← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

ولو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ حَيثُ شِئتِ، أو أينَ شَئتِ» لم تُطلَّقْ حتى تَشاءَ، وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها فلا مَشيئةَ لها؛ لأنَّ كَلمةَ «حَيثُ» و «أينَ» مِنْ أسماءِ المَكانِ، والطلاقُ لا تَعلُّقَ له بالمكانِ، فيَلغو ويَبقى ذِكرُ مُطلَقِ المَشيئةِ، فيَقتصرُ على المَجلسِ، بخلافِ الزمانِ؛ لأنَّ له تَعلُّقًا بهِ حتى تقَعُ في زَمانٍ دُونَ زمانٍ، فوجَبَ اعتِبارُه عُمومًا وخُصوصًا (١). وقالَ الشافِعيةُ: لو علَّقَ الزوجُ الطلاقَ بمَشيئتِها وهو مُخاطِبٌ لها كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ، أو إذا شِئتِ، أو: إنْ، أو إذا شِئتِ فأنتِ طالِقٌ» اشتُرطَتْ مَشيئتُها لَفظًا على الفَورِ؛ لتَضمُّنِ ذلكَ لتَمليكِها الطلاقَ ك: «طلِّقِي نفسَكِ»، ولأنها استبانةٌ لرَغبتِها، فكانَ جَوابُها على الفَورِ كالقَبولِ في العُقودِ، والمرادُ بالفَورِ مَجلسُ التواجُبِ. وقيلَ: إذا شاءَتْ في المَجلسِ طلقَتْ؛ لأنَّ حَريمَ العَقدِ يَقومُ مَقامَه كما في القَبضِ في التصرُّفِ والسَّلمِ. وقيلَ: أيَّ وَقتٍ شاءَتْ طلقَتْ، ولا يَتقيَّدُ ذلكَ بوَقتٍ، كما لو قالَ لها: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ». وهذا إذا علَّقَ بصِيغةِ «إنْ» أو «إذا»، أمَّا إذا قالَ: «متَى شِئتِ» فلا يُشترطُ الفَورُ.

стр. 10677

وأما لو علَّقَ الطلاقَ بمَشيئتِها غَيبةً لا على مُخاطَبتِه لها كقَولِه: «زَوجتِي طالقٌ إنْ شاءَتْ» لم يُشترطِ المَشيئةُ على الفَورِ على الأصَحِّ، سواءٌ كانَتْ حاضِرةً أم غائِبةً. وكذا لو علَّقَه بمَشيئةِ أجنَبيٍّ خِطابًا كقولِه لأجنَبيٍّ: «إنْ شِئتَ فزَوجتِي طالقٌ»، فلا يُشترطُ فَورٌ في الأصَحِّ؛ لبُعدِ التمليكِ في الأُولى ولانتفائِه في الثانيةِ. ومُقابِلُ الأصَحِّ: يُشترطُ الفَورُ؛ نَظرًا إلى تَضمُّنِ التمليكِ في الأُولَى، وإلى الخِطابِ في الثانيةِ. أما إذا علَّقَه بمَشيئةِ أجنَبيٍّ غَيبةً ك: «إنْ شاءَ زَيدٌ» لم يُشترطِ الفَورُ جَزمًا، ولو علَّقَه بمَشيئتِها خِطابًا وبمَشيئةِ زَيدٍ كذلكَ اشتُرطَ الفَورُ في مَشيئتِها فقطْ دونَ زَيدٍ؛ إعطاءً لكلٍّ منهُما حُكمَه لو انفَردَ. ولو قالَ المُعلَّقُ بمَشيئتِه مِنْ زَوجةٍ أو أجنَبيٍ: «شِئتُ» كارِهًا بقَلبِه وقَعَ الطلاقُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لوُجودِ المُعلَّقِ عليهِ وهوَ لفظُ المَشيئةِ. وقيلَ: لا يَقعُ باطنًا؛ لانتفاءِ المَشيئةِ في الباطِنِ. ولو قالَ المُعلَّقُ على مَشيئتِه مِنْ زَوجةٍ أو غيرِها: «شِئتُ إنْ شِئتَ» لَم تَطلُقْ وإنْ شاءَ الزوجُ؛ لأنَّ التعليقَ على مَشيئةِ مَنْ ذُكرَ ولم تُوجَدْ، وإنَّما وُجدَ تَعليقُها، والمَشيئةُ خبَرٌ عمَّا في النفسِ مِنْ الإرادةِ، وذلكَ لا يَتعلَّقُ بالشرطِ. ولا يَقعُ طلاقٌ عُلِّقَ بمَشيئةِ كلٍّ مِنْ صَبيةٍ وصَبيٍّ وإنْ كانَا مُميِّزينِ؛ لأنه

стр. 10678

لا اعتبارَ بمَشيئتِهما في التصرُّفاتِ، ولأنه لو قالَ لصَغيرةٍ: «طَلِّقي نفسَكِ» فطلَّقَتْ لم يَقعْ، فكذا إنْ علَّقَ بمَشيئتِها. وقيلَ: يقَعُ الطلاقُ المُعلَّقُ بمَشيئةِ مُميِّزٍ؛ لأنَّ مَشيئتَه مُعتبَرةٌ في اختيارِ أحَدِ أبوَيه. ولا رُجوعَ للشخصِ الذي علَّقَ الطلاقَ بمَشيئةِ غيرِه قبلَ المَشيئةِ مِنْ ذلكَ الغيرِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ» فهو تَمليكٌ، فليسَ لهُ العَزلُ، وحِيلَ بينَهُما حتى تُجيبَ، ولا تُمهَلُ، بل يُحالُ بينَه وبينَها حتى تُجيبَ بما يَقتضِي رَدًّا أو أخذًا، بخلافِ المُوكَّلةِ؛ فإنَّ الأمرَ بيَدِه لم يُخرِجْه عنه إليها، فلهُ عَزلُها والتمكُّنُ منها. جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إذا شِئتِ»؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إنَّ المَشيئةَ لها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها ذلكَ حتى تُوقَفَ، فتَقضي أو تَتركَ، فإنْ هي ترَكَتْه فجامَعَها قبلَ أنْ تُوقَفَ أو تَقضي فلا شيءَ لها وقد بطَلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلكَ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وإنَّما قلتُ لكَ في الرَّجلِ الذي يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ وإنْ تَفرَّقَا مِنْ مَجلسِهما؛ لأنَّ مالِكًا قد

стр. 10679

ترَكَ قولَه الأولَ في التمليكِ، ورجَعَ إلى أنْ قالَ: ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، فهو أشكَلُ مِنْ التمليكِ؛ لأنَّ مالِكًا قد كانَ يَقولُ مرَّةً: إذا قالَ الرَّجلُ لغُلامِه: «أنتَ حُرٌّ إذا قَدِمَ أبي، أو: أنتَ حرٌّ إنْ قَدِمَ أبي» كانَ يقولُ: هُما مُفتَرِقانِ، قولُه: «إذا قَدِمَ أبي» أشَدُّ وأقوَى عندِي مِنْ قولِه: «إنْ قَدِمَ أبِي»، ثمَّ رجَعَ فقالَ: هُما سَواءٌ «إذا» و «إنْ»، فعلَى هذا رَأيتُ قولَه: «إذا شِئتِ فأنتِ طالقٌ، و: إنْ شِئتِ فأنتِ طالقٌ» على قولِه: «إذا قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ، و: إنْ قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ»، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قَبِلَتْه أيَكونُ هذا تَركًا لِمَا كانَ جعَلَ لها مِنْ ذلك؟ (قالَ): نعمْ، وهذا رأيِي ولم أسمَعْه مِنْ مالِكٍ (١). وفيها أيضًا: (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو اختارِي، أو أمرُكِ بيَدكِ» أيَكونُ ذلكَ لها إنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): كانَ مالكٌ مرَّةً يَقولُ: ذلكَ لها ما دامَتْ في مَجلسِها، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها، فقيلَ لمالكٍ: فلو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أمرُكِ بيَدكِ» ثمَّ وثَبَ فارًّا يريدُ أنْ يَقطعَ بذلكَ عنها ما كانَ جعَلَ لها مِنْ التمليكِ، (قالَ): لا يَقطعُ ذلكَ عنها الذي جعَلَ لها مِنْ التمليكِ. فقيلَ لمالكٍ: فما حَدُّه عندكَ؟ فقالَ: إذا قعَدَ معها قدْرَ ما يَرَى الناسُ أنها تَختارُ في مِثلِه وإنَّ فِراقَه إيَّاها لم يُرِدْ بذلكَ فِرارًا إلا أنه قامَ على وَجهِ ما يُقامُ له فلا خِيارَ للمَرأةِ بعدَ ذلكَ، فكانَ هذا قولَه قَديمًا ثمَّ رجَعَ فقالَ: أرَى ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، (قالَ): فقيلَ لمالكٍ: كأنَّكَ رَأيتَه مثلَ التي تقولُ:

стр. 10680

«قَدْ قَبلْتُ» وتفرَّقَا ولم تَقْضِ شيئًا؟ (قالَ): نعمْ، ذلكَ في يَدَيها إنْ قالَتْ في مَجلسِها ذلكَ: «قد قَبلْتُ» أو لم تَقُلْ: «قد قَبلْتُ» فذلك في يَدَيها حتى تُوقَفَ أو تُوطأَ قبلَ أنْ تَقضي، فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ، وقولُه: «اختارِي» إنَّ ذلكَ لها في قولِ مالكٍ مثلُ ما يكونُ لها في قولِه لها: «أمرُكِ بيَدكِ». وكذلكَ قالَ مالِكٌ في الخِيارِ و «أمرُكِ بيَدكِ»؛ أنه سواءٌ في الذي يُجعلُ منه إلى المرأةِ، وقولُه الأولُ أعجَبُ إليَّ إذا تفرَّقَا فلا شيءَ لها، وهو الذي عليهِ جَماعةُ الناسِ. (قالَ ابنُ القاسِمِ): وإذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلك في يَدَيها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها، ولم أسمَعْ مِنْ مالكٍ فيهِ شيئًا، إلا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها قبلَ أنْ تَقضي، وأرَى أنْ تُوقَفَ فإما أنْ تَقضي، وإمَّا أنْ يَبطلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلك، وإنما قلتُ ذلكَ لأنه حينَ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» كأنه تَفويضٌ فوَّضَه إليها. (قلتُ): أرَأيتَ إذا خيَّرَ الرَّجلُ امرأتَه، حتَّى متى يَكونُ لها أنْ تَقضي في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): يكونُ لها أنْ تَقضِي إلى مثلِ ما أخبَرتُكَ في التمليكِ، إلى أنْ يَفترقَا، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو إذا شِئتِ، أو متى شئتِ، أو كُلَّما شئتِ، أو كيفَ شِئتِ، أو

стр. 10681

حَيثُ شئتِ، أو أنَّى شئتِ» لم تَطلُقْ حتى تَشاءَ وتَنطِقَ بالمَشيئةِ بلِسانِها فتقولَ: «قدْ شِئتُ»؛ لأنَّ ما في القَلبِ لا يُعلَمُ حتى يُعبِّرَ عنه اللِّسانُ، فتَعلَّقَ الحُكمُ بما يَنطقُ بهِ دونَ ما في القَلبِ، فلو شاءَتْ بقَلبِها دونَ نُطقِها لم يقَعْ طلاقٌ، ولو قالَتْ: «قدْ شِئتُ» بلِسانِها وهي كارهةٌ لَوقَعَ الطلاقُ؛ اعتبارًا بالنُّطقِ، وكذلكَ إنْ علَّقَ الطلاقَ بمَشيئةِ غيرِها، ومتى وُجدَتِ المَشيئةُ باللسانِ وقَعَ الطلاقُ، سواءٌ كانَ على الفَورِ أو التراخي، نَصَّ عليهِ أحمَدُ في تَعليقِ الطلاقِ بمَشيئةِ فُلانٍ، وفيما إذا قالَ: «أنتِ طالقٌ حَيثُ شِئتِ، أو أنَّى شئتِ»؛ لأنه أضافَ الطلاقَ إلى مَشيئتِها، فأشبَهَ ما لو قالَ: «حَيثُ شئتِ»، ولأنهُ تَعليقٌ للطلاقِ على شرطٍ، فكانَ على التراخي كسائرِ التعليقِ، ولأنه إزالةُ مِلكٍ مُعلَّقٍ على المَشيئةِ، فكانَ على التراخي كالعِتقِ. وإنْ ماتَ مَنْ لهُ المَشيئةُ أو جُنَّ لم يقَعِ الطلاقُ؛ لأنَّ شرْطَ الطلاقِ لم يُوجَدْ، وحُكيَ عن أبي بكرٍ أنه يَقعُ، وليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ الطلاقَ المُعلَّقَ على شَرطٍ لا يقَعُ إذا تَعذَّرَ شَرطُه، كما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ دخَلْتِ الدارِ»، وإنْ شاءَ وهو مَجنونٌ لم يَقعْ طلاقُه؛ لأنه لا حُكمَ لكَلامِه، وإنْ شاءَ وهو سَكرانُ فالصحيحُ أنه لا يقَعُ؛ لأنهُ زائِلُ العَقلِ، فهو كالمَجنونِ، وإنْ شاءَ وهو طِفلٌ لم يَقعْ؛ لأنه كالمَجنونِ، وإنْ كانَ يَعقلُ الطلاقَ وقَعَ؛ لأنَّ له مَشيئتَه، ولذلكَ يَصحُّ اختِيارُه لأحَدِ أبوَيه، وإنْ كانَ أخرَسَ فَشاءَ بالإشارةِ وقَعَ الطلاقُ؛ لأنَّ إشارتَه تَقومُ مَقامَ نُطقِ الناطقِ، ولذلكَ وقَعَ طلاقُه بها.

стр. 10682

فإنْ قيَّدَ المَشيئةَ بوَقتٍ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ اليومَ» تقيَّدَ بهِ، فإنْ خرَجَ اليومُ قبلَ مَشيئتِها لم تَطلُقْ. وإنْ علَّقَه على مَشيئةِ اثنَينِ لم يقَعْ حتى تُوجَدَ مَشيئتُهما. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شئتِ» فقالَتْ: «قد شِئتُ إنْ شِئتَ» فقالَ: «قد شِئتُ»، أو قالَتْ: «قَدْ شِئتُ إنْ طلَعَتِ الشَّمسُ» لم يقَعْ، نَصَّ أحمدُ على مَعنى هذا، وهو قولُ سائرِ أهلِ العِلمِ، منهُم الشافعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ. قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئتِ» فقالَتْ: «قدْ شِئتُ إنْ شاءَ فُلانٌ» أنها قد رَدَّتِ الأمرَ، ولا يَلزمُها الطلاقُ وإنْ شاءَ فلانٌ (١)؛ وذلكَ لأنه لم تُوجَدْ منها مَشيئةٌ، وإنَّما وُجدَ منها تَعليقُ مَشيئتِها بشَرطٍ، وليسَ تَعليقُ المَشيئةِ بشَرطٍ مَشيئةً. وإنْ علَّقَ الطلاقَ على مَشيئةِ اثنَينِ فَشاءَ أحَدُهما على الفُورِ والآخَرُ على التراخي وقَعَ الطلاقُ، لأنَّ المَشيئةَ قد وُجِدَتْ منهُما جَميعًا (٢). وسيأتي في الفَصلِ القادمِ تَفصيلُ التفويضِ عندَ كلِّ مَذهبٍ.

стр. 10683

فصل في التَّفويضِ في الطَّلاقِ للزَّوجةِ أو لغيرِ الزَّوجةِ التَّفويضُ يَدخلُ تحتَه أنواعُ التخييرِ والتمليكِ والتوكيلِ، ويَجوزُ للزوجِ عِنْدَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ أنْ يُفوِّضَ طلاقَ زَوجتِه إليها أو إلى غيرِ الزوجةِ تَوكيلًا وتَخييرًا وتَمليكًا؛ لِمَا رَوى أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ: «لمَّا أُمِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بتَخييرِ أزواجِه بَدَأَ بي فقالَ: إني ذاكِرٌ لكِ أمرًا، فلا عليكِ أنْ لا تَعجَلِي حتى تَستأْمِرِي أبوَيكِ، قالَتْ: وقد عَلِمَ أنَّ أبوَيَّ لم يكُونَا يَأمُراني بفِراقِه، قالَتْ: ثمَّ قالَ: إنَّ اللهَ جلَّ ثَناؤُه قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، قالَتْ: فقلتُ: ففي أيِّ هذا أستَأْمِرُ أبوَيَّ؟! فإني أريدُ اللهَ ورَسولَه والدارَ الآخِرةَ، قالَتْ: ثمَّ فعَلَ أزواجُ النبيِّ ﷺ مثلَ ما فعَلْتُ» (١).

стр. 10684

إلا أنَّ للفُقهاءِ تَفصِيلًا في كلِّ مَذهبٍ، بَيانُه فيما يلي: قالَ الحَنفيةُ: تَفويضُ الطلاقِ ثَلاثةُ أنواعٍ: تَفويضٌ وتَوكيلٌ ورسالةٌ، وألفاظُ التفويضِ ثلاثةٌ: تَخييرٌ وأمرٌ بيَدٍ ومَشيئةٌ. فإذا قالَ لامرَأتِه: «اختارِي نفسَكِ» يَنوي بذلكَ الطلاقَ، أو قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ» فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ما دامَتْ في مَجلسِها ذلكَ، وإنْ تَطاولَ يَومًا أو أكثَرَ، ما لَم تَقُمْ منه أو تأخَذَ في عَملٍ آخَرَ، وكذا إذا قامَ هو مِنْ المَجلسِ فالأمرُ في يَدِها ما دامَتْ في مَجلسِها، وليسَ للزوجِ أنْ يَرجعَ في ذلكَ ولا يَنهاها عمَّا جعَلَ إليها ولا يَفسخَ. فإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها أو أخَذَتْ في عَملٍ آخَرَ قبلَ أنْ تَختارَ نفسَها خرَجَ الأمرُ مِنْ يَدِها؛ لأنها إذا قامَتْ صارَتْ مُعرِضةً، وكذا إذا اشتَغلَتْ بعَملٍ آخَرَ يُعلَمُ أنه قاطعٌ لِمَا كانَ قبلَه، كما إذا دَعَتْ بطَعامٍ لتأكُلَه أو نامَتْ أو امتشَطَتْ أو اغتسَلَتْ أو اختضَبَتْ أو جامَعَها زَوجُها أو خاطَبَتْ رَجلًا بالبيعِ أو الشراءِ، فهذا كلُّه يُبطِلُ خِيارَها. ولها الخِيارُ ما دامَتْ في مَجلسِها، وهذا إذا لم يَكنِ الخِيارُ مُؤقَّتًا، أما إذا كانَ مُؤقَّتًا -كما إذا قالَ لها: «اختارِي نفسَكِ اليومَ أو هذا الشهرَ أو شهرًا أو سَنةً» - فلها أنْ تَختارَ ما دامَ الوقتُ باقِيًا، سواءٌ أعرَضَتْ عنِ المَجلسِ أو اشتغَلَتْ بعَملٍ آخَرَ أو لم تُعرِضْ فهو سواءٌ، ويَكونُ لها الخِيارُ في ذلكَ الوقتِ المُؤقَّتِ، وإنْ قالَ لها: «اختارِي اليومَ، أو: أمرُكِ بيَدكِ اليومَ، أو هذا

стр. 10685

الشهرَ» فلها الخِيارُ فيما بَقيَ مِنْ اليَومِ أو الشهرِ لا غيرَ، وإنْ قالَ: «يومًا» فهو مِنْ ساعةِ تَكلَّمَ إلى مِثلِها مِنْ الغَدِ. وإنْ قالَ لها: «أمرُكِ بيَدكِ كلَّما شِئتِ» فأمرُها بيَدِها في ذلكَ المَجلسِ وغيرِه، ولها أنْ تُطلِّقَ نفسَها في كُلِّ مَجلسٍ واحدةً حتى تَبِينَ بثَلاثٍ؛ لأنَّ «كُلَّما» تَقتَضي التَّكرارَ، إلا أنها لا تُطلِّقُ نفسَها في كلِّ مَجلسٍ أكثَرَ مِنْ واحِدةٍ، فإذا استَوفَتْ ثلاثًا وتَزوَّجَها بعدَ زَوجٍ فلا خِيارَ لها. ثمَّ لا بدَّ مِنْ النِّيةِ في قولِه: «اختارِي»؛ لأنه كِنايةٌ، وكذا أيضًا في قولِه: «أمرُكِ بيَدكِ». فإنْ قالَ لهَا: «أمرُكِ بيَدِكِ إذا شِئتِ، أو متى شِئتِ، أو إذا ما شئتِ» فلها في المَجلسِ وغيرِه أنْ تَختارَ مرَّةً واحدةً لا غيرَ؛ لأنَّ «إذا» و «متى» يُفيدانِ الوقتَ، فكأنَّه قالَ لها: «اختارِي أيَّ وَقتٍ شئتِ»، فإنِ اختارَتْ في المَجلسِ زوْجَها خرَجَ الأمرُ مِنْ يَدِها في «كُلَّما» وغيرِه. فإنِ اختارَتْ نفسَها في قولِه: «اختارِي نفسَكِ» كانَتْ واحدةً بائِنةً، ولا تَحِلُّ له إلا بنكاحٍ مُستقبَلٍ، ولا يَكونُ ثلاثًا وإنْ نَوَى الزوجُ ذلكَ. ولا بُدَّ مِنْ ذِكرِ النَّفسِ في كلامِه أو كَلامِها، حتى لو قالَ: «اختارِي» فقالَتْ: «اختَرْتُ» فهو باطلٌ، وإذا قالَتْ: «اختَرْتُ نفْسِي أو أبي أو أمِّي أو أهلِي أو الأزواجَ» فهذا كلُّه دَلالةٌ على الطلاقِ، وإنْ قالَتْ:

стр. 10686

«اختَرْتُ نَفسِي، لا بلْ زَوجِي، أو: اختَرْتُ نفسِي وزَوجِي» وقَعَ الطلاقُ، وإنْ قالَتْ: «اختَرْتُ زَوجِي، لا بل نَفسِي، أو: اختَرْتُ زَوجِي ونَفسِي» لا يقَعُ شيءٌ وخرَجَ الأمرُ مِنْ يَدِها، وإنْ قالَتْ: «أنا أختارُ نَفسِي» فالقياسُ أنْ لا يقَعَ شيءٌ؛ لأنَّ هذا مُجرَّدُ وَعدٍ، وفي الاستِحسانِ يقَعُ. وإنْ قالَ: «طَلِّقِي نفسَكِ» فقالَتْ: «أنا أُطلِّقُ نفْسِي» لا يقَعُ قياسًا واستِحسانًا. وإنْ قالَ لها: «اختارِي» فقالَتْ: «اختَرْتُ نفسِي، أو أبَنْتُ نَفسِي، أو حرَّمْتُ نَفسي، أو طلَّقْتُ نفسي» كانَ جَوابًا ويقَعُ بهِ الطلاقُ بائِنًا. وإنْ قالَ لها: «طَلِّقِي نفسَكِ» فقالَتْ: «طلَّقْتُ نَفسي، أو أبَنْتُ نفسِي، أو حَرَّمتُ نفسي» كانَ جوابًا ويقَعُ بهِ الطَّلاقُ رَجعيًّا، وإنْ قالتْ: «اختَرْتُ نفسي» لا يَكونُ جَوابًا. ولو قالَ: «اختارِي نفسَكِ» ونوَى الثلاثَ فطلَّقَتْ نفسَها ثَلاثًا أو واحدةً فهي واحدةٌ بائِنةٌ ولا يكونُ ثلاثًا. وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ ثلاثًا» أو نوَى الثلاثَ فطلَّقَتْ نفسَها ثلاثًا وقَعْنَ، وإنْ طلَّقَتْ نفسَها واحدةً فهي واحِدةٌ بالاتِّفاقِ. وإنْ قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ واحِدةً» فطلَّقَتْ نفسَها ثلاثًا لا يقَعُ شيءٌ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ يقَعُ واحدةٌ. وإنْ قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ» ولا نيَّةَ له أو نَوَى واحدةً فقالَتْ: «طلَّقْتُ نفسي» فهي واحِدةٌ رَجعيةٌ؛ لأنَّ المُفوَّضَ إليها صَريحُ الطلاقِ، وإنْ طلَّقَتْ

стр. 10687

نفسَها ثلاثًا وقد أرادَ الزوجُ ذلكَ وقَعْنَ عليها، وإنْ نوَى اثنتَينِ لا يَصحُّ إلا إذا كانَتْ أمَةً؛ لأنه جِنسُ حَقِّها. وإنْ قالَ لها: «طَلِّقِي نفسَكِ» فقالَتْ: «أبَنْتُ نفسي» طَلُقَتْ، وإنْ قالَتْ: «اختَرْتُ نفسي» لم تَطلُقُ؛ لأنَّ الإبانةَ مِنْ ألفاظِ الطلاقِ، ألَا ترَى أنه إذا قالَ لهَا: «أبَنتُكِ» يَنوي الطلاقَ أو قالَتْ: «أَبنْتُ نفْسِي» فقالَ الزوجُ: «قد أجَزْتُ ذلكَ» بانَتْ، بخِلافِ الاختيارِ؛ لأنه ليسَ مِنْ ألفاظِ الطلاقِ، ألَا ترَى أنه لو قالَ لامرأتِه: «اختَرتُكِ، أو اختاري» يَنوي الطلاقَ لم يَقعْ. ولو قالَتِ المَرأةُ ابتداءً: «اختَرْتُ نفسي» فقالَ الزوجُ: «أجَزْتُ» لا يقَعُ شيءٌ؛ لأنه إنما عُرِفَ طلاقًا إذا حصَلَ جَوابًا للتخييرِ، وقولُه: «طلِّقي نفسَكِ» ليسَ بتَخييرٍ، فيَلغو. وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ» له أنْ يَرجِعَ عنه، فإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها بطَلَ؛ لأنه تَمليكٌ، بخِلافِ ما إذا قالَ لها: «طلِّقي ضَرَّتَكِ»؛ لأنه تَوكيلٌ، فلا يَقتصرُ على المَجلسِ، فيُقبَلُ الرجوعُ. وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ متى شِئتِ» فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها في المَجلسِ وبعدَه؛ لأنَّ كَلمةَ «متَى» عامَّةٌ في الأوقاتِ، فصارَ كما إذا قالَ: «في أيِّ وقتٍ شِئتِ»، ولها المَشيئةُ مرَّةً واحدةً؛ لأنَّ «إذا» و «متى» لا تَقتضي التَّكرارَ، فإذا شاءَتْ وُجدَ شَرطُ الطلاقِ فطلُقَتْ ولم يَبْقَ لها مَشيئةٌ، حتى لو استَرجعَها فشاءَتْ بعدَ ذلك لم تُؤثِّرْ مَشيئتُها.

стр. 10688

ولو قالَ: «كُلَّما شِئتِ» كانَ ذلكَ لها أبَدًا حتى يقَعَ ثلاثٌ؛ لأنَّ «كلَّما» تَقتضي التَّكرارَ، فكُلَّما شاءَتْ وقَعَ عليها الطلاقُ، فإنْ عادَتْ إليهِ بعدَ زَوجٍ سقَطَتْ مَشيئتُها، وليسَ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ثلاثًا بكلمةٍ واحِدةٍ؛ لأنها تُوجِبُ عُمومَ الانفرادِ لا عُمومَ الاجتماعِ، فلا تَملكُ الإيقاعَ جُملةً وجَمعًا. وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ إنْ شِئتِ» فذلكَ مَقصورٌ على المَجلسِ؛ لأنَّ «إنْ» لا تَقتضي الوقتَ، وكذا: «إنْ أحبَبْتِ أو رَضِيتِ أو أرَدْتِ» كلُّه يَقتصرُ على المَجلسِ؛ لأنه علَّقَه بفِعلٍ مِنْ أفعالِ القَلبِ، فهوَ مثلُ الخِيارِ. التوكيلُ في الطلاقِ: وإنْ قالَ لرَجلٍ: «طلِّقِ امرأتي» فله أنْ يُطلِّقَها في المَجلسِ وبعدَه وله أنْ يَرجِعَ؛ لأنَّ هذا تَوكيلٌ واستِعانةٌ وليسَ بتَمليكٍ، فلا يَقتصرُ على المَجلسِ، بخِلافِ قولِه للمَرأةِ: «طلِّقِي نفسَكِ»، سواءٌ قالَ لها: «إنْ شِئتِ» أو لم يَقُلْ فإنه يَقتصرُ على المَجلسِ؛ لأنها عامِلةٌ لنَفسِها، فكانَ تَمليكًا لا توكيلًا. وإنْ قالَ: «طلِّقْها إنْ شِئتَ» فله أنْ يُطلِّقَها في المَجلسِ خاصَّةً، وليسَ للزَّوجِ أنْ يَرجعَ. والأصلُ في هذا أنَّ كُلَّ ما كانَ تَفويضًا فإنه يَقتصرُ على المَجلسِ، ولا يَملكُ الزوجُ النهيَ عنهُ، وكلُّ ما كانَ توكيلًا لا يَقتصرُ على المَجلسِ، ويَملكُ الزوجُ الرجوعَ عنه والنَّهيَ عنه. فإذا ثبَتَ هذا فنَقولُ: إذا قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ -سواءٌ قالَ لها: «إنْ

стр. 10689

شِئتِ» أو لا» - فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها في ذلكَ المَجلسِ خاصَّةً، وليسَ لهُ أنْ يَعزِلَها؛ لأنهُ تَفويضٌ، وكذا إذا قالَ لرَجلٍ: «طلِّقِ امرأتي» وقرَنَه بالمَشيئةِ فهو كذلكَ، وإنْ لم يَقرنْه بالمَشيئةِ كانَ توكيلًا ولم يَقتَصرْ على المَجلسِ ويَملكُ العَزلَ عنه. وإذا قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ وصاحِبتَكِ» فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها في المَجلسِ؛ لأنه تَفويضٌ في حقِّها، ولها أنْ تُطلِّقَ صاحِبتَها في المَجلسِ وغيرِه؛ لأنه تَوكيلٌ في حَقِّ صاحِبتِها. وإنْ قالَ لرَجلَينِ: «طلِّقَا امرَأتي إنْ شِئتُما» فليسَ لأحَدِهما التفرُّدُ بالطلاقِ ما لم يَجتمِعا عليه، وإنْ قالَ: «طلِّقَا امرأتي» ولم يَقرنْه بالمَشيئةِ كانَ تَوكيلًا وكانَ لأحَدِهما أنْ يُطلِّقَها. وإنْ قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا» فطلَّقَتْ نفسَها واحدةً فهي واحدةٌ؛ لأنها ملَكَتْ إيقاعِ الثلاثِ، فتَملكُ إيقاعِ الواحِدةِ ضَرورةً، وإنْ قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ واحِدةً» فطلَّقَتْ نفسَها ثلاثًا لم يقَعْ شيءٌ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنها أتَتْ بغيرِ ما فوَّضَ إليها، فكانَتْ مُبتدأةً، وعندَهُما يقَعُ واحِدةٌ؛ لأنها أتَتْ بما ملَكَتْه وزيادةٍ، فصارَ كما إذا طلَّقَها الزوجُ ألفًا، وإنْ قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ واحِدةً أَملِكُ الرَّجعةَ فيها» فقالَتْ: «طلَّقْتُ نفسِي طَلقةً بائِنةً» وقَعَتْ واحدةٌ رَجعيةٌ؛ لأنها أتَتْ بالأصلِ وزِيادةِ وَصفٍ، فيَلغو الوَصفُ ويَبقى الأصلُ، وإنْ قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ واحِدةً بائِنةً» فقالَتْ:

стр. 10690

«طلَّقتُ نفسِي واحِدةً رَجعيةً» وقَعَتْ بائِنةً؛ اعتِبارًا لأمرِ الزوجِ، وإنْ قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا إنْ شئتِ» فطلَّقَتْ واحِدةً لم يَقعْ شيءٌ؛ لأنَّ مَعناهُ «إنْ شِئتِ الثلاثَ» وهي ما شاءَتِ الثلاثَ، فلمْ يُوجَدِ الشرطُ، وإنْ قالَ: «طلِّقي نفسَكِ واحِدةً إنْ شئتِ» فطلَّقَتْ ثلاثًا فكذا عندَ أبي حَنيفةَ لا يَقعُ شيءٌ؛ لأنَّ مَشيئةَ الثلاثَ ليسَ مَشيئةً للواحِدةٍ، وعندَهُما يقَعُ واحِدةٌ؛ لأنَّ مَشيئةَ الثلاثِ مَشيئةٌ للواحِدةٍ. والفَرقُ بينَ التَّفويضِ والتَّوكيلِ في خَمسةُ أحكامٍ: ففي التَّفويضِ لا يَرجِعُ ولا يَعزِلَ، ولا يبطلُ بجُنونِ الزوجِ، ويَتقيَّدُ بمَجلسٍ لا بعَقلٍ، فيَصحُّ تَفويضُه لمَجنونٍ وصَبيٍّ لا يَعقلُ، بخلافِ التوكيلِ في المَسائلِ الخَمسِ. الرِّسالةُ بالطلاقِ: إذا قالَ الزوجُ لرَجلٍ: «اذهَبْ إلى فُلانةَ وقُلَ لها: إنَّ زوْجَكِ يقولُ لكِ: اختاري»، فهو ناقِلٌ لكَلامِ المُرسِلِ لا مُنشِئٌ لكَلامِه؛ لأنَّ الرسولَ مُعبِّرٌ وسفيرٌ (١). وقالَ المالِكيةُ: النِّيابةُ في الطلاقِ أربَعةٌ: تَوكيلٌ وتَخييرٌ وتَمليكٌ ورِسالةٌ.

стр. 10691

ويجوزُ للزوجِ تَفويضُ الطلاقِ لزَوجتِه أو لغيرِها توكيلًا أو تَخييرًا أو تَمليكًا. فالتَّوكيلُ: جَعلُ إنشاءِ الطلاقِ بيَدِ الغيرِ باقيًا مَنعُ الزوجِ مِنْ إيقاعِه، فلهُ عَزلُها أو عَزلُ الوكيلِ قبلَ إيقاعِه اتِّفاقًا كما لكُلِّ مُوكِّلٍ ذلكَ، لأنَّ للمُوكِّلِ عَزلَ وكيلِه متى شاءَ؛ لأنَّ الوكيلَ يَفعلُ ما وُكِّلَ فيهِ نِيابةً عن مُوكِّلِه، فله عَزلُ مُوكِّلِه قبلَ تَمامِ الأمرِ الذي وكَّلَ فيهِ لا بعدَهُ. إلا لتُعلِّقِ حَقٍّ لها زَائدٍ على التَّوكيلِ، كدَفعِ الضَّررِ عنها، فليسَ له عَزلُها قبلَ إيقاعِه، ك: «إنْ تَزوَّجْتُ عليكِ فأمرُكِ أو أمرُ الدَّاخِلةِ بيَدكِ توكيلًا» فليسَ لهُ حِينئذٍ عَزلُها، والحَقُّ هُنا دَفعُ الضررِ عنها؛ لأنَّ دفْعَ الضررِ عنها حَقٌّ لها تَعلَّقَ بذلكَ التَّوكيلِ. وأمَّا تَفويضُ التَّخييرِ فهُوَ: جَعلُ إنشَاءِ الطلاق ثلاثًا -صَريحًا أو حُكمًا- حقًّا لغيرِه، خرَجَ بذلكَ التوكيلُ؛ لأنَّ الزوجَ لم يَجعلْ إنشاءَ الطلاقِ حَقًّا للوَكيلِ، بل جعَلَه بيَدِه نِيابةً عنه. وصِيغةُ التَّخييرِ: «اختارِيني، أو اختارِي نفسَكِ، أو طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا، أو اختارِي أمْرَكِ». وليسَ له في هذهِ الحالةِ عَزلُها في التَّخييرِ. وتفويضُ التَّمليكِ: جَعلُ إنشاءِ الطلاقِ حقًّا لغيرِه راجِحًا في الثَّلاثِ يُخَصُّ بما دُونَها، وليسَ لهُ العَزلُ.

стр. 10692

ومِن صِيَغِه: «أمرُكِ، أو طلاقُكِ بيَدكِ»، وكذا كلُّ لفظٍ دَلَّ على جَعلِ الطلاقِ بيَدِها دُونَ تَخييرٍ ك: «طلِّقِي نفسَكِ، ومَلَّكتُكِ أمْرَكِ، أو وَلَّيتُكِ أمْرَكِ». والحاصِلُ: أنَّ كلَّ لَفظٍ دَلَّ على أنَّ الزوجَ فوَّضَ لها البقاءَ في العِصمةِ أو الذَّهابَ عنها فهوَ تَخييرٌ، وكلُّ لَفظٍ دلَّ على جَعلِ الطلاقِ بيَدِها أو بيَدِ غيرِها دُونَ تَخييرٍ فهوَ صِيغةُ تَمليكٍ. وإنَّما كانَ لهُ العَزلُ في التوكيلِ دُونَ التَّخييرِ والتَّمليكِ؛ لأنه في التوكيلِ جعَلَها نائِبةً عنهُ في إنشائِه، وأمَّا فيهما فقدْ جعَلَ لها ما كانَ يَملكُ، فهُمَا أقوَى. ولذلكَ يُحالُ بيْنَ الزوجَينِ في التَّخييرِ والتَّمليكِ كالتَّوكيلِ إنْ تَعلَّقَ بهِ حقٌّ -كما إذا قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ عليكِ فأمرُكِ، أو فأمرُ الدَّاخِلةِ بيَدكِ» تَوكيلًا فتَزوَّجَ- فلا يَقربُها، ويُحالُ بينَهُما حتَّى تُجيبَ بما يَقتضي رَدًّا أو أخذًا، وإلا لَأدَّى إلى الاستِمتاعِ في عِصمةٍ مَشكوكٍ في إبقائِها، بخِلافِ التَّوكيلِ؛ فإنه لا يُحالُ فيهِ بينَه وبينَها؛ لقُدرةِ الزوجِ على عَزلِها، فلو استَمتعَ بها لَكانَ ذلكَ منهُ عَزلًا. ومَحلُّ الحَيلولةِ إنْ لم يُعلِّقِ التَّخييرَ أو التمليكَ على شيءٍ كقُدومِ زَيدٍ، فإنْ علَّقَ فلا حَيلولةَ حتَّى يَحصلَ المعلَّقُ عليه. وإذا قالَ لزَوجتِه: «أمرُكِ بيَدِكِ إلى سَنةٍ» وُقِفَتْ -أي أوقَفَها القاضي أو

стр. 10693

مَنْ يَقومُ مَقامُه عندَ عدمِه- متى عُلِمَ ذلكَ، ولا تُتركُ تحتَه، وأمرُها بيَدِها حتى تُوقَفَ فتَقضي برَدٍّ أو طلاقٍ، إلا أنْ يطَأَ وهي طائِعةٌ فيَزولُ ما بيَدِها، ولا قَضاءَ لها بعدَ الأجَلِ؛ عَملًا باللفظِ، فإنْ أوقَفَها الحاكِمُ وأمَرَها بإيقاعِ الطلاقِ أو رَدِّ ما بيَدِها مِنَ التمليكِ فلم تَفعلْ فإنه يَسقطُ ما بيَدِها، ولا يُمهلُها وإنْ رَضيَ الزوجُ؛ لحَقِّ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ فيه التَّمادِي على عِصمةٍ مَشكوكٍ فيها. وعُملَ بمُقتضَى جَوابِها الصَّريحِ، فإنْ أجابَتْ بالطلاقِ عُملَ بمُقتضاهُ، كقَولِها: «أنا طالقٌ مِنكَ، أو طلَّقتُ نفسِي، أو أنا بائنةٌ، أو أنتَ بائنٌ منِّي»، وإنْ أجابَتْ برَدِّه عُملَ بمُقتضاهُ، كقَولها: «ردَدْتُ ما مَلَّكتَني، أو لا أقبَلُه مِنْكَ» ونحوِ ذلكَ، كما إذا طلَّقَ هو بلَفظٍ صريحٍ فإنه يُعملُ بمُقتضاهُ، ومِثلُ رَدِّها بالقولِ -كما مَرَّ- رَدُّها بفعلٍ صَريحٍ، كما إذا أمكَنَتْه مِنْ نفسِها -ولو مِنْ المُقدِّماتِ- وهي طائعةٌ عالِمةٌ بالتمليكِ، ولو جَهلَتِ الحُكمَ ولو لم يَفعلْ فإنه يَبطلُ ما بيَدِها، وكذا لو ملَّكَ أجنَبيًّا أمْرَها فخَلَّى بينَه وبيْنَها ومكَّنَه منها زالَ ما بيَدِه، فلو مَكَّنتْه غيرَ عالِمةٍ لم يَبطلْ ما بيَدِها، والقولُ قَولُها في عَدمِ العِلمِ، وقولُه في الإصابةِ إنْ عُلِمَتِ الخَلوةَ، وفي الطَّوعِ في الوطءِ بيَمينِه، بخلافِ القُبلةِ فقَولُها بيَمينِها، أي إنْ قالَتْ: «أكرَهَني، أو غلَبَني عليها»، بخِلافِ الوطءِ؛ لأنَّ الوطءَ يَكونُ على هَيئةٍ وصِفةٍ. إذا مَضَى زَمنُ التَّخييرِ: وإذا قالَ: «اختارِي اليومَ كُلَّه» فمَضَى اليومُ ولم تَختَرْ فلا خِيارَ لها ويَبطلُ ما بيَدِها، والمُرادُ باليَومِ: الزَّمنُ قَلَّ أو كَثُرَ.

стр. 10694

ويَسقطُ ما بيَدِها برَدِّها للعِصمةِ بعدَ بَينونتِها بخُلعٍ أو بَتاتٍ؛ لاستِلزامِه رِضاها، وأمَّا لو طلَّقَها طَلاقًا رَجعيًّا ثمَّ راجَعَها فإنَّ خِيارَها لا يَسقطُ؛ لِمَا عَلِمْتَ أنَّ الرَّجعيةَ كالزوجةِ. وإذا ملَّكَها تَمليكًا مُطلَقًا أو خَيَّرها تَخييرًا مُطلَقًا -أي عارِيًا عنِ التقييدِ بالزَّمانِ والمَكانِ- فالذي رجَعَ إليهِ مالِكٌ أنهُما بيَدِها ما لم تُوقَفْ عندَ حاكمٍ أو تُوطَأْ أو تُمكِّنْ من ذلكَ طائِعةً، قالَتْ في المَجلسِ: «قَبِلْتُ» أم لا، بعدَ أنْ كانَ يقولُ أولًا: يَبقى ذلكَ بيَدِها في المَجلسِ فقطْ، وإنْ تفرَّقَا بعدَ إمكانِ القَضاءِ فلا شيءَ لها، وإنْ وثَبَ حينَ ملَّكَها يُريدُ قطْعَ ذلك عنها لم يَنفعْه، وحَدُّ ذلكَ إذا قعَدَ معها قدْرَ ما يَرَى الناسُ أنها تَختارُ في مِثلِه ولم يَقُمْ فِرارًا، وإنْ ذهَبَ عامَّةُ النَّهارِ وعلِمَ أنهُما قد ترَكَا ذلكَ وخرَجَا إلى غيرِه فلا خِيارَ لها، وأخَذَ ابنُ القاسِمِ بهذا القَولِ المَرجوعِ عنهُ. جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إذا شِئتِ»؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إنَّ المَشيئةَ لها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها ذلكَ حتى تُوقَفَ، فتَقضي أو تَتركَ، فإنْ هي ترَكَتْه فجامَعَها قبلَ أنْ تُوقَفَ أو تَقضي فلا شيءَ لها وقد بطَلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلكَ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وإنَّما قلتُ لكَ في الرَّجلِ الذي يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ وإنْ تَفرَّقَا مِنْ مَجلسِهما؛ لأنَّ مالِكًا قد ترَكَ قولَه الأولَ في التمليكِ، ورجَعَ إلى أنْ قالَ: ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ،

стр. 10695

فهو أشكَلُ مِنْ التمليكِ؛ لأنَّ مالِكًا قد كانَ يَقولُ مرَّةً: إذا قالَ الرَّجلُ لغُلامِه: «أنتَ حُرٌّ إذا قَدِمَ أبي، أو: أنتَ حرٌّ إنْ قَدِمَ أبي» كانَ يقولُ: هُما مُفتَرِقانِ، قولُه: «إذا قَدِمَ أبي» أشَدُّ وأقوَى عندِي مِنْ قولِه: «إنْ قَدِمَ أبِي»، ثمَّ رجَعَ فقالَ: هُما سَواءٌ «إذا» و «إنْ»، فعلَى هذا رَأيتُ قولَه: «إذا شِئتِ فأنتِ طالقٌ، و: إنْ شِئتِ فأنتِ طالقٌ» على قولِه: «إذا قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ، و: إنْ قَدِمَ أبي فأنتَ حُرٌّ»، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قَبِلَتْه أيَكونُ هذا تَركًا لِمَا كانَ جعَلَ لها مِنْ ذلك؟ (قالَ): نعمْ، وهذا رأيِي ولم أسمَعْه مِنْ مالِكٍ (١). وفيها أيضًا: (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ، أو اختارِي، أو أمرُكِ بيَدكِ» أيَكونُ ذلكَ لها إنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): كانَ مالكٌ مرَّةً يَقولُ: ذلكَ لها ما دامَتْ في مَجلسِها، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها، فقيلَ لمالكٍ: فلو أنَّ رَجلًا قالَ لامرأتِه: «أمرُكِ بيَدكِ» ثمَّ وثَبَ فارًّا يريدُ أنْ يَقطعَ بذلكَ عنها ما كانَ جعَلَ لها مِنْ التمليكِ، (قالَ): لا يَقطعُ ذلكَ عنها الذي جعَلَ لها مِنْ التمليكِ. فقيلَ لمالكٍ: فما حَدُّه عندكَ؟ فقالَ: إذا قعَدَ معها قدْرَ ما يَرَى الناسُ أنها تَختارُ في مِثلِه وإنَّ فَراقَه إيَّاها لم يُرِدْ بذلكَ فِرارًا إلا أنه قامَ على وَجهِ ما يُقامُ له فلا خِيارَ للمَرأةِ بعدَ ذلكَ، فكانَ هذا قولَه قَديمًا ثمَّ رجَعَ فقالَ: أرَى ذلكَ بيَدِها حتى تُوقَفَ، (قالَ): فقيلَ لمالكٍ: كأنَّكَ

стр. 10696

رَأيتَه مثلَ التي تقولُ: «قَدْ قَبلْتُ» وتفرَّقَا ولم تَقْضِ شيئًا؟ (قالَ): نعمْ، ذلكَ في يَدَيها إنْ قالَتْ في مَجلسِها ذلكَ: «قد قَبلْتُ» أو لم تَقُلْ: «قد قَبلْتُ» فذلك في يَدَيها حتى تُوقَفَ أو تُوطأَ قبلَ أنْ تَقضي، فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ، وقولُه: «اختارِي» إنَّ ذلكَ لها في قولِ مالكٍ مثلُ ما يكونُ لها في قولِه لها: «أمرُكِ بيَدكِ». وكذلكَ قالَ مالِكٌ في الخِيارِ و «أمرُكِ بيَدكِ»؛ أنه سواءٌ في الذي يُجعلُ منه إلى المرأةِ، وقولُه الأولُ أعجَبُ إليَّ إذا تفرَّقَا فلا شيءَ لها، وهو الذي عليهِ جَماعةُ الناسِ. (قالَ ابنُ القاسِمِ): وإذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» إنَّ ذلك في يَدَيها وإنْ قامَتْ مِنْ مَجلسِها، ولم أسمَعْ مِنْ مالكٍ فيهِ شيئًا، إلا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها قبلَ أنْ تَقضي، وأرَى أنْ تُوقَفَ فإما أنْ تَقضي، وإمَّا أنْ يَبطلَ ما كانَ في يَدَيها مِنْ ذلك، وإنما قلتُ ذلكَ لأنه حينَ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» كأنه تَفويضٌ فوَّضَه إليها. (قلتُ): أرَأيتَ إذا خيَّرَ الرَّجلُ امرأتَه، حتَّى متى يكونُ لها أنْ تَقضي في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): يكونُ لها أنْ تَقضِي إلى مثلِ ما أخبَرتُكَ في التمليكِ، إلى أنْ يَفترقَا، فإنْ تفرَّقَا فلا شيءَ لها بعدَ ذلكَ (١).

стр. 10697

شُروطُ التَّفويضِ في الطلاقِ: يَجوزُ للزوجِ التفويضُ بأنواعِهِ الثلاثةِ -التَّوكيلِ والتَّخييرِ والتَّمليكِ- لغَيرِ الزوجةِ، أجنَبيًّا مِنها أو قَريبًا أو امرَأةً أو صَبيًّا يَعقلُ أو ذمِّيًّا ولو لم يَكنْ مِنْ شَرعِه طلاقُ النساءِ، وسواءٌ شرَكَها مع ذلكَ الغيرُ أم لا، بشُروطٍ: أنْ يكونَ حاضِرًا بالبَلدِ أو تَقربَ غَيبتُه كاليَومينِ لا أكثَرَ، فيُرسِلُ إليه: إمَّا أنْ يَحضرَ، وإمَّا أنْ يُعلِمَنا ببيِّنةٍ بما أرادَ. وإنْ لَم يكنْ حاضِرًا ولا قَريبَ الغَيبةِ -بأنْ كانَ بَعيدَ الغَيبةِ- انتَقلَ التفويضُ لها، وجرَى فيه جَميعُ ما تَقدَّمَ. وعلى المُفوَّضُ له النَّظرُ في أمرِ الزوجةِ، فلا يَفعلُ إلا ما فيهِ مَصلحةٌ، فلا يَرُدُّ إلا إذا كانَ في الردِّ مَصلحةٌ، وإلا قامَ الحاكِمُ مَقامَه. ويَصيرُ المُخيَّرُ كالزوجةِ في التخييرِ والتمليكِ، فيَجرِي فيهِ جَميعُ ما تَقدَّمَ فيها مِنْ حَيلولةٍ وإيقافٍ وغيرِ ذلكَ. تَفويضُ الزَّوجِ الطلاقَ لأكثَرَ مِنْ واحِدٍ: إذا ملَّكَ أمْرَ امرَأتِه لرَجلَينِ وأمَرَهما بطَلاقِها فليسَ لأحَدِهما أنْ يَستقلَّ بطَلاقِها دُونَ صاحِبِه، وذلكَ بأنْ يَقولَ لهُما: «طلِّقَا إنْ شِئتُما- كالوَكيلَينِ في البَيعِ والشراءِ، فإنْ أَذِنَ له أحَدُهما في وَطئِها زالَ ما بيَدِهما، فإنْ ماتَ أحَدَهما فليسَ للثاني تَمليكٌ، إلا أنْ يَكونَا رَسولَينِ فلكُلٍّ مِنهُما القَضاءُ، وذلكَ بأنْ يَقولَ لهُما: «طلِّقَا امرأتي» ولم يَقلْ: «إنْ شِئتُما».

стр. 10698

إلا أنْ يَقولَ لهُما -مُجتَمعَينِ أو مُتفرِّقَينِ-: «جعَلْتُ لكلٍّ مِنكُما، أو فوَّضْتُ لكلٍّ منكُما طلاقَها»، فلكلِّ واحِدٍ منهُما الاستِقلالُ بالطلاقِ. ولو قالَ: «أَعلِماها بأني طلَّقتُها» فالطلاقُ لازِمٌ وإنْ لم يُعلِماها، ويُسمَّى رِسالةً في عُرفِهم، ولو قالَ: «طلِّقاها» احتَملَ الرِّسالةَ والتمليكَ والتوكيلَ، فعلَى الرِّسالةِ يَلزمُ إنْ لم يُبلِّغاها، وعلى التمليكِ لا يَلزمُ ولا يَقعُ إلا بهما، وعلى التوكيلِ: يَلزمُ بتَبليغِ أحَدِهما ولهُ عَزلُه، وهيَ أقوالٌ ثلاثةٌ، المَشهورُ الأولُ، أي أنه رِسالةٌ، فيَلزمُ بمُجرَّدِ الإخبارِ وإنْ لَم يُعلِماها اتِّفاقًا (١). وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ تَفويضُ الطلاقِ للزوجةِ بالإجماعِ، لأنه ﷺ خيَّرَ نِساءَه بينَ المقامِ معهُ وبينَ مُفارَقتِه لمَّا نزَلَ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، فلو لم يَكنْ لاختِيارِهنَّ الفُرقةَ أثَرٌ لم يَكنْ لتَخييرِهنَّ معنًى. وللزوجِ تَفويضُ طَلاقِها المُنجَّزِ -صَريحًا كانَ أو كِنايةً- ك: «طلِّقِي أو أبيني نفسَكِ» إلى زَوجتِه البالِغةِ العاقِلةِ، فلا يَصحُّ تَعليقُه كقولِه: «إذا جاءَ

стр. 10699

الغَدُ أو زَيدٌ فطَلِّقي نفسَكِ»، ولا التفويضُ لصَغيرةٍ أو حُكم مَجنونةٍ كسائِرِ التمليكاتِ في جَميعِ ذلكَ. والتفويضُ تَمليكٌ للطلاقِ في الجَديدِ؛ لأنه يَتعلَّقُ بغَرضِها كغَيرِه مِنْ التملِيكاتِ، فنزَلَتْ مَنزلةَ قَولِه: «مَلَّكتُكِ طلاقَكِ»، فيُشترطُ لوُقوعِه تَكليفُه وتَكليفُها وتَطليقُها على الفَورِ؛ لأنَّ التطليقَ هُنا جَوابٌ للتمليكِ، فكانَ كقَبولِه، وقَبولُه فَورٌ، فإنْ أخَّرتْ بقَدرِ ما يَنقطعُ به القَبولُ عن الإيجابِ أو تَخلَّلَ كَلامٌ أجنَبيٌّ كثيرٌ بينَ تَفويضِه وتَطليقِها ثمَّ طلَّقَتْ نفسَها لم تَطلُقْ. فلو قالَتْ: «كيفَ أُطلِّقُ نفسِي؟» ثمَّ طلَّقَتْ وقَعَ، والفَصلُ بذلكَ لا يُؤثرُ؛ لقِصرِه، ولا يَصحُّ مِنْ غَيرِ مُكلَّفٍ، ولا يقَعُ على غَيرِ مُكلَّفةٍ؛ لفَسادِ العِبارةِ. ولو قالَ: «وَكَّلتُكِ في طلاقِ نفسِكِ» لم يُشترطِ الفَورُ، وكذا إنْ قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ متَى، أو متى ما شِئتِ» لَم يُشترطِ الفَورُ. وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ بألفٍ» فطلَّقَتْ فَورًا وهي جائزةُ التصرُّفِ بانَتْ ولَزمَها ألفٌ، ويَكونُ تَمليكُها بعِوضٍ كالبَيعِ، فإنْ لم يُذكرْ عِوضٌ فهو كالهِبةِ. وفي قولِ قَديمٍ أنَّ التفويضَ تَوكيلٌ، كما لو فوَّضَ طلاقَها لأجنَبيٍّ، وعليه فلا يُشترطُ في تَطليقِها فَورٌ في الأصحِّ، كما في تَوكيلِ الأجنبيِّ. والثَّاني: يُشترطُ؛ لِمَا فيه مِنْ شائبةِ التمليكِ.

стр. 10700

وعلى القَولينِ -أي التمليكِ والتَّوكيلِ- له الرجوعُ عن التفويضِ قبلَ تَطلِيقِها؛ لأنَّ التمليكَ والتوكيلَ يَجوزُ الرجوعُ فيهِما قبلَ القَبولِ، فإذا رجَعَ ثمَّ طلَّقَتْ لم يقَعْ، عَلِمَتْ برُجوعِه أم لا. ولو علَّقَ التَّفويضَ -كأنْ قالَ لها: «إذا جاءَ رَمضانُ مَثلًا فطَلِّقي نفسَكِ» - لغَا على قَولِ التمليكِ؛ لأنَّ التمليكَ لا يَصحُّ تَعليقُه. واعْلَم أنَّ ما تَقدَّمَ مِنْ صُوَرِ التفويضِ إنما هو في الصريحِ. وأمَّا بالكِنايةِ فهو كما لو قالَ لها: «أَبيني نفسَكِ» فقالَتْ: «أَبَنتُ» ونوَيَا -أي الزوجُ تَفويضَ الطلاقِ إليها بأَبيني، ونَوَتْ هي تَطليقَ نَفسِها بأبَنْتُ- وقَعَ الطلاقُ؛ لأنَّ الكِنايةَ معَ النِّيةِ كالصريحِ. وإنْ لم يَنويَا أو أحَدُهما فلا يَقعُ؛ لأنه إنْ لم يَنوِ هو فلا تَفويضَ، وإنْ لم تَنوِ هي فلا تَطليقَ؛ إذِ الطلاقُ لا يقَعُ بهذا اللَّفظِ وحْدَه. ولو صرَّحَ فكَنَّتْ أو عكسُه -كأنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ» فقالَت: «أبَنْتُ» ونَوَتْ، أو قالَ: «أبيني نفسَكِ» ونَوَى فقالَتْ: «طلَّقتُ» - وقَعَ الطلاقُ؛ لأنها أُمِرَتْ بالطلاقِ وقد فعَلَتْه في الحالَينِ، ولا يَضرُّ اختِلافُ لَفظِهما. وإنْ قالَ لها: «طلِّقي نفسَكِ بصَريحِ الطلاقِ أو بكِنايتِه أو بالتسريحِ أو نَحوِ ذلك» فعدَلَتْ عن المَأذونِ فيه إلى غيرِه لم تَطلُقْ؛ لمُخالَفتِها صَريحَ كَلامِه.

стр. 10701

ولو قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ» ونوَى ثلاثًا فقالَتْ: «طلَّقْتُ» ونَوَتْهنَّ وقد عَلِمَتْ نيَّتَه أو وقَعَ ذلكَ اتِّفاقًا فثَلاثٌ؛ لأنَّ اللفظَ يَحتملُ العَددَ وقد نَوَياهُ، وإلا فواحِدةٌ في الأصحِّ؛ لأنَّ صَريحَ الطلاقِ كِنايةٌ في العَددِ. والثاني: تقَعُ ثلاثٌ؛ حَملًا على مَنْوِيِّه. ولو قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ ثَلاثًا» فوحَّدَتْ -أي قالَتْ: طلَّقتُ نَفسِي واحِدةً- أو عكسُه كقولِه: «طلِّقي نفسَكِ واحِدةً» فثلَّثَتْ -أي قالتْ: طلَّقتُ نَفسِي ثلاثًا- فتقَعُ واحدةٌ في الصُّورتَينِ، أمَّا في الأُولى فلِأنَّ ما أوقَعَتْه داخِلٌ في المُفوَّضِ إليها، وأمَّا في الثانيةِ فلِأنَّ المُفوَّضَ إليها واحِدةٌ الزائدُ غيرُ مَأذونٍ فيه فيقَعُ ما تَملكُه. ولو قالَ لها: «طلِّقِي نفسَكِ ثَلاثًا» فقالَتْ بلا نيَّةٍ: «طلَّقتُ» وقَعَ الثلاثُ؛ لأنَّ قولَها جَوابٌ لكَلامِه، فهو كالمُعادِ في الجَوابِ، بخِلافِ ما إذا لم يَتلفَّظْ هو بالثلاثِ ونَواها؛ لأنَّ المَنْوِيَّ لا يُمكِنُ تَقديرُ عَوْدِه في الجَوابِ؛ إذِ التخاطُبُ باللفظِ لا بالنيةِ. ولو طلَّقَتْ نفسَها عبَثًا ونَوَتْ فصادفَتِ التفويضَ لها ولم يَطُلِ الفَصلُ بينَهما طَلُقتْ، كما لو باعَ مالَ أبيهِ ظانًّا حياتَه فبانَ مَيتًا. ولو فوَّضَ طلاقَ زَوجتِه إلى اثنَينِ وطلَّقَ أحَدُهما طَلقةً والآخَرُ ثلاثًا وقَعَتْ واحِدةٌ فقطْ؛ لاتِّفاقِهما عليها. وإنْ جعَلَ طَلاقَها بيَدِ اللهِ ويَدِ زَيدٍ لغَا إنْ قصَدَ الشركةَ، فليسَ لزَيدٍ أنْ يُطلِّقَها، فإنْ قصَدَ التَّبركَ أو أنَّ الأمورَ كُلَّها بيَدِ اللهِ فلا.

стр. 10702

ولو قالَ: «جعَلْتُ كلَّ أمرٍ لي عليكِ بيَدِكِ» كانَ كِنايةً في التفويضِ إليها، وليسَ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ثلاثًا ما لم يَنوِها. ولو قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا إنْ شِئتِ» فطلَّقَتْ واحدةً، أو: «طلِّقِي نفسَكِ واحِدةً إنْ شِئتِ» فطلَّقَتْ ثلاثًا؛ طَلُقتْ واحِدةً كما لو لم يَذكرِ المَشيئةَ، وإنْ قدَّمَ المَشيئةَ على العَددِ فقالَ: «طلِّقي نفسَكِ إنْ شئتِ واحِدةً» فطَّلقَتْ ثلاثًا أو عَكسُه لغَا؛ لصَيرورةِ المَشيئةِ شَرطًا في أصلِ الطلاقِ، والمَعنى «طلِّقِي إنْ اختَرْتِ الثلاثَ» فإذا اختارَتْ غَيرَهنَّ لم يُوجَدِ الشرطُ، بخِلافِ ما إذا أخَّرَها فإنها تَرجِعُ إلى تَفويضِ المَعنى، والمَعنى «فَوَّضتُ إليكِ أنْ تُطلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا فإنْ شئتِ فافعَلي ما فوَّضتُ إليكِ»، وذلكَ لا يَمنعُ نُفوذَ ذلكَ المُعيَّنِ ولا نُفوذَ ما يَدخلِ فيهِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ للرَّجلِ تَفويضُ الطلاقِ إلى زَوجتِه؛ لِمَا رَوى أبو سلَمةَ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ قالَتْ: «لمَّا أُمِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بتَخييرِ أزواجِه بدَأَ بي فقالَ: إني ذاكِرٌ لكِ أمرًا فلا عَليكِ أنْ لا تَعجَلِي حتَّى تَستأْمِرِي أبوَيكِ، قالَتْ: وقد عَلِمَ أنَّ أبوَيَّ لم يكونَا يَأمُراني بفِراقِه، قالَتْ: ثمَّ قالَ: إنَّ اللهَ جلَّ ثَناؤُه قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ

стр. 10703

وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، قالَتْ: فَقلتُ: ففي أيِّ هذا أسْتَأمِرُ أبوَيَّ؟! فإني أريدُ اللهَ ورَسولَه والدارَ الآخِرةَ، قالَتْ: ثمَّ فعَلَ أزواجُ النبيِّ ﷺ مِثلَ ما فَعلْتُ» (١). والتفويضُ على ضَربينِ: أحَدُهما: تَفويضُه بلَفظٍ صَريحٍ فيَقولُ: «طلِّقِي نفسَكِ»، فلها أنْ تُطلِّقَ نفسَها واحدةً، ليسَ لها أكثَرُ منها؛ لأنَّ الأمرَ المُطلَقَ يَتناولُ أقَلَّ ما يقَعُ عليهِ الاسمُ، كما لو وكَّلَ فيه أجنَبيًّا، إلا أنْ يَجعلَ إليها أكثَرَ مِنْ ذلكَ بلَفظِه أو نيَّتِه؛ لأنه نَوَى بكَلامِه ما يَحتملُه، والقَولُ قولُه في نيَّتِه؛ لأنه أعلَمُ بها، ولها أنْ تُطلِّقَ بلَفظِ الصريحِ والكِنايةِ مع النِّيةِ؛ لأنَّ الجَميعَ طلاقٌ فيَدخلُ في لَفظِه، ولها أنْ تُطلِّقَ متى شاءَتْ؛ لأنه تَوكيلٌ في الطلاقِ مُطلَقٌ، فأشبَهَ تَوكيلَ الأجنبيِّ. وقالَ القاضي: يَتقيَّدُ بالمَجلسِ؛ قياسًا على التخييرِ. الضربُ الثاني: تَفويضُه إليها بلَفظِ الكِنايةِ: وهو نَوعانِ: أحَدُهما: أنْ يَقولَ: «أمرُكِ بيَدكِ» فيَكونُ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها ما شاءَتْ ومتى شاءَتْ؛ لأنه نَوعُ تَوكيلٍ بلَفظٍ يَقتضي العُمومَ في جَميعِ أمرِها، فأشبَهَ ما لو قالَ: «طلِّقِي نفسَكِ ما شئتِ ومتى شِئتِ»، وقد رُويَ عن عليٍّ في رَجلٍ جعَلَ أمرَ امرَأتِه بيَدِها قالَ: «هو لها حتَّى يَنكلَ».

стр. 10704

وعن أحمدَ ما يَدلُّ على أنه إنْ نَوَى واحِدةً فهي واحِدةٌ؛ لأنه نَوعُ تَخييرٍ، فرجَعَ إلى نيَّتِه كالتخييرِ. النوعُ الثاني: أنْ يَقولَ لها: «اختارِي» فليسَ لها أنْ تَختارَ أكثَرَ مِنْ واحِدةٍ، إلا أنْ يَجعَلَ إليها أكثَرَ مِنْ ذلكَ بلَفظِه أو نيَّتِه، وليسَ لها أنْ تَختارَ إلا عَقيبَ تَخييرِه قبلَ أنْ يَقطعَا ذلكَ بالأخذِ في كَلامٍ غيرِه أو قِيامِ أحَدِهما عن مَجلسِه؛ لأنَّ ذلكَ يُروَى عن عُمرَ وعُثمانَ وابنِ مَسعودٍ وجابرٍ ﵃، فعَن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: قضَى عُمرُ وعُثمانُ في الرَّجلِ يُخيِّرُ امرَأتَه أنَّ لها الخِيارَ ما لم يَتفرَّقَا، وعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: ما دامَا في مَجلسِها، ونَحوُه عنِ ابنِ مَسعودٍ وجابرٍ، ولم نَعرفْ لهم مُخالِفًا في الصحابةِ فكانَ إجماعًا، وهو قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ ولأنه خِيارُ تَمليكٍ، فكانَ على الفَورِ كخِيارِ القَبولِ. وإنْ جعَلَ إليها أكثَرَ مِنْ ذلكَ بلَفظِه أو نيَّتِه أو قَرينةٍ فهو على ما جعَلَ إليها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لعائِشةَ: «فلا عليكِ ألا تَعجَلِي حتَّى تَستأمِرِي أبوَيكِ». وللزوجِ الرُّجوعُ فيما فوَّضَه إليها قبلَ تَطليقِها؛ لأنه نوعُ تَفويضٍ، فملَكَ الرُّجوعَ فيهِ كتَوكيلِ الأجنَبيِّ، وإنْ وَطئَها كانَ رُجوعًا؛ لدَلالتِه على رَغبتِه فيها ورُجوعِه عمَّا جعَلَ إليها. ولَفظةُ الخِيارِ و «أمرُكِ بيَدكِ» كِنايةٌ في حَقِّ الزوجِ؛ لأنه ليسَ بصَريحٍ في

стр. 10705

إرادةِ الطلاقِ، فلم يَنصرفْ إليهِ بغيرِ نيَّةٍ، وإنْ نَوَى بهِ إيقاعَ الطلاقِ في الحالِ وقَعَ؛ لأنه يَصلحُ كِنايةً عن الطلاقَ، فأشبَهَ سائِرَ كِناياتِه، وإنْ نَوَى بهِ التفويضَ فطَلَّقتْ نفْسَها بلَفظٍ صَريحٍ وقَعَ مِنْ غيرِ نيَّةٍ، وإنْ لم تَختَرْ شَيئًا لم يقَعْ بها شَيءٌ، وكذلكَ إنِ اختارَتْ زوْجَها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ خيَّرَ أزواجَه فاختَرْنَه فلم يَكنْ طَلاقًا، ولأنه تَفويضٌ للطلاقِ إليها، فلم يقَعْ بمُجرَّدِه طَلاقٌ كقَولِه: «طلِّقي نفسَكِ»، وإنْ قالَتْ: «قَبِلْتُ» فليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ ذلكَ يَنصرِفُ إلى قَبولِ التفويضِ، فهو كقَبولِ التوكيلِ، وإنْ قالَتْ: «اختَرْتُ نفسِي أو أهلِي أو أبوَيَّ أو الأزواجَ أو ألَّا تَدخلَ عليَّ» ونحوَ هذا ممَّا يَحتملُ إرادةَ الطلاقِ فهو كِنايةٌ يَفتقرُ إلى النِّيةِ؛ لأنه ليسَ بصَريحٍ، فاعتُبِرَتِ النِّيةِ فيهِ كالكِناياتِ، فإنْ نَوَت به الطلاقَ كانَ طَلاقًا، وإلا فلا، ويقَعُ بهِ واحدةٌ، إلا أنْ يَنويَ الثلاثَ إذا جعَلَ إليها ثلاثًا. وإنْ ملَّكَها ثَلاثَ تَطليقاتٍ بلَفظِه أو بنيَّتِه فطلَّقَتْ ثلاثًا وقَعَ ثَلاثٌ، وإنْ طلَّقَتْ أقَلَّ منها وقَعَ؛ لأنَّ مَنْ ملَكَ ثَلاثًا ملَكَ واحدةً كالزوجِ. وإنْ قالَ: «اختارِي» فاختارَتْ نفسَها ونوَيَا ثَلاثًا وقَعَ الثلاثُ، وإنْ نَوَى أحَدُهما طَلقةً والآخَرُ أكثَرَ منها وقَعَتْ طَلقةٌ؛ لأنَّ الطلاقَ يَفتقرُ إلى تَمليكِ الزوجِ وإيقاعِ المَرأةِ، فالزائِدُ لم يُوجَدْ فيهِ إلا أحَدُهما فلم يقَعْ. ويَصحُّ تَفويضُ الطلاقِ إلى غيرِ الزوجةِ؛ لأنه إزالةُ مِلكٍ، فصَحَّ التوكيلُ فيهِ كالعِتقِ؛ فإذا قالَ لرَجلٍ: «طلِّقْ زَوجتِي، أو أمرُها بيَدكَ» فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في جَعلِ ذلكَ إلى الزوجةِ على ما مَضَى.

стр. 10706

فإنْ وكَّلَ اثنَينِ لم يَملكْ أحَدُهما طَلاقَها مُنفرِدًا، وإنْ جعَلَ إليهما طَلاقًا ثلاثًا فطلَّقَها أحَدُهما ثَلاثًا والآخَرُ واحدةً وقَعَتْ واحِدةٌ؛ لاتِّفاقِهما عليها، ولو لم يَبْقَ مِنْ طَلاقِها إلا واحدةٌ فطلَّقَها الوَكيلُ ثلاثًا وقَعَتِ الواحدةُ؛ لأنَّ المَحلَّ لا يَتَّسعُ لأكثرَ مِنْ هذا (١). التَّوكيلُ في الطَّلاقِ: قد سبَقَ القَولُ في حُكمِ تَوكِيلِ الزوجِ في الطلاقِ، ولكنْ لكَثرةِ وُقوعِ هذا الأمرِ أُفرِدُه بمَسألةٍ مُستقلَّةٍ، وإنْ كانَ قد تَقدَّمَ أيضًا في كتابِ الوَكالةِ. فالتوكيلُ في الطلاقِ هوَ: جَعلُ إنشاءِ الطلاقِ بيَدِ الغَيرِ باقِيًا مَنعُ الزوجِ منهُ؛ لأنَّ للمُوكِّلِ أنْ يَعزلَ وَكيلَه متَى شاءَ؛ لأنَّ الوَكيلَ يَفعلُ ما وُكِّلَ فيه نِيابةً عن مُوكِّلِه، فلهُ عَزلُ وَكيلِه قبلَ تَمامِ الأمرِ الذي وكَّلَ فيهِ بعدَه. وقدِ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صحَّةِ التوكيلِ في الطلاقِ (٢)

стр. 10707

بأنْ يَقولَ الزوجُ: «وَكَّلتُكَ في أنْ تُطلِّقَ زَوجتِي»؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعُو إليه كدُعائِها إلى التوكِيلِ في البَيعِ والنكاحِ، ولأنه لمَّا جازَتِ الوَكالةُ في النكاحِ معَ تَغليظِ حُكمِه كانَ جَوازُها في الطلاقِ أَولى. قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الوَكالةَ مِنْ العُقودِ الجَائزةِ في الجُملةِ، وأنَّ كلَّ ما جازَتْ بهِ النِّيابةُ مِنْ الحُقوقِ جازَتِ الوَكالةُ فيهِ، كالبَيعِ والشَّراءِ والإجارةِ وقَضاءِ الدَّينِ والخُصومةِ في المُطالَبةِ بالحُقوقِ والتزويجِ والطلاقِ وغيرِ ذلكَ (١).

стр. 10708

واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواهُ مُسلمٌ عن أبي سَلَمةَ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ أبا عَمرِو بنِ حَفصٍ طلَّقَها الْبتَّةَ وهو غائبٌ، فأرسَلَ إليها وَكيلُه بشَعيرٍ فسَخطَتْه، فقالَ: واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرَتْ ذلكَ له، فقالَ: ليسَ لكِ عليه نَفقةٌ» (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀: الوَكالةُ في الطلاقِ جائِزةٌ؛ لأنَّ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ طلَّقَها وَكيلُ زَوجِها بمَشهَدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فأمضاهُ، ولأنه لمَّا جازَتِ الوَكالةُ في النكاحِ معَ تَغليظِ حُكمِه كانَ جَوازُها في الطلاقِ أَولَى. فإذا وكَّلَ رَجلًا عاقلًا جازَ، سَواءٌ كانَ حُرًّا أو عَبدًا، مُسلِمًا أو كافرًا، ولا يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ مَجنونًا ولا صَغيرًا، لأنه لا حُكمَ لقَولِهما، وفي جَوازِ تَوكيلِه لامرَأةٍ وجَهانِ مَضَيَا في الخُلعِ. ثمَّ الوَكالةُ على ضَربَينِ: أحَدُهما: أنْ تَكونَ مُطلَقةً، وهو أنْ يَقولَ: «قدْ وَكَّلتُكَ في طَلاقٍ زَوجَتِي فُلانةَ»، فلهُ أنْ يُطلِّقَها على الفَورِ والتراخي، بخِلافِ ما لو ملَّكَها الطلاقَ

стр. 10709

لنَفسِها؛ لأنَّ هذهِ نِيابةٌ وذاكَ تَمليكٌ، فإنْ ذكَرَ له مِنْ الطلاقِ عَددًا لم يَتجاوَزْه، فلو قالَ له: «طلِّقْها ثلاثًا» فقالَ لها: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» طُلِّقتْ ثَلاثًا، ولو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ» ونوَى أنْ يكونَ ثلاثًا فيهِ وجهَانِ: أحَدُهما: تُطلَّقُ ثلاثًا؛ لأنَّ نيَّةَ الثلاثِ تَقومُ مَقامَ التلفُّظِ بالثلاثِ. والوَجهُ الثاني: لا تُطلَّقُ ثلاثًا ولا تَقومُ نيَّتُه مَقامَ نيَّةِ الزوجِ، لأنَّ الزوجَ مَدِينٌ في الطلاقِ مَعمولٌ على نيَّتِه فيهِ، والوَكيلُ غيرُ مَدِينٍ في الطلاقِ، فلم يُعمَلْ على نيَّتِه فيهِ. وهكذا لو طلَّقَها الوَكيلُ بالكِنايةِ مع النِّيةِ كانَ على هذَينِ الوجهَينِ، فلو وكَّلَه أنْ يُطلِّقَها ثَلاثًا فطلَّقَها واحِدةً ففي وُقوعِها وجهَانِ: أحَدُهما: يقَعُ؛ لأنه بعضُ ما وُكِّلَ فيهِ. والوَجهُ الثاني: لا يقَعُ؛ لأنه وُكِّلَ في طَلاقٍ بائِنٍ، وهذا الطلاقُ غَيرُ بائِنٍ، فصارَ غيرَ ما وُكِّلَ فيه، فلو وكَّلَه أنْ يُطلِّقَها واحِدةً لم تقَعِ الثلاثُ، وفي وُقوعِ الواحِدةٍ وجهَانِ. ولو وكَّلَه في طلاقِ واحِدةٍ مِنْ نِسائِه ولم يُعيِّنْها لهُ ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّ أيَّتَهنَّ طلَّقَها صحَّ؛ لأنَّ وُقوعَ الطلاقِ المُبهَمِ جائزٌ، فكانَ التوكيلُ فيهِ جائِزًا. والوَجهُ الثاني: أنه يَجوزُ أنْ يُطلِّقَ واحِدةً قبلَ أنْ يُعيِّنَها الزوجُ، فإنْ طلَّقَ واحدةً مِنهنَّ قبْلَ تَعيينِها لم تُطلَّقْ؛ لأنَّ إبهامَ الطلاقِ مِنْ جِهةِ الزوجِ يَجوزُ؛

стр. 10710

لأنه مَوقوفٌ على خِيارِه في التعيينِ، ومِن جِهةِ الوكيلِ لا يَجوزُ؛ لأنه غيرُ مَوقوفٍ على خِيارِه في التَّعيينِ. والضَّربُ الثاني: أنْ تَكونَ الوَكالةُ مُقيَّدةً، وهو أنْ يُوكِّلَه في طَلاقِها على صِفةٍ، وهو أنْ يأمُرَه أنْ يُطلِّقَها في يَومِ الخَميسِ، فلا يَجوزُ أنْ يُطلِّقَها إلا فيهِ، فإنْ طلَّقَها في غيرِه لم تُطلَّقْ، أو يأمُرَه أنْ يُطلِّقَها للسُّنةِ، فإنْ طلَّقَها للبِدعةِ لم تُطلَّقْ، أو يأمُرَه أنْ يُطلِّقَها للبِدعةِ، فإنْ طلَّقَها للسُّنةِ لم تُطلَّقْ، فلو قالَ له: «طلِّقْها إنْ شِئتَ» لم يقَعْ طَلاقُه حتَّى يَقولَ: «قدْ شِئتُ»، ولا يكونُ إيقاعُه للطلاقِ مَشيئةً منهُ؛ لأنه قَدْ يُوقِعُ الطلاقَ بمَشيئةٍ وغيرِ مَشيئةٍ، والمَشيئةُ لا تُعلَمُ إلا بالقَولِ، وليسَ مِنْ شَرطِ مَشيئتِه الفَورُ، بخِلافِ ما لو علَّقَ الطلاقَ بمَشيئتِها؛ لأنَّ تَعليقَه للطلاقِ بمَشيئتِها تَمليكٌ، فرُوعِيَ فيهِ الفَورُ، وتَعليقُه للطلاقِ بمَشيئتِه صِفةٌ، فلم يُراعَ فيها الفَورُ؛ ولأنه جعَلَ إلَيهَا طَلاقَها إذا شاءَ، فلمَّا جازَ أنْ يُطلِّقَها على الفَورِ والتراخي جازَ أنْ تَكونَ مَشيئتُه معَ الطلاقِ المُتَراخِي، لكنْ مِنْ صحَّةِ مَشيئتِه أنْ يُخبِرَ بها الزوجَ قبلَ طَلاقِه، فإنْ أخبَرَ بها غيرَه ثمَّ طلَّقَ لم يقَعْ؛ لأنه إذا كانَ إخبارُه بها شَرطًا كانَ إخبارُ الزوجِ بها أحَقَّ وأَولَى أنْ يَكونَ شَرطًا، فلو قالَ لهُ: «طلِّقْها إنْ شاءَتْ» رُوعِيَتْ مَشيئتُها عندَ عَرضِ الوَكيلِ الطلاقَ عليها، فإنه لا يَجوزُ أنْ يُطلِّقَها إلا بعدَ عَرضِ الطلاقِ عليها وسُؤالِها عن مَشيئتِها، فتَصيرُ حِينئذٍ مَشيئتُها مُعتبَرَةً على الفَورِ، فإنْ عجَّلَها وقَعَ الطلاقُ، وإذا أوقَعَه الوَكيلُ بعدَها -

стр. 10711

سَواءٌ أوقَعَه على الفَورِ أو على التراخي- فإنْ تَراخَتْ مَشيئتُها لم يقَعِ الطلاقُ بعدَها؛ لفَسادِ المَشيئةِ. وليسَ للوَكيلِ في الطلاقِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيهِ، فإنْ وكَّلَ وَكيلَينِ في طَلاقِ زَوجةٍ واحِدةٍ وجعَلَ إلى كُلِّ واحِدٍ منهُما أنْ يُطلِّقَها فأيُّهما سبَقَ بطَلاقِها ثلاثًا بطَلَتْ وَكالةُ الآخَرِ، ولو جعَلَ إلى كُلِّ واحِدٍ منهُما أنْ يُطلِّقَها واحدةً؛ فإذا سبَقَ أحَدُهما فطلَّقَها واحِدةً لم تَبطلْ وَكالةُ الآخَرِ وجازَ له أنْ يُطلِّقَها أُخرَى. وهكذا لو وكَّلَ واحِدًا في طَلاقِها ثَلاثًا ثمَّ بادَرَ الزوجُ فطلَّقَها ثَلاثًا بطَلَتِ الوَكالةُ، ولو طلَّقَها الزوجُ واحِدةً كانَتِ الوَكالةُ بحالِها في الطلقتَينِ الباقِيتَينِ، وإنْ طلَّقَها الوَكيلُ ثلاثًا وقَعَ مِنهما طَلقتانِ؛ لأنهُما الباقيَتانِ مِنْ طَلاقِ الزوجِ بعدَ الواحِدةٍ التي أوقَعَها، ولو وكَّلَه في طَلاقِها واحِدةً ثمَّ طلَّقَها الزوجُ واحِدةً لم تَبطُلِ الوَكالةُ ما لم تَنقَضِ العدَّةُ، فإنْ طلَّقَها الوكيلُ واحدةً في العدَّةِ طُلِّقتْ، سواءٌ راجَعَها الزوجُ مِنْ طَلقَتِه أو لم يُراجِعْ، فلوِ انقَضَتْ عدَّتُها مِنْ طَلقةِ الزوجِ ثمَّ استأنَفَ نِكاحَها ففي بَقاءِ الوَكالةِ وجَوازِ طَلاقِ الوَكيلِ لها وَجهانِ: أحَدُهما: الوَكالةُ باقِيةٌ وطلاقُ الوَكيلِ لها واقِعٌ. والوَجهُ الثاني: أنَّ الوَكالةَ قدْ بطَلَتْ وطَلاقُه غَيرُ واقِعٍ. وهَذانِ الوَجهانِ مِنِ اختِلافِ قَولَيهِ في عَقدِ الطلاقِ في نِكاحٍ، هل يَجوزُ أنْ يقَعَ في غيرِه أم لا؟

стр. 10712

فإذا رجَعَ الزوجُ عنِ الوَكالةِ أو جُنَّ أو ماتَ لم يَكنْ لهُ أنْ يُطلِّقَ، فإنْ طلَّقَ لم يَقعْ، فلو لم يَعلمِ الوَكيلُ بجُنونِ مُوكِّلِه أو مَوتِه فطلَّقَ لم يقَعْ طَلاقُه؛ لأنَّ الطلاقَ لا يَصحُّ أنْ يقَعَ عن زَوجٍ مَيِّتٍ أو مَجنونٍ، ولو لم يَعلمِ الوَكيلُ برُجوعِ الزوجِ حتَّى طلَّقَ كانَ في وُقوعِ طَلاقِه قَولانِ؛ مِنِ اختِلافِ قَوليهِ في المُوكَّلِ في القِصاصِ إذا اقتَصَّ قبلَ العِلمِ بالعفوِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: إذا وكَّلَ رَجُلًا بأنْ يُطلِّقَ امرأتَهُ للسُّنةِ وهي ممَّن تَحيضُ وكانَ التوكيلُ في حالةِ الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ وطلَّقَها الوَكيلُ في حالةِ الحَيضِ أو في ذلكَ الطُّهرِ لا يَقعُ الطلاقُ؛ لأنه ليسَ بتَوكيلٍ للحالِ، بلْ وَكالتُه مُضافةٌ إلى الطُّهرِ في الصُّورةِ الأُولَى، وإلى الحَيضِ والطُّهرِ في الصُّورةِ الثانيةِ. وكذلكَ لو قالَ لها في هذهِ الحالةِ: «أنتِ طالقٌ للسُّنةِ، أنتِ طالقٌ إذا طَهُرتِ، أنتِ طالقٌ إذا حِضتِ وطَهُرتِ» لا يقَعُ الطلاقُ، وإذا طَهُرتْ في الصُّورةِ الأُولى أو حاضَتْ وطَهُرتْ في الصُّورةِ الثانيةِ وطلَّقَها الوَكيلُ بعدَ ذلكَ يقَعُ الطلاقُ؛ لأنه صارَ وَكيلًا الآنَ، فالإيقاعُ حصَلَ بحُكمِ التوكيلِ فيَصحُّ. وإذا وكَّلَ غيرَه بأنْ يُطلِّقَ امرأتَه ثمَّ طلَّقَها الزوجُ بنَفسِه قبلَ طلاقِ الوَكيلِ فهذا لا يَكونُ عَزلًا للوكيلِ، ويقَعُ طَلاقُ الوَكيلِ عليها ما دامَتْ في

стр. 10713

العدَّةِ، وبعدَما انقَضَتِ العدَّةُ لا يقَعُ طَلاقُ الوَكيلِ عليها، تَزوَّجَها الزوجُ أو لم يَتزوَّجْ. ولو وكَّلَ رَجلًا بطَلاقِ امرأتِه والوَكيلُ غائِبٌ لا يَعلمُ فطلَّقَ الوَكيلُ قبلَ العِلمِ لا يقَعُ طَلاقُه؛ لأنه لا يَصيرُ وكِيلًا قبلَ العِلمِ، وفي «المُنتقَى»: عن أبي يُوسفَ ﵀ أنه يَصيرُ وَكيلًا قبلَ العِلمِ، قالَ أبو يُوسفَ ﵀: ولا أحفَظُه عن أبي حَنيفةَ ﵀، وإذا قالَ لغَيرِه: «طلِّقِ امرأتي ثلاثًا» فقالَ: «فعَلْتُ» صَحَّ، وإذا قالَ لرَجلَينِ: «طلِّقَا امرأتي ثلاثًا» وطلَّقَها أحَدُهما واحدةً والآخَرُ اثنتَينِ طَلُقتْ ثلاثًا. وإذا قالَ لغيرِه: «طلِّقِ امرأتي إنْ شاءَتْ» لا يُعتبَرُ وكِيلًا ما لم تَشأْ، ولها المَشيئةُ في مَجلسِ عِلمِها، وإذا شاءَتْ في مَجلسِ عِلمِها حتى صارَ وَكيلًا لو طلَّقَها الوَكيلُ في ذلكَ المَجلسِ يقَعُ، ولو قامَ عن مَجلسِه بطَلَ التوكيلُ ولا يَقعُ طَلاقُه بعدَ ذلكَ، قالَ شَمسُ الأئمَّةِ الحَلوانِيُّ ﵀: ويَنبغي أنْ يُحفظَ هذا وأنَّ البَلَوى فيهِ تَعمُّ وأنَّ عامَةَ كُتبِ الطلاقِ التي يَكتبُها الزوجُ مِنَ القَريةِ يكونُ فيها: «أيُّها الذي كَتبْتُ إليكَ هذا الكِتابَ سَلِ امرأتي هل تَشاءُ الطلاقَ؟ فإنْ شاءَتْ فطَلِّقْها»، ثمَّ إنَّ الوُكلاءَ كثيرًا ما يُؤخِّرونَ الإيقاعَ عن مَجلسِ مَشيئتِها، فلا يَدْرونَ أنَّ الطلاقَ لا يقعُ. وإذا قالَ لغيرِه: «أنتَ وَكيلِي في طَلاقِها على أني بالخِيارِ، أو على أنها بالخِيارِ، أو على أنَّ فُلانًا بالخِيار» فالوَكالةُ جائِزةٌ والخِيارُ باطلٌ.

стр. 10714

وإذا قالَ لغَيرِه: «طلِّقْ إحدَى نِسائي» فطلَّقَ واحدةً مِنهنَّ بعَينِها صحَّ، وليسَ للزوجِ أنْ يَصرِفَ الطلاقَ إلى غَيرِها، وكذلكَ إذا طلَّقَ واحِدةً مِنهنَّ لا بعَينِها صحَّ فيكونُ الخِيارُ للزوجِ؛ وهذا لأنَّ «إحْدَى» كما تُطلَقُ على واحِدةٍ نَكرةٍ تُطلَقُ على واحِدةٍ بعَينِها، ألَا ترَى أنه يَستقيمُ أنْ يُقالَ: «هذهِ مِنْ إحدَى نسائي»، وقد حصَلَ التوكيلُ مُطلَقًا مِنْ غيرِ تَقييدِ الإحدَى بالعَينيَّةِ ولا بالجَهالةِ، فيَجوزُ على إطلاقِه، ويَصيرُ تَقديرُ المَسألةِ كأنه قالَ: «طلِّقْ واحدةً مِنْ نسائي إنْ شِئتَ بعَينِها، وإنْ شِئتَ لا بعَينِها»، ولو نَصَّ على هذا كانَ الجَوابُ كما قُلنَا، فهاهُنا كذلكَ (١). وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ جَرَى بينَه وبينَ زَوجتِه كَلامٌ، وكانَ على عَزمِ السَّفرِ، فقالَ لوَكيلِه: «إنْ كانَتْ تَرضَى بهذهِ النفَقةِ العادة فسَلِّمْ إليها النفَقةَ، وإنْ لم تَرْضَ بالنفَقةِ فسَلِّمْ إليها كِتابَها»، وإنَّ الوَكيلَ بعدَ ما سافَرَ المُوكِّلُ سلَّمَ إليها كِتابَها وطلَّقَ عليها طَلقةً رَجعيةً وسَيَّرَ عِلمَ المُوكِّلِ أنه قد طلَّقَها طَلقةً رَجعيةً، فلمَّا عَلِمَ المُوكِّلُ ما هانَ عليه فأشهَدَ على نفسِه أنه راجَعَها وسَيَّرَ طلَبَها، فلمَّا سَمِعَ الوَكيلُ أنه راجَعَ زَوجتَه ذكَرَ أنه طلَّقَ عليه ثلاثًا، فهل يَجوزُ للرجلِ المُراجَعةُ لزَوجتِه بعدَ قولِ الوكيلِ ذلكَ؟ فأجابَ: الحَمدُ للهِ، قَولُه: «يُسلِّمُ إليها كِتابَها» كِنايةٌ عن الطلاقِ؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ أنه أرادَ بهِ الطلاقِ أو عَلِمَ بذلكَ بدَلالةِ الحالِ ملَكَ أنْ يُطلِّقَ واحِدةً،

стр. 10715

ولم يَملكِ الوَكيلُ أنْ يُطلِّقَ ثلاثًا إلا بإذنِ الموكِّلِ، وإذا قالَ للوَكيلِ: «لم أُرِدْ بذلك أنه يُطلِّقُها ثلاثًا» قُبلَ قَولُه، ولم يُمكِنِ الوكيلَ أنَّ يُطلِّقَها ثلاثًا، وإذا طلَّقَها الوَكيلُ واحدةً ثمَّ راجَعَها الزوجُ صحَّتِ الرجعةُ (١). اشتِراطُ الطَّلاقِ بيَدِ الزَّوجةِ تُطلِّقُ نفْسَها متَى شاءَتْ (بأنْ تكونَ العِصمةُ في يَدِ الزَّوجةِ): اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَتِ الزوجةُ أنْ يَكونَ الطلاقُ في يَدِها تُطلِّقُ نفسَها متَى شاءَتْ، هل يَجوزُ هذا الشرطُ ويَكونُ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها متَى شاءَتْ؟ أم يَبطلُ النكاحُ إذا وُقِفَ عليهِ قبلَ الدخولِ ويَثبتُ بعدَه بمَهرِ المِثلِ؟ أم يَبطلُ مُطلَقًا قبلَ الدُّخولِ وبعدَه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المَرأةَ على أنَّ أمْرَها بيَدِها تُطلِّقُ نفسَها كُلَّما تُريدُ وقَبِلَتِ المرأةُ لا يقَعُ الطلاقُ ولا يَصيرُ الأمرُ بيَدِها، هذا إذا بدَأَ الزوجُ فقالَ: «تَزوَّجتُكِ على أنْ يَكونَ الأمرُ في يَدكِ»، إلا إذا قالَ: «على أنَّ أمْرَكِ بيَدكِ بعدَما أتزوَّجُكِ» فقَبِلتْ صحَّ ويكونُ الأمرُ بيَدِها. أمَّا إنِ ابتَدأَتِ المَرأةُ فقالتْ: «زَوَّجتُ نفسِي منكَ على أنْ يكونَ الأمرُ بيَدِي أُطلِّقُ نفسِي كلَّما شِئتُ» فقالَ الزوجُ: «قَبِلتُ» جازَ النكاحُ ويقَعُ الطلاقُ ويَكونُ الأمرُ بيَدِها (٢).
следующие страницы →