وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ورُوي عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «كلُّ شَيءٍ شَكَكتَ فيه مِنْ صَلاتِكَ، مِنْ نُقصَانٍ، مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجودٍ، أَوْ غيرِ ذلك، فَاستَقبِل أكثرَ ظَنِّكَ، وَاجعَل سَجدَتَيِ السَّهوِ مِنْ هذا النحوِ قبلَ التَّسليمِ، فَأَمَّا غيرُ ذلك مِنْ السَّهوِ فَاجعَلهُ بعدَ التَّسليمِ» (١)(٢).
وإن جَمعَ بينَ زِيادةٍ ونَقصٍ يَسجُدُ قبلَ السَّلامِ؛ تَرجيحًا لجانِبِ النَّقصِ.
وذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ سُجودَ السَّهوِ مَوضِعُهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ، وذلكَ لحَديثِ ابنِ بُحَينَةَ ﵁ أنَّه قالَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ مِنْ بعضِ الصَّلواتِ ثم قامَ فلَم يَجلِس، فَقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه وَنَظَرنَا تَسلِيمَه كبَّر فَسجدَ سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ قبلَ التَّسليمِ، ثم سلَّم» (٣). وفيهِ أنَّه ﷺ سجدَ قبلَ السَّلامِ، ولأنَّه يُفعَلُ لِإصلاحِ الصَّلاةِ؛ فكانَ قبلَ السَّلامِ، كما لو نَسيَ سَجدةً في الصَّلاةِ.
وفي قَولٍ ثالِثٍ عندَ الشافِعيَّةِ: يَتخيَّرُ إن شاءَ قبلَ السَّلامِ، وإن شاءَ بعدَه (٤).
стр. 1122
وذَهب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السُّجودَ كلَّهُ قبلَ السَّلامِ، إلَّا في المَوضِعَينِ اللَّذَينِ وردَ النَّصُّ بسُجودِهما بعدَ السَّلامِ، وهُما:
الأوَّلُ: إذَا سلَّم مِنْ نَقصِ رَكعةٍ فأكثرَ كما في حَديثِ ذي اليَدينِ: «أنَّه ﷺ سلَّم مِنْ رَكعتَينِ، فَسجدَ بعدَ السَّلامِ» (١). وحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁: «أنَّه سلَّم مِنْ ثَلاث، فَسجدَ بعدَ السَّلامِ» (٢).
والآخَرُ: إذَا تَحرَّى الإمامُ فبَنَى على أغلَبِ ظَنِّهِ، كما في حَديثِ ابنِ مَسعودٍ عندَما تَحَرى فسجدَ بعدَ السَّلامِ؛ فرَوى الشَّيخانِ عن إبراهيمَ عن عَلقَمةَ قالَ: قالَ عَبدُ اللَّهِ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ قال إبرَاهِيمُ: لا أَدري زادَ أو نقصَ- فلمَّا سلَّم قيلَ له: يا رَسولَ اللَّهِ، أحَدثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ؟ قال: وما ذاكَ؟ قالوا: صلَّيتَ كذا وكذا. فثَنى رِجلَيهِ وَاستَقبَلَ القِبلَةَ وسجدَ سَجدتَينِ ثم سلَّم، فلمَّا أَقبَلَ عَلَينَا بوَجهِهِ قال: إنه لو حَدثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ لَنبَّأتُكم بهِ، وَلَكِن إنَّما أنا بَشَرٌ مِثلُكُم، أَنسَى كما تَنسَونَ، فإذا نَسيتُ فَذكِّرونِي، وإذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فَليَتَحَر الصَّوَابَ، فَليُتمَّ عليه، ثم لِيسلِّم، ثم يَسجد سَجدتَينِ» (٣)(٤).
стр. 1123
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلَفوا في مَواضِعِ سُجودِ السَّهوِ على خَمسةِ أقوالٍ: فذَهَبتِ الشافِعيَّةُ إلى أنَّ سُجودَ السَّهوِ مَوضِعُهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ، وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَوضِعَه أبَدًا بعدَ السَّلامِ، وفرَّق المالِكيَّةُ فقالوا: إن كانَ السُّجودُ لِنُقصانٍ كانَ قبلَ السَّلامِ، وإن كانَ لِزيادةٍ كانَ بعدَ السَّلامِ. وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: يَسجُدُ قبلَ السَّلامِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ قبلَ السَّلامِ، ويَسجُدُ بعدَ السَّلامِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ بعدَ السَّلامِ؛ فما كانَ مِنْ سُجودٍ في غيرِ تلكَ المَواضِعِ يَسجُدُ لهُ أبَدًا قبلَ السَّلامِ. وقالَ أهلُ الظَّاهرِ: لا يَسجُدُ لِلسَّهوِ إلا في المَواضِعِ الخَمسةِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ فقط، وغيرُ ذلك إن كانَ فَرضًا أتَى بهِ، وإن كانَ نَدبًا فليس عليه شيءٌ؛ والسَّببُ في اختِلافِهم أنُّهُ ﵊ ثَبت عنه أنَّه سجدَ قبلَ السَّلامِ، وسجدَ بعدَ السَّلامِ، وذلكَ أنَّه ثَبت من حَديثِ ابنِ بُحَينَةَ أنَّه قالَ: «صلَّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم قامَ فلم يَجلِس، فقامَ النَّاسُ معه، فلمَّا قَضى صَلاتَه سجدَ سَجدتَينِ وهو جالِسٌ»، وثَبت أيضًا أنَّه سجدَ بعدَ السَّلامِ في حَديثِ ذي اليَدينِ المُتقدِّمِ؛ إذ سلَّم مِنْ اثنَتَينِ، فذَهب الذينَ جَوَّزوا القياسَ في سُجودِ السَّهوِ -أعني: الذينَ رَأَوا تَعدِيةَ الحُكمِ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها ﵊ إلى أشباهها في هذه الآثارِ الصَّحيحةِ- ثَلاثةَ مَذاهبَ: أحَدُها: مَذهبُ التَّرجيحِ. والثاني: مَذهبُ الجَمعِ. والثالِثُ: مَذهبُ الجَمعِ والتَّرجِيحِ. فمَن رجَّح حَديثَ ابنِ بُحينَةَ قالَ: السُّجودُ قبلَ السَّلامِ، واحتَجَّ لذلكَ بحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ الثابِتِ
стр. 1124
أنَّه ﵊ قالَ: «إذا شَكَّ أحَدُكم في صَلاتِه فلَم يَدرِ كَمْ صلَّى، أثَلاثًا أم أربَعًا؛ فليُصلِّ رَكعةً وليَسجُد سَجدتَينِ وهوَ جالِسٌ قبلَ التَّسليمِ؛ فإن كانَتِ الرَّكعةُ التي صلَّاها خامِسةً شَفَعَها بهاتَينِ السَّجدتَينِ، وإن كانَت رابِعةً فالسَّجدَتانِ تَرغيمٌ لِلشَّيطانِ».
قالوا: ففيهِ السُّجودُ لِلزِّيادةِ قبلَ السَّلامِ؛ لأنَّها مُمكِنَةُ الوُقوعِ خامِسةً، واحتَجوا لذلكَ أيضًا بما رُويَ عن ابنِ شِهابٍ أنَّه قالَ: «كانَ آخرُ الأمرَينِ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ السُّجودَ قبلَ السَّلامِ»، وأمَّا مَنْ رجَّح حَديثَ ذي اليَدينِ فقالَ: السُّجودُ بعدَ السَّلامِ، واحتَجوا لِتَرجيحِ هذا الحَديثِ بأنَّ حَديثَ ابنِ بُحَينَةَ قد عارَضَهُ حَديثُ المُغيرَةِ بنِ شُعبةَ أنَّه ﵊ «قامَ مِنْ اثنَتَينِ ولم يَجلِس ثم سجدَ بعدَ السَّلامِ»، قالَ أبو عمرَ: ليس مِثلَه في النَّقلِ فيُعارَضَ بهِ. واحتَجوا أيضًا لذلكَ بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ الثَّابِتِ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى خَمسًا ساهِيًا وسجدَ لِسَهوِهِ بعدَ السَّلامِ»، وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ فإنَّهم قالوا: إنَّ هذه الأحاديثَ لا تَتَناقَضُ، وذلكَ أنَّ السُّجودَ فيها بعدَ السَّلامِ، إنَّما هوَ في الزِّيادةِ، والسُّجودُ قبلَ السَّلامِ في النُّقصانِ؛ فوجبَ أن يَكونَ حكمُ السُّجودِ في سائرِ المَواضِعِ كما هو في هذا المَوضِعِ، قالوا: وهو أَولَى مِنْ حَملِ الأحادِيثِ على التَّعارُضِ. وأمَّا مَنْ ذَهب مَذَهب الجَمعِ والتَّرجيحِ فقالَ: يَسجُدُ في المَواضِعِ التي سجدَ فيها رَسولُ اللهِ ﷺ على النحوِ الذي سجدَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ؛ فإنَّ ذلك هو حكمُ تلكَ المَواضِعِ، وأمَّا المَواضِعُ التي لم يَسجُد فيها رَسولُ اللهِ ﷺ فالحكمُ فيها السُّجودُ قبلَ السَّلامِ؛
стр. 1125
فَكَأنَّه قاسَ على المَواضِعِ التي سجدَ فيها ﵊ قبلَ السَّلامِ، ولم يَقِس على المَواضِعِ التي سجدَ فيها بعدَ السَّلامِ، وأبقَى سُجودَ المَواضِعِ التي سجدَ فيها على ما سجدَ فيها؛ فمِن جِهةِ أنَّه أبقَى حُكمَ هذه المَواضِعِ على ما وَرَدت عليهِ، وجعلَها مُتغايِرَةَ الأحكامِ، هو ضَربٌ مِنْ الجَمعِ ورَفعٌ لِلتَّعارُضِ بينَ مَفهومِها، ومِن جِهةِ أنَّه عَدَّى مَفهومَ بعضِها دونَ بَعضٍ، وألحَقَ بهِ المَسكوتَ عنه؛ فذلكَ ضَربٌ مِنْ التَّرجيحِ -أعني: أنَّه قاسَ على السُّجودِ الذي قبلَ السَّلامِ، ولم يَقِس على الذي بعدَه-، وأمَّا مَنْ لم يَفهَم مِنْ هذه الأفعالِ حُكمًا خارِجًا عنها، وقصرَ حُكمَها على أنفُسِها -وهُم أهلُ الظَّاهرِ- فاقتَصرُوا بالسُّجودِ على هذه المَواضِعِ فَقط، وأمَّا أحمدُ بنُ حَنبَلٍ فجاءَ نَظرُه مُختلِطًا مِنْ نظَرِ أهلِ الظاهِرِ ونَظَرِ أهلِ القِياسِ، وذلكَ أنَّه اقتَصرَ بالسُّجودِ كما قُلنا بعدَ السَّلامِ على المَواضِعِ التي وردَ فيها الأثَرُ، ولم يُعدِّهُ، وعَدَّى السُّجودَ الذي وردَ في المَواضِعِ التي قبلَ السَّلامِ، ولِكُلِّ واحدٍ مِنْ هؤلاءِ أدلَّةٌ يُرجِّحُ بها مَذَهبه مِنْ جِهةِ القِياسِ -أعنِي: لِأصحابِ القِياسِ-، والمَواضِعُ الخَمسةُ التي سَها فيها رَسولُ اللهِ ﷺ أحَدُها: أنَّه قامَ مِنْ اثنَتَينِ على ما جاءَ في حَديثِ ابنِ بُحَينَةَ. والثاني: أنَّه سلَّم مِنْ اثنَتَينِ على ما جاءَ في حَديثِ ذي اليَدينِ. والثالِثُ: أنَّه صلَّى خَمسًا على ما في حَديثِ ابنِ عمرَ، خرَجهُ مُسلِمٌ والبُخاريُّ. والرابِعُ: أنَّه سلَّم مِنْ ثَلاثٍ على ما في حَديثِ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ. والخامِسُ: السُّجودُ عن الشَّكِّ على ما جاءَ في حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، وسيأتي بَعدُ، واختَلَفوا: لماذا يجبُ سُجودُ السَّهوِ؟ فقيلَ: يجبُ
стр. 1126
لِلزِّيادةِ والنُّقصانِ، وهو الأشهَرُ، وقيلَ: لِلسَّهوِ نَفسِهِ، وبهِ قالَ أهلُ الظاهِرِ والشافِعيُّ (١).
أسبابُ سُجودِ السَّهوِ:
أ- الزِّيادةُ والنُّقصانُ في الصَّلاةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ المُصلِّي إذا تعمَّد أن يَزيدَ في صَلاتِه قِيامًا أو قُعودًا أو رُكوعًا أو سُجودًا، أو أن يَنقُصَ مِنْ أركانِها شَيئًا، بطَلت صَلاتُه؛ لأنَّ السُّجودَ يُضافُ إلى السَّهوِ؛ فيدلُّ على اختِصاصِهِ به، والشَّرعُ إنَّما وردَ بالسَّهوِ، قالَ ﷺ : «إذا نَسيَ أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ» (٢).
فإذا زادَ المُصلِّي أو نقصَ لِغَفلةٍ أو نِسيانٍ؛ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيَّةِ قَضائِه، وسَيأتِي تَفصيلُ ذلك (٣).
ب- الشَّكُّ:
إذا شَكَّ المُصلِّي في صَلاتِه فلم يَدرِ كَمْ صلَّى: واحدةً أم اثنَتَينِ أم ثَلاثًا أم أربَعًا، أو شَكَّ في سَجدةٍ أسجَدَها أم لا، فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِه:
فذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَبنِي على اليَقينِ، وهو الأقَلُّ، ويَأتِي بما شَكَّ فيه، ولا يُجزِئُه التَّحرِّي، ويَسجُدُ سَجدَتَيِ السَّهوِ.
стр. 1127
ودَليلُهم في هذا حَديثُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا سَهَا أحَدُكُم في صَلاتِه فلم يَدرِ واحدةً صلَّى أو ثِنتَينِ فَليَبنِ على واحدةٍ، فَإِنْ لم يَدرِ ثِنتَينِ صلَّى أو ثَلاثا فَليَبنِ على ثِنتَينِ، فَإِنْ لم يَدرِ ثَلاثا صلَّى أو أَربَعًا فَليَبنِ على ثَلاث، وَليَسجُد سَجدتَينِ قبلَ أَنْ يسلِّمَ» (١).
ولحَديثِ: «إذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فَليُلقِ الشَّكَّ وَليَبنِ على اليَقِينِ، فإذا استَيقَنَ التَّمَامَ سجدَ سَجدتَينِ، فَإِنْ كانَت صَلاتُه تَامَّةً كانَتِ الرَّكعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجدَتَانِ، وَإِنْ كانَت نَاقِصَةً كانَتِ الرَّكعَةُ تَمَامًا لِصَلاتِه، وَكانَتِ السَّجدَتَانِ مُرغِمَتَيِ الشَّيطَانَ» (٢)، ولأنَّ الأصلَ عدمُ الإتيانِ بما شَكَّ فيه، فلزِمه الإتيانُ به كما لو شَكَّ هل صلَّى أو لا (٣).
وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ المُصلِّي إذا شَكَّ في صَلاتهِ، فلَم يَدرِ أثَلاثًا صلَّى أمَ أربَعًا؛ فإن كانَ أوَّلَ مرَةٍ فَسَدَت صَلاتُه، واستَأنَفَ صَلاتَه من جَديدٍ؛ لقولِه ﷺ : «إذَا شَكَّ أحَدُكم في صَلاتِه أَنَّه كَمْ صلَّى فَلِيَستَقبِلِ الصَّلاةَ» (٤).
стр. 1128
والاستِقبالُ لا يَكونُ إلا بعدَ الخُروجِ من الصَّلاةِ، وذلكَ بالسَّلامِ أو الكَلامِ أو عمَلٍ آخرَ مما يُنافِي الصَّلاةَ، والخُروجُ بالسَّلامِ قاعِدًا أَولَى؛ لأنَّ السَّلامَ عُرف مُحَلِّلًا دونَ الكَلامِ، ولا يَصحُّ الخُروجُ بمُجرَّدِ النِّيةِ، بل يَلغُو، ولا يَخرُجُ بذلكَ من الصَّلاةِ، وإن تَكرَّر ذلك منه تَحرَّى وعَمِلَ على غلَبةِ الظَّنِّ إن كانَ له ظَنٌّ، ثم يَسجُدُ سَجدتَينِ بعدَ السَّلامِ، وذلك لقولِه ﷺ : «إذا شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فَليَتَحَر الصَّوَابَ» (١).
وإن لم يكن له رَأيٌ -ظَنٌّ- بَنَى على اليَقينِ، وهو الأقَلُّ؛ لقولِه ﵊: «إذا سَهَا أحَدُكُم في صَلاتِه فلم يَدرِ واحدةً صلَّى أو ثِنتَينِ فَليَبنِ على واحدةٍ، فَإِنْ لم يَدرِ ثِنتَينِ صلَّى أو ثَلاثا فَليَبنِ على ثِنتَينِ، فَإِنْ لم يَدرِ ثَلاثا صلَّى أو أَربَعًا فَليَبنِ على ثَلاث … » الحَديثَ.
وعندَ البِناءِ على الأقَلِّ يَقعُدُ في كلِّ مَوضِعٍ يَحتَمِلُ أن يَكونَ آخر الصَّلاةِ، تَحرُّزًا عن تَركِ فَرضِ القَعدةِ الأخيرةِ، وهي رُكنٌ (٢).
وذَهب الحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى البِناءِ على أغلَبِ الظَّنِّ، ويُتمُّ صَلاتَه ويَسجُدُ بعدَ السَّلامِ؛ لحَديثِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ السابقِ، وفيهِ: «إذا
стр. 1129
شَكَّ أحَدُكُم في صَلاتِه فَليَتَحَر الصَّوَابَ، فَليُتمَّ عليه، ثم ليسلِّم ثم يَسجُد سَجدتَينِ» (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: واختارَ الخرقِيُّ التَّفريقَ بينَ الإمامِ والمُنفرِدِ، فجعلَ الإمامَ يَبنِي على الظَّنِّ، والمُنفَردَ يَبنِي على اليَقينِ، وهو الظَّاهرُ في المَذهبِ، نقلَه عن أحمدَ الأثرَمُ وغيرُه، والمَشهورُ عن أحمدَ البِناءُ على اليَقينِ في حقِّ المُنفرِدِ؛ لأنَّ الإمامَ له مَنْ يُنبِّهُه ويُذكِّرُه إذا أخطَأَ الصَّوابَ، فليَعمَل بالأظهَرِ عندَه، فإن أصابَ أقرَّهُ المَأمومونَ، فيَتأكَّدَ عندَه صَوابُ نَفسِه، وإن أخطَأَ سَبّحُوا له، فرَجعَ إليهِم، فيُجعَلَ له الصَّوابُ على كِلتا الحالتَينِ، وليس كذلكَ المُنفرِدُ، إذ ليس له ما يُذكِّرُه فيَبنِيَ على اليَقينِ؛ لِيَحصلَ له إتمامُ صَلاتِه، ولا يَكونُ مَغرورًا بها، وهو مَعنى قولِه: «لا غِرارَ في الصَّلاةِ» (٢).
وإذا استَوَى عندَهُ الأمرانِ بَنَى على اليَقينِ، إمامًا كانَ أو مُنفرِدًا، وأتَى بما بَقيَ من صَلاتهِ وسجدَ لِلسَّهوِ قبلَ السَّلامِ؛ لِأنَّ الأصلَ البِناءُ على اليَقينِ، وإنَّما جازَ تَركُه في حَقِّ الإمامِ؛ لِمُعارَضَتِه الظَّنَّ الغالِبَ، فإذا لم يُوجَد وجبَ الرُّجوعُ إلى الأصلِ (٣).
стр. 1130
الأَحكامُ المُتَعلِّقةُ بسُجودِ السَّهوِ:
الأصلُ أنَّ المَتروكَ في الصَّلاةِ لا يَخلُو إمَّا أن يَكونَ فَرضًا، وإمَّا أن يَكونَ واجِبًا، وإمَّا أن يَكونَ سُنَّةً، والعُلماءُ مُجمِعونَ على أنَّه إن تركَ فَرضًا عَمدًا بطَلت صَلاتُه، وإن تركَه سَهوًا لزِمه أن يَأتيَ بهِ، ولا يُجزِئُه سُجودُ السَّهوِ عنه، بل لا بدَّ منَ الإتيانِ بهِ.
قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الرُّكوعَ والسُّجودَ والقِيامَ والجَلسةَ الأخيرةَ في الصَّلاةِ فَرضٌ كلُّه، وأنَّ مَنْ سَهَا عن شَيءٍ منه وذَكَرهُ رَجعَ إليهِ فأتَمَّه وبَنَى عليه ولم يَتمادَ وهو ذاكِرٌ له؛ لأنَّه لا يَجبُرُه سُجودُ السَّهوِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الأقوالُ والأفعالُ التي يُسجَدُ لها فإنَّ القائِلينَ بسُجودِ السَّهوِ لكُلِّ نُقصانٍ أو زِيادةٍ وقعَت في الصَّلاةِ على طَريقِ السَّهوِ؛ اتَّفَقوا على أنَّ السُّجودَ يَكونُ عن سُننِ الصَّلاةِ دونَ الفَرائِضِ ودُونَ الرَّغائِبِ؛ فالرَّغائِبُ لا شَيءَ عندَهم فيها، أعنِي إذا سَهَا عنها في الصَّلاةِ ما لم يكن أكثرَ مِنْ رَغيبةٍ واحدةٍ، مِثلَما يَرى مالِكٌ أنَّه لا يجبُ سُجودٌ مِنْ نِسيانِ تَكبيرةٍ واحدةٍ، ويجبُ مِنْ أكثرَ مِنْ واحدةٍ، وأمَّا الفَرائِضُ فلا يُجزِئُ عنها إلا الإتيانُ بها، وجَبرُها إذا كانَ السَّهوُ عنها ممَّا لا يُوجِبُ إعادةَ الصَّلاةِ بأسرِها، على ما تَقدَّم فيما يُوجِبُ الإعادةَ وما يُوجِبُ القَضاءَ، أعنِي على مَنْ تركَ بَعضَ أركانِ الصَّلاةِ. وأمَّا سُجودُ السَّهوِ لِلزِّيادةِ فإنَّه يَقعُ
стр. 1131
عندَ الزِّيادةِ في الفَرائِضِ والسُّننِ جَميعًا؛ فهذهِ الجُملةُ لا اختِلافَ بينَهم فيها. وإنَّما يختلِفونَ مِنْ قِبَلِ اختِلافِهم فيما هو منها فَرضٌ، أو ليس بفَرضٍ، وفيما هو منها سُنَّةٌ أو ليس بسُنَّةٍ، وفيما هو منها سُنَّةٌ أو رَغيبَةٌ، مثالُ ذلكَ: أنَّ عندَ مالِكٍ ليس يَسجُدُ لِتَركِ القُنوتِ؛ لأنَّه عندَهُ مُستحَبٌّ، ويَسجُدُ لهُ عندَ الشافِعيِّ؛ لأنَّه عندَهُ سُنَّةٌ، وليس يَخفَى عَليكَ هذا مما تَقدَّم القولُ فيهِ من اختِلافِهم بينَ ما هو سُنَّةٌ وبينَ ما هو فَريضةٌ، وبينَ ما هو رَغيبةٌ، وعندَ مالِكٍ وأصحابِه سُجودُ السَّهوِ لِلزِّيادةِ اليَسيرةِ في الصَّلاةِ، وإن كانَت مِنْ غيرِ جِنسِ الصَّلاةِ، ويَنبَغِي أن تَعلَمَ أنَّ السُّنةَ والرَّغِيبةَ هي عندَهم مِنْ بابِ النَّدبِ، وإنَّما تَختَلفانِ عندَهم بالأقَلِّ والأكثَرِ؛ أعنِي: في تَأكيدِ الأمرِ بها، وذلكَ راجِعٌ إلى قَرائنِ أحوالِ تلكَ العِبادةِ، ولذلكَ يَكثُرُ اختِلافُهم في هذا الجِنسِ كَثيرًا، حتى إنَّ بَعضَهم يَرى أنَّ في بعضِ السُّننِ إذا تُرِكَت عَمدًا إن كانَت فِعلًا، أو فُعِلَت عَمدًا إن كانَت تَركًا؛ أنَّ حُكمَها حكمُ الواجِبِ، أعنِي في تَعلُّقِ الإثمِ بها، وهذا مَوجودٌ كَثيرًا لِأصحابِ مالِكٍ، وكذلكَ تَجِدُهم قد اتَّفَقوا ما خَلَا أهلَ الظاهِرِ على أنَّ تاركَ السُّننِ المُتَكَرِّرَةِ بالجُملةِ آثِمٌ، مثلَ ما لو تركَ إنسانٌ الوِترَ أو رَكعتَيِ الفَجرِ دائِمًا؛ فَكَأنَّ العِباداتِ بحَسَبِ هذا النَّظرِ منها ما هي فَرضٌ بعَينِها وجِنسِها، مِثلَ: الصَّلواتِ الخَمسِ، ومنها ما هي سُنَّةٌ بعَينِها، فَرضٌ بجِنسِها، مثلَ الوِترِ ورَكعتَيِ الفَجرِ، وما أشبَهَ ذلك مِنْ السُّننِ، وكذلكَ قد تَكونُ عندَ بعضِهِمُ الرَّغائِبُ رَغائبَ بعَينِها، سُنَنًا بجِنسِها، مثلَ ما حَكَيناهُ عن مالِكٍ من إيجابِ السُّجودِ لِأكثرَ مِنْ تَكبيرةٍ واحدةٍ، أعنِي لِلسَّهوِ عنها، ولا تَكونُ فيما أحسَبُ عندَ هؤلاءِ سُنَّةً بعَينِها وجِنسِها، وأمَّا أهلُ الظاهِرِ
стр. 1132
فالسُّننُ عندَهم سُنَنٌ بعَينِها؛ لقولِه ﵊ لِلأعرابيِّ الذي سألَه عن فُروضِ الإسلامِ: «أفلَحَ إن صَدَقَ، دخلَ الجَنَّةَ إن صَدَقَ»، وذلكَ بعدَ أن قالَ لهُ: «واللهِ لا أزِيدُ على هذا ولا أنقُصُ منه»، يَعني الفَرائِضَ، وقد تَقدَّم هذا الحَديثُ، واتَّفَقوا من هذا البابِ على سُجودِ السَّهوِ؛ لِتَركِ الجَلسةِ الوُسطَى، واختَلَفُوا فيها هل هيَ فَرضٌ أو سُنَّةٌ، وكذلكَ اختَلَفوا هل يَرجِعُ الإمامُ إذا سُبِّحَ له بها أو ليس يَرجِعُ؟ وإن رَجعَ فمتى يَرجِعُ؟ قالَ الجُمهورُ: يَرجِعُ ما لم يَستَوِ قائِمًا، وقالَ قَومٌ: يَرجِعُ ما لم يَعقِدِ الرَّكعةَ الثالِثةَ، وقالَ قَومٌ: لا يَرجِعُ إن فارقَ الأرضَ قَيدَ شِبرٍ، وإذا رَجعَ عندَ الذينَ لا يَرَونَ رُجوعَه فالجُمهورُ على أنَّ صَلاتَه جائِزَةٌ، وقالَ قَومٌ: تبطُلُ صَلاتُه (١).
وأمَّا الواجِباتُ والسُّننُ فبَيانُها فيما يلي:
أولًا: مَذهبُ الحَنفيَّةِ: جاءَ في «الفَتاوَى الهِندِيَّةِ»: الأصلُ أنَّ المَتروكَ ثَلاثةُ أنواعٍ: فَرضٌ وسُنةٌ وواجِبٌ، ففي الفَرضِ إن أمكَنَهُ التَّدارُكُ بالقَضاءِ يَقضِي، وإلا فَسَدَت صَلاتُه، وفي السُّنةِ لا تفسُدُ؛ لأنَّ قيامَ الصَّلاةِ بأركانِها، وقد وُجِدَت، ولا يُجبَرُ تَركُ السُّنةِ بسَجدَتَيِ السَّهوِ، وفي الواجِبِ إن تُرِكَ ساهِيًا يُجبَرُ بسَجدَتَيِ السَّهوِ، وإن تُرِكَ عامِدًا فلا، كذا في «التتارخانية»، ونقلَ عن البَحرِ أنَّه لو تركَ سَجدةً من رَكعةٍ فتذكَّرها في آخرِ الصَّلاةِ سجدَها وسجدَ لِلسَّهوِ؛ لِتَركِ التَّرتيبِ فيهِ، وليس عليه إعادةُ ما قبلَها، ولو قدَّم الرُّكوعَ على القِراءةِ لزِمه السُّجودُ، لكِن لا يُعتَدُّ بالرُّكوعِ فيُفرَضُ إعادَتُه بعدَ القِراءةِ (٢).
стр. 1133
وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ مَنْ تركَ رُكنًا وأمكَنَهُ تَدَارُكُه وجبَ عليه التَّدارُكُ معَ سُجودِ السَّهوِ، وذلكَ إذا أتَى بهِ في الرَّكعةِ نَفسِها إلى ما قبلَ عَقدِ رَكعةٍ أُخرى بالرُّكوعِ لها، فإن كانَ تركَ الرُّكنَ في الرَّكعةِ الأخيرةِ ثم سلَّم، لم يُمكِنهُ التَّدارُكُ بأداءِ المَتروكِ، بل عليه الإتيانُ برَكعةٍ أُخرى ما لم يُطِلِ الفَصلُ أو لم يَخرُج مِنْ المَسجدِ؛ فعَليهِ استِئنافُ الصَّلاةِ (١).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالوا في «الرَّوضةِ»: إنَ تركَ رُكنًا سَهوًا لم يعتَدَّ بما فَعَلهُ بعدَ المَتروكِ حتى يَأتيَ بما تركَه، فإن تذكَّر السَّهوَ قبلَ فِعلِ مِثلِ المَتروكِ اشتغَل عندَ التَّذكُّرِ بالمَتروكِ، وإن تذكَّر بعدَ فِعلِ مِثلِه في رَكعةٍ أُخرى تَمَّتِ الرَّكعةُ السابقةُ بهِ، ولَغَا ما بينَهما، هذا إذا عَرَفَ عَينَ المَتروكِ ومَوضِعَه، فإن لم يَعرِف عينَ المَتروكِ أخذَ بأدنى المُمكِنِ وأتى بالبَقيَّةِ، وفي الأحوالِ كلِّها يَسجُدُ لِلسَّهوِ (٢).
وعندَ الحَنابِلةِ: مَنْ نَسيَ رُكنًا غيرَ التَّحريمَةِ فذكرَهُ بعدَ شُروعِه في قِراءةِ الرَّكعةِ التي بعدَها بطَلتِ الرَّكعةُ التي تركَه منها فقط؛ لأنَّه تركَ رُكنًا ولم يُمكِنِ استِدراكُه فصارَتِ التي شرعَ فيها عِوضًا عنها، وإن ذكرَ الرُّكنَ المَنسِيَّ قبلَ شُروعِه في قِراءةِ الرَّكعةِ التي بعدَها عادَ لُزومًا، فأتَى بهِ وبما بعدَه (٣).
стр. 1134
الواجِباتُ والسُّننُ التي يجبُ بتَركِها سُجودُ السَّهوِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُطلَبُ له سُجودُ السَّهوِ.
فذَهب الحَنفيَّةُ إلى وُجوبِ سُجودِ السَّهوِ بتَركِ واجِبٍ مِنْ واجِباتِ الصَّلاةِ سَهوًا، ويجبُ عليه قَضاؤُهُ إذا لم يَسجُد لِلسَّهوِ.
قالَ في الدُّرِّ المُختار: لَها واجِباتٌ لا تفسُدُ بتَركِها وتُعادُ وُجوبًا في العَمدِ والسَّهوِ إن لم يَسجُد لهُ، وإن لم يُعِدها يكن فاسِقًا آثِمًا (١).
وقالَ القُدورِيُّ في مُختَصَرِه: والسَّهوُ يَلزمُ المُصلِّي إذا زادَ في صَلاتهِ فِعلًا من جِنسِها ليس منها، أو تركَ فِعلًا مَسنونًا، أو تركَ قِراءةَ فاتِحةِ الكتابِ أو القُنوتَ -أي: دُعاءَ القُنوتِ في الوِترِ- أو التشهُّداتِ، أو تَكبيراتِ العِيدَينِ، أو جهرَ الإمامُ فيما يُخافَتُ فيه، أو خافَتَ فيما يُجهَرُ فيه (٢).
قالَ الحَدَّادُ ﵀: (قولُه: أو تركَ فِعلًا مَسنونًا) أي: فِعلًا واجِبًا عُرِفَ وُجوبُه بالسُّنّةِ، كالقَعدَةِ الأُولَى، أو قامَ في مَوضِعِ القُعودِ، أو تركَ سَجدةَ التِّلاوةِ عن مَوضِعِها، وقُيِّدَ بقَولهِ: فِعلًا؛ لأنَّه إذا سَها عن الأذكارِ لا يجبُ عليه السَّهوُ، كما إذا سَها عن الثَّناءِ والتَّعوُّذِ وتَكبيراتِ الرُّكوعِ والسُّجودِ وتَسبيحاتِهما، إلا في خَمسةِ مَواضِعَ: تَكبيراتِ العِيدِ والقنوتِ والتشهُّدِ والقِراءةِ وتَأخيرِ السَّلامِ عن مَوضِعِه (٣).
стр. 1135
أمَّا المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ فقد قَسَّموا الصَّلاةَ إلى فَرائِضَ وسُنَنٍ -كما سبقَ بَيانُه- فالمالِكيَّةُ يُسجَدُ عندَهم لِسُجودِ السَّهوِ لِثَمانٍ مِنْ السُّننِ، وهي: قِراءةُ ما سِوَى الفاتِحةِ، والجَهرُ والإسرارُ -أي: كمَنَ أسَرَّ في مَوضِعِ الجَهرِ، أو جهرَ في مَوضِعِ الإسرارِ- والتَّكبيرُ مرَّتينِ فأكثرَ سِوى تَكبيرةِ الإحرامِ -أي: مَنْ تركَ التَّكبيرَ مرَّتينِ فأكثرَ- والتَّحميدُ والتشهُّدُ الأوَّلُ والجُلوسُ لهُ، والتشهُّدُ الثاني في الصَّلاةِ الثُّلاثِيَّةِ، وهي المَغربُ، أوِ الرُّباعيَّةِ، كالظُّهرِ (١).
أمَّا الشافِعيَّةُ فالسُّنةُ عندَهم نَوعانِ: أبعاضٌ وهَيئاتٌ، والأبعاضُ هي التي يُجبَرُ تَركُها بسُجودِ السَّهوِ عندَ تَركِها سَهوًا بلا خِلافٍ، وكذا عندَ العَمدِ على الرَّاجحِ، وهذهِ الأبعاضُ سِتَّةٌ: التشهُّدُ الأوَّلُ، والقُعودُ لهُ، والقُنوتُ في الصُّبحِ، وفي النِّصفِ الأخيرِ مِنْ شَهرِ رَمضانَ، والقيامُ لهُ، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ في التشهُّدِ الأوَّلِ، والصَّلاةُ على الآلِ في التشهُّدِ الأخيرِ (٢).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينِيُّ ﵀: وزِيدَ سابِعٌ وهو الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ في القُنوتِ، كما جزمَ به ابنُ الفِركاحِ (٣).
وذَهب الحَنابِلةُ إلى أنَّ ما ليس برُكنٍ نَوعانِ: واجِباتٌ وسُنَنٌ فالواجِباتُ تبطُلُ الصَّلاةُ بتَركِها عَمدًا، وتَسقُطُ سَهوًا وجَهلًا، ويُجبَرُ تَركُها
стр. 1136
سَهوًا بسُجودِ السَّهوِ، كالتَّكبيرِ والتَّسمِيعِ والتَّحميدِ وغيرِها، كما سبقَ، وأمَّا السُّننُ عندَهم فلا تبطُلُ صَلاةُ مَنْ تركَ شَيئًا منها ولو عَمدًا، ويُباحُ السُّجودُ لِسَهوِه (١).
تَكرارُ السَّهوِ في الصَّلاةِ نَفسِها:
ذَهب الأئمَّةُ الأربَعةُ إلى أنَّ المُصلِّي إذا سَها سَهوَينِ فأكثرَ في الصَّلاةِ مِنْ جِنسٍ كَفاهُ سَجدَتَانِ لِلجَميعِ، وإن كانَ السَّهوُ مِنْ جِنسَينِ فكذلكَ، وذلكَ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا نَسيَ أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ» (٢). وهذا يَتناوَلُ السَّهوَ في مَوضِعَينِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ سَها فسلَّم وتَكلَّمَ بعدَ صَلاتِه فسجدَ لها سُجودًا واحدًا، كما في حَديثِ ذي اليَدينِ؛ ولأنَّ السُّجودَ أُخر إلى آخرِ الصَّلاةِ؛ لِيَجمعَ السَّهوَ كلَّه (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ الجُمهورُ: لو سَها سَهوَينِ فأكثرَ كَفاهُ سَجدَتانِ لِلجَميعِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ ومالِكٌ وأبو حَنيفَةَ وأحمدُ رِضوانُ اللهِ عليهِم، وجُمهورُ التَّابِعِينَ، وعنِ ابنِ أبي لَيلَى ﵀ لِكلِّ سَهوٍ سَجدَتانِ، وفيه حَديثٌ ضَعيفٌ (٤).
стр. 1137
نِسيانُ سُجودِ السَّهوِ:
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه إذا تركَه سَهوًا -أي: سُجودَ السَّهوِ- لم تبطُل صَلاتُه، إلا رِوايةً عن أحمدَ، والمَشهورُ عنه أنَّها لا تبطُلُ، كالجَماعةِ.
وقالَ مالِكٌ: إن كانَ سُجودًا لِنَقصٍ لِتَركِ سُنَّتَينِ فصاعِدًا، وتركَه ناسِيًا، ولم يَسجُد حتى سلَّم، وتَطاوَلَ الفَصلُ، وقامَ مِنْ مُصلَّاهُ، أو انتَقَضت طَهارَتُه؛ بطَلت صَلاتُه (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: الذي يَقتَضِيهِ مَذهبُنا أنَّ سُجودَ السَّهوِ لِلنُّقصانِ واجِبٌ في الصَّلاةِ؛ لأنَّ مالِكًا اختَلفَ قولُه فيه، قالَ: فإن تركَه حتى طالَ أو انتَقَض وُضوؤُه أعادَ الصَّلاةَ في سَهوِ النُّقصانِ، وكانَ الشَّيخُ أبو بَكرٍ الأَبهَريُّ يَمتَنِعُ من إطلاقِ الوُجوبِ ويَقولُ: إنَّ الصَّلاةَ تُعادُ بتَركِه. وعِندي أنَّ ذلك خِلافٌ في عِبارةٍ؛ لأنَّ الغَرضَ حاصِلٌ، وهو فَسادُ الصَّلاةِ بتَركِه. وهذا فائِدةُ الوُجوبِ، ودَليلُنا حَديثُ ابنِ بُحَينَةَ، وفيه: «فلمَّا قَضى صَلاتَه وانتَظَرنَا تَسليمَه سجدَ سَجدتَينِ، ثم سلَّم». وأفعالُه على الوُجوبِ، وقالَ: «صَلُّوا كما رَأَيتُموني أُصَلِّي»، ولأنَّه جُبرانٌ لِنَقصٍ وقعَ في عِبادةٍ، فكانَ واجِبًا فيها كالدَّمِ في الحَجِّ، ولأنَّه سُجودٌ يُفعَلُ في الصَّلاةِ لِإِصلاحِها (٢).
стр. 1138
ثم إنَّه إن تذكَّرهُ قبلَ طُولِ الفَصلِ في المَسجدِ؛ فإنَّه يَسجُدُ، سَواءٌ تَكلَّمَ أو لم يَتكلَّم، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ؛ لمَا رَوى ابنُ مَسعودٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سجدَ سَجدَتَيِ السَّهوِ بعدَ السَّلامِ وَالكلَامِ» رَوا هـ مُسلِمٌ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ: يَسجُدُ متى ذكرَه، وإن طالَ الزَّمانُ، ما لم يَتكلَم؛ فإن تَكلَّمَ بعدَ الصَّلاةِ سقطَ عنه سُجودُ السَّهوِ، ولأنَّه أتى بما يُنافِيهَا، فأشبَهَ ما لو أحدَثَ.
فأمَّا إن تذكَّره بعدَ طُولِ الفَصلِ فقَولانِ عندَ الشافِعيَّةِ؛ الجَديدُ الأظهَرُ: لا يَسجُدُ؛ لِفَواتِ المَحَلِّ بالسَّلامِ، وتَعذُّرِ البِناءِ بالطُّولِ، والقَديمُ: يَسجُدُ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ: يَسجُدُ متى ذكرَهُ وإن طالَ الزَّمانُ ما لم يَتكلَم.
وقالَ مالِكٌ: إن كانَ السَّهوُ لِزِيادةٍ سجدَ متى ذكرَهُ ولو بعدَ شَهرٍ، وإن كانَ لِنَقصٍ سجدَ إن قَرُبَ الفَصلُ، وإن طالَ استَأنَفَ الصَّلاةَ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنهُ: يَسجُدُ ما دامَ في المَسجدِ وإن تَكلَّمَ واستَدبَرَ القِبلةَ، وإن خرَج لم يَسجُد؛ لأنَّه لِتَكميلِ الصَّلاةِ، فلا يأتي بهِ بعدَ طُولِ الفَصلِ، كَرُكنٍ مِنْ أركانِها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنَّما ضَبطناهُ بالمَسجدِ؛ لأنَّه مَحَلُّ الصَّلاةِ ومَوضِعُها؛ فاعتُبِرت فيهِ المدَّةُ كخِيارِ المَجلِسِ، وعنهُ رِوايةٌ أُخرى: أنَّه يَسجُدُ، وإن خرَج وتَباعد (١).
стр. 1139
إن سجدَ لِلسَّهوِ ثم شَكَّ هل سجدَ أو لا؟
عندَ الحَنفيَّةِ يَتحَرى، ولكِن لا يجبُ عليه السُّجودُ.
وقالَ المالِكيَّةُ: إن شَكَّ هل سجدَ سَجدةً واحدةً أو اثنَتَينِ بَنَى على اليَقينِ -وهو الأقَلُّ-، وأتى بالثانيةِ، ولا سُجودَ عليه أوَّلًا، فيَسجُدُهُما ولا سَهوَ عليهِ، وإليه ذَهب الحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في وَجهٍ.
والوَجهُ الثاني لِلشافِعيَّةِ -وهو الأصَحُّ عندَهم-: أنَّه لا يُعيدهُ (١).
سُجودُ الإمامِ لِلسَّهوِ:
إذا سَها الإمامُ في صَلاتِه ثم سجدَ لِلسَّهوِ فعلى المَأمومِ مُتابعَتُه في السُّجودِ سَواءٌ سَها معه أو انفَرَدَ الإمامُ بالسَّهوِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ المَأمومَ إذا سَها إمامُه يَسجُدُ معه (٢).
وذكرَ إسحاقُ أنَّه إجماعُ أهلِ العِلمِ، سَواءٌ كانَ السُّجودُ قبلَ السَّلامِ أو بعدَه (٣)؛ لقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «إنَّما جُعل الإِمَامُ لِيُؤتمَّ بِه؛ فإذا سجدَ فَاسجُدُوا» مُتفقٌ عليه.
أمَّا إذا لم يَسجُدِ الإمامُ فذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في رِاويةٍ إلى أنَّه لا
стр. 1140
يَسجدُ المَأمومُ؛ لأنَّه يَصيرُ مُخالِفًا؛ ولِأنَّ المَأمومَ إنَّما يَسجُدُ تَبَعًا؛ فإذا لم يَسجُدِ الإمامُ لم يُوجَدِ المُقتَضِي لِسُجودِ المَأمومِ.
وذَهب الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَأمومَ يَسجُدُ لِلسَّهوِ إذا لم يَسجُدِ الإمامُ؛ لأنَّ صَلاةَ المَأمومِ نقصَت بسَهوِ الإمامِ، ولم تَنجَبِر بسُجودِه؛ فيَلزمُ المَأمومَ جَبرُها (١).
سُجودُ المَسبوقِ لِلسَّهوِ:
إذا أدرَكَ (٢) المَسبوقُ بَعضَ صَلاةِ الإمامِ وقد سَها الإمامُ فيما لم يُدرِكه فيه؛ فقدِ اختَلفَ العُلماءُ في مَوضِعِه -أي: السُّجودِ- بعدَ اتِّفاقِهِم على أنَّه يَسجُدُ:
стр. 1141
فذَهب أبو حَنيفَةَ وأصحابُه وأحمدُ إلى أنَّ المَسبوقَ يَسجُدُ مع الإمامِ ثم يَقومُ لِيَقضِيَ ما عليه، وسَواءٌ أكانَ سُجودُه قبلَ السَّلامِ أم بعدَه.
وذَهب الإمامُ مالِكٌ إلى أنَّه إذا سجدَ الإمامُ قبلَ التَّسليمِ سجدَهُما معه، وإن سجدَ بعدَ التَّسليمِ سجدَهُما بعدَ أن يَقضِيَ ما عليه.
وذَهب الإمامُ الشافِعيُّ إلى أنَّه يَسجُدُهما مع الإمامِ ثم يَقضِي ما عليه، ثم يَسجُدُهُما بعدَ القَضاءِ من الصَّلاةِ (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفَقُوا على أنَّ الإمامَ إذا سَها فالمَأمومَ يَتبَعُهُ في سُجودِ السَّهوِ، وإن لم يَتبَعهُ في سَهوِهِ، واختَلَفُوا مَتى يَسجُدُ المَأمومُ إذا فاتَه مع الإمامِ بَعضُ الصَّلاةِ، وعلى الإمامِ سُجودُ سَهوٍ؛ فقالَ قَومٌ: يَسجُدُ مع الإمامِ، ثم يَقومُ لِقَضاءِ ما عليه، وسَواءٌ أكانَ سُجودُه قبلَ السَّلامِ أم بعدَه، وبه قالَ عَطاءٌ والحَسنُ والنَّخَعيُّ والشَّعبيُّ وأحمدُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، وقالَ قَومٌ: يَقضِي ثم يَسجُدُ، وبه قالَ ابنُ سِيرِينَ وإسحاقُ.
وقالَ قَومٌ: إذا سجدَ قبلَ التَّسليمِ سجدَهما معه، وإن سجدَ بعدَ التَّسليمِ سجدَهُما بعدَ أن يَقضِيَ، وبه قالَ مالِكٌ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ.
وقالَ قَومٌ: يَسجُدُهُما مع الإمامِ ثم يَسجُدُهُما ثانيةً بعدَ القَضاءِ، وبه قالَ الشافِعيُّ.
стр. 1142
وسَببُ اختِلافِهم اختِلافُهم في أيٍّ أَولَى وأخلَقُ أن يَتبعَه في السُّجودِ مُصاحِبًا له أو في آخرِ صَلاتِه، فكَأنَّهمُ اتَّفَقوا على أنَّ الاتِّباعَ واجِبٌ؛ لقولِه ﵊: «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به».
واختَلَفوا هل مَوضِعُها لِلمَأمومِ هو مَوضعُ السُّجودِ -أعني في آخرِ الصَّلاةِ- أو مَوضِعُها هو وقتُ سُجودِ الإمامِ؟ فمَن آثَرَ مُقارَنةَ فِعلِه لِفِعلِ الإمامِ على مَوضِعِ السُّجودِ ورَأى ذلك شَرطًا في الاتِّباعِ -أعني: أن يَكونَ فِعلُهما واحدًا حَقًّا- قالَ: يَسجُدُ معَ الإمامِ، وإن لم يَأتِ بها في مَوضِعِ السُّجودِ، ومَن آثَرَ مَوضِعَ السُّجودِ قالَ: يُؤخِّرُها إلى آخرِ الصَّلاةِ.
ومَن أوجَبَ عليه الأمرَينِ أوجَبَ عليه السُّجودَ مرَّتينِ، وهو ضَعيفٌ (١).
سَهوُ المَأمومِ خَلفَ الإمامِ:
إذا سَها المَأمومُ دونَ إمامِه فإنَّ الإمامَ يَحمِلُ عنه سَهوَه، ولا سُجودَ عليه في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّه ليس على مَنْ سَها خلفَ الإمامِ سُجودٌ (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّ سُجودَ السَّهوِ من سُنَّةِ المُنفرِدِ والإمامِ، واختَلَفوا في المَأمومِ يَسهو وَراءَ الإمامِ: هل عليه سُجودٌ أو لا؟
стр. 1143
فذَهب الجُمهورُ إلى أنَّ الإمامَ يَحمِلُ عنه السَّهوَ، وشَذَّ مَكحولٌ فألزَمه السُّجودَ في خاصَّةِ نَفسِه.
وسَببُ اختِلافِهم اختلافُهم فيما يَحمِلُ الإمامُ مِنْ الأركانِ عن المَأمومِ وما لا يَحمِلُه (١).
وذلكَ لمَا وردَ عن ابنِ عمرَ ﵄ مَرفوعًا: «لَيسَ على مَنْ خلفَ الإِمَامِ سَهوٌ؛ فَإِنْ سَهَا الإِمَامُ فَعليه، وَعلى مَنْ خلفَه السَّهوُ، وَإِنْ سَهَا مَنْ خلفَ الإِمَامِ فليس عليه سَهوٌ، وَالإِمَامُ كافيه» (٢).
صِفةُ سُجودِ السَّهوِ:
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا صِفةُ سُجودِ السَّهوِ فإنَّهمُ اختَلَفوا في ذلكَ؛ فرَأى مالِكٌ أنَّ حُكمَ سَجدَتَيِ السَّهوِ إذا كانَتَا بعدَ السَّلامِ أن يَتشهَّدَ فيها ويُسلِّمَ منها، وبهِ قالَ أبو حَنيفَةَ؛ لأنَّ السُّجودَ كلَّهُ عندَهُ بعدَ السَّلامِ، وإذا كانَت قبلَ السَّلامِ أن يَتشهَّدَ لها فَقط، وأنَّ السَّلامَ مِنْ الصَّلاةِ هو سَلامٌ
стр. 1144
منها، وبهِ قالَ الشافِعيُّ؛ إذ كانَ السُّجودُ كُلُّه عندَهُ قبلَ السَّلامِ، وقد رُويَ عن مالِكٍ أنَّه لا يَتشهَّدُ لِلَّتي قبلَ السَّلامِ، وبهِ قالَ جَماعةٌ.
قالَ أبو عمرَ: أمَّا السَّلامُ مِنْ التي بعدَ السَّلامِ فثَابِتٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، وأمَّا التشهُّدُ فلا أحفَظُهُ مِنْ وَجهٍ ثابِتٍ.
وسَببُ هذا الاختِلافِ هو اختِلافُهم في تَصحيحِ ما وردَ مِنْ ذلك في حَديثِ ابنِ مَسعودٍ -أعنِي: مِنْ «أنَّه ﵊ تَشهَّدَ ثمّ سلَّم»، وفي تَشبيهِ سَجدَتَيِ السَّهوِ بالسَّجدتَينِ الأخيرَتَينِ مِنْ الصَّلاةِ؛ فمَن شَبَّهَهما بهما لم يُوجِب لها التشهُّدَ، وبخاصَّةٍ إذا كانَت في الصَّلاةِ نَفسِها.
وقالَ أبو بَكرِ بنُ المُنذرِ: اختَلفَ العُلماءُ في هذه المَسألةِ على سِتَّةِ أقوالٍ:
فقالَت طائِفةٌ: لا تَشهُّدَ فيها، ولا تَسليمَ، وبهِ قالَ أنَسُ بنُ مالِكٍ والحَسنُ وعَطاءٌ.
وقالَ قَومٌ مُقابِلَ هذا، وهوَ أنَّ فيها تَشهُّدًا وتَسليمًا.
وقالَ قَومٌ: فيها تَشهُّدٌ فَقط، بدُونِ تَسليمٍ، وبهِ قالَ الحَكَمُ وحَمَّادٌ والنَّخَعِيُّ.
وقالَ قَومٌ مُقابِلَ هذا؛ وهو أنَّ فيها تَسليمًا، وليس فيها تَشهُّدٌ، وهو قولُ ابنِ سِيرينَ.
والقولُ الخامِسُ: إن شاءَ تَشهَّدَ وسلَّم، وإن شاءَ لم يَفعل، ورُويَ ذلك عَنْ عَطاءٍ.
стр. 1145
والسادِسُ: قولُ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ: أنَّه إن سجدَ بعدَ السَّلامِ تَشهَّدَ، وإن سجدَ قبلَ السَّلامِ لم يَتشهَّد، وهو الذي حَكَيناهُ نحن عن مالِكٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: قد ثَبت أنَّه ﷺ كبَّر فيها أربعَ تَكبيراتٍ، وأنَّه سلَّم، وفي ثُبوتِ تَشهُّدِه فيها نَظرٌ (١).
стр. 1146
صَلاةُ التَّطَوُّعِ
تَعريفُ التطوُّعِ:
التَّطوُّعُ لُغةً: التَّبرعُ، يُقالُ: تطوَّعَ بالشَّيءِ، تَبرَّعَ به.
ومِن مَعانِيهِ في الاصطِلاحِ: أنَّه اسمٌ لمَا شُرِعَ زِيادةً على الفَرائِضِ والواجِباتِ، أو ما كانَ مَخصوصًا بطاعَةٍ غيرِ واجِبةٍ، أو هو الفِعلُ المَطلوبُ طَلَبًا غيرَ جازِمٍ.
وصَلاةُ التَّطوُّعِ كما قُلنا هي ما زادَت على الفَرائِضِ والواجِباتِ (١)؛ لمَا رَواه الشَّيخانِ عن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ ﵁ أنَّه قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهلِ نَجدٍ ثَائِرَ الرَّأسِ نَسمَعُ دَوِيَّ صَوتِه، ولا نَفقَهُ ما يَقولُ، حتى دَنَا مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فإذا هو يَسأَلُ عن الإِسلَامِ؛ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «خَمسُ صَلواتٍ في اليَومِ وَاللَّيلَةِ. فقالَ: هل عَلَيَّ غيرُهنَّ؟ قال: لَا، إلا أَنْ تَطَّوَّعَ … » الحَديثَ (٢).
стр. 1147
أفضَليَّةُ صَلاةِ التَّطوُّعِ:
وصَلاةُ التَّطوُّعِ هيَ أفضَلُ تَطوُّعِ البَدنِ، وخَيرُ ما يَتقَرَّبُ به العَبدُ إلى اللهِ تَعالى، وذلكَ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «استَقِيمُوا وَلَنْ تُحصُوا، وَاعلَمُوا أَنَّ خَيرَ أَعمَالِكُمُ الصَّلاةُ» (١)؛ ولأنَّ فَرضَها آكَدُ الفُروضِ فتَطوُّعُها آكَدُ التَّطوُّعِ (٢).
أنواعُ صَلاةِ التَّطوُّعِ:
الأصلُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ أنَّها تُؤدَّى على انفِرادٍ -كما هو أغلَبُ فِعلِ النَّبيِّ ﷺ ، وهي أنواعٌ:
منها: السُّننُ الرَّواتِبُ التَّابِعةُ لِلفَرائِضِ، وهي عَشرُ رَكعاتٍ، ذكرَها ابنُ عمرَ ﵁ في حَديثِه، قالَ: «حَفِظتُ منَ النَّبيِّ ﷺ عَشرَ رَكَعاتٍ: رَكعتَينِ قبلَ الظُّهرِ، وَرَكعتَينِ بعدَها، وَرَكعتَينِ بعدَ المَغربِ في بَيتِه، وَرَكعتَينِ بعدَ العِشاءِ في بَيتِه، وَرَكعتَينِ قبلَ صَلاةِ الصُّبحِ» (٣)، وهذا عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ (٤).
стр. 1148
وعندَ الحَنفيَّةِ (١): الرَّواتِبُ المُؤكَّدةُ اثنَتَا عَشرَةَ؛ العَشرَةُ السابقةُ مع زِيادةِ رَكعتَينِ قبلَ الظُّهرِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالَت: «كانَ النَّبيُّ ﷺ لا يَدعُ أربَعًا قبلَ الظُّهرِ» (٢).
وعن أُمِّ حَبيبَةَ ﵂ قالَت: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ صلَّى اثنَتَي عَشرَةَ رَكعَةً في يَومٍ وَلَيلَةٍ بُنِيَ له بِهنَّ بَيتٌ في الجَنَّةِ»، قالَت أُمُّ حَبِيبَةَ: «فما تَرَكتُهنَّ مُنذُ سَمعتُهنَّ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ » (٣)، زادَ التِّرمذيُّ (٤): «أَربَعًا قبلَ الظُّهرِ، وَرَكعتَينِ بعدَها، وَرَكعتَينِ بعدَ المَغربِ، وَرَكعتَينِ بعدَ العِشاءِ، وَرَكعتَينِ قبلَ صَلاةِ الفَجرِ».
وأمَّا المالِكيَّةُ فلا تَحديدَ لِعَددِ رَكعاتِ السُّننِ الرَّواتِبِ عندَهم، بل يَكفي في تَحصيلِ النَّدبِ رَكعَتانِ في كلِّ وَقتٍ، وإن كانَ الأولَى أربعَ رَكعاتٍ إلا المَغربَ، فَسِتُّ رَكعاتٍ، فيُصلَّى قبلَ الظُّهرِ وبعدَها، وقبلَ العَصرِ، وبعدَ المَغربِ، وبعدَ العِشاءِ، وسُنَّةُ الفَجرِ رَغبيةٌ، أي: مُرغَّبٌ فيها (٥).
آكَدُ هذه السُّننِ:
وآكَدُ هذه الرَّكعاتِ رَكعتَا الفَجرِ؛ لقولِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عائِشةَ ﵂: «لم يكنِ النَّبيُّ ﷺ على شَيءٍ من النَّوافِلِ أَشَدَّ مُعاهَدَةً منه
стр. 1149
على رَكعتَينِ قبلَ الفَجرِ» (١). وفي لَفظٍ: «ولم يكن يَدعُهُمَا أَبَدًا» (٢).
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «رَكعتَا الفَجرِ خَيرٌ من الدُّنيا وما فيها» (٣).
قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: «ولذا لم يَدعها -يَعني النَّبيَّ ﷺ هي والوِترَ، سَفرًا ولا حَضرًا، وكانَ في السَّفرِ يُواظِبُ على سُنَّةِ الفَجرِ والوِترِ أشَدَّ من جَميعِ النَّوافِلِ دونَ سائرِ السُّننِ، ولم يُنقَل عنه في السَّفرِ أنَّه ﷺ صلَّى سُنَّةً راتِبةً غيرَهما» (٤).
ومِن هذه السُّننِ ما يَتقدَّمُ على الفَرائِضِ، ومنها ما يَتأخَّرُ عنها.
قال ابنُ دَقيقِ العِيدِ ﵀: في تَقدُّمِ النَّوافِلِ على الفَرائِضِ وتَأخيرِها عنها مَعنًى لَطيفٌ مُناسِبٌ، أمَّا في التَّقديمِ فلِأَنَّ الإنسانَ يَشتَغِلُ بأُمورِ الدُّنيا وأسبابِها فتَتكيَّفُ النَّفسُ في ذلك بحالةٍ بَعيدةٍ عن حُضورِ القَلبِ في العِبادةِ، والخُشوعُ فيها هو رُوحُها، فإذا قُدِّمتِ السُّننُ على الفَريضةِ تَأنَّستِ النَّفسُ على العِبادةِ، وتَكيَّفَت بحالةٍ تُقرِّبُ من الخُشوعِ، فيَدخلُ في الفَرائِضِ على حالَةٍ حَسَنةٍ لم تكُن تَحصُلُ له لو لم تُقدَّمِ السُّنةُ، فإنَّ النَّفسَ مَجبولةٌ على التَّكَيُّفِ بما هي فيه، لا سِيَّمَا إذا أكثرَ أو أطالَ، ووُرودُ الحالةِ المُنافِيةِ لمَا قبلَها قد يَمحو أثَرَ الحالةِ السابقةِ أو يُضعِفُه.
وأمَّا السُّننُ المُتأخِّرةُ فلمَا وردَ أنَّ النَّوافِلَ جابِرةٌ لِنُقصانِ الفَرائِضِ، فإذا
стр. 1150
وقعَ الفَرضُ ناسَب أن يَكونَ بعدَه ما يَجبُرُ خَلَلًا فيه إن وقعَ (١).
ومِن صَلاةِ التَّطوُّعِ صَلواتٌ مُعيَّنةٌ غيرُ السُّننِ مع الفَرائِضِ والتَّطوُّعاتِ المُطلَقَةِ، ومنها:
صَلاةُ الضُّحَى وصَلاةُ التَّسبيحِ والاستِغفارِ، وصَلاةُ الحاجةِ، وصَلاةُ تَحيَّةِ المَسجدِ، وغيرُها، وسَيَأتي الكَلامُ عنها إن شاءَ اللهُ.
الفَرقُ بينَ أحكامِ صَلاةِ التَّطوُّعِ وأحكامِ الصَّلاةِ المَفروضةِ:
صَلاةُ التَّطوُّعِ تُفارِقُ صَلاةَ الفَرضِ في أشياءَ، منها:
١ - الصَّلاةُ جُلوسًا: يَجوزُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ القُعودُ مع القُدرةِ على القِيامِ، ولا يَجوزُ ذلك في الفَرضِ؛ لأنَّ القيامَ فيه رُكنٌ مع القُدرةِ، ولأنَّ التَّطوُّعَ خَيرٌ دائِمٌ، فلو ألزَمناهُ القِيامَ لَتَعَذَّرَ عليه إدامةُ هذا الخَيرِ، وأمَّا الفَرضُ فإنَّه يَختَصُّ ببعضِ الأوقاتِ، فلا يَكونُ في إلزامِه مع القُدرةِ عليه حَرجٌ، والدَّليلُ على ذلك ما رَواهُ البُخاريُّ وغيرُه عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁ قالَ: سألتُ النَّبيَّ ﷺ عن صَلاةِ الرَّجلِ وهو قاعِدٌ، فقالَ: «إن صلَّى قائِمًا فَهو أَفضَلُ، وَمَنْ صلَّى قاعِدًا فلَه نِصفُ أَجرِ القائِمِ» (٢).
٢ - القِراءةُ: القِراءةُ في التَّطوُّعِ تَكونُ فيها سِوى الفاتِحةِ في الرَّكعاتِ كلِّها، وأمَّا القِراءةُ في الرُّباعيَّةِ والثُّلاثيَّةِ من المَكتوباتِ، فهي في الرَّكعتَينِ الأُولَيَينِ فقط على قولِ الجُمهورِ، خِلافًا لِلشافِعيَّةِ الذين يَرَونَ أنَّه يُسنُّ أن
стр. 1151
يُقرَأَ في جَميعِ الرَّكعاتِ مع الفاتِحةِ شَيءٌ من القُرآنِ، وقد سبقَ بَيانُه.
٣ - الوقتُ والمِقدارُ: التَّطوُّعُ المُطلَقُ غيرُ مُؤقَّتٍ بوَقتٍ خاصٍّ ولا مُقدَّرٍ بمِقدارٍ خاصٍّ، فيَجوزُ في أيِّ وَقتٍ كان، على أيِّ مِقدارٍ كان، إلا أنَّه يُكرَهُ في بعضِ الأوقاتِ، وعلى بعضِ المَقاديرِ، كما سَيأتي.
والفَرضُ مُقدَّرٌ بمِقدارٍ خاصٍّ، مُؤقَّتٌ بأوقاتٍ مَخصوصةٍ، فلا تَجوزُ الزِّيادةُ على قَدرِه.
٤ - النِّيةُ: يَتأدَّى التَّطوُّعُ المُطلَقُ بمُطلَقِ النِّيةِ، ولا يَتأَدَّى الفَرضُ إلا بتَعيُّنِ النِّيةِ كما سبقَ بَيانُه.
٥ - الصَّلاةُ على الرَّاحِلةِ وما في مَعناها:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ صَلاةَ التَّطوُّعِ على الرَّاحِلةِ جائِزةٌ، أمَّا الفَرضُ فقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمعَ العُلماءُ على أنَّه لا يَجوزُ لِأحَدٍ أن يُصلِّيَ الفَريضةَ على الدَّابَّةِ مِنْ غيرِ عُذرٍ (١)، وسَيأتي الكَلامُ فيه إن شاءَ اللهُ تَعالَى.
٦ - الصَّلاةُ في الكَعبةِ وعلى ظَهرِها:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ صَلاةَ النَّفلِ في الكَعبةِ تَصحُّ.
واختَلَفوا في صَلاةِ الفَريضةِ في جَوفِ الكَعبةِ أو على ظَهرِها، فقالَ أبو حَنيفَةَ: إذا كانَ بينَ يَديِ المُصلِّي شَيءٌ من سَمتِها جازَ.
وقالَ الشافِعيُّ: تَصحُّ الصَّلاةُ على ظَهرِها إلا أن يَستَقبِلَ سُترةً مَبنيَّةً بجَصٍّ أو طينٍ، فأمَّا إن كانَ لَبِنًا أو آجُرًّا مَنصوبًا بَعضُه فوقَ بَعضٍ لم يَجُز،
стр. 1152
وإن نصبَ خَشَبةً فعلى وجهَينِ عندَ أصحابِه، وإن صلَّى في جَوفِها مُقابِلًا لِلبابِ لم يَجُز، إلا أن يَكونَ بينَ يَديهِ عَتَبَةٌ شاخِصةٌ مُتَّصِلةٌ بالبِناءِ، وقالَ أحمدُ: لا يَجوزُ بحالٍ، لا على ظَهرِها، ولا في جَوفِها.
وعن مالِكٍ رِوايَتانِ كالمَذَهبينِ كمَذهبِ أحمدَ، وهو أنَّه لا يَصحُّ بحالٍ، وهي رِوايةُ أصبَغَ، قالَ عَبدُ الوهَّابِ: وهو المَشهورُ عندَ المُحقِّقِينَ من أهلِ مَذهبِنا، والرِّوايةُ الأُخرى: أنَّها تُجزِئُ مع الكَراهةِ (١).
ما يُكرَهُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ:
المَكروهُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ نَوعانِ:
النَّوعُ الأوَّلُ: هو ما يَرجِعُ إلى القَدرِ: تُكرَهُ الزِّيادةُ على أربَعِ رَكعاتٍ بتَسليمةٍ واحدةٍ في النَّهارِ، ولا يُكرَهُ ذلك في صَلاةِ اللَّيلِ؛ فلِلمُصلِّي أن يُصلِّيَ سِتًّا وثَمانيًا بتَسليمةٍ واحدةٍ، قالَ الكاسانيُّ: والأصلُ في ذلك أنَّ النَّوافِلَ شُرِعَت تَبَعًا لِلفَرائِضِ، والتَّبَعُ لا يُخالِفُ الأصلَ، فلو زِيدَت على الأربَعِ في النَّهارِ لَخالَفَتِ الفَرائِضَ، وهذا هو القِياسُ في اللَّيلِ، إلا أنَّ الزِّيادةَ على الأربَعِ إلى الثَّمانِي، أو إلى السِّتِّ، عَرَفناهُ بالنَّصِّ، وهو ما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كانَ يُصلِّي باللَّيلِ خَمسَ رَكعاتٍ، تِسعَ رَكعاتٍ، إحدى عَشرَةَ رَكعةً، ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعةً.
стр. 1153
والثَّلاثُ مِنْ كلِّ واحدةٍ مِنْ هذه الأعدادِ الوِترِ، ورَكعَتانِ من ثَلاثَ عَشرَةَ: سُنَّةُ الفَجرِ، فيَبقَى رَكعَتانِ وأربَعٌ وسِتٌّ وثَمانٍ؛ فيَجوزُ إلى هذا القَدرِ بتَسليمةٍ واحدةٍ من غيرِ كَراهةٍ.
واختَلفَ المَشايخُ في الزِّيادةِ على الثَّمانِي بتَسليمةٍ واحدةٍ. قالَ بَعضُهُم: يُكرَهُ؛ لأنَّ الزِّيادةَ على هذا لم تُروَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقالَ بَعضُهم: لا يُكرَهُ، وإليه ذَهب الشَّيخُ الإمامُ الزَّاهِدُ السَّرَخسِيُّ ﵀ قالَ: لأنَّ فيه وَصلَ العِبادةِ بالعِبادةِ، فلا يُكرَهُ. وهذا يُشكِلُ بالزِّيادةِ على الأربَعِ في النَّهارِ، والصَّحيحُ أنَّه يُكرَهُ؛ لمَا ذكَرنا، وعليه عامَّةُ المَشايِخِ (١).
النَّوعُ الثاني: وهو ما يَرجِعُ إلى الوقتِ:
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا الذي يَرجِعُ إلى الوقتِ فيُكرَهُ التَّطوُّعُ في الأوقاتِ المَكروهةِ، وهي اثنا عَشَرَ، بَعضُها يُكرَهُ التَّطوُّعُ فيها لِمَعنًى في الوقتِ، وبَعضُها يُكرَهُ التَّطوُّعُ فيها لِمَعنًى في غيرِ الوقتِ.
أمَّا الذي يُكرَهُ التَّطوُّعُ فيه لمَعنًى يَرجِعُ إلى الوقتِ فثَلاثَةُ أوقاتٍ:
أحَدُها: ما بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ إلى أن ترتفِعَ وتَبيَضَّ.
والثاني: عندَ استِواءِ الشَّمسِ إلى أن تَزولَ.
والثالِثُ: عندَ تَغيُّرِ الشَّمسِ، وهو احمِرَارُها. واصفِرارُها إلى أن تَغرُبَ. وقد سبقَ بَيانُ ذلك في أوقاتِ النَّهيِ.
стр. 1154
وأمَّا الأوقاتُ التي يُكرَه فيها التَّطوُّعُ لمَعنًى في غيرِ الوقتِ؛ فمِنها: ما بعدَ طُلوعِ الفَجرِ إلى صَلاةِ الفَجرِ، وما بعدَ صَلاةِ الفَجرِ إلى طُلوعِ الشَّمسِ، وما بعدَ صَلاةِ العَصرِ إلى مَغِيبِ الشَّمسِ.
ومنها: ما بعدَ الغُروبِ؛ لأنَّ فيه تَأخيرَ المَغربِ، وأنَّه مَكروهٌ.
ومنها: ما بعدَ شُروعِ الإمامِ في الصَّلاةِ، وقبلَ شُروعِه بعدَما أخذَ المُؤذِّنُ في الإقامةِ يُكرَهُ التَّطوُّعُ في ذلك الوقتِ قَضاءً لِحقِّ الجَماعةِ.
ومنها: وقتُ الخُطبةِ يومَ الجمُعةِ؛ لأنَّها سَببٌ لِتَركِ استِماعِ الخُطبةِ.
ومنها: ما بعدَ خُروجِ الإمامِ لِلخُطبةِ يومَ الجمُعةِ قبلَ أن يَشتَغِلِ بها، وما بعدَ فَراغهِ منها قبلَ أن يَشرَعَ في الصَّلاةِ (ويُستَثنَى من ذلك تَحِيَّةُ المَسجدِ كما سَيَأتي إن شاءَ اللهُ).
ومنها: قبلَ صَلاةِ العِيدِ، يُكرَهُ التَّطَوعُ فيه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَتطَوَّع قبلَ العِيدَينِ (١) مع شِدَّةِ حِرصِه ﷺ على الصَّلاةِ؛ ولأنَّ المُبادَرةَ إلى صَلاةِ العِيدِ مَسنونةٌ، وفي الاشتِغالِ بالتَّطوُّعِ تَأخيرٌ، ولو اشتَغَلَ بأداءِ التَّطوُّعِ في بَيتِه يَقعُ في وقتِ طُلوعِ الشَّمسِ، وكِلاهُما مَكروهانِ (٢).
стр. 1155
الأوقاتُ المُستحَبَّةُ لِلنَّفلِ:
النَّوافِلُ المُطلَقَةُ تُشرَعُ في اللَّيلِ كلِّه، وفي النَّهارِ فيما دونَ أوقاتِ النَّهيِ، وتَطوُّعُ اللَّيلِ أفضَلُ من تَطوُّعِ النَّهارِ، قالَ الإمامُ أحمدُ: ليس عِندي أفضَلُ من قِيامِ اللَّيلِ، والنَّبيُّ ﷺ قد أُمر بذلكَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، ورَوى أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أَفضَلُ الصَّلاةِ بعدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيلِ» (١). وكانَ قِيامُ اللَّيلِ مَفروضًا، بدَليلِ قولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٣]، ثم نُسِخَ بقولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وأفضَلُ التَّهَجُّدِ جَوفُ اللَّيلِ الآخرِ، لمَا رَوى عَمرُو بنُ عَبسَةَ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ اللَّيلِ أسمَعُ؟ قالَ: «جَوفُ اللَّيلِ الآخرُ» (٢).
الشُّروعُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ:
ذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَنْ شرعَ في نَفلٍ لزِمه إتمامُه؛ لأنَّ المُؤدَّى عِبادةٌ، وإبطالُ العِبادةِ حَرامٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، فما أدَّاهُ وجبَ صِيانَتُه وحِفظُه عن الإبطالِ؛ لأنَّ العملَ صارَ حَقًّا للهِ تَعالى، ولا سَبيلَ إلى حِفظِهِ إلا بالتِزامِ البَقيَّةِ؛ فوجبَ الإتمامُ ضَرورةً.
стр. 1156
فإن خرَج منه بدُونِ عُذرٍ لَزِمهُ القَضاءُ وعليه الإثمُ والعِقابُ على تَركِه، وإن خرَج منه لِعُذرٍ، لَزِمهُ القَضاءُ (١).
وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ مَنْ خرَج مِنْ النَّفلِ بعُذرٍ، فلا قَضاءَ عليه، ومَن خرَج بغيرِ عُذرٍ، فعَلَيه القَضاء (٢).
وذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّه إذا شرعَ في النَّفلِ لم يَلزمهُ المُضِيُّ فيه، ولا يجبُ عليه القَضاءُ إذا لم يُتمَّه؛ لأنَّ النَّفلَ لمَّا شُرِعَ غيرَ لَازمٍ قبلَ الشُّروعِ وجبَ أن يَبقَى كذلك بعدَ الشُّروعِ؛ لأنَّ حَقيقةَ الشَّيءِ لا تَتغَيَّرُ بالشُّروعِ، ألَا تَرَى أنَّه بعدَ الشُّروعِ نَفلٌ، كما كانَ قبلَه، ولهذا يَتأدَّى بِنيَّةِ النَّفلِ، ولو أتَمَّه كانَ مُؤدِّيًا لِلنَّفلِ مُسقِطًا لِلوُجوبِ.
إلا أنَّهم صَرَّحوا بكَراهةِ الخُروجِ من النَّفلِ غيرَ الحَجِّ والعُمرةِ بلا عُذرٍ لِظَاهِرِ قولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولِلخُروجِ مِنْ خِلافِ مَنْ أوجَبَ إتمامَه.
قالَ السُّيوطيُّ ﵀: ليس لنا نَفلٌ مُطلَقٌ يُستحبُّ قَضاؤُه إلا مَنْ شرعَ في نَفلِ صَلاةٍ أو صَومٍ، ثم أفسَدَه؛ فإنَّه يُستحبُّ له قَضاؤُه (٣).
стр. 1157
وذَهب الحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ شرعَ في النَّفلِ يُستحبُّ له البَقاءُ فيه، وإن خرَج منه لا إثم عليه، ولا يجبُ عليه القَضاءُ، إلا أنَّه يُستحبُّ قَضاؤُه لِلخُروجِ مِنْ الخِلافِ.
إلا أنَّه قد رُويَ عن الإمامِ أحمدَ ما يدلُّ على أنَّ الصَّلاةَ تَلزَمُ بالشُّروعِ، فإنَّ الأثرَم قالَ: قُلتُ لِأبي عَبد اللهِ: الرَّجلُ يُصبِحُ صائِمًا مُتطوِّعًا، أيَكونُ بالخِيارِ، والرَّجلُ يَدخلُ في الصَّلاةِ له أن يَقطعَها؟ فقالَ: الصَّلاةُ أشَدُّ، أمَّا الصَّلاةُ فلا يَقطعها، قيلَ له: فإن قطعَها قَضاها؟ قالَ: إن قَضاها فليس فيه اختِلافٌ، ومالَ أبو إسحاقَ الجَوزَجَانِيُّ إلى هذا القولِ، وقالَ: الصَّلاةُ ذاتُ إحرامٍ وإحلالٍ، فلزِمت بالشُّروعِ فيها كالحَجِّ (١).
الأفضَلُ في عددِ الرَّكعاتِ في صَلاةِ التَّطوُّعِ:
ذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ وصَلاةَ النَّهارِ مَثنَى مَثنَى، يُسلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ منهما، وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدِ بنِ الحَسنِ من الحَنفيَّةِ في صَلاةِ اللَّيلِ.
وذلك لِما رُويَ عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «صَلاةُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ مَثنَى مَثنَى» (٢).
ولمَا رُويَ عن ابنِ عمرَ أيضًا قالَ: «حَفِظتُ من النَّبيِّ ﷺ
стр. 1158
عَشرَ رَكعاتٍ: رَكعتَينِ قبلَ الظُّهرِ، وَرَكعتَينِ بعدَها، وَرَكعتَينِ بعدَ المَغربِ في بَيتِه، وَرَكعتَينِ بعدَ العِشاءِ في بَيتِه، وَرَكعتَينِ قبلَ صَلاةِ الصُّبحِ، كانَت سَاعَةً لَا يُدخَلُ على النَّبيِّ ﷺ فيها» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قد ثَبت في كَونِ صَلاةِ النَّهارِ رَكعتَينِ ما لا يُحصَى مِنْ الأحاديثِ، وهي مَشهورةٌ في الصَّحيحِ، كحَديثِ: «رَكعتَينِ قبلَ الظُّهرِ، وَرَكعتَينِ بعدَه، وَكَذَا قبلَ العَصرِ، وَبعدَ المَغربِ وَالعِشاءِ». وَحَديثِ رَكعتَيِ الضُّحَى وتَحيَّةِ المَسجدِ ورَكعتَي الاستِخارةِ، ورَكعتَينِ إذا قَدِمَ مِنْ سَفرٍ، ورَكعتَينِ بعدَ الوُضوءِ، وغيرِ ذلك. اه (٢).
ولأنَّ صَلاةَ رَكعتَينِ رَكعتَينِ أبعَدُ مِنْ السَّهوِ، وأشبَه بصَلاةِ اللَّيلِ وتَطوُّعاتِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ الصَّحيحَ مِنْ تَطوُّعاتِه رَكعَتانِ.
إلا أنَّ الحَنابِلةَ قالوا: إن تطوَّعَ بأربَعٍ في النَّهارِ فلا بَأسَ (٣).
وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀: إلى أنَّ الأفضَلَ في صَلاةِ اللَّيلِ والنَّهارِ أن تَكُونَ أربَعًا أربَعًا. ووافَقَه صاحِباهُ في صَلاةِ النَّهارِ دونَ اللَّيلِ.
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ أفضَلِ التَّطوُّعِ، فأمَّا في النَّهارِ فأربَعٌ أربَعٌ في قولِ أصحابِنا … وأمَّا في اللَّيلِ فأربَعٌ أربَعٌ في قولِ أبي حَنيفَةَ،
стр. 1159
وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ مَثنَى مَثنَى، وهو قولُ الشافِعيِّ (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحاوِيُّ ﵀: ذَهب قَومٌ إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثنَى مَثنَى، ويسلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ، واحتَجوا بهذه الآثارِ، وخالَفَهم في ذلك آخَرونَ، فقالوا: أمَّا صَلاةُ النَّهارِ، فإن شِئتَ تُصَلِّي بتَكبيرةٍ مَثنَى مَثنَى تُسَلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ، وإن شِئتَ أربَعًا، وكَرِهُوا أن يَزيدَ على ذلك شَيئًا، واختَلَفوا في صَلاةِ اللَّيلِ، فقالَ بَعضُهُم: إن شِئتَ صلَّيتَ بتَكبيرةٍ رَكعتَينِ، وإن شِئتَ أربَعًا، وإن شِئتَ سِتًّا، وإن شِئتَ ثَمانيًا، وكَرِهُوا أن يَزيدَ على ذلك شَيئًا، وممَّن قالَ بذلكَ أبو حَنيفَةَ ﵀.
وقالَ بَعضُهُم: صَلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، ويسلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ، وممَّن قالَ بذلكَ أبو يُوسفَ ﵀، وأمَّا مَا ذكَرنا في صَلاةِ النَّهارِ فهو قولُ أبي حَنيفَةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ، ﵏ (٢).
واحتَجَّ أبو حَنيفةَ ﵀ بما رَواهُ عَبد اللهِ بنُ شَقيقٍ، قالَ: سألتُ عائِشةَ ﵂ عن صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في التَّطوُّعِ، فقالَت: «كانَ يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ أَربَعًا في بَيتِي … » الحَديثَ (٣).
وعن عائِشةَ ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي الضُّحَى أَربَعًا، وَيَزِيدُ ما شَاءَ اللهُ» (٤).
стр. 1160
وعنِ ابنِ عمرَ ﵄: «أَنَّه كانَ يُصلِّي بِاللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، وَيُصلِّي بِالنَّهَارِ أَربَعًا أَربَعًا، ثم يسلِّمُ» (١).
وحَديثُ أبي أيُّوبَ ﵁ عن الرَّسولِ ﷺ قالَ: «أَربَعُ رَكَعاتٍ قبلَ الظُّهرِ لا تَسلِيمَ فيهنَّ، يُفتَحُ لَهنَّ أَبوَابُ السَّمَاءِ» (٢).
وحُجَّتُه في صَلاةِ اللَّيلِ حَديثُ عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: «كانَ ﷺ يُصلِّي (في اللَّيلِ) أَربَعًا، فلا تَسأَل عن حُسنِهنَّ وَطُولِهنَّ، ثم يُصلِّي أَربَعًا فلا تَسأَل عن حُسنِهنَّ وَطُولِهنَّ، ثم يُصلِّي ثَلاثا» (٣). وكَلِمةُ: «كانَ»، عِبارةٌ عن العادةِ والمُواظَبةِ، وما كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُواظِبُ إلا على أفضَلِ الأعمالِ وأحَبِّها إلى اللهِ (٤).
إلا أنَّ الإمامَ الطَّحاويَّ ﵀ من الحَنفيَّةِ قد أخذَ بقولِ الجُمهورِ في أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، وعلَّق على الحَديثِ السابقِ بأنَّه قد رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّه كانَ يُسلِّمُ بينَ كلِّ اثنَتَينِ منهُنَّ، وهذا البابُ إنَّما يُؤخَذُ من جِهةِ التَّوقيفِ والاتِّباعِ لمَا فعلَ رَسولُ اللهِ ﷺ وأمرَ به، وفعلَه أصحابُه مِنْ بَعدِه، فلم نَجِد عنه مِنْ فِعلِه ولا مِنْ قولِه أنَّه أباحَ