← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

انقضاءِ العدَّةِ وأقامَ بيِّنةً برَجعتِه فيها بالنِّيةِ فإنه يَحلُّ لهُ إرثُها فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإذا رُفعَ للقاضي فإنه يَمنعُه منه (١). هل تَحصلُ الرَّجعةُ مع الهَزلِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجعةَ تَصحُّ معَ الجِدِّ والهَزلِ، فلو قالَ لزَوجتِه: «راجَعْتُكِ» وكانَ هازِلًا صحَّتِ الرجعةُ؛ لِمَا رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ» (٢). قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا كونُ الزوجِ طائِعًا وجادًّا وعامِدًا ليسَ بشَرطٍ لجَوازِ الرجعةِ، فتَصحُّ الرجعةُ معَ الإكراهِ والهزلِ واللَّعبِ والخطَأِ؛ لأنَّ الرجعةَ استِبقاءُ النكاحِ وأنه دُونَ الإنشاءِ، ولم تُشترطْ هذه الأشياءُ للإنشاءِ؛ فلَأنْ لا تُشترطَ للاستِبقاءِ أَولى، وقَد رُويَ في بعضِ الرِّواياتِ: «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النكاحُ والرجعةُ والطلاقُ» (٣) … وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ مِنْ مَذهبِ «المُدوَّنة»: إنَّ القَولَ الصَّريحَ المُجردَ عن النِّيةِ يَكونُ كافِيا في صحَّةِ الرجعةِ ولو كانَ هازِلًا فيهِ -المرادُ

стр. 10817

بالهزلِ العارِي عَنْ نيَّةِ الرجعةِ-؛ لأنَّ هزْلَه جِدٌّ، ويَنفعُه ذلكَ في ظاهرِ الحالِ، ولا يُصدَّقُ فيما ادَّعاهُ مِنْ عَدمِ النيةِ، فيُؤخَذُ بالنَّفقةِ وغيرِها مِنْ الأحكامِ، لا فيما بينَه وبينَ اللهِ. ففائدةُ كَونِ الهزلِ رَجعةً في الظاهرِ لا الباطنِ لُزومُ الكِسوةِ وغيرِها بعدَ العدَّةِ، ولا تَحلُّ لهُ فيما بينَه وبينَ اللهِ، بخلافِ النكاحِ، فيَحلُّ باطِنًا وظاهِرًا معَ الهزلِ؛ لأنه لم يَقُلْ أحَدٌ باشتِراطِ النِّيةِ، بخِلافِ الرجعةِ، فقدْ قيلَ بها في الجُملةِ (١). وقالَ الرحيبانِيُّ ﵀: وتَحصلُ الرجعةُ بلَفظِ «راجَعْتُها، ورجَعْتُها، وارتَجعْتُها، وأمسَكْتُها، وردَدْتُها، وأعدَدْتُها» … ولو لم يَنوِ مَنْ أتَى بلَفظةٍ ممَّا تقدَّمَ شَيئًا؛ لأنها صَرائحُ، والصريحُ لا يَحتاجُ إلى نيةِ، أو قالَ ذلكَ هازِلًا (٢). ويُشتَرطُ في الرَّجعةِ أو صِيغةِ الرَّجعةِ: ١ - أنْ تَكونَ الرَّجعةُ مُنجَّزةً: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ لصحَّةِ الرجعةِ أنْ تَكونَ مُنجَّزةً، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ مثلُ أنْ يَقولَ: «إذا جاءَ غدًا فقدْ راجَعْتُكِ، أو: إذا دخَلْتِ الدارَ، أو إذا فعَلْتِ كذا فقدْ

стр. 10818

راجَعْتُكِ»، فهذا لا يَكونُ رَجعةً؛ لأنه استِباحةُ فرجٍ مَقصودٍ، فلمْ يَصحَّ تَعليقُه على صفةٍ كالنكاحِ (١). قالَ السَّرخسيُّ ﵀: وتَعليقُ الرجعةِ بالشرطِ باطلٌ، وكذلكَ الإضافةُ إلى وَقتٍ، حتى إذا قالَ: «راجَعْتُكِ غدًا، أو إذا جاءَ غَدٌ» فهو باطِلٌ؛ لأنه استِدامةُ المِلكِ، فَلا يَحتملُ التعليقَ بالشرطِ كأصلِ النكاحِ، وإنَّما يَحتملُ التعليقَ بالشرطِ ما يَجوزُ أنْ يُحلَفَ بهِ، ولا يُحلَفُ بالرجعةِ، بخِلافِ الطلاقِ (٢). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: ومِنها عَدمُ التعليقِ بشَرطٍ والإضافةِ إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ، حتى لو قالَ الزوجُ بعدَ الطلاقِ: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فقَدْ راجَعتُكِ، أو: راجَعتُكِ إنْ دخَلْتِ الدارَ، أو: إنْ كلَّمتِ زَيدًا، أو إذا جاءَ غَدٌ فقدْ راجَعتُكِ غدًا، أو رأسَ شَهرِ كذا» لَم تَصحَّ الرجعةُ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ الرجعةَ استِيفاءُ مِلكِ النكاحِ، فلا يَحتملُ التعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ كما لا يَحتملُها إنشاءُ المِلكِ؛ ولأنَّ الرجعةَ تَتضمَّنُ انفساخَ الطلاقِ في انعقادِه سَببًا لزوالِ المِلكِ ومنْعَه عن عَملِه في ذلكَ، فإذا علَّقَها بشَرطٍ أو أضافَها إلى وَقتٍ في المُستقبَلِ فقَدِ استَبقَى الطلاقَ إلى

стр. 10819

غايةٍ، واستِبقاءُ الطلاقِ إلى غايَةٍ يَكونُ تأبيدًا له؛ إذْ هو لا يَحتملُ التوقيتَ، كما إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالقٌ يومًا، أو شهرًا، أو سَنةً» أنه لا يَصحُّ التوقيتُ ويَتأبَّدُ الطلاقُ، فلا تَصحُّ الرجعةُ، هذا إذا أنشَأَ الرجعةَ. فأمَّا إذا أخبَرَ عَنْ الرجعةِ في الزمنِ الماضِي بأنْ قالَ: «كنتُ راجَعتُكِ أمسِ» فإنْ صدَّقْتُه المرأةُ فقدْ ثبَتَتِ الرجعةُ، سواءٌ قالَ ذلك في العدَّةِ أو بعدَ انقضاءِ العدَّةِ بعدَ أنْ كانَتِ المَرأةُ في العدَّةِ أمسِ، وإنْ كذَّبْتُه فإنْ قالَ ذلكَ في العدَّةِ فالقَولُ قَولُه؛ لأنه أخبَرَ عمَّا يَملكُ إنشاءَهُ في الحالِ؛ لأنَّ الزوجَ يَملكُ الرجعةَ في الحالِ، ومَن أخبَرَ عَنْ أمرٍ يَملكُ إنشاءَهُ في الحالِ يُصدَّقُ فيهِ؛ إذ لو لم يُصدَّقْ يُنشِئُه للحالِ، فلا يُفيدُ التكذيبُ، فصارَ كالوَكيلِ قبلَ العَزلِ إذا قالَ: «بِعتُه أمسِ» … (١). وكذا لو قالَ الزوجُ بعدَ الطلاقِ: «راجَعتُكِ غدًا، أو رأسَ شَهرِ كذا» لم تَصحَّ الرجعةُ في قَولِهم جَميعًا، هكذا في «البَدائِع» (٢). وكذا نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه إنْ قالَ: «راجَعتُكِ إنْ شِئت» لم يَصحَّ كذلكَ، ولا يَضرُّ عِنْدَ الشَّافعيةِ إنْ قالَ: «راجَعتُكِ إنْ شِئت، أو أَنْ شِئْت» -بفتْحِ الهَمزَةِ-؛ لأنَّ ذلكَ تَعليلٌ لا تَعليقٌ، فيَنبغي أنْ يُفرَّقَ بينَ النحْويِّ وغيرِه ويُستفسَرَ الجاهِلُ بالعرَبيةِ (٣).

стр. 10820

ولو قالَ: «كلَّما طلَّقتُكِ فقدْ راجَعتُكِ» لم يَصحَّ كذلكَ عندَ الحَنابلةِ؛ لأنه راجَعَها قبلَ أنْ يَملكَ الرجعةَ، فأشبَهَ الطلاقَ قبلَ النكاحِ، وإنْ قالَ: «إنْ قَدِمَ أبوكِ فقدْ راجَعتُكِ» لم يَصحَّ؛ لأنه تَعليقٌ على شَرطٍ (١). ٢ - عَدمُ شَرطِ الخِيارِ في الرَّجعةِ: قالَ الحَنفيةُ: مِنْ شَرطِ صحَّةِ الرجعةِ عَدمُ شَرطِ الخِيارِ، حتَّى لو شرَطَ الخِيارَ في الرجعةِ لَم يَصحَّ؛ لأنها استِبقاءُ النكاحِ، فلا يَحتملُ شرْطَ الخِيارِ كما لا يَحتملُ الإنشاءَ (٢). ٣ - أنْ تَكونَ الرَّجعةُ مِنْ الزَّوجِ لا مِنْ الزَّوجةِ: قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصحَّةِ الرجعةِ أنْ يَكونَ أحَدُ نَوعَي رُكنِ الرجعةِ -وهو القولُ- منهُ لا منها، حتَّى لو قالَتْ للزوجِ: «راجَعتُكَ» لم يَصحَّ؛ لقَولِه : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: أحقُّ برَجَعتِهنَّ منهنَّ، ولو كانَتْ لها وِلايةُ الرجعةِ لم يَكنِ الزوجُ أحقَّ بالرجعةِ مِنها، فظاهِرُ النصِّ يَقتضِي أنْ لا يكونَ لها ولايَةُ الرجعةِ أصلًا، إلا أنَّ جوازَ الرجعةِ بالفِعلِ منها عرَفْناهُ بدَليلٍ آخَرَ وهو ما بيَّنَّا (٣). وهذا أيضًا مُقتَضى كلامِ سائرِ الفُقهاءِ.

стр. 10821

ثانيًا: الرَّجعةُ بالفِعلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الرَّجعةِ، هل تَصحُّ بالفِعلِ كالوَطءِ أو المَسِّ بشَهوةٍ؟ أم لا تَصحُّ إلا بالقولِ؟ وهل تُشترطُ النيةُ معَ الفِعلِ؟ أم يَكفي الفعلُ وحْدَه ولو بلا نيَّةٍ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّجعةَ تَحصلُ بالفِعلِ كما تَحصلُ بالقَولِ على تَفصيلٍ عِندَهم في هذا. قالَ الحَنفيةُ: تَصحُّ الرجعةُ بالفِعلِ بأنْ يطأَهَا في فَرجِها أو دبُرِها أو يُقبِّلَها أو يَلمسَها بشَهوةٍ، أو يَنظرَ إلى فَرجِها الدَّاخلِ بشَهوةٍ ولا يَتحققُ ذلكَ إلا عندَ انكِبابِها؛ لأنه بوَطئِها وبكُلِّ فعلٍ يَختصُّ بالنكاحِ يَكونُ مُستديمًا لمِلكِ النكاحِ، وهذه الأفعالُ تَدلُّ على ذلك، بل هيَ أقَوى مِنْ القَولِ، ولأنَّنا أجمَعْنا على أنه يَملكُها مِنْ غَيرِ رضاها ولا يُشترطُ فيها الإيجابُ والقَبولُ ولا يَجبُ فيها مَهرٌ ولا عِوضٌ؛ لأنَّ العوضَ إنما يَجبُ عِوضًا عن مِلكِ البُضعِ، والبُضعُ في مِلكِه. إلا أنه يُكرَه ذلكَ، ويُستحبُّ أنْ يُرجعَها بعدَه بالقولِ. وأما النَّظرُ إلى غَيرِ الفَرجِ فلا تَحلُّ بهِ الرجعةُ، والخَلوةُ بها ليسَتَ برَجعةٍ؛ لأنه لا يُوجَدُ ما يَدلُّ على الرجعةِ لا قَولًا ولا فِعلًا. وكذا تَحصلُ الرجعةُ لو لمَسَتْ هي زوْجَها بشَهوةٍ أو نظَرَتْ إلى فَرجِه بشَهوةٍ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ فعْلَها بهِ كفعلِه بها، فإنَّ الحِلَّ مشتَرَكٌ

стр. 10822

بيْنَهما، وفِعلِها بهِ في حُرمةِ المُصاهَرةِ كفِعلِه بها، فكذلكَ في الرَّجعةِ. وقالَ أبو يُوسفَ: إذا لمَسَتْه فترَكَها وهوَ يَقدرُ على مَنعِها فهو رَجعةٌ، وإنْ منَعَها ولم يَتركْها لم يكنْ رَجعةً؛ لأنَّ هذا الفِعلَ مِنْ الزوجِ دَليلُ استِبقاءِ المِلكِ، وليسَ لها وِلايةُ استِبقاءِ المِلكِ، فلا يَكونُ فِعلُها رَجعةً. وفي «اليَنابِيع»: إذا لمسَتْه مُختلِسةً وهو كارِهٌ أو نائِمٌ أو زائِلُ العَقلِ وأقرَّ الزوجُ أنها فعَلَتْه بشَهوةٍ كانَ رَجعةً عندَهُما. وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَكونُ رَجعةً إلا إذا ترَكَها وهو يُمكِنُه مَنعُها. وأمَّا إذا كانَ اللَّمسُ والنَّظرُ مِنْ غَيرِ شَهوةٍ لم يَكنْ رَجعةً بالإجماعِ، قالَ مُحمدٌ: ولو صدَّقَها الوَرثةُ بعدَ موتِه أنها لمسَتْه بشَهوةٍ كانَ ذلكَ رَجعةً، وإنْ شَهدَ الشُّهودُ أنها قبَّلَتْه بشَهوةٍ لم تُقبَلِ الشهادةُ؛ لأنَّ الشهوةَ مَعنًى في القلبِ لا يُشاهدُونَها، وقالَ بعضُهم: تُقبَلُ؛ لأنه يَظهرُ للشهوةِ نشاطٌ في الوَجهِ، وإنْ شَهِدوا على الجِماعِ جازَ إجمَاعًا؛ لأنه يُشاهَدُ، فلا يُحتاجُ فيه إلى شَرطِ الشهوةِ. وإنْ نظَرَتْ هي إلى فَرجِه بشَهوةٍ فعند أبي حَنيفةَ يَكونُ رَجعةً، وعندَ أبي يُوسفَ لا يَكونُ رَجعةً، وإنْ نظَرَ إلى دبُرِها بشَهوةٍ لا يَكونُ رَجعةً إجماعًا؛ لأنه لا يَجرِي مَجرَى الفَرجِ. فالحَنفيةُ قيَّدُوا القُبلةَ والنَّظرَ إلى الفَرجِ واللَّمسَ بالشهوةِ، أمَّا إنْ حصَلَ لَمسٌ أو نَظرٌ أو تَقبيلٌ بغَيرِ شَهوةٍ أو خَلوةٍ بها فلا تَصحُّ الرجعةُ؛ لأنَّ

стр. 10823

هذهِ الأشياءَ تَحصلُ مِنْ الزوجِ وغَيرِه كالمُساكِنينَ لها أو المُتحدِّثينَ معها أو القابِلةِ أو الطَّبيبِ وغيرِهما، والنظرُ إلى غيرِ الفَرجِ قَدْ يَقعُ بيْنَ المُساكِنينَ، والزوجُ يُساكِنُها في العدَّةِ، فلو كانَ رَجعةً لَطلَّقَها فتَطولُ العدَّةُ عليها (١). وقالَ المالِكيةُ: تَحصلُ الرَّجعةُ بالفِعلِ كالوطءِ واللَّمسِ والقُبلةِ بشَرطِ النِّيةِ -أي أنْ يَنويَ الزوجُ بهذهِ الأفعالِ الرَّجعةَ-، وأمَّا الفِعلُ وحْدَه بأنْ جامَعَها أو باشَرَها أو لمَسَها بشَهوةٍ أو نظَرَ إلى مَوضعِ الجِماعِ بشَهوةٍ ولم يَنوِ الرجعةَ فلا تَحصلُ بهِ الرجعةُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نوَى» (٢). والدُّخولُ عليها مِنْ الفعلِ، فإذا نَوى بهِ الرجعةَ كفَى. جاءَ في «المُدوَّنة»: قلتُ: أرَأيتَ إنْ طلَّقَ رَجلٌ امرَأتَه تَطليقةً يَملكُ بها الرجعةَ ثمَّ قبَّلَها في عدَّتِها لشَهوةٍ أو لمَسَها لشَهوةٍ أو جامَعَها في الفَرجِ أو فيما دُونَ الفَرجِ أو جرَّدَها فجعَلَ يَنظرُ إلَيها وإلى فَرجِها، هل يَكونُ ذلكَ رَجعةً في قولِ مالِكٍ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: إذا وَطئَها في العدَّةِ

стр. 10824

وهو يُريدُ بذلكَ الرجعةَ وجَهِلَ أنْ يُشهدَ فهي رَجعةٌ، وإلا فلَيستْ برَجعةٍ، وقالَه عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ (١). وقالَ الخِرشيُّ ﵀: الرجعةُ لا تَحصلُ بفِعلٍ مُجرَّدٍ عن نيَّةِ الرجعةِ ولو بأقوَى الأفعالِ كوَطءٍ، وأحرَى قُبلةٌ ولَمسٌ، والدُّخولُ عليها مِنْ الفعلِ، فإذا نَوى بهِ الرجعةَ كفَى (٢). وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: تَحصلُ الرجعةُ بالوطءِ، نَوى الرجعةَ أو لم يَنوِ؛ لأنَّ سبَبَ زَوالِ المِلكِ انعقَدَ معَ الخِيارُ، والوَطءُ مِنْ المالكِ يَمنعُ زَوالَه كوَطءِ البائعِ في مدَّةِ الخِيارِ. وعنهُ: لا تَحصلُ الرجعةُ بذلكَ إلا معَ نيَّةِ الرجعةِ، نقَلَها ابنُ مَنصورٍ. قالَ ابنُ أبي مُوسَى: إذا نوَى بوَطئِه الرجعةَ كانَتْ رَجعةً، واختارَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀. ولا تَحصلُ الرجعةُ بمُباشَرةِ الرجعيةِ دُونَ فَرجٍ باستِمتاعٍ، سواءٌ مِنْ قُبلةٍ أو لَمسٍ أو مُباشَرةٍ أو نَظرٍ إلى مُحرَّمٍ منها أو إلى فَرجِها في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّ ذلك كلَّه ليسَ في معنَى الوطءٍ؛ إذِ الوَطءُ يَدلُّ على ارتِجاعِها دَلالةً ظاهِرةً، بخِلافِ ما ذُكرَ.

стр. 10825

وفي قَولٍ: تَحصلُ الرجعةُ بهَا؛ لأنه معنًى يَحرُمُ مِنْ الأجنَبيةِ ويَحِلُّ مِنْ الزوجةِ، فحصَلَتْ بهِ الرجعةُ كالاستِمتاعِ. والصحيحُ الأولُ؛ لأنه لا يُبطِلُ خِيارَ المُشتري للأمَةِ، وكاللَّمسِ لغَيرِ شَهوةٍ. وخرَّجَه ابنُ حامِدٍ على وجهَينِ مَبنيَّينِ على الرِّوايتَينِ في تَحريمِ المُصاهرَةِ بهِ: أحَدُهما: هوَ رَجعةٌ؛ لأنَّه استِمتاعٌ يُباحُ بالزوجةِ، فحصَلَتِ الرجعةُ بهِ كالوَطءِ. والثَّاني: ليسَ برَجعةٍ؛ لأنه أمرٌ لا يَتعلَّقُ بهِ إيجابُ عدَّةٍ ولا مَهرٍ، فلا تَحصلُ بهِ كالنَّظرِ. فأمَّا الخَلوةُ بها فليسَتْ رَجعةً على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ تَحريمَ المُصاهَرةِ لا يَثبتُ بها. وفي قَولٍ: يَحصلُ بها؛ لأنه محرمٌ مِنْ غَيرِ الزوجةِ، فأشبَهَ الاستِمتاعَ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الرجعةَ لا تَصحُّ بالفِعلِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ الفِعلُ مَصحوبًا بنيَّةِ الرجعةِ أم لا، وسَواءٌ كانَ وَطئًا أو ما

стр. 10826

دُونَه، ولا تَصحُّ الرجعةُ إلا بالقَولِ، ولا تَصحُّ بالفِعلِ بحَرامٍ، ويَحرمُ وَطؤُها قبلَ أنْ يُراجِعَها؛ لأنَّ الرجعةَ استِباحةُ بُضعٍ مَقصودٍ يَصحُّ بالقَولِ، فلم يَصحَّ بالفِعلِ معَ القُدرةِ على القولِ كالنكاحِ؛ لأنَّ ابتداءَ النكاحِ لا يَحصلُ بالفِعلِ، فكذا الرَّجعةُ، ولأنَّ الوَطءَ يُوجِبُ العدَّةَ، فكيفَ يقَطعُها؟! قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إنَّما هو بالكَلامِ دُونَ الفعلِ مِنْ جِماعٍ وغَيرِه؛ لأنَّ ذلكَ رَدٌّ بلا كَلامٍ، فلا تَثبتُ رَجعةٌ لرَجلٍ على امرأتِه حتى يَتكلَّمَ بالرجعةِ كما لا يَكونُ نِكاحٌ ولا طَلاقٌ حتَّى يَتكلمَ بهما، فإذا تَكلمَ بهَا في العدَّةِ ثبَتَتْ له الرجعةُ، والكَلامُ بها أنْ يَقولَ: «قَدْ راجَعتُها، أو قد ارتجَعْتُها، أو قَدْ ردَدْتُها إليَّ، أو قَدْ ارتَجعْتُها إليَّ»، فإذا تكلَّمَ بهذا فهيَ زَوجةٌ (١). وقالُوا: يَحرمُ الاستِمتاعُ بالرجعيةِ بوَطءٍ وغيرِه حتَّى بالنَّظرِ ولو بلا شَهوةٍ؛ لأنها مُفارَقةٌ كالبائنِ، ولأنَّ النكاحَ يُبيحُ الاستِمتاعَ، فيُحرِّمُه الطلاقُ؛ لأنه ضِدُّه. فإنْ وَطئَ الرَّجعيةَ فلا حَدَّ عليهِ ولا عليها وإنْ كانَ عالِمًا بالتَّحريمِ؛ لاختِلافِ العُلماءِ في إباحتِهِ، ولا يُعزَّرُ إلا مُعتقِدُ تَحريمِه إذا كانَ عالِمًا بالتحريمِ؛ لإقدامِه على مَعصيةٍ عِندَه، بخِلافِ مُعتقِدِ حِلِّه والجاهلِ بتَحريمِه؛ لِعذُرِه، ومِثلُه في ذلكَ المرأةُ، وكالوَطءِ في التعزيرِ سائرُ التمتُّعاتِ.

стр. 10827

ويَجبُ عليهِ بوَطءِ الرجعيةِ مَهرُ مِثلٍ جَزمًا إنْ لَم يُراجِعْ؛ لأنها في تَحريمِ الوَطءِ كالمُتخلِّفةِ في الكُفرِ، فكذا في المَهرِ، ولا يَجبُ إلا مَهرٌ واحِدٌ وإنْ تَكرَّرَ الوَطءُ؛ لاتِّحادِ الشُّبهةِ. وكذا يَجبُ المَهرُ إنْ راجَعَ بعدَ الوَطءِ على المَذهبِ المَنصوصِ؛ لأنَّ الرجعةَ لا تَرفعُ أثَرَ الطلاقِ، وليسَتِ الرَّجعيةُ زَوجةً مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لتَزلزُلِ العَقدِ بالطلاقِ، فمُوجِبُ مَهرِ المِثلِ بَعدُه الشُّبهةُ لا عقدُ النكاحِ، فالمَهرُ قد وجَبَ بوَطءِ الشُّبهةِ دُونَ العَقدِ، وهذا يَرفعُ استِشكالَ مَنْ قالَ: «إيجابُ المَهرِ بالوَطءِ يُؤدِّي إلى إيجابِ مهرَينِ في عَقدٍ واحدٍ»، وأُجيبَ بأنَّ المَهرَ الثاني بوَطءِ الشُّبهةِ لا بالعَقدِ. وفي قَولٍ مُخرَّجٍ: لا يَجبُ المَهرُ إذا راجَعَ بعدَ الوَطءِ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ عليهِ مَهرَ المِثلِ غيرَ الشافِعيِّ، وليسَ قولُه بالقَويِّ؛ لأنها في حُكمِ الزوجاتِ وتَرثُه ويَرثُها، فكيفَ يَجبُ مَهرُ المِثلِ في وَطءٍ امرَأةٍ حُكمُها في أكثَرِ أحكامِها حُكمُ الزوجةِ؟ إلا أنَّ الشُّبهةَ في قَولِ الشافِعيِّ قَويةٌ؛ لأنها عليهِ مُحرَّمةٌ إلا برَجعةٍ لها، وقَد أجمَعُوا على أنَّ المَوطوءَةَ بشُبهةٍ يَجبُ لها المَهرُ، وحسْبُكَ بهذا (٢).

стр. 10828

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا اختِلافُهم فيما تَكونُ بهِ الرَّجعةُ فإنَّ قومًا قالُوا: لا تَكونُ الرجعةُ إلا بالقَولِ فقَطْ، وبهِ قالَ الشافعيُّ. وقومٌ قالُوا: تَكونُ رَجعَتُها بالوَطءِ، وهؤلاءِ انقَسمُوا قِسمَينِ، فقالَ قومٌ: لا تَصحُّ الرجعةُ بالوَطءِ إلا إذا نوَى بذلكَ الرجعةَ؛ لأنَّ الفِعلَ عِندَه يَتنزَّلُ مَنزلةَ القَولِ معَ النِّيةِ، وهوَ قولُ مالكٍ. وأما أبو حَنيفةَ فأجازَ الرجعةَ بالوَطءِ إذا نَوى بذلكَ الرجعةَ ودُونَ النِّيةِ. فأمَّا الشافعيُّ فقاسَ الرجعةَ على النكاحِ وقالَ: قَدْ أمَرَ اللهُ بالإشهادِ، ولا يَكونُ الإشهادُ إلا على القولِ. وأمَّا سَببُ الاختلافِ بينَ مالكٍ وأبي حَنيفةَ: فإنَّ أبا حَنيفةَ يَرى أنَّ الرجعيةَ مُحلَّلةُ الوَطءِ عندَه؛ قِياسًا على المُولَى مِنها وعلى المُظاهَرةِ، ولأنَّ المِلكَ لم يَنفصلْ عندَه، ولذلكَ كانَ التَّوارثُ بينَهُما، وعندَ مالِكٍ أنَّ وطْءَ الرجعيةِ حَرامٌ حتَّى يَرتجِعَها، فلا بُدَّ عِندَه مِنْ النَّيةِ، فهذا هو اختِلافُهم في شُروطِ صحَّةِ الرجعةِ (١).

стр. 10829

أحكامُ الرَّجعةِ: الإشهادُ على الرَّجعةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على مَشروعيَّةِ الإشهادِ على الرجعةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ على أنَّ السُّنةَ الإشهادُ (١). والإشهَادُ أنْ يقولَ لرَجلَينِ مِنْ المسلمِينَ: «اشهَدَا أني راجَعْتُ زَوجتِي إلى نِكاحِي، أو راجَعْتُها لِمَا وقَعَ عليها مِنْ طَلاقي» ونحو ذلكَ ممَّا يُؤدِّي معناهُ، ولا يُشترطُ وليٌّ ولا شُهودٌ ولا مَهرٌ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في حُكمِ الإشهادِ على الرجعةِ، هل هو مُستحبٌّ؟ أم واجِبٌ وشَرطٌ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الجَديدِ -وهو المَذهبُ- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإشهادَ على الرجعةِ مُستحبٌّ وليسَ بواجبٍ، فمَن راجَعَ ولم يُشهِدْ صحَّتْ رَجْعتُه. واستَدلُّوا على ذلكَ بما يلي:

стр. 10830

١ - عُمومُ النُّصوصِ الواردةِ في الرجعةِ ليسَتْ مُقيَّدةً بإشهادٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقولِه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولم يَذكرِ الإشهادَ في شيءٍ مِنْ هذا. ٢ - قَولُ النبيِّ ﷺ لعُمرَ: «مُرْهُ فليُراجِعْها»، ولم يأمُرْه بالإشهادِ، فلو كانَ شَرطًا لأمَرَه به. ٣ - ولأنها لا تَفتقرُ إلى الوَليِّ .. فلم تَفتقرْ إلى الشهادةِ كالبَيعِ والهِبةِ، وعَكسُه النكاحُ. ٤ - وأيضًا لمَّا كانَتِ الفُرقةُ حقًّا لهُ وجازَتْ بغَيرِ إشهادٍ -إذْ لا يَحتاجُ فيها إلى رِضَا غيرِه- وكانَتِ الرجعةُ أيضًا حقًّا لهُ وجَبَ أنْ تَجوزَ بِغيرِ إشهادٍ. ٥ - ولأنَّ الرجعةَ استِدامةٌ للنكاحِ، والإشهادُ ليسَ بشَرطٍ في استِدامةِ النكاحِ، وبَيانُه أنَّ اللهَ تَعالى سمَّى الرجعةَ إمساكًا، وهو مَنعٌ للمُزيلِ مِنْ أنْ يَعملَ عمَلَه بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، فلا يكونُ الإشهادُ عليهِ شَرطًا كالفَيءِ في الإيلاءِ. ٦ - والمُرادُ بالآيَةِ -وهيَ قَولُه تعالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]-الاستِحبابُ؛ لأنَّ

стр. 10831

اللهَ تعالَى جمَعَ بيْنَ الرجعةِ والفُرقةِ وأمَرَ بالإشهادِ عليهِما، ثمَّ الإشهادُ على الفُرقةِ مُستحبٌّ لا واجِبٌ، فكذلكَ على الرجعةِ، وهو نَظيرُ قولِه تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثمَّ البَيعُ صَحيحٌ مِنْ غيرِ إشهادٍ، فكذا الرجعةُ. ٧ - والإشهادُ على الرَّجعةِ مَندوبٌ إليهِ؛ احتِرازًا عَنْ التَّجاحُدِ وعن الوُقوفِ في مَواضِعِ التُّهمِ؛ لأنَّ الناسَ عرَفوهُ مُطلِّقًا، فيُتَّهمُ بالقُعودِ معها إنْ لَم يُشهدْ عَلى رَجعتِها. ٨ - ولأنَّ الفُقهاءَ لم يَختلفُوا في أنَّ المُرادَ بالفِراقِ المَذكورِ في الآيَةِ إنَّما هو تَركُها حتى تَنقضيَ عدَّتُها، وأنَّ الفُرقةَ تَصحُّ وإنْ لم يقَعِ الإشهادُ عليها، ويُشهدُ بعدَ ذلكَ، وقد ذُكرَ الإشهادُ عَقيبَ الفُرقةِ ثمَّ لم يَكنْ شَرطًا في صحَّتِها، كذلكَ الرَّجعةُ. ٩ - وأيضًا لمَّا أمَرَ اللهُ بالإشهادِ على الإمساكِ أو الفُرقةِ احتِياطًا لهُما ونفيًا للتُّهمةِ عنهُما إذا عُلمَ الطلاقُ ولم يُعلَمِ الرجعةُ أو لم يُعلمِ الطلاقُ والفِراقُ، فلا يُؤمَنُ التَّجاحُدُ بينَهُما، ولم يَكنْ معنَى الاحتِياطِ فيهما مَقصورًا على الإشهادِ في حالِ الرجعةِ أو الفُرقةِ، بل يَكونُ الاحتِياطُ باقيًا، وإنْ أشهَدَ بعدَهُما وجَبَ أنْ لا يَختلفَ حُكمُهما إذا أشهَدَ بعدَ الرجعةِ بساعةٍ أو ساعتَينِ، قالَ الجصَّاصُ ﵀: ولا نَعلمُ بيْنَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في صحَّةِ وُقوعِ الرجعةِ بغَيرِ شُهودٍ، إلا شَيئًا يُروَى عن عَطاءٍ؛ فإنَّ سُفيانَ رَوى

стр. 10832

عن ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ قالَ: الطلاقُ والنكاحُ والرجعةُ بالبيِّنةِ، وهذا مَحمولٌ على أنه مَأمورٌ بالإشهادِ على ذلكَ احتِياطًا مِنْ التَّجاحُدِ، لا على أنَّ الرجعةَ لا تَصحُّ بغَيرِ شُهودٍ، ألَا تَرى أنه ذكَرَ الطلاقَ مَعها، ولا يَشكُّ أحَدٌ في وُقوعِ الطلاقِ بغَيرِ بيِّنةٍ. ١٠ - وأيضًا فاللهُ سُبحانَه قالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾، وليسَ فيهِ ما يَقتضِي المقارَنةَ للرجعةِ، فلو أشهَدَ بعدَ الرجعةِ وَفَّى مُقتَضى الآيَةِ، والإشهادُ بعدَ الرجعةِ مُستحبٌّ بالإجماعِ، فكذلكَ عندَ الرجعةِ؛ حذارًا مِنْ الجَمعِ بيْنَ الحَقيقةِ والمَجازِ في اللَّفظِ الواحدِ. وعلى هذا لو أشهَدَ وأوصَى الشُّهودَ بكِتمانِها فصَحيحةٌ؛ لعَدمِ اشتِراطِ الإشهادِ (١).

стр. 10833

وذهَبَ الشافعيةُ في القَديمِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ والمالِكيةُ في قولٍ إلى أنَّ الإشهادَ على الرَّجعةِ واجِبٌ وشَرطٌ لصحَّةِ الرجعةِ؛ لظاهِرِ قولِه تَعالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فأمَرَ بالإشهادِ على الرجعةِ، والأمرُ يَقتضِي الوُجوبَ، ولأنه استباحةُ بُضعٍ مَقصودٍ، فكانَتِ الشهادةُ شَرطًا فيه كالنكاحِ. فإنِ ارتَجعَ بغَيرِ شَهادةٍ لم يَصحَّ؛ لأنَّ المعتبَرَ وُجودُها في الرجعةِ دُونَ الإقرارِ بها، إلا أنْ يَقصدَ بذلكَ الارتجاعَ فيَصحُّ. وعلى هذهِ الرِّوايةِ عندَ الحَنابلةِ: إنْ أوصَى الزوجُ الشُّهودَ بكِتمانِ الرجعةِ بطَلَتِ الرجعةِ؛ لِمَا رَوى أبو بكرٍ في «الشَّافي» بسَنَدِه إلى خلاسٍ قالَ: «طلَّقَ رَجلٌ امرَأتَه عَلانيَةً وراجَعَها سِرًّا وأمَرَ الشاهدَينِ أنْ يَكتمَاها -أي الرجعةَ-، فاختَصمُوا إلى عَليٍّ، فجلَدَ الشاهدَينِ واتَّهمَهُما، ولم يَجعلْ له عليها رَجعةً» (١) (٢).

стр. 10834

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا هل الإشهادُ شَرطٌ في صحَّتِها أم ليسَ بشَرطٍ؟ … فذهَبَ مالكٌ إلى أنه مُستحبٌّ، وذهَبَ الشافِعيُّ إلى أنه واجِبٌ. وسَببُ الخِلافِ معارَضةُ القِياسِ للظاهرِ، وذلكَ أنَّ ظاهِرَ قولِه تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] يَقتضِي الوُجوبَ، وتَشبيهُ هذا الحَقِّ بسائرِ الحُقوقِ التي يَقبضُها الإنسانُ يَقتضِي أنْ لا يَجبَ الإشهادُ، فكانَ الجَمعُ بينَ القِياسِ والآيةِ حَملُ الآيةِ على النَّدبِ (١). سَفرُ الزَّوجِ بالمُطلَّقةِ الرَّجعيةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا رَجعيًّا، هل يَجوزُ لزَوجِها أنْ يُسافِرَ بها في أثناءِ العدَّةِ قبلَ أنْ يُراجِعَها أم لا؟ فذهَبَ الحَنابلةُ وزُفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يَجوزُ للزوجِ السَّفرُ بمُطلَّقتِه الرجعيةِ وإنْ لَم يَنوِ رَجْعتَها؛ لأنها في حُكمِ الزوجاتِ؛ لأنَّ الحِلَّ والنكاحَ بينَهُما قائِمٌ، فلهُ أنْ يسافِرَ بها (٢).

стр. 10835

وذهَبَ الحَنفيةُ -خِلافًا لزُفرَ- والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ للزوجِ السَّفرُ بمُطلَّقتِه الرجعيةِ حتى يُراجِعَها؛ لقَولِه تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، نزَلَتْ في المُعتدَّاتِ مِنْ الرجعيِّ. ولأنها مُعتدَّةٌ، والمُعتدَّةُ مَمنوعةٌ مِنْ إنشاءِ السَّفرِ معَ زَوجِها كما تُمنَعُ مِنْ إنشاءِ السفرِ معَ المَحرَمِ، وربَّما تَنقضِي عدَّتُها في الطريقِ فتَبقَى بغَيرِ محرَمٍ ولا زَوجٍ (١). قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أما المُسافَرةُ بها فقدْ قالَ زُفرُ مِنْ أصحابِنا أنه يَحلُّ له المُسافَرةُ بها قبلَ الرجعةِ، وأما على قَولِ أصحابِنا الثلاثةِ فإنما لا تَحلُّ لا لزَوالِ المِلكِ؛ بل لكَونِها مُعتدَّةً، وقد قالَ اللهُ تعالَى في المُعتدَّاتِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، نهَى الرِّجالَ عَنْ الإخراجِ والنِّساءَ عن الخُروجِ، فيُسقِطُ الزوجُ العدَّةَ بالرجعةِ؛ لتَزولَ الحُرمةُ ثمَّ يُسافِرُ (٢). تَزيُّنُ المطلَّقةِ الرَّجعيةِ لزَوجِها والخَلوةُ بها: نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والحَنابلةِ على أنه يَجوزُ للزوجةِ المطلَّقةِ طَلاقًا رَجعيًّا أنْ تَتزيَّنَ لزَوجِها.

стр. 10836

قالَ الحَنفيةُ: المُعتدَّةُ مِنْ الطلاقِ الرجعيِّ تتزيَّنُ لزَوجِها وتَتشوَّفُ له إذا كانَتِ المُراجَعةُ مَرجوَّةً؛ لأنها حَلالٌ للزوجِ؛ إذِ النكاحُ قائِمٌ بينَهُما، ثمَّ الرجعةُ مُستحبَّةٌ، والتَزيُّنُ حامِلٌ عليها. فأما إذا كانَتِ المَرأةُ تَعلمُ أنه لا يُراجِعُها لشِدَّةِ غَضبِه عليها فإنها لا تَفعلُ ذلكَ، وإذا كانَ مِنْ شَأنِه أنْ لا يُراجِعَها فالأحسَنُ أنْ يُعلِمَها بدُخولِه عليها إما بالتَّنحنُحِ أو تَحقُّقِ الفِعلِ؛ لأنَّ الدُّخولَ عليها ليسَ بمُباحٍ، ولكنْ لأنَّ المَرأةَ في بَيتِها تكونُ في ثِيابِ مِهنتِها، فربَّما يَراها مُتجرِّدةً فيقَعُ بصَرُه على مَوضعٍ يَصيرُ به مُراجِعًا ثمَّ يُطلِّقُها فتَطولُ عليها العدَّةُ، وقد نَهى اللهُ عَنْ ذلكَ بقَولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، نزَلَتْ هذه الآيَةُ في ثابتِ بنِ يَسارٍ الأنصارِيِّ، «طلَّقَ امرَأتَه حتى إذا انقَضَتْ عدَّتُها إلا بيَومٍ أو يومَينِ وكادَتْ تَبِينُ منه راجَعَها ثمَّ طلَّقَها، ففعَلَ بها مثلَ ذلكَ حتى مضَتْ عليها سَبعةُ أشهُرٍ، مضارَّةً بها»، ويُكرهُ لهُ أنْ يَراها مُتجرِّدةً إذا لم يَكنْ مِنْ شأنِه الرجعةُ (١). وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: في الطلاقِ الرجعيِّ هل تُحظَرُ الزِّينةُ والطِّيبُ؟ قالَ أصحابُنا: لا بأسَ بذلكَ. وقالَ بِشرُ بنُ الوليدِ عن أبي يُوسفَ: لا بأسَ بأنْ تَتشوَّفَ المطلَّقةُ وتَتطيَّبَ وتَلبسَ الحُليَّ إذا كانَ طلاقًا رَجعيًّا.

стр. 10837

قالَ: ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ. قالَ: وله فيها قولٌ آخَرُ أنه يَدخلُ عليها بغَيرِ إذنٍ، إلا أنه يَتنحنَحُ ويَخفِقُ نَعلَيهِ، ولا بأسَ بأنْ يَنظرَ إلى شَعرِها ومَحارِمِها، ولا يَنظرُ على مُحرَّمٍ منها حتى يُشهِدَ على رَجعتِها … (١). وقالَ الحَنابلةُ: الزوجةُ الرجعيةُ لها أنْ تَتزيَّنَ لزَوجِها كما تتزيَّنُ النِّساءُ لأزواجِهنَّ؛ لإباحَتِها لهُ كما قبلَ الطلاقِ، ولها أنْ تَستشرِفَ لهُ بأنْ تَتعرَّضَ لهُ وتُريَه نفسَها ليَرغبَ فيها (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَتزيَّنَ لزَوجِها؛ لأنه يَحرمُ عليهِ الاستِمتاعُ بها بأيِّ وَجهٍ كانَ. قالَ المالِكيةُ: يَحرمُ الاستِمتاعُ بالرجعيةِ قبْلَ المُراجَعةِ بنَظرَةٍ أو غيرِها مِنْ رُؤيةِ شَعرٍ واختِلاءٍ بها؛ لأنَّ الطلاقَ مُضادٌّ للنكاحِ الذي هو سَببٌ للإباحةِ، ولا بقاءَ للضِّدِّ معَ وُجودِ ضِدِّه، ولا يُكلِّمُها ولا يَدخلُ عليها ولو كانَ معَها مَنْ يَحفظُها، ولا يَأكلُ مَعها ولو كانَ معها مَنْ يَحفظُها، وكذا لا يكلِّمُها ولو كانَتْ نِيتُه رَجعتُها حتى يُراجِعَها، وهذا تَشديدٌ عليهِ لِئلَّا يَتذاكَرَا ما كانَ فيُجامِعَها.

стр. 10838

ولا بأسَ أنْ يَرى وَجهَها وكفَّيْها لغَيرِ لذَّةٍ اتفاقًا؛ إذْ للأجنَبيِّ ذلك، ولهُ السُّكنى معها في دارٍ جامِعةٍ لها وللناسِ ولو أعزَبَ، وأمَّا الخَلوةُ بها والسُّكنَى معَها فلا تَجوزُ. قالَ مالكٌ ﵀: مَنْ طلَّقَ امرَأتَه طَلاقًا يَملكُ فيهِ الرجعةَ لا يَتلذَّذُ مِنها بنَظرةٍ أو غَيرِها ولا يَأكلُ مَعها ولا يَرى شعْرَها ولا يَخلُو معها، وكانَ يَقولُ: لا بأسَ أنْ يَدخلَ عليها ويَأكلَ معها إذا كانَ معَها مَنْ يَتحفَّظُ بها، ثمَّ رجَعَ فقالَ: لا يَفعلُ. قالَ عِياضٌ: ظاهِرُه مَنعُ التلذُّذِ بها على كلِّ حالٍ (١). وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبْرى»: قلتُ: أرَأيتَ المُطلَّقةَ ثَلاثًا أو واحِدةً بائِنًا أو واحِدةً يَملكُ الرجعةَ وليسَ لها ولزَوجِها إلا بَيتٌ واحِدٌ، البَيتُ الذي كانَا يَكونانِ فيهِ؟ قالَ: قالَ مالكٌ: يَخرجُ عنها ولا يَكونُ معَها في حُجْرتِها تُغلِقُ الحُجرةَ عليهِ وعليها، والمَبتوتَةُ والتي يَملكُ الرجعةَ في هَذا سَواءٌ، قالَ: وقالَ مالِكٌ: وإذا كانَتْ دارٌ جامِعةٌ لا بأسَ أنْ يَكونَ معها في الدارِ، تَكونُ هي في بَيتٍ وهوَ في بَيتٍ آخَرَ، قالَ مالكٌ: وقدِ انتَقلَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ.

стр. 10839

سحنونٌ عن ابنِ وَهبٍ عن ابن لَهيعةَ أنَّ يَزيدَ بنَ أبي حَبيبٍ حدَّثَه أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ كانَ يَبعثُ إلى المَرأةِ بطلاقِها ثمَّ لا يَدخلُ عليها حتى يُراجِعَها، وقالَ رَبيعةُ: يَخرجُ عنها ويُقرُّها في بَيتِها، لا يَنبغِي أنْ يأخُذَهما غَلَقٌ، ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ في حاجةٍ إنْ كانَ له فالمُكثُ له عليها في العدَّةِ واستِبراؤُه إياها فهوَ أحَقُّ بالخُروجِ عنها (١). وقالَ الشافِعيةُ: يَحرمُ الاستِمتاعُ بالزوجةِ الرجعيةِ، ويَحرمُ لَمسُها والنَّظرُ إليها بشَهوةٍ وبغَيرِ شَهوةٍ وسائرُ الاستِمتاعاتِ؛ لأنَّ النكاحَ يُبيحُ الوَطءَ، فيُحرِّمُه الطلاقُ؛ لأنَّه ضدُّه، ولأنها كالبائنِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ المُطلَّقةَ طلاقًا يَملكُ فيهِ زَوجُها رَجعتَها أنها لا تَنتقلُ مِنْ بَيتْها … وأمَّا حَديثُ ابنِ عمُرَ -الذي رَواهُ مالِكٌ عن نافعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ طلَّقَ امرَأةً له في مَسكنِ حَفصةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ وكانَ طَريقَه إلى المَسجدِ، فكانَ يَسلكُ الطريقَ الأُخرى مِنْ أدبارِ البُيوتِ كَراهيَةَ أنْ يَستأذِنَ عليها حتى راجَعَها- فهو مِنْ وَرَعِه.

стр. 10840

وغيرُه كانَ يَأمرُ المطلَّقةَ الرجعيةَ أنْ تَتزيَّنَ وتَتشوَّفَ لزَوجِها وتَتعرَّضَ له، ورُويَ ذلكَ عَنْ جَماعةٍ مِنْ فُقهاءِ التابعينَ. وقَد رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «تَتشوَّفُ لهُ». وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «لا يَصلحُ له أنْ يَرى شعْرَها». وقد رَوى عُبيدُ اللهِ بنُ عُمرَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ «أنه طلَّقَ امرأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ فكانَ يَستأذِنُ عليها» ذكَرَه أبو بَكرٍ عن عَبدةَ بنِ سُليمانَ عن عُبيدِ اللهِ. ورَوى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: «إذا طلَّقَ الرجلُ امرَأتَه تَطليقةً فإنه يَستأذنُ عليها، وتَلبسُ ما شاءَ مِنْ الثِّيابِ والحُليِّ، فإنْ لم يَكنْ لهُمَا إلا بَيتٌ واحدٌ فلْيَجعلَا بينَهُما ستْرًا، ويُسلِّمُ إذا دخَلَ». وقالَ مَعمرٌ عن الزُّهريِّ وقَتادةَ في الرَّجلِ يطلِّقُ امرَأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ قالَا: «تَتشوَّفُ لهُ». وقالَ إبراهيمُ: لا يَكونُ مَعها في بَيتِها، ولا يَدخلُ عَليها إلا بإذنٍ. وقالَ الحسَنُ ومُجاهدٌ وعَطاءٌ وقَتادةُ: يُشعِرُها بالتَّنحنُحِ والتَّنخمِ ونحوِ ذلكَ. وقالَ مالكٌ في المُطلَّقةِ الرجعيةِ: لا يَخلُو معها، ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ، ولا يَنظرُ إليها إلا وعليها ثِيابُها، ولا يَنظرُ إلى شعْرِها، ولا بأسَ أنْ يَأكلَ معها إذا كانَ معها غَيرُهما، ولا يَبيتُ معها في بَيتٍ ولا يَنتقلُ عنها.

стр. 10841

وقالَ ابنُ القاسمِ: رجَعَ مالكٌ عن ذلكَ وقالَ: لا يَدخلُ عليها ولا يَرى شعْرَها ولا يَأكلُ مَعها. وقالَ الثَّوريُّ: لا بأسَ أنْ تَتشوَّفَ لهُ وتتزيَّنَ وتُسلِّمَ، ولا يَستأذنُ عليها ولا يُؤذِنُها، ويُؤذِنُها بالتَّنحنحُ، ولا يَرى لها شَعرًا ولا مُحرَّمًا، وهو قولُ أبي يُوسفَ. وقالَ الأوزاعيُّ: لا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ، وتَتشوَّفُ له وتَتزيَّنُ وتُبدِي البَنانَ والكُحلَ. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ أنْ تتزيَّنَ المطلَّقةُ الرجعيةُ لزَوجَها وتَطيَّبَ. وقالَ أبو يُوسفَ مرَّةً: يَدخلُ عليها بغَيرِ إذنٍ، إلا أنه يَتنحنَحُ ويَخفقُ نعلَيه، ومرَّةً قالَ: لا يَدخلُ عليها إلا بإذنٍ، ولا يَرى شَيئًا مِنْ مَحاسنِها حتى يُراجِعَها. ولم يَختلفْ أبو حَنيفةَ وأصحابُه في أنها تَتزيَّنُ لهُ وتَتطيَّبُ وتَلبسُ الحُليَّ وتتشوَّفُ. وقالَ الحسَنُ بنُ حيٍّ: يَعتزلُها ولا يَرى شَعرَها ولا يَنظرُ إلَيها، ويَبيتانِ وبينَهُما حِجابٌ، وتَتعرَّضُ له وتتزيَّنُ. وقالَ اللَّيثُ: لا يَرى شَيئًا مِنْ مَحاسِنِها حتى يُراجِعَ (١).

стр. 10842

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في مِقدارِ ما يَجوزُ للزوجِ أنْ يَطَّلعَ عليهِ مِنْ المطلَّقةِ الرجعيةِ ما دامَتْ في العدَّةِ، فقالَ مالكٌ: لا يَخلُو مَعها، ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنِها، ولا يَنظرُ إلى شَعرِها، ولا بأسَ أنْ يأكُلَ معها إذا كانَ معَهما غيرُهما. وحكى ابنُ القاسِمِ أنه رجَعَ عن إباحَةِ الأكلِ معها. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ أنْ تتزيَّنَ الرجعيةُ لزَوجِها وتَتطيَّبَ له وتَتشوَّفَ وتُبدِي البَنانَ والكُحلَ، وبهِ قالَ الثوريٌّ وأبو يُوسفَ والأوزاعيُّ، وكلُّهم قالُوا: لا يَدخلُ عليها إلا أنْ تَعلمَ بدُخولِه بقَولٍ أو حَركةٍ مِنْ تَنحنُحٍ أو خَفقِ نَعلٍ (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما الخَلوةُ؛ فإنْ كانَ مِنْ قَصدِه الرجعةُ لا يُكرَه، وإنْ لم يَكنْ مِنْ قَصدِه المُراجَعةُ يُكرَه، لكنْ لا لزوالِ النكاحِ وارتِفاعِ الحِلِّ، بل للإضرارِ بها؛ لأنه إذا لم يكنْ مِنْ قَصدِه استِيفاءُ النكاحِ بالرجعةِ فمَتى خَلا بها يقَعَ بينَهُما المِساسُ عَنْ شَهوةٍ، فيَصيرُ مُراجِعًا لها، ثمَّ يُطلِّقُها ثانيًا فيُؤدِّي إلى تَطويلِ العدَّةِ عليها فتَتضرَّرُ بذلكَ، وهو مَعنَى قَولِه تعَالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وكذلكَ القَسْمُ؛ لأنه لو ثبَتَ القَسْمُ لَخَلا بها، فيُؤدِّي إلى ما ذكَرْنا إذا لم يَكنْ مِنْ قَصدِه أنْ يُراجِعَها، حتى لو كانَ مِنْ قَصدِه أنْ يُراجِعَها لَكانَ لها القَسْمُ وله الخَلوةُ بها (٢).

стр. 10843

هل يُشتَرطُ رضَا الزَّوجةِ أو وليِّها لصحَّةِ الرَّجعةِ؟ أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنه لا يُشترطُ رضَا الزوجةِ أو وليِّها لصحَّةِ الرجعةِ، بل تَجوزُ الرجعةُ ولو كانَتْ كارِهةً غيرَ راضِيةٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مُطلقًا عن شَرطِ الرِّضا، ولأنه لو شُرطَ الرضا لم يَكنِ الزوجُ أحَقَّ برَجعتِها منهَا؛ لأنه لا يَملكُ بدُونِ رضاها، فيُؤدِّي إلى الخُلفِ في خبَرِ اللهِ وهذا لا يَجوزُ، ولأنَّ الرجعةَ شُرعَتْ لإمكانِ التَّداركِ عندَ النَّدمِ، فلو شُرطَ رِضاها لا يُمكِنْه التَّداركُ؛ لأنها عسَى لا تَرضَى (١). قالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه التي نكَحَها نِكاحًا صَحيحًا طلاقَ سنَّةٍ وهي ممَّن يَلزمُها عدَّةٌ مِنْ ذلكَ فطلَّقَها مرَّةً أو مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ فله مُراجَعتُها شاءَتْ أو أبَتْ بلا وَليٍّ ولا صَداقٍ ما دامَتْ في العدَّةِ، وأنهُما يَتوارثانِ ما لم تَنقَضِ العدَّةُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ الزوجَ يَملكُ رَجعةَ الزوجةِ في الطلاقِ الرجعيِّ ما دامَتْ في العدَّةِ مِنْ غيرِ اعتِبارِ رِضاها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وأنَّ مِنْ شَرطِ هذا الطلاقِ تقدُّمُ المَسيسِ لهُ (٣).

стр. 10844

وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ أنَّ الرَّجعةَ للرَّجلِ ما دامَتِ المَرأةُ في العدَّةِ وإنْ كَرهَتِ المَرأةُ ذلكَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُعتبَرُ في الرجعةِ رضَى المَرأةِ؛ لقَولِ الله تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فجعَلَ الحَقَّ لهُم، وقالَ سُبحانَه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فخاطَبَ الأزواجَ بالأمرِ ولم يَجعلْ لهُنَّ اختِيارًا؛ ولأنَّ الرجعةَ إمساكٌ للمَرأةِ بحُكمِ الزوجيةِ، فلمْ يُعتبَرْ رضاها في ذلكَ كالتي في صُلبِ نِكاحِه، وأجمَعَ أهلُ العلمِ على هَذا (٢). هل يُشترطُ إعلامُ الزَّوجةِ بالرَّجعةِ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرُهم على أنَّ إعلامَ الزوجةِ بالرَّجعةِ مُستحبٌّ؛ لأنه إذا راجَعَها ولم يُعلِمْها بالرجعةِ فمِن الجائزِ أنها تَتزوَّجُ عِند مُضيِّ ثَلاثِ حِيَضٍ ظنًّا منها أنْ عدَّتَها قدِ انقضَتْ، فكانَ تَركُ الإعلامِ فيهِ تَسبُّبًا إلى عَقدٍ حَرامٍ عسَى، فاستُحبَّ لهُ أنْ يُعلِمَها. ولا يُشترطُ إعلامُها بذلكَ عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فلو راجَعَها في أثناءِ العدَّةِ ولم يُعلِمْها حتى انقَضَتْ عدَّتُها فإنها زَوجةٌ له بتلكَ المُراجَعةِ. قالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ مَنْ طلَّقَ زوْجتَه طَلاقًا رَجعيًّا ثمَّ راجَعَها بشُهودٍ في العدَّةِ ولم يُعلِمْها حتَّى انقضَتِ العدَّةُ أنها

стр. 10845

زوْجتُه بتلكَ الرجعةِ، إلا الحسَنَ البَصريَّ فإنه قالَ: لا تَكونُ تلكَ رَجعةً إلا أنْ يُعلِمَها بها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ الأولَ أحَقُّ بها لو جاءَ قبْلَ أنْ تتزوَّجَ كانَتِ امرَأتَه لرَجعتِه إيَّاها، وهذا يَدلُّ على صحَّةِ الرجعةِ معَ جَهلِ المَرأةِ بها (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: العُلماءُ قد أجمَعُوا على أنَّ الرَّجعةَ صَحيحةٌ وإنْ لم تَعلمْ بها المَرأةُ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: زَوجُ الرجعيةِ إذا راجَعَها وهي لا تَعلمُ صَحَّتِ المُراجَعةُ؛ لأنها لا تَفتقرُ إلى رضاها، فلمْ تَفتقرْ إلى عِلمِها كطَلاقِها (٤). الحُكمُ إذا راجَعَها ولم تَعلمْ حتَّى انقَضَتْ عدَّتُها ثمَّ تَزوَّجتْ بزَوجٍ آخَرَ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الزوجِ إذا طلَّقَ امرأتَه ثمَّ راجَعَها بغَيرِ أنْ تَعلمَ ثمَّ تزوَّجَتْ بزَوجٍ آخَرَ ثم ادَّعَى الزوجُ أنه راجَعَها وأتَى على ذلكَ بشُهودٍ، هل تَكونُ له أم للزَّوجِ الثاني؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يَدخلَ بها الثاني أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا راجَعَ زَوجتَه ولم تَعلمْ برَجعتِها حتَّى انقضَتْ عدَّتُها ثم تزوَّجَتْ بزَوجٍ آخَرَ

стр. 10846

ثم جاءَ زَوجُها الأولُ وادَّعى أنه راجَعَها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها وأقامَ البيِّنةَ على ذلكَ أنها زَوجتُه وأنَّ نكاحَ الثاني فاسِدٌ؛ لأنه تزوَّجَ امرأةَ غيرِه، وتُرَدُّ إلى الأولِ، سَواءٌ دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ بها، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هذا هو الصَّحيحُ، وهو مَذهبُ أكثَرِ الفُقهاءِ، مِنهم الثوريُّ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ ﵁ (١). والدَّليلُ عليهِ قَولُ اللهِ : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد فعَلَ. ولأنَّ العُلماءَ أجمَعُوا أنَّ الأولَ أحَقُّ بها لو جاءَ قبلَ أنْ تتزوَّجَ كانَتِ امرَأتَه؛ لرَجعتِه إياها، وهذا يَدلُّ على صحَّةِ الرجعةِ معَ جَهلِ المَرأةِ بها، وإذا صحَّتِ الرجعةُ كانَتِ امرأةَ الأولِ، فلا يَصحُّ زَواجُ الثاني. فإنْ كانَ الثاني لم يَدخلْ بها فرِّقَ بينَهُما ورُدَّتْ إلى الأولِ ولا شيءَ على الثاني، وإنْ كانَ دخَلَ بها فلها عليهِ مَهرُ المِثلِ؛ لأنَّ هذا وَطءُ شُبهةٍ، وتَعتدُّ ولا تَحلُّ للأولِ حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها منهُ (٢).

стр. 10847

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو راجَعَها ولم يُعلِمْها حتَّى انقضَتْ مدَّةُ عدَّتِها وتزوَّجَتْ بزَوجٍ آخَرَ ثم جاءَ زَوجُها الأولُ فهي امرأتُه، سواءٌ كانَ دخَلَ بها الثاني أو لَم يَدخلْ، ويُفرَّقُ بينَها وبينَ الثاني؛ لأنَّ الرجعةَ قد صحَّتْ بدُونِ عِلمِها فتَزوَّجَها الثاني وهي امرَأةُ الأولِ، فلم يَصحَّ (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: لا يُشترطُ لصحَّةِ الرجوعِ رضَا وعِلمُ الزوجةِ، وماذا لو تَزوَّجَتْ بآخَرَ وادَّعى الزوجُ رَجعتَها؟ وتَصحُّ الرجعةُ مِنْ غيرِ عِلمِ الزوجةِ؛ لأنَّ ما لا تَفتقرُ صحَّتُه إلى رِضاها .. لم تَفتقرْ صحَّتُه إلى عِلمِها كالطلاقِ. إذا ثبتَ هذا: فإنِ انقَضَتْ عدَّتُها فتزوَّجَتْ بآخَرَ وادَّعَى الزوجُ الأولُ أنه كانَ راجَعَها قبلَ انقضاءِ عدَّتها منه وقالَ الزوجُ الثاني: «بل انقضَتْ عدَّتُها قبلَ أنْ تُراجِعَها» .. نَظَرت: فإنْ أقامَ الزوجُ الأولُ بيَّنةً أنه راجَعَها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها منهُ .. حُكِمَ بزَوجيَّتِها للأولِ وبطَلَ نكاحُ الثاني، سَواءٌ دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ بها، وبهِ قالَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وأكثرُ الفُقهاءِ. وقالَ مالكٌ: (إنْ دخَلَ بها الثاني .. فهو أحَقُّ بها)، وإنْ لم يَدخلْ بها الثاني .. ففيهِ رِوايتانِ: (إحداهُما: أنه أحَقُّ بها، والثانيةُ: أنَّ الأولَ أحَقُّ بها)، ورُويَ ذلكَ عَنْ عُمرَ ﵁.

стр. 10848

دَليلُنا: قَولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قَولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، و (المُحصَنةُ): مَنْ لها زَوجٌ، وهذه لها زَوجٌ وهو الأولُ، فلمْ يَصحَّ نكاحُ الثاني. إذا ثبَتَ هذا: فإنْ كانَ الثاني لم يَدخلْ بها .. فرِّقَ بينَهُما ولا شيءَ عليهِ، وإنْ دخَلَ بها .. فرِّقَ بينَهُما وعليهِ مَهرُ مِثلِها وعليها العدَّةُ؛ لأنه وَطءُ شُبهةٍ، ولا تَحلُّ للأوَّلِ حتى تَنقضيَ عدَّتُها مِنْ الثاني. وإنْ لم يَكنْ معَ الأولِ بيِّنةٌ .. فله أنْ يُخاصِمَ الزوجَ الثاني، وله أنْ يُخاصِمَ الزوجةَ، والأَولى أنْ يَبتدِئَ بخُصومةِ الثاني؛ لأنه أقرَبُ … (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجَ إذا راجَعَها ولم تَعلمْ برَجعتِه حتَّى انقضَتْ عدَّتُها ثم تزوَّجَتْ إنْ دخَلَ بها الثاني فهي امرَأتُه ويَبطلُ نِكاحُ الأولِ، رُويَ ذلكَ عَنْ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، ورُويَ مَعناهُ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ ونافعٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما عقَدَ عليها وهي ممَّن يَجوزُ له العَقدُ في الظاهرِ، ومع الثاني مَزيَّةُ الدُّخولِ، فقدِّمَ بها. قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا بَلاغُ مالكٍ عن عُمرَ في الذي طلَّقَ فأعلَمَها فارتَجعَ ولم يُعلمْها حتَّى رجعَتْ نكَحَتْ فهو غَيرُ مَشهورٍ عن عُمرَ مِنْ رِوايةِ أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ.

стр. 10849

وذكَرَ عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَنا مَعمرٌ عن عَبدِ الكَريمِ الجزَريِّ عن سَعيدِ ابنِ المُسيبِ ومَعمر عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ: «أنَّ أبا كَنَفٍ طلَّقَ امرَأتَه ثمَّ خرَجَ مُسافِرًا وأشهَدَ على رَجعتِها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها ولا عِلمَ لها بذلكَ حتَّى تزوَّجَتْ، فسَألَ عن ذلكَ عُمرَ بنَ الخطَّابِ فقالَ: «إنْ دخَلَ بها فهيَ امرأتُه، وإلا فهي امرَأتُكَ إنْ أدرَكْتَها قبلَ أنْ يَدخلَ بها». قالَ: وأخبَرَناهُ الثَّوريُّ عن حمَّادٍ ومَنصورٌ والأعمَشُ عَنْ إبرَاهيمَ قالَ: «طلَّقَ أبو كَنَفٍ -رَجلٌ مِنْ نَجدٍ- امرَأتَه واحِدةً أو اثنتَينِ ثمَّ أشهَدَ على الرجعةِ، فلمْ يَبلغْها حتَّى انقَضَتْ عدَّتُها ثمَّ تزوَّجَتْ، فجاءَ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ فكتَبَ له إلى أميرِ مِصرَ: «إنْ كانَ دخَلَ بها الآخَرُ فهي امرَأتُه، وإلا فهي امرَأةُ الأولِ». وقالَ عليٌّ ﵁: «هي للأولِ، دخَلَ بها الآخَرُ أو لم يَدخلْ بها». ورَوى وَكيعٌ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالِدٍ عن الحكَمِ أنَّ أبا كَنَفٍ طلَّقَ امرَأتَه ولم يُعلِمْها وأشهَدَ على عدَّتِها فلم يُعلِمْها، فقالَ لهُ عُمرُ ﵁: «إذا أدرَكْتَها قبلَ أنْ تتزوَّجَ فأنتَ أحَقُّ بها»، هكذا قالَ: أنْ تَتزوَّجَ، المَحفوظُ في هذا الحَديثِ: إلا أنْ يَدخُلَ. وأمَّا قَولُه: «طلَّق امرَأتَه ولم يُعلِمْها» فخَطأٌ مِنْ الكاتِبِ، واللهُ أعلَمُ؛ وإنما هو: «طلَّقَ وأعلَمَها وأشهَدَ على رَجعتِها ولم يُعلِمْها».

стр. 10850

وَكيعٌ عن شُعبةَ عن الحكَمِ قالَ: قالَ عَليٌّ ﵁: «إذا طلَّقَها ثمَّ أشهَدَ على رَجعتِها فهي امرَأتُه، أعلَمَها أو لم يُعلِمْها». وقالَ أبو بَكرٍ: حدَّثَناهُ عَبدةُ عن سَعيدٍ عَنْ عُمرَ بنِ عامِرٍ عن حمَّادٍ عَنْ إبراهِيمَ عن عليٍّ كانَ يَقولُ: «هو أحقُّ بها، دخَلَ أو لَم يَدخلْ بها». قالَ أبو عُمرَ: قالَ بقَولِ عُمرَ في هذهِ المَسألةِ شُريحٌ والحسَنُ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ وعَطاءٌ وابنُ شِهابٍ وجابرُ بنُ زَيدٍ وغيرُهم، وبه قالَ مالكٌ والأوزاعيُّ واللَّيثُ وطائِفةٌ مع أهلِ المَدينةِ. ومِن حُجَّتِهم ما رَواهُ ابنُ وَهبٍ عن يُونسَ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ «أنَّ السُّنةَ مضَتْ في الذي يُطلِّقُ امرَأتَه ثم يُراجِعُها فيَكتمُها رَجْعتَها ثم تَحِلُّ فتَنكحُ زَوجًا غيرَه أنه ليسَ له مِنْ أمرِها شيءٌ، ولكنَّها مِنْ زَوجِها الآخَرِ». وهذا الخبَرُ إنَّما يُروى عنِ ابنِ شِهابٍ أنه قالَ: مضَتِ السُّنةُ لا أذكُرُ فيها سَعيدًا. ويَرويهِ ابنُ شِهابٍ وغيرُه عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ عَنْ عُمرَ أنه قضَى بذلكَ، لا ذِكرَ فيهِ للسُّنةِ، ولا يَصحُّ فيهِ ذِكرُ السُّنةِ، وهو عن عُمرَ مع وُجوهٍ كَثيرةٍ، وقد خالَفَه عَليٌّ في ذلكَ. وقد رَوى قَتادةُ عِن خِلاسٍ عن عليٍّ في هذهِ المَسألةِ أنه غرَّرَ الشُّهودَ الذينَ شَهِدوا في الرجعةِ واستكتَمُوا واتَّهمَهم فجلَدَهم وأجازَ الطلاقَ ولم يَردَّها إلى زَوجِها الأولِ.

стр. 10851

وهي رِوايةٌ منكَرةٌ، ولو قَبِلَ شَهادتَهم في الرجعةِ ما جلَدَهم، ولا يَصحُّ جَلدُ الشُّهودِ عنه ولا في شيءٍ مِنْ الأصولِ. والمَعروفُ عن عليٍّ ما رَواهُ إبراهيمُ والحكَمُ عنه. وأجمَعُوا أنَّ مَراسيلَ إبراهيمَ صِحاحٌ. وهو قَولُ إبراهيمَ وفُقهاءِ الكُوفيِّينَ أبي حَنيفةَ وأصحابِه والثوريِّ والحسَنِ بنِ حيٍّ، وبهِ قالَ الشافعيُّ وأبو ثَورٍ وداودُ، كلُّهم يَقولُ في ذلكَ بقَولٍ عليٍّ: «الأولُ أحَقُّ بها، دخَلَ الثاني أم لا». وأجمَعَ العلماءُ أنَّ الأولَ أحَقُّ بها لو جاءَ قبلَ أنْ تتزوَّجَ كانَتْ امرَأتَه؛ لرَجعتِه إياها، وهذا يَدلُّ على صِحةِ الرجعةِ مع جَهلِ المَرأةِ بها. وإذا صحَّتِ الرجعةُ كانَتْ امرَأةَ الأولِ وفُسخَ نكاحُ الآخَرِ وأُمرَ بفِراقِها ورُدَّتْ إلى الأولِ بعدَ العدَّةِ مِنْ الآخَرِ؛ لوَطءِ الشُّبهةِ، واستَحقَّتْ مَهرَها منه إنْ كانَ دخَلَ بها. والحُجَّةُ في ذلكَ قَولُ اللهِ : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد فعَلَ، وهذا القَولُ أقْيَسُ. وقَولُ مالكٍ مِنْ طَريقِ الاتِّباعِ أظهَرُ، واللهُ الموفِّقُ لا شَريكَ له وباللهِ التَّوفيقُ (١).

стр. 10852

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في هذا البابِ في الرَّجلِ يُطلِّقُ زَوجتَه طَلقةً رَجعيةً وهو غائِبٌ ثمَّ يُراجِعُها فيَبلُغُها الطلاقُ ولا يَبلغُها الرجعةُ فتَتزوَّجُ إذا انقضَتْ عدَّتُها، فذهَبَ مالِكٌ إلى أنها للذي عقَدَ عليها النكاحَ، دخَلَ بها أو لم يَدخلْ، هذا قَولُه في «المُوطَّأ»، وبه قالَ الأوزاعيُّ واللَّيثُ. ورَوى عنهُ ابنُ القاسِمِ أنه رجَعَ عن القَولِ الأولِ وأنه قالَ: الأولُ أَولى بها إلا أنْ يَدخلَ الثاني، وبالقَولِ الأولِ قالَ المَدنيُّونَ مِنْ أصحابِه، قالُوا: ولم يَرجعْ عنه؛ لأنه أثبَتَه في «مُوطِّئِه» إلى يَومِ ماتَ وهو يُقرأُ عليهِ، وهو قَولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ، ورواهُ عنه مالكٌ في «المُوطَّأ». وأمَّا الشافِعيُّ والكُوفيُّونَ وأبو حَنيفةَ وغيرُهم فقالُوا: زَوجُها الأولُ الذي ارتَجعَها أحَقُّ بها، دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ، وبه قالَ داودُ وأبو ثَورٍ، وهو مَرويٌّ عن عليٍّ، وهو الأبْيَنُ. وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنه قالَ في هَذهِ المَسألةِ: «إنَّ الزوجَ الذي ارتَجعَها مُخيَّرٌ بينَ أنْ تَكونَ امرَأتَه أو أنْ يَرجعَ عليها بما كانَ أصدَقَها». وحجَّةُ مالكٍ في الرِّوايةِ الأُولَى ما رواهُ ابنُ وَهبٍ عن يُونسَ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مضَتِ السُّنةُ في الذي يُطلِّقُ امرَأتَه ثمَّ يُراجِعُها فيَكتمُها رَجْعتَها حتى تَحِلَّ فتَنكحُ زَوجًا غيرَه أنه ليس له مِنْ

стр. 10853

أمرِها شيءٌ، ولكنَّها لمَنْ تزوَّجَها،» وقد قيلَ: إنَّ هذا الحديثَ إنَّما يُروى عن ابنِ شِهابٍ فقطْ. وحجَّةُ الفَريقِ الأولِ أنَّ العلماءَ قد أجمَعُوا على أنَّ الرجعةَ صَحيحةٌ وإنْ لم تَعلمْ بها المَرأةُ، بدَليلِ أنهم قد أجمَعُوا على أنَّ الأولَ أحَقُّ بها قبلَ أنْ تتزوَّجَ، وإذا كانَتِ الرجعةُ صَحيحةً كانَ زَواجُ الثاني فاسِدًا؛ فإنَّ نِكاحَ الغَيرِ لا تأثيرَ لهُ في إبطالِ الرجعةِ لا قبلَ الدُّخولِ ولا بعدَ الدخولِ، وهو الأظهَرُ إنْ شاءَ اللهُ، ويَشهدُ لهذا ما خرَّجَه التِّرمذيُّ عن سَمُرةَ بنِ جُندَبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرَأةٍ تزوَّجَها اثنانِ فهي للأولِ منهُما، ومَن باعَ بَيعًا مِنْ رَجلَينِ فهو للأولِ منهُما» (١). الرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها طَلاقُه وظِهارُه ولِعانُه وإيلاؤُه ويَتوارثانِ في العدَّةِ: ذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ زَوجتَه طَلقةً رَجعيةً أنها يَلحقُها طَلاقُه وظِهارُه ولِعانُه، ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه إذا ماتَ في العدَّةِ. واختُلفَ في إيلائِه على قولَينِ في مَذهبِ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، الصحيحُ عندَهما أنه يَصحُّ (٢).

стр. 10854

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها طلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه ولِعانُه ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه بالإجماعِ، وإنْ خالَعَها صحَّ خُلعُه، وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قولَيهِ: لا يَصحُّ؛ لأنه يُرادُ للتحريمِ، وهي مُحرَّمةٌ. ولنا: إنها زَوجةٌ صحَّ طَلاقُها، فصَحَّ خُلعُها كما قبلَ الطلاقِ، وليسَ مَقصودُ الخُلعِ التحريمَ، بلِ الخَلاصُ مِنْ مَضرَّةِ الزوجِ ونِكاحِه الذي هو سبَبُها، والنكاحُ باقٍ ولا نأمَنُ مِنْ رَجعتِه، وعلى أننا نَمنعُ كَونَها مُحرَّمةً (١). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: إنَّ الرَّجعيةَ زَوجةٌ، وإنه يَصحُّ طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، ويَجرِي اللِّعانُ بينَهما ويَتوارثانِ (٢). وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وللمُطلَّقةِ التي يَملكُ زَوجُها رَجعتَها السُّكنى والنَّفقةُ، ويَتوارثانِ ما لم تَنقَضِ العدَّةُ، فإذا انقضَتِ العدَّةُ وقعَتِ البَينونةُ وسقطَتِ المُوارَثةُ، وما لم تَنقضِ عدَّتُها فإنه يَلحقُها طَلاقُه وإيلاؤُه وظِهارُه، ولا يَجوزُ لهُ في عدَّتِها أنْ يَتزوَّجَ خامِسةً سِواها ولا أختَها ولا عمَّتَها ولا خالَتَها، وهي كالزوجةِ في أحكامِها كلِّها (٣).

стр. 10855

وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: (والرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها الطلاقُ والظِّهارُ والإيلاءُ) ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه إنْ ماتَ بالإجماعِ. وعنه: لا يَصحُّ الإيلاءُ مِنها … (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: الرجعيةُ زوجةٌ في عامَّةِ الأحكامِ، فإنه يَثبتُ بينَهما التَّوارثُ والنَّفقةُ، ويَصحُّ مِنها الظِّهارُ والإيلاءُ، ويَحرمُ أنْ يَنكحَ عليها أختَها أو عمَّتَها أو خالَتَها أو أربَعًا سِواها، وهي زَوجةٌ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ قولَه على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَه مَدخولًا بهَا طَلاقًا ملَكَ رَجعتَها وهو صَحيحٌ أو مَريضٌ فماتَ أو ماتَتْ قبلَ أنْ تَنقضيَ عدَّتُها إنهُما يَتوارثانِ (٣).
следующие страницы →