فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الاستِثناءَ الشرعيَّ المُعلَّقَ على مَشيئةِ اللهِ لا يَقعُ وهو مُبطِلٌ للطلاقِ، فإذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» أو «أنتِ طالِقٌ إنْ دخَلْتِ الدارَ إنْ شاءَ اللهُ» فلا يَقعُ الطلاقُ، وفيهِ حَديثٌ مُنكَرٌ عن مُعاذِ بنِ جبَلٍ قالَ: قالَ لي النبيُّ ﷺ : «إذا قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ» فلهُ استِثناؤُه ولا طلاقَ عليهِ» (١).
وعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ ثمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» فقَدِ استَثنَى»، وفي رِوايةٍ: «فإنَّ له ثُنْيَاهُ» (٢).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فقالَ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» لم يَحنَثْ» (٣)، وهذا نَصٌّ في البابِ، فكانَ على عُمومِه في الأيمانِ باللهِ وفي الطلاقِ والعِتقِ.
ولأنَّ تَعليقَ الطلاقِ بمَشيئةِ اللهِ تعالَى تَعليقٌ بما لا يُعلَمُ وُجودُه؛ لأنَّا لا نَدري أنه شاءَ وُقوعَ هذا الطلاقِ أو لم يَشأْ، على معنَى أنَّ وُقوعَ هذا الطلاقِ هل دخَلَ تحتَ مَشيئةِ اللهِ تعالَى أو لم يَدخلْ؟ فإنْ دخَلَ وقَعَ، وإنْ لم يَدخلْ لا يَقعُ؛ لأنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ وما لم يَشأْ لم يَكنْ، فلا يَقعُ بالشَّكِّ، وبه
стр. 10747
تَبيَّنَ أنَّ هذا ليسَ تَعليقًا بأمرٍ كائنٍ، ولأنَّ دُخولَ الوُقوعِ تحتَ مَشيئةِ اللهِ تعالَى غيرُ مَعلومٍ، وهذا هو تَفسيرُ تَعليقِ الطلاقِ بمَشيئةِ اللهِ .
ولأنه طَلاقٌ علَّقَه بصِفةٍ صَحيحةٍ، فوجَبَ أنْ لا يَقعَ قبلَ وُجودِها، أصلُه إذا علَّقَه بدُخولِ الدارِ، ولأنَّ كلَّ يَمينٍ لو علَّقَها بمَشيئةِ آدمِيٍّ لم تَقعْ قبلَ العِلمِ بها، وجَبَ إذا علَّقَها بمَشيئةِ اللهِ أنْ لا تَقعَ قبلَ العِلمِ بها كاليَمينِ باللهِ، ولأنه لمَّا ارتَفعَ بمَشيئةِ اللهِ حُكمُ اليَمينِ باللهِ مع عِظَمِ حُرمتِها كانَ رَفعُ ما دونَه في الحُرمةِ مِنْ العِتقِ والطلاقِ أَولى.
ولأنَّ اللهَ تعالَى قد أمَرَ بها وندَبَ إليها بقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، أي: إلا أنْ تَقولَ: إنْ شاءَ اللهُ، ولو لم يَحصلْ بهِ صِيانةُ الخبَرِ عن الخُلفِ في الوَعدِ لم يَكنْ للأمرِ بهِ معنًى.
ولأنَّ الاستِثناءَ المَوصولَ يُخرِجُ الكَلامَ مِنْ أنْ يكونَ عَزيمةً، قالَ اللهُ تعالَى خبَرًا عن مُوسَى عليه وعلى نَبيِّنا أفضَلُ الصلاةُ والسلامِ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، ولم يَصبِرْ ولم يُعاتَبْ على ذلكَ، والوَعدُ مِنْ الأنبياءِ كالعَهدِ مِنْ غيرِهم، فصَحَّ استِثناؤُه حتى لم يَصِرْ بتَركِ الصَّبْرِ مُخلِفًا في الوَعدِ، ولولا صحَّةُ الاستِثناءِ لَصارَ مُخلِفًا في الوَعدِ بالصَّبْرِ، والخُلفُ في الوَعدِ لا يَجوزُ، والنبيُّ مَعصومٌ.
فمَشيئةُ اللهِ تَرفعُ حُكمَ كلِّ قَولٍ اتَّصلَ بها مِنْ طلاقٍ وغيرِه، سَواءٌ
стр. 10748
تَقدَّمَتِ المَشيئةُ أو تأخَّرَتْ أو تَوسَّطتْ، فلو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو: أنتِ إنْ شاءَ اللهُ طالقٌ، أو: إنْ شاءَ اللهُ أنتِ طالقٌ» فلا طلاقَ، وهكذا لو قالَ: «أنتِ طالقٌ بمَشيئةِ اللهِ، أو إذا شاءَ اللهُ، أو متَى شاءَ اللهُ» فلا طَلاقَ، ولو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ لم يَشأِ اللهُ» لم تُطلَّقْ؛ لأنه قَدْ يَجوزُ أنْ لا يَشاءَ فتُطلَّقَ، وقد يَشاءُ فلا تُطلَّقُ، وليسَ يُعلَمُ هل شاءَ أو لم يَشأْ؟ فلم يَقعِ الطلاقُ؛ لأنَّ صِفةَ وُقوعِه -وهو عَدمُ المَشيئةِ- لم تُعلَمْ، كما لا يَقعُ إذا قالَ: إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّ صِفةَ وُقوعِه -وهو المَشيئةُ- لم تُعلَمْ، وهكذا إذا قالَ: «أنتِ طالقٌ ما لم يَشأِ اللهُ» لَم تُطلَّقْ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا إذا استَثنَى في الطلاقِ والعِتقِ وغيرِ ذلكَ سِوَى اليَمينِ باللهِ تعالَى فقالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أو: أنتَ حُرٌّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أو: أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، أو: لزَيدٍ في ذِمَّتي ألفُ دِرهمٍ إنْ شاءَ اللهُ، أو: إنْ شُفيَ مَريضي فللهِ عليَّ صَومُ شَهرٍ إنْ شاءَ
стр. 10749
اللهُ» أو ما أشبَهَ ذلكَ فمَذهبُ الشافعيِّ والكُوفيِّينَ وأبي ثَورٍ وغَيرِهم صحَّةُ الاستِثناءِ في جَميعِ الأشياءِ كما أجمَعُوا عليها في اليَمينِ باللهِ تعالَى، فلا يَحنثُ في طلاقٍ ولا عِتقٍ ولا يَنعقدُ ظِهارُه ولا نَذرُه ولا إقرارُه ولا غيرُ ذلكَ ممَّا يتَّصلُ بهِ قولُه: «إنْ شاءَ اللهُ»، وقالَ مالكٌ والأوزاعيُّ: لا يَصحُّ الاستِثناءُ في شيءٍ مِنْ ذلكَ إلا اليمينَ باللهِ تعالَى (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الاستِثناءَ الشرعيَّ لا يُبطِلُ الطلاقَ، بلَ يَقعُ في الحالِ.
جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قلتُ): أرَأيتَ الاستِثناءَ في الطلاقِ في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): ذلك باطلٌ والطلاقُ لازِمٌ، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ: «فُلانةُ طالقٌ إنْ شاءَ فُلانٌ»، أيَكونُ ذلكَ استِثناءً ويُوقِعُ الطلاقَ عليها مَكانَه ولا يَلتفتُ إلى مَشيئةِ فُلانٍ في قولِ مالكٍ أم لا؟ (قالَ): ليسَ قولُه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ فُلانٌ» مثلَ قَولِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، وإنَّما الاستثناءُ في قولِ مالكٍ «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، فالطلاقُ فيهِ لازمٌ، وأمَّا إذا قالَ: «إنْ شاءَ فُلانٌ» فلا تَطلُقُ حتَّى يَعرفَ أيَشاءُ فُلانٌ أم لا يَشاءُ …
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» أتَطلُقُ مَكانَها؟ قالَ: نَعمْ في قولِ مالكٌ، قالَ مالكٌ: لا ثُنْيَا في الطلاقِ (٢).
стр. 10750
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وليسَ في الطلاقِ ولا العِتاقِ استِثناءٌ بإنْ شاءَ اللهُ، وإنَّما هو الاستِثناءُ في اليَمينِ باللهِ خاصَّةً، فمَن قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» طَلُقتْ عندَ مالكٍ، وإنْ علَّقَ المَشيئةَ بآدَميٍّ لم تَطلُقْ حتَّى يُعلَمَ أنه شاءَ، فإنْ لم تُعلَمْ مَشيئتُه لم تَطلُقْ، ومن قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ هذا الحجَرُ أو الحائِطُ أو فلانٌ» وقد ماتَ لم تَطلُقْ في شيءٍ مِنْ ذلكَ كلِّه، وقد قيلَ أنه لازمٌ في الحجَرِ والحائطِ وأنه يَلزمُه الطلاقُ، والأولُ أصَحُّ، ومَن قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ فعَلْتِ كذا وكذا إلا أنْ يَشاءَ اللهُ» طَلُقتْ ولم يَنفعْه الاستِثناءُ، وقد قِيلَ: إنَّ له هاهُنا ثُنْيَاه إذا أرادَ في الفِعلَ دُونَ الطلاقِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: مَسألةٌ: وقالَ فيمَن قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو: أنتِ طالقٌ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ»: إنَّ ذلكَ سَواءٌ هي طالقٌ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: هذا أمرٌ لا اختِلافَ فيهِ في مَذهبِ مالكٍ وجَميعِ أصحابِه أنَّ الاستِثناءَ بمَشيئةِ اللهِ تعالَى في الطلاقِ المُجرَّدِ والعِتقِ المُجردِ غيرُ عامِلٍ ولا نافعٍ؛ لأنَّ الرَّجلَ إذا قالَ: «امرأتِي طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو إلا أنْ يَشاءَ اللهُ» فقدْ قيَّدَ وُقوعَ الطلاقِ عليهِ بذلكَ اللَّفظِ وانحلالَ عِصمةِ الزوجيَّةِ بينَهُما بهِ بمَشيئةِ اللهِ تعالَى، ومَشيئةُ اللهِ تعالَى هي إرَادتُه، وهي صِفةٌ قَديمةٌ مِنْ صِفاتِ ذاتِه، فعَلِمْنا وُقوعَ الطلاقِ عليهِ؛ لحُصولِ الصِّفةِ التي قيَّدَه بها،
стр. 10751
وهي إرادةُ اللهِ تعالَى، أي: «امرَأتي طالقٌ قد شِئتُ ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ، أو: قد أردْتُ ذلكَ إنْ أرادَ اللهُ أنْ أريدَهُ»، ولا يُريدُ هو ذلك ولا يَشاؤُه إلا وقد شاءَ اللهُ وأرادَ أنْ يُريدَ ذلكَ ويَشاءَه؛ إذْ لا يَكونُ شيءٌ في مَلَكوتِ الأرضِ والسماءِ إلا بمَشيئةِ اللهِ تعالَى، فهذا وجهُ قولِ مالِكٍ، وهو في التَّمثيلِ مِثلُ أنْ يَقولَ: «امرأتي طالقٌ إنْ كانَ كذا وكذا»؛ لِمَا مَضَى ممَّا عَلِمْنا كونَه، ويَحتملُ أنْ يكونَ معنَى قولِه: «امرأتي طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» أي: «امرأتي طالقٌ إنْ كانَ اللهُ شرَعَ وُجوبَه عليَّ»، وقد عَلِمْنا مِنْ دِينِ النبيِّ ﵇ ضَرورةً أنَّ اللهَ قد شرَعَ وُجوبَه عليهِ إذا لفَظَ به ونَواهُ، فوجَبَ أنْ يَلزمَه، ولا يَحتملُ استثناؤُه سِوَى هذَينِ الوجهَينِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: الاستِثناءُ بمَشيئةِ اللهِ في الطلاقِ لا تُؤثِّرُ، وكذلكَ اشتِراطُها، خِلافًا لأبي حَنيفةَ والشافعيِّ، فدَليلُنا على أنَّ الاستِثناءَ بها لا يُؤثِّرُ قولُه ﷺ : «مَنْ حلَفَ باللهِ ثمَّ استَثنَى رجَعَ غيرَ حالِفٍ»، فقصَرَ ذلكَ على اليَمينِ باللهِ، فدَلَّ على أنَّ غيرَها بخِلافِها، ولأنَّ الاستثناءَ في حالِ المُستقبَلِ المُترقَّبِ دونَ الماضي؛ لأنه حَلُّ عَقدٍ، والعَقدُ لا يَتناولُ الماضي، فإذا ثبَتَ ذلكَ وكانَ قولُه: «أنتِ طالِقٌ» لفْظَ إيجابٍ وإيقاعٍ -سواءٌ أفرَدَ أو علَّق بشَرطٍ- امتَنعَ دُخولُ
стр. 10752
الاستِثناءِ عليهِ؛ لأنه لا مَجالَ له في رَفعِ ما قد وقَعَ ووجَبَ على ما بيَّنَّا، ولأنه مَعنًى يَرفعُ حُكمَ اليَمينِ، فلم يَكنْ لهُ تَأثيرٌ في رَفعِ الطلاقِ كالكفَّارةِ، ولأنه أضعَفُ مِنْ الكفَّارةِ؛ لأنَّ كلَّ يَمينٍ دخَلَها الاستِثناءُ صحَّ أنْ تَدخلَها الكفَّارةُ، وقد تَدخلُ الكفَّارةُ فيما لا يَدخلُه الاستثناءُ، ولأنه استِثناءٌ وقَعَ جَميعُه في الحالِ والمآلِ كقَولِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثَلاثًا».
ودَليلُنا على أنَّ اشتِراطَه لا يُؤثِّرُ أنه لا يَخلو مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَكونَ لنا طَريقٌ إلى العِلمِ بوُقوعِه، أو لا طريقَ لنا إلى العِلمِ به، فإنْ كانَ لنا طريقٌ إلى العِلمِ به فيَجبُ وُقوفُ الحُكمِ على وُجودِه، ومِن قَولِهم أنه لا يَقفُ أصلًا، بل نَقطعُ على انتِفاءِ حُكمِ اللفظِ مِنْ غيرِ تَثبيتٍ ولا تَرقُّبٍ، فإنَّ اللفظَ كأنه لم يَكنْ، ولأنَّ الاعتبارَ في حَصولُ مَشيئةِ اللهِ في أفعالِ عِبادِه ووُقوعِها؛ لأنَّ ما شاءَه مِنها كانَ، وما لم يَشأْهُ لم يَكنْ.
وإنْ كانَ لا طريقَ لنا إلى العِلمِ بوُقوعِه وجَبَ تَنجُّزُ الطلاقِ؛ لأنَّ تَعليقَ الطلاقِ بما لا يُعلَمُ وُقوعُه مِنْ الشُّروطِ هَزلٌ، كقولِه: «أنتِ طالقٌ إنْ كانَ اللهُ تعالَى خلَقَ اليومَ في السماءِ الرابعةِ ملَكًا بألفِ جَناحٍ، أو في قَعرِ بَحرِ القلزمِ حَوتًا طُولُه ألفُ ذِراعٍ» أو ما أشبَهَ ذلكَ مِنْ الهَزلِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى» طَلُقتْ، وكذلك إنْ قالَ: «عَبدِي حُرٌّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى» عُتِقَ، نصَّ عليه أحمدُ في رِوايةٍ
стр. 10753
جَماعةٍ وقالَ: ليسَ هُمَا مِنْ الأيمانِ، وبهذا قالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ والحسَنُ ومَكحولٌ وقَتادةُ والزُّهريُّ ومالكُ واللَّيثُ والأوزاعيُّ وأبو عُبيدٍ.
وعن أحمدَ ما يَدلُّ على أنَّ الطلاقَ لا يَقعُ، وكذلك العِتاقُ، وهو قولُ طاوسٍ والحكَمِ وأبي حَنيفةَ والشافعيِّ؛ لأنه علَّقَه على مَشيئةٍ لم يُعلَمْ وُجودُها، فلم يَقعْ كما لو علَّقَه على مَشيئةٍ زَيدٍ، وقد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لم يَحنَثْ» رَواهُ التِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حسَنٌ.
ولنا: ما روَى أبو جَمرةَ قالَ: سَمعْتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: «إذا قالَ الرَّجلُ لامرأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» فهي طالِقٌ» رَواهُ أبو حَفصٍ بإسنادِه، وعن أبي بُردةَ نحوُه.
وروَى ابنُ عُمرَ وأبو سَعيدٍ قالا: «كُنَّا مَعاشِرَ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ نَرَى الاستِثناءَ جائِزًا في كُلِّ شيءٍ إلا في العِتاقِ والطلاقِ» ذكَرَه أبو الخطَّابِ، وهذا نَقلٌ للإجماعِ وإنْ قُدِّرَ أنه قولُ بعضِهم ولم يُعلَمْ له مُخالِفٌ فهو إجماعٌ، ولأنه استِثناءٌ يَرفعُ جُملةَ الطلاقِ، فلم يَصحَّ كقَولِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا»، ولأنه استثناءٌ حُكمٍ في مَحلٍّ، فلم يَرتفعْ بالمَشيئةِ كالبَيعِ والنكاحِ، ولأنه إزالةُ مِلكٍ، فلم يَصحَّ تَعليقُه على مَشيئةِ اللهِ، كما لو قالَ: «أَبرأتُكَ إنْ شاءَ اللهُ»، أو تَعليقٌ على ما لا سَبيلَ إلى عِلمِه، فأشبَهَ تَعليقَه على المُستحيلاتِ، والحَديثُ لا حجَّةَ لهم فيهِ؛ فإنَّ الطلاقَ والعِتاقَ إنشاءٌ وليس بيَمينٍ حَقيقةً، وإنْ سُمِّيَ بذلكَ فمَجازٌ لا تُتركُ الحَقيقةُ مِنْ
стр. 10754
أجْلِه، ثمَّ إنَّ الطلاقَ إنما سُمِّيَ يَمينًا إذا كانَ مُعلَّقًا على شَرطٍ يُمكِنُ تَركُه وفِعلُه، ومجرَّدُ قَولِه: «أنتِ طالقٌ» ليسَ بيَمينٍ حَقيقةً ولا مَجازًا، فلم يُمكِنِ الاستثناءُ بعدَ يَمينٍ، وقَولُهم: «علَّقَه على مَشيئةٍ لا تُعلَمُ» قُلنا: قد عُلِمتْ مَشيئةُ اللهِ للطلاقِ بمُباشَرةِ الآدَميِّ سبَبَه، قالَ قَتادةُ: قدَ شاءَ اللهُ حينَ أَذِنَ أنْ يُطلِّقَ، ولو سلَّمْنا أنها لم تُعلَمْ لكنْ قد علَّقَه على شَرطٍ يَستحيلُ عِلمُه، فيَكونُ كتَعليقِه على المُستحيلاتِ، يَلغُو ويَقعُ الطلاقُ في الحالِ.
فصلٌ: فإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ دخَلْتِ الدارَ إنْ شاءَ اللهُ» فعَن أحمدَ فيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: يَقعُ الطلاقُ بدُخولِ الدارِ ولا يَنفعُه الاستِثناءُ؛ لأنَّ الطلاقَ والعِتاقَ ليسا مِنْ الأيمانِ، ولِمَا ذكَرْناه في الفَصلِ الأولِ.
والثانيةُ: لا تَطلُقُ، وهو قَولُ أبي عُبيدٍ؛ لأنه إذا علَّقَ الطلاقَ بشَرطٍ صارَ يَمينًا وحَلِفًا، فصَحَّ الاستِثناءُ فيه؛ لعُمومِ قولِه ﵇: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لم يَحنَثْ»، وفارَقَ ما إذا لم يُعلِّقْه؛ فإنه ليسَ بيَمينٍ، فلا يَدخلُ في العُمومِ (١).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: قالَ: وإذا استَثنَى في الطلاقِ والعِتاقِ فأكثَرُ الرِّواياتِ عَنْ أبي عَبدِ اللهِ ﵀ أنه تَوقَّفَ عن الجَوابِ، وقَد قطَعَ في مَوضعٍ أنه لا يَنفعُه الاستِثناءُ.
стр. 10755
ش: وذلكَ كأنْ قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» أو لعَبدِه: «أنتَ حُرٌّ إنْ شاءَ اللهُ»، وتَوقَّفَ أحمدُ عن الجَوابِ في ذلكَ؛ لاختِلافِ الناسِ فيه مع عَدمِ نَصٍّ قاطِعٍ في ذلكَ، وحظَرَ ذلكَ وهو الحُكمُ بحِلِّ فَرجٍ أو تَحريمِه، والذي استَقرَّ عليه قولُه أنه لا يَنفعُه الاستِثناءُ، مُعلِّلًا ذلكَ في رَوايةِ حَنبلٍ بأنهُما ليسا مِنْ الأيمانِ، وإذا لم يَكونَا مِنْ الأيمانِ فلا يَدخلانِ في قولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لم يَحنَثْ»، وقد تَقدَّمَتِ الإشارةُ إلى هذا في أولِ البابِ، وأنَّ المُغلَّبَ فيهما التعليقُ على شَرطٍ، وإذا هذا الشرطُ الذي قد علَّقَ عليه الطلاقَ -وهو مَشيئةُ اللهِ تعالَى- أمرٌ لا سبيلَ إلى عِلمِه، فهو كالتعليقِ على مُستحيلٍ، أو أمرٌ يُفضِي اعتبارُه إلى رَفعِ الطلاقِ بالكُليةِ، أشبَهَ ما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ طَلقةً لا تَلزمُكِ» ونحوَ ذلكَ.
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «إذا قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» هي طالقٌ» رَواهُ أبو حَفصٍ بسَندِه، وعن أبي بُردةَ نحوُه.
وعنِ ابنِ عُمرَ ﵄ وأبي سَعيدٍ ﵁ قالوا: «كُنَّا مَعاشِرَ أصحابِ رَسولِ اللهِ نَرَى الاستِثناءَ جائِزًا في كُلِّ شيءٍ إلا في العِتاقِ والطلاقِ» ذكَرَه أبو الخطَّابِ.
(وحكَى أبو مُحمدٍ رِوايةً أُخرَى) عن أحمدَ ﵁ بصحَّةِ الاستثناءِ في الطلاقِ والعِتاقِ؛ بناءً على أنهُما مِنْ الأيمانِ، فيَدخلانِ في عُمومِ «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ»؛ إذ ذلك نكِرةٌ في سِياقِ الشرطِ، فتَشملُ كلَّ يَمينٍ، ونَظرًا
стр. 10756
إلى أنَّ التعليقَ يَحصلُ على مَشيئةٍ لم يُعلَمْ وُجودُها، أشبَهَ ما لو علَّقَه على مَشيئةِ زَيدٍ، وأُجيبَ بأنَّ مَشيئةَ اللهِ تعالَى قد عُلِمتْ بمُباشَرةِ الآدَميِّ سبَبَ ذلكَ وهو النَّطقُ بالطلاقِ، ونقَلَ الشيخُ أبو حامِدٍ الإسفرائينيُّ ومَن تَبعَه عن إمامِنا رِوايةً بالتفرقةِ بينَ الطلاقِ العِتاقِ، وقطَعَ أبو البَركاتِ وغيرُه بأنَّ ذلكَ غلَطٌ على الإمامِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدِ ﵀: فأمَّا تَعليقُ الطلاقِ بالمَشيئةِ فإنه لا يَخلو أنْ يُعلِّقَه بمَشيئةِ اللهِ أو بمَشيئةِ مَخلوقٍ، فإذا علَّقَه بمَشيئةِ اللهِ -وسَواءٌ علَّقَه على جِهةِ الشرطِ مثلَ أنْ يقولَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ»، أو على جِهةِ الاستِثناءِ مثلَ أنْ يَقولَ: «أنتِ طالقٌ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ» - فإنَّ مالكًا قالَ: لا يُؤثِّرُ الاستثناءُ في الطلاقِ شيئًا، وهو واقِعٌ ولا بُدَّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: إذا استَثنَى المُطلِّقُ مَشيئةَ اللهِ لم يَقعِ الطلاقُ.
وسَببُ الخِلافِ: هل يَتعلَّقُ الاستِثناءُ بالأفعالِ الحاضِرةِ الواقِعةِ كتَعلُّقِه بالأفعالِ المُستقبَلةِ؟ أو لا يَتعلَّقُ، وذلكَ أنَّ الطلاقَ هو فِعلٌ حاضرٌ؟ فمن قالَ: «لا يَتعلَّقُ به» قالَ: لا يُؤثِّرُ الاستثناءُ ولا اشتِراطُ المَشيئةِ في الطلاقِ، ومَن قالَ: «يَتعلَّقُ به» قالَ: يُؤثِّرُ فيهِ.
стр. 10757
وأمَّا إنْ علَّقَ الطلاقَ بمَشيئةِ مَنْ تَصحُّ مَشيئتُه ويُتوصَّلُ إلى عِلمِها فلا خِلافَ في مَذهبِ مالكٍ أنَّ الطلاقَ يَقفُ على اختيارِ الذي علِّقَ الطلاقَ بمَشيئتِه.
وأمَّا تَعليقُ الطلاقِ بمَشيئةِ مَنْ لا مَشيئةَ له ففيهِ خِلافٌ في المَذهبِ، قيلَ: يَلزمُه الطلاقُ، وقيلَ: لا يَلزمُه، والصبيُّ والمَجنونُ داخِلانِ في هذا المعنَى، فمَن شبَّهَه بطِلاقِ الهَزلِ وكانَ الطلاقُ بالهَزلِ عندَه يَقعُ قالَ: يَقعُ هذا الطلاقُ، ومَن اعتبَرَ وُجودَ الشرطِ قالَ: لا يَقعُ؛ لأنَّ الشرطَ قد عُدِمَ ههُنا (١).
شُروطُ صِحةِ الاستِثناءِ في الطَّلاقِ:
يُشترطُ لصحَّةِ الاستثناءِ في الطلاقِ -سَواءٌ كانَ الاستِثناءُ لُغويًّا ك: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحِدةً»، أو شَرعيًّا ك: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» - شُروطٌ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ الكَلامُ مُتَّصِلًا:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في الكَلامِ أنْ يَكونَ مُتَّصلًا -أي اتَّصالُ المُستثنَى بالمُستثنَى منه- بحَيثُ يُعدَّانِ كَلامًا واحدًا عُرفًا، فإنْ فُصلَ بينَهما بكَلامٍ أو سُكوتٍ لَغَا الاستثناءُ ويَثبتُ حُكمُ الطلاقِ، فإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» ثمَّ سكَتَ أو تَكلَّمَ بكَلامٍ أجنَبيٍّ ثمَّ قالَ: «إلا واحدةً، أو: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ سكَتَ ثمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» وقَعَ الطلاقُ؛ لأنه إذا سكَتَ ثبَتَ
стр. 10758
حُكمُ الأوَّلِ، فيَكونُ الاستِثناءُ أو التعليقُ بعدَه رُجوعًا عنه، فلا يُقبَلُ، ولو سكَتَ قدْرَ ما تَنفَّسَ أو عطَسَ أو تَجشَّأَ أو كانَ بلِسانِه ثِقلٌ فَطالَ تَردُّدُه ثمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» صحَّ الاستثناءُ؛ لأنَّ هذا النوعَ مِنْ الفَصلِ ممَّا لا يُمكِنُ التحرُّزُ عنه، فلا يُعتبَرُ فَصلًا ويُعطَى له حُكمُ الوَصلِ للضَّرورةِ.
ولأنَّ الاستثناءَ المَفصولَ لو كانَ صَحيحًا لَكانَ المُطلِّقُ يَستثني إذا نَدِمَ ولا حاجةَ إلى المُحلِّلِ، وفي تَصحيحِ الاستِثناءِ مَفصولًا إخراجُ العُقودِ كلِّها مِنْ البُيوعِ والأنكِحةِ مِنْ أنْ تَكونَ مُلزِمةً، وإخراجُها مِنْ أنْ تَكونَ مُقيِّدةً لأحكامِها؛ لأنه يَبيعُ أو يَتزوَّجُ أو يُطلِّقُ ثمَّ يَستثني أيَّ وقَتٍ شاءَ، فلو كانَ هذا يَصحُّ لَمَا احتِيجَ إلى الزوجِ الثاني حتى تَحِلَّ للأولِ فيما إذا طلَّقَها ثلاثًا، بلْ كانَ يُؤمَرُ بالاستثناءِ حتى تَبطُلَ الطَّلقاتُ الثلاثُ بهِ، وكذا بيَّنَ اللهُ تعالَى ورَسولُه أحكامَ الحِنثِ في الأيمانِ، ولو كانَ الاستثناءُ المَفصولُ جائزًا لَأمَرَ اللهُ به حتى لا يَلزمَه الحِنثُ ولا الإثمُ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وشَرطُه أنْ يَكونَ الاستِثناءُ مَوصولًا بما قبلَه مِنْ الكَلامِ عندَ عَدمِ الضَّرورةِ، حتى لو حصَلَ الفَصلُ بينَهُما بسُكوتٍ أو غيرِ ذلكَ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ لا يَصحُّ، وهذا قَولُ عامَّةِ الصحابةِ ﵃ وعامَّةِ العُلماءِ، إلا شيئًا رُويَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ ويَصحُّ متَّصِلًا ومُنفصِلًا … (١).
стр. 10759
وقالَ الحَنفيةُ: إذا كتَبَ إلى امرَأتِه: «أمَّا بعدُ: أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ»؛ فإنْ كانَ كتَبَ «إنْ شاءَ اللهُ» مَوصولًا بكِتابتِه «أمَّا بعدُ: فأنتِ طالقٌ» لا تَطلُقُ، وإنْ فتَرَ فَترةً بعدَما كتَبَ «أنتِ طالقٌ» ثمَّ كتَبَ «إن شاءَ اللهُ» تَطلقُ؛ لأنَّ الكتابَ مِنْ الغائِبِ بمَنزلةِ التلفُّظِ مِنْ الحاضرِ (١).
الشرطُ الثاني: نيَّةُ الحالِفِ الاستثناءَ قبلَ الفَراغِ مِنْ التلفُّظِ في الطلاقِ:
نَصَّ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ وبَعضُ المالِكيةِ على أنه يُشترطُ أنْ يَنويَ الاستثناءَ قبلَ تَمامِ المُستثنَى منهُ، أي قبلَ فَراغِه مِنْ اليَمينِ، فإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحدةً» لا يُعتدُّ بالاستثناءِ إلا إنْ نَواهُ قبلَ تَمامِ قَولِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا؛ لأنَّ اليَمينَ إنما تُعتبَرُ بتَمامِها، وهذا صادِقٌ بأنْ يَنويَه أولَها أو آخِرَها أو ما بينَهُما، فلا يُشترطُ في أولِه ولا يَكفي بعدَ الفَراغِ (٢).
стр. 10760
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ وبعضُ الحَنابلةِ كشَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيِّمِ إلى أنه تَصحُّ نيَّتُه بعدَ فَراغِه مِنْ كلامِه، قالَ المَوَّاقُ ﵀: وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ لفْظَ الاستثناءِ لمَّا لم يُشترطْ تَقديمُه على آخِرِ حَرفٍ مِنْ حُروفِ اليَمينِ لم يُشترطْ ذلكَ في النيةِ؛ لأنَّ مُجرَّدِ النِّيةِ لا تُؤثرُ، ولو أثَّرَ مُجردُ النِّيةِ في حَلِّ اليَمينِ لَاستَغنى عن لَفظِه، وهذا باطِلٌ باتِّفاقٍ (١).
قالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: ليسَ مِنْ شَرطِهِ أنْ يُنوَى مع عَقدِ اليَمينِ؛ لأنَّ ذلكَ يُوجِبُ أنْ لا تَحلَّ يَمينٌ ابتُدئَ عَقدُها دونَ نيَّتِه، وذلكَ باطِلٌ، فإذا ابتَدأَ غيرَ ناوٍ ثمَّ نوَى قبلَ فَراغِه مِنْ اليَمينِ جازَ، وإنْ فرَغَ مِنْ التلفُّظِ بها ثمَّ أتَى بهِ مُتصلًا غيرَ مُتَراخٍ على الحَدِّ الذي يَأتي مِنْ غيرِ فَصلٍ صحَّ عندَ مالكٍ، وعندَ ابنِ الموَّازِ لا يَصحُّ، فوَجهُ قولِ مالكٍ عُمومُ الخبَرِ، واعتِبارًا بما لو نَواهُ بعدَ الفَراغِ بعلَّةِ الاتِّصالِ مع النِّيةِ، ووَجهُ قولِ ابنِ الموَّازِ أنَّ اليَمينَ فرَغَ منها عارِيةً مِنْ الاستثناءِ، فوُرودُه بعدَها لا يُؤثرُ كالتراخي، والأولُ أصَحُّ (٢).
стр. 10761
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ﵀ عن رَجلٍ حلَفَ بالطلاقِ ثمَّ استَثنى هُنَيهةً بقَدرِ ما يُمكِنُ فيه الكَلامُ.
فأجابَ: لا يَقعُ فيهِ الطلاقُ ولا كفَّارةَ عليهِ والحالُ هذهِ، ولو قيلَ له: «قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ» يَنفعُه ذلكَ أيضًا ولو لم يَخطُرْ له الاستثناءُ إلا لمَّا قيلَ له، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ أيضًا: وللعُلماءِ في الاستِثناءِ النافعِ قَولانِ:
أحَدُهما: لا يَنفعُه حتى يَنويه قبلَ فَراغِ المُستَثنى منه، وهو قولُ الشافعيِّ والقاضي أبي يَعلَى ومَن تَبعَه.
والثاني: يَنفعُه وإنْ لم يُرِدْه إلا بعدَ الفَراغِ، حتى لو قالَ لهُ بعضُ الحاضرِينَ: «قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ» نفَعَه، وهذا هو مَذهبُ أحمَدَ الذي يَدلُّ عليه كَلامُه، وعليه مُتقدِّمُو أصحابِه، واختِيارُ أبي مُحمدٍ وغيرِه، وهو مَذهبُ مالكٍ، وهو الصَّوابُ، ولا يُعتبَرُ قَصدُ الاستثناءِ، فلو سبَقَ على لِسانِه عادةً أو أتَى بهِ تبَرُّكًا رفَعَ حُكمَ اليَمينِ، وكذا قولُه: «إنْ أرادَ اللهُ» وقصَدَ بالإرادةِ مَشيئتَه لا مَحبَّتَه وأمْرَه، ومَن شَكَّ في الاستثناءِ وكانَ مِنْ عادتِه الاستثناءُ فهو كما لو عَلِمَ أنه استَثنى (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقالَ الجَوزجانِيُّ في «مُتَرجَمِه»: حدَّثَني صَفوانُ ثنَا عُمرُ قالَ: سُئلَ الأوزاعيُّ ﵀ عن رَجلٍ حلَفَ: «واللهِ
стр. 10762
لَأفعلَنَّ كذا وكذا» ثمَّ سكَتَ ساعةً لا يَتكلَّمُ ولا يُحدِّثُ نفسَه بالاستثناءِ، فيَقولُ لهُ إنسانٌ إلى جانبِه: «قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ» فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ»، أيُكفِّرُ عن يَمينِه؟ فقالَ: أراهُ قدِ استَثنَى.
وبهذا الإسنادِ عن الأوزاعِيِّ أنه سُئلَ عن رَجلٍ وصَلَه قَريبُه بدَراهمِ فقالَ: «واللهِ لا آخُذُها» فقالَ قَريبُه: «واللهِ لَتأخُذَنَّها»، فلمَّا سَمعَه قالَ «واللهِ لَتأخُذَنَّها» استَثنَى في نفسِه فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ»، وليسَ بينَ قولِه: «واللهِ لا آخُذُها» وبينَ قولِه: «إنْ شاءَ اللهُ» كَلامٌ إلا انتِظارُه ما يَقولُ قَريبُه، أيُكفِّرُ عن يَمينِه إنْ هو أخَذَها؟ فقالَ: لم يَحنَثْ؛ لأنه قدِ استَثنَى.
ولا رَيبَ أنَّ هذا أفقَهُ وأصَحُّ مِنْ قولِ مَنْ اشتَرطَ نيَّتَه مع الشُّروعِ في اليَمينِ، فإنَّ هذا القولَ مُوافِقٌ للسُّنةِ الصحيحةِ فِعلًا عن النبيِّ ﷺ ، وحِكايةً عن أخيِه سُليمانَ «أنه لو قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» بعدَ ما حلَفَ وذكَّرَه الملَكُ كانَ نافِعًا لهُ»، ومُوافِقًا للقِياسِ ومَصالحِ العِبادِ، ومُقتضَى الحَنيفيَّةِ السَمْحةِ، ولو اعتُبِرَ ما ذُكرَ مِنْ اشتِراطِ النِّيةِ في أولِ الكِلامِ والاتصالِ الشديدِ لَزالَتْ رُخصةُ الاستثناءِ وقَلَّ مَنْ انتَفعَ بها، إلا مَنْ قد درَسَ على هذا القَولِ وجعَلَه منهُ على بالٍ.
وقد ضيَّقَ بعضُ المالِكيةِ في ذلكَ فقالَ: لا يَكونُ الاستِثناءُ نافِعًا إلا وقد أرادَهُ صاحِبُه قبلَ أنْ يُتمِّمَ اليمينَ، كما قالَ بعضُ الشافِعيةِ وقالَ ابنُ الموَّازِ: شَرطُ نَفعِه أنْ يَكونَ مُقارِنًا ولو لآخِرِ حَرفٍ مِنْ حُروفِ اليَمينِ، ولم يَشترطْ
стр. 10763
مالكٌ شيئًا مِنْ ذلكَ، بل قالَ في «مُوطَّئِه»: وهذا لَفظُ رِوايَته قالَ عَبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ: أحسَنُ ما سَمعْتُ في الثُّنْيَا في اليَمينِ أنها لصاحبِها ما لم يَقطعْ كَلامَه، وما كانَ نَسقًا يَتبعُ بعضُه بعضًا قبلَ أنْ يَسكُتَ، فإذا سكَتَ وقطَعَ كَلامَه فلا ثُنْيَا له. انتهى.
ولم أَرَ عن أحَدٍ مِنْ الأئِمةِ قَطُّ اشتِراطَ النِّيةِ مع الشُّروعِ ولا قبلَ الفراغِ، وإنَّما هذا مِنْ تَصرُّفِ الأتباعِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يُشترطُ نيَّةُ الاستِثناءِ أصلًا، فلو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» ولا يَدرِي أيَّ شيءٍ شاءَ اللهُ لا يَقعُ الطلاقُ؛ لأنَّ الطلاقَ مع الاستِثناءِ ليسَ بإيقاعٍ، فعِلمُه وجَهلُه يَكونُ سواءً.
ولو قالَ لها: «أنتِ طالقٌ» فجَرَى على لِسانِه مِنْ غيرِ قَصدٍ «إنْ شاءَ اللهُ» وكانَ قصدُه إيقاعَ الطلاقِ لا يَقعُ الطلاقُ؛ لأنَّ الاستثناءَ قد وُجِدَ حَقيقةً، والكَلامُ مع الاستثناءِ لا يكونُ إيقاعًا (٢).
الشرطُ الثالثُ: أنْ يَكونَ مَلفوظًا بلِسانِه لا بقَلبِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلَّقَ بلِسانِه واستَثنَى بقَلبِه ولم يَتلفَّظْ به، كما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ» ونَوَى بقَلبِه «إنْ شاءَ اللهُ» ولم يَتلفَّظْ به، هل يَلزمُه الطلاقُ لأنه يُشترطُ التلفُّظُ بهِ؟ أم يَصحُّ الاستثناءُ بالقَلبِ؟
стр. 10764
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ التلفُّظُ به، فلو قالَ: «أنتِ طالقٌ» بلِسانِه ثمَّ نوَى بقَلبِه «إنْ شاءَ اللهُ» لَزمَه الطلاقُ، أو: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» ونوَى بقَلبِه «إلا واحدةً» لَزمَه الطلاقُ الثلاثُ، ولا يُقبَلُ في الحُكمِ؛ لأنه نَصَّ على الثلاثِ فلا يَسقطُ بعضُهنَّ بالنِّيةِ، ويُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ في أحَدَ الوجهَينِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، والوَجهُ الثاني: لا.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقَولُه ﷺ : «لو قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لم يَحنَثْ» فيه إشارةٌ إلى أنَّ الاستثناءَ يكونُ بالقَولِ ولا تَكفي فيهِ النيَّةُ، وبهذا قالَ الشافعيُّ وأبو حَنيفةَ ومالكٌ وأحمَدُ والعُلماءُ كافَّةً، إلا ما حُكيَ عن بَعضِ المالِكيةِ أنَّ قياسَ قَولِ مالكٍ صحَّةُ الاستِثناءِ بالنِّيةِ مِنْ غيرِ لَفظٍ (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: لا يَكونُ الاستِثناءُ إلا نُطقًا، فإنْ نَواهُ أو عقَدَه مِنْ غيرِ نُطقٍ لم ينفَعْه، والأصلُ فيهِ قَولُه ﷺ : «مَنْ حلَفَ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» رجَعَ غيرَ حانِثٍ»، وذلكَ يُفيدُ النُّطقَ؛ لأنه رَفعٌ لحُكمِ اليَمينِ كالكفَّارةِ، ولو نوَى أنَّ عبدَه حرٌّ عنِ الكفَّارةِ لم يجز إلا أنْ يَتلفَّظَ بهِ (٢).
стр. 10765
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: (ولو طلَّقَ بلِسانِه واستَثنَى بقَلبِه لَزمَه الطلاقُ):
وجُملةُ ذلك: أنه إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ» ونوَى بقَلبِه: «إنْ شاءَ اللهُ» .. لم يُقبَلْ في الحُكمِ ولا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ اللَّفظَ أقوَى مِنْ النِّيةِ، فلا يَجوزُ إسقاطُه بها، كما لا يَجوزُ نَسخُ الكِتابِ والسُّنةِ بالقِياسِ.
وإنْ قالَ لهَا: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» ونوَى بقَلبِه «إلا واحِدةً» .. فلا يُقبَلُ في الحُكمِ؛ لأنه نَصَّ على الثلاثِ فلا يَسقطُ بعضُهنَّ بالنِّيةِ، كما لو نوَى: «إنْ شاءَ اللهُ»، وهل يُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى؟ فيهِ وَجهانِ:
[أحَدُهما]: قالَ أبو عَليٍّ الطبَريُّ: يُديَّنُ، كما لو قالَ: «نسائِي طَوالِقُ» واستَثنَى بالنِّيةِ بعضَهنَّ.
والثاني -وهو قولُ الشيخِ أبي حامِدٍ-: أنه لا يُديَّنُ؛ لأنَّ الثلاثَ لا يُعبَّرُ به عمَّا دونَه مِنْ العَددِ؛ لأنهُ اسمٌ لثَلاثةِ آحادٍ، فلا يَجوزُ إسقاطُ بعضِ ذلكَ بالنِّيةِ، بخِلافِ النِّساءِ؛ فإنه اسمٌ عامٌّ، وقد يُعبَّرُ به عَنْ الخُصوصِ.
وهكذا إنْ قالَ لأربَعِ نِسوةٍ لهُ: «أربَعُكنَّ طَوالِقُ» واستَثنَى بالنِّيةِ بعضَهنَّ .. لم يُقبَلْ في الحُكمِ، وهل يُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى؟ على الوجهَينِ (١).
стр. 10766
وقالَ الحَنابلةُ: إذا قالَ لها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» واستَثنَى بقَلبِه «إلا واحِدةً» وقَعَتِ الثلاثُ؛ لأنَّ العَددَ نَصٌّ فيما يَتناولَه، فلا يَرتفعُ بالنِّيةِ؛ لأنَّ اللفظَ أقَوى، ولو ارتَفعَ بالنِّيةِ لَرجَحَ المَرجوحُ على الرَّاجحِ، ويَلزمُه الثلاثُ حُكمًا قولًا واحِدًا، وأمَّا في الباطِنِ فإنه يُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وكذا الخِلافُ لو قالَ: «نِسائيَ الأربَعُ طَوالِقُ» واستَثنَى واحدةً بقَلبِه، وإنْ لم يَقلْ: «الأربَعُ» ففي الحُكمِ رِوايتانِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وهل مِنْ شَرطِ الاستِثناءِ أنْ يَتكلَّمَ به؟ أو يَنفعُ إذا كانَ في قَلبِه وإنْ لم يَتلفَّظْ به؟
فالمَشهورُ مِنْ مَذاهبِ الفُقهاءِ أنه لا يَنفعُه حتى يَتلفَّظَ به، ونَصَّ عليهِ أحمدُ فقالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: لا يَجوزُ له أنْ يَستثنيَ في نَفسِه حتى يَتكلَّمَ بهِ، وقد قالَ أصحابُ أحمدَ وغيرُهم: لو قالَ: «نِسائِي طوالِقُ» واستَثنَى بقَلبِه «إلا فُلانةَ» صحَّ استِثناؤُه ولم تَطلُقْ، ولو قالَ: «نِسائيَ الأربَعُ طَوالِقُ» واستَثنَى بقَلبِه «إلا فُلانةَ» لم يَنفعْه.
وفرَّقُوا بينَهُما بأنَّ الأولَ ليسَ نصًّا في الأربَعِ، فجازَ تَخصيصُه بالنِّيةِ، بخِلافِ الثاني، ويَلزمُهم على هذا الفَرقِ أنْ يَصحَّ تَقييدُه بالشرطِ بالنِّيةِ؛ لأنَّ غايتَه أنه تَقييدُ مُطلَقٍ؛ فعَملُ النِّيةِ فيهِ أَولى مِنْ عَملِها في تَخصيصِ العامِّ؛
стр. 10767
لأنَّ العامَّ مُتناوِلٌ للأفرادِ وَضعًا، والمُطلَقُ لا يَتناولُ جَميعَ الأحوالِ بالوَضعِ، فتَقييدُه بالنِّيةِ أَولى مِنْ تَخصيصِ العامِّ بالنِّيةِ.
وقد قالَ صاحِبُ «المُغنِي» وغيرُه: إذا قالَ: «أنتِ طالقٌ» ونَوَى بقَلبِه مِنْ غَيرِ نُطقٍ «إنْ دخَلْتِ الدارَ، أو بعدَ شَهرٍ» أنه يُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى، وهل يُقبَلُ في الحُكمِ؟ على رِوايتَينِ، وقد قالَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ فيمَن حلَفَ لا يَدخلُ الدارَ وقالَ: «نَويتُ شهرًا» قُبِلَ منهُ، أو قالَ: «إذا دخَلْت دارَ فُلانٍ فأنتِ طالقٌ» ونوَى تلكَ الساعةَ أو ذلك اليَومَ قُبِلتْ نِيتُه، قالَ: والرِّوايةُ الأُخرَى لا تُقبَلُ؛ فإنه قالَ: إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ» ونَوَى في نفسِه «إلى سَنةٍ» تَطلُقُ، ليسَ يُنظَرُ إلى نيِّتِه، وقالَ: إذا قالَ: «أنتِ طالقٌ» وقالَ: «نَويتُ إنْ دخَلْت الدارَ» لا يُصدَّقُ، قالَ الشيخُ: ويُمكِنُ أنْ يُجمَعَ بينَ هاتَينِ الرِّوايتينِ بأنْ يُحمَلَ قولُه في القَبولِ على أنه يُديَّنُ، وقولُه في عَدمِ القَبولِ على الحُكمِ؛ فلا يَكونُ بينَهما اختلافٌ.
قالَ: والفَرقُ بينَ هذهِ الصُّورةِ والتي قبْلَها -يعني مَسألةَ «نِسائِي طَوالِقُ» وأرادَ بعضَهنَّ- أنَّ إرادةَ الخاصِّ بالعامِّ شائعٌ كثيرٌ، وإرادةَ الشرطِ مِنْ غيرِ ذِكرِه غيرُ شائعٍ، وهو قَريبٌ مِنْ الاستثناءِ، ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: هذهِ كلمةٌ مِنْ جُملةِ التخصيصِ. انتَهى كَلامُه.
وقد تَضمَّنَ أنَّ الحالِفَ إذا أرادَ الشرطَ دُيِّنَ وقُبلَ في الحُكمِ في إحدى الرِّوايتَينِ، ولا يُفرِّقُ فَقيهٌ ولا مُحصِّلٌ بينَ الشرطِ بمَشيئةِ اللهِ حيثُ يَصحُّ
стр. 10768
ويَنفعُ وبينَ غيرِه مِنْ الشروطِ، وقد قالَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةِ حَربٍ: إنْ كانَ مَظلومًا فاستَثنَى في نَفسِه رَجُوتُ أنه يَجوزُ إذا خافَ على نَفسِه، ولم يَنُصَّ على خِلافِ هذا في المَظلومِ، وإنَّما أطلَقَ القَولَ، وخاصُّ كَلامِه ومُقيَّدُه يَقضي على مُطلَقِه وعامِّه؛ فهذا مَذهبُه (١).
إلا أنَّ الحَنفية قالوا: إذا كتَبَ الطلاقَ واستَثنَى بلِسانِه أو طلَّقَ بلِسانِه واستَثنَى بالكِتابةِ، هل يَصحُّ؟ لا رِوايةَ لهَذهِ المَسألةِ، ويَنبغي أنْ يَصحَّ، كذا في «الظَّهيريَّة» (٢).
وقالَ في «الدُّر المُختار»: (ولا يُشترطُ) فيه (القَصدُ ولا التلفُّظُ) بهما، فلو تَلفَّظَ بالطلاقِ وكتَبَ الاستِثناءَ مَوصولًا أو عكَسَ أو أزالَ الاستثناءَ بعدَ الكِتابةِ لم يَقعْ.
قالَ ابنُ عابدِينَ: قولُه: (ولا التلفُّظُ بهمَا) أي: بالطلاقِ والاستثناءِ، (قوله: أو عكَسَ) أي: كتَبَ الطلاقَ وتَلفَّظَ بالاستثناءِ، (قولُه: أو أزالَ الاستثناءَ إلخ) أشارَ بهِ إلى قِسمٍ رابعٍ، وهو ما إذا كتَبَهُما معًا، فإنه يَصحُّ أيضًا وإنْ أزالَ الاستِثناءَ بعدَ الكِتابةِ، فافهَمْ (٣).
стр. 10769
الشرطُ الرابعُ: أنْ يَكونُ مَسموعًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في اللَّفظِ أنْ يَكونَ مَسموعًا؟ أم يَكفي تَحريكُ اللِّسانِ بالاستِثناءِ؟
للحَنفيةِ قَولانِ في المَسألةِ: أحَدُهما: أنه شَرطٌ أنْ يَكونَ مَسموعًا، فلَو حرَّكَ لسانَه بهِ دونَ سَماعٍ لم يَصحَّ، وهذا عندَ الهِندُوانِيِّ، ورجَّحَه الكاسانِيُّ وصاحبُ «الدُّر».
والثاني -وهوَ اختيارُ الكَرخيِّ-: لا يُشترطُ، وهو الصَّحيحُ، فلو حرَّكَ لِسانَه بالاستثناءِ صحَّ وإنْ لم يَكنْ مَسموعًا.
قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرْقَنديُّ ﵀: ولَو حرَّكَ لِسانَه بالاستثناءِ وأتَى بحُروفِه على الوَجهِ لكنَّه لَم يسمعْ يَكونُ استثناءً؛ لأنَّ هذا كَلامٌ وليسَ الشَّرطُ هو السَّماعُ، ألَا تَرَى أنَّ الأصَمَّ يَصحُّ استثناؤُه وإنْ لم يَسمعْ هو (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: فأمَّا السَّماعُ فليسَ بشَرطٍ؛ لكَونِه كَلامًا، فإنَّ الأصَمَّ يَصحُّ استِثناؤُه وإنْ كانَ لا يَسمعُ، والصَّحيحُ ما ذكَرَه الفَقيهُ أبو جَعفرٍ؛ لأنَّ الحُروفَ المَنظومةَ -وإنْ كانَتْ كَلامًا عندَ الكَرخيِّ وعندَنا- هِي دَلالةٌ عَلى الكَلامِ وعِبارةُ عنهُ، لا نَفْس الكَلامِ في الغائبِ والشاهِدِ جَميعًا، فلم تُوجَدِ الحُروفُ المَنظومةُ ههُنا؛ لأنَّ الحُروفَ لا تَتحقَّقُ بدُونِ الصَّوتِ، فالحُروفُ المَنظومةُ لا تَتحقَّقُ بدُونِ الأصواتِ المُتقطِّعةِ بتَقطيعٍ
стр. 10770
خاصٍّ، فإذا لم يُوجَدِ الصَّوتُ لم تُوجَدِ الحُروفِ، فلم يُوجَدِ الكَلامُ عندَه ولا دَلالةُ الكَلامِ عندَنا، فلم يَكنِ استِثناءً، واللهُ المُوفِّقُ (١).
وقالَ في «الدُّر المُختار»: (مَسموعًا) بحَيثُ لو قَرَّبَ شَخصٌ أُذنَه إلى فيهِ يَسمعُ، فصَحَّ استِثناءُ الأصَمِّ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: (قَولُه: مَسموعًا) هذا عندَ الهِندوانِيِّ، وهو الصَّحيحُ كما في «البَدائع»، وعندَ الكَرخيِّ ليسَ بشَرطٍ، (قَوله: بحَيثُ إلَخ) أشارَ به إلى أنَّ المُرادَ بالمَسموعِ ما شَأنُه أنْ يُسمَعَ وإنْ لم يَسمعْه المُنشِئُ لكَثرةِ أصواتٍ مَثلًا (٢).
وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ النُّطقُ بالاستِثناءِ بحَركةِ اللِّسانِ، ولا يُشترطُ سَماعُ نَفسِه، بل يَكفي سِرًّا بحَركةِ لِسانٍ، بأنْ يُحرِّكَ شَفتَيه وإنْ لم يُسمِعْ نَفسَه، ولا يُشترطُ الجَهرُ به، أمَّا إنْ أجراهُ على قَلبِه بلا نُطقٍ فلا يُفيدُه (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ أنْ يَتلفَّظَ بالاستثناءِ بحَيثُ يُسمِعُ نفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا فلا يُقبَلُ.
стр. 10771
قالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيثميُّ ﵀: ويُشترطُ أنْ يَتلفَّظَ به بحَيثُ يُسمِعُ نَفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا لم يُقبَلْ.
وقالَ الشَّروانِيُّ: قولُه: (وأنْ يَتلفَّظَ به إلخ)، قالَ في «الأنوَار»: الخامِسُ مِنْ شُروطِ الاستِثناءِ: أنْ يُسمِعَ غيرَه، وإلا فالقَولُ قولُها في نَفيِه، وحُكِمَ بالوُقوعِ إذا حلَفَتْ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وهل يُشترطُ أنْ يُسمِعَ نَفسَه؟ أو يَكفي تَحرُّكُ لِسانِه بالاستثناءِ وإنْ كانَ بحَيثُ لا يَسمعُه؟ فاشتَرطَ أصحابُ أحمدَ وغيرُهم أنه لا بُدَّ وأنْ يكونَ بحَيثُ يَسمعُه هو أو غيرُه، ولا دَليلَ على هذا مِنْ لُغةٍ ولا عُرفٍ ولا شَرعٍ، وليسَ في المَسألةِ إجماعٌ.
قالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ -واللَّفظُ لصَاحبِ «الذَّخيرة»: وشَرطُ الاستثناءِ أنْ يَتكلَّمَ بالحُروفِ، سَواءٌ كانَ مَسموعًا أو لم يَكنْ عندَ الشيخِ أبي الحسَنِ الكَرخِيِّ، وكانَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ يَقولُ: لا بُدَّ وأنْ يُسمِعَ نَفسَه، وبه كانَ يُفتِي الشيخُ أبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ الفَضلِ.
وكانَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ يَميلُ إلى هذا القَولِ، وباللهِ التَّوفيقُ، وهذا بعضُ ما يَتعلَّقَ بمَخرجِ الاستِثناءِ، ولعلَّكَ لا تَظفَرُ به في غيرِ هذا الكِتابِ (٢).
стр. 10772
الشرطُ الخامِسُ: عَدمُ استِغراقِ المُستثنَى للمُستثنَى منهُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا» لم يَصحَّ؛ لأنهُ رُجوعٌ وإلغاءٌ وليسَ باستِثناءٍ، وتكونُ طالقًا ثلاثًا بالإجماعِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا» أنها تَطلُقُ ثلاثًا (١).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإنما يَكونُ الاستثناءُ جائِزًا إذا بَقيَ ممَّا سمَّى شيءٌ يَقعُ بهِ شيءٌ ممَّا أوقَعَ، فأمَّا إذا لم يُبْقِ ممَّا سمَّى شيئًا ممَّا استَثنَى فلا يَجوزُ الاستِثناءُ، والاستثناءُ حِينئذٍ مُحالٌ (٢).
стр. 10773
النَّوعُ الثالثُ: الطَّلاقُ الرَّجعيُّ والطَّلاقُ البائنُ:
الطلاقُ إمَّا رَجعِيٌّ وإمَّا بائِنٌ، والبائِنُ يَنقسمُ إلى نَوعينِ: بائِنٌ بَينونةً صُغرَى، وبائِنٌ بَينونةً كُبرَى.
والطلاقُ الرَّجعيُّ: هو ما يَجوزُ للزوجِ فيه رَدُّ زوْجتِه في عدَّتِها مِنْ غيرِ استِئنافِ عَقدٍ جَديدٍ ويَحِلُّ له وَطؤُها في العدَّةِ، فإذا طلَّقَ الزوجُ زوْجَتُه طَلاقًا رَجعيَّا واحدةً أو اثنتَينِ حَلَّ لهُ العَودُ إليها في العدَّةِ بالرَّجعةِ دُونَ عَقدٍ جَديدٍ.
وإذا طلَّقَ زَوجتَهُ طَلاقًا رَجعيًّا طَلقةً أو طَلقتَينِ ثمَّ انتَهتْ عدَّتُها جازَ لهُ أنْ يَرجعَ إليها قبلَ أنْ تَتزوَّجَ بزَوجٍ آخَرَ بالإجماعِ، لكنْ لا بُدَّ مِنْ عَقدٍ جَديدٍ، وهذا يُسمَّى البَينونَة الصُّغرَى.
والبَينونةُ الكُبرَى: هو الطلاقُ المُحرِّمُ للوَطءِ ودَواعِيه، وهو إذا طلَّقَ زوْجتَه ثلاثًا فلا يَحِلُّ له العَودةُ إليها حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها وتَتزوَّجَ مِنْ غيرِه ويَدخلَ بها، ثمَّ يُطلِّقُها الثاني أو يَموتُ عنها وتَنقضي عدَّتُها، فإنْ حصَلَ ذلكَ حَلَّ له العَودُ إليها بعَقدٍ جَديدٍ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وكذا إذا طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ يَكونُ الطلاقُ بائِنًا.
وكذا إذا طلَّقَها على مالٍ، وهو الخُلعُ عندَ الجُمهورِ.
стр. 10774
فالطلاقُ الأصلُ فيه أنْ يَكونَ رَجعيَّا دائمًا، إلا في ثَلاثةِ أحوالٍ:
١ - إذا طلَّقَها ثَلاثًا.
٢ - إذا طلَّقَها على مَالٍ.
٣ - إذا طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ.
فالبَينونةُ نَوعانِ:
قالَ الحَنفيةُ: البَينونةُ نَوعانٍ: غَليظةُ وخَفيفةٌ، فالخَفيفةُ: هيَ التي تَحلُّ له المَرأةُ بعدَ بَينونتِها بنِكاحٍ جَديدٍ بدُونِ التزوُّجِ بزَوجٍ آخَرَ.
والغَليظةُ: ما لا تَحلُّ له إلا بنِكاحٍ جَديدٍ بعدَ التزوُّجِ بزَوجٍ آخَرَ (١).
وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: البَينونةُ نَوعانٍ:
البَينونةُ الكُبْرَى: وهي إيقاعُ البَينونةِ الحاصِلةِ بإيقاعِ الطلاقِ الثلاثِ الذي تَحرمُ به المَرأةُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَه.
و البَينونةُ الصُّغرَى: وهي التي تَبِينُ بها المَرأةُ وله أنْ يَتزوَّجَها بعَقدٍ جَديدٍ في العدَّةِ وبعدَها (٢).
وهذا في المَدخولِ بها، وكذا في غيرِ المَدخولِ بها عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ إذا قالَ لها زَوجُها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» بلَفظٍ واحدٍ، أو يَقولُ: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» ونوَى الثلاثَ، فإنها لا تَحِلُّ له حتَّى تَنكحَ
стр. 10775
زَوجًا غيرَه، وهي بَينونةٌ كُبْرَى في حقِّها، قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا قالَ الزوجُ لغيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» طَلُقتْ ثلاثًا (١).
وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتفصيلِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَه ولم يَدخلْ بها تَطليقةً أنها قد بانَتْ منه، فلا تَحلُّ له إلا بنكاحٍ جَديدٍ، ولا عدَّةَ لهُ عليها.
واختَلفوا في الرَّجلِ يُطلِّقُ غيرَ المَدخولِ بها ثلاثًا بلَفظةٍ واحِدةٍ.
فقالتْ طائِفةٌ: لا تَحلُّ له حتى تَنكحَ زَوجًا غيرَه، كذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ وأبو هُريرةَ وعبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وأنسُ بنُ مالِكٍ وابنُ مَسعودٍ.
وبه قالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وابنُ سِيرينَ وابنُ مَعقلٍ وعِكرمةُ والنخَعيُّ والشعبيُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والحكَمُ ومالكٌ وابنُ أبي ليلَى والثوريُّ والأوزاعِيُّ والشافعيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ.
ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ وزَيدٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: وبهِ نَقولُ.
وكانَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ وطاووسٌ وأبو الشعثاءِ وعطاءٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ يَقولونَ: مَنْ طلَّقَ البكرَ ثلاثًا فهي واحدةٌ.
стр. 10776
واختَلفَتِ الأخبارُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فروَى طاووسٌ عنه أنه قالَ: «كانَ الطلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ وسَنتينِ مِنْ خِلافةِ عُمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةٌ».
ورَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومُجاهدٌ وعطاءٌ ومالكُ بنُ الحارثِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ خِلافَ روايةِ طاووسٍ عنه (١).
وإذا قالَ لزَوجتِه غيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، أو: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ» ولم يَنوِ بالأُولى الثلاثَ تَقعُ واحدةٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وبانَتِ بها ولا يَلحقُها ما بعدَها؛ لأنه قد فرَّقَ فوقَعَ بالأُولى طَلقةٌ وبانَتْ بها، ولم يقَعْ ما بعْدَها؛ لأنها بانَتْ بها، ولا عدَّةَ عليها؛ لأنها غيرُ مَدخولٍ بها، ولم تَقعِ الثانيةُ ولا الثالثةُ؛ لأنه لا يَبقَى لوُقوعِها مَحلٌّ، فيَلغو كِلاهُما، ويَجوزُ له أنْ يَعقدَ عليها عَقدًا جَديدًا.
وخالَفَ قَولَه: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا»؛ لأنهنَّ وقَعْنَ معًا باللفظِ الأولِ مِنْ غيرِ تَرتِيبٍ (٢).
стр. 10777
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» بألفاظٍ مُتناسِقةٍ طَلُقتْ ثلاثًا؛ لأنَّ كلَّ زَوجٍ ملَكَ إيقاعَ الطلاقِ ثلاثًا عليها بلَفظٍ واحِدٍ صحَّ أنْ يُوقِعَه بثلاثةِ ألفاظٍ مُتناسِقةٍ كالمَدخولِ بها (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا إذا قالَ لغَيرِ المَدخولِ بها: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» نَسقًا فإنه يَكونُ ثَلاثًا عندَ مالكٍ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ: يَقعُ واحدةٌ، فمَن شبَّهَ تَكرارَ اللفظِ بلَفظِه بالعَددِ -أعني بقَولِه: «طلَّقتُكِ ثلاثًا» - قالَ: يَقعُ الطلاقُ ثلاثًا، ومَن رَأى أنه باللَّفظةِ الواحِدةِ قَدْ بانَتْ مِنه قالَ: لا يقَعُ عليها الثاني والثالثُ (٢).
وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتفصيلِ.
المرأةُ إذا عَلِمَتْ أنها طلقَتْ ثَلاثًا وأنكَرَ الزَّوجُ لا تُمَكِّنُه مِنْ نَفسِها:
الزوجُ إذا طلَّقَ زَوجتَه ثلاثًا وتيقَّنَتِ المَرأةُ مِنْ ذلكَ فلا يَحلُّ لها باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ أنْ تُمكِّنَه مِنْ نَفسِها.
قالَ الحَنفيةُ: مَنْ طلَّقَ امرَأتَه ثلاثًا ثمَّ قصَدَها فإنها تَرُدُّه عن نَفسِها ولها أنْ تَقتلَه.
وإذا شَهدَ شاهِدانِ عَدلانِ أنْ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا وهو يَجحدُ ذلك ثمَّ
стр. 10778
ماتَا أو غابَا قبلَ أنْ يَشهدَا عندَ القاضي لم يَسَعْها أنْ تُقِيمَ معه وأنْ تدَعَه يَقربُها، فإنْ حلَفَ الزوجُ على ذلك والشُّهودُ قد ماتوا فرَدَّها القاضي عليه لا يَسَعُها المقَامُ معه، ويَنبغي لها أنْ تَفتديَ بمالِها أو تَهربَ منه، وإنْ لم تَقدرْ على ذلك قتَلَتْه متى عَلِمتْ أنه يَقربُها، ولا تُمكِّنُه مِنْ نَفسِها بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ؛ لأنه تَمكينٌ مِنْ الزِّنى، وكانَ إسماعيلُ الزاهِدُ ﵀ يَقولُ: تَسقيهِ ما تَنكسرُ به شَهوتُه، فإنْ لم تَقدرْ على ذلكَ قتَلَتْه إذا قصَدَها؛ لأنه لو قصَدَ أخْذَ مالِها كانَ لها أنْ تَقتلَه دَفعًا عن مالِها، فإذا قصَدَ الزِّنى بها أَولى أنْ يكونَ لها أنْ تَقتلَه دَفعًا عن نَفسِها، لكنْ يَنبغي أنْ تَقتلَه بالدَّواءِ لا بالآلةِ، فإنْ قتَلَتْه بالآلةِ يَجبُ القِصاصُ، وليسَ لها أنْ تَقتلَ نَفسَها.
وإذا هرَبَتْ منه لم يَسَعْها أنْ تَعتدَّ وتَتزوَّجَ بزَوجٍ آخَرَ في الحُكمِ، فأمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالَى إذا هرَبَتْ فلها أنْ تَعتدَّ وتَتزوَّجَ بزوجٍ آخَرَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للمُطلَّقةِ أنْ تُمكِّنَه مِنْ نَفسِها إنْ عَلِمتْ بَينونتَها منه ولا بيَّنةَ لها تُقيمُها عندَ حاكمٍ أو جَماعةِ المُسلمينَ ليُفرِّقُوا بينَهما.
ويَحرمُ عليها الزِّينةُ إلا إذا كانَتْ مُكرَهةً، والإكرَاهُ بخَوفِ مُؤلمٍ مِنْ ضَربٍ أو سِجنٍ أو قَتلٍ أو أخذِ مالٍ، وتَخلَّصتْ منه وُجوبًا بما أمكَنَ مِنْ فِداءٍ أو هُروبٍ لتَتخلَّصَ مِنْ الزِّنا، فإنْ طلَبَ منها الجِماعَ فإنه يَجبُ عليها
стр. 10779
أنْ لا تُطيعَه ولا تُمكِّنَه، إلا إذا أكرَههَا بالقَتلِ فيَجوزُ؛ لأنه مِنْ بابِ الإكراهِ على الزِّنا.
وهل يَجوزُ لها أنْ تَقتلَه عندَ طَلبِه ذلك منها؟ أو لا يَجوزُ لها ذلكَ؟ فيه خِلافٌ، وظاهِرُ القولِ بجَوازِ قَتلِه، سَواءٌ كانَ مُحصَنًا أم لا، وهو ظاهِرٌ؛ لشَبَهِه بالصَّائلِ حَيثُ عُلِمَ أنه لا يَندفعُ إلا بالقَتلِ، فإنْ كانَ يَندفعُ بغيرِ القتلِ كالضربِ أو غيرِه فلا يَجوزُ اتِّفاقًا.
قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الصَّوابُ أنها إنْ أَمِنتْ مِنْ قَتلِ نفسِها إنْ قتَلَتْه أو حاولَتْ قتْلَه ولم تَقدرْ على دَفعِه إلا بقَتلِه وجَبَ عليها قَتلُه؛ لإباحتِه، وإنْ لم تَأمَنْ مِنْ قَتلِ نَفسِها في مُدافَعتِها بالقَتلِ أو بعدَ قَتلِه فهي في سَعةٍ، وكذا مَنْ رَأى فاسقًا يُحاوِلُ فِعلَ ذلكَ بغيرِه (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فصلٌ: وأمَّا زَوجةُ المَدِينِ في طَلاقِه إذا أُلزِمَ الطلاقَ في الظاهِرِ دونَ الباطِنِ فلا يَخلو حالُها مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ:
إمَّا أنْ تَعلمَ صِدقَه فيما دِينَ فيه، فيَسعُها فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالى أنْ تُقيمَ معه وتُمكِّنَه مِنْ نفسِها، ولا يُكرَهُ لها، ويَجبُ على الزوجِ نفَقتُها، ويَحرمُ عليها النُّشوزُ عنه، فإنْ نَشَزتْ لم يُجبِرْها الحاكِمُ وإنْ أَثِمتْ؛ لوُقوعِ طلاقِه في الظاهِرِ، واختَلفَ أصحابُنا في الحاكمِ إذا رَآهُما على الاجتماعِ، هل يَلزمُه التفرِقةُ بينَهما أم لا؟ على وَجهينِ:
стр. 10780
أحَدُهما: يَلزمُه بحُكمِ الظاهِرِ الفُرقةُ.
والوجهُ الثاني: لا يَلزمُه؛ لأنَّ ما هُما عليه مِنْ الاجتماعِ يَجوزُ إباحتُه في الشرعِ، فلو فرَّقَ الحاكمُ بينَهُما ففي تَحريمِها عليهِ في الباطِن وَجهانِ مِنْ اختلافِ الوَجهينِ في وُجوبِ حُكمِه بالفُرقةِ.
والقِسمُ الثاني: أنْ تَعلمَ الزوجةُ كَذِبَه فيما دِينَ فيه، فعليها الهَربُ منه، ولا يسَعُها في حُكمِ الظاهِرِ والباطنِ أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها وإنْ جوَّزْنا للزوجِ أنْ يَستمتعَ بها، وإنْ سألَتِ الحاكِمَ أنْ يَحكمَ بينَهُما بالفُرقةِ لَزمَه الحُكمُ بها، ويَجوزُ لها بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ أنْ تَتزوَّجَ بغيرِه، ويَجوزُ لمَن خطَبَتْه أنْ يَتزوَّجَها إنْ لم يُصدِّقِ الزوجَ فيما دِينَ فيه، فإنْ عَلِمَ صِدقَه لم يَجُزْ أنْ يَتزوَّجَها إنْ لم يَحكمِ الحاكِمُ بينَهما بالفُرقةِ، وفي جَوازِ تَزويجِه بها بعدَ الحُكمِ بالفُرقةِ وَجهانِ.
والقِسمُ الثالثُ: أنْ لا تَعلمَ الزوجةُ صِدقَه فيما دِينَ فيهِ ولا كَذِبَه، فيُكرَهُ لها تَمكينُه مِنْ نفسِها؛ لجَوازِ كَذبِه، وفي تَحريمِه فيما بينَهَا وبينَ اللهِ تعالَى وجهانِ:
أحَدُهما: لا يَحرمُ عليها في الباطنِ؛ تَغليبًا لبَقاءِ النكاحِ، فعَلى هذا تَكونُ في حُكمِ القِسمِ الأولِ.
والثاني: يَحرمُ عليها في الباطِنِ؛ تَغليبًا لوُقوعِ الطلاقِ في الظاهرِ، فعَلى هذا يَكونُ في حُكمِ القِسمِ الثاني، فلو ادَّعَى عليها تَصديقَه فيما دِينَ فيه وأنكَرَتْه
стр. 10781
ففي وُجوبِ إحلافِها عليهِ وَجهانِ؛ بناءً على ما مَضَى، واللهُ أعلَمُ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فصلٌ: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أنْ زوْجَها طلَّقَها فأنكَرَها فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النكاحِ وعَدمُ الطلاقِ، إلَّا أنْ يَكونَ لها بما ادَّعَتْه بيِّنةٌ، ولا يُقبَلُ فيه إلا عَدلانِ، ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ عن أحمَدَ أنه سُئلَ: أَتجوزُ شَهادةُ رَجلٍ وامرَأتَينِ في الطلاقِ؟ قالَ: لا واللهِ، إنَّما كانَ كذلكَ؛ لأنَّ الطلاقَ ليسَ بمالٍ ولا المَقصودُ منه المالُ، ويَطَّلعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحوالِ، فلم يُقبَلْ فيهِ إلا عَدلانِ كالحُدودِ والقِصاصِ، فإنْ لم تَكنْ بيِّنةٌ فهل يُستحلَفُ؟ فيه رِوايتانِ، نقَلَ أبو الخطَّابِ أنه يُستحلَفُ، وهو الصَّحيحُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «ولكنَّ اليَمينَ على المُدَّعى عليه»، وقَولِه: «اليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، ولأنه يَصحُّ مِنْ الزوجِ بَذلُه، فيُستحلَفُ فيهِ كالمَهرِ.
ونقَلَ أبو طالِبٍ عنه: لا يُستحلَفُ في الطلاقِ والنكاحِ؛ لأنه لا يُقضَى فيهِ بالنُّكولِ، فلا يُستحلَفُ فيه، كالنكاحِ إذا ادَّعَى زَوجِيَّتها فأنكَرَتْه، وإنِ اختَلفَا في عَددِ الطلاقِ فالقَولُ قولُه؛ لِمَا ذكَرْناه.
فإذا طلَّقَ ثلاثًا وسَمِعتْ ذلكَ وأنكَرَ أو ثبَتَ ذلكَ عندَها بقَولِ عَدلَينِ لم يَحِلَّ لها تَمكينُه مِنْ نفسِها، وعليها أنْ تَفِرَّ منه ما استطاعَتْ، وتَمتنعَ منه إذا أرادَها، وتَفتديَ منه إنْ قدَرَتْ.
قالَ أحمَدُ: لا يسَعُها أنْ تُقيمَ معه، وقالَ أيضًا: تَفتدِي منه بما تَقدِرُ
стр. 10782
عليه، فإنْ أُجبِرتْ على ذلك فلا تَزيَّنُ له ولا تَقربُه وتَهربُ إنْ قدَرَتْ، وإنْ شَهدَ عندَها عَدلانِ غيرُ مُتَّهمَينِ فلا تُقيمُ معه، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ.
قالَ جابرُ بنُ زَيدٍ وحمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ وابنُ سِيرينَ: تَفِرُّ منه ما استطاعَتْ، وتَفتدي منه بكُلِّ ما يُمكِنُ، وقالَ الثوريُّ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ وأبو عُبيدٍ: تَفِرُّ منه، وقالَ مالكٌ: لا تَتزيَّنُ له ولا تُبدِي لهُ شيئًا مِنْ شَعرِها ولا عَرِيَّتها ولا يُصيبُها إلا وهي مُكرَهةٌ.
والصَّحيحُ ما قالَه الأوَّلونَ؛ لأنَّ هذه تَعلمُ أنها أجنبيَّةٌ منه مُحرَّمةٌ عليه، فوجَبَ عليها الامتِناعُ والفِرارُ منه كسائِرِ الأجنبيَّاتِ، وهكذا لو ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ كَذبًا وأقامَ بذلكَ شاهِدَي زُورٍ فحكَمَ له الحاكمُ بالزوجيةِ، ولو تَزوَّجَها تَزويجًا باطلًا وسُلِّمتْ إليه بذلك فالحُكمُ في هذا كلِّه كالحُكمِ في المُطلَّقةِ ثلاثًا.
فصلٌ: ولو طلَّقَها ثلاثًا ثمَّ جحَدَ طلاقَها لم تَرِثْه؛ نصَّ عليه أحمدُ، وبه قالَ قَتادةُ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والشافِعيُّ وابنُ المُنذِرِ، وقالَ الحسَنُ: تَرِثُه؛ لأنها في حُكمِ الزوجاتِ ظاهِرًا.
ولنا: إنها تَعلمُ أنها أجنبيَّةٌ، فلم تَرِثْه كسائرِ الأجنبيَّاتِ.
وقالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: تَهربُ منه ولا تَتزوَّجُ حتى يُظهِرَ طلاقَها وتَعلمَ ذلك يَجيءُ فيَدَّعِيها فتُرَدُّ عليه وتُعاقَبُ، وإنْ ماتَ ولم يُقِرَّ بطلاقِها لا تَرثُه، لا تأخُذ ما ليسَ لها، تَفِرُّ منهُ، ولا تَخرجُ مِنْ البَلدِ، ولكنْ تَختفي في بَلدِها.
стр. 10783
قيلَ له: فإنَّ بعضَ النَّاسِ قالَ: «تَقتلُه، هي بمَنزلةِ مَنْ يُدافِعُ عن نَفسِه» فلم يُعجِبْه ذلكَ، فمنَعَها مِنْ التزويجِ قبلَ ثُبوتِ طَلاقِها؛ لأنها في ظاهِرِ الحُكمِ زَوجةُ هذا المُطلِّقِ، فإذا تَزوَّجتْ غيرَه وجَبَ عليها في ظاهِرِ الشرعِ العُقوبةُ والرَّدُّ إلى الأولِ، ويَجتمعُ عليها زَوجانِ؛ هذا بظاهرِ الأمرِ وذاكَ بباطنِه، ولم يأذَنْ لها في الخُروجِ مِنْ البَلدِ؛ لأنَّ ذلكَ يُقوِّي التُّهمةَ في نُشوزِها، ولأنَّ في قَتلِه قَصدًا؛ لأنَّ الدَّافعَ عَنْ نفسِه لا يَقتلُ قَصدًا، فأمَّا إنْ قصَدَتِ الدَّفعَ عن نفسِها فآلَ إلى نفسِه فلا إثْمَ عليها ولا ضَمانَ في الباطِنِ، فأمَّا في الظاهرِ فإنها تُؤخَذُ بحُكمِ القَتلِ ما لم يَثبتْ صِدقُها.
فصلٌ: قالَ أحمَدُ: إذا طلَّقَها ثَلاثًا فشَهِدَ عليه أربَعةٌ أنه وَطئَها أُقيمَ عليه الحَدُّ، إنما أوجَبَه لأنها صارَتْ بالطلاقِ أجنبيَّةً، فهي كسائِرِ الأجنبيَّاتِ، بل هي أشَدُّ تَحريمًا؛ لأنها مُحرَّمةٌ وطئًا ونكاحًا، فإنْ جحَدَ طَلاقَها ووَطئَها ثمَّ قامَتِ البيِّنةُ بطَلاقِه فلا حَدَّ عليه، وبهذا قالَ الشعبيُّ ومالكٌ وأهلُ الحِجازِ والثوريُّ والأوزاعيُّ ورَبيعةُ والشافعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ؛ لأنَّ جحْدَه لطَلاقِه يُوهِمُنا أنه نَسِيَه، وذلكَ شُبهةٌ في دَرءِ الحَدِّ عنه، ولا سَبيلَ لنا إلى عِلمِ مَعرفتِه بالطلاقِ حالةَ وَطئِه إلا بإقرارِه بذلك، فإنْ قالَ: «وَطئْتُها عالِمًا بأنني كنتُ طَلَّقتُها ثلاثًا» كانَ إقرارًا منه بالزِّنا، فيُعتبَرُ فيه ما يُعتبَرُ في الإقرارِ بالزنا (١).
стр. 10784
كتاب الرجعة
تَعريفُ الرَّجعةِ:
الرَّجعَةُ لُغةً: هيَ مَصدرُ رَجَعَه يُرْجِعُه رَجْعًا ورَجْعَةً: إذا أعادَهُ ورَدَّه، يُقالُ: رَجَعْتَ الأمرَ إلى أوائِلِه: إذا رَددْتَه إلى ابتِدائِه، قالَ الشاعرُ:
عَسَى الأيَّامُ أنْ يُرجِعْ … نَ قَومًا كالذي كانُوا
وهي في اللُّغةِ: المرَّةُ مِنْ الرُّجوعِ (١).
وفي الشرعِ تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الرَّجعةِ، وإنْ كانَتْ كلُّها تَدورُ حَولَ إرجاعِ الزوجِ زَوجتَهُ التي طلَّقَها طَلاقًا غيرَ بائنٍ مرَّةً أو مَرَّتينِ إلى عِصمتِه في أثناءِ عدَّتها بدونِ عَقدٍ جَديدٍ وبغَيرِ رضاها.
стр. 10785
فقالَ الحَنفيةُ: عِبارةٌ عَنِ ارتجاعِ المُطلِّقِ مُطلَّقتَه على حُكمِ النكاحِ الأولِ (١).
وقيلَ: استِدامةُ مِلكِ النكاحِ القائمِ في العدَّةِ ومَنعُه مِنْ الزَّوالِ (٢).
وقيلَ: ردُّ الزوجةِ إلى زَوجِها وإعادتُها إلى الحالةِ التي كانَتْ عليها (٣).
وقيلَ: ردُّ زَوجٍ يَصحُّ طَلاقُه مُطلَّقتَه بعدَ الدُّخولِ في بقيَّةِ عدَّةِ طَلاقِه بلا عِوضٍ ولا استيفاءِ عَددٍ إلى نِكاحِه (٤).
وعرَّفَ فُقهاءُ المالِكيةِ الرَّجعةَ بأنها: عَودُ الزوجةِ المُطلَّقةِ طلاقًا غيرَ بائنٍ بخُلعٍ أو بَتٍّ أو بكَونِه قبلَ الدُّخولِ للعِصمةِ مِنْ غيرِ تَجديدِ عَقدٍ (٥).
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الرَّجعةُ: رَفعُ الزوجِ أو الحاكمِ حُرمةَ المُتعةِ بالزوجةِ لطَلاقِها، فتَخرجُ المُراجعةُ (٦).