وهي رِوايةٌ منكَرةٌ، ولو قَبِلَ شَهادتَهم في الرجعةِ ما جلَدَهم، ولا يَصحُّ جَلدُ الشُّهودِ عنه ولا في شيءٍ مِنْ الأصولِ.
والمَعروفُ عن عليٍّ ما رَواهُ إبراهيمُ والحكَمُ عنه.
وأجمَعُوا أنَّ مَراسيلَ إبراهيمَ صِحاحٌ.
وهو قَولُ إبراهيمَ وفُقهاءِ الكُوفيِّينَ أبي حَنيفةَ وأصحابِه والثوريِّ والحسَنِ بنِ حيٍّ، وبهِ قالَ الشافعيُّ وأبو ثَورٍ وداودُ، كلُّهم يَقولُ في ذلكَ بقَولٍ عليٍّ: «الأولُ أحَقُّ بها، دخَلَ الثاني أم لا».
وأجمَعَ العلماءُ أنَّ الأولَ أحَقُّ بها لو جاءَ قبلَ أنْ تتزوَّجَ كانَتْ امرَأتَه؛ لرَجعتِه إياها، وهذا يَدلُّ على صِحةِ الرجعةِ مع جَهلِ المَرأةِ بها.
وإذا صحَّتِ الرجعةُ كانَتْ امرَأةَ الأولِ وفُسخَ نكاحُ الآخَرِ وأُمرَ بفِراقِها ورُدَّتْ إلى الأولِ بعدَ العدَّةِ مِنْ الآخَرِ؛ لوَطءِ الشُّبهةِ، واستَحقَّتْ مَهرَها منه إنْ كانَ دخَلَ بها.
والحُجَّةُ في ذلكَ قَولُ اللهِ : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد فعَلَ، وهذا القَولُ أقْيَسُ.
وقَولُ مالكٍ مِنْ طَريقِ الاتِّباعِ أظهَرُ، واللهُ الموفِّقُ لا شَريكَ له وباللهِ التَّوفيقُ (١).
стр. 10852
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في هذا البابِ في الرَّجلِ يُطلِّقُ زَوجتَه طَلقةً رَجعيةً وهو غائِبٌ ثمَّ يُراجِعُها فيَبلُغُها الطلاقُ ولا يَبلغُها الرجعةُ فتَتزوَّجُ إذا انقضَتْ عدَّتُها، فذهَبَ مالِكٌ إلى أنها للذي عقَدَ عليها النكاحَ، دخَلَ بها أو لم يَدخلْ، هذا قَولُه في «المُوطَّأ»، وبه قالَ الأوزاعيُّ واللَّيثُ.
ورَوى عنهُ ابنُ القاسِمِ أنه رجَعَ عن القَولِ الأولِ وأنه قالَ: الأولُ أَولى بها إلا أنْ يَدخلَ الثاني، وبالقَولِ الأولِ قالَ المَدنيُّونَ مِنْ أصحابِه، قالُوا: ولم يَرجعْ عنه؛ لأنه أثبَتَه في «مُوطِّئِه» إلى يَومِ ماتَ وهو يُقرأُ عليهِ، وهو قَولُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ، ورواهُ عنه مالكٌ في «المُوطَّأ».
وأمَّا الشافِعيُّ والكُوفيُّونَ وأبو حَنيفةَ وغيرُهم فقالُوا: زَوجُها الأولُ الذي ارتَجعَها أحَقُّ بها، دخَلَ بها الثاني أو لم يَدخلْ، وبه قالَ داودُ وأبو ثَورٍ، وهو مَرويٌّ عن عليٍّ، وهو الأبْيَنُ.
وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنه قالَ في هَذهِ المَسألةِ: «إنَّ الزوجَ الذي ارتَجعَها مُخيَّرٌ بينَ أنْ تَكونَ امرَأتَه أو أنْ يَرجعَ عليها بما كانَ أصدَقَها».
وحجَّةُ مالكٍ في الرِّوايةِ الأُولَى ما رواهُ ابنُ وَهبٍ عن يُونسَ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مضَتِ السُّنةُ في الذي يُطلِّقُ امرَأتَه ثمَّ يُراجِعُها فيَكتمُها رَجْعتَها حتى تَحِلَّ فتَنكحُ زَوجًا غيرَه أنه ليس له مِنْ
стр. 10853
أمرِها شيءٌ، ولكنَّها لمَنْ تزوَّجَها،» وقد قيلَ: إنَّ هذا الحديثَ إنَّما يُروى عن ابنِ شِهابٍ فقطْ.
وحجَّةُ الفَريقِ الأولِ أنَّ العلماءَ قد أجمَعُوا على أنَّ الرجعةَ صَحيحةٌ وإنْ لم تَعلمْ بها المَرأةُ، بدَليلِ أنهم قد أجمَعُوا على أنَّ الأولَ أحَقُّ بها قبلَ أنْ تتزوَّجَ، وإذا كانَتِ الرجعةُ صَحيحةً كانَ زَواجُ الثاني فاسِدًا؛ فإنَّ نِكاحَ الغَيرِ لا تأثيرَ لهُ في إبطالِ الرجعةِ لا قبلَ الدُّخولِ ولا بعدَ الدخولِ، وهو الأظهَرُ إنْ شاءَ اللهُ، ويَشهدُ لهذا ما خرَّجَه التِّرمذيُّ عن سَمُرةَ بنِ جُندَبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرَأةٍ تزوَّجَها اثنانِ فهي للأولِ منهُما، ومَن باعَ بَيعًا مِنْ رَجلَينِ فهو للأولِ منهُما» (١).
الرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها طَلاقُه وظِهارُه ولِعانُه وإيلاؤُه ويَتوارثانِ في العدَّةِ:
ذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ زَوجتَه طَلقةً رَجعيةً أنها يَلحقُها طَلاقُه وظِهارُه ولِعانُه، ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه إذا ماتَ في العدَّةِ.
واختُلفَ في إيلائِه على قولَينِ في مَذهبِ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، الصحيحُ عندَهما أنه يَصحُّ (٢).
стр. 10854
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها طلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه ولِعانُه ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه بالإجماعِ، وإنْ خالَعَها صحَّ خُلعُه، وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قولَيهِ: لا يَصحُّ؛ لأنه يُرادُ للتحريمِ، وهي مُحرَّمةٌ.
ولنا: إنها زَوجةٌ صحَّ طَلاقُها، فصَحَّ خُلعُها كما قبلَ الطلاقِ، وليسَ مَقصودُ الخُلعِ التحريمَ، بلِ الخَلاصُ مِنْ مَضرَّةِ الزوجِ ونِكاحِه الذي هو سبَبُها، والنكاحُ باقٍ ولا نأمَنُ مِنْ رَجعتِه، وعلى أننا نَمنعُ كَونَها مُحرَّمةً (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: إنَّ الرَّجعيةَ زَوجةٌ، وإنه يَصحُّ طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، ويَجرِي اللِّعانُ بينَهما ويَتوارثانِ (٢).
وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وللمُطلَّقةِ التي يَملكُ زَوجُها رَجعتَها السُّكنى والنَّفقةُ، ويَتوارثانِ ما لم تَنقَضِ العدَّةُ، فإذا انقضَتِ العدَّةُ وقعَتِ البَينونةُ وسقطَتِ المُوارَثةُ، وما لم تَنقضِ عدَّتُها فإنه يَلحقُها طَلاقُه وإيلاؤُه وظِهارُه، ولا يَجوزُ لهُ في عدَّتِها أنْ يَتزوَّجَ خامِسةً سِواها ولا أختَها ولا عمَّتَها ولا خالَتَها، وهي كالزوجةِ في أحكامِها كلِّها (٣).
стр. 10855
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: (والرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها الطلاقُ والظِّهارُ والإيلاءُ) ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه إنْ ماتَ بالإجماعِ.
وعنه: لا يَصحُّ الإيلاءُ مِنها … (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: الرجعيةُ زوجةٌ في عامَّةِ الأحكامِ، فإنه يَثبتُ بينَهما التَّوارثُ والنَّفقةُ، ويَصحُّ مِنها الظِّهارُ والإيلاءُ، ويَحرمُ أنْ يَنكحَ عليها أختَها أو عمَّتَها أو خالَتَها أو أربَعًا سِواها، وهي زَوجةٌ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ قولَه على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَه مَدخولًا بهَا طَلاقًا ملَكَ رَجعتَها وهو صَحيحٌ أو مَريضٌ فماتَ أو ماتَتْ قبلَ أنْ تَنقضيَ عدَّتُها إنهُما يَتوارثانِ (٣).
стр. 10856
أحكامُ اختِلافِ الزَّوجينِ في انقِضاءِ العدَّةِ:
الزَّوجانِ قَدْ يتَّفقانِ على الطلاقِ ويَختلِفانِ في العدَّةِ هلِ انقضَتْ أم لا؟ وهل يُقبَلُ قولُه أم قولُها فيما لو اختَلفَا في انقِضاءِ العدَّةِ؟ وما هو أقلُّ زَمنٍ يُمكنُ فيهِ انقِضاءُ العدَّةِ؟ وبَيانُ ذلكَ فيما يلي:
أولاً: إذا ادَّعَتِ المرأةُ انقِضاءَ العدَّةِ وأنكَرَه الزَّوجُ:
إذا طلَّقَ الزوجُ زَوجتَه وأرادَ أنْ يُراجِعَها فادَّعتْ أنَّ عدَّتَها انقضَتْ بالأقراءِ وأنه لا يَحقُّ له الرجعةُ وأنكَرَ الزوجُ انقِضاءَ عدَّتِها فهذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:
إمَّا أنْ تَدَّعيَ انقِضاءَ العدَّةِ بالأقراءِ في ثَلاثةِ أشهُرٍ، أو تَدَّعيَ انقِضاءَ العدَّةِ بالأقراءِ في أقلَّ مِنْ ذلك.
الحالةُ الأُولى: أنْ تَدَّعيَ انقضاءَ العدَّةِ بالأقراءِ في ثَلاثةِ أشهُرٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنَّ المرأةَ إذا طلقَتْ ثم ادَّعَتِ انقِضاءَ عدَّتِها بالأقراءِ وكانَ مَرَّ عليها ثلاثةُ أشهُرٍ وأنكَرَ الزوجُ انقِضاءَ عدَّتِها أنه يُقبَلُ قولُها في ذلكَ.
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعتِ انقِضاءَ العدَّةِ بالأقراءِ في ثلاثةِ أشهُرٍ صُدِّقتْ إذا أتَتْ على ذلكَ ببيِّنةٍ، على اختِلافِهم في البيِّنةِ (١).
стр. 10857
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ تَدَّعيَ انقضاءَ العدَّةِ بالأقراءِ في أقَلَّ مِنْ ثَلاثةِ أشهُرٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلقَتِ المَرأةُ ثمَّ ادَّعتِ انقِضاءَ عدَّتِها في أقلَّ مِنْ ثلاثةِ أشهُرٍ وأنكَرَ الزوجُ انقِضاءَها، هل يُقبلُ قَولُها أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ أقلَّ مدَّةٍ تُصدَّقُ فيها المَرأةُ إذا ادَّعتِ انقضاءَ عدَّتِها سِتُّونَ يومًا عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ، فلا تُصدَّقُ في أقَلَّ مِنْ ذلكَ.
واختَلفَ مُحمدٌ والحسَنُ بنُ زِيادٍ -رحمهما الله- في تَخريجِ قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀، فعلى ما ذكَرَه مُحمدٌ ﵀: يُجعلُ كأنَّ الطلاقَ كانَ في أولِ الطُّهرِ؛ تحرُّزًا عن إيقاعِ الطلاقِ في الطُّهرِ بعدَ الجِماعِ، ويُجعلُ طُهرُها خَمسةَ عشرَ يَومًا، ويُجعلُ حَيضُها خَمسةً؛ إذْ هي الوَسطُ، فتَنقضي عدَّتُها بثلاثةِ أطهارٍ كلُّ طُهرٍ خَمسةَ عشرَ يَومًا، وثَلاثِ حِيَضٍ كلُّ حَيضٍ خَمسةٌ، فجُملةُ ذلكَ ستُّونَ يومًا.
وعلى ما رَواهُ الحسَنُ عنه ﵀: يُجعلُ كأنَّ الطلاقَ كانَ في آخِرِ الطُّهرِ؛ تحرُّزًا عن تَطويلِ العدَّةِ عليها، وطُهرُها خَمسةَ عشرَ وحَيضُها عشَرةً؛ لأنه وجَبَ تَقديرُ الطُّهرِ بأقلِّ الطُّهرِ نَظرًا للمَرأةِ، ووجَبَ تَقديرُ الحَيضِ بأكثَرِ الحَيضِ نَظرًا للزوجِ، فتَنقضي عدَّتُها بطُهرَينِ كلُّ طُهرٍ خَمسةَ عشرَ وثَلاثِ حِيَضٍ كلُّ حَيضٍ عشرةٌ، فجُملةُ ذلكَ ستُّونَ يَومًا.
وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: أقلُّ مدَّةٍ تُصدَّقُ فيها تَسعةٌ وثَلاثونَ يَومًا؛ لأنها أمينةٌ في الإخبارِ عمَّا في رحِمِها، فيَجبُ قَبولُ قَولِها إنْ أخبَرتْ بما هو
стр. 10858
مُحتمِلٌ، وما قالَتْه مُحتمِلٌ بأنْ يَكونَ الطلاقُ في آخِرِ الطُّهرِ، وطُهرُها أقلُّ الأطهارِ خمسةَ عشرَ يومًا، وحَيضُها أقلُّ الحَيضِ ثلاثةُ أيامٍ، فيكونُ انقِضاءُ عدَّتِها بطُهرَينِ -وذلكَ ثلاثونَ يَومًا- وبثَلاثِ حِيَضٍ -وذلك تِسعةٌ-، فجُملتُه تِسعةٌ وثَلاثونَ يومًا.
فإذا وقَعَ الطلاقُ قُبيلَ أولِ حَيضةٍ فتكونُ مدَّتُها ثلاثةً وتَطهرُ بعدَها خمسةَ عشرَ يومًا ثم تَحيضُ ثلاثةً وتَطهرُ خمسةَ عشرَ يومًا ثم تَحيضُ ثلاثةً وتَكملُ العدَّةُ، ولا تُصدَّقُ في أقلَّ مِنْ ذلك (١).
وقالَ المالِكيةُ: الزوجةُ إذا ادَّعتِ انقِضاءَ عدَّتِها فلا يَخلُو مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ:
الأولُ: إذا راجَعَها زَوجُها فقالَتْ عَقِبَ ذلكَ: «عدَّتي قدِ انقضَتْ بثَلاثةِ أقراءٍ، أو بوَضعِ الحَملِ» فإنها مُصدَّقةٌ في ذلكَ ولو خالَفَها الزوجُ إذا كانَ هُناكَ زَمنٌ يُمكنُ فيهِ انقِضاءُ العدَّةِ بمَا ادَّعتْ، ولا يَمينَ عليها وإنْ خالفَتْ عادَتَها؛ لأنَّ النِّساءَ مَأموناتٌ على فُروجِهنَّ.
والثاني: إذا ادَّعَتِ انقِضاءَ عدَّتِها في مدَّةٍ لا تَنقضِي فيها إلا نادِرًا كالشَّهرِ ونحوِه أو أُشكِلَ الأمرُ فإنَّ النِّساءَ يُسألْنَ عن ذلكَ، فإنْ شَهدْنَ لها بذلكَ -أي شَهدْنَ أنَّ النِّساءَ يَحِضْنَ لمثلِ هذا- فإنها تُصدَّقُ.
стр. 10859
والثالثُ: أنْ تدَّعيَ انقِضاءَ العدَّةِ في مدَّةٍ لا تَنقضي فيها بحالٍ لا غالِبًا ولا نادِرًا لم تُصدَّقْ ولا يُسألُ النِّساءُ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا ادَّعتِ انقِضاءَ عدَّتِها بالأقراءِ فيُنظرُ: إنْ طُلِّقتْ في طُهرٍ وهي مُعتادَةٌ فأقلُّ الإمكانِ لانقِضاءِ أقرائِها اثنانِ وثَلاثونَ يَومًا ولَحظتانِ، وذلكَ بأنْ تُطلَّقَ في آخِرِ طُهرِها وقد بقِيَ منه لَحظةٌ، فتَكونُ تلكَ اللَّحظةُ قُرءًا مُعتبَرًا به، ثمَّ تَحيضُ يومًا ولَيلةً ثمَّ تَطهرُ خَمسةَ عشَرَ يومًا، وذلكَ قُرءٌ ثانٍ، ثمَّ تَحيضُ يَومًا ولَيلةً ثمَّ تَطهرُ خَمسةَ عشرَ، وذلكَ قُرءٌ ثالِثٌ، ثمَّ تَطعنُ في الحَيضةِ الثالثةِ، فإذا طعَنَتْ في أولِ الحَيضةِ الثالثةِ بدُخولِ لَحظةٍ مِنها فقَدِ انقضَتْ عدَّتُها، فإذا جُمعَ بينَ الطُّهرَينِ -وهُمَا ثلاثونَ يومًا- وبينَ الحَيضتَينِ -وهُمَا يَومانِ وثُلثانِ- وبينَ اللَّحظتَينِ الأُولى والثانيةِ صارَ جَميعُ ذلكَ اثنانِ وثَلاثونَ يومًا ولَحظتانِ، غيرَ أنَّ اللَّحظةَ الأُولى مِنْ جُملةِ العدَّةِ، واللَّحظةَ الأخيرَةَ ليسَتْ مِنْ جُملةِ العدَّةِ، وإنَّما يُعلمُ بها انقِضاءُ العدَّةِ، فصارَتْ واجِبةٍ في العدَّةِ وإنْ لم تَكنْ مِنها، فلا تَصلحُ لرَجعةٍ ولا لغيرِها مِنْ أثَرِ نِكاحِ المطلِّقِ كإرثٍ، ويَصحُّ ابتداءُ عَقدٍ فيها لو وقَعَ، فهذا أقلُّ زمانٍ يُمكِنُ أنْ تَنقضيَ فيه ثلاثةُ أقراءٍ.
أمَّا المُبتدَأةُ -وهي التي طلِّقَتْ قبْلَ أنْ تَحيضَ ثمَّ حاضَتْ- فأقلُّ الإمكانِ في حقِّها ثَمانيةٌ وأربَعونَ يومًا ولَحظةٌ للطَّعنِ، فإنَّ الطُّهرَ الذي
стр. 10860
طلَّقَتْ فيه ليسَ بقُرءٍ؛ لأنه ليسَ بمُحتَوَشٍ بِدَمَينِ، ولا تُعتبَرُ لحظةٌ أُخرى؛ لاحتِمالِ طلاقِها في آخِرِ جُزءٍ مِنْ ذلكَ الطُّهرِ.
وأمَّا إذا طلِّقَتْ في حَيضٍ وهيَ مُعتادَةٌ أو مُبتدَأةٌ فأقَلُّ إمكانِ انقِضاءِ أقرائِها سَبعةٌ وأربَعونَ يومًا ولَحظةٌ، وذلكَ كأنْ يُعلِّقَ طَلاقَها بآخِرِ جُزءٍ مِنْ حَيضِها ثمَّ تَطهرُ خمسةَ عشرَ يومًا ثمَّ تَحيضُ يَومًا وليلةً ثمَّ تَطهرُ خمسةَ عشرَ ثمَّ تَحيضُ يومًا وليلةً ثمَّ تَطهرُ خَمسةَ عَشرَ يومًا ثمَّ تَطعنُ في الحَيضِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: المَرأةُ إذا ادَّعتِ انقِضاءَ عدَّتِها في مدَّةٍ يُمكِنُ انقِضاؤُها فيها قُبِلَ قَولُها؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قيلَ في التَّفسيرِ: هو الحَيضُ والحَمْلُ، فلولا أنَّ قولَهنَّ مَقبولٌ لم يَحرمْ عليهِنَّ كِتمانهُ، ولأنه أمرٌ تَختصُّ بمَعرفتِه فكانَ القَولُ قولَها فيه، كالنِّيةِ مِنْ الإنسانِ فيما تُعتبَرُ فيه النِّيةٍ، أو أمرٌ لا يُعرَفُ إلا مِنْ جِهتِها، فقُبِلَ قولُها فيه.
وإنِ ادَّعتِ انقِضاءَ عدَّتِها بالحَيضِ في شَهرٍ فلا يُقبلُ إلا ببيَّنةٍ ولو أنها امرَأةٌ واحدةٌ، نَصَّ عليهِ؛ لِمَا رُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁:
стр. 10861
«أنَّ امرأةً جاءَتْه قد طلَّقَها زَوجُها، فزعَمَتْ أنها حاضَتْ في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ وطَهُرتْ عندَ كلِّ قُرءٍ وصَلَّتْ، فقالَ عليٌّ لشُريحٍ: «قُلْ فيها»، فقالَ شُرَيحٌ: إنْ جاءَتْ بيِّنةٌ مِنْ بِطانةِ أهلِها ممَّن يُرضَى بدِينِه وأمانتِه يَشهَدونَ أنها حاضَتْ في شَهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ وطَهُرتْ عند كلِّ قُرءٍ وصَلَّتْ فهي صادِقةٌ، وإلا فهي كاذبةٌ، فقالَ عَليٌّ: «قَالُونُ» وعقَدَ ثَلاثينَ بيَدِه، يَعني بالرُّوميةِ، أي جيِّدٌ بالرُّوميةِ أو أصَبْتَ أو أحسَنْتَ» (١)، ولأنه يَندُرُ جِدًّا حُصولُ ذلكَ في شَهرٍ، فاحتاجَتْ إلى بيِّنةٍ.
قالَ الإمامُ أحمَدُ ﵀: لا يُختلَفُ أنَّ العدَّةَ تَنقضي في شَهرٍ إذا قامَتْ بهِ البيِّنةُ (٢).
فأقلُّ ما تَنقضي به العدَّةُ تِسعةٌ وعِشرونَ يومًا ولَحظةٌ، وذلكَ أنْ يطلِّقَها معَ آخِرِ الطُّهرِ ثمَّ تَحيضُ بعدَه يومًا وليلةً ثم تَطهرُ ثَلاثةَ عَشرَ يومًا ثم تَحيضُ يومًا وليلةً ثم تَطهرُ ثلاثةَ عشرَ يومًا ثمَّ تَحيضُ يومًا ولَيلةً ثم تَطهرُ لَحظةً؛ ليُعرَفَ بها انقِطاعُ الحَيضِ، وإنْ لم تكنْ هذه اللَّحظةُ مِنْ عدَّتِها فلا بُدَّ منها لمَعرفةِ انقِطاعِ حَيضِها، ولو صادفَتْها رَجعتُه لم تَصحَّ.
стр. 10862
فأمَّا إنِ ادَّعتِ انقِضاءَ العدَّةِ في أقلَّ مِنْ ذلكَ لم تُسمعْ دَعواها ولا يُصغَى إلى بيِّنتِها؛ لأنَّنا نَعلمُ كذِبَها، فإنْ بقيَتْ على دَعواها حتَّى أتَى عليها ما يُمكنُ صِدقُها فيهِ نظَرْنا: فإنْ بقيَتْ على دَعواها المَردودةِ لم يُسمعْ قَولُها؛ لأنها تدَّعِي مُحالًا، وإنِ ادَّعتْ أنها انقضَتْ عدَّتُها في هذهِ المدَّةِ كلِّها أو فيما يُمكنُ منها قُبِلَ قَولُها؛ لأنه أمكَنَ صِدقُها، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الفاسِقةِ والمَرْضيةِ والمُسلِمةِ والكافِرةِ؛ لأنَّ ما يُقبَلُ فيه قَولُ الإنسانِ على نفسِه لا يَختلفُ باختِلافِ حالِه، كإخبارِه عن بيِّنةٍ فيما تُعتبَرُ فيه بيِّنةٌ.
وإنِ ادَّعتِ انقِضاءَ حَيضِها في أكثَرَ مِنْ شَهرٍ صدِّقَتْ بغَيرِ بيِّنةٍ؛ لأنَّ حَيضَها في الشهرِ ثَلاثُ حِيَضٍ يَندُرُ جِدًّا، فرجَحَ ببيِّنةٍ، ولا يَندرُ فيما زادَ على الشهرِ كنُدرَتِه فيهِ، فقُبِلَ قولُها مِنْ غيرِ بيِّنةٍ (١).
ثانيًا: إذا قالَ الزَّوجُ للمَرأةِ: «كُنْتُ راجَعْتُكِ» فأنكَرَتِ الزَّوجةُ:
الزوجُ إذا ادَّعَى أنه راجَعَ زَوجتَه بأنْ قالَ لها: «كُنْتُ راجَعتُكِ أمسِ، أو الشَّهرَ الماضي» فهذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَقولَ لها: «كُنْتُ راجَعْتُكِ أمسِ، أو الشهرَ الماضي» وهي ما زالَتْ في العدَّةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا ادَّعى في عدَّتِها أنه
стр. 10863
كانَ راجَعَها أمسِ أو منذُ شَهرٍ قُبِلَ قَولُه، سواءٌ صدَّقتْه الزوجةُ أم كذَّبتْه؛ لأنه لمَّا ملَكَ الرجعةَ ملَكَ الإقرارَ بهَا كالطلاقِ؛ لأنه أخبَرَ عمَّا يَملكُ إنشاءَه في الحالِ؛ لأنَّ الزوجَ يَملكُ الرجعةَ في الحالِ، ومَن أخبَرَ عن أمرٍ يَملكُ إنشاءَه في الحالِ يُصدَّقُ فيهِ؛ إذْ لو لم يُصدَّقْ يُنشِئُه للحالِ، فلا يُفيدُ التكذيبُ، فصارَ كالوَكيلِ قبلَ العزلِ إذا قالَ: «بِعتُه أمسِ» (١).
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَقولَ لها: «كُنْتُ راجَعْتُكِ أمسِ، أو الشهرَ الماضي» بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها: «كنتُ راجَعتُكِ أمسِ، أو الشهرَ الماضي، أو قبْلَ يومَينِ» وقاَل لها ذلكَ بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها أنه لا يُقبَلُ قولُه وأنَّ القَولَ قولُها، إلا إذا أتَى ببيَّنةٍ بذلك أو -كما يَقولُ المالِكيةُ- بأنَّ كانَ يَبيتُ عِندَها في العدَّةِ فإنه يُصدَّقُ وتَصحُّ رَجعتُه وإنْ كذَّبتْه، أمَّا إذا لم يَأتِ ببيِّنةٍ فلا يُقبَلُ قولُه؛ لأنه أخبَرَ عمَّا
стр. 10864
لا يَملكُ إنشاءَه في الحالِ؛ لأنه لا يَملكُ الرجعةَ بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ، فصارَ كالوَكيلِ بعْدَ العزلِ إذا قالَ: «قد بِعتُ» وكذَّبَه المُوكِّلُ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا كذلكَ أنَّ المُطلِّقَ إذا قالَ بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ: «إني كُنْتُ راجَعتُكِ في العدِّةِ» وأنكَرَتِ المَرأةُ أنَّ القَولُ قولُها معَ يَمينِها، ولا سَبيلَ له إليها.
غيرَ أنَّ النُّعمانَ كانَ لا يَرى يَمينًا في النكاحِ ولا في الرجعةِ.
وخالَفَه صاحِباهُ فقالا كقَولِ سائرِ أهلِ العلمِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قالَ بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها: «كنتُ راجَعتُكِ في عدَّتِكِ» فأنكَرَتْه فالقولُ قولُها بإجماعِهم؛ لأنه ادَّعاها في زَمنٍ لا يَملكُها، والأصلُ عَدمُها وحُصولُ البَينونةِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَّطانِ الفاسيُّ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المطلِّقَ إذا قالَ بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ: «إني كُنْتُ راجَعتُكِ في العدَّةِ» فأنكَرَتِ المرأةُ أنَّ القَولَ قَولُها مع يَمينِها، إلا النُّعمانَ فإنه كانَ لا يَرى اليمينَ في النكاحِ ولا في الرجعةِ (٣).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ المطلِّقَ إذا قالَ بعدَ انقضاءِ العدَّةِ: «إني كنتُ راجَعتُكِ في العدَّةِ» وأنكَرَتْ أنَّ القولَ قولُها معَ
стр. 10865
يَمينِها ولا سَبيلَ له إليها، غيرَ أنَّ النُّعمانَ كانَ لا يَرى يَمينًا في النكاحِ ولا في الرجعةِ، وخالَفَه صاحِباهُ فقالا كقَولِ سائرِ أهلِ العلمِ (١).
إذا اختَلفَا في انقضاءِ العدَّةِ في زمَنٍ يُمكِنُ انقِضاءُ عدَّتِها وبَقاؤُها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في انقِضاءِ العدَّةِ في زمَنٍ يُمكنُ فيهِ انقِضاءُ العدَّةِ وبقاؤُها، فهذا لا يَخلوُ مِنْ ثَلاثِ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ تَسبقَه بالدَّعوى:
إذا قالَتِ ابتداءً: «قدِ انقضَتْ عدَّتِي» فقالَ مُجيبًا لها: «قد كنتُ راجَعتُكِ أمسِ» مَثلًا فأنكَرَتْه لم يُقبَلْ قَولُه والقولُ قولُها عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ خبَرَها بانقِضاءِ عدَّتِها مَقبولٌ؛ لإمكانِه، فصارَتْ دَعواهُ للرجعةِ بعدَ الحُكمِ بانقِضاءِ عدَّتها، فلم تُقبلْ (٢).
стр. 10866
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَ اختِلافُهما في زمَنٍ يُمكنُ فيهِ انقِضاءُ عدَّتِها وبَقاؤُها فبدَأتْ فقالَتْ: «انقَضَتْ عدَّتي» فقالَ: «قَدْ كُنْتُ راجَعتُكِ» فأنكَرَتْه لم يُقبَلْ قولُه؛ لأنَّ خبَرَها بانقِضاءِ عدَّتِها مَقبولٌ؛ لإمكانِه، فصارَتْ دَعواهُ للرجعةِ بعْدَ الحُكمِ بانقِضاءِ عدَّتِها، فلم تُقبلْ (١).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: كلُّ مُطلَّقةٍ لزَوجِها عليها الرجعةُ قالَتْ: «قدِ انقَضَتْ عِدَّتي» ثمَّ قالَتْ: «لم تَنقضِ» فلزَوجِها الرجعةُ، وإنْ قالَتْ: «قدِ انقضَتْ عِدَّتي» فكذَّبَها الزوجُ أُحلِفَتْ؛ فإنْ حلَفَتْ فالقَولُ قولُها مع يَمينِها، وإنْ لم تَحلفْ حلَفَ هو على البَتِّ ما انقضَتْ عدَّتُها، فإنْ نكَلَ لم تُردَّ عليها (٢).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: فإنْ سبقَتْه بالدَّعوى كأنْ قالَتْ في زَمنٍ يُمكنُ فيه انقِضاءُ عدَّتِها: «قدِ انقَضَتْ عِدَّتي» فيَقولُ هو: «كنتُ راجَعتُكِ» فالقولُ قَولُها بلا خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّ خبَرَها والحالُ هذهِ بانقِضاءِ عدَّتِها مَقبولٌ، فبقَولِها: «انقضَتْ عِدَّتي» حُكِمَ بانقِضاءِ عِدَّتها، فدَعواهُ بعدَ ذلكَ غيرُ مَقبولةٍ؛ لانتِفاءِ إنشائِه، وإذًا يَنتفِي إخبارُه أيضًا (٣).
стр. 10867
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَسبقَها بالدَّعوى:
فإنْ سبَقَها بالدَّعوى بأنْ قالَ لها: «قَدْ راجَعتُكِ» فقالَتْ له مُجيبةً: «قدِ انقضَتْ عِدَّتي قبْلَ دَعواكَ» في زَمنٍ يُمكنُ فيهِ انقِضاءُ العدَّةِ وبقاؤُها فالقَولُ قولُه عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ والشافِعيةِ في وجهٍ والحَنابلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ دَعواهُ للرجعةِ قبْلَ الحُكمِ بانقِضاءِ عِدَّتها في زَمنٍ الظَّاهرُ قَبولُ قولِه فيهِ، فلا يُقبلُ قَولُها بعدَ ذلك في إبطالِه، ولأنها صادفَتِ العدَّةَ؛ فإنَّ عدَّتَها باقيةٌ ما لم تُخبِرْ بالانقِضاءِ، وقد سبَقَتِ الرجعةُ خبَرَها بالانقِضاءِ، فصحَّتِ الرَّجعةُ وسقَطتِ العدَّةُ، فإنها أخبَرَتْ بالانقِضاءِ بعدَ سُقوطِ العدَّةِ، وليسَ لها وِلايةُ الإخبارِ بعدَ سُقوطِ العدَّةِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ القَولَ قولُها ولا تَثبتُ الرجعةُ؛ لأنَّ المَرأةَ أمينةٌ في إخْبارِها عن انقِضاءِ العدَّةِ؛ فإنَّ الشَّرعَ ائتَمنَها في هذا البابِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قيلَ في التَّفسيرِ: إنه الحَيضُ والحَبَلِ، نَهاهُنَّ عن الكِتمانِ، والنهيُ عن الكِتمانِ أمرٌ بالإظهارِ؛ إذِ النهيُ عن الشَّيءِ أمرٌ بضِدِّه، والأمرُ
стр. 10868
بالإظهارِ أمرٌ بالقَبولِ؛ لتَظهرَ فائِدةُ الإظهارِ، فلَزمَ قَبولُ قَولِها وخبَرِها بانقِضاءِ العدَّةِ.
ولأنَّ قولَه: «راجَعْتُ» إنشاءٌ، وقولَها: «انقضَتْ عِدَّتي» إخبارٌ، فيَكونُ الانقِضاءُ سابقًا على قَولِها، ولأنَّ انقِضاءَ العدَّةِ لا يُعلَمُ إلا مِنْ جِهتِها، والزوجُ يُمكنُه الإشهادُ على الرجعةِ، ولم يتَرجَّحْ بسَبقٍ حتى يَتقدَّمَ به (١).
فالشافِعيةُ يَرَونَ قَبولَ قولِ الزوجِ إذا تَراخى كَلامُها عنه، وأمَّا إنِ اتَّصلَ كَلامُها فهي المُصدَّقةُ بأنْ قالَتْ: «انقَضَتْ عِدَّتي» (٢).
стр. 10869
الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يقَعَ القولُ منهُما جَميعًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تدَاعيَا معًا -الزوجُ والزوجةُ- بأنْ أظهَرَ الزوجُ الرجعةَ في الوَقتِ التي أظهَرَتْ فيهِ انقِضاءِ العدَّةِ، مَنْ يُقبَلْ قَولُه؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا تَداعيَا معًا فالقَولُ قولُ الزوجةِ أنَّ عدَّتَها قدِ انقضَتْ، ولا رَجعةَ لهُ؛ لأنَّ خبَرَها بانقِضاءِ عدَّتِها يَكونُ بعدَها، فيَكونُ قولُه بعدَ العدَّةِ، فلا يُقبلُ، ولأنَّ الانقِضاءَ غالبًا لا يُعلَمُ إلا مِنها، والزوجُ يُمكِنُه الإشهادُ على الرجعةِ (١).
وذهَبَ الشافعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُقرَعُ بينَهُما، فيَكونُ القَولُ قولَ مَنْ تَقعُ لهُ القُرعةُ؛ لأنَّ القُرعةَ مُرجِّحةٌ عندَ الاستِواءِ، بدَليلِ الإمامةِ والأذانِ والعِتقِ ونحوها (٢).
وفي قَولٍ للشافِعيةِ وللحَنابلةِ أنَّ القولَ قَولُ الزوجِ؛ لأنَّ المَرأةَ تدَّعي ما يَرفعُ الطلاقَ وهوَ يُنكِرُه، فقُبِلَ قَولُه، كالمُؤلِي والعِنِّينِ إذا ادَّعيَا إصابةَ امرَأتِه وأنكَرَتْه (٣).
стр. 10870
متَى يَجوزُ للمُطلِّقِ أنْ يُراجِعَ زوْجَتَه؟
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ المرأةَ التي تَحيضُ عدَّتُها ثَلاثةُ قُروءٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ولا خِلافَ بينَ فُقهاءِ السَّلفِ والخلَفِ على وُقوعِ اسمِ الأقْراءِ على الطُّهرِ والحَيضِ؛ لأنَّ اللفظَ لو لم يَكنْ مُحتمِلًا لهُما لَمَا تأوَّلَه السَّلفُ عليهما؛ لأنهم أهلُ اللُّغةِ والمَعرفةِ بمَعاني الأسماءِ وما يَتصرَّفُ عليهِ المعاني مِنْ العِباراتِ، فلمَّا تأوَّلَها فَريقٌ على الحَيضِ وآخرُونَ على الأطهارِ عَلِمْنا وُقوعَ الاسمِ عليهما، ومِن جِهةٍ أُخرَى أنَّ هذا الاختِلافَ قد كانَ شائِعًا بينَهم مُستفيضًا، ولم يُنكِرْ واحدٌ مِنهم على مُخالَفيهِ في مَقالتِه، بل سوغَ له القَول فيه، فدَلَّ ذلكَ على احتمالِ اللَّفظِ المَعنيَينِ وتَسويغِ الاجتهادِ فيهِ (١).
إلا أنَّ فُقهاءَ المذاهِبِ الأربَعةِ اختَلفُوا في الأقراءِ التي تَجبُ على المَرأةِ إذا طلقَتْ ما هي؟ هل هي الحَيضُ أم الطُّهرِ؟ وعليه اختَلفُوا في الوقتِ الذي تَبِينُ فيهِ المُطلَّقةُ مِنْ زَوجِها حتى لا يَكونُ له عليها رَجعةٌ.
стр. 10871
وفائِدةُ الخِلافِ في هذا أنَّ مَنْ يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الطُّهرُ أنها إذا دخَلَتْ في الحَيضةِ الثالثةِ فقَدِ انتَهَتْ عدَّتُها وحلَّتْ للأزواجِ، وهذا مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ.
ومَن يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ -وهُم الحَنفيةُ والحَنابلةُ- فإنَّ لزَوجِها أنْ يُراجِعَها ما لم تَغتسِلْ مِنْ حَيضتِها الثالثةِ، فإنِ اغتَسلَتِ انقطَعَتِ الرجعةُ؛ لأنه ثبَتَ لها حُكمٌ مِنْ أحكامِ الطَّاهِراتِ، وهو إباحةُ أداءِ الصَّلاةِ.
وبَيانُ ذلكَ مُفصَّلًا فيما يَلي:
ذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَقصودَ بالقُرءِ الحَيضُ، فإذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَه وقد دخَلَ بها فعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ غير الحَيضةِ التي طلَّقَها فيها إنْ طلَّقَها حائضًا، فإذا اغتسَلَتْ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقَدِ انتهَتْ عدَّتُها وأُبيحَتْ للأزواجِ.
وهذا مَرويٌّ عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأبي مُوسى الأشعَريِّ ومُعاذِ بنِ جبَلٍ وأبي الدَّرداءِ وعُبادةَ بنِ الصامتِ وابنِ عبَّاسٍ ﵃ وجَماعةٍ مِنْ التابعِينَ بالحِجازِ والشَّامِ والعِراقِ، وقُولُهم كلُّهُم أنَّ المُطلَّقةَ لا تَحلُّ للأزواجِ حتى تَغتسلَ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ.
والدَّليلُ على أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «عِدَّةُ الأمَةِ حَيضَتانِ» (١)، والأمَةُ لا تُخالِفُ الحرَّةَ في جِنسِ ما تَقعُ بهِ
стр. 10872
العدَّةُ، وإنما تُخالفُها في العَددِ، ولأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على الثلاثةِ وعلى الجَمعِ بقَولِه: ﴿ثَلَاثَةَ﴾ وبقَولِه: ﴿قُرُوءٍ﴾، والثلاثةُ اسمٌ لعَددٍ مَعلومٍ لا يَجوزُ إطلاقُه على ما هو أكثَرُ منهُ ولا أقلُّ، وحَملُه على الأطهارِ يُؤدِّي إلى أنه أُطلِقَ على أقلَّ وهو طُهرانِ وبَعضُ الثالثِ، وهو خُلفٌ، وكذا الجَمعُ الكاملُ هو الثلاثةُ، وهو حَقيقةٌ فيهِ، فكانَ أَولى.
وعَن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ ﵁ أنَّ فاطِمةَ بنتَ أبي حُبَيشٍ حَدَّثتْه أنها أتَتْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فشَكَتْ إليه الدَّمَ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّما ذلكَ عِرقٌ، فانظُري إذا أتَى قُرؤُكِ فلا تُصلِّي، فإذا مَرَّ القُرءُ فتَطهَّري ثم صَلِّي ما بينَ القُرءِ إلى القُرءِ» (١).
وقالَ ﷺ : «المُستحاضَةُ تَدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائِها ثمَّ تَغتسلُ وتَتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ وتَصومُ وتُصلِّي» (٢)، فجعَلَ النبيُّ ﷺ الحيضَ قُرءًا.
وقد رَوى عَلقمةُ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنه قالَ: «كُنْتُ عندَ عُمرَ ﵁ فَجاءَ رَجلٌ وامرَأةٌ فقالَ الرَّجلُ: زَوجتِي طلَّقْتُها وراجَعْتُها، فقالَتْ: ما يَمنَعُني ما صنَعَ أنْ أقُولَ ما كانَ أنه طلَّقَنِي وترَكَني حتى حِضْتُ الحَيضةَ الثالثةَ وانقطَعَ الدَّمُ وغلقْتُ بابي ووَضعْتُ غُسلِي وخلَعْتُ ثيابي
стр. 10873
فطرَقَ البابَ فقالَ: قد راجَعتُكِ، فقالَ عُمرُ ﵁: قلْ فيها يا ابنَ أمِّ عَبدٍ، فقُلتُ: أرَى أنَّ الرجعةَ قد صحَّتْ ما لم تَحِلَّ لها الصلاةُ، فقالَ عُمرُ: لو قُلتَ غيرَ هذا لم أرَهُ صَوابًا».
ورُويَ عن مَكحولٍ أنَّ أبا بكرٍ وعُمرَ وعليًّا وابنَ مَسعودٍ وأبا الدرداءِ وعُبادةَ بنَ الصامتِ وعبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ الأشعَريَّ ﵃ «كانُوا يَقولونَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ أنه أحَقُّ بها ما لمَ تَغتسلْ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، تَرِثُه ويَرثُها ما دامَتْ في العدَّةِ».
ولأنَّ إطلاقَ اسمِ القُروءِ يَنطلقُ على الحَيضِ؛ لأنها إنما تُسمَّى مِنْ ذَواتِ الأقراءِ إذا حاضَتْ.
ولهذا إذا طلُقَتْ في أثناءِ حَيضةٍ لم تعتَدَّ بذلكَ قُرءًا؛ لأنَّ عليها أنْ تَعتدَّ بثَلاثةِ قُروءٍ.
ولأنَّ الله تعالَى قالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ كلَّ شَهرٍ بإزاءِ حَيضةٍ وعلَّقَ الحُكمَ بعَدمِ الحيضِ، لا بعَدمِ الطُّهرِ مِنْ الحَيضِ.
ولقَولِ النبيِّ ﷺ في سَبيِ أوطاسَ: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتَّى تَضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تَحِيضَ حَيضةً» (١).
стр. 10874
وأيضًا فالمَقصودُ الأصليُّ مِنْ العدَّةِ إنَّما هو استبراءُ الرَّحمِ وإنْ كانَ لها فَوائدُ أُخَرُ، ولشَرفِ الحرَّةِ المَنكوحةِ وخَطرِها جعَلَ العِلمَ الدالَّ على بَراءةِ رَحمِها ثلاثةَ أقراءٍ، فلو كانَ القُرءُ هو الطُّهرَ لم تَحصلْ بالقُرءِ الأوَّلِ دَلالةٌ؛ فإنه لو جامَعَها في الطُّهرِ ثمَّ طلَّقَها ثمَّ حاضَتْ كانَ ذلك قُرءًا مَحسوبًا مِنْ الأقراءِ عندَ مَنْ يَقولُ: «الأقراءُ الأطهارُ»، ومَعلومٌ أنَّ هذا لم يَدلَّ على شيءٍ، وإنَّما الذي يَدلُّ على البَراءةِ الحَيضُ الحاصلُ بعدَ الطلاقِ، ولو طلَّقَها في طُهرٍ لم يُصبْها فيهِ فإنَّما يُعلَمُ هُنا بَراءةُ الرَّحمِ بالحَيضِ المَوجودِ قبلَ الطلاقِ، والعدَّةُ لا تكونُ قبلَ الطلاقِ؛ لأنها حُكمُه والحُكمُ لا يَسبقُ سبَبَه، فإذا كانَ الطُّهرُ المَوجودُ بعدَ الطلاقِ لا دَلالةَ له على البَراءةِ أصلًا لم يَجُزْ إدخالُه في العِدَدِ الدَّالةِ على بَراءةِ الرَّحمِ، وكانَ مَثلَه كمَثلِ شاهدٍ غيرِ مَقبولٍ، ولا يَجوزُ تَعليقُ الحُكمِ بشَهادةِ شاهِدٍ لا شَهادةَ له، يوضِّحُه أنَّ العدَّةَ في المَنكوحاتِ كالاستِبراءِ في المَملوكاتِ.
وقد ثبَتَ بصَريحِ السُّنةِ أنَّ الاستِبراءَ بالحَيضِ لا بالطُّهرِ، فكذلكَ العدَّةُ؛ إذْ لا فرْقَ بينَهُما إلا بتَعدُّدِ العدَّةِ والاكتِفاءِ بالاستِبراءِ بقُرءٍ واحدٍ …
والمَقصودُ أنَّ الجُمهورَ على أنَّ عدَّةَ الاستِبراءِ حَيضةٌ لا طُهرٌ، وهذا الاستِبراءُ في حقِّ الأمَةِ كالعدَّةِ في حقِّ الحرَّةِ، قالُوا: بلِ الاعتِدادُ في حقِّ الحرَّةِ بالحَيضِ أَولى مِنْ الأمَةِ مِنْ وجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الاحتِياطَ في حقِّها ثابِتٌ بتَكريرِ القُرءِ ثَلاثَ استِبراءاتٍ،
стр. 10875
فهكذا يَنبغِي أنْ يكونَ الاعتِدادُ في حقِّها بالحَيضِ الذي هو أحوَطُ مِنْ الطُّهرِ؛ فإنها لا تَحتسِبُ ببَقيَّةِ الحَيضةِ قُرءًا وتَحتسبُ ببَقيةِ الطُّهرِ قُرءًا.
الثَّاني: أنَّ استِبراءَ الأمَةِ فرعٌ على عِدَّةِ الحرَّةِ، وهي الثَّابتةُ بنَصِّ القُرآنِ، والاستِبراءُ إنَّما ثبَتَ بالسُّنةِ، فإذا كانَ قَدْ احتاطُ له الشارعُ بأنْ جعَلَه بالحَيضِ فاستِبراءُ الحرَّةِ أَولى، فعدَّةُ الحرَّةِ استِبراءٌ لها واستِبراءُ الأمَةِ عدَّةٌ لها.
وأيضًا فالأدلَّةُ والعَلاماتُ والحُدودُ والغاياتُ إنَّما تَحصلُ بالأمورِ الظَّاهرةِ المُتميِّزةِ عن غيرِها، والطُّهرُ هو الأمرُ الأصليُّ، ولهذا متَى كانَ مُستمِرًّا مُستصحَبًا لم يَكنْ له حُكمٌ يُفرَدُ به في الشريعةِ، وإنَّما الأمرُ المُتميِّزُ هو الحَيضُ؛ فإنَّ المرأةَ إذا حاضَتْ تَغيَّرتْ أحكامُها مِنْ بُلوغِها وتَحريمِ العباداتِ عليها مِنْ الصلاةِ والصومِ والطوافِ واللُّبثِ في المَسجدِ وغيرِ ذلكَ مِنْ الأحكامِ، ثمَّ إذا انقطَعَ الدَّمُ واغتَسلتْ فلمْ تتغيَّرْ أحكامُها بتَجدُّدِ الطُّهرِ، لكنْ لزَوالِ المُغيِّرِ الذي هو الحَيضُ، فإنها تَعودُ بعدَ الطُّهرِ إلى ما كانتْ عليهِ قبلَ الحَيضِ مِنْ غيرِ أنْ يُجدِّدَ لها الطُّهرُ حُكمًا، والقُرءُ أمرٌ يغيِّرُ أحكامَ المَرأةِ، وهذا التغييرُ إنَّما يَحصلُ بالحَيضِ دُونَ الطُّهرِ، فهذا الوَجهُ دالٌّ على فَسادِ قَولِ مَنْ يَحتسِبُ بالطُّهرِ الذي قبلَ الحَيضةِ قُرءًا فيما إذا طلقَتْ قبلَ أنْ تَحيضَ ثمَّ حاضَتْ، فإنَّ مَنْ اعتَدَّ بهذا الطُّهرِ قُرءًا جعَلَ شَيئًا ليسَ له حُكمٌ في الشريعةِ قُرءًا مِنْ الأقراءِ، وهذا فاسِدٌ (١).
стр. 10876
إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: إذا كانَتْ أيَّامُها في الحَيضِ عشرةً -وهيَ أكثَرُ مدَّةِ الحَيضِ عندَهم- لا تَصحُّ الرجعةُ، وتَحلُّ للأزواجِ بمُجرَّدِ انقِطاعِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ وإنْ لم تَغتسلْ؛ لأنَّ الحَيضَ لا مَزيدَ له عن العَشرةِ، فبمُجرَّدِ الانقِطاعِ خرَجَتْ عن الحَيضِ فانقَضَتِ العدَّةِ وانقطَعَتِ الرجعةُ.
وإنِ انقطَعَ لأقلَّ مِنْ عشرةٍ أيامٍ لم تَنقطعِ الرجعةُ حتى تَغتسلَ؛ لأنَّ فيما دُونَ العشرةِ يُحتملُ عَودُ الدَّمِ، فيَكونُ حَيضًا؛ لبَقاءِ المدَّةِ، فلا بُدَّ مِنْ الغُسلِ، أو بلُزومِ حُكمٍ مِنْ أحكامِ الطاهِراتِ، بأنْ يَمضيَ عليها وَقتُ صلاةٍ فتَصيرُ دَينًا في ذمَّتِها، وهيَ لا تَجبُ إلا على الطاهِراتِ، وهذا إذا انقطَعَ أوَّلَ الوَقتِ، فإنِ انقطَعَ آخِرَ الوقتِ يُعتبَرُ أدنى وَقتٍ تَقدِرُ فيهِ على الاغتسالِ والتَّحريمةِ، أو تَتيَممُ وتُصلِّي فيه ولو نَفلًا إذا كانَتْ مُسافِرةً أو لعُذرٍ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: إذا تَيمَّمتْ للعُذرِ انقطَعَتِ الرجعةُ وإنْ لم تُصلِّ (١).
وحُكيَ عن الإمامِ أحمَدَ ﵀ أنها في عدَّتِها ولزَوجِها رَجعتُها حتى يَمضيَ وَقتُ الصلاةِ التي طَهرَتْ في وَقتِها.
وعنهُ رِوايةٌ أنها تَنقضِي عدَّتُها بمُجرَّدِ طُهرِها مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ ولا تَقفُ على الغُسلِ.
стр. 10877
وظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ أنَّ لهُ رَجعتَها ما لم تَغتسلْ ولو فرَّطَتْ في الغُسلِ سِنينَ، حتى قالَ شريكٌ القاضي: عِشرينَ سَنةً، قالَ الزَّركشيُّ ﵀: وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ وجَماعةٍ. انتَهى؛ لأنَّ وَطءَ الزوجةِ في الاغتِسالِ مِنْ الحَيضِ حَرامٌ؛ لوُجودِ أثَرِ الحَيضِ الذي يَمنعُ الزوجَ الوَطءَ كما يَمنعُه الحَيضُ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ ذلكَ ما يَمنعُه الحَيضُ ويُوجِبَ ما أوجَبَه الحَيضُ كما قبلَ انقِطاعِ الدَّمِ، ولم تُبَحْ للأزواجِ قبلَ أنْ تَغتسلَ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ.
وأمَّا بَقيةُ الأحكامِ مِنْ قَطعِ الإرثِ والطلاقِ واللِّعانِ والنَّفقةِ وغيرِها فتَحصلُ بانقطاعِ الدَّمِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَقصودَ بالأقراءِ في قَولِه تَعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هي الأطهارُ، وهيَ ما بينَ الحَيضتَينِ مِنْ الطُّهرِ يُسمَّى قُرءًا، وهذا مَرويٌّ عن داودَ بنِ عليٍّ وابنِ حَزمٍ، وهو قولُ عائِشةَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، ورُويَ أيضًا عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وبهِ قالَ القاسمُ وسالمٌ وأبانُ بنُ عُثمانَ وأبو بكرٍ ابنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وابنُ شِهابٍ ورَبيعةُ ويَحيى بنُ سَعيدٍ، كلُّ هؤلاءِ يَقولونَ: «الأقراءُ الأطهارُ»، فالمُطلَّقةُ عندَهم
стр. 10878
تَحِلُّ للأزواجِ وتَخرجُ مِنْ عدَّتِها بدُخولِها في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: لا تَنقضِي حتى يَمضيَ يَومٌ ولَيلةٌ.
وسَواءٌ بَقيَ مِنْ الطُّهرِ الذي طلقَتْ فيه المَرأةُ يَومُ واحدٌ أو أقلُّ أو أكثَرُ أو ساعةٌ واحدةٌ أو لَحظةٌ فإنها تَحتسبُ به المَرأةُ قُرءًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في عدَّتِهنَّ، وإنَّما يكونُ مِنْ عدَّتِهنَّ إذا احتسبْ به، ولأنَّ الطلاقَ إنَّما جُعلَ في الطُّهرِ دونَ الحَيضِ كَيلا يُضرَّ بها فتَطولَ عدَّتُها، ولو لم يُحتسبْ بَقيةُ الطُّهرِ قُرءًا لم تَقتصِرْ عدَّتُها بالطلاقِ فيهِ.
ولأنَّ المُبتَغى مِنْ الطُّهرِ دُخولُ الدَّمِ عليهِ، وهو الذي يُنبِئُ عن سَلامةِ الرَّحمِ، وليسَتِ استِدامةُ الطُّهرِ بشَيءٍ.
ولأنَّ النبيَّ ﷺ أَذِنَ في طَلاقِ الطاهرِ مِنْ غيرِ جِماعٍ، ولم يَقلْ أولَ الطُّهرِ ولا آخِرَه، كما في حَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ في قَولِه: «إذا طَهُرَتْ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ أمسَكَ»، فلمْ يَخُصَّ أولَ الطُّهرِ مِنْ آخِرِه، ولو كانَ بينَهُما فرْقٌ لَبيَّنَه؛ لأنه المبيِّنُ عنِ اللهِ مُرادَه، وقد بلَّغَ وما كتَمَ ﷺ .
والدليلُ عليهِ أنَّ هذا المَعروفُ مِنْ لِسانِ العرَبِ، قالُوا: وإنَّما هو جَمعُ الرَّحمِ الدَّمَ لا طهورُه، ومِنه: قَرأْتَ الماءَ في الحَوضِ أي: جمعْتَه، وقَرأَتَ القُرآنَ أي: ضمَمْتَ بعضَه إلى بعضٍ بلِسانِكَ.
стр. 10879
والدليلُ على أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ أيضًا حَديثُ ابنِ عُمرَ ﵄، وذلكَ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أمَرَه أنْ يطلِّقَ زَوجتَه في الطُّهرِ وجعَلَ العدَّةَ بقَولِه ﷺ : «فتِلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ»، ونهاهُ أنْ يطلِّقَ في الحَيضِ وأخرَجَه مِنْ أنْ يَكونَ عدَّةً ثبَتَ أنَّ الأقراءَ الأطهارُ.
ولأنَّ الأحاديثَ عن الصَّحابةِ القائِلينَ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ أسانِيدُها صِحاحٌ، رَوى حَديثَ عائِشةَ ابنُ شِهابٍ عن عُروةَ وغيرِه عن عائِشةَ ﵂: «أنَّ الأَقراءَ الأَطهارُ».
وحَديث زَيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ أنه قالَ: «إذا دخلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرِئَتْ منه وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها».
وحَديثُ ابنِ عُمرَ رواه مالِكٌ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «إذا طلَّقَ امرَأتَه فدخَلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرئَتْ منهُ وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها»، وابنُ عُمرَ رَوى الحَديثَ عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «فتِلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ»، وله عرَضَتِ القِصةُ إذْ طلَّقَ امرَأتَه حائِضًا، وهو أعلَمُ بهذا، ومعه زَيدُ بنُ ثابتٍ وعائِشةُ وجُمهورُ التابعِينَ بالمَدينةِ، ومعهُ دَليلٌ حَديثُ النبيِّ ﷺ وهوَ الحُجَّةُ القاطِعةُ عندَ التَّنازعِ في مِثلِ هذا.
ولأنَّ الصحابةَ ﵃ قدِ اختَلفُوا في هذهِ المَسألةِ، فيَنبغِي أنْ يُقدَّمَ
стр. 10880
قولُ عائِشةَ وابنِ عمُرَ؛ لأنَّ عائِشةَ أعرَفُ بحالِ الحَيضِ؛ لِمَا تَختصُّ بهِ مِنْ حالِ النِّساءِ وقُربِها مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وكذلكَ ابنُ عمَرَ؛ لأنه قد عرَفَ الطلاقَ في الحَيضِ وما أصابَه فيهِ، فهو أعلَمُ به مِنْ غَيرِه.
وقد أجمَعُوا على أنَّ الطلاقَ للعدَّةِ أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غيرِ جِماعٍ لا حائِضًا، وأجمَعوا على أنَّ كلَّ مُعتدَّةٍ مِنْ طَلاقٍ أو وَفاةٍ تُحسَبُ عدَّتُها مِنْ ساعةِ طلاقِها أو وَفاةِ زَوجِها، وذلكَ دليلٌ على أنَّ الأقراءَ الأطهارُ لا الحيضُ؛ لأنَّ القائِلينَ بأنها الحيضُ يَقولونَ: «إنها لا تَعتدُّ إلا بالحَيضةِ المُقبلةِ بعدَ الطُّهرِ الذي طلقَتْ فيه»، فجَعَلوا عليها ثَلاثةَ قُروءٍ وشيئًا آخَرَ، وذلكَ خِلافُ الكِتابِ والسُّنةِ ويُلزِمُهم أنْ يَقولوا: «إنها قبلَ الحَيضةِ في غيرِ عدَّةٍ»، وحَسبُكَ بهذا خِلافًا لظاهرِ قَولِ اللهِ : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولقولِ النبيِّ ﷺ : «فتلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ».
وعليه: إذا طلَّقَها وهي طاهِرٌ انقَضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ على الصَّحيحِ، وفي قَولٍ عِنْدَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ: يُشترطُ يومٌ ولَيلةٌ بعدَ الطَّعنِ -أي الدُّخولِ في الحَيضةِ الثالثةِ- وبعدَ الطَّعنِ في الصُّورةِ التاليةِ؛ إذْ لا يَتحقَّقُ كَونُه دمَ حَيضٍ إلا بذلكَ.
وإنْ طلَّقَها وهي حائِضٌ -وإنْ لم يَبْقَ مِنْ زَمنِ الحَيضِ شيءٌ- فتَنقضي عدَّتُها بالطَّعنِ في حَيضةٍ رابعةٍ؛ إذْ ما بَقيَ مِنْ الحَيضِ لا يُحسَبُ قُرءًا قَطعًا (١).
стр. 10881
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قُلنَا: «القُروءُ الأطهارُ» فطلَّقَها وهي طاهِرُ انقضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وإنْ طلَّقَها حائِضًا انقضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الرابعةِ، وهذا قَولُ زَيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ والقاسمِ بنِ مُحمدٍ وسالِمِ بنِ عبدِ اللهِ وأبانَ بنِ عُثمانَ ومالِكٍ وأبي ثَورٍ، وهو ظاهِرُ مَذهبِ الشافعيِّ، وحُكيَ عنه قَولٌ آخَرُ: لا تَنقضِي العدَّةُ حتَّى يَمضيَ زَمنُ الدَّمِ يومٌ وليلةٌ؛ لجَوازِ أنْ يكونَ الدَّمُ دمَ فَسادٍ، فلا نَحكمُ بانقِضاءِ العدَّةِ حتى يَزولَ الاحتِمالُ، وحكَى القاضي هذا احتِمالًا في مَذهبِنا أيضًا.
ولنَا: إنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ العدَّةَ ثلاثةَ قُروءٍ، فالزِّيادةُ عليها مُخالَفةٌ للنَّصِ، فلا يُعوَّلُ عليه، ولأنه قَولُ مَنْ سمَّيْنا مِنْ الصَّحابةِ، رَواهُ الأثرَمُ عنهُم بإسنادِه، ولفظُ حَديثِ زَيدِ بنِ ثابتٍ: «إذا دخَلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرئَتْ منه وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها»، وقَولُهم: «إنَّ الدَّمَ يَكونُ دمَ فَسادِ» قُلنا: قد حُكِمَ بكَونِه حَيضًا في تَركِ الصلاةِ وتَحريمِها على الزوجِ وسائِرِ أحكامِ الحَيضِ، فكذلكَ في انقِضاءِ العدَّةِ، ثمَّ إنْ كانَ التوقُّفُ عَنْ الحُكمِ بانقِضاءِ العدَّةِ للاحتِمالِ؛ فإذا تَبيَّنَ أنه حَيضٌ عَلِمْنا
стр. 10882
أنَّ العدَّةَ قد انقضَتْ حينَ رأَتِ الدَّمَ، كما لو قالَ لها: «إنْ حِضتِ فأنتِ طالقٌ» اختَلفَ القائلونُ بهذا القَولِ؛ فمِنهم مَنْ قالَ: اليومُ واللَّيلةُ مِنْ العدَّةِ؛ لأنه دَمٌ تَكملُ به العدَّةُ، فكانَ منها كالذي في أثناءِ الأطهارِ، ومِنهم منَ قالَ: ليسَ مِنها، إنَّما يَتبيَّنُ بهِ انقِضاؤُها، ولأننا لو جَعلْناهُ مِنها أوجَبْنا الزِّيادةَ على ثلاثةِ قُروءٍ، ولكنَّنا نَمنعُها مِنْ النكاحِ حتى يَمضيَ يومٌ ولَيلةٌ، ولو راجَعَها زَوجُها فيها لم تَصحَّ الرجعةُ، وهذا أصَحُّ الوَجهَينِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا مِنْ هذهِ الآيةِ في الأقراءِ ما هي؟ فقالَ قَومٌ: هيَ الأطهارُ، أعني: الأزمِنةَ التي بينَ الزَّمنَينِ، وقالَ قَومٌ: هيَ الدَّمُ نفسُه.
وممَّن قالَ: «إنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ» أمَّا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ فمالكٌ والشافعيُّ وجُمهورُ أهلِ المَدينةِ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ، وأمَّا مِنْ الصَّحابةِ فابنُ عُمرَ وزَيدُ بنُ ثابتٍ وعائشةُ.
وممَّن قالَ: «إنَّ الأقراءَ هي الحيضُ» أمَّا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ فأبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وابنُ أبي لَيلى وجَماعةٌ، وأمَّا مِنْ الصحابةِ فعَليٌّ وعُمرُ ابنُ الخطَّابِ وابنُ مَسعودٍ وأبو موسَى الأشعَريُّ.
وحكَى الأثرَمُ عن أحمدَ أنه قالَ: الأكابِرُ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ
стр. 10883
ﷺ يَقولونُ: الأقراءُ هي الحيضُ، وحكَى أيضًا عن الشعبيِّ أنه قَولُ أحَدَ عشَرَ أو اثنَي عشَرَ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ .
وأمَّا أحمَدُ بنُ حَنبلٍ فاختَلفَتِ الرِّوايةُ عنه، فرُويَ عنه أنه كانَ يقولُ: إنها الأطهارُ على قَولِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ، ثمَّ توقَّفْتُ الآنَ مِنْ أجْلِ قَولِ ابنِ مَسعودٍ وعَليٍّ هو أنها الحيضُ.
والفَرقُ بينَ المَذهبَينِ هو أنَّ مَنْ رَأى أنها الأطهارُ رَأى أنها إذا دخَلَتِ الرَّجعيةُ عندَه في الحَيضةِ الثالثةِ لم يَكنْ للزوجِ عليها رَجعةٌ وحلَّتْ للأزواجِ، ومَن رأى أنها الحيضُ لم تَحِلَّ عندَه حتى تَنقضيَ الحيضةُ الثالثةُ.
وسَببُ الخِلافِ: اشتِراكُ اسمِ القُرءِ؛ فإنه يُقالُ في كلامِ العرَبِ على حدٍّ سَواءٍ على الدَّمِ وعلى الأطهارِ، وقد رامَ كِلا الفَريقَينِ أنْ يدلَّ أنَّ اسمَ القُرءِ في الآيةِ ظاهِرٌ في المعنَى الذي يَراهُ، فالذينَ قالوا: «إنها الأطهارُ» قالُوا: إنَّ هذا الجَمعَ خاصٌّ بالقُرءِ الذي هوَ الطُّهرُ؛ وذلكَ أنَّ القُرءَ الذي هو الحَيضُ يُجمَعُ على أقراءٍ لا على قُروءٍ، وحكَوا ذلكَ عن ابنِ الأنباريِّ، وأيضًا فإنهم قالوا: إنَّ الحَيضةَ مُؤنَّثةٌ والطُهرَ مُذكَّرٌ، فلو كانَ القُرءُ الذي يُرادُ بهِ الحيضُ لَمَا ثبَتَ في جَمعِه الهاءُ؛ لأنَّ الهاءَ لا تَثبتُ في جَمعِ المُؤنَّثِ فيما دُونَ العَشرةِ، وقالوا أيضًا: إنَّ الاشتِقاقَ يَدلُّ على ذلكَ؛ لأنَّ القُرءَ مُشتَقٌّ مِنْ قرَّأْتُ الماءَ في الحَوضِ أي: جمَّعْتَه، فزَمانُ اجتِماعِ الدَّمِ هو زَمانُ الطُّهرِ، فهذا هو أقوَى ما تَمسَّكَ به الفريقُ الأولُ مِنْ ظاهِرِ الآيةِ.
стр. 10884
وأمَّا ما تَمسَّكَ بهِ الفَريقُ الثاني مِنْ ظاهِرِ الآيَةِ فإنهم قالوا: إنَّ قولَه تَعالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ظاهِرٌ في تَمامِ كلِّ قُرءٍ مِنها؛ لأنه ليسَ يَنطلِقُ اسمُ القُرءِ على بعضِه إلا تَجوُّزًا، وإذا وُصفَتِ الأقراءُ بأنها هي الأطهارُ أمكَنَ أنْ تكونَ العدَّةُ عِندَهم بقُرأَينِ وبَعضِ قُرءٍ؛ لأنها عندَهم تعتَدُّ بالطُّهرِ الذي تُطلَّقُ فيه وإنْ مضَى أكثَرُه، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلا يَنطلقُ عليها اسمُ الثلاثةِ إلا تَجوُّزًا، واسمُ الثلاثةِ ظاهِرٌ في كَمالِ كلِّ قُرءٍ منها، وذلكَ لا يتَّفقُ إلا بأنْ تكونَ الأقراءُ هي الحيضَ؛ لأنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على أنها إنْ طلِّقَتْ في حَيضةٍ أنها لا تعتَدُّ بها.
ولكلِّ واحِدٍ مِنْ الفَريقَينِ احتِجاجاتٌ مُتساوِيةٌ مِنْ جِهةِ لفظِ القُرءِ، والذي رَضِيَه الحُذَّاقُ أنَّ الآيةَ مُجمَلةٌ في ذلكَ، وأنَّ الدليلَ يَنبغي أنْ يُطلبَ مِنْ جهةٍ أُخرى، فمِن أقوَى ما تمسَّكَ بهِ مَنْ رأى أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ حديثُ ابنِ عُمرَ المُتقدِّمِ وقولُه ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها حتى تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ ثم تَحيضَ ثم تَطهُرَ، ثم يُطلِّقُها إنْ شاءَ قبلَ أنْ يمَسَّها، فتلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ»، قالُوا: وإجماعُهم على أنَّ طلاقَ السُّنةِ لا يَكونُ إلا في طُهرٍ لم تُمَسَّ فيهِ، وقَولُه ﵊: «فتِلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ» دليلٌ واضِحٌ على أنَّ العدَّةَ هي الأطهارُ؛ لكَي يكونَ الطلاقُ مُتَّصِلًا بالعدَّةِ.
ويُمكنُ أنْ يُتأوَّلَ قَولُه: «فتِلكَ العدَّةُ» أي: فتِلكَ مدَّةُ استِقبالِ العدَّةِ؛ لئلَّا يَتبعَّضَ القُرءُ بالطلاقِ في الحَيضِ.
стр. 10885
وأقوَى ما تَمسَّكَ بهِ الفَريقُ الثاني أنَّ العدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لبَراءةِ الرَّحمِ، وبَراءتُها إنَّما تَكونُ بالحَيضِ لا بالأطهارِ، ولذلكَ كانَ عدَّةُ مَنْ ارتَفعَ الحَيضُ عنها بالأيَّامِ، فالحَيضُ هو سَببُ العدَّةِ بالأقراءِ، فوجَبَ أنْ تكونَ الأقراءُ هيَ الحيضَ.
واحتَجَّ مَنْ قالَ الأقرَاءُ هي الأطهارُ بأنَّ المُعتبَرَ في بَراءةِ الرَّحمِ هو النَّقلةُ مِنْ الطُّهرِ إلى الحَيضِ لا انقِضاء الحيضِ، فلا معنَى لاعتِبارِ الحَيضةِ الأخيرةِ، وإذا كانَ ذلكَ فالثلاثُ المُعتبَرُ فيهنَّ التَّمامُ -أعني: المُشتَرَطَ- هي الأطهارُ التي بينَ الحيضتَينِ، ولِكلَا الفَريقَينِ احتِجاجاتٌ طَويلةٌ.
ومذهَبُ الحَنفيةِ أظهَرُ مِنْ جِهةِ المَعنى، وحُجَّتُهم مِنْ جِهةِ المَسموعِ مُتساوِيةٍ أو قَريبٌ مِنْ مُتساويةٍ، ولم يَختلفِ القائِلونَ أنَّ العدَّةَ هي الأطهارُ أنها تَنقضِي بدُخولِها في الحَيضةِ الثالثةِ.
واختَلفَ الذينَ قالوا: إنها الحَيضُ:
فقيلَ: تَنقضي بانقِطاعِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وبهِ قالَ الأوزاعيُّ.
وقيلَ: حِينَ تَغتسِلُ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وبهِ قالَ مِنْ الصحابةِ عُمرُ بنُ الخطَّاب وعليٌّ وابنُ مَسعودٍ، ومِن الفُقهاءِ الثَّوريُّ وإسحاقُ بنُ عُبيدٍ.
وقيلَ: حتى يَمضيَ وَقتُ الصلاةِ التي طَهُرتْ في وَقتِها.
وقيلَ: إنَّ للزوجِ عليها الرجعةَ وإنْ فرَّطَتْ في الغُسلِ عِشرينَ سَنةً، حُكيَ هذا عَنْ شريكٍ.
وقد قيلَ: تَنقضِي بدُخولِها في الحَيضةِ الثالثةِ، وهو أيضًا شاذٌّ (١).
стр. 10886
كتاب الإيلاء
تعريفُ الإيلاءِ:
الإيلاءُ لُغةً: اختُلفَ في مَدلولِ الإيلاءِ لُغةً، فقِيلَ: هو الامتِناعُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] أي: يَمتنِعْ، ثمَّ استُعمِلَ فيما كانَ الامتِناعُ منهُ بيَمينٍ.
وقيلَ: هو الحَلِفُ أو اليَمينُ مُطلَقًا، سَواءٌ أكانَ على تَركِ قُربانِ الزوجةِ أم على شَيءٍ آخَرَ، مَأخوذٌ مِنْ آلَى على كذا يُولي إيلاءً وأَليَّةً، إذا حلَفَ على فِعلِ شيءٍ أو تَركِه، قالَ الشاعرُ:
قَليلُ الأَلايَا حافِظٌ ليَمينِه وإنْ صَدَرَتْ منه الألِيَّةُ بُرَّتِ
يَصفِه بقلَّةِ الحَلِفِ (١).
стр. 10887
الإيلاءُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ:
قالَ الحَنفيةُ: الإيلاءُ عِبارةٌ عن اليَمينِ على تَركِ الوَطءِ في الزوجةِ مدَّةً مَخصوصةً بحَيثُ لا يُمكنُه الوَطءُ إلا بحِنثٍ يَلزمُه بسَببِ اليَمينِ (١).
وقيلَ: هو اليَمينُ على تَركِ قُربانِ الزوجةِ حالًا أو مآلًا -كقَولِه لأجنبيَّةٍ: «إنْ تزوَّجتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ»؛ لأنَّ المُعتبَرَ وقتُ تَنجيزِ الإيلاءِ- أربَعةَ أشهُرٍ فصاعِدًا باللهِ تَعالى أو بتَعليقٍ ما يَستشِقُّه على القُربانِ (٢).
وعرَّفَ المالِكيةُ الإيلاءَ بأنه: حَلِفُ الزوجِ المُسلمِ المُكلَّفِ -ولو مَريضًا- المُمكِنِ وَطؤُه بكُلِّ ما يَدلُّ على تَركِ وَطءِ زَوجتِه، سواءٌ كانَ حَلفُه باللهِ أو بصِفةٍ مِنْ صفاتِه، أو بالطلاقِ أو بالعِتقِ، أو بمَشيٍ لمَكةَ أو بالتِزامِ قُربةٍ، أكثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ، تَصريحًا بالأكثَرِ، أو احتِمالًا له وللأقلِّ (٣).
стр. 10888
قيّدَ بشَيءٍ في يَمينِه نحوُ: «لا أطؤُكِ في هذه الدارِ، أو حتى تَسألِيني الوَطءَ» أو أطلَقَ ك: «واللهِ لا يَطؤُها»، تَعليقًا أو تَنجيزًا كما لو علَّقَ الوَطءَ على دُخولِ الدارِ أو على الخُروجِ مِنْ البلَدِ ونَحوِ ذلكَ.
وأمَّا الكافِرُ وغَيرُ المُكلَّفِ كالصغيرِ والمَجنونِ ومَن لا يَستطيعُ الجِماعَ كالخَصيِّ والمَجبوبِ والشيخِ الفاني ونحوِهم فإنَّ إيلاءَهُم لا يَصحُّ.
ولا يَصحُ الإيلاءُ مِنْ المُرضِعةِ إنْ قصَدَ إصلاحَ الوَلدِ أو لا قصْدَ له، فإنْ حلَفَ أنْ لا يطَأَ زَوجتَه ما دامَتْ مُرضِعةً أو حتى تَفطمَ ولَدَها أو مدَّةَ الرَّضاعِ فلا إيلاءَ عليهِ، وإلا بأنْ قصَدَ بحَلفِه مُجرَّدَ الامتِناعِ فَمُولٍ.
ولو قالَ لأجنبيَّةٍ: «واللهِ لا أُجامِعُكِ سَنةً» ثمَّ نكَحَها قبلَ مُضيِّ ثَمانيةِ أشهُرٍ صارَ مُوليًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الإيلاءُ هوَ حلِفُ زَوجٍ يَصحُّ طلاقُه باللهِ تَعالى أو بصِفةٍ لهُ أو بما أُلحقَ بذلكِ لَيَمتنِعنَّ مِنْ وَطئِها ولو رَجعيًّا، مُطلَقًا بأنْ لم يُقيِّدْه بمُدَّةٍ ولو بالنِّيةِ، أو فَوقَ أربَعةِ أشهُرٍ ولو بلَحظةٍ (٢).
стр. 10889
وقالَ الحَنابلةُ: الإيلاءُ هو حَلِفُ زَوجٍ يُمكنِه الجِماعُ باللهِ تعالى أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه كالرَّحمنِ والرَّحيمِ وربِّ العالَمينَ وخالِقِهم أو بمُصحَفٍ -لا بنَذرٍ أو طَلاقٍ ونَحوِه- على تَركِ وَطءِ امرَأتِه المُمكِنِ جِماعُها، ولو حلَفَ عَلى تَركِ وَطئِها قبلَ الدُّخولِ في قبُلٍ أبَدًا، أو يُطلِقُ في حلِفِه لا يَطؤُها، أو يَحلِفَ لا يَطؤُها أكثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ، أو يَنويها بأنْ يَحلِفَ أنْ لا يَطأَها ويَنوي فوقَ أربعةِ أشهُرٍ (١).
وقد كانَ الإيلاءُ طَلاقًا في الجَاهليةِ فغيَّرَ الشَّرعُ حُكمَه، وقَد قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀: سَمعْتُ ممَّن أرضَى مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ أهلَ الجَاهليةِ كانوا يُطلِّقونَ بالظِّهارِ والإيلاءِ والطلاقِ، فأقَرَّ اللهُ تَعالى الطلاقَ طَلاقًا، وحكَمَ في الإيلاءِ والظِّهارِ بحُكمِهما (٢).
وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ ﵀: كانَ ذلكَ مِنْ ضِرارِ أهلِ الجَاهليةِ، وكانَ الرَّجلُ لا يُحبُّ امرَأتَه ولا يُريدُ أنْ يتزوَّجَ بها غَيرُه، فيَحلفُ أنْ لا يقرَبَها أبدًا، فيَتركُها لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، وكانا عليه في ابتِداءِ الإسلامِ
стр. 10890
فضرَبَ اللهُ له أجَلًا في الإسلامِ (١) بقَولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦].
حكمُ الإيلاءِ:
الأصلُ في الإيلاءِ قَولُه تَعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧].
وعَن أنسٍ ﵁ قالَ: آلَى رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسائِه شَهرًا وقعَدَ في مَشربَةٍ له وكانَتِ انفَكَّتْ قدَمُه فجلَسَ في عُلِّيةٍ له، فجاءَ عُمرُ فقالَ: أطَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قالَ: «لا ولكِنِّي آلَيْتُ مِنهنَّ شَهرًا»، فمكَثَ تِسعًا وعِشرينَ ثمَّ نزَلَ فدخَلَ على نِسائِه، فقِيلَ: يا رَسولَ اللهِ إنكَ آلَيتَ على شَهرٍ، قالَ: «إنَّ الشهرَ تِسعٌ وعِشرونَ» (٢).
وقَد نصَّ فُقهاءُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ على أنَّ الإيلاءَ مُحرَّمٌ؛ للإيذاءِ، ولأنه يَمينٌ على تَركِ واجِبٍ، قالوا: وليسَ منه إيلاؤُه ﷺ في السَّنةِ التاسعةِ مِنْ نسائِه شَهرًا (٣).
ولأنَّ شأْنَ إيلائِهم الوَاردِ فيه القرآنُ قَصدُ الإضرارِ بالمَرأةِ.