: «كُلَّما أردْتِ الخُروجَ فقدْ أَذِنْتُ لكِ».
فأمَّا إذا قالَ: «إلَّا أنْ آذَنَ لها» فهذا بمَنزلتِه، حتَّى إذا وُجِدَ الإذنُ مرَّةً لا يَبقَى اليَمينُ فيهِ؛ لأنَّ «إلَّا أنْ» بمَعنى «حتَّى» فيما يَتوقَّتُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، أي أنْ يُحاطَ بكُم (١).
إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجْتِ إلى غَيرِ الحمَّامِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالقٌ» فخَرجَتْ إلى الحمَّامِ ثمَّ عَدَلَتْ إلى غَيرِه؟
إذا قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: «إنْ خَرجْتِ إلى غَيرِ الحمَّامِ، أو إلى غيرِ عِيادةِ المريضِ، أو إلى غيرِ المكانِ الفُلاني بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» فخَرجَتْ إلى الحمَّامِ أو إلى ذلكَ المكانِ ثمَّ عَدَلَتْ إلى غَيرِه، هل تَطلُقُ أم لا؟ هذا على ثَلاثةِ أضرُبٍ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ تَخرجَ إلى الحمَّامِ ثمَّ تَعدِلَ إلى غَيرِ الحمَّامِ، فلا
стр. 10642
حِنثَ عليهِ؛ اعتِبارًا بقَصدِ الخُروجِ أنَّه كانَ إلى الحمَّامِ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلةِ في وَجهٍ.
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يَحنثُ؛ لأنَّ قصْدَه في الغالِبِ ألَّا تَذهبَ إلى غَيرِ الحمَّامِ وعِيادةِ المَريضِ، وقَد ذَهبَتْ إلى غَيرِهما، ولأنَّ حُكمَ الاستِدامةِ حُكمُ الابتِداءِ.
والضَّربُ الثَّاني: أنْ تَخرجَ إلى غَيرِ الحمَّامِ ثمَّ تَعدِلَ إلى الحمَّامِ، فيَحنَثُ؛ اعتِبارًا بقَصدِ الخُروجِ أنَّه كانَ إلى غَيرِ الحمَّامِ عندَ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ.
والضَّربُ الثَّالثُ: أنْ تَخرجَ جامِعةً في قصْدَها بيْنَ الحمَّامِ وغَيرِ الحمَّامِ، فإنَّه يَحنثُ عِنْدَ الشَّافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ خُروجَها إلى غَيرِ الحمَّامِ مَوجودٌ، فلَم يَمنعِ اقتِرانُه بالخُروجِ إلى الحمَّامِ مِنْ وُقوعِ الحِنثِ بهِ، ولأنها إذا خَرجَتْ للحمَّامِ وغَيرِه فقَدْ صدَقَ عليها أنَّها خَرجَتْ إلى غَيرِ الحمَّامِ أو خَرجَتْ إلى الحمَّامِ.
والوَجهُ الثَّاني عندَ الشَّافعيةِ: لا يَحنثُ بهِ؛ تَغليبًا لِمَا لا يُوجِبُ الحِنثَ على ما يُوجِبُه.
وهذا خَطأٌ، ألَا تَراهُ لو قالَ لها: «إنْ كلَّمْتِ زَيدًا فأنتِ طالِقٌ» فكَلَّمتْ زَيدًا وعَمرًا معًا طَلُقَتْ ولَم يَمنعْ كَلامُها لعَمرٍو مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ بكَلامِها لزَيدٍ؟ (١).
стр. 10643
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قلتُ): أرأَيتَ إنْ حلَفَ رَجلٌ أنْ لا يأذَنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلَّا في عيادةِ مَريضٍ، فأَذِنَ لها فخَرجَتْ في عِيادةِ مَريضٍ، ثمَّ عرَضَتْ لها حاجَةٌ غيرُ العِيادةِ وهيَ عندَ المَريضِ فذَهبَتْ فيها، أيَحنَثُ الزَّوجُ أم لا؟ قالَ: لا يَحنَثُ، (قلتُ): أرأَيتَ إنْ حلَفَ أنْ لا يأذَنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلَّا في عِيادةِ مَريضٍ، فخَرجَتْ مِنْ غَيرِ أنْ يأذَنَ لها إلى الحمَّامِ أو إلى غَيرِ ذلكَ، أيَحنَثُ أم لا؟ (قالَ): لا يَحنَثُ في رَأيي؛ لأنَّ الزَّوجَ لم يأذَنْ لها إلى حيثُ خرجَتْ، إلَّا أنْ يَعلمَ بذلكَ فيَتركَها، فإنْ هوَ حينَ يَعلمُ بذلكَ لم يَتركُها فإنَّه لا يَحنثُ، (قلتُ): فإنْ لم يَعلمْ حتَّى فرَغَتْ مِنْ ذلكَ ورَجعَتْ؟ (قالَ): لا حِنثَ عَليهِ في رَأيي، (قالَ سحنونٌ): وقدْ ذكَرَ عَنْ رَبيعةَ شَيئًا مِثلَ هذا، أنَّه حانِثٌ في غَيرِ العِيادةِ إذا أقَرَّها؛ لأنَّه قد كانَ يَقدِرُ على ردِّها، فلمَّا ترَكَها فإنَّه أَذِنَ لها في خُروجِها (١).
إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولم تَعلَمْ فخَرجَتْ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولم تَعلَمْ فخَرجَتْ، هل يَحنَثُ وتَطلُقُ أم لا؟
стр. 10644
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا قالَ لها: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها ولَم تَعلمْ فخَرجَتْ فإنها تَطلُقُ؛ لأنَّ قصْدَه «لا تَخرُجِي إلَّا بسَببِ إذني»، وقد صَدَقَ عليها أنها خَرجَتْ بغَيرِ سَببِ إذنِه، ولأنَّ الإذنَ حُكمٌ مِنْ أفعالِ أحكامِ المُكلَّفينَ يَتعلَّقَ بقائلٍ ومَقُولٍ له، فوجَبَ إذا فُعِلَ عارِيًا مِنْ عِلمِ فاعلِه بثُبوتِ ذلكَ الحُكمِ لهُ أنْ لا يُحكَمَ لفاعِلِه بأنَّه فعَلَه على ذلكَ الوجهِ، أصلُه الأمرُ والنَّهيُ، ولأنَّ مَنْ حلَفَ على امرَأتِه ألَّا تَخرجَ إلَّا بإذنِه فمَفهومُ ذلكَ مَنعُها مِنْ الافتِياتِ عليهِ وزَجرُها مِنْ اعتِقادِها أنها لا تلزمُ مُراعاة إذنِه وقَصرها على التَّصرفِ بيْنَ أمرِه ونهيِهِ فقطْ، وإذا كانَ هذا هو الغَرضَ وكانَ ذلكَ لا يُوجَدُ إلَّا مع عِلمِها بالإذنِ كانَ مَضمومًا إليهِ ومَشروطًا معهُ، فإذا وقَعَ عارِيًا منهُ وجَبَ أنْ يحنثَ بهِ، ولأنَّ الخُروجَ وُجِدَ مِنها على الصِّفةِ الَّتي كانَ عليها قبْلَ الإذنِ مِنِ اعتِقادِ الافتِياتِ عليهِ، فأشبَهَ أنْ تَخرجَ قبْلَ إذنِه.
ولأنَّ الإذنَ إعلامٌ، وكذلكَ قيلَ في قولِه تعالَى: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أَعلَمْتُكم، فاستَويَا في العِلمِ، ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: إعلامٌ، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلَمُوا بهِ، واشتِقاقُه مِنْ الإذنِ، يَعني أوقَعْتُه في إذنِكَ وأعلَمْتُكَ بهِ، ومعَ عدمِ العِلمِ لا يكونُ إعلامًا فلا يَكونُ إذنًا، ولأنَّ إذْنَ الشَّارعِ في أوامِرِه ونواهِيه لا يَثبتُ
стр. 10645
إلَّا بعْدَ العِلمِ بها، كذلكَ إذنُ الآدَميِّ، وعلى هذا يمنعُ وجود الإذنِ مِنْ جِهتِه (١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ وأبو يُوسفُ مِنْ الحنفيَّةِ ومالكٌ في رِوايةٍ والحَنابلةُ في وجهٍ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا حلفَ بطَلاقِها أنْ لا تَخرجَ إلَّا بإذنِه وخَشِيَ أنْ تَخرجَ بغَيرِ إذنِه عندَ الغَضبِ فاحتالَ وأَذِنَ لها مِنْ حَيثُ لا تَعلَمُ فخَرجَتْ بعْدَ ذلكَ لم يَحنَثْ ولا تَطلُقُ؛ لأنها خَرجَتْ بعْدَ وُجودِ الإذنِ مِنْ جِهتِه، فلَم يَحنَثْ كما لو عَلمَتْ به، ولأنَّه لو عزَلَ وكيلَه انعزَلَ وإنْ لم يَعلمْ بالعَزلِ، فكذلكَ تَصيرُ مأذونًا لها وإنْ لم تَعلمْ.
ولأنَّ الأذنَ يَختصُّ بالآذِنِ، والعِلمَ بهِ مُختَصُّ بالمأذُونِ لها، وشَرطُ يَمينِه إنَّما كانَ مَعقودًا على ما يَختصُّ بهِ مِنْ الإذنِ دونَ ما يَختصُّ بها مِنْ العِلمِ، أَلَا تَرى أنَّ اسمَ الإذنِ يَنطلقُ على إذنِه دُونَ عِلمِها، فوجَبَ أنْ يكونَ تَفرُّدُه بالإذنِ مُوجِبًا لوُجودِ الشَّرطِ، فلا يَقعُ بهِ الحِنثُ، كما لو قالَ: «إنْ قُمْتُ فأنتِ طالِقٌ» طَلُقَتْ بقِيامِه وإنْ لم تَعلمْ.
ولأنهُ لو كانَ العِلمُ شَرطًا في الإذنِ لَكانَ وُجودُه مِنْ الحالِفِ شَرطًا فيهِ،
стр. 10646
كما كانَ وُجودُ الإذنِ منهُ شَرطًا فيهِ، فلَّما ثبَتَ أنها لو عَلمَتْ به مِنْ غَيرِه صحَّ، ولو أَذِنَ لها غَيرُه لم يَصحَّ، دَلَّ على خُروجِه مِنْ حُقوقِ الإذنِ، وصَحَّ بمُجرَّدِ القَولِ.
ولأنَّه قَدْ حظَرَ الخُروجَ عليها باليَمينِ، وأباحَ لها الخُروجَ بالإذنِ، فصارَ عَقدُها جامِعًا بيْنَ حَظرٍ وإباحَةٍ، والاستِباحةُ إذا صادَفَتْ إباحةً لم يَعلمْ بها المُستَبيحُ جرَى عليها حُكمُ الإباحةِ دُونَ الحَظرِ، كمَنِ استباحَ مالَ رَجلٍ قد أباحَ لهُ وهوَ لا يَعلمُ بإباحتِه، جرَى على المالِ المُبتدِئِ حُكمُ الإباحَةِ؛ اعتِبارًا بالمُبيحِ، ولَم يَجْرِ عليهِ الحَظرُ؛ اعتِبارًا بالمُستَبيحِ، كذلكَ حُكمُ هَذهِ الخُروجِ، وتَحريرُه: أنَّها استِباحةٌ بعْدَ إباحَةٍ، فلَم يَكنْ فقْدُ العِلمِ بها مُؤثِّرًا في حُكمِها كالمالِ.
ولأنها لا تَعلمُ بإذنِه؛ لبُعدِها تَارةً، ولنَومِها أُخرَى، وقدْ وافَقُوا أنَّه لو أَذِنَ لها وهيَ نائِمةٌ فخَرجَتْ غيْرَ عالِمةٍ بإذنِه لم يَحنَثْ، كذلِكَ إذا أَذِنَ لها وهيَ بَعيدةٌ فلَم تَعلمْ بإذنِه حتَّى خَرجَتْ وجَبَ أنْ لا يَحنَثَ، وتَحريرُه: أنها يَمينٌ تَعلَّقَ البِرُّ فيها بالإذنِ، فوجَبَ أنْ لا يكونَ عَدمُ العِلمِ بهِ مُوجِبًا للحِنثِ كالنَّائمةِ والنَّاسيةِ (١).
стр. 10647
شُروطُ صحَّةِ التَّعليقِ:
يُشتَرطُ لوُقوعِ الطَّلاقِ المُعلَّقِ على شَرطٍ ما يَلي:
١ - أنْ يكونَ الشَّرطُ المُعلَّقُ عليهِ مَعدومًا عِنْدَ الطَّلاقِ، وعلى خطَرِ الوُجودِ في المُستقبَلِ، أي مُتردِّدًا بيْنَ أنْ يكونَ وأنْ لا يكونَ، فإنْ كانَ الشَّرطُ مَوجودًا عِنْدَ التَّعليقِ -كما إذا قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ كانَ أخُوكِ مَعنَا الآنَ» وهوَ مَعهُما- فإنهُ طلاقٌ صَحيحٌ مُنجَّزٌ يقَعُ للحالِ وليسَ مُعلَّقًا.
فأمَّا إنْ كانَ مُحقَّقَ الوُقوعِ -كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ كانَ السَّماءُ فَوقَنا، أو: أنتِ طالِقٌ إنْ كُنْتِ حامِلًا» وكانَتْ حامِلًا- فهو تَنجيزٌ عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ.
وإنْ عَلَّقَه بشيءٍ مُستحيلِ الوُقوعِ -ك: «إنْ دخَلَ الجمَلُ في سَمِّ الخِياطِ فأنتِ طالِقٌ» - فلا يَقعُ عِنْدَ الحَنفيَّةِ والحَنابلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ غرَضَه منهُ تَحقيقُ المَنفيِّ حَيثُ عَلَّقَه بأمرٍ مُحالٍ؛ لأنَّ الشَّرطَ للحَملِ والمَنعِ، وهو لا يُتصوَّرُ فيهِ.
وذهَبَ المالِكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يقَعُ مُنجَّزًا في الحالِ (١).
стр. 10648
٢ - أنْ يكونَ التَّعليقُ مُتَّصِلًا بالكَلامِ، فإنْ فصَلَ عَنهُ بسُكوتٍ -بأنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ سكَتَ ثمَّ قالَ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارَ» - أو حصَلَ فصلٌ بكَلامٍ أجنبيٍّ -نحوُ: «أنتِ طالِقٌ، ثمَّ قالَ لها: أعطِنِي ماءً، ثمَّ قالَ: إنْ لَم تَدخُلي الدَّارَ» - فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ في الحالِ.
إلَّا إذا كانَ السُّكوتُ لحاجةٍ، كما إذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ تَنفَّسَ للضَّرورةِ ثمَّ قالَ لها: «إنْ دخَلْتِ الدَّارَ، أو دارَ فُلانٍ» فلا يُنجَّزُ عليهِ وهوَ مُعلَّقٌ، ولا يَقعُ إلَّا بدُخولِها الدَّارَ المَحلوفَ عَليها (١).
٣ - أنْ لا يَقصدَ بهِ المُجازاةَ -أي إغاظَتَها بالطَّلاقِ-، فإنْ أرادَ بهِ المُجازاةَ وقَعَ في الحالِ عِنْدَ الشَّافعيَّةِ، كما لَو قالَتْ لزَوجِها: «يا سَفيهُ، أو يا خَسيسُ» فقالَ لها: «إنْ كُنْتُ كذلكَ -أي سَفيهًا أو خَسيسًا- فأنتِ طالِقٌ»، فإنْ أرادَ بذلكَ مُكافأتَها بإسماعِ ما تَكرهُ -أي إغاظَتَها بالطَّلاقِ- كما أغاظَتْه بالشَّتمِ المَكروهِ -والمَعنى: «إنْ كُنْتُ كذلكَ في زَعْمِكِ فأنتِ طالِقٌ» - طَلُقَتْ حالًا، سَواءٌ كانَ سَفيهًا أو خَسيسًا أو لم يكنْ.
وإنْ أرادَ التَّعليقَ اعتُبِرَتِ الصِّفةُ -أي الخِسَّةُ أو السَّفهُ- كما هو سَبيلُ التَّعليقاتِ، فإنْ لم تكنْ مَوجودةً لم تَطلُقْ.
وكذا تُعتبَرُ الصِّفةُ إنْ أطلَقَ بأنْ لَم يَقصِدْ شَيئًا، لا مُكافأتَها ولا غَيرَهُ، في الأصَحِّ؛ نَظرًا لوَضعِ اللَّفظِ فلا تَطلُقُ عِنْدَ عَدمِها.
стр. 10649
والثَّاني: لا تُعتبَرُ الصِّفةُ؛ حَملًا على المُكافأةِ اعتِبارًا بالعُرفِ.
ومَن قيلَ لهُ: «يا زوْجَ القَحْبةِ» فقالَ: «إنْ كانَتْ زَوجَتِي كذا فهي طالِقٌ» طَلُقَتْ إنْ قصَدَ التَّخلُّصَ مِنْ عارِها كما لو قصَدَ المُكافأةَ، وإلَّا اعتُبِرَتِ الصِّفةُ، والقَحبَةُ هيَ البَغيُّ.
فإذا وَصفَتْ زوْجَها بشيءٍ مِنْ ذلكَ فقالَ لها: «إنْ كُنْتُ كذلكَ فأنتِ طالِقٌ» فإنْ قصَدَ مُكافأتَها طَلُقَتْ في الحالِ، وإلا اعتُبِرَ مَوجودَ الصِّفةِ (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: شَرطُ الطَّلاقِ المُعلَّقِ أنْ لا يَقصِدَ بهِ المُجازاةَ، فلو سَبَّتهُ بنَحوِ قَرْطَبانِ وسِفْلَةٍ فقالَ: «إنْ كُنْتُ كمَا قُلتِ فأنتِ طالِقٌ» تَنجَّزَ، سَواءٌ كانَ الزَّوجُ كما قالَتْ أو لم يَكنْ؛ لأنَّ الزَّوجَ في الغالِبِ لا يُريدُ إلَّا إيذاءَها بالطَّلاقِ كما آذَتْهُ، فإنْ أرادَ التَّعليقَ بأنْ قالَ: «أردْتُ الشَّرطَ -يعني: إنْ كُنْتُ أنا قَرْطَبانَ أو سِفْلَةً- يُديَّنُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ، ولا يقَعُ ما لم يَكنْ قَرطَبانَ أو سِفْلَةً (٢).
٤ - أنْ يَذكُرَ المَشروطَ في التَّعليقِ -أي فِعلَ الشَّرطِ-؛ لأنهُ مَشروطٌ لوُجودِ الجَزاءِ، فإنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ إنْ» فهوَ لغوٌ على الصَّحيحِ المُفتَى
стр. 10650
بهِ، وهوَ قولُ أبي يُوسفَ، فلا تَطلُقُ؛ لأنهُ ما أرسَلَ الكَلامَ إرسالًا، وكذا لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا لو لا، أو: وإلَّا، أو: إنْ كانَ، أو: إنْ لم يكنْ».
وقالَ مُحمدٌ: تَطلُقُ للحالِ (١).
٥ - وُجودُ رابطٍ: وهوَ أداةٌ مِنْ أدواتِ الشَّرطِ (٢).
أدواتُ أو ألفاظُ الشَّرطِ هيَ: «إنْ، وإذا، وإذا ما، وكُلُّ، وكُلَّما، ومتَى، ومتَى ما»؛ لأنَّ الشَّرطَ مُشتَقٌّ مِنْ الشَّرطِ الَّذي هوَ بمعنَى العَلامةِ، ومنهُ: أشراطُ السَّاعةِ، أي عَلاماتُها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، فسُمِّيَتْ هذهِ الألفاظُ بهِ لاقتِرانِها بالفِعلِ الَّذي هوَ عَلامةُ الحِنثِ؛ لأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَتعلَّقُ بما هوَ على خَطرِ الوُجودِ، وهو الأفعالُ دونَ الأسماءِ؛ لاستِحالةِ معنَى الخَطَرِ فيها.
قالَ الحنفيَّةُ: ففي هذهِ الألفاظِ إذا وُجِدَ الشَّرطُ انحَلَّتِ اليَمينُ ووقَعَ الطَّلاقُ، أي إذا وُجِدَ الشَّرطُ مرَّةً واحدةً وقَعَ الطَّلاقُ بذلكَ، ولا يَقعُ مرَّةً ثانيةً؛ لأنها غَيرُ مُقتضيةٍ للعُمومِ والتَّكرارِ لغةً، فبوُجودِ الفِعلِ مَرةًّ يَتمُّ الشَّرطُ، ولا بقاءَ لليَمينِ بدُونِه؛ لأنَّ أثَرَ الشَّرطِ قد زالَ بوُجودِه مرَّةً واحِدةً.
стр. 10651
إلَّا في «كُلَّما»؛ فإنَّ الطَّلاقَ يَتكرَّرُ بتَكرُّرِ الشَّرطِ حتَّى يقَعَ ثلاثَ تَطليقاتٍ؛ لأنَّ «كُلَّما» تَقتضي تَعميمَ الأفعالِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، وقالَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، فكُرِّرَ النُّضجُ وإرادةُ الخُروجِ وذلكَ أفعالٌ.
فإذا قالَ لامرَأتِه: «كُلَّما دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدخَلَتِ الدَّارَ طَلُقَتْ، ثمَّ إذا دخَلَتْ طَلُقَتْ، ثمَّ إذا دخَلَتْ طَلُقَتْ، ولا زائِدَ في الشَّريعةِ على ثَلاثِ طَلقاتٍ، فلا يقَعُ شيءٌ بعْدَها (١).
وقالَ الشَّافِعيةُ: أدَواتُ التَّعليقِ بالشَّرطِ والصِّفاتِ كثيرةٌ مِنها: «إنْ» وهي أمُّ البابِ، نحوُ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ»، و «مَنْ» بفَتحِ الميمِ، ك: «مَنْ دَخلَتْ مِنْ نِسائي الدَّارَ فهيَ طالِقٌ»، و «إذا» و «متَى» و «متَى ما» بزِيادةِ ما، و «كُلَّما» نَحوُ: «كُلَّما دَخلَتِ الدَّارَ واحِدةٌ مِنْ نِسائي فهيَ طالِقٌ»، و «أي» ك: «أيَّ وَقتٍ دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ».
ومِن الأدَواتِ «إذْ ما» و «مَهْمَا» وهيَ بِمعنَى ما و «ما الشَّرطيَّةُ» و «أيًّا ما» كَلمةٌ و «أيَّانَ» وهيَ كمتَى في تَعميمِ الأزمانِ، و «أينَ» و «حَيثُما» لتَعميمِ الأمكِنةِ، و «كَيفَ» و «كَيفَما» للتَّعليقِ على الأحوالِ.
стр. 10652
وهذهِ الأدَواتُ لا تَقتضِي الوُقوعَ بالوَضعِ فَورًا في المُعلَّقِ عليهِ ولا تَراخِيًا إنْ علَّقَ بمُثبَتٍ كالدُخولِ في غَيرِ خُلعٍ، أمَّا فيهِ فإنها تُفيدُ الفَوريَّةَ في بَعضِ صيَغِه ك «إنْ» و «إذا» ك: «إنْ ضَمنْتِ، أو إذا ضَمنْتِ لي ألفًا فأنتِ طالِقٌ»، وكذا تُفيدُ الفَوريَّةَ في التَّعليقِ بالمَشيئةِ نحوُ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئْتِ، أو إذا شِئْتِ»؛ لأنهُ تَمليكٌ على الصَّحيحِ، بخِلافِ «متَى شِئتِ».
ولا تَقتضِي هذهِ الأدَواتُ تَكراريةً في المُعلَّقِ عليهِ، بلْ إذا وُجِدَ مرَّةً واحِدةً في غَيرِ نِسيانٍ ولا إكراهٍ انحَلَّتِ اليَمينُ ولم يُؤثِّرْ وُجودُها ثانيًا، إلَّا في «كُلَّما»؛ فإنَّ التَّعليقَ بها يُفيدُ التَّكرارَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: أدَواتُ الشَّرطِ المُستعمَلةُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ سِتَّةٌ: «إنْ، ومَن، وإذا، ومتَى، وأيَّ، وكُلَّما»، وليسَ فيها ما يَقتضِي التَّكرارَ إلَّا «كُلَّما»، فإذا قالَ: «إنْ قُمتِ، أو إذا قُمتِ، أو مَتى قُمتِ، أو أيَّ وَقتٍ قُمتِ، أو مَنْ قامَ مِنْكُنَّ فهي طالِقٌ» فقامَتْ طَلُقَتْ، وإنْ تَكرَّرَ القِيامُ لم يَتكرَّرِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ اللَّفظَ لا يَقتضِي التَّكرارَ، وإنْ قالَ: «كُلَّما قُمتِ فأنتِ طالِقٌ» فقامَتْ طَلُقَتْ، وإنْ تَكرَّرَ القيامُ تَكرَّرَ الطَّلاقَ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقتضِي التَّكرارَ.
وقالَ أبو بكرٍ في: «مَتَى ما» يَقتضِي تَكرارَها؛ لأنها تُستعمَلُ للتَّكرارِ.
стр. 10653
والصَّحيحُ أنها لا تَقتضِيهِ؛ لأنها اسمُ زَمانٍ، فأشبَهَتْ «إذا».
وكلُّ هذهِ الأدَواتِ على التَّراخِي إذا خلَتْ مِنْ حَرفِ «لَم»، فإنْ صَحِبَتْها «لَم» كانَتْ «إنْ» على التَّراخي، وفي «إذا» وَجهانِ:
أحَدُهما: هيَ على الفَورِ؛ لأنها اسمُ زَمانٍ، فأشبَهتْ «مَتَى».
والثَّاني: على التَّراخِي؛ لأنها أُخلِصَتْ للشَّرطِ، فهي بمَعنَى «إنْ»، وإنِ احتَملَتِ الأمرَينِ لم يقَعِ الطَّلاقُ بالشَّكِ، وسائِرُ الأدَواتِ على الفَورِ؛ لأنها تَقتَضيهِ، فإذا قالَ: «إنْ لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ» ولم يَنوِ وقتًا بعَينِه ولا دلَّتْ عليهِ قَرينةٌ لَم يقَعِ الطَّلاقُ إلَّا عِنْدَ قُربِه مِنهُ، وذلكَ في آخِرِ جُزءٍ مِنْ حَياةِ أحَدِهما، وإنْ قالَ: «متَى لم أُطلِّقكِ، أو أيَّ وَقتٍ لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ، أو مَنْ لم أُطلِّقْها مِنْكُنَّ فهي طالِقٌ» فمضَى زَمنٌ يُمكِنُ طلاقُها ولَم يُطلِّقْها طَلُقَتْ، وإنْ قالَ: «إذا لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ» فهل تَطلُقُ في الحالِ؟ أو في آخِرِ حَياةِ أحَدِهما؟ على وَجهَينِ، وإنْ قالَ: «كُلَّما لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ» فمَضى زَمنٌ يُمكِنُ طلاقُها ثلاثًا ولَم يُطلِّقْها طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ مَعناهُ «كُلَّما سَكتتُّ عَنْ طلاقِكِ فأنتِ طالِقٌ» وقَد سكَتَ ثلاثَ سَكتاتٍ في ثلاثةِ أوقاتٍ (١).
وكَلامُ المالكيَّةِ لا يَخرُجُ عَنْ كلامِ سائِرِ المَذاهبِ الفِقهيَّةِ.
стр. 10654
انحلالُ الطَّلاقِ المعلَّقِ على شَرطٍ:
حكمُ مَنْ قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ فَعلْتِ كذا» ففَعلَتْه وهيَ في عِصمَتِه أو عِدَّتِها أو بعْدَ البَينونةِ أو بعْدَ زَوجٍ آخَرَ:
إذا قالَ الرَّجلُ لزَوجتِهِ: «أنتِ طالِقٌ إنْ فَعلْتِ كذا، أو إنْ دخَلْتِ الدَّارَ» فهذا لا يَخلُو مِنْ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ تَفعَلَ المَحلوفَ عليهِ أو تَدخُلَ الدَّارَ وهيَ باقيةٌ على هذا النِّكاحِ، فيَحنَثُ في يَمينِه بلا خِلافٍ بيْنَ الفُقهاءِ، وتَطلُقُ بحِنثِه؛ لأنَّ شرْطَ الحِنثِ قَدْ وُجدَ في زَمانٍ يَلزمُه فيهِ الطَّلاقُ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَفعَلَ المَحلوفَ عَليهِ بعْدَ طلاقِها في أثناءِ العدَّةِ الرَّجعيَّةِ:
فلو عَلقَّ طلاقَها على صِفةٍ ك: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ طَلَّقَها رَجعيَّةً فراجَعَها قبْلَ أنْ تَنقضِي عِدَّتُها ثمَّ وُجِدَتِ الصِّفةُ بأنْ دخَلَتِ الدَّارَ في أثناءِ العدَّةِ طَلُقَتْ بلا خِلافٍ بيْنَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ؛ لأنهُ ليسَ نِكاحًا مُجدَّدًا، ولم تَحدُثْ حالةٌ تَمنعُ وُقوعَ الطَّلاقِ.
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ تَفعلَ المحلُوفَ عَليهِ بعْدَ انتِهاءِ عِدَّتِها منهُ:
إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ ثلاثًا، أو إنْ دخَلْتِ الدَّارَ، أو إنْ كَلَّمتِ فُلانًا فأنتِ طالِقٌ ثلاثًا» ثمَّ أبانَها بأنْ خالَعَها أو طلَّقَها طَلقةً رَجعيَّةً وانَقضَتِ العدَّةُ ثمَّ فعَلَتِ المَحلوفَ عليهِ فلا شيءَ عليهِ بالإجماعِ،
стр. 10655
ولا يقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنها الآنَ أجنبيَّةٌ ومَحلُّ الطَّلاقِ مَعدومٌ؛ لأنَّ اليَمينَ تَناوَلتْ دُخولًا واحِدًا وقَد وُجِدَ في حالةٍ لا يقَعُ فيها، وانحلَتِ اليَمينُ بذلكَ الدُّخولِ، ولأنه تَعليقٌ سبَقَ هذا النِّكاحَ فلا يُؤثِّرُ، كما لَو علَّقَ طلاقَها بالنِّكاحِ … ومَحلُّ اللُّزومِ إذا لَم تكنِ اليَمينُ مُقيَّدةً بزَمنٍ وانقَضَى، أمَّا لو انقَضَى زَمَنُها فلا يقَعُ عليها شيءٌ.
الحالةُ الرَّابعةُ: أنْ يَحلِفَ عليها أو يُعلِّقَ طلاقَها على فِعلِ شيءٍ كدُخولِ الدَّارِ ثمَّ طلَّقَها واحِدةً أو اثنتَينِ وانقَضَتْ عدَّتُها ثمَّ رجَعَتْ إليهِ قبْلَ زَوجٍ آخَرَ بعَقدٍ جَديدٍ ثمَّ فعَلَتِ المَحلوفَ عليهِ بعْدَما عادَتْ إليهِ، هل يقَعُ عليها الطَّلاقُ أم لا؟ عَلى اختِلافٍ بينَ الفُقهاءِ.
فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنها إنْ فعَلَتِ المَحلوفَ عليهِ لَزِمَه ما حَلفَ بهِ إنْ بَقيَ لهُ مِنَ العِصمةِ المُعلَّقِ فيها شيءٌ، بأنْ كانَ طَلاقُها الأوَّلُ قاصِرًا على الغايةِ، ومَحلُّ اللُّزومِ إذا لم تَكنِ اليَمينُ مُقيَّدةً بزَمنٍ وانقَضَى، أمَّا لو انقَضَى زَمَنُها فلا تُعودُ اليَمينُ، كقَولِه: «إنْ دَخلْتُ أنا أو أنتِ الدَّارَ غَدًا فأنتِ طالِقٌ» فأبانَها ثمَّ عاوَدَها فدَخلَتْ بعْدَ الأجَلِ لم يَحنَثْ، بل لو كانَتْ في عِصمتِه وفعَلَتْ بعْدَ الأجَلِ لم يَحنَثْ.
قالَ حَربٌ: سألْتُ أحمَدَ قُلتُ: رَجلٌ قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إنْ دخَلْتِ هذهِ الدَّار» فطلَّقَها تَطليقةً وبانَتْ مِنهُ، ثمَّ دخَلَتِ الدَّارَ؟ قالَ: لا يقَعُ عليها حِينئذٍ طلاقٌ؛ لأنها دخَلَتْ وليسَتْ هيَ امرأتَه، ولكنْ إذا رجَعَتْ إليهِ رجَعَ عليهِ اليَمينُ، وهو على يَمينِه.
стр. 10656
قُلتُ: فإنهُ إنَّما أرادَ هَذهِ المَرأةَ؟ قالَ: لا أدرِي، وعرضَ فيهِ (١).
وذهَبَ الشَّافِعيةُ في الأظهَرِ إلى أنها لو دَخلَتْ أو فَعلَتِ المَحلوفَ عليهِ بعْدَما رجَعَتْ إليهِ بنكاحٍ جَديدٍ قبْلَ أنْ تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه فلا يقَعُ الطَّلاقُ؛ لارتِفاعِ النِّكاحِ الَّذي علَّقَ فيهِ.
والثَّاني: يقَعُ؛ لقِيامِ النِّكاحِ في حالَتيِ التَّعليقِ والصِّفةِ، وتَخلُّلُ البَينونةِ لا يُؤثِّرُ؛ لأنَّه ليسَ وقْتَ الإيقاعِ ولا وقْتَ الوُقوعِ.
وفي قَولٍ ثالِثٍ: يقَعُ إنْ بانَتْ بدُونِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ العائِدَ في النِّكاحِ الثَّاني ما بَقِيَ مِنْ الطَّلقاتِ مِنَ الأوَّلِ، فتَعودُ بصِفتِها وهي التَّعليقُ بالفِعلِ المُعلَّقِ عليهِ، بخِلافِ ما لو بانَتْ بالثَّلاثِ؛ لأنهُ استَوفَى ما عَلَّقِ عليهِ مِنَ الطَّلاقِ، والعائِدُ طَلقاتٌ جَديدةٌ (٢).
الحالةُ الخامِسةُ: إنْ حلَفَ عليها وقالَ: «إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ»
стр. 10657
ثمَّ طلَّقَها طَلقةً أو طَلقتَينِ وتزوَّجَتْ زَوجًا آخَرَ ودخَلَ بها، ثمَّ عادَتْ إلى زَوجِها الأوَّلِ وفَعلَتِ المَحلوفَ عليهِ بأنْ دخَلَتِ الدَّارَ، هَلْ يقَعُ عليها الطَّلاقُ أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والمالِكيَّةُ والشَّافِعيةُ في قولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ يَقعُ عليها الطَّلاقُ (١).
وذهَبَ الشَّافِعيةُ في الأظهَرِ إلى أنها لَو دخَلَتْ أو فعَلَتِ المَحلوفَ عليهِ بعْدَما رجَعَتْ إليهِ بنِكاحٍ جَديدٍ بعْدَ أنْ تَزوَّجَتْ زَوجًا غيْرَه فلا يَقعُ الطَّلاقُ؛ لارِتفاعِ النِّكاحِ الَّذي علَّقَ فيهِ.
والثَّاني: يقَعُ؛ لقِيامِ النِّكاحِ في حالَتيِ التَّعليقِ والصِّفةِ.
وفي قَولٍ ثالِثٍ: يقَعُ إنْ بانَتْ بدُونِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ العائِدَ في النِّكاحِ الثَّاني ما بَقِيَ مِنْ الطَّلقاتِ مِنَ الأوَّلِ، فتَعودُ بصِفتِها وهيَ التَّعليقُ بالفِعلِ المُعلَّقِ عليهِ، بخِلافِ ما لو بانَتْ بالثَّلاثِ؛ لأنهُ استَوفَى ما عَلَّقِ عليهِ مِنَ الطَّلاقِ، والعائِدُ طَلقاتٌ جَديدةٌ (٢).
стр. 10658
وقالَ مُحمَّدٌ وزُفَرُ: تَعودُ إليهِ بما بَقِيَ مِنَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ (١).
الحالةُ السَّادسةُ: أنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ إنْ فَعلْتِ كذا، أو إنْ دَخلْتِ الدَّارَ» فطلَّقَها ثلاثًا، ثمَّ تَزوَّجَتْ بعْدَ أنِ انقَضَتْ عِدَّتُها، ثمَّ نكَحَتْ الحالِفَ الأوَّلَ وفعَلَتِ المَحلوفَ عليهِ أو دَخلَتِ الدَّارَ؛ فإنهُ لا يقَعُ عليها الطَّلاقُ بالإجماعِ؛ لأنَّ العِصمةَ الَّتي علَّقَ عليها ذلكَ لَم يبْقَ مِنها شيءٌ، ورَجعَتْ بعِصمةٍ جَديدةٍ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العلِمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إنْ دخَلْتِ هذهِ الدَّارَ» فطلَّقَها ثلاثًا، ثمَّ تَزوَّجَتْ بعْدَ ما انقَضَتْ عدَّتُها، ثمَّ نكَحَها الحالِفُ الأوَّلُ، ثمَّ دخَلَتِ الدَّارَ، أنها لا يقَعُ عليها الطَّلاقُ، وهذا على مَذهبِ مالِكٍ والشَّافعيِّ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّ طلاقَ ذلكَ المِلكِ قدِ انقَضَى (٢).
стр. 10659
مَسألةُ هَدمِ الطَّلاقِ:
هَدمُ الطَّلاقِ هي مَسألةٌ مَعروفةٌ في الفِقهِ، وهو أنَّ نِكاحَ الثاني هل يَهدِمُ طلاقَ الأولِ؟
والكَلامُ في هذهِ المَسألةِ لا يَخلُو مِنْ ثَلاثِ صُورٍ:
الصُّورةُ الأُولَى: إذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَهُ ثلاثًا ثمَّ تَزوَّجتْ زَوجًا آخَرَ، ثمَّ طلَّقَها الزوجُ الثاني وعادَتْ إلى الأوَّلِ، فإنها تَرجِعُ إليهِ بطَلاقٍ ثلاثٍ بالإجماعِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ إذا طلَّقَ زَوجتَه الحرَّةَ ثلاثًا ثمَّ انقَضَتْ عدَّتُها ونكَحَتْ زَوجًا ودخَلَ بها ثمَّ فارَقَها وانقَضَتْ عدَّتُها ثمَّ نكَحَها الأوَّلُ أنها تَكونُ عندَه على ثَلاثِ تَطليقاتٍ (١).
стр. 10660
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وإذا طلَّقَ زَوجتَه أقلَّ مِنْ ثلاثٍ فقَضَتِ العدَّةَ ثمَّ تَزوَّجتْ غيرَه ثمَّ أصابَها ثمَّ طلَّقَها أو ماتَ عنها وقَضَتِ العدَّةَ ثمَّ تَزوَّجَها الأولُ فهيَ عندَه على ما بَقيَ مِنْ الثَّلاثِ.
وجُملةُ ذلكَ أنَّ المُطلِّقَ إذا بانَتْ زَوجتُه منهُ ثمَّ تَزوَّجَها لم يَخلُ مِنْ ثلاثةِ أحوالٍ:
أحدَهُا: أنْ تَنْكِحَ غيْرَه ويُصيبَها ثمَّ يَتزوَّجُها الأولُ، فهذه تَرجِعُ إليهِ على طلاقٍ ثلاثٍ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، قالَه ابنُ المُنذِرِ … (١).
وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: تَرجعُ إليهِ بطلاقٍ ثلاثٍ بالإجماعِ (٢).
الصُّورةُ الثانيةُ: إذا كانَ الزَّوجُ قَدْ طلَّقَ زَوجتَه دُونَ ثلاثِ تَطليقاتٍ، ثمَّ رجَعَتْ إليهِ قبلَ نكاحِ زَوجٍ آخَرَ أو بعدَ نِكاحِ زوجٍ آخَرَ ولم يَدخلْ بها، رجَعَتْ على ما بَقيَ مِنْ طَلاقِها بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: فإنْ نكَحَها قبلَ زَوجٍ أو بعدَ زَوجٍ لم يُصِبْها حتَّى طلَّقَها، فإذا تَزوَّجَها الأوَّلُ كانَتْ مَعهُ على ما بَقيَ مِنْ الطَّلاقِ إجماعًا، وإنْ كانَ الأولُ واحِدةً -أي طلَّقَها واحِدةً- بَقيَتْ مَعهُ على اثنتَينِ، وإنْ كانَ اثنَتانِ بَقيَتْ معهُ على واحدةٍ (٣).
стр. 10661
وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: فإنْ لَم يُصبْها الثَّاني فهيَ على ما بَقيَ مِنْ طَلاقِها عِنْدَ الجَميعِ، وقالَ النخَعيُّ: لم أسمَعْ فيها اختِلافًا (١).
وقالَ الدَّميريُّ ﵀: إذا جدَّدَ نِكاحَها قبْلَ أنْ تَتزوَّجَ بغيرِه أو تَزوَّجتْ بغَيرِه ولم يَدخُلْ بها .. فبالإجماعِ تَعودُ بما بَقيَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يُطلِّقَها دُونَ الثَّلاثِ ثمَّ تَعودُ إليهِ برَجعةٍ أو نِكاحٍ جَديدٍ قبلَ زَوجٍ ثانٍ، فهذهِ تَرجعُ إليهِ على ما بَقيَ مِنْ طلاقِها بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه (٣).
وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: وإنْ كانَ قَدْ طلَّقَها دُونَ الثَّلاثِ ثمَّ رجَعَتْ إليهِ قبلَ نكاحِ زَوجٍ آخَرَ رجَعَتْ على ما بَقيَ مِنْ طلاقِها بلا خِلافٍ (٤).
الصُّورَةُ الثَّالثةُ: أنْ يُطلِّقَها طَلقةً أو طَلقتينِ ثمَّ تَتزوَّجَ زَوجًا آخَرَ ويَدخلُ بها ثمَّ يطلِّقُها الزَّوجُ الثاني ثمَّ تَرجعُ إلى الأولِ ويَتزوَّجُها بعدَ نِكاحِ زَوجٍ آخَرَ، فهذهِ المَسألةُ تُعرَفُ بمَسألةِ الهَدمِ، واختَلفَ فيها أهلُ العِلمِ على قَولينِ:
القَولُ الأولُ: وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ ومُحمدِ ابنِ الحَسنِ وزُفرَ مِنَ الحَنفيةِ أنها تَعودُ بما بَقيَ مِنْ طلاقِها، ولا يَهدِمُ دُخولُ الثَّاني ما بَقيَ مِنْ طلاقِ الأوَّلِ، فإنْ كانَ الزَّوجُ الأولُ طلَّقَها طَلقةً ثمَّ تَزوَّجتْ
стр. 10662
زَوجًا آخَرَ وطلَّقَها ثمَّ رجَعَتْ إلى الأولِ تَرجعُ باثنتَينِ، وإنْ كانَ طلَّقَها اثنتَينِ رجَعَتْ بواحِدةٍ، ووُجودُ الزَّوجِ الثاني كعَدمِه، وإنهُ لا يَرفعُ ما تَقدَّمَ مِنْ طلاقِ الأولِ، وإذا نكَحَها الأولُ بعدَه كانَتْ مَعهُ على ما بَقيَ مِنَ الطلاقِ، فإنْ كانَ الطلاقُ واحِدةً بَقيَتْ معهُ على اثنتَينِ، وإنْ كانَ اثنتَانِ بَقيَتْ على واحِدةٍ، فإنْ طلَّقَها في النكاحِ الثاني واحِدةً حَرُمَتْ عليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَه، وهوَ قولُ أكابِرِ الصَّحابةِ، مِنهُم عُمرُ (١) وعليٌّ (٢) وأبَيٌّ (٣) ومُعاذٌ (٤) وعِمرانُ بنُ حُصينٍ (٥) وأبو هُريرةَ (٦) وزَيدٌ (٧) وعَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو ﵃.
стр. 10663
فرَوى الإمامُ مالِكٌ في «المُوَطَّأ» عنِ ابن شِهابٍ أنهُ قالَ: سَمعْتُ سَعيدَ ابنَ المُسيَّبِ وحُميدَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ وعُبيدَ الله بنَ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ ابنِ مَسعودٍ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ كُلُّهم يَقولُ: سَمعْتُ أبا هُريرةَ يَقولُ: سَمعْتُ عُمرَ بنَ الخطَّابِ يَقولُ: «أيُّما امرَأةٍ طلَّقَها زوجُها تَطليقةً أو تَطليقتَينِ ثمَّ ترَكَها حتَّى تَحِلَّ وتَنكحَ زَوجًا غيرَه فيَموتَ عنها أو يُطلِّقَها ثمَّ يَنكِحُها زَوجُها الأوَّلُ فإنها تَكونُ عندَه على ما بَقيَ مِنْ طلاقِها» (١).
قالَ مالِكٌ: وعلى ذلكَ السُّنةُ عندَنا الَّتي لا اختِلافَ فيها.
وحُجَّتُهم في ذلكَ أنَّ الحِلَّ الأولَ لا يَزولُ إلا بالطلاقِ الثَّلاثِ، فإذا طلَّقَ الرجلُ زوْجتَه واحِدةً أو اثنتَينِ لم تَحرُمْ عليهِ وحَلَّ لهُ التزوُّجُ بها، فلو تَزوَّجتْ بغيرِه ودخَلَ بها ثمَّ عادَتْ إليهِ بعدَ ذلكَ عادَتْ إليهِ بالحِلِّ الأولِ، فلا يَملِكُ عليها إلا ما بَقيَ مِنَ الطلاقِ الذي كانَ ثابِتًا لهُ في ذلكَ الحِلِّ.
ولأنَّ اللهَ قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قَولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، حرَّمَ المُطلَّقةَ الثلاثَ مُطلَقًا مِنْ غيرِ فَصلٍ بيْنَ ما إذا تَخلَّلتْ إصابةُ الزوجِ الثَّاني الثلاثَ وبينَ ما
стр. 10664
إذا لَم يَتخلَّلْها، وهذهِ مُطلَّقةُ الثلاثِ حَقيقةً؛ لأنَّ هذهِ طَلقةٌ قَدْ سبَقَها طَلقتانِ حَقيقةً، والطَّلقةُ الثالثةُ هيَ الطَّلقةُ الَّتي سبَقَها طَلقتانِ، فدخَلَتْ تحتَ النَّصِّ؛ ولأنَّ الزوجَ الثاني جُعِلَ في الشَّرعِ مُنهِيًا للحُرمةِ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، و «حتَّى» كَلِمةُ غايةٍ، وغايةُ الحُرمةِ لا تُتصوَّرُ قبلَ وُجودِ الحُرمةِ، والحُرمةُ لم تَثبُتْ قبلَ الطَّلقاتِ الثلاثِ، فلم يَكنِ الزوجُ الثاني مُنهِيًا للحُرمةِ، فيُلحَقُ بالعَدمِ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى أخبَرَنا أنَّ الطَّلقةَ الثالثةَ تحرِّمُ رُجوعَها إليهِ إلا بعدَ زَوجٍ، ولم يُفرِّقْ أنْ يكونَ تَخلَّلَ الثلاثَ تَطليقاتٍ إصابةُ زَوجٍ أو لم يَتخلَّلْها.
ولأنَّ كُلَّ إصابةٍ لم تَكنْ شَرطًا في الإباحةِ لم تَهدمِ النكاحَ ولَم تُغيِّرْ حُكمَه، أصلُه الوَطءُ بمِلكِ اليَمينِ، ولأنها بانَتْ قبلَ استيفاءِ طلاقِ المِلكِ، فوجَبَ إذا عادَتْ أنْ تَعودَ بما بَقيَ مِنَ الطَّلاقِ، أصلُه إذا عادَتْ قبلَ التَّزويجِ أو بعدَه وقبلَ الإصابةِ.
ولأنَّ كلَّ زَوجٍ لم يَكنْ شَرطًا في رُجوعِ المُطلَّقةِ إلى المُطلِّقِ كانَ وُجودُه وعَدمُه سَواءً في ذلكَ الحُكمِ، أصلُه الزوجُ الثاني بعْدَ الطلاقِ الثالثِ.
ولأنه طلَّقَها قبْلَ استِكمالِ عَددِ الطلاقِ، فوجَبَ أنْ يُبنَى على ما تَقدَّمَ مِنَ الطلاقِ، أصلُه إذا لَم يَدخُلْ بها الثاني، ولأنَّ الاستباحةَ الواقِعةَ بعْدَ
стр. 10665
الفُرقةِ المُستبيحةِ عن نِكاحِ زَوجٍ لا تَردُّها إلى أوَّلِ العدَّةِ كالرَّجعةِ؛ لأنها طَلقةٌ استَكملَ بها عَددَ الثَّلاثِ، فوجَبَ تَحريمُها إلا بعْدَ زَوجٍ، أصلُه إذا استَكملَ الثلاثَ في الابتِداءِ، ولأنَّ إصابةَ الزوجِ الثاني في الطلاقِ الثلاثِ لا يَهدِمُه، وإنَّما يَرفعُ تَحريمَه لأمرَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الطلاقَ قَدْ وقَعَ، فلم يَرتفعْ بعْدَ وُقوعِه.
الثاني: أنهُ لوِ ارتَفعَ لاستَباحَها بغَيرِ عَقدٍ، وإذا أثَّرَتْ في رَفعِ التحريمِ في الثلاثِ -وليسَ فيما دُونَ الثلاثِ تَحريمٌ- لم يكنْ للإصابةِ فيها تأثيرٌ، ولأنَّنا أجمَعْنا على أنَّ النكاحَ الثاني يُبنَى على الأولِ في الإيلاءِ والظِّهارِ قبلَ زَوجٍ وبعدَه، فكذلكَ في عَددِ الطلاقِ (١).
القَولُ الثَّاني: وهوَ قولُ الإمامِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ والحَنابلةِ في رِوايةٍ أنها تَرجِعُ إليهِ على طَلاقِ ثَلاثٍ، وأنَّ الزوجَ الثاني يَهدِمُ الطلاقَ
стр. 10666
الأولَ، وهو قَولُ ابنِ عُمرَ (١) وابنِ عبَّاسٍ (٢) وعَطاءٍ والنخَعيِّ وشُريحٍ، وقُولِ أصحابِ ابنِ مَسعودٍ، فعَن إبراهيمَ أنَّ أصحابَ عَبدِ اللهِ كانُوا يَقولونَ: يَهدِمُ الزوجُ الواحدةَ والاثنتَينِ كما يَهدِمُ الثلاثَ، إلا عبيدَةَ فإنهُ قالَ: هيَ على ما بَقيَ مِنْ طلاقِها.
ولأنَّ الزواج الثاني إذا هدَمَ الطلاقَ الثلاثَ فلَأنْ يَهدِمَ ما دُونَه أَولَى؛ لأنَّ الحِلَّ بعْدَ إصابةِ الزوجِ الثاني، وطَلاقُه إياها وانقِضاءُ عِدَّتِها حِلٌّ جَديدٌ، والحِلُّ الجَديدُ لا يَزولُ إلا بثلاثِ طَلقاتٍ كما في ابتِداءِ النكاحِ.
والدليلُ على أنَّ هذا حِلٌّ جَديدٌ أنَّ الحِلَّ الأولَ قَدْ زالَ حَقيقةً؛ لأنهُ عرَضٌ لا يُتصوَّرُ بَقاؤُه، إلا أنهُ إذا لم يَتخلَّلْ بيْنَ الحِلَّينِ حُرمةٌ يُجعَلُ كالدائِمِ بتَجدُّدِ أمثالِه، فيَكونُ كشيءٍ واحِدٍ فكانَ زائِلًا حَقيقةً وتَقديرًا، فكانَ الثاني حِلًّا جَديدًا، والحِلُّ الجَديدُ لا يَزولُ إلا بثلاثِ تَطليقاتٍ كما في ابتِداءِ النكاحِ.
ولأنَّ وطْءَ الزوجِ الثاني يَهدِمُ الطَّلقاتِ الثلاثَ، فأَولَى أنْ يَهدِمَ ما دُونَها، ولأنَّ وطْءَ الثاني سَببٌ للحِلِّ.
ولأنَّ إصابةَ الزوجِ الثاني بنِكاحٍ صَحيحٍ يُلحِقُ المُطلَّقةَ بالأجنبيَّةِ في الحُكمِ المُختَصِّ بالطلاقِ كما بعْدَ التَّطليقاتِ الثلاثِ.
стр. 10667
وبَيانُ هذا أنَّ بالتَّطليقاتِ الثلاثِ تَصيرُ مُحرَّمةً ومُطلَّقةً، ثمَّ بإصابةِ الزوجِ الثاني يَرتفعُ الوَصفانِ جَميعًا وتَلتحقُ بالأجنبيَّةِ الَّتي لم يَتزوَّجْها قَطُّ، فبالتطليقةِ الواحِدةِ تَصيرُ مَوصوفةً بأنها مُطلَّقةٌ، فيَرتفِعُ ذلكَ بإصابةِ الزوجِ الثاني.
ثمَّ الدَّليلُ على أنَّ الزوجَ الثاني رافِعٌ للحُرمةِ لا مُنْهٍ أنَّ المُنهيَ يَكونُ مُتقرِّرًا في نَفسِه، ولا حُرمةَ بعْدَ إصابةِ الزوجِ الثاني، فدَلَّ أنهُ رافِعٌ للحُرمةِ، ولأنهُ مُوجِبٌ للحِلِّ؛ فإنَّ صاحِبَ الشَّرعِ سمَّاهُ مُحلِّلًا فقالَ ﷺ : «لَعَنَ اللَّه المُحلِّلَ والمُحلَّلَ لهُ»، وإنَّما كانَ مُحلِّلًا لكَونِه مُوجِبًا للحِلِّ، ومِن ضَرورتِه أنهُ يَكونُ رافِعًا للحُرمةِ، وبهذا تَبيَّنَ أنَّ جَعْلَه غايةً مَجازٌ.
والدَّليلُ عليهِ أنَّ أحكامَ الطلاقِ تَثبُتُ مُتأبِّدةً لا إلى غايةٍ، ولَكنْ تَرتَفعُ بوُجودِ ما يَرفعُها، كحُكمِ زَوالِ المِلكِ لا يَثبتُ مُؤقَّتًا، ولكنْ يَرتَفعُ بوُجودِ ما يَرفعُه وهوَ النكاحُ.
وإذا ثبَتَ أنَّ الزوجَ الثاني مُوجِبٌ للحِلِّ فإنَّما يُوجِبُ حِلًّا لا يَرتَفعُ إلا بثلاثِ تَطليقاتٍ، وذلكَ غَيرُ مَوجودٍ بعْدَ التَّطليقةِ والتَّطليقتينِ فيَثبتُ بهِ، ولمَّا كانَ رافِعًا للحُرمةِ إذا اعتَرضَ بعْدَ ثُبوتِ الحُرمةِ فلَأنْ يَرفَعَها وهوَ بعَرضِ الثُّبوتِ أَولى، ولَأنْ يَمنعَ ثُبوتَها إذا اقتَرنَ بأركانِها أَولَى (١).
стр. 10668
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختَلفُوا في الرَّجلِ يُطلِّقُ زَوجتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ ثمَّ تَزوَّجُ غيرَه ثمَّ تَرجعُ إلى زَوجِها الأولِ.
فقالَتْ طائِفةٌ: تَكونُ على ما بَقيَ مِنْ طَلاقِها، كذلكَ قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ وأبَيُّ بنُ كَعبٍ وعِمرانُ بنُ حُصينٍ وأبو هُريرةَ، ورُوِيَ ذلكَ عَنْ زَيدِ بنِ أسلَمَ ومُعاذِ بنِ جَبلٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ وعبيدةَ السَّلمانِيِّ وسَعيدِ بنِ المُسيبِ والحسَنِ البَصريِّ، وبهِ قالَ مالكُ بنُ أنسٍ وسُفيانُ الثَّوريُّ وابنُ أبي لَيلَى، وحُكيَ ذلكَ عنِ الأوزاعِيِّ ورَبيعةَ وابنِ أبي ذِئبٍ وعُبيدِ اللهِ بنِ الحسَنِ.
وهكذا قالَ الشافعيُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وابنُ نَصرٍ ومُحمدُ بنُ الحسَنِ.
وفيهِ قَولٍ ثانٍ: وهو أنهُ نِكاحٌ جَديدٌ والطلاقُ جَديدٌ، هذا قَولُ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ، وبهِ قالَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ والنخَعيُّ وشَريحٌ والنُّعمانُ ويَعقوبُ.
وقَدِ احتَجَّ بعضُ مَنْ قالَ بالقَولِ الأولِ بأنهم قد أجمَعُوا أنَّ الزوجَ الأولَّ إنْ تَزوجَها قبْلَ أنْ تَنكحَ زَوجًا غيرَه أنها عندَه على ما بَقيَ مِنَ
стр. 10669
الطلاقِ، وأنه غَيرُ مُحتاجٍ إلى زَوجٍ يُحِلُّها لهُ، فلمَّا أجمَعُوا على هذهِ الحالِ ثمَّ اختَلفُوا في أمرِها إذا نكَحَتْ؛ لَم يَجُزْ أنْ تُنقلَ عَنْ حالِها التي قَدْ أجمَعُوا عليهِ إلا بحُجَّةٍ، وقد أجمَعُوا أنَّ الأولَ لو كانَ طلَّقَها ثلاثًا أنها تَحرمُ عليهِ إلَّا بعدَ زَوجٍ، وكانَتْ حالُه في هذهِ المَسألةِ خِلافَ حالَتِه في المَسألةِ الأُولَى؛ لأنَّ للزوجِ اللَّاحقِ في هذهِ المسألةِ مَعنًى، فلمَّا افتَرقَ المَعْنيانِ وجَبَ أنْ يُفرَّقَ بيْنَ الحُكمَينِ فيُجعلَ حُكمُها إذا احتاجَتْ إلى زَوجٍ يُحِلُّها للأولِ بخِلافِ حُكمِها في الحالِ التي لا تَحتاجُ إلى زَوجٍ لهُ حُكمٌ.
قالَ أبو بكرٍ: وكذلكَ أقولُ للعِلَلِ التي ذكَرَتْها غَيرُ هذهِ الفِرقةِ، ولأنَّ ذلكَ قَولُ الأكابِرِ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ الخُلفاءِ الرَّاشدينَ وغَيرِهم، وبهِ قالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ.
وفي هذهِ المَسألةِ قَولٌ ثالِثٌ قالهُ النخَعيُّ، قالَ: إنْ كانَ دخَلَ بها الأخيرُ فطَلاقٌ جَديدٌ ونِكاحٌ جَديدٌ، فإنْ لَم يكنْ دخَلَ بها فعلَى ما بَقيَ (١).
تَعليقُ الطَّلاقِ على شَرطَينِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا علَّقَ طَلاقَ زَوجتِه على شَرطَينِ لم يَقعِ الطَّلاقُ قبلَ وُجودِ الشرطَينِ جَميعًا، كما لو قالَ لها: «إنْ كَلَّمتِ زَيدًا وعَمرًا فأنتِ طالِقٌ» فكَلَّمتْ أحَدَهما لا يَقعُ الطلاقُ في قَولِهم جَميعًا، وكذا «إنْ كلَّمتِ زَيدًا إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالِقٌ» لم تَطلُقُ
стр. 10670
إلا بهما جَميعًا؛ لأنها إنْ دخَلَتِ الدَّارَ أولًا تَوقَّفَ الطلاقُ على تَكليمِ زَيدٍ، وإنْ كَلَّمتْ زيدًا أولًا تَوقَّفَ الطلاقُ على دُخولِ الدَّارِ، فلا يَحصلُ الحِنثُ إلا بمَجموعِهما.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا علَّقَ الطلاقَ بشَرطَينِ لم يَقعْ قبلَ وُجودِهما جَميعًا في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ.
وخرَّجَ القاضي وَجهًا في وُقوعِه بوُجودِ أحَدِهما بِناءً على إحدَى الرِّوايتَينِ فيمَن حلَفَ أنْ لا يَفعلَ شيئًا ففعَلَ بعضَهُ.
وهذا بَعيدٌ جِدًّا يُخالِفُ الأصُولَ ومُقتضَى اللُّغةِ والعُرفِ وعامَّةَ أهلِ العلمِ، فإنهُ لا خِلافَ بينَهم في المَسائلِ التي ذكَرْناها في الشرطَينِ جَميعًا، وإذا اتَّفقَ العُلماءُ على أنه لا يَقعُ طَلاقُه لإخلالِه بالترتيبِ في الشرطَينِ المُرتَّبَينِ في مِثلِ قَولِه: «إنْ أكَلْتِ ثمَّ لَبسْتِ» فلإخلالِه بالشرطِ كلِّه أَولى، ثمَّ يَلزمُ على هذا ما لو قالَ: «إنْ أَعطَيتِني دِرهمَينِ فأنتِ طالِقٌ، وإذا مَضَى شَهرانِ فأنتِ طالِقٌ» فإنَّه لا خِلافَ في أنها لا تَطلُقُ قبلَ وُجودِهما جَميعًا، وكانَ قَولُه يَقتضي أنْ يقَعَ الطلاقُ بإعطائهِ بعضَ دِرهمٍ ومُضيِ بعضِ يَومٍ، وأُصولُ الشَّرعِ تَشهدُ بأنَّ الحُكمَ المُعلَّقَ بشَرطينِ لا يَثبتُ إلا بهما.
وقد نَصَّ أحمَدُ على أنه إذا قالَ: «إنْ حِضْتِ حَيضةً فأنتِ طالِقٌ» وإذا قالَ: «إذا صُمْتِ يَومًا فأنتِ طالِقٌ» أنها لا تَطلُقُ حتَّى تَحيضَ حَيضةً كامِلةً، وإذا غابَتِ الشمسُ مِنْ اليَومِ الذي تَصومُ فيهِ طَلُقتْ، وأمَّا اليَمينُ فإنه متى
стр. 10671
كانَ في لَفظِه أو نيَّتِه ما يَقتضي جَميعَ المَحلوفِ عليهِ لم يَحنثْ إلا بفِعلِ جَميعِه، وفي مَسألتِنا ما يَقتضي تَعليقَ الطلاقِ بالشرطَينِ معًا؛ لتَصريحِه بهما وجَعلِهما شَرطًا للطلاقِ، والحُكمُ لا يَثبتُ بدُونِ شَرطِه، على أنَّ اليَمينَ مُقتضاها المَنعُ ممَّا حلَفَ عليهِ، فيَقتضي المَنعَ مِنْ فعلِ جَميعِه؛ لنَهيِ الشَّارعِ عن شيءٍ يَقتضي المنعَ مِنْ كلِّ جُزءٍ منه كما يَقتضي المَنعَ مِنْ جُملتِه، وما عُلِّقَ على شَرطٍ جُعِلَ جَزاءً وحُكمًا له، والجَزاءُ لا يُوجَدُ بدونِ شَرطِه، والحُكمُ لا يَتحقَّقُ قبلَ تَمامِ شَرطِه لُغةً وعُرفًا وشرعًا (١).
قالَ الحَنفيةُ: لو علَّقَ الطلاقَ بشَرطَينِ فمِلكُ النكاحِ يُشترطُ لآخرِهما وُجودًا، حتَّى لو قالَ: «إنْ كَلَّمتِ زَيدًا وعَمرًا فأنتِ طالِقٌ ثلاثًا» ثمَّ طلَّقَها واحِدةً وانقَضَتْ عدَّتُها فكلَّمَتْ زَيدًا ثمَّ تزوَّجَها فكلَّمَتْ عَمرًا تَطلُقُ ثلاثًا خِلافًا لزُفرَ.
وهذهِ المَسألةُ على أربعةِ أَوجُهٍ.
أمَّا إنْ وُجدَ الشرطانِ في المِلكِ فيَقعُ ما بَقيَ مِنْ الثلاثِ إجماعًا.
أو وُجدَا في غيرِ المِلكِ فلا يقَعُ إجماعًا؛ لعَدمِ المَحلِّيةِ، والجَزاءُ لا يَنزلُ في غيرِ المِلكِ.
أو وُجِدَ الشرطُ الأولُ في المِلكِ والثاني في غيرِ المِلكِ فلا يقَعُ إجماعًا؛ لأنَّ الجَزاءَ -وهوَ الطلاقُ- لا يقَعُ في غَيرِ المِلكِ.
стр. 10672
أو وُجِدَ الأولُ في غيرِ المِلكِ والثاني في المِلكِ فتَطلُقُ خِلافًا لزُفرَ.
قالَ بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مازَةَ ﵀: إذا حصَلَ تَعليقُ الطلاقِ بشَرطَينِ ووُجدَ الشرطُ الأولُ وهي في نِكاحِه ووُجدَ الشرطُ الثاني وهي ليسَتْ في نِكاحِه ولا عدَّتِه -بأنْ أبانها بواحدةٍ بعدَما وُجدَ الشرطُ الأولُ وانقَضَتْ عدَّتُها، ثمَّ وُجدَ الشرطُ الثاني- لا يقَعُ الطلاقُ، ولو وُجدَ الشرطُ الأولُ في غيرِ مِلكِه وعدَّتِه ووُجدَ الشرطُ الثاني في مِلكِه -بأنْ تَزوَّجَها بعدَما وُجدَ الشرطُ الأولُ ثمَّ وُجدَ الشرطُ الثاني- يقَعُ الطلاقُ.
مثالُ الأولِ: إذا قالَ لامرَأتِه: «إنْ كلَّمْتِ زَيدًا وعَمرًا فأنتِ طالقٌ» فكَلَّمتْ أحَدَهما، ثمَّ إنَّ الزوجَ أبانَها بواحدةٍ وانقَضَتْ عدَّتُها، ثمَّ كلَّمَتِ الآخَرَ؛ فإنه لا يَقعُ الطلاقُ.
ومِثالُ الثاني: إذا قالَ لهَا: «إنْ كلَّمْتِ زَيدًا وعَمرًا فأنتِ طالقٌ» فأبانَها بواحدةٍ وانقَضَتْ عدَّتُها، ثمَّ كلَّمَتْ أحَدَهما، ثمَّ تزوَّجَها، ثمَّ كلَّمَتِ الآخَرَ؛ وقَعَ الطلاقُ عندَنا خِلافًا لزُفرَ، وزُفرُ يَقولُ: قِيامُ المِلكِ وَقتَ دُخولِ الشرطِ شَرطُ وُقوعِ الطلاقِ، والشرطُ ههُنا كَلامُهما، فيُعتبَرُ قِيامُ المِلكِ وَقتَ دُخولِ الكَلامَينِ، وإنَّا نَقولُ: قِيامُ الكلِّ وقتَ وُجودِ الشرطِ إنَّما يُعتبَرُ ليَزولَ الجَزاءِ، لا لوُجودِ الشرطِ نَفسِه، ووَقت يَزولُ الجَزاءُ عندَ وُجودِ آخِرِ الشرطَينِ فيُعتبَرُ قِيامُ المِلكِ عندَهُما، وإذا حصَلَ التعليقُ بشَرطٍ واحِدٍ ووُجدَ بعضُ الشرطِ في مِلكِه والبعضُ في غيرِ مِلكِه وعدَّتِه؛ إنْ وُجدَ أوَّلُ
стр. 10673
الشرطُ في مِلكِه وآخِرُه في غيرِ مِلكِه لا يَقعُ الطلاقُ، وإنْ وُجدَ أولُ الشرطِ في غيرِ مِلكِه ووُجدَ آخِرُ الشرطِ في مِلكِه وقَعَ الطلاقُ.
مثالُ هذا: قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «إنْ أكَلْتِ هذا الرَّغيفَ فأنتِ طالقٌ» فأبانَها وانقَضَتْ عدَّتُها فأكَلَتْ بعضَ الرغيفِ، ثمَّ تزوَّجَها بعدَ ذلكَ ثمَّ أكَلَتِ الباقي طَلُقَتْ عندَنا، ولو أكَلَتْ بعضَ الرغيفِ وهي في نِكاحِه ثمَّ أبانَها وانقَضَتْ عدَّتُها فأكلَتِ الباقي لا تَطلقُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ دخَلْتِ هذهِ الدارَ فأنتِ طالقٌ إنْ كلَّمْتِ زَيدًا، أو: «أنتِ طالقٌ إنْ دخَلْتِ الدارَ إنْ كلَّمْتِ زَيدًا، أو: «إنْ دخَلْتِ هذهِ الدارَ إنْ كلَّمْتِ زَيدًا فأنتِ طالِقٌ» فإنها لا تَطلُقُ إلا بهما معًا، ويُسمَّى تَعليقَ التعليقِ؛ لأنها إنْ دخَلَتِ الدارَ أولًا تَعلَّقَ الطلاقُ على تَكليمِ زَيدٍ، وإنْ كلَّمَتْ زَيدًا أولًا تَعلَّقَ على دُخولِ الدارِ، فلا يَحصلُ إلَّا بمَجموعِهما، ولا فرْقَ بينَ أنْ تَفعلَ الشرطَينِ على تَرتيبِهما في اللَّفظِ أو على عَكسِه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا قالَ الزوجُ لزَوجتِه: «إنْ كلَّمْتِ زَيدًا إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالِقٌ» فهذا يُسمَّى اعتِراضَ الشرطِ على الشرطِ، وفيهِ ثلاثةُ أوجُهٍ:
стр. 10674
أصحُّها عندَ الشَّيخينِ -وهو المَنصوصُ-: يُشترطُ تَأخُّرُ المُتقدِّمِ وعكسُه، فإذا قالَ: «إنْ أكَلْتِ إنْ شَربْتِ فأنتِ طالقٌ» .. لم تَطلُقْ حتى يَتقدَّمَ شُربُها على أكلِها؛ لأنَّ الشرطَ الثاني قَيدٌ في الأولِ، فلا بدَّ مِنْ تَقدُّمِه، والمُرادُ بالتقدُّمِ أنْ لا يَتأخَّرَ.
والوَجهُ الثَّاني: عَكسُه.
والثالثُ: لا يُشترطُ إلا وُجودُ الشرطَينِ كيفَ كانَ (١).
إذا علَّقَ الطَّلاقَ على مَشيئةِ زوْجتِه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا علَّقَ طَلاقَ زَوجتِه على مَشيئتِها بأنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» فقالَتْ: «شِئْتُ» أنها طالِقٌ؛ لأنه علَّقَ الطلاقَ بمَشيئتِها وقد أتَتْ بالشرطِ، وإنْ لم تَشَأْ لَم تَطلُقْ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل هذا خاصٌّ بالمَجلسِ ويَجبُ أنْ يكونَ على الفَورِ؟ أم على التراخِي؟ على تَفصيلٍ عندَهم.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يُشترطُ الفَورُ في المَجلسِ إذا كانَ بحَرفِ «إنْ»، كما لو قالَ لهَا: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ»، فلو انفَضَّ المَجلسُ ثمَّ قالَتْ: «قَدْ شِئتُ» لم يقَعِ الطلاقُ، وهو رِوايةٌ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ.
وأمَّا إذا كانَ ب «متَى شِئتِ» فهو على الأبَدِ إلى أنْ تَختارَ، وكذا ب «إذَا» عندَ الحَنفيةِ.
стр. 10675
قالَ الحَنفيةُ: إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ» فهو على المَجلسِ، فإنْ شاءَتْ في ذلكَ المكانِ طَلُقتْ، وإنْ قامَتْ مِنْ ذلكَ المكانِ أو نامَتْ أو اشتغَلَتْ بشيءٍ فلا مَشيئةَ لها بعدَ ذلكَ.
وإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ إذا شِئتِ» كانَ على الأبَدِ، وكذلك «متَى شِئتِ».
ولو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إذا شِئتِ، أو إذا ما شِئتِ، أو متَى شِئتِ، أو متَى ما شِئتِ» فرَدَّتِ الأمرَ لم يَكنْ رَدًّا ولم يَقتصرْ على المَجلسِ.
أمَّا كَلمةُ «مَتى» و «مَتى مَا» فلأنَّهما للوقَتِ، وهيَ عامَّةٌ في الأوقاتِ كُلِّها، كأنه قالَ: «في أيِّ وقتٍ شِئتِ»، فلا يَقتصرُ على المَجلسِ بالإجماعِ، ولو رَدَّتِ الأمرَ لم يَكنْ رَدًّا؛ لأنه ملَّكَها الطلاقَ في الوَقتِ الذي شاءَتْ، فلم يكنْ تَمليكًا قبلَ المَشيئةِ حتَّى يَرتدَّ بالردِّ، ولا تُطلِّقُ نفسَها إلا واحدةً؛ لأنها تَعمُّ الأزمانَ دونَ الأفعالِ، فتَملكُ التَّطليقَ في كلِّ زَمانٍ، ولا تَملكُ تَطليقًا بعدَ تَطليقٍ.
وأما كَلمةُ «إذا» و «إذا ما» فهُمَا و «متَى» سواءٌ وإنْ كانَ يُستعملُ للشرطِ كما يُستعملُ للوَقتِ، لكنَّ الأمرَ صارَ بيَدِها، فلا يُخرَجُ بالشكِّ.
ولو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ كُلَّما شِئتِ» فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها واحدةً بعدَ واحدةٍ حتى تُطلِّقَ نفسَها ثَلاثًا؛ لأنَّ كَلمةَ «كُلَّما» تُوجِبَ تَكرارَ الأفعالِ، إلا أنَّ التعليقَ يَنصرفُ إلى المِلكِ القائِمِ، حتى لو عادَتْ إليهِ بعدَ زَوجٍ آخَرَ فطلَّقَتْ نفسَها لم يَقعْ شيءٌ؛ لأنه مِلكٌ مُستحدَثٌ، وليسَ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ثلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ؛ لأنها تُوجِبُ عُمومَ الانفِرادِ لا عُمومَ الاجتِماعِ، فلا تَملكُ الإيقاعَ جُملةً وجَمعًا.
стр. 10676
ولو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ حَيثُ شِئتِ، أو أينَ شَئتِ» لم تُطلَّقْ حتى تَشاءَ، وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها فلا مَشيئةَ لها؛ لأنَّ كَلمةَ «حَيثُ» و «أينَ» مِنْ أسماءِ المَكانِ، والطلاقُ لا تَعلُّقَ له بالمكانِ، فيَلغو ويَبقى ذِكرُ مُطلَقِ المَشيئةِ، فيَقتصرُ على المَجلسِ، بخلافِ الزمانِ؛ لأنَّ له تَعلُّقًا بهِ حتى تقَعُ في زَمانٍ دُونَ زمانٍ، فوجَبَ اعتِبارُه عُمومًا وخُصوصًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو علَّقَ الزوجُ الطلاقَ بمَشيئتِها وهو مُخاطِبٌ لها كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ، أو إذا شِئتِ، أو: إنْ، أو إذا شِئتِ فأنتِ طالِقٌ» اشتُرطَتْ مَشيئتُها لَفظًا على الفَورِ؛ لتَضمُّنِ ذلكَ لتَمليكِها الطلاقَ ك: «طلِّقِي نفسَكِ»، ولأنها استبانةٌ لرَغبتِها، فكانَ جَوابُها على الفَورِ كالقَبولِ في العُقودِ، والمرادُ بالفَورِ مَجلسُ التواجُبِ.
وقيلَ: إذا شاءَتْ في المَجلسِ طلقَتْ؛ لأنَّ حَريمَ العَقدِ يَقومُ مَقامَه كما في القَبضِ في التصرُّفِ والسَّلمِ.
وقيلَ: أيَّ وَقتٍ شاءَتْ طلقَتْ، ولا يَتقيَّدُ ذلكَ بوَقتٍ، كما لو قالَ لها: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ».
وهذا إذا علَّقَ بصِيغةِ «إنْ» أو «إذا»، أمَّا إذا قالَ: «متَى شِئتِ» فلا يُشترطُ الفَورُ.
стр. 10677
وأما لو علَّقَ الطلاقَ بمَشيئتِها غَيبةً لا على مُخاطَبتِه لها كقَولِه: «زَوجتِي طالقٌ إنْ شاءَتْ» لم يُشترطِ المَشيئةُ على الفَورِ على الأصَحِّ، سواءٌ كانَتْ حاضِرةً أم غائِبةً.
وكذا لو علَّقَه بمَشيئةِ أجنَبيٍّ خِطابًا كقولِه لأجنَبيٍّ: «إنْ شِئتَ فزَوجتِي طالقٌ»، فلا يُشترطُ فَورٌ في الأصَحِّ؛ لبُعدِ التمليكِ في الأُولى ولانتفائِه في الثانيةِ.
ومُقابِلُ الأصَحِّ: يُشترطُ الفَورُ؛ نَظرًا إلى تَضمُّنِ التمليكِ في الأُولَى، وإلى الخِطابِ في الثانيةِ.
أما إذا علَّقَه بمَشيئةِ أجنَبيٍّ غَيبةً ك: «إنْ شاءَ زَيدٌ» لم يُشترطِ الفَورُ جَزمًا، ولو علَّقَه بمَشيئتِها خِطابًا وبمَشيئةِ زَيدٍ كذلكَ اشتُرطَ الفَورُ في مَشيئتِها فقطْ دونَ زَيدٍ؛ إعطاءً لكلٍّ منهُما حُكمَه لو انفَردَ.
ولو قالَ المُعلَّقُ بمَشيئتِه مِنْ زَوجةٍ أو أجنَبيٍ: «شِئتُ» كارِهًا بقَلبِه وقَعَ الطلاقُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لوُجودِ المُعلَّقِ عليهِ وهوَ لفظُ المَشيئةِ.
وقيلَ: لا يَقعُ باطنًا؛ لانتفاءِ المَشيئةِ في الباطِنِ.
ولو قالَ المُعلَّقُ على مَشيئتِه مِنْ زَوجةٍ أو غيرِها: «شِئتُ إنْ شِئتَ» لَم تَطلُقْ وإنْ شاءَ الزوجُ؛ لأنَّ التعليقَ على مَشيئةِ مَنْ ذُكرَ ولم تُوجَدْ، وإنَّما وُجدَ تَعليقُها، والمَشيئةُ خبَرٌ عمَّا في النفسِ مِنْ الإرادةِ، وذلكَ لا يَتعلَّقُ بالشرطِ.
ولا يَقعُ طلاقٌ عُلِّقَ بمَشيئةِ كلٍّ مِنْ صَبيةٍ وصَبيٍّ وإنْ كانَا مُميِّزينِ؛ لأنه
стр. 10678
لا اعتبارَ بمَشيئتِهما في التصرُّفاتِ، ولأنه لو قالَ لصَغيرةٍ: «طَلِّقي نفسَكِ» فطلَّقَتْ لم يَقعْ، فكذا إنْ علَّقَ بمَشيئتِها.
وقيلَ: يقَعُ الطلاقُ المُعلَّقُ بمَشيئةِ مُميِّزٍ؛ لأنَّ مَشيئتَه مُعتبَرةٌ في اختيارِ أحَدِ أبوَيه.
ولا رُجوعَ للشخصِ الذي علَّقَ الطلاقَ بمَشيئةِ غيرِه قبلَ المَشيئةِ مِنْ ذلكَ الغيرِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ» فهو تَمليكٌ، فليسَ لهُ العَزلُ، وحِيلَ بينَهُما حتى تُجيبَ، ولا تُمهَلُ، بل يُحالُ بينَه وبينَها حتى تُجيبَ بما يَقتضِي رَدًّا أو أخذًا، بخلافِ المُوكَّلةِ؛ فإنَّ الأمرَ بيَدِه لم يُخرِجْه عنه إليها، فلهُ عَزلُها والتمكُّنُ منها.
جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إذا شِئتِ»؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إنَّ المَشيئةَ لها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها ذلكَ حتى تُوقَفَ، فتَقضي أو تَتركَ، فإنْ هي ترَكَتْه فجامَعَها قبلَ أنْ تُوقَفَ أو تَقضي فلا شيءَ لها وقد بطَلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلكَ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وإنَّما قلتُ لكَ في الرَّجلِ الذي يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ وإنْ تَفرَّقَا مِنْ مَجلسِهما؛ لأنَّ مالِكًا قد
стр. 10679
ترَكَ قولَه الأولَ في التمليكِ، ورجَعَ إلى أنْ قالَ: ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، فهو أشكَلُ مِنْ التمليكِ؛ لأنَّ مالِكًا قد كانَ يَقولُ مرَّةً: إذا قالَ الرَّجلُ لغُلامِه: «أنتَ حُرٌّ إذا قَدِمَ أبي، أو: أنتَ حرٌّ إنْ قَدِمَ أبي» كانَ يقولُ: هُما مُفتَرِقانِ، قولُه: «إذا قَدِمَ أبي» أشَدُّ وأقوَى عندِي مِنْ قولِه: «إنْ قَدِمَ أبِي»، ثمَّ رجَعَ فقالَ: هُما سَواءٌ «إذا» و «إنْ»، فعلَى هذا رَأيتُ قولَه: «إذا شِئتِ فأنتِ طالقٌ، و: إنْ شِئتِ فأنتِ طالقٌ» على قولِه: «إذا قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ، و: إنْ قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ»، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قَبِلَتْه أيَكونُ هذا تَركًا لِمَا كانَ جعَلَ لها مِنْ ذلك؟ (قالَ): نعمْ، وهذا رأيِي ولم أسمَعْه مِنْ مالِكٍ (١).
وفيها أيضًا: (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو اختارِي، أو أمرُكِ بيَدكِ» أيَكونُ ذلكَ لها إنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): كانَ مالكٌ مرَّةً يَقولُ: ذلكَ لها ما دامَتْ في مَجلسِها، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها، فقيلَ لمالكٍ: فلو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أمرُكِ بيَدكِ» ثمَّ وثَبَ فارًّا يريدُ أنْ يَقطعَ بذلكَ عنها ما كانَ جعَلَ لها مِنْ التمليكِ، (قالَ): لا يَقطعُ ذلكَ عنها الذي جعَلَ لها مِنْ التمليكِ.
فقيلَ لمالكٍ: فما حَدُّه عندكَ؟ فقالَ: إذا قعَدَ معها قدْرَ ما يَرَى الناسُ أنها تَختارُ في مِثلِه وإنَّ فِراقَه إيَّاها لم يُرِدْ بذلكَ فِرارًا إلا أنه قامَ على وَجهِ ما يُقامُ له فلا خِيارَ للمَرأةِ بعدَ ذلكَ، فكانَ هذا قولَه قَديمًا ثمَّ رجَعَ فقالَ: أرَى ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، (قالَ): فقيلَ لمالكٍ: كأنَّكَ رَأيتَه مثلَ التي تقولُ:
стр. 10680
«قَدْ قَبلْتُ» وتفرَّقَا ولم تَقْضِ شيئًا؟ (قالَ): نعمْ، ذلكَ في يَدَيها إنْ قالَتْ في مَجلسِها ذلكَ: «قد قَبلْتُ» أو لم تَقُلْ: «قد قَبلْتُ» فذلك في يَدَيها حتى تُوقَفَ أو تُوطأَ قبلَ أنْ تَقضي، فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ، وقولُه: «اختارِي» إنَّ ذلكَ لها في قولِ مالكٍ مثلُ ما يكونُ لها في قولِه لها: «أمرُكِ بيَدكِ».
وكذلكَ قالَ مالِكٌ في الخِيارِ و «أمرُكِ بيَدكِ»؛ أنه سواءٌ في الذي يُجعلُ منه إلى المرأةِ، وقولُه الأولُ أعجَبُ إليَّ إذا تفرَّقَا فلا شيءَ لها، وهو الذي عليهِ جَماعةُ الناسِ.
(قالَ ابنُ القاسِمِ): وإذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلك في يَدَيها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها، ولم أسمَعْ مِنْ مالكٍ فيهِ شيئًا، إلا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها قبلَ أنْ تَقضي، وأرَى أنْ تُوقَفَ فإما أنْ تَقضي، وإمَّا أنْ يَبطلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلك، وإنما قلتُ ذلكَ لأنه حينَ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» كأنه تَفويضٌ فوَّضَه إليها.
(قلتُ): أرَأيتَ إذا خيَّرَ الرَّجلُ امرأتَه، حتَّى متى يَكونُ لها أنْ تَقضي في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): يكونُ لها أنْ تَقضِي إلى مثلِ ما أخبَرتُكَ في التمليكِ، إلى أنْ يَفترقَا، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو إذا شِئتِ، أو متى شئتِ، أو كُلَّما شئتِ، أو كيفَ شِئتِ، أو