← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.

стр. 10886

كتاب الإيلاء تعريفُ الإيلاءِ: الإيلاءُ لُغةً: اختُلفَ في مَدلولِ الإيلاءِ لُغةً، فقِيلَ: هو الامتِناعُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] أي: يَمتنِعْ، ثمَّ استُعمِلَ فيما كانَ الامتِناعُ منهُ بيَمينٍ. وقيلَ: هو الحَلِفُ أو اليَمينُ مُطلَقًا، سَواءٌ أكانَ على تَركِ قُربانِ الزوجةِ أم على شَيءٍ آخَرَ، مَأخوذٌ مِنْ آلَى على كذا يُولي إيلاءً وأَليَّةً، إذا حلَفَ على فِعلِ شيءٍ أو تَركِه، قالَ الشاعرُ: قَليلُ الأَلايَا حافِظٌ ليَمينِه وإنْ صَدَرَتْ منه الألِيَّةُ بُرَّتِ يَصفِه بقلَّةِ الحَلِفِ (١).

стр. 10887

الإيلاءُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: قالَ الحَنفيةُ: الإيلاءُ عِبارةٌ عن اليَمينِ على تَركِ الوَطءِ في الزوجةِ مدَّةً مَخصوصةً بحَيثُ لا يُمكنُه الوَطءُ إلا بحِنثٍ يَلزمُه بسَببِ اليَمينِ (١). وقيلَ: هو اليَمينُ على تَركِ قُربانِ الزوجةِ حالًا أو مآلًا -كقَولِه لأجنبيَّةٍ: «إنْ تزوَّجتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ»؛ لأنَّ المُعتبَرَ وقتُ تَنجيزِ الإيلاءِ- أربَعةَ أشهُرٍ فصاعِدًا باللهِ تَعالى أو بتَعليقٍ ما يَستشِقُّه على القُربانِ (٢). وعرَّفَ المالِكيةُ الإيلاءَ بأنه: حَلِفُ الزوجِ المُسلمِ المُكلَّفِ -ولو مَريضًا- المُمكِنِ وَطؤُه بكُلِّ ما يَدلُّ على تَركِ وَطءِ زَوجتِه، سواءٌ كانَ حَلفُه باللهِ أو بصِفةٍ مِنْ صفاتِه، أو بالطلاقِ أو بالعِتقِ، أو بمَشيٍ لمَكةَ أو بالتِزامِ قُربةٍ، أكثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ، تَصريحًا بالأكثَرِ، أو احتِمالًا له وللأقلِّ (٣).

стр. 10888

قيّدَ بشَيءٍ في يَمينِه نحوُ: «لا أطؤُكِ في هذه الدارِ، أو حتى تَسألِيني الوَطءَ» أو أطلَقَ ك: «واللهِ لا يَطؤُها»، تَعليقًا أو تَنجيزًا كما لو علَّقَ الوَطءَ على دُخولِ الدارِ أو على الخُروجِ مِنْ البلَدِ ونَحوِ ذلكَ. وأمَّا الكافِرُ وغَيرُ المُكلَّفِ كالصغيرِ والمَجنونِ ومَن لا يَستطيعُ الجِماعَ كالخَصيِّ والمَجبوبِ والشيخِ الفاني ونحوِهم فإنَّ إيلاءَهُم لا يَصحُّ. ولا يَصحُ الإيلاءُ مِنْ المُرضِعةِ إنْ قصَدَ إصلاحَ الوَلدِ أو لا قصْدَ له، فإنْ حلَفَ أنْ لا يطَأَ زَوجتَه ما دامَتْ مُرضِعةً أو حتى تَفطمَ ولَدَها أو مدَّةَ الرَّضاعِ فلا إيلاءَ عليهِ، وإلا بأنْ قصَدَ بحَلفِه مُجرَّدَ الامتِناعِ فَمُولٍ. ولو قالَ لأجنبيَّةٍ: «واللهِ لا أُجامِعُكِ سَنةً» ثمَّ نكَحَها قبلَ مُضيِّ ثَمانيةِ أشهُرٍ صارَ مُوليًا (١). وقالَ الشافِعيةُ: الإيلاءُ هوَ حلِفُ زَوجٍ يَصحُّ طلاقُه باللهِ تَعالى أو بصِفةٍ لهُ أو بما أُلحقَ بذلكِ لَيَمتنِعنَّ مِنْ وَطئِها ولو رَجعيًّا، مُطلَقًا بأنْ لم يُقيِّدْه بمُدَّةٍ ولو بالنِّيةِ، أو فَوقَ أربَعةِ أشهُرٍ ولو بلَحظةٍ (٢).

стр. 10889

وقالَ الحَنابلةُ: الإيلاءُ هو حَلِفُ زَوجٍ يُمكنِه الجِماعُ باللهِ تعالى أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه كالرَّحمنِ والرَّحيمِ وربِّ العالَمينَ وخالِقِهم أو بمُصحَفٍ -لا بنَذرٍ أو طَلاقٍ ونَحوِه- على تَركِ وَطءِ امرَأتِه المُمكِنِ جِماعُها، ولو حلَفَ عَلى تَركِ وَطئِها قبلَ الدُّخولِ في قبُلٍ أبَدًا، أو يُطلِقُ في حلِفِه لا يَطؤُها، أو يَحلِفَ لا يَطؤُها أكثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ، أو يَنويها بأنْ يَحلِفَ أنْ لا يَطأَها ويَنوي فوقَ أربعةِ أشهُرٍ (١). وقد كانَ الإيلاءُ طَلاقًا في الجَاهليةِ فغيَّرَ الشَّرعُ حُكمَه، وقَد قالَ الإمامُ الشافعيُّ ﵀: سَمعْتُ ممَّن أرضَى مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ أهلَ الجَاهليةِ كانوا يُطلِّقونَ بالظِّهارِ والإيلاءِ والطلاقِ، فأقَرَّ اللهُ تَعالى الطلاقَ طَلاقًا، وحكَمَ في الإيلاءِ والظِّهارِ بحُكمِهما (٢). وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ ﵀: كانَ ذلكَ مِنْ ضِرارِ أهلِ الجَاهليةِ، وكانَ الرَّجلُ لا يُحبُّ امرَأتَه ولا يُريدُ أنْ يتزوَّجَ بها غَيرُه، فيَحلفُ أنْ لا يقرَبَها أبدًا، فيَتركُها لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، وكانا عليه في ابتِداءِ الإسلامِ

стр. 10890

فضرَبَ اللهُ له أجَلًا في الإسلامِ (١) بقَولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. حكمُ الإيلاءِ: الأصلُ في الإيلاءِ قَولُه تَعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]. وعَن أنسٍ ﵁ قالَ: آلَى رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسائِه شَهرًا وقعَدَ في مَشربَةٍ له وكانَتِ انفَكَّتْ قدَمُه فجلَسَ في عُلِّيةٍ له، فجاءَ عُمرُ فقالَ: أطَلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قالَ: «لا ولكِنِّي آلَيْتُ مِنهنَّ شَهرًا»، فمكَثَ تِسعًا وعِشرينَ ثمَّ نزَلَ فدخَلَ على نِسائِه، فقِيلَ: يا رَسولَ اللهِ إنكَ آلَيتَ على شَهرٍ، قالَ: «إنَّ الشهرَ تِسعٌ وعِشرونَ» (٢). وقَد نصَّ فُقهاءُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ على أنَّ الإيلاءَ مُحرَّمٌ؛ للإيذاءِ، ولأنه يَمينٌ على تَركِ واجِبٍ، قالوا: وليسَ منه إيلاؤُه ﷺ في السَّنةِ التاسعةِ مِنْ نسائِه شَهرًا (٣). ولأنَّ شأْنَ إيلائِهم الوَاردِ فيه القرآنُ قَصدُ الإضرارِ بالمَرأةِ.

стр. 10891

وقد يَكونُ الإيلاءُ مُباحًا إذا لَم يُقصَدْ بهِ الإضرارُ ولم تَطُلْ مدَّتُه، كالذي يَكونُ لقَصدِ التأديبِ أو لقَصدٍ آخَرَ مُعتبَرٍ شَرعًا غيرِ قَصدٍ الإضرارِ المَذمومِ شَرعًا، وقد آلَى النبيُّ ﷺ مِنْ نِسائِه شهرًا، قيلَ: لمَرضٍ كانَ برِجلِه، وقيلَ: لأجْلِ تأدِيبهِنَّ؛ لأنهنَّ قد لَقِينَ مِنْ سَعةِ حِلمِه ورِفقِه ما حَدَا ببَعضِهنَّ إلى الإفراطِ في الإدلالِ، وحمَلَ البَقيةَ على الاقتِداءِ بالأُخرَياتِ أو على استِحسانِ ذلكَ، واللهُ ورَسولُه أعلمُ ببَواطنِ الأمورِ. وأما جَوازُ الإيلاءِ للمَصلحةِ كالخَوفِ على الوَلدِ مِنْ الغَيلِ، وكالحِميَةِ مِنْ بَعضِ الأمرَاضِ في الرَّجلِ والمَرأةِ؛ فإباحتُه حاصِلةٌ مِنْ أدلَّةِ المَصلحةِ ونَفيِ المَضرَّةِ، وإنما يَحصلُ ذلكَ بالحَلفِ عندَ بعضِ الناسِ لِمَا فيهم مِنْ ضَعفِ العزمِ واتِّهامِ أنفُسِهم بالفَلتةِ في الأمرِ إنْ لم يُقيِّدُوها بالحلِفِ (١). والحِكمةُ في إمهالِه هذه المدَّةَ المُحافَظةُ على عَلاقةِ الزوجيةِ ومُعالَجةُ بقائِها بما هوَ غالِبٌ على طَبائعِ الناسِ، فإنَّ البُعدَ عن الزوجةِ مثلَ هذا الزَّمنِ فيهِ تَشويقٌ للزوجِ إليها، فيَحمِلُه على زِنَةِ حالِهِ معهَا وَزنًا صَحيحًا، فإذا لم تتأثَّرْ نفسُه بالبُعدِ عنها ولم يُبالِ بها سَهلَ عليه فِراقُها، وإلَّا عادَ إليها نادِمًا على إساءَتها مُصرًّا على حُسنِ مُعاشَرتِها، وكذلكَ المَرأةُ، فإنَّ هجْرَها مِنْ وَسائلِ تأديبِها، فقدْ تكونُ سَببًا في انصِرافِه عنها بإهمالِ زِينتِها أو بمُعامَلتِه مُعامَلةً تُوجبُ النَّفرةَ منها، فبُعدُه عنها هذهِ المدَّةَ زاجِرٌ لها عمَّا عَساهُ أنْ يفرطَ عنها، فانتِظارُ هذهِ المُدَّةِ لازِمٌ ضَروريٌّ لبقاءِ الزوجيةِ.

стр. 10892

أركانُ الإيلاءِ: أركانُ الإيلاءِ وشُروطُه: أركانُ الإيلاءِ أربَعةٌ: ١ - حالِفٌ. ٢ - مُدَّةٌ. ٣ - ومَحلوفٌ عليهِ (وهيَ الزوجةُ). ٤ - مَحلوفٌ به (الصِّيغةُ). وبَعضُ الفُقهاءِ يَجعلُ الرُّكنَ هو الصِّيغةَ فقطْ والباقي شَروطًا، وبعضُهم يقسِّمُها إلى أركانٍ وكلُّ رُكنٍ له شُروطُه، ولا مشاحَةَ في هذا. الرُّكنُ الأولُ: الحالِفُ: وهو الزوجُ الذي يَصحُّ طَلاقُه، فكلُّ زَوجٍ مُسلمٍ صحَّ طَلاقُه صحَّ إيلاؤُه. وقدِ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ المُسلِمَ البالغَ العاقِلَ المُختارَ يَصحُّ إيلاؤُه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ الإيلاءُ مِنْ كلِّ زَوجٍ مُكلَّفٍ قادِرٍ على الوطءِ. أما الصبيُّ والمَجنونُ فلا يَصحُّ إيلاؤُهما؛ لأنَّ القلَمَ مَرفوعٌ عنهُما، ولأنه قَولٌ تَجبُ بمُخالَفتِه كفَّارةٌ أو حَقٌّ، فلم يَنعقِدْ منهُما كالنَّذرِ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في:

стр. 10893

إيلاء الكافِرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إيلاءِ الكافِرِ هل يَصحُّ أم لا؟ وفائِدةُ ذلكَ: هلْ يُؤاخَذُ بعدَ إسلامِه بوَقفٍ وبكفَّارةٍ إنْ حنَثَ أم لا؟ ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والشافِعيةُ والحَنابلةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنه يَصحُّ إيلاءُ الكافِرِ كما يَصحُّ إيلاءُ المُسلمِ؛ لعُمومِ قولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فعَمَّ ولم يَخصَّ، ولأنَّ مَنْ صحَّ طَلاقُه أو يَمينُه عندَ الحاكِمِ .. صَحَّ إيلاؤُه كالمُسلمِ (١). إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: إذا حلَفَ الذِّميُّ بعِتقٍ أو طَلاقٍ أنْ لا يقرَبَها فهو مُولٍ بالاتِّفاقِ، وإنْ حلَفَ بصَدقةٍ أو حَجٍّ لم يَكنْ مُوليًا بالاتِّفاقِ، وإنْ حلَفَ باللهِ أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه كانَ مُوليًا في قولِ أبي حَنيفةَ، نحوُ: «واللهِ لا أقرَبُكِ»، فإنْ قرَبَها لا تَلزمُه كفَّارةٌ، وفائدةُ كونِه مُوليًا أنَّ المدَّةَ لو مضَتْ بلا قُربانٍ بانَتْ بتَطليقةٍ. وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إنْ حلَفَ باللهِ تعالى أو بصِفةٍ مِنْ صفاتِه لا يَكونُ مُوليًا. قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: لمَّا كانَ مَعلومًا أنَّ الإيلاءَ إنَّما يَثبتُ حُكمُه لِمَا يتعلَّقُ بالحِنثِ مِنْ الحقِّ الذي يَلزمُه فواجِبٌ على هذا أنْ يَصحَّ إيلاءُ الذميِّ إذا كانَ بالعِتقِ والطلاقِ؛ لأنَّ ذلك يَلزمُه كما يَلزمُ المُسلمَ، وأمَّا

стр. 10894

الصدقةُ والصومُ والحجُّ فلا يَلزمُه إذا حنَثَ؛ لأنه لو أوجَبَه على نفسِه لم يَلزمْه بإيجابِه، ولأنه لا يَصحُّ منه فِعلُ هذه القُرَبِ؛ لأنه لا قُربةَ لهُ، ولذلك لم يَلزمْه الزَّكَواتُ والصدقاتُ الواجِبةُ على المُسلمينَ في أموالِهم في أحكامِ الدُّنيا، فوجَبَ على هذا أنْ لا يَكونَ مُوليًا بحَلفِه بالحجِّ والعُمرَةِ والصَّدقةِ والصيامِ؛ إذْ لا يَلزمُه بالجِماعِ شَيءٍ، فكانَ بمَنزلةِ مَنْ لم يَحلفْ، وقولُه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] يَقتضِي عُمومَ المُسلمِ والكافِرِ، ولكنَّا خصَّصناهُ بما وصَفْنا. وأمَّا إذا حلَفَ باللهِ تَعالى فإنَّ أبا حَنيفةَ جعَلَه مُوليًا وإنْ لم تَلزمْه كفَّارةٌ في أحكامِ الدُّنيا؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ حُكمَ تَسميةِ اللهِ تَعالى قد تعلَّقَ على الكافِرِ كهيَ على المُسلمِ؛ بدَلالةِ أنَّ إظهارَ الكافرِ تَسميةَ اللهِ تَعالى على الذَّبيحةِ يُبيحُ أكْلَها كالمُسلمِ، ولو سمَّى الكافرُ باسمِ المَسيحِ لم تُؤكلْ، فثبَتَ حُكمُ تسميتِه وصارَ كالمُسلمِ في حُكمِها، فكذلك الإيلاءُ؛ لأنه يَتعلَّقُ به حُكمانِ: أحَدُهما الكفَّارةُ، والآخَرُ الطلاقُ، فثبَتَ حُكمُ التسميةِ عليه في بابِ الطلاقِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ إيلاءُ الذِّميِّ ويَلزمُه ما يَلزمُ المُسلمَ إذا تقاضَوا إلينا، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ والشافعيُّ وأبو ثَورٍ، وإنْ أسلَمَ

стр. 10895

لم يَنقطِعْ حُكمُ إيلائِه، وقالَ مالكٌ: إنْ أسلَمَ سقَطَ حُكمُ يَمينِه، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إنْ حلَفَ باللهِ لم يَكنْ مُوليًا؛ لأنه لا يَحنثْ إذا جامَعَ؛ لكونِه غيرَ مُكلَّفٍ، وإنْ كانَتْ يَمينُه بطَلاقٍ أو عِتاقٍ فهو مُولٍ؛ لأنه يَصحُّ عِتقُه وطَلاقُه. ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولأنه مانِعٌ نفسَه باليَمينِ مِنْ جِماعِها، فكانَ مُوليًا كالمُسلمِ، ولأنَّ مَنْ صحَّ طَلاقُه صحَّ إيلاؤُه كالمُسلمِ، ومَن صحَّتْ يَمينُه عندَ الحاكِمِ صحَّ إيلاؤُه كالمُسلمِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ الإيلاءُ مِنْ الكافرِ في حالِ كُفرِه، سواءٌ استَمرَّ على كُفرِه أو آلَى ثمَّ أسلَمَ، فمَن آلَى في حالِ كُفرِه ثمَّ أسلَمَ فإنه لا يَلزمُه الإيلاءُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقولِه ﷺ : «الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه»، ولأنه ممَّن لا يَصحُّ مِنهُ التقرُّبُ بالإعتاقِ، فلم يَصحُّ منه الإيلاءُ كالمَجنونِ، ولأنَّ أنكحَتَهُم فاسِدةٌ عندَنا، والوطءُ في النكاحِ الفاسدِ غيرُ مُستحَقٍّ عليه، فلمْ يَجبْ وَقفُه لأجْلِه. وجاءَ في «المُدوَّنَة»: (قلتُ): أرَأيتَ إيلاءَ الذميِّ إذا حلَفَ بعِتقٍ أو بطَلاقٍ أو باللهِ أو بصَدقةِ ما يَملكُ أو بغَيرِ ذلكَ مِنْ الأَيمانِ أنْ لا يَقربَ

стр. 10896

امرَأتَه فأسلَمَ، أيَكونُ مُوليًا أم لا؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: لا يَكونُ مُوليًا، إذا أسلَمَ سقَطَ عنهُ هذا كلُّه، ألَا تَرى أنَّ طَلاقَه لا يلزَمُه؟! فكذلكَ إيلاؤُه؛ لأنَّ الإيلاءَ يَجرُّ إلى الطلاقِ (١). وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وقالَ الشافعيُّ: يَنعقِدُ الإيلاءُ مِنْ الكافرِ؛ لعُمومِ قولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية، فإنَّ المَوصولَ مِنْ صِيَغِ العُمومِ، وجَوابُه: مَنعُ بقاءِ المَوصولِ عَلى عُمومِه؛ بدَليلِ قولِه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فإنَّ الكافرَ لا تَحصلُ لهُ مَغفرةٌ ولا رَحمةٌ بالفَيئةِ، وقَد يُقالُ: إنَّ الكافرَ يُعذَّبُ عذابَ الكُفرِ وعذابَ المَعصيةِ، فلِمَ لا يَجوزُ أنْ يَحصلَ له غُفرانُ الذنبِ بالفَيئةِ؟! (٢).

стр. 10897

الرُّكنُ الثَّاني: المدَّةُ: الزوجُ إذا حلَفَ أنْ لا يجامِعَ زَوجتَه فهذا لا يَخلو حالُه: إمَّا أنْ يُحدِّدَ مدَّةً مُعيَّنةً، وإما أنْ يَحلِفَ مُطلِقًا. وإذا حدَّدَ مدَّةً معيَّنةً: إما أنْ تَكونَ أربعةَ أشهُرٍ أو أقلَّ أو أزيَدَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ. فإذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَ زوْجتَه مدَّةً مُعينةً فهذا لا يَخلو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ: الحَالةُ الأُولى: إذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَ زوْجتَه أقَلَّ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَ زوْجتَه أقلَّ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ فلا يَصيرُ مُوليًا بل هو حالِفٌ، فإنْ جامَعَها قبلَ مُضيِّ المدَّةِ المَحلوفِ عليها فعَليهِ كفَّارةُ اليَمينِ فقطْ، ولا شيءَ عليه آخَرَ؛ لأنَّ المُولي مَنْ لا يَملكُ قُربانَ امرَأتِه في المدَّةِ إلا بشيءٍ يَلزمُه، وإذا عقَدَ يَمينَه على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ كشَهرٍ مَثلًا فهو يَتمكَّنُ مِنْ قُربانِها بعدَ مُضيِّ الشهرِ مِنْ غيرِ أنْ يَلزمَه شيءٌ، فلمْ يَكنْ مُوليًا كما في تَركِ مُجامَعتِها مدَّةً بغَيرِ يَمينٍ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والإيلاءُ هو اليَمينُ، وقد ثبَتَ أنه إنْ ترَكَ جِماعَها بغيرِ يَمينٍ لا يُكسِبُه حُكمَ الإيلاءِ، وإذا حلَفَ على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ فمضَتْ مدَّةُ اليَمينِ كانَ تارِكًا لجَماعِها فيما بَقيَ مِنْ مدَّةِ الأربعةِ الأشهرِ التي هيَّ التربُّصُ بغيرِ يَمينٍ، وتَركُ جِماعِها بغيرِ يَمينٍ لا تأثيرَ له في إيجابِ البَينونةِ، وما دونَ الأربعةِ

стр. 10898

أشهُرٍ لا يُكسِبُه حُكمَ البَينونةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قد جعَلَ لهُ تربَّصَ أربعةِ أشهُرٍ، فلمْ يَبقَ هُناكَ معنًى يتعلَّقُ بهِ إيجابُ الفُرقةِ، فكانَ بمَنزلةِ تارِكِ جِماعِها بغيرِ يَمينٍ، فلا يَلحقُه حُكمُ الإيلاءِ. وقد قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «كانَ إيلاءُ أهلِ الجَاهليةِ السَّنةَ والسنتَينِ وأكثَرَ، فوقَّتَ اللهُ لهم أربعةَ أشهُرٍ، فمَن كانَ إيلاؤُه أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ فليسَ بإيلاءٍ». قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنه إذا حلَفَ باللهِ لا يُجامِعُ زوْجتَه أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ كانَ مُوليًا، فإنْ حلَفَ ألا يَقربَها أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَتعلَّقْ به حُكمُ الإيلاءِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: فإنْ حلَفَ على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَكنْ مُوليًا، وقالَ بهِ الأئمَّةُ الأربعةُ وأكثَرُ العُلماءِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: مَنْ حلَفَ على تَركِ الوَطءِ أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَكنْ مُؤليًا، وهذا قَولُ الجُمهورِ، وفيه قولٌ شاذٌّ أنه مُؤلٍ (٣). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لو حلَفَ على أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ لم يَكنْ مُوليًا في حقِّ الطلاقِ، وهذا قَولُ عامَّةِ العُلماءِ وعامَّةِ الصحابةِ ﵃.

стр. 10899

وقالَ بَعضُ أهلِ العلمِ: إنَّ مدَّةَ الإيلاءِ غيرُ مُقدَّرةٍ، يَستِوي فيها القَليلُ والكثيرُ، حتى لو حلَفَ لا يَقربُها يومًا أو ساعةً كانَ مُوليًا، حتى لو ترَكَها أربعةَ أشهُرٍ بانَتْ، وكذا رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ ﵁، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ الإيلاءَ على الأبَدِ … وجهُ قَولِ الأوَّلِينَ ما رُويَ عن أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ آلَى مِنْ نِسائِه شَهرًا، فلمَّا كانَ تِسعةٌ وعِشرونَ يَومًا ترَكَ إيلاءَهُنَّ، فقيلَ لهُ: إنكَ آلَيتَ شهرًا يا رَسولَ اللهِ، فقالَ: الشهرُ تِسعةٌ وعِشرونَ يومًا»، ولأنَّ اللهَ تعالَى لم يَذكرْ في كِتابِه الكَريمِ للإيلاءِ مدَّةً، بل أطلَقَه إطلاقًا بقَولِه : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فيَجرِي على إطلاقِه، وإنما ذكَرَ المدَّةَ لثُبوتِ البَينونةِ، حتى تَبِينُ بمُضيِّ المدَّةِ مِنْ غيرِ فَيءٍ لا ليَصيرَ إيلاءً شرعًا، وبه نَقولُ. ولنا: قولُه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ذكَرَ للإيلاءِ في حُكمِ الطلاقِ مدَّةً مقدَّرةً، فلا يَكونُ الحلِفُ على ما دُونَها إيلاءً في حقِّ هذا الحُكمِ؛ وهذا لأنَّ الإيلاءَ ليسَ بطَلاقٍ حَقيقةً، وإنما جُعلَ طَلاقًا معلَّقًا بشَرطِ البِرِّ شَرعًا بوَصفِ كَونِه مانِعًا مِنْ الجِماعِ أربعةَ أشهرٍ فصاعدًا، فلا يُجعلُ طَلاقًا بدونِه، ولأنَّ الإيلاءَ هو اليَمينُ التي تَمنعُ الجِماعَ خَوفًا مِنْ لُزومِ الحِنثِ، وبعدَ مُضيِّ يَومٍ أو شَهرٍ يُمكِنُه أنْ يطَأَها مِنْ غيرِ حِنثٍ يَلزمُه، فلا يَكونُ هذا إيلاءً.

стр. 10900

وأما قَولُهم: «إنَّ المدَّةَ ذُكرتْ لثُبوتِ حُكمِ الإيلاءِ لا للإيلاءِ»، فنقولُ: ذِكرُ المدَّةِ في حُكمِ الإيلاءِ لا يكونُ ذِكرًا في الإيلاءِ؛ لأنَّ الحُكمَ ثبَتَ بالإيلاءِ؛ إذْ بهِ يتأكَّدُ المنعُ المُحقِّقُ للظُّلمِ. وأما الحَديثُ: فالمَرويُّ أنَّ النبيَّ ﷺ آلَى أنْ لا يَدخلَ على نِسائِه شهرًا، وعندَنا مَنْ حلَفَ لا يَدخلُ على امرَأتِه يَومًا أو شَهرًا أو سَنةً لا يَكونُ مُوليًا في حقِّ حُكمِ الطلاقِ؛ لأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ يَمنعُ الجِماعَ، وهذا لا يَمنعُ الجماعَ، وقَولُ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄: «الإيلاءُ على الأبَدِ» مُحتمَلٌ، يُحتمَلُ أنْ يكونَ مَعناهُ أنَّ الإيلاءَ إذا ذُكرَ مُطلَقًا عن الوقتِ يقَعُ على الأبَدِ وإنْ لم يُذكرِ الأبَدُ، ونحنُ نقولُ بهِ، ويُحتمَلُ أنه أرادَ بهِ إنَّ ذِكرَ الأبَدِ شَرطُ صحَّةِ الإيلاءِ في حقِّ حُكمِ الطلاقِ، فيُحمَلُ على الأولِ تَوفيقًا بينَ الأقاويلِ. والدليلُ عليه ما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ: «كانَ إيلاءُ أهلِ الجَاهليةِ السَّنةَ والسنتَينِ وأكثَرَ مِنْ ذلكَ، فوقَّتَه اللهُ أربعةَ أشهُرٍ، فمَن كانَ إيلاؤُه أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهرٍ فليسَ بإيلاءٍ»، ولأنه ليسَ في النَّصِّ شَرطُ الأبَدِ، فيَلزمُه إثباتُ حُكمِ الإيلاءِ في حقِّ الطلاقِ عندَ تربُّصِ أربعةِ أشهُرٍ، فلا تَجوزُ الزيادةُ إلا بدليلٍ (١).

стр. 10901

ولأنَّ المُولي هو الذي منَعَ نفسَه باليَمينِ مِنْ وَطءِ امرَأتِه وقصَدَ الإضرارَ بها، والإضرارُ لا يَلحقُها في تَركِ وَطئِها ما دونَ أربعةِ أشهُرٍ؛ لِمَا رُويَ: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ اجتَازَ في مَوضعٍ مِنْ المَدينةِ لَيلًا، فسمِعَ امرَأةً تَقولُ: تَطاوَلَ هذا اللَّيلُ وازوَرَّ جانِبُه … وليسَ إلى جَنبِي خَليلٌ أُلاعِبُهْ ورُويَ: ألَا طالَ هذا اللَّيلُ واخضَلَّ جانِبُه … وأرَّقنِي أنْ لا خَليلَ أُلاعِبُهْ فواللهِ لولا اللهُ لا رَبَّ غَيرُه … لَزُعزِعَ مِنْ هذا السَّريرِ جَوانِبُهْ مَخافةُ ربِّي والحَياءُ يَكفُّنِي … وأُكرِمُ بَعلِي أنْ تُنالَ مَراكِبُهْ فسألَها عُمرُ عَنْ حالِها فأخبَرتْه أنَّ زوْجَها قد بعَثَه إلى الجِهادِ، فلمَّا كانَ مِنْ الغَدِ سألَ عُمرُ نِسوةً: كَمْ تَصبِرُ المَرأةُ عن زَوجِها؟ فقُلْنَ: شَهرَينِ، ويَقلُّ صبْرُها في ثلاثةِ أشهُرٍ، ويَفنَى الصبْرُ في أربعةِ أشهُرٍ، فضرَبَ لهم عُمرُ ﵁ مدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ، فكلمَّا قامَ الرَّجلُ في الغَزوِ أربعةَ أشهُرٍ قَدِمَ إلى

стр. 10902

أهلِه، وذهَبَ مكانَه غيرُه، وكتَبَ إلى أمراءِ الجُنودِ: أنْ لا يُحبسَ الرَّجلُ عنِ امرَأتِه أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ وكتَبَ إلى زَوجِ المَرأةِ فاستَدعاهُ وقالَ: الحَقْ سَريرَكَ قبلَ أنْ تتحرَّكَ جَوانِبُه» … وعلى هذا إذا حلَفَ أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ فلَم يُجامِعْها فيها فلا شيءَ عليه ولا يُطالَبُ بعدَ المدَّةِ بالفَيءِ بينَ الجِماعِ أو الطلاقِ عندَ الجُمهورِ، ولا تُطلَّقُ عليه زَوجتُه عندَ الحَنفيةِ (١). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَحلفَ أنْ لا يُجامِعَ زوْجتَه أكثرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنَّ الزوجَ إذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَ زَوجتَه أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ صارَ مُوليًا؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فإذا جامَعَ في المدَّةِ كفَّرَ عن يَمينِه، وإذا لم يُجامِعْ حتى انقَضَى وَقتُ الإيلاءِ فتَبِينُ منه زَوجتُه عندَ

стр. 10903

الحَنفيةِ بمُجرَّدِ انقِضاءِ المُدَّةِ بتَطليقةٍ، ويُخيَّرُ عندَ الجُمهورِ بينَ الفَيءِ -وهو الجِماعُ- أو الطلاقِ كما سَيأتي بيانُه مُفصَّلًا (١). الحالةُ الثالثةُ: أنْ يَحلفَ أنْ لا يُجامعَ زوْجتَه مدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ: اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ في الزوجِ إذا حلَفَ على زَوجتِه أنْ لا يُجامِعَها مدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ، هل يَصيرُ مُوليًا أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُعتبَرُ مُوليًا، ولا يَصحُّ الإيلاءُ إلا إذا حلَفَ أنْ لا يُجامِعَها أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ، وكانَ هذا يَمينًا مَحضًا لو وَطئَ في هذهِ اليَمينِ حنَثَ ولَزمَتْه الكفَّارةُ، وإنْ لم يطَأْ حتى انقضَتِ المدَّةُ لم يَكنْ عليه شيءٌ كسائرِ الأيمانِ.

стр. 10904

جعَلَ اللهُ تعالَى للمُؤلي تربُّصَ أربعةِ أشهُرٍ، فهي لهُ بكَمالِها لا اعتِراضَ لزَوجتِه عليه فيها، كما أنَّ الدَّينَ المُؤجَّلَ لا يَستحِقُّ صاحِبُه المطالَبةَ إلا بعدَ استِيفاءِ الأجَلِ، فإذا انقضَتِ الأربعةُ الأشهُرُ -وهي أجَلُ الإيلاءِ- كانَتْ للمَرأةِ المُطالَبةُ بحقِّها مِنْ الجِماعِ عندَ السُّلطانِ، فيُوقَفُ زَوجُها؛ فإنْ فاءَ جامَعَها وكفَّرَ يَمينَه فهي امرَأتُه، وإلا طلَّقَ عليه. لأنَّ اللهَ جعَلَ لهم مدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ، وبعدَ انقِضائِها إما أنْ يُطلِّقُوا وإما أن يَفيئُوا. ولأنَّ اللهَ جعَلَ له تربُّصَ أربعةِ أشهُرٍ، فإذا حلَفَ على أربعةِ أشهُرٍ أو ما دونَها فلا معنَى للتربُّصِ؛ لأنَّ مدَّةَ الإيلاءِ تَنقضي قبلَ ذلك أو مع انقِضائِه، وتَقديرُ التربُّصِ بأربعةِ أشهُرٍ يَقتضي كَونَه في مدَّةِ تَناولِها الإيلاءَ، ولأنَّ المُطالَبةَ إنما تَكونُ بعدَ أربعةِ أشهُرٍ، فإذا انقضَتِ المدَّةُ بأربعةٍ فما دُونَ لم تَصحَّ المُطالَبةُ مِنْ غيرِ إيلاءٍ. وعلى هذا: لا يَستحِقُّ المُطالَبةَ حتى تَمضي الأربعةُ الأشهُرُ، فحينئذٍ يُقالُ: «إما أنْ تَفيءَ وإما أنْ تُطلِّقَ»، وإنْ لم يَفئْ أُخذَ بإيقاعِ الطلاقِ إما بالحاكِمِ وإما بحَبسِه حتى يطلِّقَ. وذهَبَ الحَنفيةُ وعبدُ الملِكِ ابنُ الماجشُونَ مِنْ المالِكيةِ (١) والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجَ إذا حلَفَ أربعةَ أشهُرٍ وما زادَ كانَ مُوليًا؛ لأنه مُمتنِعٌ مِنْ الوَطءِ باليَمينِ أربعةَ أشهُرٍ، فكانَ مُوليًا كما لو حلَفَ على ما زادَ.

стр. 10905

فإذا مضَتْ أربعةُ أشهُرٍ ولم يَفئْ فيها طلقَتْ منه بمُضيِّها، ويَستحقُّ المُطالَبةَ قبلَ مُضيِّ الأربعةِ الأشهُرِ، فإنْ فاءَ وإلا طلقَتْ بمُضيِّها وبانَتْ منه بتَطليقةٍ واحدةٍ؛ لأنه ظلَمَها بمَنعِ حقِّها، فجازاهُ الشَّرعُ بزَوالِ نِعمةِ النكاحِ عند مُضيِّ هذه المدَّةِ. وإنْ وَطئَها في الأربعةِ أشهُرٍ حنَثَ في يَمينِه؛ لفِعلِه المَحلوفَ عليه، ولَزمَتْه كفَّارةُ اليَمينِ وسقَطَ الإيلاءُ؛ لانتِهاءِ اليَمينِ بالحِنثِ (١). وقالَ ابنُ العرَبيِّ ﵀: مدَّةُ الإيلاءِ: اختَلفَ العُلماءُ فيها على قَولَينِ: أحَدُهما قالَ الأكثَرُ: الأربعةُ الأشهُرُ فُسحةٌ للزوجِ لا حرَجَ عليه فيها، ولا كَلامَ معه لأجَلِها، فإنْ زادَ عليها حِينئذٍ يَكونُ عليه الحُكمُ ويُوقَّتُ له الأمَدُ، وتُعتبَرُ حالُه عند انقِضائِه.

стр. 10906

وقالَ آخرُونَ: يَمينُ أربعةِ أشهُرٍ مُوجِبٌ الحُكمَ. وظاهِرُ الآيَةِ يَقتضِي أنها لمَن آلَى أكثرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ؛ لأنها لا تَخلو مِنْ ثلاثةِ تَقديراتٍ: الأولُ: للَّذينَ يُؤلونَ مِنْ نِسائِهم أكثَرَ مِنْ أربعَةِ أشهُرٍ تربُّصُ أربعةِ أشهُرٍ. الثاني: للَّذينَ يُؤلونَ مِنْ نِسائِهم أربعةَ أشهرٍ تربُّصُ أربعةِ أشهُرٍ. الثالثُ: للَّذينَ يُؤلونَ مِنْ نِسائِهم أقلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ تربُّصُ أربعةِ أشهُرٍ. فالثالثُ باطِلٌ قَطعًا، والأولُ مُرادٌ قَطعًا، والثاني مُحتملٌ للمُرادِ احتِمالًا بَعيدًا، والأصلُ عَدمُ الحُكمِ فيه، فلا يُقضَى به بغيرِ دَليلِ يَدلُّ عليه، وللزوجِ أنْ يَقولَ: «حلَفْتُ على مدَّةٍ هي لي، فلا كَلامَ معي»، وليسَ عن هذا جَوابٌ (١). إذا حلَفَ مُطلَقًا مِنْ غير تَقيدٍ بمدَّةٍ معيَّنةٍ: اتَّفقَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا حلَفَ على زوجَتِه وقالَ: «واللهِ لا أقرَبُكِ» فأطلَقَ ولم يُقيِّدْه بمدَّةٍ مُحدَّدةٍ أو نَوى بقَلبِه أو قالَ: «واللهِ لا أطَؤُكِ أبدًا، أو لا أقرَبُكِ أبَدًا» أنه صارَ مُولِيًا، وصارَ كالمُولي الزائدِ على أربعةِ أشهُرٍ عندَ الجُمهورِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وصارَ

стр. 10907

كالمُولي أربعةَ أشهُرٍ عندَ الحَنفيةِ، فإنْ جامَعَها في خِلالِ أربعةِ أشهُرٍ فقدْ حنَثَ وكفَّرَ عن يَمينِه، وإنْ لم يُجامِعْ في خِلالِ أربعةِ أشهُرٍ أو ما زادَ عنها عندَ الجُمهورِ فتَبِينُ منهُ زَوجتُه بتَطليقةٍ بائِنةٍ عندَ الحَنفيةِ بمُضيِّ الأربعةِ أشهُرٍ، ويُوقَفُ عندَ الجُمهورِ بعدَ الأربعةِ أشهُرٍ إلى أنْ تُطالِبَ بالفَيءِ -أي الرُّجوعِ- عن حَلفِه، فيُخيَّرُ بينَ الفَيءِ -الرجوعِ والجماعِ- أو التَّطليقِ، كما سَيأتي بَيانُه (١). إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: إنْ كانَ حلَفَ على الأبَدِ: «واللهِ لا أقرَبُكِ أبدًا» فاليَمينُ باقيةٌ بعدَ البَينونةِ، فإنْ عادَ إليها فتَزوَّجَها ثانيًا بعدَ البَينونةِ التي حصَلَتْ بعدَ مدَّةِ الإيلاءِ عادَ الإيلاءُ؛ لأنَّ زَوالِ المِلكِ بعدَ اليَمينِ لا يُبطلِها، إلا أنه لا يَتكرَّرُ الطلاقُ قبلَ التزوُّجِ؛ لعَدمِ مَنعِ الحقِّ بعدَ البَينونةِ. فإنْ وَطئَها حنَثَ في يَمينِه ولَزمَتْه الكفَّارةُ وسقَطَ الإيلاءُ؛ لأنه يَرتفعُ بالحِنثِ.

стр. 10908

وإنْ لم يَطأْها وقعَتْ بمُضيِّ أربعةِ أشهُرٍ أُخرى تَطليقةٌ أُخرى أيضًا؛ لأنه بالتزويجِ ثبَتَ حقُّها، فيَتحقَّقُ الظُّلمِ، فيُعتبَرُ ابتداءُ هذا الإيلاءِ مِنْ وقتِ التزويجِ، فإنْ عادَ إليها وتزوَّجَها ثالثةً عادَ الإيلاءُ، ووقَعَ بمُضيِّ أربعةِ أشهُرٍ أُخرَى تَطليقةٌ أُخرى؛ لبَقاءِ طلاقِ ذلك المِلكِ ببَقاءِ المَحلِّيةِ، فإنْ تزوَّجَتْ بزَوجٍ آخَرَ ثم عادَتْ إليه بزَواجٍ جَديدٍ لم يقَعْ بذلك الإيلاءِ طَلاقٌ؛ لزَوالِ طَلاقِ ذلكَ المِلكِ بزوالِ المَحلِّيةِ، ولكنَّ اليَمينَ باقيةٌ؛ لعَدمِ الحِنثِ، وإنْ وَطئَها كفَّرَ عن يَمينِه؛ لوُجودِ الحِنثِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولَو آلى منها فلمْ يُصبْها حتى طلَّقَها وانقضَتْ عدَّتُها منه ثم نكَحَها وقد بَقيَ مِنْ مدَّةِ الإيلاءِ أكثرُ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ وُقفَ لها كما وصَفْت). وجُملةُ الأمرِ أنَّ المُوليَ إذا أبانَ زوْجتَه انقطَعَتْ مدَّةُ الإيلاءِ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، سَواءٌ بانَتْ بفَسخٍ أو طَلاقِ ثَلاثٍ أو بخُلعٍ أو بانقضاءِ عدَّتِها مِنْ حينِ الطلاقِ الرجعيِّ؛ لأنها صارَتْ أجنَبيةً منه ولم يبْقَ شيءٌ مِنْ أحكامِ نِكاحِها. فإنْ عادَ فتَزوَّجَها عادَ حُكمُ الإيلاءِ مِنْ حينِ تَزويجِها واستُؤنفَتِ المدَّةُ حِينئذٍ، فإنْ كانَ الباقي مِنْ مدَّةِ يَمينِه أربعةَ أشهُرٍ فما دونَ لم يَثبتْ حُكمُ

стр. 10909

الإيلاءِ؛ لأنَّ مدَّةَ التربُّصِ أربعةُ أشهُرٍ، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ تَربَّصَ أربعةَ أشهُرٍ ثمَّ وُقفَ لها، فإما أنْ يَفيءَ أو يُطلِّقَ، وإنْ لم يُطلِّقْ طلَّقَ الحاكِمُ عليه، وهذا قولُ مالكٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ الطلاقُ أقَلَّ مِنْ ثلاثٍ ثمَّ ترَكَها حتى انقضَتْ عدَّتُها ثم نكَحَها عادَ الإيلاءُ، وإنِ استَوفَى عدَدَ الطلاقِ لم يَعُدِ الإيلاءُ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الأولِ زالَ بالكُليةِ، ولهذا تَرجعُ إليه على طَلاقٍ ثَلاثٍ، فصارَ إيلاؤُه في النكاحِ الأولِ كإيلائِه مِنْ أجنَبيةٍ. وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: يَتحصَّلُ مِنْ أقوالِه ثَلاثةُ أقاوِيلَ، قَولانِ كالمَذهبَينِ، وقَولُ ثالثٌ: لا يَعودُ حُكمُ الإيلاءِ بحالٍ، وهو قولُ ابنِ المُنذِرِ؛ لأنها صارَتْ بحالٍ لو آلَى منها لم يَصحَّ إيلاؤُه، فبطَلَ حُكمُ الإيلاءِ منها كالمُطلَّقةِ ثَلاثًا. ولنا: إنه مُمتنِعٌ مِنْ وَطءِ امرَأتِه بيَمينٍ في حالِ نِكاحِها، فثبَتَ له حُكمُ الإيلاءِ كما لو لم يُطلِّقْ، وفارَقَ الإيلاءَ مِنْ الأجنَبيةِ؛ فإنه لا يَقصدُ باليَمينِ عليها الإضرارَ بها، بخِلافِ مَسألتِنا (١). إذا جامَعَ في مدَّةُ الإيلاءِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلا قَولًا للشافِعيةِ في القَديمِ- على أنَّ الزوجَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه وحلَفَ أنْ لا يُجامعَها أربعةَ أشهُرٍ فأكثرَ فجامعَها

стр. 10910

في خلالِ هذه المدَّةِ فقدْ حنَثَ في يَمينِه وانحَلَّ الإيلاءُ ولَزمَه كفَّارةُ يَمينٍ؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ ولْيُكفِّرْ عن يَمينِه» (١)، ولا يُطالَبُ بعدَ ذلك بشيءٍ؛ لأنه أوفاها حقَّها، فلا يُطالَبُ بذلكَ بعدَ انقِضاءِ مدَّةِ التَّربصِ. ولا يُطلَّقُ عليه على مَذهبِ الحَنفيةِ إذا مَضتِ الأربعةُ أشهُرٍ، ولا يُوقَفُ عندَ الجُمهورِ بعدَ مُضيِّ المدَّةِ؛ لأنه جامَعَ في خِلالِ المدَّةِ وكفَّرَ وذهَبَ الإيلاءُ حينَ ذهبَتِ اليَمينُ؛ وذلكَ لأنه لم يَبقَ مَمنوعًا مِنْ الوَطءِ بيَمينِه، فأشبهَ ما لو حلَفَ واستَثنَى، فإنْ كانَ تَكفيرُه قبلَ مُضيِّ الأربعةِ الأشهُرِ انحَلَّ الإيلاءُ حينَ التَّكفيرِ، وصارَ كالحالِفِ على تَركِ الوطءِ على أقَلَّ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ، وإنْ كفَّرَ بعدَ الأربعةِ وقبلَ الوَقفِ صارَ كالحالِفِ على أكثرَ منها إذا مضَتْ مدَّةُ يَمينِه قبلَ وَقفِه (٢).

стр. 10911

الحُكمُ إذا مضَتْ مُدةُ الإيلاءِ الأربَعة أشهُرٍ أو أكثرَ ولم يَفِئْ: الحُكمُ إذا مضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ الأربعَةُ أشهُرٍ أو أكثَرُ، هَلْ تُطلَّقُ عليهِ في الحالِ بمُجرَّدِ مُضيِّ المدَّةِ؟ أم يُوقَفُ ويَخيَّرُ بيْنَ الفَيءِ -أي الجِماعِ- أو الطَّلاقِ؟ اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ فيما لو مضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ -كمَن آلَى مِنْ زوْجتِه أكثَرَ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ وانتهَتْ مدَّةُ الإيلاءِ-، هل يُفرَّقُ بيْنَ الزوجَينِ وتَبِينُ منه زَوجتُه بطَلقةٍ بمُجرَّدِ مُضيِّ مدَّةِ الإيلاءِ؟ أم يُوقَفُ حتى تَطلبَ الزوجةُ ويُخيَّرُ بينَ الفَيءِ -أي الجِماعِ- أو التَّطليقِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ وبعضُ المالِكيةِ -كعَبدِ المَلكِ ابنِ الماجشُونِ (١) - إلى أنَّ الرَّجلَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه أربعةَ أشهُرٍ فأكثَرَ ولم يَفئْ في المدَّةِ -أي لم يُجامِعْ زَوجتَه فيها- فإنها تُطلَّقُ عليهِ بمُضيِّ المدَّةِ وتَبِينُ منهُ بتَطليقةٍ مِنْ غَيرِ فَيءٍ؛ لأنه بالإيلاءِ عزَمَ على مَنعِ نَفسِه مِنْ إيفاءِ حقِّها في الجِماعِ في المدِّةِ وأكَّدَ العَزمَ باليَمينِ، فإذا مضَتِ المدَّةُ ولم يَفئْ إليها مع القُدرةِ على الفَيءِ فقدْ حقَّقَ العَزمَ المُؤكَّدَ باليَمينِ بالفِعلِ، فتأكَّدَ الظُّلمُ في حقِّها، فتَبِينُ منه عُقوبةً عليه جَزاءً على ظُلمِه ومَرحَمةً عليها ونظَرًا لها بتَخليصِها مِنْ حِبالِه لتَتوصَّلَ إلى إيفاءِ حقِّها مِنْ زَوجٍ آخَرَ.

стр. 10912

وهذا مَرويٌّ عن جَماعةٍ مِنْ الصحابةِ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ وزَيدُ بنُ ثابتٍ ﵄: «إذا مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ ولم يَفئْ فيها طلقَتْ منه بمُضيِّها». ولأنَّ الآيةَ تَدلُّ على ذلكَ مِنْ ثلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ ﵁ قرَأَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فِيهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فإضافةُ الفَيئةِ إلى المُدَّةِ تَدلُّ على استِحقاقِ الفَيئةِ فيها، وهذه القِراءةُ -وإنْ تَفرَّدَ ابنُ مَسعودٍ بها- تَجرِي مَجرَى خبَرِ الواحِدِ في وُجوبِ العَملِ به وإنْ لم تُوجِبْ كَونَها مِنْ القُرآنِ، وإمَّا أنْ تَكونَ قُرآنًا نُسخَ لَفظُه وبَقيَ حُكمُه، لا يَجوزُ فيها غيرُ هذا ألبتَّةَ. الثَّاني: أنَّ اللهَ سُبحانَه جعَلَ مدَّةَ الإيلاءِ أربَعةَ أشهُرٍ، فلو كانَتِ الفَيئةُ بعدَها لَزادَتْ على مدَّةِ النَّصِّ وذلكَ غيرُ جائِزٍ. الثالثُ: أنه لو وَطئَها في مدَّةِ الإيلاءِ لَوقعَتِ الفَيئةُ مَوقعَها، فدلَّ على استِحقاقِ الفَيئةِ فيها. قالوا: ولأنَّ اللهَ جعَلَ لهُم تَربُّصَ أربعةِ أشهُرٍ ثمَّ قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، وظاهِرُ هذا أنَّ هذا التَّقسيمَ في المدَّةِ التي لهُم فيها التربُّصُ، كما إذا قالَ لغَريمِه: «أصبِرُ عليكَ بدَيني أربعةَ أشهُرٍ، فإنْ وفَّيتَني وإلَّا حبَستُكَ»، ولا يُفهَمُ مِنْ هذا إلا «إنْ وفَّيتَني في هذهِ المدَّةِ»، ولا يُفهَمُ منه «إنْ وفَّيتَني بعدَها»، وإلا كانَتْ مدَّةُ الصبْرِ أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ، وقِراءةُ ابنِ مَسعودٍ صَريحةٌ في تَفسيرِ الفَيئةِ بأنها في المدَّةِ، وأقَلُّ مَراتبِها أنْ تكونَ تَفسيرًا.

стр. 10913

قالوا: ولأنه أجَلٌ مَضروبٌ للفُرقةِ، فتَعقُبُه الفُرقةُ كالعدَّةِ وكالأجَلِ الذي ضُربَ لوُقوعِ الطلاقِ، كقَولِه: «إذا مضَتْ أربعةُ أشهُرٍ فأنتِ طالقٌ». ولأنَّ الإيلاءَ كانَ طلاقًا مُعجَّلًا في الجَاهليةِ، فجعَلَه الشَّرعُ طلاقًا مُؤجَّلًا، والطلاقُ المُؤجَّلُ يَقعُ بنَفسِ انقِضاءِ الأجَلِ مِنْ غيرِ إيقاعِ أحَدٍ بعدَه، كما إذا قالَ لها: «أنتِ طالقٌ رأسَ الشَّهرِ». فالشَّرعُ جعَلَ الإيلاءَ طلاقًا مُعلَّقًا بشَرطِ البِرِّ، فيَصيرُ الزوجُ بالإصرارِ على مُوجَبِ هذه اليَمينِ مُعلِّقًا طلاقًا بائنًا بتَركِ القُربانِ أربعةَ أشهُرٍ، كأنه قالَ: «إذا مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ ولم أقرَبْكِ فيها فأنتِ طالقٌ بائنٌ». وقد عرَفْنا ذلكَ بإشارةِ النَّصِّ، وهو قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧]، سمَّى ترْكَ الفَيءِ في المدَّةِ عزْمَ الطلاقِ، وأخبَرَ أنه سَميعٌ للإيلاءِ، فدلَّ أنَّ الإيلاءَ السابقَ يَصيرُ طَلاقًا عندَ مُضيِّ المدَّةِ مِنْ غيرِ فيءٍ، وبما ذكَرْنا مِنْ المَعنى المَعقولِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه أكثَرَ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ ومضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ وهو مَلتزِمٌ بيَمينِه

стр. 10914

فإنها لا تَبِينُ منه، بل يُوقَفُ بعدَ هذهِ المدَّةِ إلى أنْ تَطلبَ الزوجةُ بعدَها بأنْ يَفيءَ إنْ لم يَكنْ له عُذرٌ، ويُلزَمُ بأحَدِ أمرَينِ: ١ - أنْ يَفيءَ -أي يَرجِعَ- عن يَمينِه ويُجامِعَها، سمِّيَ جِماعُ المُولي فَيئةً لأنه رُجوعٌ إلى فِعلِ ما ترَكَ بحَلفِه مِنْ الفَيءِ؛ لزَوالِ اليَمينِ والضررِ عنها بالوَطءِ، وعليه الكفَّارةُ؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ ولْيُكفِّرْ عَنْ يَمينِه» (١) إنْ كانَ قَدْ أقسَمَ باللهِ أو بعضِ صِفاتِه، أو يأتي بما أقسَمَ عليه إنْ كانَ قد حلَفَ على أنْ يَفعلَ عَملًا أو يَتصدَّقَ بصَدقةٍ. ٢ - أو يُطلِّقَ إنْ أبَى إلا التمسُّكَ بيَمينِه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧] وقولِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومَن امتَنعَ مِنْ بَذلِ ما وجَبَ عليهِ لم يُمسِكْ بمَعروفٍ، فيُؤمَرُ بالتسريحِ بإحسانٍ. وعلى هذا لا يَستحِقُّ المُطالَبةَ حتى تَمضيَ الأربَعةُ الأشهُرُ وتَطلبُه الزوجةُ، وما لم تَطلُبْ لا يُؤمَرُ الزوجُ بشَيءٍ، ولا يَسقطُ حقُّها بالتأخيرِ، ولا تَستحِقُّ الزوجةُ المُطالَبةَ عليه في مدَّةِ التربُّصِ بفَيئةٍ ولا طَلاقٍ إلى أنْ تَنقضيَ المدَّةُ، فحِينئذٍ يُقالُ: «إمَّا أنْ تَفيءَ -أي تُجامِعَ- وإمَّا أنْ تُطلِّقَ»، وإنْ لم يَفئْ وامتَنعَ عن ذلكَ طلَّقَ عليه الحاكمُ؛ لقِيامِه مَقامَ المُمتنِعِ، ولأنه حَقٌّ تَدخلُه النِّيابةُ كقَضاءِ دَينِه.

стр. 10915

وعَن ابنِ عمَرَ ﵄ قالَ: «إذا مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ يُوقَفُ حتى يُطلِّقَ، ولا يَقعُ عليه الطلاقُ حتى يُطلِّقَ، يَعني: المُؤلِي» (١)، رواهُ البُخاريُّ، قالَ: ويُذكَرُ ذلكَ عن عُثمانَ (٢) وعليٍّ (٣) وأبي الدَّرداءِ (٤) وعائِشةَ (٥) واثنَي عَشرَ رَجلًا مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ »، وعن سُليمانَ بنِ يَسارٍ قالَ: «أدرَكْتُ بِضعةَ عَشرَ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ كلُّهُم يُوقِفونَ المُؤلي» (٦). واستَدلَّ الجُمهورُ على ذلكَ بقَولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وقالوا: إنَّ فيها عدَّةَ أدلَّةٍ على ما قُلناهُ: أحَدُها: أنه أضافَ مدَّةَ الإيلاءِ إلى الأزواجَ وجعَلَها لهُم ولم يَجعلْها عليهم، فوجَبَ ألا يستحقَّ المُطالَبة فيها، بل بعدَها كأجَلِ الدَّينِ، ومَن أوجَبَ المُطالَبةَ فيها لم يَكنْ عندَه أجَلٌ لهم، ولا يُعقلُ كَونُها أجَلًا لهم ويُستحَقُّ عليهم فيها المُطالَبةُ.

стр. 10916

الدليلُ الثاني: قَولُه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فذكَرَ الفَيئةَ بعدَ المدَّةِ بفَاءِ التَّعقيبِ، وهذا يَقتضي أنْ يَكونَ بعدَ المدَّةِ، ونَظيرُه قولُه سُبحانَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا بعدَ الطلاقِ قَطعًا. فإنْ قيلَ: فاءُ التَّعقيبِ تُوجِبُ أنْ يكونَ بعدَ الإيلاءِ لا بعْدَ المدَّةِ. قيلَ: قد تقدَّمَ في الآيةِ ذِكرُ الإيلاءِ ثمَّ تَلاهُ ذِكرُ المدَّةِ ثمَّ أعقَبَها بذِكرِ الفَيئةِ، فإذا أوجَبَتِ الفاءُ التَّعقيبَ بعدَما تقدَّمَ ذِكرُه لم يَجُزْ أنْ يَعودَ إلى أبعَدِ المَذكورينَ، ووجَبَ عَودُها إليهما أو إلى أقرَبِهما. والدليلُ الثالِثُ: قولُه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، فجعَلَه واقِعًا بعَزمِ الأزواجِ لا بمُضيِّ المدَّةِ، وليسَ انقِضاءُ المدَّةِ عَزيمةً، وإنَّما العَزمُ ما عدَّهُ مِنْ فِعلِه، كما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. الدليلُ الرابعُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه خيَّرَه في الآيةِ بينَ أمرَينِ: الفَيئةِ أو الطلاقِ، والتَّخييرُ بينَ أمرَينِ لا يَكونُ إلا في حالةٍ واحِدةٍ كالكفَّاراتِ، ولو كانَ في حالتَينِ لَكانَ تَرتيبًا لا تَخييرًا، وإذا تقرَّرَ هذا فالفَيئةُ عندَكم في نَفسِ المدَّةِ، وعَزمُ الطلاقِ بانقِضاءِ المدَّةِ، فلم يقَعِ التَّخييرُ في حالةٍ واحِدةٍ. الدليلُ الخامِسُ: أنَّ التَّخييرَ بينَ أمرَينِ يَقتضي أنْ يكونَ فِعلُهما إليه لِيَصحَّ منه اختيارُ فِعلِ كلٍّ مِنهُما وتَركِه، وإلا لَبطَلَ حُكمُ خِيارِه، ومُضيُّ المدَّةِ ليسَ إليهِ.

стр. 10917

الدليلُ السادسُ: أنه سُبحانَه قالَ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٧]، فاقتَضى أنْ يكونَ الطلاقُ قَولًا يُسمَعُ؛ ليَحسُنَ خَتمُ الآيةِ بصفَةِ السَّمعِ. الدليلُ السابعُ: أنه لو قالَ لغَريمِه: «لكَ أجَلٌ أربَعةُ أشهُرٍ، فإنْ وفَّيتَني قَبلْتُ منكَ، وإنْ لم تُوفِّني حبَستُكَ» كانَ مُقتضاهُ أنَّ الوفاءَ والحَبسَ بعدَ المدَّةِ لا فيها، ولا يَعقلُ المُخاطَبُ غيرَ هذا. الدليلُ الثامنُ: أنه سُبحانَه جعَلَ للمُؤلِينَ شَيئًا وعليهم شَيئَينِ، فالذي لهُم تَربُّصُ المدَّةِ المَذكُورةِ، والذي عَليهم إمَّا الفَيئةُ وإمَّا الطلاقُ، وعندَ الحَنفيةِ ليسَ عَليهم إلا الفَيئةُ فقطْ، وأمَّا الطلاقُ فليسَ عليهم، بل ولا إلَيهم، وإنَّما هو إليهِ سُبحانَه عندَ انقِضاءِ المدَّةِ، فيُحكَمُ بطَلاقِها عَقِيبَ انقِضاءِ المدَّةِ، شاءَ أو أبَى، ومَعلومٌ أنَّ هذا ليسَ إلى المُؤلي ولا عليهِ، وهو خِلافُ ظاهِرِ النَّصِّ. قالوا: ولأنها يَمينٌ باللهِ تَعالى تُوجِبُ الكفَّارةَ، فلم يَقعْ بها الطلاقُ كَسائرِ الأيمانِ، ولأنها مدَّةٌ قدَّرَها الشَّرعُ لم تَتقدَّمْها الفُرقةُ، فلا يَقعُ بها بَينونةٌ كأجَلِ العِنِّينِ، ولأنه لَفظٌ لا يَصحُّ أنْ يَقعَ بهِ الطلاقُ المعجَّلُ، فلم يَقعْ به المؤجَّلُ كالظِّهارِ، ولأنَّ الإيلاءَ كانَ طلاقًا في الجَاهليةِ فنُسِخَ كالظِّهارِ، فلا يَجوزُ أنْ يَقعَ بهِ الطلاقُ؛ لأنه استِيفاءٌ للحُكمِ المَنسوخِ ولِمَا كانَ عليهِ أهلُ الجَاهليةِ.

стр. 10918

قالَ الشَّافعيُّ ﵀: «كانَتِ الفِرَقُ الجَاهليةُ تَحلفُ بثَلاثةِ أشياءَ: بالطلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ، فنقَلَ اللهُ الإيلاءَ والظِّهارِ عمَّا كانا عليه في الجاهليَّةِ مِنْ إيقاعِ الفُرقةِ على الزوجةِ إلى ما استَقرَّ عليهِ حُكمُهما في الشَّرعِ، وبَقيَ حُكمُ الطلاقِ على ما كانَ عليهِ». قالوا: ولأنَّ الطلاقَ إنَّما يقَعُ بالصَّريحِ والكِنايةِ، وليسَ الإيلاءُ واحِدًا منهُما؛ إذْ لو كانَ صَريحًا لَوقَعَ مُعجَّلًا إنْ أطلَقَه، أو إلى أجَلٍ مسمًّى إنْ قيَّدَه، ولو كانَ كِنايةً لَرُجعَ فيه إلى نيَّتِه، ولا يَرِدُ على هذا اللِّعانُ؛ فإنه يُوجِبُ الفَسخَ دُونَ الطلاقِ، والفَسخُ يَقعُ بغَيرِ قَولٍ، والطلاقُ لا يَقعُ إلا بالقَولِ. قالوا: وأمَّا قِراءةُ ابنِ مَسعودٍ فغايَتُها أنْ تَدلَّ على جَوازِ الفَيئةِ في مدَّةِ التربُّصِ، لا على استِحقاقِ المُطالَبةِ بها في المدَّةِ، وهذا حَقٌّ لا نُنكِرُه. وأمَّا قَولُكم: «جَوازُ الفَيئةِ في المدَّةِ دَليلٌ على استِحقاقِها فيها» فهو باطِلٌ بالدَّينِ المؤجَّلِ. وأمَّا قَولُكم: «إنه لو كانَتِ الفَيئةُ بعدَ المدَّةِ لَزادَتْ على أربَعةِ أشهُرٍ» فلَيسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ الأربَعةَ الأشهُرَ مدَّةٌ لِزَمنِ الصَّبْرِ الذي لا يستحقُّ فيه المُطالَبة، فبُمجرَّدِ انقِضائِها يُستحقُّ عليهِ الحقُّ، فلهَا أنْ تُعجِّلَ المُطالَبةَ به، وإمَّا أنْ تُنظِرَه، وهذا كسائِرِ الحُقوقِ المُعلَّقةِ بآجالٍ مَعدُودةٍ إنَّما تُستحقُّ عندَ انقِضاءِ آجالِها، ولا يُقالُ: إنَّ ذلكَ يَستلزمُ الزِّيادةَ على الأجَلِ، فكذا أجَلُ الإيلاءِ سَواءٌ (١).

стр. 10919

إذا ترَكَتْ حقَّها في المطالَبةِ بالفيءِ هل لها المطالَبةُ بعدَ ذلكَ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو انقَضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ ورَضيَتِ الزوجةُ بالمقامِ معهُ بلا وَطءٍ وأسقَطَتْ حقَّها مِنْ الفَيئةِ ثمَّ رجَعَتْ عن ذلكَ الرِّضا وطلَبَتِ الفَيئةَ أو الطلاقَ، هل لها ذلكَ أم يَسقطُ حقُّها؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في احتِمالٍ إلى أنَّ المَرأةَ إذا أَعفَتْ زوْجَها بسِكوتِها عن مُطالَبةِ الزوجِ أو بإسقاطِ المُطالَبةِ عنه لم يَسقُطْ حقُّها بذلكَ، ولها المُطالَبةُ مِنْ غيرِ ضَربِ أجَلٍ، فإمَّا فاءَ وإلا طلَّقَ؛ لتَجدُّدِ الضررِ؛ لأنها تَثبتُ لرَفعِ الضَّررِ بتَركِ ما يَتجدَّدُ مع الأحوالِ، فكانَ لها الرُّجوعُ كما لو أعسَرَ بالنَّفقةِ فعَفَتْ عن المُطالَبةِ بالفَسخِ ثمَّ طالَبَتْ. ولأنه أمرٌ لا صبْرَ للنِّساءِ عليهِ؛ لشدَّةِ الضَّررِ ودَوامِه، فكأنها أسقَطَتْ ما لم تَعلمْ قدْرَه (١).

стр. 10920

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا مضَتْ مدَّةُ الإيلاءِ وعفَتْ عن المُطالَبةِ بعدَ وُجوبِها سقَطَ حقُّها، وليسَ لها المُطالَبةُ بعدَه؛ لأنها رَضيَتْ بإسقاطِ حقِّها مِنْ الفَسخِ لعَدمِ الوَطءِ، فسقَطَ حقُّها منهُ، كامرَأةِ العِنِّينِ إذا رَضيَتْ بعُنَّتِه. وإنْ سكتَتْ عن المُطالَبةِ ثمَّ طالبَتْ بعدُ فلها ذلكَ؛ لأنَّ حقَّها يَثبتُ على التَّراخِي، فلم يَسقطْ بتأخيرِ المُطالَبةِ كاستِحقاقِ النَّفقةِ (١). إذا ترَكَ الوطءَ مِنْ غيرِ يَمينٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجِ إذا امتَنعَ عن جِماعِ زَوجتِه بغيرِ يَمينٍ، هل يَصيرُ مُوليًا بذلكَ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا ترَكَ وطْءَ زوْجتِه بغَيرِ يَمينٍ حلَفَها إضرارًا بها، أو تضرَّرَتْ هي بتَركِ الوَطءِ وإنْ لم يَقصدْ ذلكَ أُمِرَ بوَطئِها، فإنْ أبَى وأقامَ على امتِناعِه مُضرًّا بها طلَّقَ الحاكمُ عليهِ فَورًا مِنْ غيرِ ضَربِ أجَلٍ، سَواءٌ كانَ التَّاركُ للوَطءِ حاضِرًا أم غائبًا، وإلا أمهَلَه باجتِهادِه، فلعَلَّه يَتركُ ما هو عليه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، ولأنَّ الذي

стр. 10921

لأجْلِه وجَبَ ضَربُ المدَّةِ للحالِفِ ووَقفُه بعدَها هو امتِناعُه مِنْ وَطئِها المدَّةَ التي هي غايةُ ما يَصبِرُ النِّساءُ عن الوَطءِ في مِثلِها معَ قَصدِ الإضرارِ وانتِفاءِ الأعذارِ، وهذا مَوجودٌ في مَسألتِنا، فوجَبَ حَسمُ البابِ بإجرائِه مَجرى الحالِفِ. ولأنَّ الحُكمَ إنَّما لَزمَه باعتِقادِه ترْكَ الوَطءِ، وسواءٌ شَدَّ ذلكَ الاعتقادَ بيَمينٍ أو بغيرِ يَمينٍ؛ لأنَّ الضررَ يُوجَدُ في الحالتَينِ جَميعًا. قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: مَنْ ترَكَ وطْءَ زَوجتِه لغَيرِ عُذرٍ ولا إيلاءٍ لم يُتركْ، إمَّا وَطئَ أو طلَّقَ، يُريدُ: ويتلوَّمُ له بمِقدارِ أجَلِ الإيلاءِ وأكثَرَ. قالَ مالكٌ: وقدْ كتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ إلى قَومٍ غابُوا بخُراسانَ وخلَّفُوا أهليهِم، فكتَبَ إلى أُمرائِهم: إمَّا أنْ يَقدُموا أو يُرحِّلُوا نِساءَهم أو يُطلِّقُوا، قالَ مالكٌ: وذلكَ رأيٌ، وأرَى أنْ يُقضَى بذلكَ. قالَ أصبَغُ: فإنْ لم يُطلِّقُوا طلِّقَ عليهِم، إلا أنْ تَرضَى بذلكَ. وكذا قَطعُ ذَكرِه لعِلَّةٍ نزَلَتْ له، أو قَطعهُ خطَأً فلها القِيامُ على المُعتمَدِ، فإنْ تَعمَّدَ قطْعَه أو شَربَ دَواءً ليَقطعَ بهِ لذَّةَ النِّساءِ أو شَربَه لعِلاجِ علَّةٍ وهو عالِمٌ أنه يُذهِبُ شَهوةَ النِّساءِ أو شَاكٌّ كانَ لها الفِراقُ إنْ لم ترْضَ بالإقامةِ معهُ. ولكنْ لا يُطلَّقُ على الغائبِ إلا أنْ تَطولَ غَيبتُه سنَةً فأكثَرَ على المُعتمَدِ في المَذهبِ، وهذا إذا كانَتْ نَفقتُها دائِمةً، وإلا طلِّقَ عليهِ حالًا لعَدمِ النَّفقةِ.

стр. 10922

وفي قَولٍ: يُضرَبُ له أجَلٌ أربعَةُ أشهُرٍ، فإنْ جامَعَها وإلا فرَّقَ الحاكمُ بيْنَهما (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ومَن امتَنعَ مِنْ وَطءِ امرَأتِه بغَيرِ يَمينٍ حلَفَها إضرارًا بها أُمرَ بوَطئِها، فإنْ أبَى فأقامَ على امتِناعِه مُضرًّا بها فرِّقَ بينَه وبينَها بغَيرِ أجَلٍ، وقَد قيلَ: يُضرَبُ له أجَلُ الإيلاءِ، وقَد قيلَ: لا يَدخلُ على الرَّجلِ إيلاءٌ في هِجرتِه زوْجتَه وإنْ أقامَ سِنينَ لا يَغْشاها، ولكنَّهُ يُؤمرُ بتَقوى اللهِ في أنْ لا يُمسِكَها ضِرارًا، وإذا أَطالَ المُسافِرُ الغَيبةَ عامِدًا للضررِ أُمرَ بالقُدومِ على امرأتِه، فإنْ أبَى فرَّقَ الحاكمُ بينَهُما؛ لأنَّ العلَّةَ عدمُ الوَطءِ، فسَواءٌ وُجدَ ذلكَ بيَمينٍ أو بغَيرِ يَمينٍ، كما يُطلِّقُ على المُولي وعلى المُعسِرِ بالنَّفقةِ والعِنِّينِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَكونُ مُوليًا بتَركِ الوَطءِ بدونِ يَمينٍ؛ لأنَّ الإيلاءَ الحَلفُ، وهو لم يَحلفْ، فلم يَكنْ مُوليًا كما لو لم يَقصدِ الإضرارَ بها بالامتِناعِ. ولا تُضربُ له مدَّةٌ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ؛ لأنه

стр. 10923

ليسَ بمُولٍ، فلم تُضربْ له مدَّةٌ كما لو لم يَقصدِ الإضرارَ، ولأنَّ تَعليقَ الحُكمِ بالإيلاءِ يَدلُّ على انتِفائِه عندَ عدَمِه؛ إذْ لو ثبَتَ هذا الحُكمُ بدُونِه لم يَكنْ لهُ أثرٌ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في أشهَرِ الرِّوايتَينِ -وهيَ الصَّوابُ- إلى أنه تُضربُ له مدَّةُ الإيلاءِ أربَعةُ أشهُرٍ، فإنْ وَطئَها وإلا دُعيَ بعدَها إلى الوَطءِ، فإنِ امتَنعَ منه أُمرَ بالطلاقِ كما يُفعلُ في الإيلاءِ سَواءٌ؛ لأنه أضَرَّ بها بتَركِ الوَطءِ في مدَّةِ الإيلاءِ، فيُلزَمُ حُكمَه كما لو حلَفَ، ولأنَّ ما وجَبَ أداؤُه إذا حلَفَ على تَركِه وجَبَ أداؤُه إذا لم يَحلفْ كالنَّفقةِ وسائِرِ الواجِباتِ، يُحقِّقُه أنَّ اليَمينَ لا تَجعلُ غيرَ الواجِبِ واجِبًا إذا أقسَمَ على تَركِه، فوُجوبُه معها بَدلٌ على وُجوبِه قبلَها، ولأنَّ وُجوبَه في الإيلاءِ إنَّما كانَ لدَفعِ حاجَةِ المَرأةِ وإزالةِ الضَّررِ عنها، وضَررُها لا يَختلفُ بالإيلاءِ وعَدمِه، فلا يَختلِفُ الوُجوبُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فلا يَبقَى للإيلاءِ أثرٌ، فلِمَ أفرَدْتُم لهُ بابًا؟ قُلنا: بل لهُ أثرٌ؛ فإنه يَدلُّ على قَصدِ الإضرارِ فيَتعلَّقُ الحُكمُ به، وإنْ لم يَظهرْ منه قَصدُ الإضرارِ اكتُفيَ بدَلالتِه، وإذا لم تُوجَدِ اليَمينُ احتَجْنا إلى دَليلٍ سِواهُ يَدلُّ على المُضارَّةِ، فيُعتبَرُ الإيلاءُ لدَلالتِه على المُقتضَى لا لعَينِه (٢).

стр. 10924

قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا لُحوقُ حُكمِ الإيلاءِ للزوجِ إذا ترَكَ الوَطءَ بغَيرِ يَمينٍ فإنَّ الجُمهورَ على أنه لا يَلزمُه حُكمُ الإيلاءِ بغَيرِ يَمينٍ، ومالكٌ يُلزِمُه وذلكَ إذا قصَدَ الإضرارَ بتَركِ الوَطءِ، وإنْ لم يَحلفْ على ذلكَ فالجُمهورُ اعتَمدُوا الظَّاهرَ، ومالكٌ اعتَمدَ المَعنى؛ لأنَّ الحُكمَ إنَّما لَزمَه باعتِقادِه ترْكَ الوَطءِ، وسواءٌ شَدَّ ذلكَ الاعتِقادَ بيَمينٍ أو بغَيرِ يَمينٍ؛ لأنَّ الضررَ يُوجَدُ في الحالتَينِ جَميعًا (١). تَفسيرُ الفَيءِ: الفَيءُ: هو أنْ يَرجعَ الزوجُ إلى مُعاشَرةِ زَوجتِه التي آلَى مِنها، بحَيثُ تَعودُ الحَياةُ الزَّوجيةُ إلى ما كانَتْ عليهِ قبلَ الإيلاءِ. ثمَّ الفَيءُ على ضَربَينِ: أصليٌّ وبَدلٌ، أحَدُهما هو الأصلُ وهو الفَيءُ بالوَطءِ مع القُدرةِ. والآخَرُ بدَلٌ عَنْ الأوَّلِ، وهو الفَيءُ بالقَولِ عندَ العَجزِ عَنْ الوَطءِ. الضَّربُ الأولُ: الفَيءُ بالفِعلِ وهو الأصلُ وهو الجِماعُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الفَيءَ الوارِدَ في قَولِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية، هو الجِماعُ إذا لم يَكنْ عُذرٌ، وأمَّا في حَقِّ القادِرِ على الجِماعَ لا يكونُ فَيءٌ إلا بالوَطءِ؛ لأنه هو الأصلُ، وفي الحَقيقةُ هو الرُّجوعُ؛ لأنَّ به يَندفعُ

стр. 10925

الظُّلمُ ويَصلُ الحقُّ إلى المُستحِقِّ، فما لم يُوفِّ حقَّها لا يَسقطُ حُكمُ الإيلاءِ، فإذا جامَعَ الزوجُ زَوجتَه التي آلَى مِنها فقَدِ انحَلَّ الإيلاءُ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ الفَيءَ الجِماعُ، كذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ، ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ وابنِ مَسعودٍ، وبهِ قالَ مَسروقٌ والشعبيُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ والنخَعيُّ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو عَبيدٍ وأصحابُ الرأيِ: أنَّ الفَيءَ الجِماعُ إذا لم يَكنْ له عُذرٌ (١). وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: أهلُ العلمِ متَّفِقونَ على أنه إذا أمكَنَه الوُصولُ إليها لم يَكنْ فَيئُه إلا الجِماعَ (٢). وأدنَى الوَطءِ الذي تَحصلُ بهِ الفَيئةُ أنْ تُغيَّبَ الحَشفةُ في الفَرجِ، فإنَّ أحكامَ الوَطءِ تَتعلَّقُ به. ولا يَحصلُ الفَيءُ إلا بالجِماعِ، حتى لو جامَعَها فيما دُونَ الفَرجِ أو في الدُّبرِ أو قبَّلَها بشَهوةٍ أو لمَسَها لشَهوةٍ أو نظَرَ إلى فَرجِها عن شَهوةٍ لم يَكنْ فَيئةً؛ لأنه ليسَ بمَحلوفٍ على تَركِه ولا يَزولُ الضَّررُ بفِعلِه؛ ولأنَّ حقَّها في الجِماعِ في الفَرجِ، فصارَ ظالمًا بمَنعِه، فلا يَندفعُ الظُّلمُ إلا به، فلا يَحصلُ الفَيءُ -وهو الرُّجوعُ- عمَّا عزَمَ عليهِ عندَ القُدرةِ إلا به (٣).
следующие страницы →