← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

لأجْلِه وجَبَ ضَربُ المدَّةِ للحالِفِ ووَقفُه بعدَها هو امتِناعُه مِنْ وَطئِها المدَّةَ التي هي غايةُ ما يَصبِرُ النِّساءُ عن الوَطءِ في مِثلِها معَ قَصدِ الإضرارِ وانتِفاءِ الأعذارِ، وهذا مَوجودٌ في مَسألتِنا، فوجَبَ حَسمُ البابِ بإجرائِه مَجرى الحالِفِ. ولأنَّ الحُكمَ إنَّما لَزمَه باعتِقادِه ترْكَ الوَطءِ، وسواءٌ شَدَّ ذلكَ الاعتقادَ بيَمينٍ أو بغيرِ يَمينٍ؛ لأنَّ الضررَ يُوجَدُ في الحالتَينِ جَميعًا. قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: مَنْ ترَكَ وطْءَ زَوجتِه لغَيرِ عُذرٍ ولا إيلاءٍ لم يُتركْ، إمَّا وَطئَ أو طلَّقَ، يُريدُ: ويتلوَّمُ له بمِقدارِ أجَلِ الإيلاءِ وأكثَرَ. قالَ مالكٌ: وقدْ كتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ إلى قَومٍ غابُوا بخُراسانَ وخلَّفُوا أهليهِم، فكتَبَ إلى أُمرائِهم: إمَّا أنْ يَقدُموا أو يُرحِّلُوا نِساءَهم أو يُطلِّقُوا، قالَ مالكٌ: وذلكَ رأيٌ، وأرَى أنْ يُقضَى بذلكَ. قالَ أصبَغُ: فإنْ لم يُطلِّقُوا طلِّقَ عليهِم، إلا أنْ تَرضَى بذلكَ. وكذا قَطعُ ذَكرِه لعِلَّةٍ نزَلَتْ له، أو قَطعهُ خطَأً فلها القِيامُ على المُعتمَدِ، فإنْ تَعمَّدَ قطْعَه أو شَربَ دَواءً ليَقطعَ بهِ لذَّةَ النِّساءِ أو شَربَه لعِلاجِ علَّةٍ وهو عالِمٌ أنه يُذهِبُ شَهوةَ النِّساءِ أو شَاكٌّ كانَ لها الفِراقُ إنْ لم ترْضَ بالإقامةِ معهُ. ولكنْ لا يُطلَّقُ على الغائبِ إلا أنْ تَطولَ غَيبتُه سنَةً فأكثَرَ على المُعتمَدِ في المَذهبِ، وهذا إذا كانَتْ نَفقتُها دائِمةً، وإلا طلِّقَ عليهِ حالًا لعَدمِ النَّفقةِ.

стр. 10922

وفي قَولٍ: يُضرَبُ له أجَلٌ أربعَةُ أشهُرٍ، فإنْ جامَعَها وإلا فرَّقَ الحاكمُ بيْنَهما (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ومَن امتَنعَ مِنْ وَطءِ امرَأتِه بغَيرِ يَمينٍ حلَفَها إضرارًا بها أُمرَ بوَطئِها، فإنْ أبَى فأقامَ على امتِناعِه مُضرًّا بها فرِّقَ بينَه وبينَها بغَيرِ أجَلٍ، وقَد قيلَ: يُضرَبُ له أجَلُ الإيلاءِ، وقَد قيلَ: لا يَدخلُ على الرَّجلِ إيلاءٌ في هِجرتِه زوْجتَه وإنْ أقامَ سِنينَ لا يَغْشاها، ولكنَّهُ يُؤمرُ بتَقوى اللهِ في أنْ لا يُمسِكَها ضِرارًا، وإذا أَطالَ المُسافِرُ الغَيبةَ عامِدًا للضررِ أُمرَ بالقُدومِ على امرأتِه، فإنْ أبَى فرَّقَ الحاكمُ بينَهُما؛ لأنَّ العلَّةَ عدمُ الوَطءِ، فسَواءٌ وُجدَ ذلكَ بيَمينٍ أو بغَيرِ يَمينٍ، كما يُطلِّقُ على المُولي وعلى المُعسِرِ بالنَّفقةِ والعِنِّينِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَكونُ مُوليًا بتَركِ الوَطءِ بدونِ يَمينٍ؛ لأنَّ الإيلاءَ الحَلفُ، وهو لم يَحلفْ، فلم يَكنْ مُوليًا كما لو لم يَقصدِ الإضرارَ بها بالامتِناعِ. ولا تُضربُ له مدَّةٌ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ؛ لأنه

стр. 10923

ليسَ بمُولٍ، فلم تُضربْ له مدَّةٌ كما لو لم يَقصدِ الإضرارَ، ولأنَّ تَعليقَ الحُكمِ بالإيلاءِ يَدلُّ على انتِفائِه عندَ عدَمِه؛ إذْ لو ثبَتَ هذا الحُكمُ بدُونِه لم يَكنْ لهُ أثرٌ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في أشهَرِ الرِّوايتَينِ -وهيَ الصَّوابُ- إلى أنه تُضربُ له مدَّةُ الإيلاءِ أربَعةُ أشهُرٍ، فإنْ وَطئَها وإلا دُعيَ بعدَها إلى الوَطءِ، فإنِ امتَنعَ منه أُمرَ بالطلاقِ كما يُفعلُ في الإيلاءِ سَواءٌ؛ لأنه أضَرَّ بها بتَركِ الوَطءِ في مدَّةِ الإيلاءِ، فيُلزَمُ حُكمَه كما لو حلَفَ، ولأنَّ ما وجَبَ أداؤُه إذا حلَفَ على تَركِه وجَبَ أداؤُه إذا لم يَحلفْ كالنَّفقةِ وسائِرِ الواجِباتِ، يُحقِّقُه أنَّ اليَمينَ لا تَجعلُ غيرَ الواجِبِ واجِبًا إذا أقسَمَ على تَركِه، فوُجوبُه معها بَدلٌ على وُجوبِه قبلَها، ولأنَّ وُجوبَه في الإيلاءِ إنَّما كانَ لدَفعِ حاجَةِ المَرأةِ وإزالةِ الضَّررِ عنها، وضَررُها لا يَختلفُ بالإيلاءِ وعَدمِه، فلا يَختلِفُ الوُجوبُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فلا يَبقَى للإيلاءِ أثرٌ، فلِمَ أفرَدْتُم لهُ بابًا؟ قُلنا: بل لهُ أثرٌ؛ فإنه يَدلُّ على قَصدِ الإضرارِ فيَتعلَّقُ الحُكمُ به، وإنْ لم يَظهرْ منه قَصدُ الإضرارِ اكتُفيَ بدَلالتِه، وإذا لم تُوجَدِ اليَمينُ احتَجْنا إلى دَليلٍ سِواهُ يَدلُّ على المُضارَّةِ، فيُعتبَرُ الإيلاءُ لدَلالتِه على المُقتضَى لا لعَينِه (٢).

стр. 10924

قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا لُحوقُ حُكمِ الإيلاءِ للزوجِ إذا ترَكَ الوَطءَ بغَيرِ يَمينٍ فإنَّ الجُمهورَ على أنه لا يَلزمُه حُكمُ الإيلاءِ بغَيرِ يَمينٍ، ومالكٌ يُلزِمُه وذلكَ إذا قصَدَ الإضرارَ بتَركِ الوَطءِ، وإنْ لم يَحلفْ على ذلكَ فالجُمهورُ اعتَمدُوا الظَّاهرَ، ومالكٌ اعتَمدَ المَعنى؛ لأنَّ الحُكمَ إنَّما لَزمَه باعتِقادِه ترْكَ الوَطءِ، وسواءٌ شَدَّ ذلكَ الاعتِقادَ بيَمينٍ أو بغَيرِ يَمينٍ؛ لأنَّ الضررَ يُوجَدُ في الحالتَينِ جَميعًا (١). تَفسيرُ الفَيءِ: الفَيءُ: هو أنْ يَرجعَ الزوجُ إلى مُعاشَرةِ زَوجتِه التي آلَى مِنها، بحَيثُ تَعودُ الحَياةُ الزَّوجيةُ إلى ما كانَتْ عليهِ قبلَ الإيلاءِ. ثمَّ الفَيءُ على ضَربَينِ: أصليٌّ وبَدلٌ، أحَدُهما هو الأصلُ وهو الفَيءُ بالوَطءِ مع القُدرةِ. والآخَرُ بدَلٌ عَنْ الأوَّلِ، وهو الفَيءُ بالقَولِ عندَ العَجزِ عَنْ الوَطءِ. الضَّربُ الأولُ: الفَيءُ بالفِعلِ وهو الأصلُ وهو الجِماعُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الفَيءَ الوارِدَ في قَولِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية، هو الجِماعُ إذا لم يَكنْ عُذرٌ، وأمَّا في حَقِّ القادِرِ على الجِماعَ لا يكونُ فَيءٌ إلا بالوَطءِ؛ لأنه هو الأصلُ، وفي الحَقيقةُ هو الرُّجوعُ؛ لأنَّ به يَندفعُ

стр. 10925

الظُّلمُ ويَصلُ الحقُّ إلى المُستحِقِّ، فما لم يُوفِّ حقَّها لا يَسقطُ حُكمُ الإيلاءِ، فإذا جامَعَ الزوجُ زَوجتَه التي آلَى مِنها فقَدِ انحَلَّ الإيلاءُ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ الفَيءَ الجِماعُ، كذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ، ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ وابنِ مَسعودٍ، وبهِ قالَ مَسروقٌ والشعبيُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ والنخَعيُّ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو عَبيدٍ وأصحابُ الرأيِ: أنَّ الفَيءَ الجِماعُ إذا لم يَكنْ له عُذرٌ (١). وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: أهلُ العلمِ متَّفِقونَ على أنه إذا أمكَنَه الوُصولُ إليها لم يَكنْ فَيئُه إلا الجِماعَ (٢). وأدنَى الوَطءِ الذي تَحصلُ بهِ الفَيئةُ أنْ تُغيَّبَ الحَشفةُ في الفَرجِ، فإنَّ أحكامَ الوَطءِ تَتعلَّقُ به. ولا يَحصلُ الفَيءُ إلا بالجِماعِ، حتى لو جامَعَها فيما دُونَ الفَرجِ أو في الدُّبرِ أو قبَّلَها بشَهوةٍ أو لمَسَها لشَهوةٍ أو نظَرَ إلى فَرجِها عن شَهوةٍ لم يَكنْ فَيئةً؛ لأنه ليسَ بمَحلوفٍ على تَركِه ولا يَزولُ الضَّررُ بفِعلِه؛ ولأنَّ حقَّها في الجِماعِ في الفَرجِ، فصارَ ظالمًا بمَنعِه، فلا يَندفعُ الظُّلمُ إلا به، فلا يَحصلُ الفَيءُ -وهو الرُّجوعُ- عمَّا عزَمَ عليهِ عندَ القُدرةِ إلا به (٣).

стр. 10926

الضَّربُ الثاني: بدَلٌ عن الأولِ وهو الفَيءُ بالقولِ عندَ العَجزِ عن الوَطءِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه وهو مَريضٌ أو مُسافِرُ أو مَحبوسٌ أو مَجبوبٌ أو كانَ عندَه عُذرٌ شَرعيٌّ يَمنعُ الوَطءَ كإحرامٍ أو شَيءٍ لا يُمكِنُ معهُ الجِماعُ فإذا مضَتِ المدَّةِ وبه هذا العُذرُ الذي يَمنعُ مِنْ الوَطءِ فإنَّ الفَيءَ في حقِّه يَكونُ بالقَولِ، فيَقولُ: «متَى قَدرْتُ جامَعتُها، أو: فِئْتُ إليكِ، أو: راجَعتُكِ» أو ما أشبَهَ ذلكَ؛ لأنَّ به يَندفعُ الأذَى الذي حصَلَ باللسانِ؛ لأنَّ القَصدَ بالفَيئةِ قَصدُ ما قصَدَه مِنْ الإضرارِ، وقد ترَكَ قصْدَ الإضرارَ بما أتَى به مِنْ الاعتِذارِ، والقَولُ مع العُذرِ يَقومُ مَقامَ فِعلِ القادرِ، ومتَى قدَرَ على الوَطءِ بعدَ ذلكَ لَزمَه، فإنْ لم يَفعلْ أُمرَ بالطلاقِ كما لو لَم يَكنْ فاءَ بلِسانِه؛ لأنَّ الفَيئةَ باللِّسانِ مُجرَّدُ وَعدٍ، وحقُّها الأصليُّ باقٍ ولا مانِعَ مِنْ فعلِه (١).

стр. 10927

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا انقضَتِ المدَّةُ فلها المُطالَبةُ بالفَيئةِ إنْ لم يَكنْ عُذرٌ، فإنْ طالَبتْه فطلَبَ الإمهالَ فإنْ لم يَكنْ له عُذرٌ لم يُمهَلْ؛ لأنه حقٌّ توجَّهَ عليه لا عُذرَ له فيهِ، فلمْ يُمهَلْ به كالدَّينِ الحالِّ، ولأنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ المدَّةَ أربعةَ أشهُرٍ، فلا تَجوزُ الزِّيادةُ عليها بغَيرِ عُذرٍ، وإنَّما يُؤخَّرُ قدْرَ ما يَتمكَّنُ مِنْ الجِماعِ في حُكمِ العادةِ، فإنه لا يَلزمُه الوَطءُ في مَجلسِه، وليسَ ذلكَ بإمهالٍ، فإنْ قالَ: «أمهِلُوني حتى آكُلَ فإني جائِعٌ، أو يَنهضِمَ الطَّعامُ فإني كَظِيظٌ، أو أُصلِّيَ الفرضَ، أو أُفطِرَ مِنْ صَومي» أُمهلَ بقَدرِ ذلكَ، فإنه يُعتبَرُ أنْ يَصيرَ إلى حالٍ يُجامعُ في مِثلِها في العادةِ، وكذلك يُمهَلُ حتى يَرجعَ إلى بَيتِه، وإنْ كانَ لها عُذرٌ يَمنعُ مِنْ وَطئِها لم يَكنْ لها المُطالَبةُ بالفَيئةِ؛ لأنَّ الوَطءَ مُمتنِعٌ مِنْ جهتِها، فلم يَكنْ لها مُطالَبتُه بما يَمنعُه منه، ولأنَّ المُطالَبةَ مع الاستِحقاقِ، وهي لا تَستحقُّ الوَطءَ في هذه الأحوالِ، وليسَ لها المُطالَبةُ بالطلاقِ؛ لأنه إنَّما يُستحقُّ عندَ امتِناعِه مِنْ الفَيئةِ الواجِبةِ ولم يَجبْ عليه شَيءٌ، ولكنْ تَتأخَّرُ المُطالَبةُ إلى حالِ زَوالِ العُذرِ إنْ لم يَكنِ العُذرِ قاطِعًا للمدَّةِ كالحَيضِ، أو كانَ العُذرُ حدَثَ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ (١).

стр. 10928

إذا جامَعَ بعدَ انقِضاءِ مُدةِ الإيلاءِ هل تَلزمُه الكفَّارةُ أم لا؟ اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه مدَّةً ثمَّ انقضَتِ المدَّةُ التي حلَفَ عليها وأرادَ أنْ يُجامِعَها بعدَ المدَّةِ، هل تَلزمُه كفَّارةٌ مع ذلكَ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا آلَى مِنْ زَوجتِه بأنْ حلَفَ باللهِ أنْ لا يَطأَها أربعةَ أشهُرٍ أو أكثَرَ فوَطئَها في مدَّةِ التربُّصِ أو بعدَها فقَدْ حنَثَ في يَمينِه ووجبَتْ عليهِ الكفَّارةُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وقالَ سُبحانَه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. وقالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ ولْيُكفِّرْ عن يَمينِه» (١)، وهذا عامٌّ في المُولِي وغَيرِه. ولأنه حالِفٌ حانِثٌ في يَمينِه، فلَزمَتْه الكفَّارةُ كما لو حلَفَ على تَركِ فَريضةٍ ثمَّ فعَلَها، والمَغفرةُ لا تُنافي الكفَّارةَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قدْ غفَرَ لرَسولِه ﷺ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنبِه وما تأخَّرَ، وقد كانَ يَقولُ: «إنِّي واللهِ لا أَحلِفُ على يَمينٍ فأَرى غيرَها خَيرًا منها إلا أَتيْتُ الذي هو خَيرٌ وتَحلَّلتُها» متَّفقٌ عليهِ.

стр. 10929

وإنْ كانَ الإيلاءُ بتَعليقِ عِتقٍ أو طَلاقٍ وقَعَ بنَفسِ الوَطءِ؛ لأنه مُعلَّقٌ بصِفةٍ وقد وُجدَتْ. وإنْ كانَ على نَذرٍ أو عِتقٍ أو صَومٍ أو صَلاةٍ أو صَدقةٍ أو حَجٍّ أو غيرِ ذلكَ مِنْ الطَّاعاتِ أو المُباحاتِ فهو مُخيَّرٌ بينَ الوفاءِ بهِ وبينَ كفَّارةِ يَمينٍ؛ لأنه نَذرُ لَجاجٍ وغَضبٍ، وهذا ما نَصَّ عليهِ الشافِعيةُ والحَنابلةُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ -وهو قَولُ الحسَنِ- إلى أنه لا تَجبُ عليهِ الكفَّارةُ إذا جامَعَ زَوجتَه بعدَ مدَّةِ الإيلاءِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآيَة، فذكَرَ اللهُ تَعالى التربُّصَ والفَيئةَ ولم يَذكُرِ الكفَّارةَ، فلو كانَتْ واجِبةً .. لَذكَرَها، ولأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فوصَفَ نفْسَه بالغُفرانِ والرَّحمةِ عندَ الفَيئةِ، وهذا يَقتضي أنه إذا أفاءَ .. فلا تَبِعةَ عليه مِنْ كفَّارةٍ ولا غيرِها (٢).

стр. 10930

قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: باب: الكفَّارة في الحِنثِ على المُولِي: واختَلفوا في المُولِي يَقربُ امرَأتَه، فقالَ أكثَرُهم: إذا قَربَها كفَّرَ عن يَمينِه، رُويَ هذا القولُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وزَيدِ بنِ ثابتٍ، وبهِ قالَ النخَعيُّ وابنُ سِيرينَ، وبهِ قالَ الثوريُّ ومالكٌ وأهلُ المَدينةِ والشافعيُّ وأصحابُ الرأيِ وأبو عُبيدٍ وعامَّةُ أهلِ العلمِ، وبه نَقولُ. وفيه قَولٌ ثانٍ وهو: إذا فاءَ فلا كفَّارةَ عليهِ، هذا قَولُ الحسَنِ البَصريِّ، وقالَ النخَعيُّ: كانوا يَقولونَ ذلكَ (١). ولم أقِفْ على قَولٍ للحَنفيةِ في الكفَّارةِ بعدَ المدَّةِ؛ لأنه بانقِضاءِ مدَّةِ الإيلاءِ تَبِينُ منه زَوجتُه وتُطلَّقُ عليه، ولا يَكونُ فَيءٌ عندَهم إلا في أثناءِ مدَّةِ الإيلاءِ (٢). الطَّلاقُ الذي يَقعُ على المولِي هل هو طَلاقٌ رَجعيٌّ أم بائنٌ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الطلاقِ الواقعِ بعدَ مُضيِّ مدَّةِ الإيلاءِ مِنْ غيرِ فيءٍ، هل هو طلاقٌ رَجعيٌّ أم بائنٌ؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يكونَ هو الذي طلَّقَ أم الحاكمُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ (والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ في فُرقةِ الحاكمِ) أنَّ الطلاقَ الواقِعَ بعدَ مُضيِّ المدَّةِ مِنْ غيرِ فَيءٍ طَلاقٌ بائنٌ، فإذا أرادَ أنْ يَتزوَّجَها بعدَ

стр. 10931

ذلكَ فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ ما لم تَكنْ تَكملةَ الثلاثِ؛ لأنها فُرقةٌ لدَفعِ الضَّررِ، فكانَ بائنًا كفُرقةِ العُنَّةِ، ولأنها لو كانَتْ رَجعيةً لم يَندفعِ الضررُ؛ لأنه يَرتجُعها فيَبقى الضررُ. ولِما رُويَ عن عُثمانَ وعَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وزَيدِ بنِ ثابتٍ ﵃ أنهم قالُوا: «إذا مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ فهي تطليقةٌ بائِنةٌ» (١). ولأنَّ الطلاقَ إنَّما يقَعُ عندَ مُضيِّ المدَّةِ دفعًا للظُّلمِ، فلا يَندفعُ الظُّلمُ عنها إلا بالبائنِ لتَتخلَّصَ عنه فتَتمكَّنَ مِنْ استِيفاءِ حقِّها مِنْ زَوجٍ آخَرَ، ولا يُتخلَّصُ إلا بالبائنِ، ولأنَّ القولَ بوُقوعِ الطلاقِ الرجعيِّ يُؤدِّي إلى العبَثِ؛ لأنَّ الزوجَ إذا أبَى الفَيءَ والتَّطليقَ يُقدَّمُ إلى الحاكمِ ليُطلِّقَ عليهِ الحاكمُ عندَه، ثمَّ إذا طلَّقَ عليهِ الحاكمُ يُراجعُها الزوجُ، فيَخرجُ فِعلُ الحاكمِ مَخرجَ العبَثِ وهذا لا يَجوزُ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ و (الحَنابلةُ في المَذهبِ في غَيرِ تَطليقِ الحاكمِ) إلى أنَّ الطلاقَ الواقِعَ على المُولي بعدَ مُضيِّ مدَّةِ الإيلاءِ مِنْ غيرِ فيءٍ طلاقٌ رَجعيٌّ، سواءٌ طلَّقَ بنَفسِه أو طلَّقَ عليهِ الحاكِمُ ما لم يَكملِ الثلاثُ؛ لأنه طلاقٌ صادَفَ مَدخولًا بها مِنْ غيرِ عِوضٍ ولا استيفاءِ عَددٍ، فكانَ رَجعيًّا كالطلاقِ في غَيرِ الإيلاءِ.

стр. 10932

ويُفارِقُ فُرقةَ العُنَّةِ؛ لأنها فَسخٌ لعَيبٍ، وهذه طَلقةٌ، ولأنه لو أُبيحَ له ارتِجاعُها لم يَندفعْ عنها الضررُ، وهذهِ يَندفعُ عنها الضررُ، فإنه إذا ارتَجعَها ضُربَتْ له مدَّةٌ أُخرى، ولأنَّ العنِّينَ قد يُئِسَ مِنْ وَطئِه فلا فائِدةَ في رَجعتِه، وهذا غيرُ عاجِزٍ، ورَجعتُه دَليلٌ على رَغبتِه وإقلاعِه عن الإضرارِ بها، فافتَرقَا (١). إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: المُولي إذا طلَّقَ الحاكِمُ عليهِ زوْجتَه التي دخَلَ بها فله أنْ يُراجِعَها ما دامَتِ العدَّةُ باقِيةً بشَرطِ انحِلالِ اليَمينِ عنه في العدَّةِ، وانحِلالُها يَكونُ إمَّا بالوَطءِ في العدَّةِ وإمَّا بتَكفيرِ ما يُكفَّرُ في العدَّةِ، كما إذا كانَتْ يَمينُه باللهِ، وإمَّا بتَعجيلِ الحِنثِ في العدَّةِ كعِتقٍ وطَلاقٍ بائنِ وما أشبَهَ ذلكَ. ومثلُ انحِلالِ الإيلاءِ رضَا الزوجةِ المُولَى منها، كما هو قولُ ابنِ القاسِمِ ومُطرِّفٍ وعَبدِ المَلكِ، خِلافًا لسحنونٍ فإنه يَقولُ: إنَّ رَجعتَها باطلةٌ معَ الرِّضَا.

стр. 10933

فإنْ لم يَنحلَّ عنه الإيلاءُ بوَجهٍ مِنْ هذهِ الوُجوهِ حتى انقَضَتْ عدَّتُها بدُخولِها في الحَيضةِ الثالثةِ فإنَّ رَجعتَه تَكونُ مُلغاةً -أي باطلةً- لا أثَرَ لها وحلَّتْ للأزواجِ، وله مُراجَعتُها بعَقدٍ جَديدٍ بشُروطهٍ. قالَ الموَّاقُ ﵀: وعِبارةُ «المُدوَّنة»: إنْ طلَّقَ عليهِ وقَد بنَى فله الرَّجعةُ في العدِّةِ بالقَولِ، فإنِ ارتَجعَها بالقَولِ فواسِعٌ أنْ يَخلوَ بها، فإنْ لم يطَأْ حتى دخلَتْ في أوَّلِ دمِ الحَيضةِ الثالثةِ حلَّتْ ولم تَكنْ تلكَ رَجعةً، إلا لذِي عُذرٍ مِنْ مَرضٍ أو سِجنٍ أو سَفرٍ، فإنْ أمكَنَه الوطءُ بعدَ العدَّةِ فلم يَطأْ فرِّقَ بينَهُما وأجزأتْهُما العدَّةُ الأُولى، إلا أنْ يكونَ خَلا بها وأقرَّ أنه لم يطَأْ فلْيَأتنِفْ عدَّةً ولا رَجعةَ له فيها. ابنُ رُشدٍ: العدَّةُ عليها للأزواجِ في الحُكمِ الظَّاهرِ مِنْ أجْلِ أنهُما يُتَّهمانِ، وأمَّا فيما بينَهما وبينَ اللهِ فلا عدَّةَ عليها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا الطلاقُ الذي يَقعُ بالإيلاءِ فعِندَ مالِكٍ والشافعيِّ أنه رَجعيٌّ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ كلَّ طلاقٍ وقَعَ بالشَّرعِ أنه يُحمَلُ على أنه رَجعيٌّ، إلا أنْ يَدلَّ الدليلُ على أنه بائِنٌ. وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو ثَورٍ: هوَ بائِنٌ؛ وذلكَ أنه إنْ كانَ رَجعيًّا لم يَزُلِ الضَّررُ عنها بذلكَ؛ لأنه يُجبِرُها على الرَّجعةِ. فسَببُ الاختِلافِ: مُعارَضةُ المَصلحةِ المَقصودةِ بالإيلاءِ للأصلِ

стр. 10934

المَعروفِ في الطلاقِ، فمَن غلَّبَ الأصلَ قالَ: رَجعيٌّ، ومَن غلَّبَ المَصلحةَ: قالَ بائِنٌ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ أيضًا: وأمَّا هل مِنْ شَرطِ رَجعةِ المُولي أنْ يطَأَ في العدَّةِ أم لا؟ فإنَّ الجُمهورَ ذَهَبوا إلى أنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ شَرطِها، وأمَّا مالِكٌ فإنه قالَ: إذا لَم يطَأْ فيها مِنْ غَيرِ عُذرِ مَرضٍ أو ما أشبَهَ ذلكَ فلا رَجعةَ عِندَه له عَليها وتَبقَى على عدَّتِها، ولا سَبيلَ له إليها إذا انقَضَتِ العدَّةُ. وحُجَّةُ الجُمهورِ أنه لا يَخلُو أنْ يَكونَ الإيلاءُ يَعودُ برَجعتِه إياها في العدَّةِ أو لا يَعودُ، فإنْ عادَ لم يُعتبَرْ واستُؤنِفَ الإيلاءُ مِنْ وَقتِ الرجعةِ، أعنِي تُحسَبُ مدَّةُ الإيلاءِ مِنْ وَقتِ الرَّجعةِ، وإنْ لم يَعُدِ الإيلاءُ لم يُعتبَرْ أصلًا، إلا على مَذهبِ مَنْ يَرى أنَّ الإيلاءَ يَكونُ بغَيرِ يَمينٍ، وكَيفَما كانَ فلا بُدَّ مِنْ اعتِبارِ الأربَعةِ الأشهُرِ مِنْ وَقتِ الرجعةِ، وأمَّا مالكٌ فإنه قالَ: كلُّ رَجعةٍ مِنْ طَلاقٍ كانَ لرَفعِ ضَررٍ فإنَّ صحَّةَ الرجعةِ مُعتبَرةٌ فيه بزَوالِ ذلكَ الضررِ، وأصلُه المُعسِرُ بالنَّفقةِ إذا طلِّقَ عليهِ ثمَّ ارتَجعَ فإنَّ رَجعتَه تُعتبَرُ صحَّتُها بيَسارِه. فسبَبُ الخِلافِ: قياسُ الشَّبهِ، وذلكَ أنَّ مَنْ شبَّهَ الرجعةَ بابتِداءِ النكاحَ أوجَبَ فيها تَجدُّدَ الإيلاءِ، ومَن شبَّهَ هذهِ الرجعةَ برَجعةِ المُطلِّقِ لضَررٍ لم يَرتفعْ منه ذلكَ الضررُ قالَ: يَبقى على الأصلِ (٢).

стр. 10935

الركنُ الثالثُ: المحلُوفُ عَليهِ، وهو الزَّوجةُ: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المَحلوفِ على تَركِ جِماعِها أنْ تكونَ زَوجتَه، فيَصحُّ الإيلاءُ مِنْ كلِّ زَوجةٍ، مُسلِمةً كانَتْ أو ذمِّيةً، حُرَّةً كانَتْ أو أمَةً؛ لعُمومِ قولِه سُبحانَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولأنَّ كلَّ واحِدةٍ مِنهنَّ زَوجةٌ، فصحَّ الإيلاءُ مِنها كالحرَّةِ المُسلِمةِ. إلا أنَّ العُلماءَ اختَلفوا في بَعضِ المَسائلِ، هل يَصحُّ فيها الإيلاءُ أم لا؟ مِنها: المسألةُ الأُولى: الإيلاءُ مِنْ الرَّجعيةِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ إذا طلَّقَ زَوجتَه طَلاقًا رَجعيًّا، هَلْ يَصحُّ إيلاؤُه منها أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَصحُّ إيلاؤُه مِنْ الرَّجعيةِ؛ لأنَّ الطلاقَ يَقطعُ مدَّةَ الإيلاءِ إذا طرَأَ، فلَأنْ يَمنعَ صحَّتَه ابتِداءً أَولى (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَصحُّ الإيلاءُ مِنْ الزوجةِ الرَّجعيةِ؛ لأنها

стр. 10936

زَوجةٌ يَلحقُها طَلاقُه، فصَحَّ إيلاؤُه منها كغَيرِ المُطلَّقةِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه ولِعانُه ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه بالإجماعِ … (١). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀ أنَّ الرَّجعيةَ زَوجةٌ، وأنه يَصحُّ طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه ويَجرِي اللِّعانُ بينَهُما ويَتوارثانِ (٢). وقالَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وللمُطلَّقةِ التي يَملكُ زَوجُها رَجعتَها السُّكنَى والنَّفقةُ ويَتوارثانِ ما لم تَنقَضِ العدَّةُ، فإذا انقضَتِ العدَّةُ وقَعَتِ البَينونةُ وسقَطَتِ المُوارَثةُ، وما لَم تَنقَضِ عدَّتُها فإنه يَلحقُها طَلاقُه وإيلاؤُه وظِهارُه، ولا يَجوزُ لهُ في عدَّتِها أنْ يتزوَّجَ خامِسةً سِواها ولا أختَها ولا عمَّتَها ولا خالَتَها، وهيَ كالزوجةِ في أحكامِها كلِّها (٣). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: والرَّجعيةُ زَوجةٌ يَلحقُها الطلاقُ والظِّهارُ والإيلاءُ ويَرثُ أحَدُهما صاحِبَه إنْ ماتَ بالإجماعِ، وعنه: لا يَصحُّ الإيلاءُ مِنها … (٤).

стр. 10937

وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: الرَّجعيةُ زَوجةٌ في عامَّةِ الأحكامِ؛ فإنه يَثبتُ بينَهُما التَّوارثُ والنَّفقةُ، ويَصحُّ مِنها الظِّهارُ والإيلاءُ، ويَحرمُ أنْ يَنْكِحَ عليها أختَها أو عمَّتَها أو خالَتَها أو أربَعًا سِواها، وهي زَوجةٌ (١). إلا أنَّهمُ اختَلفوا فيما إذا آلَى مِنها، مِنْ مَتى تُحسبُ مدَّةُ الإيلاءِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المدَّةَ تُحتسَبُ من حينِ آلَى وإنْ كانَتْ في العدَّةِ؛ لأنَّ مَنْ صَحَّ إيلاؤُه احتُسبَ عليهِ بالمدَّةِ مِنْ حينِ إيلائِه كما لو لم تَكنْ مُطلَّقةً، ولأنها مُباحةٌ فاحتُسبَ عليهِ بالمدَّةِ فيها كما لو لم يُطلِّقْها، وفارَقَ البائنَ؛ فإنها ليسَتْ زَوجةً ولا يَصحُّ الإيلاءُ مِنها بحالٍ، فهي كسائرِ الأجنبيَّاتِ. فإنْ لم يُراجعْها حتى انقضَتْ عدَّتُها قبلَ مُضيِّ مدَّةِ الإيلاءِ بطَلَ الإيلاءُ؛ لعَدمِ المَحلِّ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُحتسبُ عليهِ بالمدَّةِ إلا مِنْ حينِ راجَعَها لا مِنْ حينِ الإيلاءِ؛ لأنها مُعتدَّةٌ منه فأشبَهَتِ البائنَ، ولأنَّ

стр. 10938

الطلاقَ إذا طرَأَ قطَعَ المدَّةَ، ثمَّ لا يُحتسَبُ عليه بشَيءٍ مِنْ المدَّةِ منهُ، فأشبَهَتِ البائنَ، ولأنَّ الطلاقَ إذا طرَأَ قطَعَ المدَّةَ، ثمَّ لا يُحتسبُ عليه بشَيءٍ مِنْ المدَّةِ قبلَ رَجعتِها، فأَولى أنْ لا يستأنفَ المدَّة مِنْ العدَّةِ. ولأنَّ المدَّةَ شُرعَتْ للمُهلةِ في وَقتٍ يَحلُّ له الوطءُ، وفي العدَّةِ لا يَحلُّ له الوَطءُ، وكذا الحُكمُ لو آلَى مِنْ زَوجتِه ثمَّ طلَّقَها رَجعيًّا، فإنَّ المدَّةَ تَنقطعُ؛ لجَريانِها إلى البَينونةِ، فإنْ راجَعَها في العدَّةِ حُسبَتِ المدَّةُ مِنْ الرجعةِ؛ لأنَّ الإضرارَ إنَّما يَحصلُ بالامتِناعِ المُتَوالي في نِكاحٍ سَليمٍ، ولا تَنحلُّ اليَمينُ بالطلاقِ الرجعيِّ (١). المسألةُ الثانِيةُ: حُكمُ الإيلاءِ مِنْ الأجنَبيةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأةٍ أجنبيَّةٍ: «واللهِ لا أقرَبُكِ، أو: إنْ تزوَّجتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ، أو لا أجامِعُكِ أبدًا» فإذا جامَعَها قبلَ التَّزويجِ أو بعدَه حنَثَ ولَزمَه كفَّارةُ يَمينٍ بلا خِلافٍ؛ إذِ اليَمينُ مُنعقِدةٌ في حقِّ الحِنثِ؛ لأنَّ اليَمينَ يَعتمدُ تصوُّرَ الفِعلِ المَحلوفِ عليهِ حسًّا، ولا يَعتمدُ حِلَّه وحُرمتَه، ألَا تَرى أنه لو قالَ: «واللهِ لَأَشرَبنَّ الخمرَ في هذا اليومِ» فمَضى اليَومُ ولم يَشربْ حنَثَ وإنْ كانَ الفِعلُ حَرامًا مَحضًا.

стр. 10939

والأصلُ فيهِ قولُه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وهذه ليسَتْ مِنْ نِسائِه وقتَ اليَمينِ. إلا أنَّهمُ اختَلفوا في مَوضعَينِ: الموضِعُ الأولُ: إذا قالَ لأجنَبيةٍ: «واللهِ لا أقرَبُكِ» ثم تزوَّجَها، هل يكون مُوليًا أم لا؟ فذهَبَ الجُمهورُ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَكونُ مُوليًا ولا تُضرَبُ له مدَّةُ الإيلاءِ بعدَ التَّزويجِ؛ لأنه لمَّا لم يَكنْ مُوليًا في الحالِ لم يَكنْ مُوليًا بعدُ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وهذهِ ليسَتْ مِنْ نِسائِه، ولأنَّ الإيلاءَ حُكمٌ مِنْ أحكامِ النكاحِ فلم يَتقدَّمْه كالطلاقِ والقَسْمِ، ولأنَّ المدَّةَ تُضرَبُ له لقَصدِه الإضرارَ بها بيَمينِه، وإذا كانَتِ اليَمينُ قبلَ النكاحِ لم يَكنْ قاصِدًا للإضرارِ، فأشبَهَ المُمتنِعَ بغيرِ يَمينٍ. إلا أنه تَلزمُه كفَّارةُ اليَمينِ إذا قَربَها، سواءٌ قبلَ التَّزويجِ أو بعدَه كما مرَّ (١).

стр. 10940

وذهَبَ المالِكيةُ (ووَجهٌ للشافِعيةِ وللحَنابلةِ) إلى أنه يَكونُ مُوليًا إذا بَقيَ مِنْ مدَّةِ يَمينِه أكثَرُ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ؛ لأنه مُمتنِعٌ مِنْ وَطءِ امرَأتِه بحُكمِ يَمينِه مدَّةَ الإيلاءِ، فكانَ مُوليًا، كما لو حلَفَ على الزَّوجيةِ، قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: كلُّ مَنْ لم يَستطِعْ أنْ يُجامِعَ إلا بكفَّارةٍ فهوَ مُولٍ (١)، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وهذا مُولٍ مِنْ امرَأتِه، والظَّاهرُ لم يُفرِّقْ بينَ الإيلاءِ بعَقدِ الزوجيَّةِ أو بعدَها، ولأنه مَمنوعٌ مِنْ وَطءِ زَوجتِه زِيادةً على أربعةِ أشهُرٍ بيَمينٍ يَتعلَّقُ بها حُكمٌ شَرعيٌّ، فكانَ بذلكَ مُوليًا (٢). الموضِعُ الثَّاني: إذا قالَ لأجنَبيةٍ: «إنْ تزوَّجتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ، أو لا أجامِعُكِ» ثمَّ تَزوجَها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ، أو لا أجامِعُكِ» ثمَّ تزوَّجَها، هل يَكونُ مُوليًا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ (ووجهٌ للشافِعيةِ وللحَنابلةِ) إلى أنه يَكونُ

стр. 10941

مُوليًا إذا بَقيَ مِنْ مدَّةِ يَمينِه أكثرُ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ؛ لأنه مُمتنِعٌ مِنْ وَطءِ امرأتِه بحُكمِ يَمينهِ مدَّةَ الإيلاءِ، فكانَ مُوليًا، كما لو حلَفَ على الزَّوجيةِ، قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: كلُّ مَنْ لَم يَستطِعْ أنْ يُجامِعَ إلا بكفَّارةٍ فهو مُولٍ (١)، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وهذا مُولٍ مِنْ امرَأتِه، والظاهرُ لَم يُفرِّقْ بيْنَ الإيلاءِ بعَقدِ الزَّوجيةِ أو بعدَها، ولأنه مَمنوعٌ مِنْ وَطءِ زَوجتِه زِيادةً على أربعةِ أشهُرٍ بيَمينٍ يَتعلَّقُ بها حُكمٌ شَرعيٌّ، فكانَ بذلكَ مُوليًا (٢). قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو قالَ لها: «إنْ تزوَّجتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ» فتَزوَّجَها صارَ مُوليًا عِندَنا؛ لوُجودِ المِلكِ عندَ التَّزوُّجِ، واليَمينُ بالطلاقِ يَصحُّ في المِلكِ أو مُضافًا إلى المِلكِ، وهاهُنا وُجدَتِ الإضافةُ إلى المِلكِ، فيَصيرُ مُوليًا (٣).

стр. 10942

وذهَبَ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ عِندَهما إلى أنه لا يَكونُ مُوليًا ولا تُضرَبُ له مدَّةُ الإيلاءِ بعدَ التَّزويجِ؛ لأنه لمَّا لم يَكنْ مُوليًا في الحالِ لم يَكنْ مُوليًا بَعدُ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وهذهِ ليسَتْ مِنْ نِسائِه، ولأنَّ الإيلاءَ حُكمٌ مِنْ أحكامِ النكاحِ فلَم يَتقدَّمْه كالطَّلاقِ والقَسْمِ، ولأنَّ المدَّةَ تُضربُ له؛ لقَصدِه الإضرارَ بها بيَمينِه، وإذا كانَتِ اليَمينُ قبلَ النكاحِ لم يَكنْ قاصِدًا للإضرارِ، فأشبَهَ المُمتنِعَ بغيرِ يَمينٍ. إلا أنه تَلزمُه كفَّارةُ اليَمينِ إذا قَربَها كما مَرَّ (١). المسألةُ الثَّالثةُ: الإيلاءُ قبلَ الدُّخولِ ومِن الصَّغيرةِ والمجنُونةِ: قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ الإيلاءُ قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، وبهذا قالَ النخَعيُّ ومالكٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ. وقالَ عَطاءٌ والزُّهريُّ والثَّوريُ: إنَّما يَصحُّ الإيلاءُ بعدَ الدُّخولِ. ولنَا: عُمومُ الآيةِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والمَعنى: لأنه مُمتنِعٌ مِنْ جِماعِ زَوجتِه بيَمينِه، فأشبَهَ ما بعدَ الدُّخولِ. ويصحُّ الإيلاءُ مِنْ المَجنونةِ والصَّغيرةِ، إلا أنه لا يُطالَبُ بالفَيئةِ في

стр. 10943

الصِّغرِ والجُنونِ؛ لأنهُما لَيسَتا مِنْ أهلِ المُطالَبةِ، فأمَّا الرَّتقاءُ والقَرناءُ فلا يَصحُّ الإيلاءُ مِنهما؛ لأنَّ الوَطءَ مُتعذِّرٌ دائِمًا، فلم تَنعقِدِ اليَمينُ على تَركِه، كما لو حلَفَ لا يَصعدُ السَّماءَ (١). وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا آلَى مِنْ صَغيرةٍ لا يُوطَأُ مِثلُها مدَّةً تَنقضي قبلَ بُلوغِها حدَّ الوَطءِ فلا حُكمَ لإيلائِه، وقالَ أبو حَنيفةَ: تُضرَبُ لهُ المدَّةُ في وَقتِ اليَمينِ، فإنْ فاءَ فيها بالقَولِ سقَطَ عنه حُكمُ الإيلاءِ، وإلا بانَتْ منهُ بعدَ انقِضائِها. فدَليلُنا أنَّ المُولي هو المُمتنِعُ مِنْ وَطءِ الزَّوجةِ على وَجهِ الإضرارِ ومَنعِها، وذلكَ مُمتنِعٌ في الصَّغيرةِ التي لم تَبلغِ الوَطءَ، فلَم يَلزمْه فيها حُكمُ الإيلاءِ (٢).

стр. 10944

الرُّكنُ الرابعُ: المحلوفُ بهِ: وهو الصِّيغةُ: المُولي إذا حلَفَ فلا يَخلُو مِنْ أنْ يَحلفَ باللهِ أو بغَيرِه كالطلاقِ والعِتاقِ والصَّومِ والحجِّ ونَحوِ ذلكَ. أولاً: الحَلفُ باللهِ تَعالى أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه: اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ الرَّجلَ إذا حلَفَ باللهِ تَعالى أو بصِفةٍ مِنْ صفاتِه أنْ لا يطَأَ امرَأته أنه يَكونُ مُوليًا. قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: إذا حلَفَ باللهِ أنْ لا يطَأَ امرَأتَه .. صارَ مُوليًا، وهو إجماعٌ لا خِلافَ فيهِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وجُملتُه أنَّ شُروطَ الإيلاءِ أربعةٌ: أحَدُها: أنْ يَحلفَ باللهِ تعالَى أو بصَفةٍ مِنْ صِفاتِه، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ الحَلفَ بذلكَ إيلاءٌ … (٢). وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: مِنْ شُروطِ الإيلاءِ الأربعةِ أنْ يَحلفَ باللهِ تعَالى أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه كالرَّحمنِ ورَبِّ العالَمينَ، ولا خِلافَ أنَّ الحَلفَ بذلكَ إيلاءٌ؛ لِمَا تقدَّمَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، يؤيِّدُه قَولُه تَعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والغُفرانُ إنَّما يَدخلُ اليَمينَ باللهِ تَعالى (٣).

стр. 10945

ثانيًا: الحَلفُ بغَيرِ اللهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو حلَفَ الرَّجلَ بغَيرِ اللهِ تَعالى، مثلَ أنْ يَقولَ: «إنْ وَطئتُكِ فمالي صَدقةٌ، أو فللَّهِ عَليَّ أنْ أتصدَّقَ بمالي، أو فعَبدِي حَرٌّ، أو: إنْ وَطئتُكِ فأنتِ طالقٌ، أو امرَأتي الأُخرى طالقٌ»، هل يَكونُ مُوليًا أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ الإيلاءُ إلا بالحَلفِ باللهِ تَعالى أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه، ولا يَصحُّ بطَلاقٍ أو عِتاقٍ أو صدَقةٍ أو صَومٍ أو حجٍّ؛ لأنَّ الإيلاءَ المُطلَقَ إنَّما هو القسَمُ، ولهذا قرَأَ أُبَيٌّ وابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿يُقْسِمُونَ﴾ مَكانَ ﴿يُؤْلُونَ﴾، ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في تَفسيرِ ﴿يُؤْلُونَ﴾ قالَ: «يَحلفونَ باللهِ» هكذا ذكَرَه الإمامُ أحمَدُ، والتَّعليقُ بشَرطٍ ليسَ بقسَمٍ، ولهذا لا يُؤتَى فيهِ بحَرفِ القسَمِ ولا يُجابُ بجَوابِه ولا يَذكرُه أهلُ العرَبيةِ في بابِ القسَمِ، فلا يَكونُ إيلاءً، وإنَّما يُسمَّى حَلفًا تجوُّزًا؛ لمُشارَكتِه القسَمَ في المَعنى المَشهورِ في القسَمِ، وهو الحَثُّ على الفِعلِ أو المِنعُ منه أو تَوكيدُ الخبَرِ والكلامِ عندَ إطلاقِه لحَقيقتِه. ويَدلُّ على هذا قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وإنَّما يَدخلُ الغُفرانُ في اليَمينِ باللهِ، وأيضًا هذا يَقتضِي العفوَ عنِ الكفَّارةِ عندَ الفَيئةِ، وذلكَ إنَّما يُوجَدُ في الحَلفِ باللهِ دونَ غَيرِه. وأيضًا قَولُ النبيِّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ بغَيرِ اللهِ فقَدْ أشرَكَ»، وقَولُه: «إنَّ اللهَ يَنهاكُم أنْ تَحلِفُوا بآبائِكم» مُتفَقٌ عليهِ.

стр. 10946

ولأنَّ الحَلفَ إذا أُطلِقَ فإنَّما يَنصرفُ على الحَلفِ باللهِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ كانَ حالِفًا فلْيَحلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ» (١). وإنْ سلَّمْنا أنَّ غيرَ القسَمِ حَلفٌ، لكنَّ الحَلفَ بإطلاقِه إنَّما يَنصرفُ إلى القسَمِ، وإنما يُصرَفُ إلى غيرِ القسَمِ بدَليلٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ القسَمَ بغَيرِ اللهِ تَعالى وصِفاتِه لا يكونُ إيلاءً؛ لأنه لا يُوجِبُ كفَّارةً ولا شَيئًا يَمنعُ مِنْ الوَطءِ، فلا يكونُ إيلاءً كالخبَرِ بغيرِ القسَمِ (٢). قالَ العَمرانِيُّ ﵀: فعلى هذا يكونُ حالِفًا، كما لو قالَ: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالِقٌ، أو فعَبدِي حرٌّ»، وإنَّما لا يَتعلَّقُ بهِ أحكامُ الإيلاءِ (٣). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَصحُّ الإيلاءُ بكُلِّ يَمينٍ لَزمَه بها حُكمٌ أو يَلحقُه بها ضَررٌ؛ لمَفهومِ قَولِه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والإيلاءُ الحَلفُ، وهذا عامٌّ في الحَلفِ باللهِ وبغَيرِه، ولأنها يَمينٌ يَلزمُه بالحِنثِ فيها حَقٌّ، فصَحَّ إيلاؤُه بها كاليَمينِ باللهِ تعالى.

стр. 10947

ولأنَّ تَعليقَ الطلاقِ والعِتاقِ على وَطئِها حَلفٌ، بدَليلِ أنه لو قالَ: «متَى حلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنتِ طالقٌ» ثمَّ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فأنتِ طالقٌ» طلقَتْ في الحالِ (١). قالَ الحَنفيةُ: يَنعقدُ الإيلاءُ بكُلِّ لَفظةٍ يَنعقدُ بها اليَمينُ، فيَقعُ الإيلاءُ بالحَلفِ باللهِ تَعالى كقَولِه: «بِاللهِ، وتَاللهِ، وعَظمةِ اللهِ، وجَلالِه، وكِبْرِيائِه»، مثلَ أنْ يَقولَ: «واللهِ لا أقرَبُكِ، أو لا أقرَبُكِ أربعةَ أشهُرٍ». ولو حلَفَ بما لا تَنعقدُ بهِ اليَمينُ لا يَنعقدُ، كقَولِه: «وعِلمِ اللهِ لا أقرَبُكِ، وعليَّ غضَبُ اللهِ وسخَطُه إنْ قَربتُكِ». ويقَعُ اليَمينُ بالشَّرطِ والجَزاءِ؛ لتَحقُّقِ مَعنى اليَمينِ بالقوَّةِ. ولو حلَفَ بغَيرِ اللهِ وبغَيرِ الشَّرطِ والجَزاءِ لا يَكونُ مُوليًا، حتى لا تَبِينُ بمُضيِّ المدَّةِ مِنْ غيرِ فيءٍ، ولا كفَّارةَ عليهِ إنْ قَربَها؛ لأنه ليسَ بيَمينٍ؛ لانعِدامِ مَعنى اليَمينِ وهو القوَّةُ. وأمَّا اليَمينُ بالشَّرطِ والجَزاءِ فنَحوُ قولِه: «إنْ قَربتُكِ فامرَأتي الأُخرى

стр. 10948

طالقٌ»، أو قالَ: «هذهِ طالقٌ»، أو قالَ: «فعَبدِي هذا حرٌّ، أو فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي»، أو قالَ: «فعَليَّ عِتقُ رَقبةٍ، أو فعَليَّ حجَّةٌ، أو عُمرةٌ، أو المَشيُ إلى بَيتِ اللهِ، أو فعَليَّ هَديٌّ، أو صدَقةٌ، أو صَومٌ، أو اعتِكافٌ»؛ لأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ، واليَمينُ في اللُّغةِ عِبارةٌ عنِ القوَّةِ، والحالِفُ يَتقوَّى بهذه الأشياءِ على الامتِناعِ مِنْ قُربانِ امرَأتِه في المدَّةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منها يَصلحُ مانِعًا مِنْ القُربانِ في المدَّةِ؛ لأنه يَثقلُ على الطَّبعِ ويَشقُّ عليهِ فكانَ في معنَى اليَمينِ باللهِ ؛ لحُصولِ ما وُضعَ له اليَمينُ وهو التَّقوِّي على الامتِناعِ مِنْ مُباشَرةِ الشَّرطِ، وكذا يُعَدُّ مانِعًا في العُرفِ والعادةِ؛ فإنَّ الناسَ تَعارَفوا الحَلفَ بهذهِ الأشياءِ. ولو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فعَليَّ صَومُ شَهرِ كذا» فإنْ كانَ ذلكَ الشَّهرُ يَمضي قبلَ مُضيِّ الأربعةِ الأشهُرِ لم يَكنْ مُوليًا؛ لأنه إذا مَضى يُمكنُه الوَطءُ في المدَّةِ مِنْ غيرِ شَيءٍ يَلزمُه، وإنْ كانَ لا يَمضِي قبلَ مُضيِّ الأربعةِ الأشهُرِ فهو مُولٍ؛ لأنه لا يُمكِنُه وَطؤُها في المدَّةِ إلا بصِيامٍ يَلزمُه. ولو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فعَليَّ أنْ أُصلِّيَ رَكعتَينِ، أو عَليَّ أنْ أغزو» لم يَكنْ مُوليًا في قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ يَكونُ مُوليًا. وجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ الصَّلاةَ ممَّا يَصحُّ إيجابُها بالنَّذرِ كالصَّومِ والحَجِّ، فيَصيرُ مُوليًا كما لو قالَ: «عَليَّ صَومٌ أو حجٌّ». وجهُ قَولِهما أنَّ هذا لا يَصلحُ مانِعًا؛ لأنه لا يَثقلُ على الطَّبعِ، بل يَسهلُ، ولا يُعدُّ مانِعًا في العُرفِ أيضًا، ألَا تَرى أنَّ الناسَ لم يَتعارَفوا الحَلفَ

стр. 10949

بالصَّلاةِ والغَزوِ، بخِلافِ الحجِّ والصَّومِ، فلا يَصيرُ مُوليًا كما لو قالَ: «للهِ علَيَّ صلاةُ الجِنازةِ، أو سَجدةُ التِّلاوةِ»، وكذا لا مَدخلَ للصَّلاةِ في الكفَّارةِ ولا تَعلُّقَ لها بالمالِ، بخِلافِ الصَّومِ والحجِّ. ولو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فعَليَّ كفَّارةٌ» أو قالَ: «فعَليَّ يَمينٌ» فهو مُولٍ؛ لأنَّ قولَه: «فعَليَّ كفَّارةٌ» التِزامُ الكفَّارةِ نصًّا، وقولَه: «عَليَّ يَمينٌ» مُوجِبُ اليَمينِ وهو الكفَّارةُ، فكانَ بمَنزلةِ قَولِه: «فعَليَّ كفَّارةٌ». ولو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ حرامٌ» فإنْ نَوى الطلاقَ فهو مُولٍ؛ لأنه إذا نَوى بهِ الطلاقَ فقدْ جعَلَ الطلاقَ جَزاءً مانِعًا مِنْ القُربانِ، فيَصيرُ كأنه قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ طالقٌ»، ولو قالَ ذلكَ لَصارَ مُوليًا، كذا هذا، وإنْ نَوى اليَمينَ فهو مُولٍ للحالِ عِنْدَ أبي حَنيفةَ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ لا يكونُ مُوليًا ما لم يَقربْها. وعلى هذا فحُكمُ الحِنثِ في اليَمينِ باللهِ تعالى فهوَ الكفَّارةُ. وفي اليَمينِ بالشَّرطِ والجَزاءِ يَلزمُه ما هو جَزاؤُه مِنْ الطلاقِ والعِتاقِ والظِّهارِ ونَحوِها (١). وقالَ المالِكيةُ: الإيلاءُ يَمينٌ، وهو يَشملُ الحَلفَ باللهِ أو بصِفةٍ مِنْ صفاتِه، ك: «واللهِ لا أطؤُكِ أصلًا، أو مدَّةَ خَمسةِ أشهُرٍ».

стр. 10950

أو التزِامُ نحوِ عِتقٍ أو صَدقةٍ أو صَومٍ أو صلاةٍ أو طَلاقٍ أو مَشيٍ لمَكةَ، وذلكَ كأنْ يقولَ: «إنْ وَطئتُكِ فعَليَّ عِتقُ عَبدِي فُلانٍ، أو فعَليَّ دِينارٌ صَدقةٌ، أو فعَليَّ المَشيُ إلى مكَّةَ، أو فعَليَّ صَومُ شَهرٍ، أو صلاةُ مِائةِ ركعةٍ، أو فأنتِ طالقٌ». أو نَذرٍ ولو مُبهَمًا، نحو: «للهِ عليَّ نَذرٌ إنْ وَطئتُكِ، أو لا أطَؤُكِ، أو لا أقرَبُكِ» (١). وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ الجَديدِ: الإيلاءُ لا يَختصُّ بالحَلفِ باللهِ تَعالى وصِفاتِه تَعالى، بل لو علَّقَ بالوَطءِ طلاقًا أو عِتقًا ك: «إنْ وَطئتُكِ فأنتِ أو ضرَّتُكِ طالقٌ، أو فعَبدِي حرٌّ» أو نحوَ ذلكَ ممَّا لا يَنحلُّ اليَمينُ منهُ إلا بعدَ أربَعةِ أشهُرٍ كأنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فللهِ عَليَّ صلاةٌ، أو صومٌ، أو حجٌّ، أو عِتقٌ» كانَ مُوليًا؛ لأنه يَمتنِعُ مِنْ الوَطءِ؛ لِئلَّا يَلزمَه ما التزَمَه كما يَمتنِعُ منه بالحَلفِ باللهِ تَعالى خَشيةَ الكفَّارةِ، ولأنَّ ذلكَ يُسمَّى حَلفًا، فتَناولَتْه الآيةُ؛ لأنَّ الإيلاءَ هو الحَلفُ، ويَشملُ الحَلفَ باللهِ تَعالى وغَيرِه، وفي الحَديثِ: «لا تَحلِفُوا بآبائِكُم». وشَرطُ انعِقادِه على المَذهبِ الجَديدِ أنْ يَلزمَه شَيءٌ إذا وَطئَ بعدَ أربعةِ أشهُرٍ، فلو كانَتِ اليَمينُ تَنحلٌّ قبلَ ذلكَ بأنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فللَّهِ عليَّ

стр. 10951

صَومُ هذا الشَّهرِ مَثلًا، أو شَهرِ كَذا» وهو يَنقضِي قبلَ أربَعةِ أشهُرٍ فلَيسَ بمُولٍ؛ لأنَّ المُوليَ هو الذي لا يُمكِنُه أنْ يطأَهَا بعدَ أربعَةِ أشهُرٍ إلا بضَررٍ يَلحقُه، وهذا يُمكِنُه أنْ يَصبِر هذا الشَّهرِ فلا يَطأَها، ويُمكِنُه الوَطءُ بغيرِ ضَررٍ يَلحقُه. فإذا وَطئَ في أثناءِ الشَّهرِ لَزمَه مُقتضَى اليَمينِ ويُجزِيه صَومُ بقيَّتِه ويَقضي يومَ الوَطءِ. ولو قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فللَّهِ عَليَّ صَومُ هذهِ السَّنةِ» فإنْ كانَ الباقي منها أكثَرُ مِنْ أربعةِ أشهُرٍ فهو مُولٍ، وإلَّا فلا (١).

стр. 10952

ألفاظُ الإيلاءِ: نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ ألفاظَ الإيلاءِ تَنقسمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ، والصَّريحُ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، والكِنايةُ تَحتاجُ إلى نيَّةٍ. قالَ الحَنفيةُ: الألفاظُ التي يَقعُ بها الإيلاءُ نَوعانِ: صَريحٌ وكِنايةٌ: أما الصَّريحُ: فكُلُّ لفظٍ يَسبقُ إلى الفَهمِ مَعنى الوِقاعِ منه كقَولِه: «لا أقرَبُكِ، لا أُجامعُكِ، لا أطَؤُكِ، لا أُباضعُكِ، لا أَغتسِلُ مِنكِ مِنْ جَنابةٍ»؛ لأنَّ المُباضَعةَ المُضافةَ إليها يُرادُ بها الوِقاعُ عادةً، والاغتِسالُ مِنْ الجنابَةِ مِنها لا يَكونُ إلا مِنْ الجِماعِ في الفَرجِ، وكذلكَ لو قالَ: «لا أفتَضُّكِ» وهي بِكرٌ؛ لأنَّ الافتِضاضَ لا يكونُ إلا بالمُجامَعةِ. ولو قالَ: «لا وَطئتُكِ في الدُّبرِ، أو فيما دونَ الفَرجِ» لم يَصرْ مُوليًا. ولو قالَ: «لا جامَعتُكِ إلا جِماعَ سُوءٍ» سُئلَ عن نيَّتِه، فإنْ قالَ: «أردْتُ الوَطءَ في الدُّبرِ» صارَ مُوليًا، وإنْ قالَ: «أردْتُ جِماعًا ضَعيفًا لا يَزيدُ على نحوِ التِقاءِ الخِتانَينِ» فليسَ بمُولٍ، وكذا إنْ لم تَكنْ له نِيةٌ، وإنْ قالَ: «أردْتُ دونَ ذلكَ» فهوَ مُولٍ. وأما الكِنايةُ: فكلُّ لَفظٍ لا يَسبقُ إلى الفَهمِ مَعنى الوِقاعِ منه ويَحتملُ غيرَه، فما لم يَنوِ لا يَكونُ إيلاءً، كقَولِه: لا أمَسُّها، لا آنِيها، لا أدخُلُ بها، لا أَغشَاها، لا يُجمَعُ رأسُها ورأسِي، لا أبِيتُ معكِ في فِراشٍ، لا أُصاحِبُها، لا يُقرَبُ فِراشُها»، أو لَيَسُوءَنَّها، أو لَيَغيظِنَّها.

стр. 10953

فإنَّ هذهِ الألفاظَ إذا قالَ: «لم أُردْ به الجِماعَ» صُدِّقَ قضاءً ودِيانةً؛ لأنها تَحتملُ الجِماعَ وغيرَه، فإنْ قالَ: «نوَيتُ بها الجِماعِ» كانَ مُوليًا. ولو قالَ: «إنْ نِمتُ معكِ فأنتِ طالقٌ ثلاثًا» ولا نيَّةَ له فهو إيلاءٌ ووقَعَ على الجِماعِ عُرفًا (١). وقالَ المالِكيةُ: كلُّ يَمينٍ منَعَتْ مِنْ الجِماعِ فهو بها مُولٍ، كقَولِه: «لا جامَعتُكِ، أو لا اغتَسلْتُ منكِ، أو لا دنَوتُ مِنكِ» ونحو ذلكَ مما يَتضمَّنُ ترْكَ الجِماعِ. فإنْ أتى بلَفظٍ يَحتملُ غيرَه كقَولِه: «لا وَطئتُكِ» ثمَّ قالَ: «أردْتُ بقَولي الوَطءَ بالرِّجلِ» أو أشبَهَ ذلكَ قيلَ له: «إنْ كُنْتَ صادِقًا فحَقِّقْ صدْقَكَ بالوَطءِ»، فإنِ امتَنعَ حُملَ على الوَطءِ وكانَ مُوليًا بهِ. ولو قالَ: «لا أُجامعُكِ في الحَيضِ، أو النِّفاسِ، أو في حالَةِ إرضاعِكِ لوَلدِكِ» فليسَ بمُولٍ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: ألفاظُ الإيلاءِ صَريحٌ وكِنايةٌ: فالصَّريحُ: هو الحَلفُ على تَركِ الجِماعِ أو عَدمِ إدخالِ ذَكرٍ بفَرجٍ وافتِضاضِ بَكارةٍ، كقَولهِ: «واللهِ لا أَنيكُكِ في الفَرجِ، أو واللهِ لا أُغيِّبُ ذَكرِي

стр. 10954

في فَرجِكِ، أو واللهِ لا أفتَضُّكِ بذكَرِي -وهي بِكرٌ-» فهو مُولٍ في الظاهرِ والباطنِ؛ لأنه صَريحٌ في الوَطءِ في الفَرجِ. وإنْ قالَ: «واللهِ لا جامَعتُكِ، أو لا وَطئتُكِ» فهو مُولٍ في الحُكمِ؛ لأنَّ إطلاقَه في العُرفِ يَقتضي الوطءَ في الفَرجِ. وإنْ قالَ: «أردْتُ بالوَطءِ وطْءَ القَدمِ وبالجِماعِ الاجتِماعَ بالجِسمِ دُيِّنَ فيه؛ لأنه يَحتملُ ما يدَّعيهِ. وإنْ قالَ: «واللهِ لا أفتَضُّكِ» ولم يَقلْ: «بذَكرِي» ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: أنه صَريحٌ كالقِسمِ الأوَّلِ. والثاني -وهو الأصَحُّ-: أنه صَريحٌ في الحُكمِ كالقِسمِ الثاني؛ لأنه يَحتملُ الافتِضاضَ بغيرِ ذَكرِه، فيُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ. والكِنايةُ: وهو الحَلفُ على تَركِ المُلامَسةِ أو المُباضَعِة أو المُباشَرةِ ونَحوِها، كقَولِه: «واللهِ لا لامَستُكِ، أو واللهِ لا باشَرتُكِ»، وتَحتاجُ إلى نيَّةٍ؛ لأنَّ لها حَقائقَ غيرَ الجِماعِ ولم تَشتهرْ فيهِ اشتهارَ الألفاظِ السَّابقةِ، وهذا كلُّه على المَذهبِ الجَديدِ، وعلى القَديمِ: هو مُولٍ. وإنْ قالَ: «واللهِ لا دخَلْتُ عَليكِ، أو لا تَجتمعُ رأسي ورأسُكِ، أو لا جمَعَني وإيَّاكِ بَيتٌ» فهو كِنايةٌ، فإنْ نَوى بهِ الوَطءَ في الفَرجِ فهو مُولٍ، وإنْ لم تَكنْ له نيَّةٌ فليسَ بمُولٍ؛ لأنه يَحتملُ الجِماعَ وغيرَه، فلم يُحمَلْ على الجِماعِ مِنْ غيرِ نيَّةٍ كالكِناياتِ في الطلاقِ.

стр. 10955

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَلزمُه الإيلاءُ حتى يُصرِّحَ بأحَدِ أسماءِ الجِماعِ التي هي صَريحةٌ، وذلكَ: «واللهِ لا أطَؤُكِ، أو واللهِ لا أُغيِّبُ ذكَرِي في فَرجِك، أو لا أُدخِلُه في فَرجِكِ، أو لا أُجامِعُكِ»، أو يقولَ إنْ كانَتْ عَذراءَ: «واللهِ لا أَفتَضُّكِ» أو ما في هذا المَعنى، فإنْ قالَ هذا فهو مُولٍ في الحُكمِ، وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ الجِماعَ نفسَه» كانَ مَدِينًا فيما بينَه وبينَ اللهِ ولم يَدِنْ في الحُكمِ. وإنْ قالَ: «واللهِ لا أُباشرُكِ، أو واللهِ لا أُباضعُكِ، أو واللهِ لا أُلامسُكِ، أو لا أَلمسُكِ، أو لا أَرشفُكِ» أو ما أشبهَ هذا؛ فإنْ أرادَ الجِماعَ نفسَه فهو مُولٍ، وإنْ لم يُردْه فهوَ مَدِينٌ في الحُكمِ والقَولُ فيه قولُه، ومَتى قُلتُ: «القولُ قَولُه» فطَلبَتْ يَمينَه أَحلفْتُه لها فيه. ولو قالَ: «واللهِ لا أُجامِعُكِ إلا جِماعَ سُوءٍ»؛ فإنْ قالَ: «عَنَيتُ: لا أُجامعُكِ إلا في دُبرِكِ» فهو مُولٍ، والجِماعُ نفسُه في الفَرجِ لا الدُّبرِ، ولو قالَ: «عَنَيتُ: لا أُجامعُكِ إلا بأنْ لا أُغيِّبَ فيكِ الحشَفةَ» فهو مُولٍ؛ لأنَّ الجِماعَ الذي له الحُكمُ إنَّما يكون بتَغييبِ الحشَفةِ، وإنْ قالَ: «عَنَيتُ: لا أُجامعُكِ إلا جِماعًا قليلًا، أو ضَعيفًا، أو مُتقطِّعًا» أو ما أشبهَ هذا فلَيسَ بمُولٍ (١).

стр. 10956

وقالَ الحَنابلةُ: الألفاظُ التي يكونُ بها مُوليًا ثَلاثةُ أقسامٍ: أحَدُها: ما هو صَريحٌ في الحُكمِ والباطِنِ، كلَفظِه الصَّريحِ نحوُ: «واللهِ لا أَنيكُكِ» أو قالَ: «لا أدخَلْتُ ذكَرِي في فَرجِكِ، أو لا غَيَّبتُ ذَكرِي في فَرجِكِ، أو لا أولَجْتُ ذَكرِي في فَرجِكِ، أو أدخَلْتُ، أو غَيَّبتُ، أو أولَجْتُ حشَفَتي في فَرجِكِ»، وكقَولِه للبِكرِ خاصَّةً دونَ الثَّيبِ: «لا افتَضَضتُكِ» فهذه صَريحةٌ، ولا يُديَّنُ إذا أرادَ بذلكَ غيرَ الإيلاءِ؛ لأنه لا يَحتملُ غيرَه ولا يُقبَلُ له فيه تأويلٌ. القِسمُ الثاني: صَريحٌ في الحُكمِ دُونَ الباطِنِ، فيُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى، لكنْ لا يُقبَلُ قَولُه في الحُكمِ، وهو خَمسةَ عَشرَ لَفظًا: «واللهِ لا وطِئتُكِ، لا جامَعتُكِ، لا باضَعتُكِ، لا بعَلْتُكِ، لا باشَشتُكِ، لا غَشيتُكِ، لا مَضيتُ إليكِ، لا لمَستُكِ، لا افتَرشتُكِ، لا افتَضَضتُكِ -لمَن لا يَعرفُ مَعناه-، لا قَربتُكِ، لا أصَبتُكِ، لا أَتيتُكِ، لا مَسستُكِ، لا أوطَئتُكِ، لا اغتَسلْتُ منكِ»، فهذِه صَريحةٌ في الحُكمِ، فلو قالَ: «أردْتُ غيرَ الوَطءِ» دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ؛ لأنَّ لفْظَه يَحتملُه، ولم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنها تُستعمَلُ في الوَطءِ عُرفًا. وقد ورَدَ الكِتابُ والسُّنةِ ببَعضِها، كقولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧].

стр. 10957

وأمَّا الوَطءُ والجِماعُ فهُمَا أشهَرُ الألفاظِ في الاستِعمالِ، والباقي قِياسًا عليهِ. فلو قالَ: «أردْتُ بالوَطءِ الوَطءَ بالقَدمِ، وبالجِماعِ اجتِماعَ الأجسامِ، وبالإصابةِ الإصابةَ باليَدِ، وبالمُباضَعةِ التِقاءَ بِضعةٍ مِنْ البَدنِ بالبِضعةِ منه، وبالمُباشَرةِ مَسَّ المُباشِرِ، وبالمُباعَلةِ المُلاعَبةَ والاستِمتاعَ دونَ الفَرجِ، وبالمُقارَبةِ قُربَ بَدنِه منها، وبالمُماسَّةِ مَسَّ بَدنِها، وبالإتيانِ المَجيءَ، وبالاغتِسالِ الاغتِسالَ مِنْ الإنزالِ عن مُباشَرةٍ مِنْ قُبلةٍ أو جِماعٍ دونَ الفَرجِ» لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنه خِلافُ العُرفِ والظَّاهرِ، وفي الباطنِ إنْ كانَ صادِقًا فليسَ بمُولٍ. القِسمُ الثالثُ مِنْ الألفاظِ: ما لا يَكونُ مُوليًا فيها إلا بالنِّيةِ، وهي باقي الألفاظِ ممَّا يَحتملُ الجِماعَ، فيَكونُ كِنايةً، وهو ما عَدا هذه الألفاظِ، كقَولِه: «واللهِ لا جمَعَ رأسِي ورأسَكِ مِخدَّةٌ، لا ساقَفَ رأسي رأسَكِ، لا ضاجَعتُكِ، لا دخَلْتُ عليكِ، لا دخَلْتِ عَليَّ، لا قَربْتُ فِراشَكِ، لا بِتُّ عندَكِ، لَأَسوءَنَّكِ، لَأَغيظَنَّكِ، لَتَطولَنَّ غَيبَتي عَنكِ، لا مَسَّ جِلدِي جلدَكِ، لا أَوَيتُ معَكِ، لا نِمتُ عِندكِ»، فهذه الألفاظُ إنْ أرادَ بها الجِماعَ كانَ مُوليًا، وإلا فلا؛ لأنها ليسَتْ بصَريحةٍ في الجِماعِ ولا ظاهِرةٍ فيه، فافتَقرَتْ إلى النَّيةِ ككِناياتِ الطلاقِ. ومِن هذهِ الألفاظِ ما يَفتقِرُ إلى نيَّةِ الجِماعِ والمدَّةِ معًا، وهو:

стр. 10958

«لَأَسوءَنَّكِ، لَأَغيظَنَّكِ، لَتَطولَنَّ غَيبَتي عنكِ»، فلا يَكونُ مُوليًا بها حتى يَنويَ ترْكَ الجِماعِ في مدَّةٍ تَزيدُ على أربعةِ أشهُرٍ؛ لأنها مُجمَلةٌ، فلا تَتعيَّنُ للإيلاءِ إلا بذلكَ. وسائرُ الألفاظِ يَكونُ مُوليًا بها بنيَّةِ الجِماعِ فقطْ، إلا أنْ يَنويَ أربعةَ أشهُرٍ فأقَلَّ. وإنْ قالَ: «واللهِ لا أدخَلْتُ جَميعَ أو كُلَّ ذَكرِي في فَرجِكِ» لم يكنْ مُوليًا؛ لأنه يَخرجُ مِنْ وَطئِها بتَغييبِ الحشَفِة ولا حِنثَ، عَكسُ ما لو قالَ: «واللهِ لا أولَجْتُ حشَفَتي في فَرجِكِ»؛ لأنه لا يَخرجُ مِنْ الفَيئةِ بدونِ ذلكَ (١). ويَصحُّ الإيلاءُ بكُلِّ لُغةٍ: قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُ الإيلاءُ بكُلِّ لُغةٍ مِنْ العَجَميةِ وغَيرِها ممَّن يُحسِنُ العرَبيةَ وممَّن لا يُحسِنُها؛ لأنَّ اليَمينَ تَنعقدُ بغيرِ العرَبيةِ وتَجبُ بها الكفَّارةُ، والمُولي هو الحالِفُ باللهِ على تَركِ وَطءِ زَوجتِه المُمتنِعُ مِنْ ذلكَ بيَمينِه، فإنْ آلَى بالعجَميةِ مَنْ لا يُحسِنُها وهو لا يَدري مَعناها لم يَكنْ مُوليًا وإنْ نَوى مُوجَبَها عندَ أهلِها، وكذلكَ الحُكمُ إذا

стр. 10959

آلَى بالعرَبيةِ مَنْ لا يُحسِنُها؛ لأنه لا يَصحُّ منه قَصدُ الإيلاءِ بلَفظٍ لا يَدري مَعناه، فإذا اختَلفَ الزوجانِ في مَعرفتِه بذلكَ فالقَولُ قَولُه إذا كانَ مُتكلِّمًا بغيرِ لسانِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ مَعرفتِه بها. فأمَّا إنْ آلَى العرَبيُّ بالعرَبيةِ ثمَّ قالَ: «جرَى على لِساني مِنْ غيرِ قَصدٍ» أو قالَ ذلكَ العجَميُّ في إيلائِه بالعجَميةِ لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنه خِلافُ الظَّاهرِ (١). المحلُوفُ على تَركِه إنَّما هو الجِماعُ في الفَرجِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في المُولي حتى يَصحَّ إيلاؤُه أنْ يَحلفَ على تَركِ الوَطءِ في الفَرجِ، فالمَحلوفُ على تَركِه إنَّما هو الجِماعُ في الفَرجِ، فإنْ حلَفَ على تَركِ الاستمتاعِ أو القُبلةِ أو غيرِها مِنْ أنواعِ الاستِمتاعِ أو حلَفَ على عَدمِ وَطئِها في الدُّبرِ بأنْ قالَ: «واللهِ لا وَطئتُكِ في الدُّبرِ» لم يَكنْ مُوليًا؛ لأنه لم يَتركِ الوَطءَ الواجِبَ عليهِ، ولا تَتضرَّرُ المَرأةُ بتَركِه، وإنَّما هو وَطءٌ مُحرَّمٌ، وقد أكَّدَ منْعَ نفسِه منه بيَمينِه (٢).

стр. 10960

الإيلاءُ في حالَةِ الرِّضا والغضَبِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الإيلاءَ يَصحُّ في حالِ الرِّضا والغضَبِ، وسَواءٌ قصَدَ الإضرارَ أم لا؛ لأنَّ نَصَّ الإيلاءِ الوارِدِ في قولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] لا يَفصِلُ بيْنَ حالٍ وحالٍ، ولأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ، فلا يَختلفُ حُكمُه بالرِّضا والغضَبِ كسائرِ الأَيمانِ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وسواءٌ كانَ الإيلاءُ في حالِ الرِّضا أو الغضَبِ … عندَ عامَّةِ العُلماءِ وعامَّةِ الصَّحابةِ ﵃، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ نَصَّ الإيلاءِ لا يَفصلُ بينَ حالٍ وحالٍ، ولأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ فلا يَختلفُ حُكمُه بالرِّضا والغضَبِ … كسائرِ الأيمانِ (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: ويَصحُّ الإيلاءُ في حالِ الغضَبِ والرِّضا. وحُكيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنه قالَ: «لا يَصحُّ في حالِ الرِّضا، وإنَّما يَصحُّ في حالِ الغضَبِ» … دليلُنا: قَولُه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية، ولم يُفرِّقْ بينَ حالِ الرِّضا والغضَبِ (٢).
следующие страницы →