← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

سَواءٌ أوقَعَه على الفَورِ أو على التراخي- فإنْ تَراخَتْ مَشيئتُها لم يقَعِ الطلاقُ بعدَها؛ لفَسادِ المَشيئةِ. وليسَ للوَكيلِ في الطلاقِ أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيهِ، فإنْ وكَّلَ وَكيلَينِ في طَلاقِ زَوجةٍ واحِدةٍ وجعَلَ إلى كُلِّ واحِدٍ منهُما أنْ يُطلِّقَها فأيُّهما سبَقَ بطَلاقِها ثلاثًا بطَلَتْ وَكالةُ الآخَرِ، ولو جعَلَ إلى كُلِّ واحِدٍ منهُما أنْ يُطلِّقَها واحدةً؛ فإذا سبَقَ أحَدُهما فطلَّقَها واحِدةً لم تَبطلْ وَكالةُ الآخَرِ وجازَ له أنْ يُطلِّقَها أُخرَى. وهكذا لو وكَّلَ واحِدًا في طَلاقِها ثَلاثًا ثمَّ بادَرَ الزوجُ فطلَّقَها ثَلاثًا بطَلَتِ الوَكالةُ، ولو طلَّقَها الزوجُ واحِدةً كانَتِ الوَكالةُ بحالِها في الطلقتَينِ الباقِيتَينِ، وإنْ طلَّقَها الوَكيلُ ثلاثًا وقَعَ مِنهما طَلقتانِ؛ لأنهُما الباقيَتانِ مِنْ طَلاقِ الزوجِ بعدَ الواحِدةٍ التي أوقَعَها، ولو وكَّلَه في طَلاقِها واحِدةً ثمَّ طلَّقَها الزوجُ واحِدةً لم تَبطُلِ الوَكالةُ ما لم تَنقَضِ العدَّةُ، فإنْ طلَّقَها الوكيلُ واحدةً في العدَّةِ طُلِّقتْ، سواءٌ راجَعَها الزوجُ مِنْ طَلقَتِه أو لم يُراجِعْ، فلوِ انقَضَتْ عدَّتُها مِنْ طَلقةِ الزوجِ ثمَّ استأنَفَ نِكاحَها ففي بَقاءِ الوَكالةِ وجَوازِ طَلاقِ الوَكيلِ لها وَجهانِ: أحَدُهما: الوَكالةُ باقِيةٌ وطلاقُ الوَكيلِ لها واقِعٌ. والوَجهُ الثاني: أنَّ الوَكالةَ قدْ بطَلَتْ وطَلاقُه غَيرُ واقِعٍ. وهَذانِ الوَجهانِ مِنِ اختِلافِ قَولَيهِ في عَقدِ الطلاقِ في نِكاحٍ، هل يَجوزُ أنْ يقَعَ في غيرِه أم لا؟

стр. 10712

فإذا رجَعَ الزوجُ عنِ الوَكالةِ أو جُنَّ أو ماتَ لم يَكنْ لهُ أنْ يُطلِّقَ، فإنْ طلَّقَ لم يَقعْ، فلو لم يَعلمِ الوَكيلُ بجُنونِ مُوكِّلِه أو مَوتِه فطلَّقَ لم يقَعْ طَلاقُه؛ لأنَّ الطلاقَ لا يَصحُّ أنْ يقَعَ عن زَوجٍ مَيِّتٍ أو مَجنونٍ، ولو لم يَعلمِ الوَكيلُ برُجوعِ الزوجِ حتَّى طلَّقَ كانَ في وُقوعِ طَلاقِه قَولانِ؛ مِنِ اختِلافِ قَوليهِ في المُوكَّلِ في القِصاصِ إذا اقتَصَّ قبلَ العِلمِ بالعفوِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: إذا وكَّلَ رَجُلًا بأنْ يُطلِّقَ امرأتَهُ للسُّنةِ وهي ممَّن تَحيضُ وكانَ التوكيلُ في حالةِ الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ وطلَّقَها الوَكيلُ في حالةِ الحَيضِ أو في ذلكَ الطُّهرِ لا يَقعُ الطلاقُ؛ لأنه ليسَ بتَوكيلٍ للحالِ، بلْ وَكالتُه مُضافةٌ إلى الطُّهرِ في الصُّورةِ الأُولَى، وإلى الحَيضِ والطُّهرِ في الصُّورةِ الثانيةِ. وكذلكَ لو قالَ لها في هذهِ الحالةِ: «أنتِ طالقٌ للسُّنةِ، أنتِ طالقٌ إذا طَهُرتِ، أنتِ طالقٌ إذا حِضتِ وطَهُرتِ» لا يقَعُ الطلاقُ، وإذا طَهُرتْ في الصُّورةِ الأُولى أو حاضَتْ وطَهُرتْ في الصُّورةِ الثانيةِ وطلَّقَها الوَكيلُ بعدَ ذلكَ يقَعُ الطلاقُ؛ لأنه صارَ وَكيلًا الآنَ، فالإيقاعُ حصَلَ بحُكمِ التوكيلِ فيَصحُّ. وإذا وكَّلَ غيرَه بأنْ يُطلِّقَ امرأتَه ثمَّ طلَّقَها الزوجُ بنَفسِه قبلَ طلاقِ الوَكيلِ فهذا لا يَكونُ عَزلًا للوكيلِ، ويقَعُ طَلاقُ الوَكيلِ عليها ما دامَتْ في

стр. 10713

العدَّةِ، وبعدَما انقَضَتِ العدَّةُ لا يقَعُ طَلاقُ الوَكيلِ عليها، تَزوَّجَها الزوجُ أو لم يَتزوَّجْ. ولو وكَّلَ رَجلًا بطَلاقِ امرأتِه والوَكيلُ غائِبٌ لا يَعلمُ فطلَّقَ الوَكيلُ قبلَ العِلمِ لا يقَعُ طَلاقُه؛ لأنه لا يَصيرُ وكِيلًا قبلَ العِلمِ، وفي «المُنتقَى»: عن أبي يُوسفَ ﵀ أنه يَصيرُ وَكيلًا قبلَ العِلمِ، قالَ أبو يُوسفَ ﵀: ولا أحفَظُه عن أبي حَنيفةَ ﵀، وإذا قالَ لغَيرِه: «طلِّقِ امرأتي ثلاثًا» فقالَ: «فعَلْتُ» صَحَّ، وإذا قالَ لرَجلَينِ: «طلِّقَا امرأتي ثلاثًا» وطلَّقَها أحَدُهما واحدةً والآخَرُ اثنتَينِ طَلُقتْ ثلاثًا. وإذا قالَ لغيرِه: «طلِّقِ امرأتي إنْ شاءَتْ» لا يُعتبَرُ وكِيلًا ما لم تَشأْ، ولها المَشيئةُ في مَجلسِ عِلمِها، وإذا شاءَتْ في مَجلسِ عِلمِها حتى صارَ وَكيلًا لو طلَّقَها الوَكيلُ في ذلكَ المَجلسِ يقَعُ، ولو قامَ عن مَجلسِه بطَلَ التوكيلُ ولا يَقعُ طَلاقُه بعدَ ذلكَ، قالَ شَمسُ الأئمَّةِ الحَلوانِيُّ ﵀: ويَنبغي أنْ يُحفظَ هذا وأنَّ البَلَوى فيهِ تَعمُّ وأنَّ عامَةَ كُتبِ الطلاقِ التي يَكتبُها الزوجُ مِنَ القَريةِ يكونُ فيها: «أيُّها الذي كَتبْتُ إليكَ هذا الكِتابَ سَلِ امرأتي هل تَشاءُ الطلاقَ؟ فإنْ شاءَتْ فطَلِّقْها»، ثمَّ إنَّ الوُكلاءَ كثيرًا ما يُؤخِّرونَ الإيقاعَ عن مَجلسِ مَشيئتِها، فلا يَدْرونَ أنَّ الطلاقَ لا يقعُ. وإذا قالَ لغيرِه: «أنتَ وَكيلِي في طَلاقِها على أني بالخِيارِ، أو على أنها بالخِيارِ، أو على أنَّ فُلانًا بالخِيار» فالوَكالةُ جائِزةٌ والخِيارُ باطلٌ.

стр. 10714

وإذا قالَ لغَيرِه: «طلِّقْ إحدَى نِسائي» فطلَّقَ واحدةً مِنهنَّ بعَينِها صحَّ، وليسَ للزوجِ أنْ يَصرِفَ الطلاقَ إلى غَيرِها، وكذلكَ إذا طلَّقَ واحِدةً مِنهنَّ لا بعَينِها صحَّ فيكونُ الخِيارُ للزوجِ؛ وهذا لأنَّ «إحْدَى» كما تُطلَقُ على واحِدةٍ نَكرةٍ تُطلَقُ على واحِدةٍ بعَينِها، ألَا ترَى أنه يَستقيمُ أنْ يُقالَ: «هذهِ مِنْ إحدَى نسائي»، وقد حصَلَ التوكيلُ مُطلَقًا مِنْ غيرِ تَقييدِ الإحدَى بالعَينيَّةِ ولا بالجَهالةِ، فيَجوزُ على إطلاقِه، ويَصيرُ تَقديرُ المَسألةِ كأنه قالَ: «طلِّقْ واحدةً مِنْ نسائي إنْ شِئتَ بعَينِها، وإنْ شِئتَ لا بعَينِها»، ولو نَصَّ على هذا كانَ الجَوابُ كما قُلنَا، فهاهُنا كذلكَ (١). وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ جَرَى بينَه وبينَ زَوجتِه كَلامٌ، وكانَ على عَزمِ السَّفرِ، فقالَ لوَكيلِه: «إنْ كانَتْ تَرضَى بهذهِ النفَقةِ العادة فسَلِّمْ إليها النفَقةَ، وإنْ لم تَرْضَ بالنفَقةِ فسَلِّمْ إليها كِتابَها»، وإنَّ الوَكيلَ بعدَ ما سافَرَ المُوكِّلُ سلَّمَ إليها كِتابَها وطلَّقَ عليها طَلقةً رَجعيةً وسَيَّرَ عِلمَ المُوكِّلِ أنه قد طلَّقَها طَلقةً رَجعيةً، فلمَّا عَلِمَ المُوكِّلُ ما هانَ عليه فأشهَدَ على نفسِه أنه راجَعَها وسَيَّرَ طلَبَها، فلمَّا سَمِعَ الوَكيلُ أنه راجَعَ زَوجتَه ذكَرَ أنه طلَّقَ عليه ثلاثًا، فهل يَجوزُ للرجلِ المُراجَعةُ لزَوجتِه بعدَ قولِ الوكيلِ ذلكَ؟ فأجابَ: الحَمدُ للهِ، قَولُه: «يُسلِّمُ إليها كِتابَها» كِنايةٌ عن الطلاقِ؛ فإذا قالَ المُوكِّلُ أنه أرادَ بهِ الطلاقِ أو عَلِمَ بذلكَ بدَلالةِ الحالِ ملَكَ أنْ يُطلِّقَ واحِدةً،

стр. 10715

ولم يَملكِ الوَكيلُ أنْ يُطلِّقَ ثلاثًا إلا بإذنِ الموكِّلِ، وإذا قالَ للوَكيلِ: «لم أُرِدْ بذلك أنه يُطلِّقُها ثلاثًا» قُبلَ قَولُه، ولم يُمكِنِ الوكيلَ أنَّ يُطلِّقَها ثلاثًا، وإذا طلَّقَها الوَكيلُ واحدةً ثمَّ راجَعَها الزوجُ صحَّتِ الرجعةُ (١). اشتِراطُ الطَّلاقِ بيَدِ الزَّوجةِ تُطلِّقُ نفْسَها متَى شاءَتْ (بأنْ تكونَ العِصمةُ في يَدِ الزَّوجةِ): اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَتِ الزوجةُ أنْ يَكونَ الطلاقُ في يَدِها تُطلِّقُ نفسَها متَى شاءَتْ، هل يَجوزُ هذا الشرطُ ويَكونُ لها أنْ تُطلِّقَ نفسَها متَى شاءَتْ؟ أم يَبطلُ النكاحُ إذا وُقِفَ عليهِ قبلَ الدخولِ ويَثبتُ بعدَه بمَهرِ المِثلِ؟ أم يَبطلُ مُطلَقًا قبلَ الدُّخولِ وبعدَه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا تَزوَّجَ المَرأةَ على أنَّ أمْرَها بيَدِها تُطلِّقُ نفسَها كُلَّما تُريدُ وقَبِلَتِ المرأةُ لا يقَعُ الطلاقُ ولا يَصيرُ الأمرُ بيَدِها، هذا إذا بدَأَ الزوجُ فقالَ: «تَزوَّجتُكِ على أنْ يَكونَ الأمرُ في يَدكِ»، إلا إذا قالَ: «على أنَّ أمْرَكِ بيَدكِ بعدَما أتزوَّجُكِ» فقَبِلتْ صحَّ ويكونُ الأمرُ بيَدِها. أمَّا إنِ ابتَدأَتِ المَرأةُ فقالتْ: «زَوَّجتُ نفسِي منكَ على أنْ يكونَ الأمرُ بيَدِي أُطلِّقُ نفسِي كلَّما شِئتُ» فقالَ الزوجُ: «قَبِلتُ» جازَ النكاحُ ويقَعُ الطلاقُ ويَكونُ الأمرُ بيَدِها (٢).

стр. 10716

وقالوا أيضًا: تَصيرُ هذه المَسألةُ حِيلةً للمُطلَّقةِ ثلاثًا إذا خافَتْ مِنْ المُحلِّلِ أنْ يُمسِكَها، يَنبغي أنْ تَبدأَ هي وتَقولَ للزوجِ: «زوَّجتُ نفسِي منكَ على أنَّ أمرِي بيَدِي أُطلِّقُ نفسِي كلَّما أُريدُ»، ثمَّ يَقبلُ الزوجُ فيَصيرُ الأمرُ بيَدِها تُطلِّقُ نفسَها كلَّما أرادَتْ، ولو كانَ الزوجُ قالَ لها: «تَزوَّجتُكِ على أنكِ طالقٌ بعدَما أتزوَّجُكِ، أو: على أنَّ أمْرَكِ بيدِكِ بعدَما أتزوَّجُكِ، تُطلِّقي نفسَكِ كلَّما تُريدينَ»، فقالتِ المرأةُ: «قَبِلتُ» تَطلُقُ ويَصيرُ الأمرُ بيدِها. وفي «المُنتقَى»: الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ ﵀: إذا قالَ لها: «أتزوَّجُكِ على أنَّ أمْرَكِ بيَدكِ بعدَما أتزوَّجُكِ شهرًا» فالنكاحُ جائزٌ وأمرُها بيَدِها شهرًا منذُ تزوَّجَها، فإنِ اختارَتْ زوْجَها في يومٍ مِنْ الشهرِ لم يَبطلْ خِيارُها في باقي الشهرِ، وروَى الحَسنُ عن أبي مالكٍ عن أبي يُوسفَ ﵏ أنه يَبطلُ خِيارُها في باقي الشهرِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا تزوَّجَها على شَرطِ أنَّ الطلاقَ بيَدِها متَى أرادَتْ أو أحَبَّتْ أنْ تُطلِّقَ نفسَها فلها ذلكَ وشُرطَ ذلك في صُلبِ العَقدِ فإنَّ النكاحَ يُفسخُ قبلَ البناءِ اتفاقًا، ويَثبتُ بعدَه بمَهرِ المثلِ ولا يُفسخُ على الصحيحِ مِنْ المَذهبِ، ويَثبتُ بعدُ ويَمضي على سُنةِ النكاحِ ويَسقطُ الشرطُ المُناقِضُ؛ لأنَّ كلَّ شَرطٍ خالَفَ كِتابَ اللهِ وسُنةَ رَسولِه فهوَ لاغٍ وباطلٌ. وقيلَ: يُفسَخُ مُطلَقًا، قبلَ الدخولِ وبعدَه.

стр. 10717

وأما إنْ حصَلَ الشرطُ بعدَ العَقدِ وهي في العِصمةِ فلا ضرَرَ في ذلك (١). وقالَ الشافِعيةُ: كلُّ شَرطٍ رفَعَ مَقصودَ العَقدِ -مثلَ أنْ يَتزوَّجَها على أنْ يكونَ الطلاقُ بيَدِها تُطلِّقُ نفسَها متَى شاءَتْ- فالنكاحُ بهذهِ الشروطِ باطلٌ، سواءٌ كانَتْ هذه الشروطُ مِنْ جِهتِه أو مِنْ جِهتِها؛ لأنها رافِعةٌ لمَقصودِ العَقدِ مِنْ البَقاءِ والاستِدامةِ، فصارَ النكاحُ بها مُقدَّرَ المدَّةِ، فجَرَى مَجرَى نِكاحِ المُتعةِ فكانَ باطلًا (٢). ولم أقَفْ للحَنابلةِ على قولٍ، فإنهم لم يَذكرُوا هذا الشرطَ في بابِ الشروطِ في النكاحِ، لا فيما يَجوزُ منها ولا فيما لا يجوزُ، وإنَّما ذَكَروا هذا فيما لو جعَلَ الزوجُ طلاقَها لها بعدَ الزواجِ بأنْ يَتزوَّجَها ويَجعلَ أمْرَها بيَدِها، فهذا جائزٌ عندَهُم وعندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعةِ كما تَقدَّمَ في شُروطِ النكاحِ. إلا أني وجَدْتُ كَلامًا جَميلًا لابنِ القَيمِ ﵀ حيثُ قالَ: إذا تزوَّجَتِ المَرأةُ وخافَتْ أنْ يُسافِرَ عنها الزوجُ ويدَعَها، أو يُسافِرَ بها ولا تُريدُ الخُروجَ مِنْ دارِها، أو أنْ يَتزوَّجَ عليها أو يَتسرَّى أو يَشربَ المُسكِرَ أو يَضربَها مِنْ غيرِ جُرمٍ، أو يَتبيَّنَ فقيرًا وقدْ ظنَّتْه غَنيًّا، أو مَعِيبًا وقد ظنَّتْه سَليمًا، أو أمِّيًّا

стр. 10718

وقد ظنَّتْه قارئًا، أو جاهِلًا وقد ظنَّتْه عالِمًا أو نحو ذلكَ، فلا يُمكِنُها التخلُّصُ؛ فالحِيلةُ لها في ذلك كلِّه: أنْ تَشترطَ عليهِ أنه مَتى وُجدَ شيءٌ مِنْ ذلكَ فأمرُها بيدِها، إنْ شاءَتْ أقامَتْ معه وإنْ شاءَتْ فارقَتْه، وتُشهِدَ عليه بذلك، فإنْ خافَتْ أنْ لا تَشترطَ ذلك بعدَ لُزومِ العَقدِ فلا يُمكِنُها إلزامُه بالشرطِ فلا تأذَن لوليِّها أنْ يُزوِّجَها منه إلا على هذا الشرطِ فيقولَ: «زوَّجتُكُما على أنَّ أمْرَها بيَدِها إنْ كانَ الأمرُ كَيْتَ وكَيتَ»؛ فمتَى كانَ الأمرُ كذلكَ ملَكَتْ تَطليقَ نَفسِها، ولا بأسَ بهذهِ الحِيلةِ؛ فإنَّ المرأةَ تَتخلَّصُ بها مِنْ نكاحِ مَنْ لم تَرْضَ بنكاحِه، وتَستَغني بها عن رَفعِ أمرِها إلى الحاكِمِ ليَفسخَ نِكاحَها بالغَيبةِ والإعسارِ ونحوِهما (١). الطَّلاقُ بالكِتابةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الناطِقَ إذا كتَبَ طَلاقَ زَوجتِه وتَلفَّظَ بهِ وقَعَ الطلاقُ؛ لأنه لو تَلفَّظَ به ولم يَكتبْه وقَعَ، فكذلكَ إذا كتَبَه ولفَظَ به. إلا أنهمُ اختَلفُوا في مَوضعَينِ: المَوضِعُ الأولُ: فيما لو كتَبَ طَلاقَ زَوجتِه ولم يَتلفَّظْ به ولم يَنوِه: ذهَبَ جَمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا كتَبَ طَلاقَ زَوجَتِه ولم يَتلفَّظْ بهِ ولم يَنوِه لم يقَعْ طلاقُه؛ لأنَّ الكِتابةَ قد يُقصدُ بها الحِكايةُ، وقد يُقصدُ بها تَجويدُ الخَطِّ،

стр. 10719

فلم يقَعْ بها الطلاقُ مِنْ غيرِ نيَّةٍ؛ لأنَّ الكِتابةَ مُحتمِلةٌ، فإنه يُقصدُ بها تَجربةُ القَلمِ وتَجويدُ الخَطِّ وغَمُّ الأهلِ، فلم يقَعْ مِنْ غيرِ نيَّةٍ ككِناياتِ الطلاقِ، فإنْ نَوَى بذلكَ تَجويدَ خَطِّه أو تَجربةَ قَلمِه لم يقَعْ؛ لأنه لو نَوَى باللفظِ غيرَ الإيقاعِ لم يقَعْ، فالكِتابةُ أَولى. وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ كتَبَ الطلاقَ ولم يَنوِ يقَعُ، وهو قَولُ الشعبيِّ والنخَعيِّ والزُّهريِّ (١). المَوضعُ الثاني: لو كتَبَ طَلاقَ زَوجتِه ونَوَى بهِ الطلاقَ، هل تَطلُقُ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كتَبَ طَلاقَ زَوجتِه ونَوَى بهِ الطلاقَ، هل يَقعُ طَلاقُه أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ -في الجُملةِ- الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنه يَقعُ طَلاقُه؛ لأنَّ الكِتابةَ تَقومُ مَقامَ الكاتِبِ، بدَلالةِ

стр. 10720

أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ مَأمورًا بدُعاءِ جَميعِ الناسِ إلى الإسلامِ، ثمَّ كتَبَ إلى كِسرَى وقَيصرَ فقامَ ذلكَ مَقامَ دُعائِهما إلى الإسلامِ بالكَلامِ. ولأنَّ الكِتابةَ حُروفٌ مَنظومةٌ تَدلُّ على معنًى مَفهومٍ كالكَلامِ، ولأنها تَقومُ في بَيانِ المَعنى مَقامَ الكلامَ، والطلاقُ يقَعُ بما يَقومُ مَقامَ الغيرِ كالكِتابةِ. ولأنَّ الكِتابةَ تَتعلَّقُ بها الأحكامُ، بدَلالةِ كِتابِ القاضي إلى القاضي تَثبتُ بهِ الدُّيونُ والحُقوقُ، فصارَ كالقَولِ الذي يَثبتُ بهِ الدَّينُ. وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يقَعُ الطلاقُ بالكِتابةِ وإنْ نَواهُ؛ لأنه فعلٌ مِنْ قادِرٍ على القَولِ، فلم يَقعْ بها الطلاقُ كالإشارةِ مِنْ ناطقٍ (١).

стр. 10721

إلا أنَّ لهُم تَفصِيلًا في ذلكَ: فقالَ الحَنفيةُ: الكِتابةُ على نَوعَينِ: مَرسومةٌ وغيرُ مَرسومةٍ، ونَعني بالمَرسومةِ أنْ يَكونَ مُصدَّرًا ومُعنْوَنًا، مثلُ ما يُكتبُ إلى الغائِبِ، وغيرُ مَرسومَةٍ أنْ لا يكونَ مُصدَّرًا ومُعنوَنًا، وهو على وَجهينِ: مُستَبِينةٌ وغيرُ مُستبينةٍ: فالمُستَبينةُ: ما يُكتبُ على الصَّحيفةِ والحائطِ والأرضِ على وجهٍ يُمكِنُ فَهمُه وقِراءتُه. وغيرُ المُستَبينةِ: ما يُكتبُ على الهَواءِ والماءِ وشيءٍ لا يُمكِنُ فَهمُه وقِراءتُه. ففي غيرِ المُستبينةِ لا يَقعُ الطلاقُ وإنْ نَوَى. وإنْ كانَتْ مُستبينةً لكنَّها غيرُ مَرسومةٍ إنْ نَوَى الطلاقَ يَقعُ، وإلا فلا. وإنْ كانَتْ مَرسومةً يَقعُ الطلاقُ، نَوَى أو لم يَنوِ. ثمَّ المَرسومةُ لا تَخلو: إمَّا أنْ أرسَلَ الطلاقَ بأنْ كتَبَ: «أمَّا بعدُ فأنتِ طالقٌ» فكُلَّما كتَبَ هذا يَقعُ الطلاقُ، وتَلزمُها العدَّةُ مِنْ وَقتِ الكِتابةِ. وإنْ علَّقَ طَلاقَها بمَجيءِ الكِتابِ بأنْ كتَبَ: «إذا جاءَكِ كِتابي هذا فأنتِ طالقٌ» فما لم يَجِئْ إليها الكِتابُ لا يَقعُ. وإنْ كتَبَ: «إذا جاءَكِ كِتابي هذا فأنتِ طالقٌ» فكتَبَ بعدَ ذلكَ حَوائجَ فَجاءَها الكِتابُ فقَرأَتِ الكِتابَ أو لم تَقرأْ يَقعُ الطلاقُ.

стр. 10722

فلو كتَبَ رَجلٌ إلى امرَأتِه بحَوائجَ وكتَبَ في آخِرِه: «أمَّا بعدُ: فإذا جاءَكِ كِتابي هذا فأنتِ طالِقٌ» فبَدَا له فمَحَا كِتابةَ الطلاقِ فَجاءَ الكِتابُ تَطلُقُ، ولو مَحَا كِتابةَ الحَوائجِ وترَكَ كِتابةَ الطلاقِ ثمَّ بعَثَ به إليها لم تَطلُقْ؛ لأنه إذا مَحَا الحَوائجَ بطَلَ الكِتابُ، فلم يَتحقَّقِ الشرطُ، وإنْ كتَبَ في أولِ الكِتابِ: «أمَّا بعدُ: فإذا جاءَكِ كِتابي هذا فأنتِ طالقٌ» ثمَّ كتَبَ الحَوائجَ في آخِرِه ثمَّ مَحَا الطلاقَ وبَقيَ ما بعدَه لم تَطلُقْ، وإنْ مَحَا ما بعدَه وترَكَ الطلاقَ طَلُقتْ. ولو كتَبَ الطلاقَ في وسَطِ الكِتابِ وكتَبَ قبلَه وبعدَه حَوائجَ ثمَّ مَحَا الطلاقَ وبعَثَ بالكِتابِ إليها وقَعَ الطلاقُ، كانَ الذي قبلَ الطلاقِ أقلَّ أو أكثَرَ. ولو كتَبَ إليها: «أمَّا بعدُ: فأنتِ طالِقٌ ثلاثًا إنْ شاءَ اللهُ ﵎» مَوصولًا بكِتابتِه لا تَطلُقُ، وإنْ كانَ مَفصولًا تَطلقُ. ولو كتَبَ إلى امرَأتِه: «إذا جاءَكِ كِتابي هذا فأنتِ طالِقٌ» ووصَلَ الكِتابُ إلى أبيها فأخَذَ الأبُ ومَزَّقَ الكِتابَ ولم يَدفعْه إليها؛ إنْ كانَ الأبُ مُتصرِّفًا في جَميعِ أُمورِها فوصَلَ الكِتابُ إلى أبيها في بَلدِها وقَعَ الطلاقُ، وإنْ لم يَكنْ كذلكَ لا يَقعُ الطلاقُ ما لم يَصلْ إليها، وإنْ أخبَرَها الأبُ بوُصولِ الكِتابِ إليهِ؛ فإنْ دفَعَ الأبُ الكِتابَ إليها وهو مُمزَّقٌ إنْ كانَ يُمكِنُ فَهمُه وقِراءتُه وقَعَ الطلاقُ عليها، وإلا فلا.

стр. 10723

وإذا كتَبَ الطلاقَ واستَثنَى بلِسانِه أو طلَّقَ بلِسانِه واستَثنَى بالكِتابةِ، هل يَصحُّ؟ لا رِوايةَ لهذهِ المَسألةِ، ويَنبغي أنْ يَصحَّ (١). وأما المالِكيةُ فقالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وسَمعتُه يُسألُ عن الذي يَكتبُ إلى امرَأتِه بطَلاقِها فقالَ: أراهُ مِنْ ذلكَ في سَعةٍ مُخيَّرًا حتى يَخرجَ الكِتابُ مِنْ يَدهِ، فإذا خرَجَ مِنْ يَدهِ كانَ عندِي بمَنزلةِ الإشهادِ، ورَأيتُ أنْ قد لَزمَه طَلاقُها، بمَنزلةِ الذي يَكتبُ كِتابًا بصَدقةٍ فهو مُخيَّرٌ فيهِ حتى يَخرجَ مِنْ يَدهِ، يَنظرُ ويَستخبِرُ، فإذا خرَجَ مِنْ يَدِه كانَ بمَنزلةِ ما لو أشهَدَ عليهِ، ورَأيتُ ذلكَ ماضِيًا عليهِ؛ لأنَّ الذي يَكتبُ الكِتابَ هكذا بشيءٍ هو كتَبَه يَقولُ: «أنظُرُ وأستَخبِرُ فيهِ» فهوَ يَكتبُ وهو يُريدُ النظَرَ والاستخبارَ، فأنا أرَى هذا هكذا، إلا أنْ يكونَ حينَ كتَبَ بذلكَ قد عزَمَ على الطلاقِ والصَّدقةِ، فأرَى ذلكَ نافِذًا وإنْ لم يَخرجْ مِنْ يَدِه الكِتابُ في الطلاقِ، وفي الصَّدقةِ كذلكَ أيضًا. قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: قولُه: «أراهُ مِنْ ذلكَ في سَعةٍ مُخيَّرًا» معناهُ: إذا كتَبَه غيرَ عازِمٍ على إنفاذِه. وتَحصيلُ القَولِ في المَسألةِ أنَّ الرَّجلَ إذا كتَبَ طَلاقَ امرَأتِه لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أحوالٍ:

стр. 10724

أحَدُها: أنْ يكونَ كتَبَه مُجمِعًا على الطلاقِ. والثاني: أنْ يَكونَ كتَبَه على أنْ يَستخبِرَ فيه، فإنْ رَأى أنْ يُنفِذَه أنفذَهُ، وإنْ رَأى ألا يُنفذهُ لم يُنفذْه. والثالثُ: أنْ لا تَكونَ له نيَّةٌ. فأمَّا إذا كتَبَه مُجمِعًا على الطلاقِ أو لم تكنْ لهُ نِيةٌ فقدْ وجَبَ عليهِ الطلاقُ، طاهِرًا كانَتْ أو حائِضًا، فإنْ كانَتْ حائضًا أُجبِرَ على رَجعتِها. وأمَّا إذا كتَبَه على أنْ يَستخبِرَه ويَرَى رَأيَه في إنفاذِه فذلكَ له ما لم يُخرجِ الكتابَ مِنْ يَدهِ، قالَ في «الواضِحة» وكتَابِ ابنِ المَوَّازِ: ويحلفُ على نيَّةٍ؛ فإنْ أخرَجَ الكِتابَ مِنْ يَديهِ عازِمًا على الطلاقِ ولم تَكنْ له نيَّةٌ وجَبَ عليهِ الطلاقُ بخُروجِ الكِتابِ مِنْ يَدِه، وصَلَ إليها أو لم يَصلْ، طاهِرًا كانتْ أو حائضًا أيضًا، ويُجبَرُ على رَجعتِها إنْ كانَتْ حائضًا. واختُلفَ إنْ أخرَجَ الكِتابَ مِنْ يَدِه على أنْ يَردَّه إنْ بَدَا له: فقيلَ: إنَّ خُروجَ الكِتابِ مِنْ يَدِه كالإشهادِ، وليسَ له أنْ يَردَّه، وهي رِوايةُ أشهَبَ هذه. وقيلَ: له أنْ يَردَّه إنْ أحَبَّ، وهو قَولُه في «المُدوَّنة»، والقولانِ في «رَسْم النَّسمةِ» مِنْ سَماعِ عيسى مِنْ كِتابِ الأيمانِ بالطلاقِ، وسواءٌ على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ كتَبَ إليها: «أنتِ طالقٌ، أو: إذا طَهُرتِ مِنْ حَيضتِكِ فأنتِ طالقٌ»؛ لأنه عندَه أجَلٌ آتٍ، فيَتعجَّلُ عليهِ الطلاقُ، وقالَ أشهَبُ، إذا كتَبَ

стр. 10725

إليها: «إذا طَهُرتِ فأنتِ طالقٌ، أو: إذا حِضتِ فأنتِ طالقٌ» لم يُعجَّلْ عليه الطلاقُ حتى تَطهُرَ وحتى تَحيضَ. فأما قَولُه في «إذا حِضتِ» إنه لا يُعجَّلُ عليه الطلاقُ فله وَجهٌ؛ إذْ قد لا تَحيضُ، فأشبَهَ قولَه: «إذا قَدِمَ فُلانٌ فأنتِ طالقٌ»، وأمَّا قولُه: «إذا طَهُرتِ» فليسَ بَيِّنًا؛ إذ لا بُدَّ أنْ تَطهُرَ، وإنْ تَمادَى بها الدَّمُ كانتْ مُستحاضةً، والمُستحاضةُ في حُكمِ الطاهِرِ، والذي نَحَا إليه أنها تَموتُ قبلَ أنْ تَطهُرَ، فيَكونُ الطُّهرُ لم يَأتِ، بخِلافِ الأجَلِ الذي لا بدَّ مِنْ إثباتِه، ماتَتْ أو لم تَمُتْ. وإذا كتَبَ إليها على مَذهبِ أشهَبَ: «إذا طَهُرتِ فأنتِ طالقٌ»؛ فإنْ كانَتْ حائِضًا لم يَقُمْ عليه طلاقٌ حتى تَطهُرَ، وإنْ كانَتْ طاهِرًا وقَعَ عليها الطلاقُ. وقيلَ: لا يَقعُ عليها إلا بالطُّهرِ الثاني، على اختِلافِهم فيمن قالَ لأمَتِه: «إذا حَملْتِ فأنتِ حُرَّةٌ» وهي حاملٌ. قالَ مُحمدُ بنُ الموَّازِ: وأحَبُّ إليَّ لمَن أرادَ أنْ يُطلِّقَ امرَأتَه الغائِبَ أنْ يَكتبَ إليها: «إذا جاءَكِ كِتابي هذا؛ فإنْ كُنْتِ قد حِضْتِ بعدِي وطَهُرتِ فأنتِ طالقٌ»؛ مَخافةَ أنْ يقَعَ طَلاقُه إياها في حالِ الحَيضِ، وهذا جيِّدٌ، إلا أنه قد لا يَقعُ عليه طلاقٌ أصلًا إنْ كانتْ لم تَحِضْ بعدَه وطَهُرتْ؛ لأنه إنما طلَّقَها على هذا الشرطِ، فإنْ كتَبَ إليها: «إنْ وصَلَ إليكِ كِتابي هذا فأنتِ طالقٌ» فلا اختِلافَ في أنه لا يَقعُ عليه الطلاقُ إلا بوُصولِ الكِتابِ إليها، فإذا وصَلَ إليها طَلُقتْ مَكانَها، وأُجبِرَ على رَجعتِها إنْ كانَتْ حائضًا، فإنْ كتَبَ إليها: «إذا وصَلَ إليكِ كتابي هذا فأنتِ

стр. 10726

طالِقٌ» وأرسَلَ إليها به فيَتخرَّجُ ذلكَ على قَولَينِ: أحَدُهما: إنَّ ذلكَ بمَنزلةِ كتابِه إليها: «إنْ وصَلَ إليكِ كتابي هذا». والثاني: إنَّ الطلاقَ يَقعُ عليهِ مَكانَه على الاختِلافِ في القائلِ لامرَأتِه: «إذا بلَغْتِ معي مَوضعَ كذا وكذا فأنتِ طالقٌ» حَسْبَما وقَعَ مِنْ ذلكَ في «رَسْم سَلفٍ» مِنْ سَماعِ عيسى مِنْ كِتابِ الأيمانِ بالطلاقِ وفي سَماعِ عبدِ المَلِكِ بنِ الحسنِ منه، وباللهِ التوفيقُ. مَسألةٌ: وسُئلَ عن جارِيةٍ مُتزوِّجةٍ كانَتْ تَكتبُ إلى أبيها تَسألَه أنْ يَزورَها وهو عنها غائبٌ، فلم يَفعلْ، فلمَّا رَأتْ ذلكَ سألَتْ زوْجَها أنْ يَكتبَ إليه: «إني قد طَلَّقتُ ابنتَكَ» ليَأتيَها، فكتَبَ زَوجُها بذلكَ إليهِ، ثمَّ خافَ ذلكَ وأخَذَ بنَفسِه منه شيءٌ، ولم يكنْ حينَ كتَبَ بذلكَ إلى أبيها يُريدُ طلاقَها، فقالَ: إنْ صَحَّ هذا هكذا فلا أرَى عليه شيئًا ولا طلاقًا إنْ صَحَّ هذا وكانَ على هذا، وشَديدٌ أنْ يَعمدَ الرَّجلُ الذي بيَدِه الطلاقُ فيَكتبَ بهذا، لو كانَتْ هي كتَبَتْ ذلك على لِسانِه، وإني لَأخافُ أنْ تكونَ إنَّما أرادَتْ خَديعةً، فإنْ صَحَّ هذا على هَذا فلا أرَى عليه طلاقًا ولا شيئًا، ورَأيتُ إنْ قامَ أبوها الآنَ بالكِتابِ فقالَ:

стр. 10727

«هذا كِتابُكَ الذي بطَلاقِ ابنَتِي» ألَّا شيءَ له، فقيلَ له: أنه ليسَ يُخاصِمُه أحَدٌ، إنما هو أمرٌ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ، قالَ: إنْ صَحَّ هذا فلا أرَى عليه طلاقًا، قيلَ: أرَأيتَ أنْ قامَ أبوها بالكِتابِ وقالَ: «لو كانَ دَعَا قَومًا فأشهَدَهم على هذا» وقالَ: «إنَّما سَألَتْني أنْ أكتُبَ هذا الكِتابَ كذا، وأنا أكتُبُ به، لذلكَ لا أُريدُ بهِ طلاقًا»، قيلَ له: أرَأيتَ إنْ لم يَكنْ أشهَدَهم وجاءَ أبوها بالكِتابِ، فجاءَتْ هي وهو يَقتصُّ هذه القصَّةَ، أتَرى أنْ يُستحلَفَ؟ قالَ: لا أدري، وما الناسُ كلُّهم عندِي سواءٌ في مثلِ هذا الاختِلافِ، أما الرَّجلُ المَأمونُ فكنتُ أرَى في رأيي أنْ يُقبَلَ ذلكَ منه ويُصدَّقَ فيه، قيلَ له: أرَأيتَ لو أنَّ المَرأةَ قالَتْ: «أردْتُ خَديعةً بذلكَ وأردْتُ الطلاقَ» فأنكَرَ ذلك؟ قالَ: إنْ عُلِمَ ذلكَ مِنْ شأنِهما لم أرَ عليه حِنثًا، وإنْ لم يَكنْ إلا قولُه وقد ظهَرَ كِتابُه بطلاقِها وثبَتَ ذلك عليه رَأيتُ أنْ يُطلَّقَ عليه، قيلَ له: أيَّ الطلاقِ؟ قالَ: يَنوِي ويكونُ واحدةً. قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: في ألفاظِ هذهِ المَسألةِ إشكالٌ، وفي ظاهِرِ كَلامِه فيها اضطِرابٌ واحتِمالٌ، والذي يَتحصَّلُ منه أنه إنْ صَحَّ الوجهُ الذي ذكَرَه في كتابِه إلى أبِي زوْجتِه أنه طلَّقَها يُريدُ ببيَّنةٍ تَشهدُ على ذلكَ، أو جاءَ الزوجُ مُستفتِيًا وحْدَه فلا طلاقَ عليه، وإنْ جاءُوا كلُّهم معًا يَذكرُ الزوجُ والزوجةُ القِصةَ على وَجهِها، ويَقولُ الأبُ: «أنا لا أدري صِدقَهُما مِنْ كَذبِهما» صُدِّقَ مع يَمينِه إنْ كانَ مَأمونًا، وإنْ قامَ الأبُ بالكِتابِ في مَغِيبِ الزوجِ فلمَّا

стр. 10728

وقَفَ عليه أقَرَّ به وادَّعى أنه إنَّما كتَبَ بذلكَ كما ذُكِرَ لم يُصدَّقْ في ذلكَ، إلا أنْ يكونَ قد أشهَدَ شُهودًا على أنه إنَّما كتَبَ بالطلاقِ لذلكَ، فإنْ لم يَكنْ أشهَدَ على ذلكَ لَزمَه الطلاقُ، قالَ في «الرِّواية»: يَنوِي وتكونُ واحِدةً، قالَ ذلكَ أشهَبُ في نَظيرِ هذهِ المَسألةِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا كتَبَ الطلاقَ فلا يَخلُو مِنْ حالتَينِ: إمَّا أنْ يَنويَه أو لا. فإنْ نَواهُ طَلُقتْ زَوجتَه؛ لأنَّ الكِتابةَ حُروفٌ يُفهَمُ منها الطلاقُ، فإذا أتَى فيها بالطلاقِ وفُهِمَ منها ونَواهُ وقَعَ كاللفظِ، ولأنَّ الكِتابةَ تَقومُ مَقامَ قَولِ الكاتِبِ، بدَلالةِ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ مَأمورًا بتَبليغِ رِسالتِه، فحصَلَ ذلكَ في حَقِّ البَعضِ بالقَولِ، وفي حَقِّ آخَرينَ بالكِتابةِ إلى مُلوكِ الأطرافِ، ولأنَّ كِتابَ القاضِي يَقومُ مَقامَ لَفظِه في إثباتِ الدُّيونِ والحُقوقِ. فأمَّا إنْ كتَبَ ذلك مِنْ غيرِ نِيةٍ فعَلى روايتَينِ: إحداهُما: يَقعُ. والثانيةُ: لا يَقعُ إلا بنيَّةٍ؛ لأنَّ الكِتابةَ مُحتمِلةٌ، فإنه يُقصَدُ بها تَجرِبةُ القَلمِ وتَجويدُ الخَطِّ وغَمُّ الأهلِ، فلم يَقعْ مِنْ غيرِ نيَّةٍ ككِناياتِ الطلاقِ، فإنْ نَوَى

стр. 10729

بذلكَ تَجويدَ خَطِّه أو تَجربةَ قَلمِه لم يقَعْ؛ لأنه لو نَوَى باللَّفظِ غيرَ الإيقاعِ لم يقَعْ، فالكِتابةُ أَولى، وإذا ادَّعَى ذلكَ دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، ويُقبَلُ أيضًا في الحُكمِ في أصَحِّ الوَجهينِ؛ لأنه يُقبَلُ ذلكَ في اللفظِ الصريحِ في أحَدِ الوَجهَينِ، فهاهُنا معَ أنه ليسَ بلَفظٍ أَولى. وإنْ نَوَى غَمَّ أهلِه لم يقَعْ في أصَحِّ القَولينِ؛ لأنه نوَى باللفظِ غيرَ الإيقاعِ، فالكِتابةُ أَولى. وعنهُ: يَقعُ؛ لأنَّ غَمَّ أهلِه لا يُنافي الإيقاعَ، فقد قالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ فيمن كتَبَ طلاقَ زَوجتِه ونَوَى الطلاقَ: وقَعَ، وإنْ أرادَ أنْ يَغمَّ أهلَه فقدْ عمِلَ في ذلكَ أيضًا، يعني أنه يُؤاخَذُ به؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ عَفَا لأمَّتِي عمَّا حَدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لم تَكلَّمْ أو تَعملْ به»، فظاهِرُ هذا أنه أوقَعَ الطلاقَ؛ لأنَّ غَمَّ أهلِه يَحصلُ بالطلاقِ فيَجتمعُ غَمُّ أهلِه ووُقوعُ طَلاقِه، كما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ» يُريدُ به غَمَّها. وهل تُقبَلُ دَعواهُ في الحُكمِ؟ على رِوايتَينِ: أصَحَّهما: أنه يُقبَلُ؛ لأنَّ ذلك يُقبَلُ في اللفظِ الصريحِ على قَولٍ، فهُنَا أَولى، ولأنه إذا أرادَ غَمَّ أهلِه بتَوهُّمِ الطلاقِ دُونَ حَقيقتِه فلا يَكونُ ناوِيًا للطلاقِ. والثانيةُ: لا يُقبَلُ؛ لقَولِه ﵇: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لأمَّتِي … » الخبَر، ولأنَّ غَمَّ أهلِه يَحصلُ بالطلاقِ، فيَجتمِعُ غَمُّ أهلِه ووُقوعُ طَلاقِه.

стр. 10730

فإنْ لم يَنوِ شيئًا فهل يَقعُ؟ على وجهَينِ، وقيلَ: على رِوايتينِ: إحداهُما: يَقعُ، قالَه الشَّعبيُّ والنخَعيُّ والحكَمُ؛ لأنَّ الكتابةَ تَقومُ مَقامَ اللفظِ. والثانيةُ: لا يَقعُ إلا بنيَّتِه، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ ومَنصوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابةَ مُحتمِلةٌ، فإنه يُقصَدُ بها تَجربةُ القَلمِ وتَجويدُ الخَطِّ وغَمُّ الأهلِ، فلم يقَعْ مِنْ غيرِ نيَّةٍ ككِناياتِ الطلاقِ. وإنْ كتَبَه بشَيءٍ لا يَبِينُ -مِثلَ أنْ كتَبَ بأُصبُعِه على وِسادةٍ أو في الهواءِ- فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنه لا يقَعُ؛ لأنَّ الكِتابةَ لا تَبِينُ كالهَمسِ بالفَمِ بما لا يَستَبينُ، وثَمَّ لا يَقعُ، فههُنا أَولى. وقالَ أبو حَفصٍ العُكبَريُّ: يقَعُ؛ لأنه كتَبَ حُروفَ الطلاقِ فأشبَهَ ما لو كتَبَه بشَيءٍ يَبِينُ (١). وأما الشافِعيةُ فقالوا: إذا كتَبَ ناطِقٌ طَلاقَ امرَأتِه بلَفظٍ صَريحٍ -كأنْ كتَبَ: «زَوجتِي، أو كلُّ زَوجةٍ لي طالقٌ» - ولَم يَنوِ فلَغوٌ لا يُعتَدُّ بهِ ولا يَقعُ الطلاقُ؛ لأنَّ الكِتابةَ تَحتملُ إيقاعَ الطلاقِ وتَحتملُ امتِحانَ الخَطِّ، فلم يقَعِ الطلاقُ بمُجرَّدِها. وضابِطُ المَكتوبِ عليه: كلُّ ما ثبَتَ الخطُّ عليهِ مِنْ كاغِدٍ ولَوحٍ ورَقٍّ

стр. 10731

وثَوبٍ وحَجَرٍ وعَظْمٍ ونحوِه، سواءٌ كتَبَ بحِبْرٍ أو مِدادٍ أو غيرِها، أو نقَرَ صُورةَ الأحرُفِ في خَشبٍ أو حَجَرٍ، وكذا لو خَطَّ على الأرضِ. فلو رسَمَ صُورةَ الحُروفِ في الماءِ والهواءِ .. فليسَ ذلكَ بكِتابةٍ على المَذهبِ، وقالَ الإمامُ: لا يَمتنِعُ أنْ يُلحَقَ ذلك بإشارةِ القادرِ، ونازَعَه الرافِعيُّ فيهِ. وإنْ نَوَى بالكِتابةِ الطلاقَ ولم يَتلفَّظْ بهِ ففيه قَولانِ: أحدَهُما -وهو قَولُه في «الإملاء» -: لا يَقعُ به الطلاقُ؛ لأنه فعلٌ مِمَّنْ يَقدرُ على القَولِ، فلم يقَعْ بهِ الطلاقُ كالإشارةِ. والثاني -وهو الصحيحُ الأظهَرُ، وهو قولُه في «الأُم» -: هو طَلاقٌ؛ لأنها حُروفٌ يُفهَمُ مِنها الطلاقُ، فجازَ أنْ يقَعَ بها الطلاقُ كالنُّطقِ؛ لأنَّ الإنسانَ يُعبِّرُ عمَّا في نفسِه بكِتابتِه كما يُعبِّرُ عنه بلِسانِه، ولهذا قيلَ: القَلمُ أحَدُ اللِّسانَينِ، وقد ثبَتَ أنه لو عبَّرَ عن الطلاقِ باللِّسانِ .. لَوقَعَ، فكذلكَ إذا عبَّرَ بالكِتابةِ. فإذا ثبَتَ هذا؛ فإنْ كانَتْ غائِبةً عنه وكتَبَ بطَلاقِها .. وقَعَ، وإنْ كانَتْ حاضِرةً معهُ .. فهل يقَعُ طلاقُها بكِتابتِه؟ فيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا يقَعُ؛ لأنَّ الكِتابةَ إنما جُعلَتْ كالعِبارةِ في حقِّ الغائِبِ دونَ الحاضرِ، كالإشارةِ في حَقِّ الأخرَسِ دونَ الناطقِ. والثاني: يقَعُ؛ لأنه كِنايةٌ في الطلاقِ، فصَحَّتْ مِنْ الغائِبِ والحاضرِ كسائرِ الكِناياتِ. وإنْ كتَبَ شَخصٌ في كِتابِ طَلاقِ زَوجتِه صَريحًا ك: «أنتِ طالقٌ»

стр. 10732

أو كِنايةً كما لو كتَبَ: «زَوجتِي بائِنٌ» ونَوَى الطلاقَ وعلَّقَ الطلاقَ ببُلوغِ الكِتابِ كقَولِه: «إذا بلَغَكِ كِتابي، أو وصَلَ إليكِ، أو أتَاكِ فأنتِ طالِقٌ» فإنما تَطلُقُ ببُلوغِه لها مَكتوبًا كُلِّه؛ مُراعاةً للشَّرطِ، فإنِ انمَحَى كلُّه قبلَ وُصولِه لم تَطلُقْ كما لو ضاعَ، ولو بَقيَ أثَرُه بعدَ المَحوِ وأمكَنَ قِراءتُه طَلُقتْ، ولو ذهَبَ سَوابقُه ولَواحِقُه كالبَسملةِ والحَمْدَلةِ وبَقيَتْ مَقاصِدُه وقَعَ، بخِلافِ ما لو ذهَبَ مَوضِعُ الطلاقِ أو انمَحَقَ؛ لأنه لم يَبلُغْها جَميعُ الكِتابِ ولا ما هو المَقصودُ الأصليُّ منهُ. فإنِ ادَّعَتْ وُصولَ كِتابِه بالطلاقِ فأنكَرَ صُدِّقَ بيَمينِه، فإنْ أقامَتْ بيِّنةً بأنه خطُّه لم تُسمَعْ إلا برُؤيةِ الشاهِدِ بكِتابِه، وحَفظَه عندَه لوَقتِ الشهادةِ. وإنْ كتَبَ: «إذا قَرأْتِ كتابِي فأنتِ طالقٌ» وهي قارِئةٌ فقَرأتْهُ طَلُقتْ؛ لوُجودِ المُعلَّقِ عليه، ولا يُشترطُ التلفُّظُ به، فلو طالَعَتْه وفَهمَتْ ما فيهِ طَلُقتْ وإنْ لَم تَتلفَّظْ بشيءٍ. وإنْ قُرئَ عليها فلا تَطلُقُ في الأصحِّ؛ لعَدمِ قِراءتِها مع الإمكانِ. والثاني: تَطلُقُ؛ لأنَّ المَقصودَ اطِّلاعُها على ما في الكِتابِ، وقد وُجدَ. وإنْ لم تَكنْ قارِئةً -أي والزوجُ يَعلَمُ ذلك- فقُرئَ عليها طَلُقتْ؛ لأنَّ القِراءةَ في حَقِّ الأُمِّي مَحمولةٌ على الاطِّلاعِ على ما في الكِتابِ، وقدْ وُجدَ، بخِلافِ القارِئةِ، أمَّا إذا لم يَعلمِ الزوجُ حالَها فإنها لا تَطلقُ، ولو علَّقَ بوُصولِ الكِتابِ ثمَّ علَّقَ بوُصولِ الطلاقِ ووصَلَ إليها طَلُقتْ طَلقتينِ (١).

стр. 10733

طَلاقُ الأخرَسِ: الأخرَسُ إذا طلَّقَ زَوجتَه، فإمَّا أنْ يُطلِّقَها بالإشارةِ، أو بالكِتابةِ. فإنْ طلَّقَها بالإشارةِ طَلُقتْ زَوجتُه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبهذا قالَ مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلكَ لأنهُ لا طَريقَ له إلى الطلاقِ إلا بالإشارةِ، فقامَتْ إشارَتُه مَقامَ الكَلامِ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ كالنكاحِ، فأمَّا للقادِرِ فلا يَصحُّ طَلاقُه بالإشارةِ كما لا يَصحُّ نِكاحُه بها، فإنْ أشارَ الأخرَسُ بأصابِعِه الثلاثِ إلى الطلاقِ طَلُقتْ ثلاثًا؛ لأنَّ إشارَتَه جرَتْ مَجرَى نُطقِ غيرِه (١). قالَ الحَنفيةُ: طَلاقُ الأخرَسِ بالإشارةِ على وَجهَينِ، إنْ كانَتِ الإشارةُ يُعرَفُ بها كَلامُه وقَعَ، وإنْ كانَتْ له إشارةٌ لا يُعرَفُ بها كَلامُه لا يقَعُ؛ لأنَّا تَيقَّنَّا بقاءَ نِكاحِه وشَكَكْنا في زَوالِه، ولا يَزولُ بالشكِّ. ثمَّ طَلاقُه المَفهومُ بالإشارةِ إذا كانَ دُونَ الثلاثِ فهو رَجعيٌّ. وهذا إذا لم يَكنْ يُحسِنُ الكِتابةَ، فإنْ كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ فعَلى قولَينِ في المَذهبِ: أحَدُهما: إنْ كانَ يُحسِنُ الكِتابةَ لا يقَعُ طَلاقُه بالإشارةِ؛ لاندِفاعِ الضرورةِ بما هو أَدلُّ على المُرادِ مِنْ الإشارةِ.

стр. 10734

والثاني: إنْ كانَتْ لهُ إشارةٌ تُعرَفُ في نِكاحِه وطَلاقِه وعِتاقِه وبَيعِه وشِرائِه يَقعُ استِحسانًا، سَواءٌ قدَرَ على الكِتابةِ أم لا؛ لأنه يَحتاجُ إلى ما يَحتاجُ إليهِ الناطِقُ، ولو لم يُجعَلْ إشارَتُه كعِبارةِ الناطقِ لَأدَّى إلى الحَرجِ، وهو مَدفوعٌ شَرعًا (١). وأمَّا المالِكيةُ فَجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قلتُ): أرَأيتَ الأخرَسَ هل يَجوزُ طَلاقُه ونكاحُه وشِراؤُه وبَيعُه وتُحِدُّه إذا قذَفَ وتُحِدُّ قاذِفَه وتَقتصُّ لهُ في الجِراحاتِ وتَقتصُّ منه؟ (قالَ): نَعمْ، هذا جائِزٌ فيما سَمعْتُ، وبلَغَنِي عن مالِكٍ إذا كانَ هذا كلُّه يُعرَفُ مِنْ الأخرَسِ بالإشارةِ أو بالكِتابِ يُستيقَنُ منه، فذلكَ لازِمٌ للأخرَسِ، (قلتُ): أرَأيتَ الأخرسَ إذا أعتَقَ أو طلَّقَ، أيَجوزُ ذلك في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): أرَى ما أُوقِفَ على ذلكَ وأُشيرَ به إليه فعَرفَه أنَّ ذلك لازمٌ لهُ يَقضي به عليهِ، (قلتُ): وكذلكَ إنْ كتَبَ بيَدِه الطلاقَ والحريَّةَ؟ (قالَ): قد أخبَرتُكَ أنَّ ذلكَ يَلزمُه في الإشارةِ، فكيفَ لا يَلزمُه في الكِتابِ؟! (٢). وقالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀: وإذا طلَّقَ الأخرَسُ امرَأتَهُ بكِتابٍ أو إشارَةٍ تُعقَلُ لَزمَه الطلاقُ، وكذلكَ إذا راجَعَها بكِتابٍ له أو إشارةٍ تُعقَلُ

стр. 10735

لَزمَتْها الرجعةُ، وإذا مَرضَ الرجلُ فخَبَلَ لِسانُه فهو كالأخرَسِ في الرَّجعةِ والطلاقِ، وإذا أشارَ إشارةً تُعقَلُ أو كتَبَ كِتابًا لَزمَها الطلاقُ وأُلزِمَتْ له الرَّجعةُ، ولو لم يَخبِلْ ولكنَّه ضَعُفَ عن الكَلامِ فأشارَ بطَلاقٍ أو برَجعةٍ إشارَةً تُعقَلُ أو كتَبَ كِتابًا يُعقَلُ كانَتْ رَجعةً حتى يَعقِلَ فيقولَ: «لم تَكنْ رَجعةً» فتَبْرَأُ منه بالطلاقِ الأولِ، وكلُّ زَوجٍ بالِغٍ غيرِ مَغلوبٍ على عَقلِه تَجوزُ رَجعتُه كما يَجوزُ طَلاقُه (١). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: (ومِن شَرطِ وُقوعِ الطلاقِ النُّطقُ به)؛ لِمَا تقَدَّمَ أوَّلَ البابِ، (إلا في مَوضعَينِ تَقدَّمَا) في البابِ، أحَدُهما: (إذا كتَبَ صَريحَ طَلاقِها) بما يَبِينُ. (و) الثاني: (إذا طلَّقَ الأخرَسُ بالإشارَةِ) المَفهومةِ، (فإنْ طلَّقَ في قَلبِه لم يقَعْ كالعِتقِ، ولو أشارَ بأُصبُعِه) أو أصابِعِه الثلاثةِ (مع نيَّتِه بقَلبهِ)؛ لِمَا تَقدَّمَ. (نقَلَ ابنُ هانِئٍ) عن أحمَدَ: إذا طلَّقَ في نفسِه (لا يَلزمُه) أي: الطلاقُ (ما لم يَلفِظْ بهِ أو يُحرِّكْ لِسانَه)، قالَ في «الفُروع»: (فظاهِرُه) أي: النَّص المَذكُور (يقَعُ ولو لم يَسمَعْه، بخِلافِ القِراءةِ في الصلاةِ) فإنها لا تُجزِيهِ حَيثُ لم يُسمِعْ نفسَه.

стр. 10736

قالَ في «الفُروع»: ويَتوجَّهُ كقَراءةٍ في صَلاةٍ، يَعني أنه لا يقَعُ طَلاقُه إذا حرَّكَ لِسانَه بهِ إلا إذا كانَ بحَيثُ يُسمِعُ نفسَه لَولا المانِعُ، وتَقدَّمَ، ومُميِّزٌ ومُميِّزةٌ في كُلِّ ما سبَقَ كالبالغِينَ (١). وأمَّا الطلاقُ بالكِتابةِ مِنْ الأخرَسِ فإنَّ ابنَ المُنذِرِ ﵀ قالَ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الأخرَسَ إذا كتَبَ الطَّلاقَ بيَدِه أنَّ ذلكَ جائِزٌ. كذلكَ قالَ النخَعيُّ والثوريُّ وقالَ: في نَفسِي منهُ شيءٌ. وحَكَى ابنُ القاسمِ عَنْ مالكٍ أنه يَلزمُه ذلكَ إذا أشارَ بهِ. وقالَ ابنُ القاسِمِ: وكيفَ لا يَلزمُه في الكِتابِ؟! وممَّن يَرَى أنَّ الكِتابَ بالطلاقِ يَلزمُه الشافعيُّ وأبو ثَورٍ. وقالَ أصحابُ الرأيِ: يَجوزُ مِنْ ذلكَ ما يَجوزُ على الصَّحيحِ في كتابِه، وكذلكَ العِتقُ والنكاحُ. وقالَ الشافعيُّ في الرَّجلِ يَمرضُ فَيخلُّ لِسانهُ: فهو كالأخرَسِ في الرَّجعةِ والطلاقِ، إذا أشارَ إشارةً تُعقَلُ أو كتَبَ لَزمَه الطلاقُ. وقالَ أبو ثَورٍ في الإشارةِ تُفهَمُ عنِ الأخرَسِ: تَجوزُ عليهِ. وقالَ أصحابُ الرأيِ: إنْ كانَتْ إشارَتُه تُعرَفُ في طَلاقِه ونِكاحِه وشِرائِه وبَيعِه وكانَ ذلكَ مِنهُ مَعروفًا فهو جائِزٌ عليهِ، وإنْ شُكَّ فيهِ فهو

стр. 10737

باطِلٌ، وليسَ ذلكَ بقياسٍ، إنَّما هو استِحسانٌ، والقِياسُ في هذا كلِّه أنه باطِلٌ؛ لأنه لا يَتكلَّمُ ولا تُعقَلُ إشارتُه. قالَ أبو بكرٍ: أمَّا قَولُه: «لا تُعقَلُ إشارَتُه» فقد دفعَ به قَوله: «إنْ كانَتْ إشارتُه تُعرَفُ، وفي قولِه: «إذا كانَتْ إشارتُه تُعرَفُ» دفعٌ لقولِه: «لا تُعقَلُ إشارتُه»، ثمَّ ذكَرَ أنَّ الذي بهِ يُحكَمُ ليسَ بقياسٍ، وأنَّ القِياسَ في ذلكَ أنه باطِلٌ، فَفي إقرارِه بأنَّ القِياسَ في ذلكَ باطِلٌ إقرارٌ بأنه حكَمَ بالباطِلِ؛ لأنَّ القِياسَ عندَه حَقٌّ، فإذا حكَمَ بضِدِّه فقدْ أقَرَّ أنه حكَمَ بضِدِّ الحَقِّ وهوَ الباطِلُ. وفي إظهارِه القولَ بالاستِحسانِ -وهو ضدٌّ للقياسِ- دفعٌ منهُ للقياسِ الذي هوَ عندَه حَقٌّ، وقد يُكتَفى بحِكايةِ هذهِ المَعاني عن الإدخالِ على قائِلِها. وقد رُويَ عن قَتادةَ أنه قالَ: يُطلِّقُ عنه وليُّه. وقالَ الزُّهريُّ: تَصيرُ امرَأتهُ، ولا يُطلِّقُ وَليُّه (١). وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا كتَبَ الأخرَسُ لامرَأتِه في كِتابٍ بطَلاقِها وقامَتِ البيَّنةُ فُرِّقَ بينَهما في القَضاءِ، وإنْ لم يَنوِ الطلاقَ وَسِعَه أنْ يُقيمَ عليها فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى، وإنْ كتَبَ في الأرضِ لم يَجُزْ ذلكَ عليهِ إلَّا أنْ يَنوِي الطلاقَ.

стр. 10738

وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ: إذا كتَبَ إلى امرَأتِه بطَلاقِها أنه إنْ نَوَى الطلاقَ وقَعَ، وإنْ كتَبَ وهو غَيرُ عازِمٍ على الطلاقِ وإنما كتَبَ ليَنظُرَ ويَستشيرَ لم يقَعْ. وقالَ الأوزاعيُّ والحسَنُ بنُ حَيٍّ: إذا كتَبَ طَلاقَ امرَأتِه وقَعَ (١).

стр. 10739

فصل في الاستِثناءِ في الطَّلاقِ الاستِثناءُ لُغةً: مِنْ الثُّنْيَا، وهيَ الرُّجوعُ، يُقالُ: ثَنَا بمعنَى رَجَعَ، ومنهُ اثنانِ؛ لأنَّ اثنينِ رُجوعُ واحدٍ معَ آخَرَ معهُ. وأما في الاصطِلاحِ: فهو إخراجُ بعضِ أفرادِ العامِّ ب «إلَّا» أو إحدَى أخواتِها ك «سِوى» و «خَلا» و «عَدا» و «حاشَا» و «غَير» تَحقيقًا أو تَقديرًا، والأولُ المتَّصلُ ك: قامَ القَومُ إلا زَيدًا، والثَّاني المُنقطِعُ ك: عندِي ثَوبٌ إلَّا دِرهمًا، وليسَ مُرادًا هُنا، وإطلاقُ الاستِثناءِ عليهِ مَجازٌ، بل المُرادُ هُنا الأولُ. أو نَقولُ: إخرَاجُ ما لَولاهُ لَدخَلَ في الكَلامُ ب «إلَّا» أو إحدَى أخَواتِها، فإذا قُلتَ: «قامَ القَومُ إلا زَيدًا» فلولا هذا الاستِثناءُ لَكانَ زَيدٌ قائِمًا، و «قامَ القَومُ غيرَ زَيدٍ، وقامَ القَومُ سِوى زَيدٍ، وقامَ القَومُ حاشَا زَيدًا، وقامَ القومُ لا يَكونُ زَيدًا، وقامَ القَومُ ليسَ زَيدًا»، فكلُّ أدَواتِ الاستِثناءِ مثلُ «إلَّا». قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ الاستِثناءَ يَصحُّ بجَميعِ حُروفِه المُستعمَلةِ فيه، وهيَ: إلا وغيرُ وسِوَى وخَلَا وحاشَى وعَدَا، فلو قالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحِدةً، أو غيرَ واحِدةٍ، أو سِوَى واحِدةٍ، أو خَلا

стр. 10740

واحِدةً، أو حَاشَى واحِدةً، أو عَدَا واحِدةً» صحَّ استِثناؤُه بهذهِ الألفاظِ كُلِّها، وطُلِّقتِ اثنتَينِ (١). ثمَّ الاستِثناءُ على ضَربَينِ: ضَربٌ يَرفعُ العدَدَ لا أصْلَ الطلاقِ، كالاستِثناءِ ب «إلَّا» أو إحِدَى أخَواتِها. وضَربٌ يَرفعُ أصْلَ الطلاقِ كالتَّعليقِ بالمَشيئةِ، وهَذا يُسمَّى استِثناءً شَرعيًّا؛ لاشتِهارِه في عُرفِ الشَّرعِ، قالَ بَعضُ المُحقِّقينَ: وسُمِّيتْ كَلمةُ المَشيئةِ استِثناءً؛ لصَرفِها الكَلامَ عن الجَزاءِ والثُّبوتِ حَالًا مِنْ حَيثُ التعليقِ بما لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ (٢). حُكمُ الاستِثناءِ في الطَّلاقِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على صحَّةِ الاستِثناءِ في الطلاقِ؛ لأنه لُغةُ العرَبِ ونزَلَ بهِ القُرآنُ، كقَولِ اللهِ تعالَى على لِسانِ الخَليلِ ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] وقَولِهِ تعالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].

стр. 10741

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا استَثنَى بلِسانِه صَحَّ ولم يقَعْ ما استَثناهُ، وهو قَولُ جَماعةِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ ثَلاثًا إلا واحِدةً» أنها تَطلُقُ طَلقَتينِ، مِنهمُ الثَّوريُّ والشافعيُّ وأصحابُ الرأيِ. وحُكِيَ عن أبي بَكرٍ أنَّ الاستِثناءَ لا يُؤثِّرُ في عَددِ الطَّلقاتِ ويَجوزُ في المُطلَّقاتِ، فلو قالَ: «أنتِ طالقٌ ثَلاثًا إلا واحِدةً» وقَعَ الثلاثُ، ولو قالَ: «نِسائِي طَوالِقُ إلا فُلانةَ» لم تَطلُقْ؛ لأنَّ الطلاقَ لا يُمكِنُ رَفعُه بعدَ إيقاعِه، والاستِثناءُ يَرفعُه لو صَحَّ، وما ذكَرَه مِنْ التعليلِ باطِلٌ بما سلَّمَه مِنْ الاستِثناءِ في المُطلَّقاتِ، وليسَ الاستِثناءُ رَفعًا لِمَا وقَعَ؛ إذْ لو كانَ كذلكَ لَمَا صَحَّ في المُطلَّقاتِ ولا الإعتِاقِ ولا في الإقرارِ ولا الإخبارِ، وإنَّما هو مُبيِّنٌ أنَّ المُستثنَى غيرُ مُرادٍ بالكَلامِ، فهو يَمنعُ أنْ يَدخلَ فيهِ ما لولاه لَدخَلَ، فقَولُه تعالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] عِبارةٌ عن تسعِمائةٍ وخَمسِينَ، وقَولُه تعالَى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] تبَرُّؤٌ مِنْ غيرِ اللهِ. فكذلكَ قولُه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحدةً» عِبارةٌ عنِ اثنتَينِ لا غيرَ، وحَرفُ الاستِثناءِ المُستولَى عليه «إلَّا»، ويُشبَّهُ به أسماءٌ وأفعالٌ وحُروفٌ، فالأسمَاءُ «غيرُ» و «سِوَى»، والأفعالُ «ليسَ» و «لا يَكونُ» و «عَدَا»، والحُروفُ «حاشَا» و «خَلا»، فبِأيِّ كَلمةٍ استَثنَى بها صَحَّ الاستِثناءُ (١).

стр. 10742

والاستِثناءُ في الطَّلاقِ له صُوَرٌ: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يُستثنَى الأقلُّ مِنْ الأكثَرِ، مثلَ أنْ يَقولَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحِدةً» أنها تَطلُقُ تَطليقتَينِ، وهذا بإجماعِ العُلماءِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحِدةً» أنها تَطلُقُ تَطليقتَينِ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا استَثنَى الأقلَّ مِنْ الأكثَرِ فلا خِلافَ أعلَمُه أنَّ الاستِثناءَ يَصحُّ ويَسقطُ المُستثنَى، مثلَ أنْ يَقولَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحِدةً» (٢).

стр. 10743

الصُّورَةُ الثَّانيَةُ: أنْ يُستَثنَى الكُلُّ، مثلَ أنْ يَقولَ لزَوجتِهِ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثَلاثًا»، فإنها تَطلُقُ ثَلاثًا بالإجماعِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا» أنها تَطلُقُ ثلاثًا (١). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإنَّما يَكونُ الاستِثناءُ جائِزًا إذا بَقيَ ممَّا سمَّى شيءٌ يَقعُ به شيءٌ ممَّا أوقَعَ، فأمَّا إذا لم يُبْقِ ممَّا سمَّى شيئًا ممَّا استَثنَى فلا يَجوزُ الاستِثناءُ، والاستِثناءُ حِينئذٍ مُحالٌ (٢). الصُّورةُ الثالثةُ: استِثناءُ الأكثَرِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيما لو استَثنَى الأكثَرَ مثلَ أنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا اثنتَينِ»، هل يَصحُّ الاستِثناءُ؟ أم يَقعُ ثلاثًا؟

стр. 10744

فذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا اثنتَينِ» صَحَّ ولا تَطلُقُ إلا واحِدةً؛ لأنه أثبَتَ ثلاثًا ثمَّ نفَى منها اثنتَينِ، فبَقيَ واحِدةٌ، ولأنَّ بعضَ الكَلامِ مُرتَبطٌ ببَعضٍ، فأوَّلُه مَوقوفٌ على آخِرِه، وهو كَلامٌ لا يَنقضُ بَعضُه بعضًا. وقد حَكى فيهِ الإجماعَ ابنُ المُنذِرِ ﵀ فقالَ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا اثنتَينِ» إنها تَطلُقُ واحدةً (١). وقَالَ الإمَامُ الشَّافعيُّ ﵀: وإذا قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا اثنتَينِ» فهي طالقٌ واحِدةً، وإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحِدةً» فهي طالقٌ اثنتَينِ، وإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا» كانَتْ طالِقًا ثلاثًا، إنَّما يَكونُ الاستِثناءُ جائزًا إذا بَقيَ ممَّا سمَّى شيءٌ يَقعُ به شيءٌ ممَّا أوقَعَ، فأمَّا إذا لم يُبْقِ ممَّا سمَّى شيئًا ممَّا استَثنَى فلا يَجوزُ الاستِثناءُ، والاستِثناءُ حِينئذٍ مُحالٌ (٢).

стр. 10745

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ استِثناءُ الأكثَرِ، نَصَّ عليهِ أحمَدُ، فلو قالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثنتَينِ» وقَعَ ثَلاثٌ؛ لأنَّ استِثناءَ الأكثَرِ كالكُلِّ؛ لأنَّ الأكثَرَ يَقومُ مَقامَ الكُلِّ في مَواضِعَ كثيرةٍ (١). الصُّورةُ الرابعةُ: استِثناءُ النِّصفِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في أصَحِّ الوَجهَينِ إلى أنه يَصحُّ استِثناءُ النِّصفِ، فلو قالَ: «أنتِ طالِقٌ طَلقتَينِ إلا طَلقةً» تقَعُ طَلقةٌ واحِدةٌ، و «أنتِ طالِقٌ أربعًا إلا اثنتَينِ» وقَعَ اثنَتانِ. وذهَبَ الحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه لا يَصحُّ استِثناءُ النِّصفِ؛ لأنه لم يَأتِ في لِسانِهم إلا في القَليلِ مِنْ الكَثيرِ (٢). الاستِثناءُ الشَّرعيُّ: الاستِثناءُ الشَّرعيُّ: هو تَعليقُ الطلاقِ على مَشيئةِ اللهِ ، مثلَ أنْ يَقولَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ». وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الاستِثناءِ الشَّرعيِّ، إذا قالَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، هل يَصحُّ ولا تَطلُقُ زَوجتُه ويَكونُ مُبطِلًا للطلاقِ؟ أم لا يَصحُّ وتَطلقُ زَوجتُه في الحالِ؟

стр. 10746

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الاستِثناءَ الشرعيَّ المُعلَّقَ على مَشيئةِ اللهِ لا يَقعُ وهو مُبطِلٌ للطلاقِ، فإذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» أو «أنتِ طالِقٌ إنْ دخَلْتِ الدارَ إنْ شاءَ اللهُ» فلا يَقعُ الطلاقُ، وفيهِ حَديثٌ مُنكَرٌ عن مُعاذِ بنِ جبَلٍ قالَ: قالَ لي النبيُّ ﷺ : «إذا قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ» فلهُ استِثناؤُه ولا طلاقَ عليهِ» (١). وعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ ثمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» فقَدِ استَثنَى»، وفي رِوايةٍ: «فإنَّ له ثُنْيَاهُ» (٢). وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فقالَ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» لم يَحنَثْ» (٣)، وهذا نَصٌّ في البابِ، فكانَ على عُمومِه في الأيمانِ باللهِ وفي الطلاقِ والعِتقِ. ولأنَّ تَعليقَ الطلاقِ بمَشيئةِ اللهِ تعالَى تَعليقٌ بما لا يُعلَمُ وُجودُه؛ لأنَّا لا نَدري أنه شاءَ وُقوعَ هذا الطلاقِ أو لم يَشأْ، على معنَى أنَّ وُقوعَ هذا الطلاقِ هل دخَلَ تحتَ مَشيئةِ اللهِ تعالَى أو لم يَدخلْ؟ فإنْ دخَلَ وقَعَ، وإنْ لم يَدخلْ لا يَقعُ؛ لأنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ وما لم يَشأْ لم يَكنْ، فلا يَقعُ بالشَّكِّ، وبه

стр. 10747

تَبيَّنَ أنَّ هذا ليسَ تَعليقًا بأمرٍ كائنٍ، ولأنَّ دُخولَ الوُقوعِ تحتَ مَشيئةِ اللهِ تعالَى غيرُ مَعلومٍ، وهذا هو تَفسيرُ تَعليقِ الطلاقِ بمَشيئةِ اللهِ . ولأنه طَلاقٌ علَّقَه بصِفةٍ صَحيحةٍ، فوجَبَ أنْ لا يَقعَ قبلَ وُجودِها، أصلُه إذا علَّقَه بدُخولِ الدارِ، ولأنَّ كلَّ يَمينٍ لو علَّقَها بمَشيئةِ آدمِيٍّ لم تَقعْ قبلَ العِلمِ بها، وجَبَ إذا علَّقَها بمَشيئةِ اللهِ أنْ لا تَقعَ قبلَ العِلمِ بها كاليَمينِ باللهِ، ولأنه لمَّا ارتَفعَ بمَشيئةِ اللهِ حُكمُ اليَمينِ باللهِ مع عِظَمِ حُرمتِها كانَ رَفعُ ما دونَه في الحُرمةِ مِنْ العِتقِ والطلاقِ أَولى. ولأنَّ اللهَ تعالَى قد أمَرَ بها وندَبَ إليها بقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، أي: إلا أنْ تَقولَ: إنْ شاءَ اللهُ، ولو لم يَحصلْ بهِ صِيانةُ الخبَرِ عن الخُلفِ في الوَعدِ لم يَكنْ للأمرِ بهِ معنًى. ولأنَّ الاستِثناءَ المَوصولَ يُخرِجُ الكَلامَ مِنْ أنْ يكونَ عَزيمةً، قالَ اللهُ تعالَى خبَرًا عن مُوسَى عليه وعلى نَبيِّنا أفضَلُ الصلاةُ والسلامِ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، ولم يَصبِرْ ولم يُعاتَبْ على ذلكَ، والوَعدُ مِنْ الأنبياءِ كالعَهدِ مِنْ غيرِهم، فصَحَّ استِثناؤُه حتى لم يَصِرْ بتَركِ الصَّبْرِ مُخلِفًا في الوَعدِ، ولولا صحَّةُ الاستِثناءِ لَصارَ مُخلِفًا في الوَعدِ بالصَّبْرِ، والخُلفُ في الوَعدِ لا يَجوزُ، والنبيُّ مَعصومٌ. فمَشيئةُ اللهِ تَرفعُ حُكمَ كلِّ قَولٍ اتَّصلَ بها مِنْ طلاقٍ وغيرِه، سَواءٌ

стр. 10748

تَقدَّمَتِ المَشيئةُ أو تأخَّرَتْ أو تَوسَّطتْ، فلو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو: أنتِ إنْ شاءَ اللهُ طالقٌ، أو: إنْ شاءَ اللهُ أنتِ طالقٌ» فلا طلاقَ، وهكذا لو قالَ: «أنتِ طالقٌ بمَشيئةِ اللهِ، أو إذا شاءَ اللهُ، أو متَى شاءَ اللهُ» فلا طَلاقَ، ولو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ لم يَشأِ اللهُ» لم تُطلَّقْ؛ لأنه قَدْ يَجوزُ أنْ لا يَشاءَ فتُطلَّقَ، وقد يَشاءُ فلا تُطلَّقُ، وليسَ يُعلَمُ هل شاءَ أو لم يَشأْ؟ فلم يَقعِ الطلاقُ؛ لأنَّ صِفةَ وُقوعِه -وهو عَدمُ المَشيئةِ- لم تُعلَمْ، كما لا يَقعُ إذا قالَ: إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّ صِفةَ وُقوعِه -وهو المَشيئةُ- لم تُعلَمْ، وهكذا إذا قالَ: «أنتِ طالقٌ ما لم يَشأِ اللهُ» لَم تُطلَّقْ (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا إذا استَثنَى في الطلاقِ والعِتقِ وغيرِ ذلكَ سِوَى اليَمينِ باللهِ تعالَى فقالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أو: أنتَ حُرٌّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أو: أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أو: لزَيدٍ في ذِمَّتي ألفُ دِرهمٍ إنْ شاءَ اللهُ، أو: إنْ شُفيَ مَريضي فللهِ عليَّ صَومُ شَهرٍ إنْ شاءَ

стр. 10749

اللهُ» أو ما أشبَهَ ذلكَ فمَذهبُ الشافعيِّ والكُوفيِّينَ وأبي ثَورٍ وغَيرِهم صحَّةُ الاستِثناءِ في جَميعِ الأشياءِ كما أجمَعُوا عليها في اليَمينِ باللهِ تعالَى، فلا يَحنثُ في طلاقٍ ولا عِتقٍ ولا يَنعقدُ ظِهارُه ولا نَذرُه ولا إقرارُه ولا غيرُ ذلكَ ممَّا يتَّصلُ بهِ قولُه: «إنْ شاءَ اللهُ»، وقالَ مالكٌ والأوزاعيُّ: لا يَصحُّ الاستِثناءُ في شيءٍ مِنْ ذلكَ إلا اليمينَ باللهِ تعالَى (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الاستِثناءَ الشرعيَّ لا يُبطِلُ الطلاقَ، بلَ يَقعُ في الحالِ. جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قلتُ): أرَأيتَ الاستِثناءَ في الطلاقِ في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): ذلك باطلٌ والطلاقُ لازِمٌ، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ: «فُلانةُ طالقٌ إنْ شاءَ فُلانٌ»، أيَكونُ ذلكَ استِثناءً ويُوقِعُ الطلاقَ عليها مَكانَه ولا يَلتفتُ إلى مَشيئةِ فُلانٍ في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): ليسَ قولُه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ فُلانٌ» مثلَ قَولِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، وإنَّما الاستثناءُ في قولِ مالكٍ «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، فالطلاقُ فيهِ لازمٌ، وأمَّا إذا قالَ: «إنْ شاءَ فُلانٌ» فلا تَطلُقُ حتَّى يَعرفَ أيَشاءُ فُلانٌ أم لا يَشاءُ … قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» أتَطلُقُ مَكانَها؟ قالَ: نَعمْ في قولِ مالكٌ، قالَ مالكٌ: لا ثُنْيَا في الطلاقِ (٢).

стр. 10750

وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وليسَ في الطلاقِ ولا العِتاقِ استِثناءٌ بإنْ شاءَ اللهُ، وإنَّما هو الاستِثناءُ في اليَمينِ باللهِ خاصَّةً، فمَن قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» طَلُقتْ عندَ مالكٍ، وإنْ علَّقَ المَشيئةَ بآدَميٍّ لم تَطلُقْ حتَّى يُعلَمَ أنه شاءَ، فإنْ لم تُعلَمْ مَشيئتُه لم تَطلُقْ، ومن قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ هذا الحجَرُ أو الحائِطُ أو فلانٌ» وقد ماتَ لم تَطلُقْ في شيءٍ مِنْ ذلكَ كلِّه، وقد قيلَ أنه لازمٌ في الحجَرِ والحائطِ وأنه يَلزمُه الطلاقُ، والأولُ أصَحُّ، ومَن قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ فعَلْتِ كذا وكذا إلا أنْ يَشاءَ اللهُ» طَلُقتْ ولم يَنفعْه الاستِثناءُ، وقد قِيلَ: إنَّ له هاهُنا ثُنْيَاه إذا أرادَ في الفِعلَ دُونَ الطلاقِ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: مَسألةٌ: وقالَ فيمَن قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو: أنتِ طالقٌ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ»: إنَّ ذلكَ سَواءٌ هي طالقٌ. قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: هذا أمرٌ لا اختِلافَ فيهِ في مَذهبِ مالكٍ وجَميعِ أصحابِه أنَّ الاستِثناءَ بمَشيئةِ اللهِ تعالَى في الطلاقِ المُجرَّدِ والعِتقِ المُجردِ غيرُ عامِلٍ ولا نافعٍ؛ لأنَّ الرَّجلَ إذا قالَ: «امرأتِي طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو إلا أنْ يَشاءَ اللهُ» فقدْ قيَّدَ وُقوعَ الطلاقِ عليهِ بذلكَ اللَّفظِ وانحلالَ عِصمةِ الزوجيَّةِ بينَهُما بهِ بمَشيئةِ اللهِ تعالَى، ومَشيئةُ اللهِ تعالَى هي إرَادتُه، وهي صِفةٌ قَديمةٌ مِنْ صِفاتِ ذاتِه، فعَلِمْنا وُقوعَ الطلاقِ عليهِ؛ لحُصولِ الصِّفةِ التي قيَّدَه بها،
следующие страницы →