← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

ففي وُجوبِ إحلافِها عليهِ وَجهانِ؛ بناءً على ما مَضَى، واللهُ أعلَمُ (١). وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فصلٌ: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أنْ زوْجَها طلَّقَها فأنكَرَها فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النكاحِ وعَدمُ الطلاقِ، إلَّا أنْ يَكونَ لها بما ادَّعَتْه بيِّنةٌ، ولا يُقبَلُ فيه إلا عَدلانِ، ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ عن أحمَدَ أنه سُئلَ: أَتجوزُ شَهادةُ رَجلٍ وامرَأتَينِ في الطلاقِ؟ قالَ: لا واللهِ، إنَّما كانَ كذلكَ؛ لأنَّ الطلاقَ ليسَ بمالٍ ولا المَقصودُ منه المالُ، ويَطَّلعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحوالِ، فلم يُقبَلْ فيهِ إلا عَدلانِ كالحُدودِ والقِصاصِ، فإنْ لم تَكنْ بيِّنةٌ فهل يُستحلَفُ؟ فيه رِوايتانِ، نقَلَ أبو الخطَّابِ أنه يُستحلَفُ، وهو الصَّحيحُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «ولكنَّ اليَمينَ على المُدَّعى عليه»، وقَولِه: «اليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، ولأنه يَصحُّ مِنْ الزوجِ بَذلُه، فيُستحلَفُ فيهِ كالمَهرِ. ونقَلَ أبو طالِبٍ عنه: لا يُستحلَفُ في الطلاقِ والنكاحِ؛ لأنه لا يُقضَى فيهِ بالنُّكولِ، فلا يُستحلَفُ فيه، كالنكاحِ إذا ادَّعَى زَوجِيَّتها فأنكَرَتْه، وإنِ اختَلفَا في عَددِ الطلاقِ فالقَولُ قولُه؛ لِمَا ذكَرْناه. فإذا طلَّقَ ثلاثًا وسَمِعتْ ذلكَ وأنكَرَ أو ثبَتَ ذلكَ عندَها بقَولِ عَدلَينِ لم يَحِلَّ لها تَمكينُه مِنْ نفسِها، وعليها أنْ تَفِرَّ منه ما استطاعَتْ، وتَمتنعَ منه إذا أرادَها، وتَفتديَ منه إنْ قدَرَتْ. قالَ أحمَدُ: لا يسَعُها أنْ تُقيمَ معه، وقالَ أيضًا: تَفتدِي منه بما تَقدِرُ

стр. 10782

عليه، فإنْ أُجبِرتْ على ذلك فلا تَزيَّنُ له ولا تَقربُه وتَهربُ إنْ قدَرَتْ، وإنْ شَهدَ عندَها عَدلانِ غيرُ مُتَّهمَينِ فلا تُقيمُ معه، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ. قالَ جابرُ بنُ زَيدٍ وحمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ وابنُ سِيرينَ: تَفِرُّ منه ما استطاعَتْ، وتَفتدي منه بكُلِّ ما يُمكِنُ، وقالَ الثوريُّ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ وأبو عُبيدٍ: تَفِرُّ منه، وقالَ مالكٌ: لا تَتزيَّنُ له ولا تُبدِي لهُ شيئًا مِنْ شَعرِها ولا عَرِيَّتها ولا يُصيبُها إلا وهي مُكرَهةٌ. والصَّحيحُ ما قالَه الأوَّلونَ؛ لأنَّ هذه تَعلمُ أنها أجنبيَّةٌ منه مُحرَّمةٌ عليه، فوجَبَ عليها الامتِناعُ والفِرارُ منه كسائِرِ الأجنبيَّاتِ، وهكذا لو ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ كَذبًا وأقامَ بذلكَ شاهِدَي زُورٍ فحكَمَ له الحاكمُ بالزوجيةِ، ولو تَزوَّجَها تَزويجًا باطلًا وسُلِّمتْ إليه بذلك فالحُكمُ في هذا كلِّه كالحُكمِ في المُطلَّقةِ ثلاثًا. فصلٌ: ولو طلَّقَها ثلاثًا ثمَّ جحَدَ طلاقَها لم تَرِثْه؛ نصَّ عليه أحمدُ، وبه قالَ قَتادةُ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والشافِعيُّ وابنُ المُنذِرِ، وقالَ الحسَنُ: تَرِثُه؛ لأنها في حُكمِ الزوجاتِ ظاهِرًا. ولنا: إنها تَعلمُ أنها أجنبيَّةٌ، فلم تَرِثْه كسائرِ الأجنبيَّاتِ. وقالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: تَهربُ منه ولا تَتزوَّجُ حتى يُظهِرَ طلاقَها وتَعلمَ ذلك يَجيءُ فيَدَّعِيها فتُرَدُّ عليه وتُعاقَبُ، وإنْ ماتَ ولم يُقِرَّ بطلاقِها لا تَرثُه، لا تأخُذ ما ليسَ لها، تَفِرُّ منهُ، ولا تَخرجُ مِنْ البَلدِ، ولكنْ تَختفي في بَلدِها.

стр. 10783

قيلَ له: فإنَّ بعضَ النَّاسِ قالَ: «تَقتلُه، هي بمَنزلةِ مَنْ يُدافِعُ عن نَفسِه» فلم يُعجِبْه ذلكَ، فمنَعَها مِنْ التزويجِ قبلَ ثُبوتِ طَلاقِها؛ لأنها في ظاهِرِ الحُكمِ زَوجةُ هذا المُطلِّقِ، فإذا تَزوَّجتْ غيرَه وجَبَ عليها في ظاهِرِ الشرعِ العُقوبةُ والرَّدُّ إلى الأولِ، ويَجتمعُ عليها زَوجانِ؛ هذا بظاهرِ الأمرِ وذاكَ بباطنِه، ولم يأذَنْ لها في الخُروجِ مِنْ البَلدِ؛ لأنَّ ذلكَ يُقوِّي التُّهمةَ في نُشوزِها، ولأنَّ في قَتلِه قَصدًا؛ لأنَّ الدَّافعَ عَنْ نفسِه لا يَقتلُ قَصدًا، فأمَّا إنْ قصَدَتِ الدَّفعَ عن نفسِها فآلَ إلى نفسِه فلا إثْمَ عليها ولا ضَمانَ في الباطِنِ، فأمَّا في الظاهرِ فإنها تُؤخَذُ بحُكمِ القَتلِ ما لم يَثبتْ صِدقُها. فصلٌ: قالَ أحمَدُ: إذا طلَّقَها ثَلاثًا فشَهِدَ عليه أربَعةٌ أنه وَطئَها أُقيمَ عليه الحَدُّ، إنما أوجَبَه لأنها صارَتْ بالطلاقِ أجنبيَّةً، فهي كسائِرِ الأجنبيَّاتِ، بل هي أشَدُّ تَحريمًا؛ لأنها مُحرَّمةٌ وطئًا ونكاحًا، فإنْ جحَدَ طَلاقَها ووَطئَها ثمَّ قامَتِ البيِّنةُ بطَلاقِه فلا حَدَّ عليه، وبهذا قالَ الشعبيُّ ومالكٌ وأهلُ الحِجازِ والثوريُّ والأوزاعيُّ ورَبيعةُ والشافعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ؛ لأنَّ جحْدَه لطَلاقِه يُوهِمُنا أنه نَسِيَه، وذلكَ شُبهةٌ في دَرءِ الحَدِّ عنه، ولا سَبيلَ لنا إلى عِلمِ مَعرفتِه بالطلاقِ حالةَ وَطئِه إلا بإقرارِه بذلك، فإنْ قالَ: «وَطئْتُها عالِمًا بأنني كنتُ طَلَّقتُها ثلاثًا» كانَ إقرارًا منه بالزِّنا، فيُعتبَرُ فيه ما يُعتبَرُ في الإقرارِ بالزنا (١).

стр. 10784

كتاب الرجعة تَعريفُ الرَّجعةِ: الرَّجعَةُ لُغةً: هيَ مَصدرُ رَجَعَه يُرْجِعُه رَجْعًا ورَجْعَةً: إذا أعادَهُ ورَدَّه، يُقالُ: رَجَعْتَ الأمرَ إلى أوائِلِه: إذا رَددْتَه إلى ابتِدائِه، قالَ الشاعرُ: عَسَى الأيَّامُ أنْ يُرجِعْ … نَ قَومًا كالذي كانُوا وهي في اللُّغةِ: المرَّةُ مِنْ الرُّجوعِ (١). وفي الشرعِ تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الرَّجعةِ، وإنْ كانَتْ كلُّها تَدورُ حَولَ إرجاعِ الزوجِ زَوجتَهُ التي طلَّقَها طَلاقًا غيرَ بائنٍ مرَّةً أو مَرَّتينِ إلى عِصمتِه في أثناءِ عدَّتها بدونِ عَقدٍ جَديدٍ وبغَيرِ رضاها.

стр. 10785

فقالَ الحَنفيةُ: عِبارةٌ عَنِ ارتجاعِ المُطلِّقِ مُطلَّقتَه على حُكمِ النكاحِ الأولِ (١). وقيلَ: استِدامةُ مِلكِ النكاحِ القائمِ في العدَّةِ ومَنعُه مِنْ الزَّوالِ (٢). وقيلَ: ردُّ الزوجةِ إلى زَوجِها وإعادتُها إلى الحالةِ التي كانَتْ عليها (٣). وقيلَ: ردُّ زَوجٍ يَصحُّ طَلاقُه مُطلَّقتَه بعدَ الدُّخولِ في بقيَّةِ عدَّةِ طَلاقِه بلا عِوضٍ ولا استيفاءِ عَددٍ إلى نِكاحِه (٤). وعرَّفَ فُقهاءُ المالِكيةِ الرَّجعةَ بأنها: عَودُ الزوجةِ المُطلَّقةِ طلاقًا غيرَ بائنٍ بخُلعٍ أو بَتٍّ أو بكَونِه قبلَ الدُّخولِ للعِصمةِ مِنْ غيرِ تَجديدِ عَقدٍ (٥). وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الرَّجعةُ: رَفعُ الزوجِ أو الحاكمِ حُرمةَ المُتعةِ بالزوجةِ لطَلاقِها، فتَخرجُ المُراجعةُ (٦).

стр. 10786

قالَ الخِرَشيُّ ﵀: وأشارَ بقَولِه: «أو الحاكمِ» لإدخالِ ما إذا طلَّقَ في الحَيضِ وامتَنعَ الزوجُ مِنَ الرَّجعةِ؛ فإنَّ الحاكمَ يَرتجِعُ له جبْرًا عليهِ كما مرَّ. وقَوله: «حُرمةَ المُتعةِ» هذا هو المَرفوعُ، وقَوله «لطَلاقِها» مُتعلِّقٌ بالحُرمةِ، واحتَرزَ بهِ مِنْ رَفعِ الزوجِ الحُرمةَ بغيرِ الطلاقِ، كما إذا رفَعَ حُرمةَ الظِّهارِ بالكفَّارةِ، وإنَّما خرَجَتِ المُراجعةُ لأنها مُفاعَلةً مِنَ الجانبَينِ؛ لتَوقُّفِها على رضَا الزَّوجَينِ، والرَّجعةُ مِنْ جانبٍ واحدٍ، فخرَجَتْ بقَولِه «رفعُ الزوجِ» (١). وعرَّفَ الشافِعيةُ الرَّجعةَ بأنها: ردُّ المَرأةِ إلى النكاحِ مِنْ طَلاقٍ غيرِ بائِنٍ في العدَّةِ على وَجهٍ مَخصوصٍ (٢). وعرَّفَ الحَنابلةُ الرَّجعةَ بأنها: إعادةُ مُطلَّقةٍ طلاقًا غيرَ بائنٍ إلى ما كانَتْ عليهِ قبلَ الطلاقِ بغَيرِ عَقدٍ (٣).

стр. 10787

حُكمُ الرَّجعةِ وأدلَّةُ مَشروعيَّتِها: الرَّجعةُ ثابتةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والمَعقولِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمُرادُ بهِ الرَّجعةُ عندَ جَماعةِ العُلماءِ وأهلِ التَّفسيرِ، يَعني: أحَقُّ برَجعتِهنَّ في الطلاقِ إذا كانَ دُونَ الثلاثِ، ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] يَعني: إنْ أرادَ البُعولةُ إصلاحَ ما تَشعَّثَ مِنْ النكاحِ بالطلاقِ بما جعَلَ لهم مِنْ الرجعةِ في العدَّةِ. وقالَ تعالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] أي بالرَّجعةِ، ومَعناهُ: إذا قارَبْنَ بُلوغَ أجَلِهنَّ، أي: انقِضاءَ عدَّتِهنَّ (١). وقولُه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والرَّدُّ والإمساكُ مُفسَّرانِ بالرَّجعةِ. وأما السُّنةُ: فعن نافعٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنه طلَّقَ امرأتَه وهي حائِضٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمسِكْها حتى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمسَكَ بعدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبلَ أنْ يمَسَّ، فتِلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النساءُ» (٢). وعنِ ابنِ عبَّاسٍ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵄ «أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ طلَّقَ حَفصةَ ثمَّ راجَعَها» (٣).

стр. 10788

وعن عُروةَ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «كانَ الناسُ وَالرَّجلُ يُطلِّقُ امرَأتَه ما شاءَ أنْ يُطلِّقَها وهي امرَأتُه إذا ارتجَعَها وهي في العدَّةِ وإنْ طلَّقَها مِائةَ مرَّةٍ أو أكثَرَ، حتَّى قالَ رَجلٌ لامرَأتِه: «واللهِ لا أُطلِّقُكِ فتَبِيني منِّي ولا آويكِ أبدًا» قالَتْ: «وكيفَ ذاكَ» قالَ: «أُطلِّقكِ فكُلَّما همَّتْ عدَّتُكِ أنْ تَنقضيَ راجَعتُكِ»، فذهَبَتِ المرأةُ حتَّى دخَلَتْ على عائِشةَ فأخبَرَتْها، فسكَتَتْ عائشةُ حتى جاءَ النبيُّ ﷺ فأخبَرَتْه، فسكَتَ النبيُّ ﷺ حتى نزَلَ القُرآنُ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، قالَتْ عائِشةُ: فاستأنَفَ الناسُ الطلاقَ مُستقبَلًا مَنْ كانَ طلَّقَ ومَن لم يَكنْ طلَّقَ» (١). وأما الإجماعُ: فقدْ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ زَوجتَه طَلقةً أو طَلقتَينِ وكانَتْ مَدخولًا بها في نِكاحٍ صَحيحٍ فله مُراجَعتُها، شاءَتْ أو أبَتْ، بلا وَليٍّ ولا صَداقٍ ما دامَتْ في عدَّتِها. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الحُرَّ إذا طلَّقَ زَوجتَه الحرَّةَ وكانَتْ مَدخولًا بها تَطليقةً أو تَطليقتَينِ أنه أحَقُّ برَجعتِها حتَّى تَنقضيَ العدَّةُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ التي نكَحَها نِكاحًا صَحيحًا طلاقَ سُنةٍ وهي ممَّن يَلزمُها عدَّةٌ مِنْ ذلكَ فطلَّقَها مرَّةً

стр. 10789

أو مرَّةً بعدَ مرَّةٍ فله مُراجَعتُها، شاءَتْ أو أبَتْ، بلا وَليٍّ ولا صَداقٍ ما دامَتْ في العدَّةِ، وأنهُما يَتوارثانِ ما لم تَنقَضِ العدَّةُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الزوجَ يَملكُ رَجعةَ الزوجةِ في الطلاقِ الرَّجعيِّ ما دامَتْ في العدَّةِ مِنْ غيرِ اعتبارِ رضاها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وأنَّ مِنْ شَرطِ هذا الطلاقِ تقدُّمُ المَسيسِ له (٢). وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على جَوازِ الرَّجعةِ في العدَّةِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَه طَلقةً أو طَلقتَينِ فله مُراجَعتُها، فإنْ طلَّقَها الثالثةَ لم تَحِلَّ لهُ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَه (٤). وأمَّا المَعقولُ: فلِأنَّ الحاجَةَ تَمسُّ إلى الرَّجعةِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يُطلِّقُ امرأتَه ثمَّ يَندمُ على ذلكَ على ما أشارَ الرَّبُ بقَولِه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، فيَحتاجُ إلى التَّدارُكِ، فلو لم تَثبُتِ الرجعةُ لا يُمكِنْه التداركُ؛ لِمَا عسَى لا تُوافِقُه المَرأةُ في تَجديدِ النكاحِ، ولا يُمكِنُه الصبْرُ عنها فيَقعُ في الزنا (٥).

стр. 10790

الرَّجعةُ مِنْ حَيثُ الحُكمِ التَّكليفيِّ: الرَّجعةُ كالنكاحِ تَجرِي عليها الأحكامُ التكليفيَّةُ: الإباحَةُ والاستِحبابُ والوُجوبُ والحُرمةُ والكَراهةُ. الإباحَةُ: الأصلُ في الرَّجعةِ أنها مُباحةٌ، وهي حَقٌّ مِنْ حُقوقِ الزوجِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ أنه إذا طلَّقَها في طُهرٍ لم يمَسَّها فيه لم يُجبَرْ على رَجعتِها ولم يُؤمَرْ بذلكَ وإنْ كانَ طَلاقُه قد وقَعَ على غَيرِ سُنةٍ، وإنما يُجبَرُ ويُؤمَرُ إذا طلَّقَها حائِضًا (١). الاستِحبابُ: تُستَحبُّ الرَّجعةُ في حالةِ نَدمِ الزَّوجَينِ على وُقوعِ الطلاقِ، لا سِيَّما عندَ وُجودِ الأولادِ التي تَقتضِي المَصلحةُ وُجودَ الأبوَينِ؛ ليُدبِّروا شُؤونَهم ومَصالحَهم. وتُستحبُّ أيضًا في غيرِ حالةِ الحَيضِ والنِّفاسِ. الوُجوبُ: نصَّ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ على أنَّ الرَّجعةَ تَكونُ واجِبةً في حالةِ ما إذا طلَّقَ الزوجُ زَوجتُه المَدخولَ بها في الحَيضِ؛ لأنه طَلاقٌ بِدعيٌّ مُحرَّمٌ، وقد أمَرَ النبيُّ ﷺ عَبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ بمُراجَعةِ امرأتهِ التي طلَّقَها في الحَيضِ، فعن نافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنه طلَّقَ امرأتَه وهيَ حائِضٌ

стр. 10791

على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمسِكْها حتى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمسَكَ بعدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبلَ أنْ يمَسَّ، فتِلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النساءُ» (١). ولأنَّه لو لم يُراجِعْها فيه حتَّى طَهُرتْ تَقرَّرَت المَعصيةُ؛ عَملًا بحَقيقةِ الأمرِ ورَفعًا للمَعصيةِ بالقَدرِ المُمكِنِ برَفعِ أثَرِها وهو العدَّةُ. ولأنَّ الطلاقَ لمَّا كانَ مُحرَّمًا في هذا الزَّمنِ كانَ بقاءُ النكاحِ واستِدامتُه فيهِ واجبًا، فإنَّ الاستِدامةَ هاهُنا واجِبةٌ لأجْلِ الوقتِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ فيهِ الطلاقُ. ولأنَّ الرَّجعةَ إمساكٌ، بدَليلِ قَولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالإمساكُ: مُراجَعتُها في العدَّةِ، والتَّسريحُ: تَركُها حتى تَنقضيَ عدَّتُها، وإذا كانَتِ الرَّجعةُ إمساكًا فلا رَيبَ في وُجوبِ إمساكِها في زمَنِ الحيضِ وتَحريمِ طَلاقِها، فتَكونُ واجِبةً (٢). وإذا طلَّقَ في الحَيضِ وامتَنعَ الزوجُ مِنَ الرَّجعةِ فإنَّ الحاكِمَ يَرتجِعُ لهُ جبْرًا عليهِ عندَ المالِكيةِ (٣).

стр. 10792

وذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّجعةَ مُستحبَّةٌ وليسَتْ واجِبةً؛ لأمرِ النبيِّ ﷺ بها في حَديثِ ابنِ عُمرَ، ولأنه يُزيلُ الضَّررَ الحاصِلَ بالطلاقِ، ولا تَجبُ الرَّجعةُ؛ لأنه بمَنزلةِ ابتِداءِ النكاحِ أو استِدامتِه، وكِلاهُما غَيرُ واجِبٍ؛ لأنَّ ابتداءَ النكاحِ إذا لَم يَكنْ واجِبًا فاستِدامتُه كذلكَ غيرُ واجِبةٍ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فخيَّرَه بيْنَ الرَّجعةِ والتَّركِ، وقالَ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فدَلَّتْ على أنَّ الرَّجعةَ غَيرُ واجبةٍ مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنه جعَلَها حقًّا للأزواجِ لا عليهِم. والثاني: أنَّه قرَنَها بإرادةِ الإصلاحِ، ولأنَّ الرَّجعةَ إمَّا أنْ تُرادَ لاستِدامةِ العَقدِ أو إعادتِهِ، فإنْ أُريدَتْ لإعادتِه لم تَجبْ؛ لأنَّ ابتِداءَ النكاحِ لا يَجبُ، وإنْ أُريدَتْ لاستِدامتِه لم تَجبْ؛ لأنَّ لهُ رفْعَه بالطلاقِ، ولأنَّ تَحريمَ الطلاقِ في الحَيضِ كتَحريمِه في طُهرٍ مُجامَعٍ فيهِ، ثمَّ لَم تَجبِ الرجعةُ في طُهرِ الجِماعِ، كذلكَ في الحَيضِ. فأمَّا حَديثُ ابنِ عُمرَ وقَولُ النبيِّ ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمسِكْها حتى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمسَكَ بعدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبلَ أنْ يمَسَّ، فتِلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النساءُ» (١)، فعَنهُ جَوابانِ:

стр. 10793

أحَدُهما: أنه لَم يأمُرْه بنَفسِه وجعَلَ عُمرَ هو الآمِرَ لهُ بقولِه: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها»، دلَّ على أنَّ الأمرَ مَعدولٌ بهِ عن الوُجوبِ إلى الاستِحبابِ؛ لأنَّه عدَلَ بهِ عمَّن تَجبُ أوامِرُه إلى مَنْ لا تَجبُ أوامِرُه. والثاني: أنَّ قولَه: «ثمَّ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ أمسَكَ» تَرجعُ المَشيئةُ إلى جَميعِ المَذكورِ مِنْ الرَّجعةِ والطلاقِ، ومَا رُدَّ إلى مَشيئةِ فاعِله لم يَجبْ (١). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُستحبُّ أنْ يُراجِعَها؛ لأمرِ النبيِّ ﷺ بمُراجَعتِها، وأقلُّ أحوالِ الأمرِ الاستِحبابُ، ولأنه بالرَّجعةِ يُزيلُ المَعنَى الذي حرَّمَ الطلاقَ، ولا يَجبُ ذلكَ في ظاهِرِ المَذهبِ، وهوَ قولُ الثَّوريِّ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وابنِ أبي لَيلى وأصحابِ الرَّأيِ، وحَكى ابنُ أبي مُوسى عَنْ أحمَدَ رِوايةً أُخرَى أنَّ الرَّجعةَ تَجبُ، واختارَها، وهوَ قولُ مالكٍ وداودَ؛ لظاهِرِ الأمرِ في الوُجوبِ، ولأنَّ الرَّجعةَ تَجري مَجرَى استِبقاءِ النكاحِ، واستِبقاؤُه هاهُنا واجبٌ؛ بدَليلِ تَحريمِ الطلاقِ، ولأنَّ الرَّجعةَ إمساكٌ للزوجةِ؛ بدَليلِ قولِه تَعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فوجَبَ ذلكَ كإمساكِها قبْلَ الطلاقِ. وقالَ مالكٌ وداودُ: يُجبَرُ على رَجعتِها، قالَ أصحابُ مالِكٍ: يُجبَرُ على رَجعتِها ما دامَتْ في العدَّةِ، إلا أشهَبَ قالَ: ما لم تَطهُرْ ثمَّ تَحيضُ؛

стр. 10794

لأنه لا يَجبُ عليهِ إمساكُها في تلكَ الحالِ، فلا يَجبُ عَليهِ رَجعتُها فيهِ. ولنا: إنه طَلاقٌ لا يَرتفعُ بالرَّجعةِ، فلم تَجبْ عليهِ الرَّجعةُ فيهِ كالطلاقِ في طُهرٍ مَسَّها فيهِ، فإنَّهم أجمَعُوا على أنَّ الرَّجعةَ لا تَجبُ، حكاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ عن جَميعِ العُلماءِ، وما ذكَرُوه مِنْ المَعنَى يَنتقضُ بهذهِ الصُّورةِ، وأما الأمرُ بالرجعةِ فمَحمولٌ على الاستِحبابِ؛ لِمَا ذكَرْنا (١). قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في مَعنى قولِه ﵇: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها»، فقالَ مالكٌ: هذا الأمرُ مَحمولٌ على الوُجوبِ، ومَن طلَّقَ زَوجتَه حائِضًا أو نُفساءَ فإنه يُجبَرُ على رَجعتِها، فسَوَّى دمَ النِّفاسِ بدَمِ الحَيضِ، قالَ مالكٌ وأكثَرُ أصحابِه: يُجبَرُ على الرَّجعةِ في الحَيضةِ التي طلَّقَ فيها، وفي الطُّهرِ بعدَها، وفي الحَيضةِ بعدَ الطُّهرِ، وفي الطُّهرِ بعدَها، ما لَم تَنقضِ عدَّتُها، إلا أشهَبَ فإنه قالَ: يُجبَرُ على رَجعتِها في الحَيضةِ الأُولَى خاصَّةً، فإذا طَهُرتْ منها لم يُجبَرْ على رَجعتِها، قالَ ابنُ أبي ليلَى -وهوَ قولُ الكُوفيِّينَ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ-: يُؤمَرُ برَجعتِها ولا يُجبَرُ على ذلك، وحمَلُوا الأمرَ في ذلكَ على النَّدبِ؛ ليَقعَ الطلاقُ على سُنَّةٍ، ولم يَختلفُوا أنها إذا انقضَتْ عدَّتُها أنه لا يُجبَرُ على رَجعتِها، فدلَّ على أنَّ الأمرَ بمُراجَعتِها نَدبٌ، وحجَّةُ مَنْ قالَ: «يُجبَرُ على رَجعتِها» قولُه ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها»، وأمرُه فَرضٌ، وأجمَعُوا أنه

стр. 10795

إذا طلَّقَها في طُهرٍ قد مَسَّها فيهِ أنه لا يُجبَرُ على رَجعتِها ولا يُؤمَرُ بذلك وإنْ كانَ قد أوقَعَ الطلاقَ على غيرِ سُنَّته (١). وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ فيمَن طلَّقَ زَوجتَه حائِضًا، هلْ يُجبَرُ على رَجعتِها إنْ أبَى ذلكَ؟ فقالَ مالكٌ وأصحابُه: يُجبَرُ على رَجعتِها إذا طلَّقَها في الحَيضِ أو في دَمِ النِّفاسِ، حمَلُوا الأمرَ ذلكَ على الوُجوبِ، وقاسُوا النِّفاسَ على الحَيضِ. وقالَ الشافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ والأوزاعيُّ وابنُ أبي ليلَى وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ وإسحاقُ وابنُ شُبرمةَ وأبو ثَورٍ والطبَريُّ: يُؤمَرُ برَجعتِها ولا يُجبَرُ على ذلكَ. وقالَ داودُ: كلُّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ حائِضًا واحدةً أو اثنتَينِ أُجبِرَ على رَجعتِها، وإنْ طلَّقَها نُفساءَ لم يُجبَرْ على رَجعتِها. قالَ أبو عُمرَ: لم يَختلفُوا أنها إذا انقَضَتْ عدَّتُها لم يُجبَرْ على رَجعتِها، فدلَّ ذلكَ على أنَّ الأمرَ بمُراجَعتِها نَدبٌ، واللهُ أعلَمُ (٢). الحُرمةُ: نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الرَّجعةَ تَكونُ مُحرَّمةً إذا قصَدَ الزوجُ بالرجعةِ الإضرارَ بالمَرأةِ مِنْ لُحوقِ الأذَى بها، وقد نَصَّ القُرآنُ الكَريمُ على هذا في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١].

стр. 10796

قالَ الحَنفيةُ: وإنَّما أباحَ لهُ الرَّجعةَ على هذهِ الشَّريطةِ، ومتى أرجَعَ بغَيرِ مَعروفٍ كانَ عاصِيًا والرَّجعةُ صَحيحةٌ؛ بدَلالةِ قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فلولا صحَّةُ الرَّجعةِ لَمَا كانَ لنَفسِه ظالِمًا بها (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الرَّجلُ مَندوبٌ إلَى المُراجعةِ، ولكنْ ذا قصَدَ الإصلاحَ بإصلاحِ حالِه معهَا وإزالَةِ الوَحشةِ بيْنَهما، فأمَّا إذا قصَدَ الإضرارَ وتَطويلَ العدَّةِ والقَطعَ بها عَنْ الخَلاصِ مِنْ رِبقةِ النِّكاحِ فمُحرَّمٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، ثمَّ مَنْ فعَلَ ذلكَ فالرَّجعةُ صَحيحةٌ وإنِ ارتَكبَ النَّهيَ وظلَمَ نفْسَه، ولو عَلِمْنا نحنُ ذلكَ المَقصدَ طلَّقَنا عليهِ (٢). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إنَّما جعَلَ اللهُ الرَّجعةَ لمَن أرادَ إصلاحًا بقَولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وإذا لَم يَكنْ مَقصودُه حُسنَ عِشرتِها بالوَطءِ لم يَكنْ مُريدًا للإصلاحِ، فلا يُمكَّنُ مِنْ الرَّجعةِ إلا مَنْ أرادَ إصلاحًا وأمسَكَ بمَعروفٍ (٣). الكَراهةُ: تُكرَه الرَّجعةُ إذا ظنَّ الزوجُ أنه لن يَستطيعَ أنْ يُقيمَ حُدودَ اللهِ تعالى مِنْ حَيثُ الإحسانِ والنفقةِ على زَوجتِه.

стр. 10797

أركانُ الرَّجعةِ وشُروطُها: للرَّجعةِ ثلاثةُ أركانٍ عندَ الشافِعيةِ: ١ - المُرتَجِعُ، ٢ - والصِّيغةُ، ٣ - والزوجةُ. وعندَ المالِكيةِ أربَعةٌ: ١ - المُرتجِعُ، ٢ - والمُرتجَعَةُ، ٣ - وسبَبُ الرَّجعةِ (وهيَ الصِّيغةُ)، ٤ - وأحكامُ المُرتجَعةِ قبْلَ الارتِجاعِ. وهيَ عِنْدَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ شُروطٌ لصحَّةِ الرَّجعةِ. الرُّكنُ الأولُ: المُرتَجِعُ وشَرطُه: اشتَرطَ الفُقهاءُ أنْ يَكونَ المُرتجِعُ أهلًا لإنشاءِ عَقدِ النكاحِ: فقدْ نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ في المُرتجِعِ أنْ يَكونَ فيهِ أهليَّةُ النكاحِ بنَفسِه؛ لأنها كإنشاءِ النكاحِ. قالَ المالِكيةُ: يَصحُّ ارتِجاعُ مَنْ فيهِ أهليَّةُ النكاحِ، وهو المُكلَّفُ البالِغُ العاقِلُ، ولو كانَ مُحرِمًا بحَجٍّ أو عُمرةٍ أو مَريضًا أو سَفيهًا، فأهليةُ النكاحِ إنَّما تَتوقَّفُ على العَقلِ ولا تَتوقَّفُ على عَدمِ الإحرامِ والمَرضِ؛ لأنَّ كلًّا مِنْ المُحرِمِ والمريضِ فيهِ أهليَّةُ النكاحِ، وغايةُ الأمرِ أنه طرَأَ عليها ما يَمنعُ صحَّتَه، فالمُرتجِعُ والناكحُ يَستويانِ في الشُّروطِ دُونَ انتفاءِ المَوانعِ، فكلُّ ما يُشترطُ في الزوجِ يُشترطُ في المُرتجِعِ.

стр. 10798

فلا يَصحُّ ارتِجاعُ المَجنونِ الذي طلَّقَ وهو عاقِلٌ ثمَّ جُنَّ، ولا الصَّغيرِ الغيرِ مُميِّزٍ، ولا السَّكرانِ ولو بحَلالٍ (١). وقالَ الشافِعيةُ: شَرطُ المرتجِعِ أهليَّةُ النكاحِ بنَفسِه؛ لأنها كإنشاءِ النكاحِ، فلا تَصحُّ مِنْ مُكرَهٍ عليها ولا مُرتدٍّ؛ لأنَّ مَقصودَها الحِلُّ، والرِّدةُ تُنافِيه، ولا مِنْ صَبيٍّ ومَجنونٍ لنَقصِهما، ولو طلَّقَ الزوجُ فجُنَّ فللوليِّ الرَّجعةُ على الصَّحيحِ؛ لأنه قائِمٌ مَقامَه حَيثُ له ابتِداءُ النكاحِ بأنِ احتاجَه؛ لأنَّ الأصَحَّ صحَّةُ التوكيلِ في الرَّجعةِ. وتَصحُّ مِنْ سَكرانَ وسَفيهٍ ومُحرِمٍ؛ لأنه أهلٌ للنكاحِ بنَفسِه في الجُملةِ، وإنَّما منَعَ منه مانِعٌ عرَضَ له (٢). وقالَ الحَنابلةُ: شَرطُ المرتجِعِ أهليَّةُ النكاحِ بنَفسِه، فخرَجَ بالأهليَّةِ المُرتدُّ، وبنَفسِه الصبيُّ والمُجنونُ، ولو طلَّقَ فجُنَّ فلوليِّه الرَّجعةُ على الأصَحِّ حيثُ يَجوزُ له ابتداءُ النكاحِ (٣).

стр. 10799

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا كَونُ الزوجِ طائِعًا وجادًّا وعامِدًا ليسَ بشَرطٍ لجَوازِ الرَّجعةِ، فتَصحُّ الرَّجعةُ مع الإكراهِ والهَزلِ واللَّعبِ والخَطأِ؛ لأنَّ الرَّجعةَ استبقاءُ النكاحِ وأنه دونَ الإنشاءِ، ولم تُشترطْ هذهِ الأشياءُ للإنشاءِ، فلَأنْ لا تُشترطَ للاستِبقاءِ أَولى، وقَد رُويَ في بَعضِ الرِّواياتِ: «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جدٌّ: النكاحُ والرَّجعةُ والطلاقُ» (١). الرُّكنُ الثاني: الزَّوجةُ: اشتَرطَ الفُقهاءِ في الزَّوجةِ عدَّةَ شُروطٍ لا بُدَّ مِنْ تَوافرِها لصحَّةِ الرَّجعةِ: الشَّرطُ الأولُ: أنْ تكونَ مَدخولاً بها: أجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى أنه يُشترطُ لصحَّةِ الرَّجعةِ أنْ يَكونَ الطلاقُ بعْدَ الدُّخولِ، فإنْ كانَ قبلَه فلا رَجعةَ؛ لأنَّه لا عدَّةَ على غَيرِ المَدخولِ بهَا، والرَّجعةُ تُملَكُ في العدَّةِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿ … ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] (٢). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ غيرَ المَدخولِ بها تَبينُ بطَلقةٍ واحدةٍ، ولا يَستحقُّ مُطلِّقُها رَجْعتَها؛ وذلكَ لأنَّ الرجعةَ إنَّما تَكونُ في العدَّةِ، ولا عدَّةَ قبلَ الدُّخولِ؛ لقَولِ اللهِ سُبحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ

стр. 10800

مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فبيَّنَ اللهُ سُبحانَه أنه لا عدَّةَ عليها، فتَبِينُ بمُجرَّدِ طَلاقِها وتَصيرُ كالمَدخولِ بها بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها، لا رَجعةَ عليها ولا نَفقةَ لها، وإنْ رَغِبَ مُطلِّقُها فيها فهو خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ يَتزوَّجُها برِضاها بنِكاحٍ جَديدٍ، وتَرجعُ إليهِ بطَلقتينِ، وإنْ طلَّقَها اثنتَينِ ثمَّ تزوَّجَها رجَعَتْ إليهِ بطَلقةٍ واحدةٍ بغَيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ (١). فإذا أرادَ أنْ يَرجعَ إليها عقَدَ عليها عَقدًا مِنْ جَديدٍ بشُروطِه. قالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ التي لا عدَّةَ عَليها لا رَجعةَ لهُ عليها إلَّا على حُكمِ ابتِداءِ النكاحِ الجَديدِ (٢). الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يكونَ الطَّلاقُ دُونَ الثَّلاثِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يُشترطُ لصحَّةِ الرَّجعةِ أنْ تَكونَ المَرأةُ مُطلَّقةً طلقَةً أو طَلقتَينِ، فإنْ كانَتْ مُطلَّقةً ثلاثًا فلا تَصحُّ الرجعةُ ولا تَحِلُّ له حتى تَنكحَ زَوجًا غيرَه بِلا خِلافٍ بيْنَ عُلماءِ الأمَّةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ومَعنَى ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمينَ: فإنْ طلَّقَها الذي طلَّقَها مَرَّتينِ فلا تَحلُّ له مِنْ بعدِ هذا الطلاقِ الثالثِ حتَّى تَنكحَ زوجًا غيرَه، فإنْ طلَّقَها هذا

стр. 10801

الزوجُ الثاني فلا جُناحَ عليها وعلى الزوجِ الأولِ أنْ يَتراجعَا -أي يَنكِحَها نِكاحًا ثانيًا- إنْ ظنَّا أنْ يُقيمَا حُدودَ اللهِ (١). ولِما رَواهُ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْه «أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طلَّقَ امرأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتَزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ، فجاءَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنها كانَتْ تحتَ رِفاعةَ فطلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقاتٍ، فتَزوَّجْتُ بعدَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ، وإنه واللهِ ما معه إلا مِثلُ الهُدْبةِ، وأخَذَتْ بهُدْبةٍ مِنْ جلبابها، قالَ: فتَبسَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ ضاحكًا فقالَ: لعلَّكِ تُريدينَ أنْ تَرجعِي إلى رِفاعةَ؟! لا حتى يَذوقَ عُسَيلتَكِ وتَذُوقي عُسَيلتَه» (٢) (٣). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بيْنَهم في أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا بعدَ الدُّخولِ لا تَحلُّ لهُ حتى تَنكحَ زوجًا غيرَه؛ لقَولِ اللهِ سُبحانَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ورَوتْ عائِشةُ أنَّ رِفاعةَ القُرظيَّ طلَّقَ امرَأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتَزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَتْ إنَّها كانَتْ عندَ رِفاعةَ فطلَّقَها آخِرَ

стр. 10802

ثلاثِ تطلِيقاتٍ، فتَزوَّجت بعدَه بعَبدِ الرَّحمنِ بنِ الزُّبيرِ، وإنه واللهِ ما معه إلا مِثلُ هذه الهُدْبةِ، وأخَذَتْ بهُدْبةٍ مِنْ جلبابِها، قالَتْ: فتَبسَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ ضاحِكًا وقالَ: «لعلَّكِ تُريدينَ أنْ تَرجِعي إلى رِفاعةَ؟! لا حتَّى يَذوقَ عُسيلَتكِ وتَذوقي عُسيلتَه» متَّفقٌ عليهِ، وفي إجماعِ أهلِ العِلمِ على هذا غُنْيةٌ عن الإطالةِ فيهِ (١). الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يكونَ الطَّلاقُ بغيرِ عِوضٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا خالَعَ زَوجتَهُ فلا يَثبتُ لهُ الرَّجعةُ عليها، سواءٌ خالَعَها بلَفظِ الخُلعِ أو بلَفظِ الطلاقِ؛ لقَولهِ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والافتداءُ هو الخَلاصُ والاستِنقاذُ، مأخُوذٌ مِنْ افتِداءِ الأسيرِ وهوَ خَلاصُه واستِنقاذُه، فلو ثبَتَ الرَّجعةُ فيهِ لَمَا حصَلَ به الخَلاصُ والاستِنقاذُ، فدلَّ على أنَّ الافتداءَ يَمنعُ مِنْ ثُبوتِ الرجعةِ، ولأنَّ الزوجةَ ملَكَتْ بُضعَها بالخُلعِ كما ملَكَ الزوجُ بُضعَها بالنكاحِ، فلمَّا كانَ الزوجُ قَدْ ملَكَ بالنكاحِ بُضعَها مِلكًا تامًّا لا سُلطانَ فيهِ للزوجةِ وجَبَ أنْ تَملكَ الزوجةُ بُضعَها بالخُلعِ مِلكًا تامًّا لا سُلطانَ فيهِ للزوجِ، ولأنَّ الزوجَ قد ملَكَ عوَضَ الخُلعِ في مُقابلةِ مِلكِ الزوجةِ للبُضعِ، فلمَّا استَقرَّ مِلكُ الزوجِ للعِوضِ حتى لم يَبْقَ للزوجةِ فيه حقٌّ وجَبَ أنْ يَستقرَّ مِلكُ الزوجةِ للبُضعِ وأنْ لا يبقَى للزوجِ فيه حقٌّ.

стр. 10803

ولأنَّه لمَّا أخَذَ مِنْ المُختلِعةِ عِوضًا وكانَ مَنْ ملَكَ عِوضَ شَيءٍ خرَجَ مِنْ مِلكِه لم يَكنْ له رَجعةٌ فيما ملكَ عليه. ولأنَّ المرأةَ إنَّما تَبذلُ العِوضَ لإزالةِ الضَّررِ عنها، وكلُّ فُرقةٍ لإزالةِ الضررِ فإنها تَقتضِي قطْعَ ما يُعيدُها إليهِ مِنْ ثُبوتِ الرجعةِ عليها وإعادَتِها إلى الضررِ، ولأنها تَعجزُ عن إقامةِ حُقوقِ اللهِ تَعالى في ذاتِ زَوجِها، فلمْ يَستحقَّ ذلكَ كالفُرقةِ بإعسارِ النَّفقةِ وفي الإيلاءِ. فإذا أرادَ أنْ يُراجِعَها فلا بُدَّ مِنْ عَقدٍ جَديدٍ بشُروطِه وأركانِه (١). الشَّرطُ الرابعُ: أنْ تَكونَ باقِيةً في عِدَّتِها، فإنِ انقَضَتِ العدَّةُ فلا رَجعةَ: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مِنْ شُروطِ صحَّةِ الرَّجعةِ أنْ تكونَ المَرأةُ باقِيةً في عدَّتِها إذا كانَ قَدْ طلَّقَها أقَلَّ مِنْ ثَلاثِ طَلقاتٍ طَلقةً أو طلقتَينِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. أي: في أثناءِ العدَّةِ. فإنِ انقَضَتْ عدَّتُها فلا تَصحُّ رَجعتُها باتِّفاقِ أهلِ العِلم. قالَ اللهُ تعَالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، والمُرادُ بهِ مُقارَبةُ الأجَلِ؛ لأنَّ حَقيقةَ الأجَلِ -وإنْ كانَ لانقِضاءِ المدَّةِ كما قالَ:

стр. 10804

﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، يُريدُ بهِ انقَضاءَ عدَّتهنَّ- فقدْ يَجوزُ أنْ يُرادَ بهِ مَجازًا أنْ يُقارِبَ انقضاءَ العدَّةِ كالذي قالَه هاهُنا، فدلَّ سِياقُ الكَلامينِ على افتِراقِ البُلوغَينِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنه إنْ أتمَّتِ العدَّةَ قبْلَ أنْ يَرتجعَها أنه ليسَ لهُ ارتِجاعُها إلا برِضاها إنْ كانَتْ ممَّن لها رضًا على حُكمِ ابتداءِ النكاحِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ طلقَةً أو طلقتَينِ فلهُ مُراجَعتُها، فإنْ طلَّقَها الثالثةَ لم تَحلَّ له حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَه (٣). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: شَرطُ جَوازِ الرَّجعةِ … قيامُ العدَّةِ، فلا تَصحُّ الرجعةُ بعدَ انقضاءِ العدَّةِ؛ لأنَّ الرجعةَ استِدامةُ المِلكِ، والمِلكُ يَزولُ بعْدَ انقِضاءِ العدَّةِ، فلا تُتصوَّرُ الاستِدامةُ؛ إذِ الاستدامةُ للقائِمِ لصِيانتِه عَنْ الزوالِ لا للمُزيلِ، كما في البيعِ بشَرطِ الخِيارِ للبائِعِ إذا

стр. 10805

مضَتْ مدَّةُ الخِيارِ أنه لا يَملكُ استِيفاءَ المِلكِ في المَبيعِ بزَوالِ مِلكِه بمُضيِّ المدَّةِ، كذا هذا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا طلَّقَ الحُرُّ زَوجتَه أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ فله عليها الرَّجعةُ ما كانَتْ في العدَّةِ). أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الحُرَّ إنْ طلَّقَ الحُرةَ بعدَ دُخولِه بها أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ بغَيرِ عِوضٍ ولا أمرٍ يَقتضِي بَينونتَها فله عليها الرَّجعةُ ما كانَتْ في عدَّتِها، وعلى أنه لا رَجعةَ له عليها بعدَ قَضاءِ عدَّتِها (٢). الرُّكنُ الثالِثُ: الصِّيغةُ، أو كَيفيةُ الرَّجعةِ: للرَّجعةِ كَيفيَّتانِ: رَجعةٌ بالقَولِ، ورَجعةٌ بالفِعلِ. أولاً: الرَّجعةُ بالقَولِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرُهم على أنَّ الرَّجعةَ تَصحُّ بالقَولِ الدَّالِّ على الرجعةِ، مِثلَ أنْ يَقولَ لمُطلَّقتِه الرجعيةِ: «راجَعْتُكِ، وارتَجعْتُكِ، وردَدْتُكِ، وأمسَكْتُكِ». قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا القَولُ فتَحصلُ به الرجعةُ بغَيرِ خِلافٍ، وألفاظُه: «راجَعْتُكِ، وارتَجعْتُكِ، وردَدْتُكِ، وأمسَكتُكِ»؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ ورَدَ بها الكِتابُ والسُّنةُ، فالرَّدُ والإمساكُ ورَدَ بهمَا الكِتابُ بقَولِه

стр. 10806

سُبحانَه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقالَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، يَعني الرَّجعةَ. والرجعةُ ورَدَتْ بها السُّنةُ بقَولِ النبيِّ ﷺ : «مُرْهُ فليُراجِعْها»، وقدِ اشتَهرَ هذا الاسمُ فيها بيْنَ أهلِ العِراقِ كاشتِهارِ اسمِ الطلاقِ فيهِ؛ فإنهم يُسمُّونَها رَجعةً والمَرأةَ رَجعيَّةً، ويَتخرَّجُ أنْ يَكونَ لفظُها هو الصَّريحَ وحْدَه؛ لاشتِهارِه دونَ غيرِه كقَولِنا في صَريحِ الطلاقِ، والاحتِياطُ أنْ يَقولَ: «راجَعْتُ امرأتي إلى نكاحِي، أو زَوجِيَّتي، أو راجَعتُها لِمَا وقَعَ عليها من طلاقِي» (١). وقالَ الإمامُ البابرتيُّ ﵀: وألفاظُ الرَّجعةِ أنْ يَقولَ: «راجَعتُكِ» إنْ كانَ في حضْرَتها، أو: «راجَعتُ امرَأتي» في الغَيبةِ بشَرطِ الإعلامِ أو في الحَضرةِ أيضًا، أو يَقولَ: «ردَدْتُكِ، أو أمسَكْتُكِ»، أو يَقولَ: «أنتِ عندِي كما كنتِ، أو أنتِ امرَأتي» إنْ نوَى الرجعةَ، ولا خِلافَ لأحَدٍ في جَوازِ الرجعةِ بالقَولِ (٢). وقالَ الإمامُ الصَّنعانِيُّ ﵀: واتَّفقُوا على الرجعةِ بالقَولِ (٣). وقَد قسَّمَ الفُقهاءُ ألفاظَ الرَّجعةِ الَّتي تَصحُّ بها الرَّجعةُ إلى قِسمَينِ: صَريحٍ وكِنايةٍ.

стр. 10807

القِسمُ الأولُ: الصَّريحُ: اللَّفظُ الصَّريحُ: وهو لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ. وألفاظُ الصَّريحِ عندَ الحَنفيةِ: «راجَعْتُكِ» في حالِ خِطابها، و «راجَعْتُ امرأتي» في حالِ غَيبتِها وحُضورِها أيضًا، ومِن الصَّريحِ «ارتَجَعتُكِ، ورجَعْتُكِ، وردَدْتُكِ، وأمسَكْتُكِ»، ومسَكْتُكِ بمَنزلةِ أمسكْتُكِ، وهُما لُغتانِ، فهذه يَصيرُ مُراجِعًا بها بلا نيَّةٍ، وقِيلَ: يُشترطُ في «ردَدْتُكِ» ذِكرُ الصِّلةِ فيَقول: «إلَيَّ، أو إلى نكاحِي، أو إلى عِصمَتي»، ولا يُشترطُ في الارتجاعِ والمُراجَعةِ (١). وألفاظُ الصَّريحِ في الرجعةِ الذي لا يَحتملُ غيرَها عندَ المالِكيةِ: «رجَعْتُ لزَوجتِي، أو ارتَجعْتُ زَوجتي»، وكذا «راجَعْتُها، وردَدْتُها لعِصمَتي، أو لنِكاحِي»، فلا يَكونُ صريحًا إلا بذِكرِ المُتعلِّقِ الذي هو قولُه: «لعِصمَتي، أو لنكاحِي»، وإلا كانَ مِنْ المُحتملِ. والمَشهورُ مِنْ مذهَبِ «المُدوَّنة» أنَّ القولَ الصريحَ المجرَّدَ عن النِّيةِ يَكونُ كافيًا في صحَّةِ الرجعةِ ولو كانَ هازِلًا فيهِ؛ لأنَّ هزْلَه جِدٌّ، ويَنفعُه ذلك في ظاهِرِ الحالِ، ولا يُصدَّقُ فيما ادَّعاهُ مِنْ عدَمِ النِّيةِ، فيُؤخَذُ بالنَّفقةِ وغيرِها مِنْ الأحكامِ، لا فيما بينَه وبينَ اللهِ (٢).

стр. 10808

وألفاظُ الرَّجعةِ الصَّريحةُ عندَ الشافِعيةِ تَحصلُ ب: «راجَعْتُكِ، ورجَعْتُكِ، وارتَجعْتُكِ»، وهذهِ الثلاثةُ صريحةٌ؛ لشُيوعِها ووُرودِ الأخبارِ بها؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «مُرْهُ فليُراجِعْها»، ولا خلافَ في هذهِ الألفاظِ إذا وصَلَها باسمِ المَرأةِ أو ضَميرِها أو أشارَ إليها، ولا يَكفي مجرَّدُ «راجَعْتُ، أو ارتَجعْتُ» أو نحوُ ذلكَ؛ بَلْ لا بدَّ مِنْ إضافةِ ذلكَ إلى مُظهَرٍ ك: «راجَعْتُ فُلانةَ» أو مُضمَرٍ ك: «راجَعتُكِ» أو مُشارٍ إليهِ ك: «راجَعْتُ هذهِ». ويلحَقُ بها ما اشتُقَّ مِنْ لَفظِها كقَولِه: «أنتِ مُراجَعةٌ، أو مُرتجَعةٌ، أو مُسترجَعةٌ» أو نحوُ ذلكَ. وتَحصلُ الرجعةُ بمَعنى هذه الألفاظِ وما بعدَها مِنْ سائرِ اللُّغاتِ، سواءٌ أعَرَفَ العَربيةَ أم لا، وسواءٌ أضافَ إليهِ أو إلى نكاحِه كقولِه: «إليَّ، أو إلى نكاحِي» أم لا، لكنَّه يُستحبُّ. والأصحُّ أنَّ الردَّ والإمساكَ ك: «ردَدْتُكِ، أو أمسَكْتُكِ» وفي لُغةٍ قليلةٍ: «مسَكْتُكِ» صريحانِ في الرجعةِ أيضًا؛ لوُرودِهما في القُرآنِ، قالَ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: في العدَّةِ، ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: رَجعةً، وقالَ تعالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١].

стр. 10809

ولْيَقلْ: «ردَدْتُها إليَّ، أو إلى نِكاحِي»؛ ليَكونَ صَريحًا؛ إذ يُفهَمُ منهُ الردُّ إلى أهلِها بسَببِ الفِراقِ. والثاني: أنَّهما كِنايتانِ؛ لعدَمِ اشتِهارِهما في الرجعةِ اشتِهارَ الصَّرائحِ. والصحيحُ أنَّ صرائحَ الرجعةِ مُنحصِرةٌ؛ لأنَّ الطلاقَ صرائِحُه مَحصورةٌ، فالرجعةُ التي هي تَحصيلُ إباحةٍ أَولى. وفي وَجهٍ أنَّ كلَّ لَفظٍ يُؤدِّي معنَى الصريحِ صَريحٌ، كقولِه: «رفَعْتُ تَحريمَكِ، وأعَدْتُ حِلَّكِ» ونَحوِهما (١). وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: وألفاظُ الرَّجعةِ الصريحةُ: «راجَعْتُ امرَأتي، أو رجَعْتُها، أو ارتَجعْتُها، أو ردَدْتُها، أو أمسَكْتُها». وإنْ خاطَبَها -أي المُطلَّقةَ- بالرجعةِ فصِفتُها أنْ يقولَ: «راجَعْتُكِ، أو ارتَجعْتُكِ، أو أرجَعْتُكِ، أو ردَدْتُكِ، أو أمسَكتُكِ»؛ لوُرودِ السُّنةِ بلَفظِ الرجعةِ في حَديثِ ابنِ عمَرَ، واشتَهرَ هذا الاسمُ فيهِ عُرفًا فسُمِّي رَجعةً والمَرأةَ رَجعيةً، وورَدَ الكتابُ بلَفظِ الرَّدِ في قولِه تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وبلَفظِ الإمساكِ في قولِه تَعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وأُلحقَ بها ما هو بمَعناها ولو لم يَنوِ مَنْ

стр. 10810

أتَى بلَفظةٍ ممَّا تقدَّمَ شَيئًا؛ لأنها صَرائحُ، والصريحُ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ. فإنْ زادَ بعدَ هذهِ الألفاظِ «للمَحبَّةِ، أو الإهانةِ» لم يقدَحْ في الرجعةِ، أو قالَ: «أردْتُ أني رجَعْتُكِ لمَحبَّتي إياكِ، أو إهانَةً لكِ» لم يَقدحْ في الرجعةِ؛ لأنه أتَى بالرجعةِ وبيَّنَ سبَبَها. وإنْ قالَ: «أردْتُ أني كنتُ أُهينُكِ، أو أُحبُّكِ وقد ردَدْتُكِ بفراقِي إلى ذلكَ» -أي المحبَّةِ أو الإهانةِ- فليسَ برَجعةٍ؛ لحُصولِ التَّضادِّ؛ لأنَّ الرجعةَ لا تُرادُ بالفِراقِ. وإنْ أطلَقَ ولم يَنوِ شَيئًا بقولِه: «راجَعْتُكِ للمحبَّةِ، أو الإهانةِ» ونحوِه صحَّتِ الرجعةُ؛ لأنه أتَى بصَريحِها وضَمَّ إليهِ ما يُحتملُ أنْ يكونَ سبَبُها وأنْ يكونَ غَيرُه، فلا يَزولُ اللَّفظُ عن مُقتضاهُ بالشكِّ. ولا تَحصلُ الرجعةُ بقَولِ مُطلِّقٍ: «نكَحْتُها، وتَزوَّجْتُها»؛ لأنه كِنايةٌ، والرجعةُ استِباحةُ بُضعٍ مَقصودٍ، فلا تَحصلُ بكنايةٍ كالنكاحِ. وفي قَولٍ: تَحصلُ بهِ الرجعةُ، أومَأَ إليهِ الإمامُ أحمَدُ واختارَهُ ابنُ حامدٍ، لأنه تُباحُ بهِ الأجنَبيةُ، وعلى هذا يَحتاجُ أنْ يَنويَ به الرجعةَ؛ لأنَّ ما كانَ كنايةً تُعتبَرُ له النيَّةُ ككِناياتِ الطلاقِ (١).

стр. 10811

والقِسمُ الثَّاني: الكِنايةُ: والكِنايةُ تقَعُ بها الرَّجعةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابلةِ في قولٍ. وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والأذرعِيُّ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّ الرجعةَ لا تَصحُّ بالكِناياتِ؛ لأنَّ الرجعةَ استباحةُ بُضعٍ مَقصودٍ، فلا تَحصلُ بالكِنايةِ كالنكاحِ (١). والكِناياتُ عندَ الحَنفيةِ أنْ يقولَ: «أنتِ عندِي كما كُنتِ، وأنتِ امرَأتي»، فلا يَصيرُ مُراجِعًا إلا بالنيَّةِ؛ لأنَّ حَقيقتُه تَصدُقُ على إرادتِه باعتِبارِ المِيراثِ. واختَلفُوا في الإمساكِ والنِّكاحِ والتزوُّجِ، فلَو تزوَّجَها في العدَّةِ لا يَكونُ رَجعةً عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ مُحمدٍ هو رَجعةٌ، وعَن أبي يُوسفَ رِوايتانِ، قالَ أبو جَعفرٍ: وبقَولِ مُحمدٍ نَأخذُ، وفي «اليَنابيع»: عليهِ الفَتوى، وكذا في «القنيَة». وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو قالَ لها: «نكَحْتُكِ، أو تَزوَّجتُكِ» كانَ رَجعةً في ظاهرِ الرِّوايةِ. ورُويَ عن أبي حَنيفةَ أنه لا يَكونُ رَجعةً.

стр. 10812

وجهُ هَذه الرِّوايةِ أنَّ النكاحَ بعدَ الطلاقِ الرجعيِّ قائِمٌ مِنْ كلِّ وجهٍ، فكانَ قولُه: «نكَحْتُكِ» إثباتَ الثابتِ وأنه مُحالٌ فلم يَكنْ مَشروعًا فكانَ مُلحَقًا بالعَدمِ شَرعًا فلم يكنْ رَجعةً، بخلافِ قولِه: «راجَعتُكِ»؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بإثباتِ النكاحِ، بل هوَ استِيفاءُ النكاحِ الثابتِ وأنه مَحلٌّ للاستِيفاءِ؛ لأنه انعَقدَ سبَبُ زوالِه، والرجعةُ فَسخُ السَّببِ ومَنعٌ له عن العَملِ، فيَصحُّ. وجهُ ظاهرِ الرِّوايةِ أنَّ النكاحَ وإنْ كانَ ثابتًا حَقيقةً لكنِ المَحلُّ لا يَحتملُ الإثباتَ، فيُجعلُ مَجازًا عَنْ استيفاءِ الثابتِ؛ لِمَا بينَهُما مِنْ المُشابَهةِ؛ تَصحيحًا لتَصرُّفِه بقَدرِ الإمكانِ، وقد قِيلَ في أحَدِ تأويلَي قولهِ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: أزواجُهنَّ أحَقُّ بنِكاحِهنَّ في العدَّةِ مِنْ غيرِهم مِنْ الرِّجالِ، والنكاحُ المُضافُ إلى المُطلَّقةِ طلاقًا رَجعيًّا، فدَلَّ على ثُبوتِ الرجعةِ بالنكاحِ (١). وغيرُ الصَّريحِ عندَ المالِكيةِ: وهو اللَّفظُ المُحتملُ ك: «مسَكْتُها، وأمسَكْتُها»؛ إذْ يحتملُ «أمسَكْتُها تَعذيبًا لها» أو يحتملُ «أمسَكْتُها في عِصمَتي زَوجةً»، فإذا أتَى بهذا اللَّفظِ المُحتملِ ونوَى بهِ الرجعةَ حصَلَتْ (٢).

стр. 10813

وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ الرَّجعةُ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ ك: «اختَرتُ رَجعتَكِ، وأعَدْتُ حِلَّكِ» ونحوِ ذلكَ. ومِن الكِناياتِ عندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ: التَّزويجُ والنكاحُ في قَولِ المُرتجِعِ: «تزوَّجتُكِ، أو نكَحْتُكِ» أو عقَدَ عليها النكاحَ؛ لعَدمِ اشتِهارِهما في الرَّجعةِ، ولأنَّ ما كانَ صَريحًا في بابِه لا يكونُ صَريحًا في غيرهِ كالطلاقِ والظِّهارِ، ولأنَّ النكاحَ لا يَخلو مِنْ عِوضٍ، والرجعةُ لا تَتضمَّنُ عِوضًا، فلم يَنعقدْ أحَدُهما بلَفظِ الآخَرِ، كالهِبةِ لا تَنعقدُ بلَفظِ البَيعِ. والثَّاني: هُما صَريحانِ؛ لأنهما صالِحانِ لابتداءِ العَقدِ والحَلِّ، فلَأنْ يَصلحَا للتَّداركِ أَولى؛ لأنَّ لفْظَ النكاحِ والتزويجِ آكَدُ مِنْ الرجعةِ؛ لأنه تُستباحُ بهِ الأجنَبيةُ، فإذا استَباحَ بُضعَها بلَفظِ الرجعةِ ففي لَفظِ النكاحِ والتزويجِ أَولَى (١). وأمَّا الحَنابلةُ فالصَّحيحُ عندَهم أنَّ الرَّجعةَ لا تَحصلُ بالكِناياتِ ك: «نكَحْتُها، وتَزوَّجْتُها». قالَ المِرْداويُّ ﵀: (قولُه: فإنْ قالَ: «نكَحْتُها، أو تزوَّجْتُها» فعَلى وجهَينِ) عندَ الأكثرِ، وهُما رِوايتانِ في «الإيضاح»، وأطلَقَهُما في «المُغني،

стр. 10814

والمُحرَّر، والشَّرح، والنَّظم، والرِّعايتَين، والزُّبدَة، والمَذهَب الأحمَد، والبُلغَة، والمُبهِج، والإيضاح، والحاوِي الصَّغير، والفُروع» وغَيرِهم: أحَدُهما: لا تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ، صحَّحَه في «التَّصحِيح، وتَصحِيح المُحرَّر، والخُلاصة»، وجزَمَ بهِ في «الوَجيز» وقدَّمَه في «الهِدايَة، والمَذهَب، ومَسبُوك الذَّهبِ، والمُستَوعِب» وغَيرِهم، واختَارُه القاضِي، قالَه في «المُبهِج». والوجهُ الثَّاني: تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ، أومَأَ إليهِ الإمامُ أحمَدُ ﵀، قالَه في «المُغني، والشَّرح» واختارَهُ القاضِي وابنُ حامِدٍ. وقالَ في «المُوجِز، والتَّبصِرة، والمُغنِي، والشَّرح»: تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ معَ نيَّةٍ، واختارَه ابنُ عَبدوسٍ في تَذْكرتِه. قالَ في «المُنوِّر»: ف «نكَحْتُها، وتزوَّجْتُها» كِنايةٌ. وقالَ في «التَّرغيب»: هلْ تَحصلُ الرجعةُ بكِنايةٍ نحوُ «أعَدتُكِ، أو استَدمْتُكِ»؟ فيه وَجهانِ: قالَ في «الرِّعايتَين»: يَنوي في قَوله: «أعدْتُكِ أو استَدمْتُكِ» فقط. وقالَ في القاعِدةِ التاسعةِ والثَّلاثينَ: إنِ اشتَرطْنا الإشهادَ في الرجعةِ لم تَصحَّ رَجْعتُها بالكِنايةِ، وإلا فوَجهانِ. وأطلَقَ صاحِبُ «التَّرغيب» وغيرُه الوَجهَينِ، والأَولى ما ذكَرْنا. انتَهى (١).

стр. 10815

هل تَحصلُ الرَّجعةُ بالنِّيةِ فقطْ: نصَّ المالِكيةُ في الأظهَرِ -وصحَّحَ هذا ابنُ رُشدٍ وغَيرُه- على أنَّ الرجعةَ تَحصلُ بالنيَّةِ فقطْ مِنْ غَيرِ مُصاحَبةِ فعلٍ أو قولٍ؛ لأنَّ اللفظَ عِبارةٌ عمَّا في النَّفسِ، فإذا نوَى في نفسِه أنه قد راجَعَها واعتَقدَ ذلكَ في ضَميرِه صحَّتْ رَجْعتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى، قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: ويَعزُّ وُجودُ هذا القَولِ مَنصوصًا عليهِ في المَذهبِ، وهي بالمَعنى المُرادِ: رَجعةٌ في الباطنِ فقطْ، يَجوزُ الاستِمتاعُ بها وتَلزمُه نَفقتُها لا في الظَّاهرِ، أي عندَ الحاكمِ إذا رُفِعَ ليُمنَعَ منها فادَّعى بعدَ العدَّةِ أنه كانَ راجَعَها بالنيةِ، فلا يُحكمُ بالرجعةِ؛ لخَفاءِ النيةِ فلا يُمكِنُ إثباتُها ولا يُصدَّقُ في دَعواهُ. وأما مُجردُ قَصدِ أنْ يُراجعَها فلا يكونُ رَجعةً اتفاقًا. وقالَ ابنُ الموَّازِ وصحَّحَه ابنُ بشِيرٍ: أنه لا رَجعةَ بالنيةِ؛ فنِيةُ الرجعةِ بالقلبِ لا تَنفعُ إلا مع فعلٍ مثلِ جَسَّةٍ لشَهوةٍ أو نظَرِ فَرجٍ وما قارَبَها، فإنْ لم يَفعلْ ذلكَ لم تَنفعْه النيةُ، وعليهِ فلو نوَى ثمَّ أصابَ فإنْ بعُدَ ما بينَهُما فليسَ برَجعةٍ، وإنْ تقدَّمَتِ النيةُ بيَسيرٍ فقَولانِ. وتَظهرُ فائِدةُ كونِ الرجعةِ فيما بينَه وبينَ اللهِ فيما إذا انقضَتِ العدَّةُ وعاشَرَها مُعاشَرةَ الأزواجِ ورُفعَ للقاضي بسَببِ ذلكَ فأقامَ بيِّنةً على إقرارِه أنه راجَعَها قبلَ انقضاءِ العدَّةِ بالنيةِ؛ فإنَّ القاضي يَمنعُه منها، وإنْ ماتَتْ بعدَ

стр. 10816

انقضاءِ العدَّةِ وأقامَ بيِّنةً برَجعتِه فيها بالنِّيةِ فإنه يَحلُّ لهُ إرثُها فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإذا رُفعَ للقاضي فإنه يَمنعُه منه (١). هل تَحصلُ الرَّجعةُ مع الهَزلِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجعةَ تَصحُّ معَ الجِدِّ والهَزلِ، فلو قالَ لزَوجتِه: «راجَعْتُكِ» وكانَ هازِلًا صحَّتِ الرجعةُ؛ لِمَا رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ» (٢). قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا كونُ الزوجِ طائِعًا وجادًّا وعامِدًا ليسَ بشَرطٍ لجَوازِ الرجعةِ، فتَصحُّ الرجعةُ معَ الإكراهِ والهزلِ واللَّعبِ والخطَأِ؛ لأنَّ الرجعةَ استِبقاءُ النكاحِ وأنه دُونَ الإنشاءِ، ولم تُشترطْ هذه الأشياءُ للإنشاءِ؛ فلَأنْ لا تُشترطَ للاستِبقاءِ أَولى، وقَد رُويَ في بعضِ الرِّواياتِ: «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النكاحُ والرجعةُ والطلاقُ» (٣) … وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ مِنْ مَذهبِ «المُدوَّنة»: إنَّ القَولَ الصَّريحَ المُجردَ عن النِّيةِ يَكونُ كافِيا في صحَّةِ الرجعةِ ولو كانَ هازِلًا فيهِ -المرادُ

стр. 10817

بالهزلِ العارِي عَنْ نيَّةِ الرجعةِ-؛ لأنَّ هزْلَه جِدٌّ، ويَنفعُه ذلكَ في ظاهرِ الحالِ، ولا يُصدَّقُ فيما ادَّعاهُ مِنْ عَدمِ النيةِ، فيُؤخَذُ بالنَّفقةِ وغيرِها مِنْ الأحكامِ، لا فيما بينَه وبينَ اللهِ. ففائدةُ كَونِ الهزلِ رَجعةً في الظاهرِ لا الباطنِ لُزومُ الكِسوةِ وغيرِها بعدَ العدَّةِ، ولا تَحلُّ لهُ فيما بينَه وبينَ اللهِ، بخلافِ النكاحِ، فيَحلُّ باطِنًا وظاهِرًا معَ الهزلِ؛ لأنه لم يَقُلْ أحَدٌ باشتِراطِ النِّيةِ، بخِلافِ الرجعةِ، فقدْ قيلَ بها في الجُملةِ (١). وقالَ الرحيبانِيُّ ﵀: وتَحصلُ الرجعةُ بلَفظِ «راجَعْتُها، ورجَعْتُها، وارتَجعْتُها، وأمسَكْتُها، وردَدْتُها، وأعدَدْتُها» … ولو لم يَنوِ مَنْ أتَى بلَفظةٍ ممَّا تقدَّمَ شَيئًا؛ لأنها صَرائحُ، والصريحُ لا يَحتاجُ إلى نيةِ، أو قالَ ذلكَ هازِلًا (٢). ويُشتَرطُ في الرَّجعةِ أو صِيغةِ الرَّجعةِ: ١ - أنْ تَكونَ الرَّجعةُ مُنجَّزةً: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ لصحَّةِ الرجعةِ أنْ تَكونَ مُنجَّزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ مثلُ أنْ يَقولَ: «إذا جاءَ غدًا فقدْ راجَعْتُكِ، أو: إذا دخَلْتِ الدارَ، أو إذا فعَلْتِ كذا فقدْ

стр. 10818

راجَعْتُكِ»، فهذا لا يَكونُ رَجعةً؛ لأنه استِباحةُ فرجٍ مَقصودٍ، فلمْ يَصحَّ تَعليقُه على صفةٍ كالنكاحِ (١). قالَ السَّرخسيُّ ﵀: وتَعليقُ الرجعةِ بالشرطِ باطلٌ، وكذلكَ الإضافةُ إلى وَقتٍ، حتى إذا قالَ: «راجَعْتُكِ غدًا، أو إذا جاءَ غَدٌ» فهو باطِلٌ؛ لأنه استِدامةُ المِلكِ، فَلا يَحتملُ التعليقَ بالشرطِ كأصلِ النكاحِ، وإنَّما يَحتملُ التعليقَ بالشرطِ ما يَجوزُ أنْ يُحلَفَ بهِ، ولا يُحلَفُ بالرجعةِ، بخِلافِ الطلاقِ (٢). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: ومِنها عَدمُ التعليقِ بشَرطٍ والإضافةِ إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ، حتى لو قالَ الزوجُ بعدَ الطلاقِ: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فقَدْ راجَعتُكِ، أو: راجَعتُكِ إنْ دخَلْتِ الدارَ، أو: إنْ كلَّمتِ زَيدًا، أو إذا جاءَ غَدٌ فقدْ راجَعتُكِ غدًا، أو رأسَ شَهرِ كذا» لَم تَصحَّ الرجعةُ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ الرجعةَ استِيفاءُ مِلكِ النكاحِ، فلا يَحتملُ التعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ كما لا يَحتملُها إنشاءُ المِلكِ؛ ولأنَّ الرجعةَ تَتضمَّنُ انفساخَ الطلاقِ في انعقادِه سَببًا لزوالِ المِلكِ ومنْعَه عن عَملِه في ذلكَ، فإذا علَّقَها بشَرطٍ أو أضافَها إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ فقَدِ استَبقَى الطلاقَ إلى

стр. 10819

غايةٍ، واستِبقاءُ الطلاقِ إلى غايَةٍ يَكونُ تأبيدًا له؛ إذْ هو لا يَحتملُ التوقيتَ، كما إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ يومًا، أو شهرًا، أو سَنةً» أنه لا يَصحُّ التوقيتُ ويَتأبَّدُ الطلاقُ، فلا تَصحُّ الرجعةُ، هذا إذا أنشَأَ الرجعةَ. فأمَّا إذا أخبَرَ عَنْ الرجعةِ في الزمنِ الماضِي بأنْ قالَ: «كنتُ راجَعتُكِ أمسِ» فإنْ صدَّقْتُه المرأةُ فقدْ ثبَتَتِ الرجعةُ، سواءٌ قالَ ذلك في العدَّةِ أو بعدَ انقضاءِ العدَّةِ بعدَ أنْ كانَتِ المَرأةُ في العدَّةِ أمسِ، وإنْ كذَّبْتُه فإنْ قالَ ذلكَ في العدَّةِ فالقَولُ قَولُه؛ لأنه أخبَرَ عمَّا يَملكُ إنشاءَهُ في الحالِ؛ لأنَّ الزوجَ يَملكُ الرجعةَ في الحالِ، ومَن أخبَرَ عَنْ أمرٍ يَملكُ إنشاءَهُ في الحالِ يُصدَّقُ فيهِ؛ إذ لو لم يُصدَّقْ يُنشِئُه للحالِ، فلا يُفيدُ التكذيبُ، فصارَ كالوَكيلِ قبلَ العَزلِ إذا قالَ: «بِعتُه أمسِ» … (١). وكذا لو قالَ الزوجُ بعدَ الطلاقِ: «راجَعتُكِ غدًا، أو رأسَ شَهرِ كذا» لم تَصحَّ الرجعةُ في قَولِهم جَميعًا، هكذا في «البَدائِع» (٢). وكذا نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه إنْ قالَ: «راجَعتُكِ إنْ شِئت» لم يَصحَّ كذلكَ، ولا يَضرُّ عِنْدَ الشَّافعيةِ إنْ قالَ: «راجَعتُكِ إنْ شِئت، أو أَنْ شِئْت» -بفتْحِ الهَمزَةِ-؛ لأنَّ ذلكَ تَعليلٌ لا تَعليقٌ، فيَنبغي أنْ يُفرَّقَ بينَ النحْويِّ وغيرِه ويُستفسَرَ الجاهِلُ بالعرَبيةِ (٣).

стр. 10820

ولو قالَ: «كلَّما طلَّقتُكِ فقدْ راجَعتُكِ» لم يَصحَّ كذلكَ عندَ الحَنابلةِ؛ لأنه راجَعَها قبلَ أنْ يَملكَ الرجعةَ، فأشبَهَ الطلاقَ قبلَ النكاحِ، وإنْ قالَ: «إنْ قَدِمَ أبوكِ فقدْ راجَعتُكِ» لم يَصحَّ؛ لأنه تَعليقٌ على شَرطٍ (١). ٢ - عَدمُ شَرطِ الخِيارِ في الرَّجعةِ: قالَ الحَنفيةُ: مِنْ شَرطِ صحَّةِ الرجعةِ عَدمُ شَرطِ الخِيارِ، حتَّى لو شرَطَ الخِيارَ في الرجعةِ لَم يَصحَّ؛ لأنها استِبقاءُ النكاحِ، فلا يَحتملُ شرْطَ الخِيارِ كما لا يَحتملُ الإنشاءَ (٢). ٣ - أنْ تَكونَ الرَّجعةُ مِنْ الزَّوجِ لا مِنْ الزَّوجةِ: قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصحَّةِ الرجعةِ أنْ يَكونَ أحَدُ نَوعَي رُكنِ الرجعةِ -وهو القولُ- منهُ لا منها، حتَّى لو قالَتْ للزوجِ: «راجَعتُكَ» لم يَصحَّ؛ لقَولِه : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: أحقُّ برَجَعتِهنَّ منهنَّ، ولو كانَتْ لها وِلايةُ الرجعةِ لم يَكنِ الزوجُ أحقَّ بالرجعةِ مِنها، فظاهِرُ النصِّ يَقتضِي أنْ لا يكونَ لها ولايَةُ الرجعةِ أصلًا، إلا أنَّ جوازَ الرجعةِ بالفِعلِ منها عرَفْناهُ بدَليلٍ آخَرَ وهو ما بيَّنَّا (٣). وهذا أيضًا مُقتَضى كلامِ سائرِ الفُقهاءِ.
следующие страницы →