وقالَ الحَنابلةُ: الألفاظُ التي يكونُ بها مُوليًا ثَلاثةُ أقسامٍ:
أحَدُها: ما هو صَريحٌ في الحُكمِ والباطِنِ، كلَفظِه الصَّريحِ نحوُ: «واللهِ لا أَنيكُكِ» أو قالَ: «لا أدخَلْتُ ذكَرِي في فَرجِكِ، أو لا غَيَّبتُ ذَكرِي في فَرجِكِ، أو لا أولَجْتُ ذَكرِي في فَرجِكِ، أو أدخَلْتُ، أو غَيَّبتُ، أو أولَجْتُ حشَفَتي في فَرجِكِ»، وكقَولِه للبِكرِ خاصَّةً دونَ الثَّيبِ: «لا افتَضَضتُكِ» فهذه صَريحةٌ، ولا يُديَّنُ إذا أرادَ بذلكَ غيرَ الإيلاءِ؛ لأنه لا يَحتملُ غيرَه ولا يُقبَلُ له فيه تأويلٌ.
القِسمُ الثاني: صَريحٌ في الحُكمِ دُونَ الباطِنِ، فيُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى، لكنْ لا يُقبَلُ قَولُه في الحُكمِ، وهو خَمسةَ عَشرَ لَفظًا: «واللهِ لا وطِئتُكِ، لا جامَعتُكِ، لا باضَعتُكِ، لا بعَلْتُكِ، لا باشَشتُكِ، لا غَشيتُكِ، لا مَضيتُ إليكِ، لا لمَستُكِ، لا افتَرشتُكِ، لا افتَضَضتُكِ -لمَن لا يَعرفُ مَعناه-، لا قَربتُكِ، لا أصَبتُكِ، لا أَتيتُكِ، لا مَسستُكِ، لا أوطَئتُكِ، لا اغتَسلْتُ منكِ»، فهذِه صَريحةٌ في الحُكمِ، فلو قالَ: «أردْتُ غيرَ الوَطءِ» دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ؛ لأنَّ لفْظَه يَحتملُه، ولم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنها تُستعمَلُ في الوَطءِ عُرفًا.
وقد ورَدَ الكِتابُ والسُّنةِ ببَعضِها، كقولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
стр. 10957
وأمَّا الوَطءُ والجِماعُ فهُمَا أشهَرُ الألفاظِ في الاستِعمالِ، والباقي قِياسًا عليهِ.
فلو قالَ: «أردْتُ بالوَطءِ الوَطءَ بالقَدمِ، وبالجِماعِ اجتِماعَ الأجسامِ، وبالإصابةِ الإصابةَ باليَدِ، وبالمُباضَعةِ التِقاءَ بِضعةٍ مِنْ البَدنِ بالبِضعةِ منه، وبالمُباشَرةِ مَسَّ المُباشِرِ، وبالمُباعَلةِ المُلاعَبةَ والاستِمتاعَ دونَ الفَرجِ، وبالمُقارَبةِ قُربَ بَدنِه منها، وبالمُماسَّةِ مَسَّ بَدنِها، وبالإتيانِ المَجيءَ، وبالاغتِسالِ الاغتِسالَ مِنْ الإنزالِ عن مُباشَرةٍ مِنْ قُبلةٍ أو جِماعٍ دونَ الفَرجِ» لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنه خِلافُ العُرفِ والظَّاهرِ، وفي الباطنِ إنْ كانَ صادِقًا فليسَ بمُولٍ.
القِسمُ الثالثُ مِنْ الألفاظِ: ما لا يَكونُ مُوليًا فيها إلا بالنِّيةِ، وهي باقي الألفاظِ ممَّا يَحتملُ الجِماعَ، فيَكونُ كِنايةً، وهو ما عَدا هذه الألفاظِ، كقَولِه: «واللهِ لا جمَعَ رأسِي ورأسَكِ مِخدَّةٌ، لا ساقَفَ رأسي رأسَكِ، لا ضاجَعتُكِ، لا دخَلْتُ عليكِ، لا دخَلْتِ عَليَّ، لا قَربْتُ فِراشَكِ، لا بِتُّ عندَكِ، لَأَسوءَنَّكِ، لَأَغيظَنَّكِ، لَتَطولَنَّ غَيبَتي عَنكِ، لا مَسَّ جِلدِي جلدَكِ، لا أَوَيتُ معَكِ، لا نِمتُ عِندكِ»، فهذه الألفاظُ إنْ أرادَ بها الجِماعَ كانَ مُوليًا، وإلا فلا؛ لأنها ليسَتْ بصَريحةٍ في الجِماعِ ولا ظاهِرةٍ فيه، فافتَقرَتْ إلى النَّيةِ ككِناياتِ الطلاقِ.
ومِن هذهِ الألفاظِ ما يَفتقِرُ إلى نيَّةِ الجِماعِ والمدَّةِ معًا، وهو:
стр. 10958
«لَأَسوءَنَّكِ، لَأَغيظَنَّكِ، لَتَطولَنَّ غَيبَتي عنكِ»، فلا يَكونُ مُوليًا بها حتى يَنويَ ترْكَ الجِماعِ في مدَّةٍ تَزيدُ على أربعةِ أشهُرٍ؛ لأنها مُجمَلةٌ، فلا تَتعيَّنُ للإيلاءِ إلا بذلكَ.
وسائرُ الألفاظِ يَكونُ مُوليًا بها بنيَّةِ الجِماعِ فقطْ، إلا أنْ يَنويَ أربعةَ أشهُرٍ فأقَلَّ.
وإنْ قالَ: «واللهِ لا أدخَلْتُ جَميعَ أو كُلَّ ذَكرِي في فَرجِكِ» لم يكنْ مُوليًا؛ لأنه يَخرجُ مِنْ وَطئِها بتَغييبِ الحشَفِة ولا حِنثَ، عَكسُ ما لو قالَ: «واللهِ لا أولَجْتُ حشَفَتي في فَرجِكِ»؛ لأنه لا يَخرجُ مِنْ الفَيئةِ بدونِ ذلكَ (١).
ويَصحُّ الإيلاءُ بكُلِّ لُغةٍ:
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُ الإيلاءُ بكُلِّ لُغةٍ مِنْ العَجَميةِ وغَيرِها ممَّن يُحسِنُ العرَبيةَ وممَّن لا يُحسِنُها؛ لأنَّ اليَمينَ تَنعقدُ بغيرِ العرَبيةِ وتَجبُ بها الكفَّارةُ، والمُولي هو الحالِفُ باللهِ على تَركِ وَطءِ زَوجتِه المُمتنِعُ مِنْ ذلكَ بيَمينِه، فإنْ آلَى بالعجَميةِ مَنْ لا يُحسِنُها وهو لا يَدري مَعناها لم يَكنْ مُوليًا وإنْ نَوى مُوجَبَها عندَ أهلِها، وكذلكَ الحُكمُ إذا
стр. 10959
آلَى بالعرَبيةِ مَنْ لا يُحسِنُها؛ لأنه لا يَصحُّ منه قَصدُ الإيلاءِ بلَفظٍ لا يَدري مَعناه، فإذا اختَلفَ الزوجانِ في مَعرفتِه بذلكَ فالقَولُ قَولُه إذا كانَ مُتكلِّمًا بغيرِ لسانِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ مَعرفتِه بها.
فأمَّا إنْ آلَى العرَبيُّ بالعرَبيةِ ثمَّ قالَ: «جرَى على لِساني مِنْ غيرِ قَصدٍ» أو قالَ ذلكَ العجَميُّ في إيلائِه بالعجَميةِ لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنه خِلافُ الظَّاهرِ (١).
المحلُوفُ على تَركِه إنَّما هو الجِماعُ في الفَرجِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في المُولي حتى يَصحَّ إيلاؤُه أنْ يَحلفَ على تَركِ الوَطءِ في الفَرجِ، فالمَحلوفُ على تَركِه إنَّما هو الجِماعُ في الفَرجِ، فإنْ حلَفَ على تَركِ الاستمتاعِ أو القُبلةِ أو غيرِها مِنْ أنواعِ الاستِمتاعِ أو حلَفَ على عَدمِ وَطئِها في الدُّبرِ بأنْ قالَ: «واللهِ لا وَطئتُكِ في الدُّبرِ» لم يَكنْ مُوليًا؛ لأنه لم يَتركِ الوَطءَ الواجِبَ عليهِ، ولا تَتضرَّرُ المَرأةُ بتَركِه، وإنَّما هو وَطءٌ مُحرَّمٌ، وقد أكَّدَ منْعَ نفسِه منه بيَمينِه (٢).
стр. 10960
الإيلاءُ في حالَةِ الرِّضا والغضَبِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الإيلاءَ يَصحُّ في حالِ الرِّضا والغضَبِ، وسَواءٌ قصَدَ الإضرارَ أم لا؛ لأنَّ نَصَّ الإيلاءِ الوارِدِ في قولِه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] لا يَفصِلُ بيْنَ حالٍ وحالٍ، ولأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ، فلا يَختلفُ حُكمُه بالرِّضا والغضَبِ كسائرِ الأَيمانِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وسواءٌ كانَ الإيلاءُ في حالِ الرِّضا أو الغضَبِ … عندَ عامَّةِ العُلماءِ وعامَّةِ الصَّحابةِ ﵃، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ نَصَّ الإيلاءِ لا يَفصلُ بينَ حالٍ وحالٍ، ولأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ فلا يَختلفُ حُكمُه بالرِّضا والغضَبِ … كسائرِ الأيمانِ (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: ويَصحُّ الإيلاءُ في حالِ الغضَبِ والرِّضا.
وحُكيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنه قالَ: «لا يَصحُّ في حالِ الرِّضا، وإنَّما يَصحُّ في حالِ الغضَبِ» …
دليلُنا: قَولُه تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآية، ولم يُفرِّقْ بينَ حالِ الرِّضا والغضَبِ (٢).
стр. 10961
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُشترطُ في الإيلاءِ الغضَبُ ولا قَصدُ الإضرارِ، رُويَ ذلكَ عنِ ابنِ مَسعودٍ، وبهِ قالَ الثَّوريُّ والشافعيُّ وأهلُ العِراقِ وابنُ المُنذِرِ، ورُويَ عن عَليٍّ ﵁: «ليسَ في إصلاحٍ إيلاءٌ»، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «إنَّما الإيلاءُ في الغضَبِ»، ونحوُ ذلكَ عنِ الحسَنِ والنخَعيِّ وقَتادةَ.
وقالَ مالكٌ والأوزاعيُّ وأبو عُبيدٍ: مَنْ حلَفَ لا يطَأُ زَوجتَه حتى تَفطِمَ ولَدَه لا يَكونُ إيلاءً إذا أرادَ الإصلاحَ لولَدِه.
ولنا: عُمومُ الآيةِ، ولأنه مانِعٌ نفسَه عَنْ جِماعِها بيَمينِه، فكانَ مُوليًا كحالِ الغضَبِ، يُحقِّقُه أنَّ حُكمَ الإيلاءِ يَثبتُ لحَقِّ الزوجةِ، فيَجبُ أنْ يَثبتَ سَواءٌ قصَدَ الإضرارَ أو لم يَقصدْ، كاستيفاءِ دُيونِها وإتلافِ مالِها، ولأنَّ الطلاقَ والظِّهارَ وسائرَ الأيمانِ سَواءٌ في الغضَبِ والرِّضا، فكذلكَ الإيلاءُ، ولأنَّ حُكمَ اليَمينِ في الكفَّارةِ وغَيرِها سَواءٌ في الغضَبِ والرِّضا، فكذلكَ في الإيلاءِ، وأمَّا إذا حلَفَ أنْ لا يطَأُها حتى تَفطِمَ ولَدَه فإنْ أرادَ وقتَ الفِطامِ وكانَتْ مدَّتُه تَزيدُ على أربعةِ أشهُرٍ فهو مُولٍ، وإنْ أرادَ فِعلَ الفِطامِ لم يَكنْ مُوليًا؛ لأنه مُمكِنٌ قبلَ الأربعةِ الأشهُرِ، وليسَ بمُحرَّمٍ ولا فيه تَفويتُ حقٍّ لها، فلَم يكنْ مُوليًا كما لو حلَفَ لا يطَؤُها حتى تَدخلَ الدارَ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإيلاءَ يَصحُّ في حالِ الغضَبِ إذا
стр. 10962
أرادَ إضرارَ الزوجةِ، فإنْ لم يَكنْ على وَجهِ الضَّررِ وكانَتْ يَمينُه على وَجهِ الإصلاحِ كالذي يَحلفُ أنْ لا يطَأَ امرأتَه حتى تَفطمَ ولَدَها أو حتى يَبرأَ مِنْ مرَضِه وما أشبهَ ذلكَ لم يَكنْ مُوليًا، وهو مَرويٌّ عن عَليٍّ ﵁ قالَ: «ليسَ في إصلاحٍ إيلاءٌ»، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «إنَّما الإيلاءُ في الغضَبِ» (١).
تَعليقُ الإيلاءِ وإضافتُه إلى وَقتٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صحَّةِ تَعليقِ الإيلاءِ على شَرطٍ؛ لأنه يَمينٌ، واليَمينُ تَقبلُ التَّعليقَ، فمَن قالَ لزَوجتِه: «إنْ دخَلتِ الدارَ، أو إنْ كلَّمْتِ زَيدًا، أو إنْ فعَلتِ كذا فواللهِ لا أطَؤُكِ، أو لا أُجامعُكِ» صارَ مُوليًا عندَ دُخولِ الدارِ، فتُضرَبُ له مدَّةُ الإيلاءِ مِنْ وقتِ الدُّخولِ، وهكذا في كلِّ تَعليقٍ.
وعلى هذا لا يُحسبُ الإيلاءُ ولا يُعتبَرُ الزوجُ مُوليًا قبلَ وُجودِ الشَّرطِ المُعلَّقِ عليهِ؛ وذلكَ لأنَّ التَّعليقَ يَجعلُ وُجودَ التصرُّفِ المُعلَّقِ مُرتبطًا بوُجودِ الشرطِ المُعلَّقِ عليهِ، فما لم تَدخلِ الدارَ في المِثالِ الأوَّلِ لا يَكونُ مُوليًا، فإنْ دخَلَتِ الدارَ صارَ مُوليًا مِنْ وَقتِ الدُّخولِ، وهكذا في المِثالِ الثَّاني، فما لم تُكلِّمْ زَيدًا لا يَكونُ مُوليًا، فإنْ كلَّمَتْه صارَ مُوليًا مِنْ وقتِ أنْ كلَّمَتْه (٢).
стр. 10963
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو قالَ لامرَأتِه: «إذا كانَ غَدٌ فواللهِ لا أقرَبُكِ، أو إذا قَدِمَ فُلانٌ فواللهِ لا أَقربُكِ» فهو مُولٍ مِنْ غَدٍ ومِن يَومِ يَقدمُ فُلانٌ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ علَّقَ الإيلاءَ بشَرطٍ يَتعلَّقُ بهِ بأنْ قالَ: «إنْ دخَلْت هذهِ الدارَ وإنْ كلَّمْت فُلانًا فواللهِ لا أَقربُكِ»، وكذا إذا أضافَه إلى الوَقتِ بأنْ قالَ: «إذا جاءَ غَدٌ فواللهِ لا أَقربُكِ، أو قالَ: «إذا جاءَ رأسُ شَهرِ كذا فواللهِ لا أَقربُكِ»؛ وإذا وُجدَ الشرطُ أو الوَقتُ فيَصيرُ مُوليًا، ويُعتبَرُ ابتداءُ المدَّةِ مِنْ وقتِ وُجودِ الشرطِ والوقتِ؛ لأنَّ الإيلاءَ يَمينٌ، واليَمينُ تَحتملُ التَّعليقَ بالشرطِ والإضافةَ إلى الوَقتِ كسائرِ الأيمانِ (٢).
وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: (ص) وإنْ تَعليقًا، (ش) قَدْ عَلمْتَ أنَّ التَّعاليقَ مِنْ بابِ الأَيمانِ على الصَّحيحِ لا مِنْ بابِ الالتِزامِ، فهو مُبالَغةٌ في صحَّةِ الإيلاءِ، والمَعنى أنه لا فرْقَ في لُزومِ الإيلاءِ بينَ أنْ يَكونَ مُنجَّزًا كقَولِه: «واللهِ لا أطؤُكِ لمُضيِّ خمسَةِ أشهُرٍ» مَثلًا، أو مُعلَّقًا كقَولِه: «واللهِ لا أطؤُكِ حتى أدخُلَ الدارَ» مَثلًا، وبعِبارة يَصحُّ أنْ يَكونَ مُبالَغةً في يَمينٍ وفي مَنعِ الوَطءِ في زَوجتِه؛ لأنَّ اليَمينَ تَكونُ مُنجَّزةً ومُعلَّقةً، ومَنعُ الوطءِ كذلكَ يكونُ في الحالِ ويَكونُ مُعلَّقًا، وكذلكَ الزوجةُ، أي: وإنْ كانَتِ اليَمينُ بمَنعِ
стр. 10964
الوَطءِ تَعليقًا -أي: ذاتَ تَعليقٍ- ك: «واللهِ لا أطؤُكِ إنْ دخَلتِ الدارِ»، أو وإنْ كانَ عَدمُ الوَطءِ تَعليقًا -أي مُعلَّقًا- ك: «واللهِ لا أطؤُكِ حتى تَسألِيني، أو تَأتِيني»، أو وإنْ كانَتِ الزوجةُ -أي: الزوجيةُ- تَعليقًا -أي: مُعلَّقةً- ك: «أنْ تَزوَّجْتُ فُلانةَ فواللهِ لا أطؤُها» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: فإنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فواللهِ لا وَطئتُكِ، أو إنْ دخَلتِ الدارَ فواللهِ لا وَطئتُكِ» لم يَصِرْ مُؤليًا حتى يُوجَدَ الشرطُ، ويُحتملُ أنْ يَصيرَ مُؤليًا في الحالِ عليها، وقالَ ابنُ أبي لَيلى وإسحاقُ: هو مُؤلٍ؛ لأنه حالِفٌ على تَركِ وَطئِها، وجَوابُه أنه يُمكِنُ وطؤُها بغَيرِ حِنثٍ، فلم يَكنْ مُؤليًا كما لو استَثنى في يَمينِه.
فرعٌ: إذا علَّقَه على فِعلٍ مُباحٍ لا مَشقَّةَ فيه كقَولِه: «واللهِ لا أطؤُكِ حتى تَدخُلي الدارَ» لم يكنْ مُؤليًا، بخِلافِ ما لو علَّقَه على مُحرَّمٍ كقَولِه: «واللهِ لا أطَؤكِ حتى تَشرَبي الخَمرَ أو أقتُلَ زَيدًا»؛ لأنه علَّقَه بمُمتنِعٍ شرعًا، أشبَهَ المُمتنِعَ حِسًّا، فإنْ علَّقَه على ما على فاعلِه فيه مَضرَّةٌ كقَولِه: «واللهِ لا أطؤُكِ حتى تُسقِطي صَداقَكِ عَنِّي، أو حتى تَكفُلِي وَلدِي» فهو مُؤلٍ؛ لأنَّ أخْذَه لِمالِها أو مالِ غيرِها عن غيرِ رِضا صاحِبِه مُحرَّمٌ، أشبَهَ شُربَ الخَمرِ، فإنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فواللهِ لا وَطئتُكِ، أو إنْ دخَلتِ الدارَ فواللهِ لا وَطئتُكِ» لم يَصرْ مُؤليًا في الحالِ؛ لأنه لا يَلزمُه في الوَطءِ حقٌّ حتى يُوجَدَ الشرطُ، ونصَرَه
стр. 10965
في «الشَّرح» وغيرِه؛ لأنه يَصيرُ مُؤليًا بالوَطءِ أو دُخولِ الدارِ؛ لأنها تَبقى يَمينًا بمَنعِ الوَطءِ على التَّأبيدِ، ويُحتملُ أنْ يَصيرَ مُؤليًا في الحالِ؛ لأنه لا يُمكِنُه الوَطءُ إلا بأنْ يَصيرَ مُؤليًا بالوَطءِ أو دُخولِ الدارِ فيَلحقُه بالوَطءِ ضَررٌ، أشبَهَ ما لو منَعَ نفسَه مِنْ وَطئِها في الحالِ في المدَّةِ المُعتبَرةِ، وجوابُه بأنه يُمكِنُه الوَطءُ مِنْ غَيرِ حِنثٍ، فلم يَكنْ مُؤليًا كما لو لم يَقلْ شَيئًا، وإنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فواللهِ لا أطؤُكِ» فأولَجَ الحشَفةَ ثمَّ زادَ حنَثَ بالزِّيادةِ، وقيلَ: لا، كمَن نَوى (١).
إذا قالَ الزَّوجُ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ»:
نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ على أنَّ الزوجَ إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» أنه مُولٍ.
قالَ الحَنفيةُ: إذا قالَ الزوجُ لزَوجتِه: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فهوَ مُولٍ؛ لأنه لا يَملكُ قُربانَها في المدَّةِ إلا بظِهارٍ يَلزمُه.
فعلى هذا: لو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» كانَ مُوليًا، إنْ ترَكَها أربعةَ أشهُرٍ بانَتْ بالإيلاءِ، وإنْ قَربَها في الأربعةِ الأشهُرِ لَزمَه الظِّهارُ، وإذا بانَتْ بالإيلاءِ ثمَّ تزوَّجَها فقَربَها فهو مُظاهِرٌ.
ولو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ حرامٌ» فإنْ نَوى الطلاقَ فهو مُولٍ
стр. 10966
عندَهم جَميعًا؛ لأنه إذا نَوى بهِ الطلاقَ فقَدْ جعَلَ الطلاقَ جَزاءً مانِعًا مِنْ القُربانِ، فيَصيرُ كأنهُ قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ طالقٌ»، ولو قالَ ذلكَ لَصارَ مُوليًا، كذا هذا.
وإنْ نَوى اليَمينَ فهو مُولٍ للحالِ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنه منَعَ نفسَه مِنْ قُربانِ امرَأتِه في المدَّةِ بما لا يَصلحُ مانِعًا وهو التَّحريمُ، وهو حَدُّ المُولِي، فيَصيرُ مُوليًا كما لو قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي».
وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: لا يَكونُ مُوليًا ما لم يَقربْها.
وجهُ قَولِهما: أنَّ قَولَه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» إذا نَوى بهِ اليَمينَ أو لا نيَّةَ له يَكونُ إيلاءً بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا، كأنهُ قالَ: «واللهِ لا أقرَبُكِ»، فصارَ الإيلاء مُعلَّقًا بالقُربانِ، كأنهُ قالَ: «إنْ قَربتُكِ فواللهِ لا أقرَبُكِ»، ولو قالَ ذلكَ لا يَكونُ مُوليًا حتى يَقربَها، كذا هذا (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ وَطئتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فإنه يُمنَعُ مِنْ وَطئِها أبَدًا؛ لأنَّ وطْأَه لها يُؤدِّي لوَطءِ المُظاهرِ مِنها، فإذا تَضرَّرتْ زَوجتَه رفعَتْ أمْرَها للقاضي، فيَضربُ له أجَلَ الإيلاءِ مِنْ يَومِ الحلِفِ، فإذا تمَّ الأجَلُ فلا تُطالِبُه بالفَيئةِ، وإنَّما تُطالِبُه بالطلاقِ أو تَبقى معَه بلا وَطءٍ.
وفائِدةُ ضَربِ الأجَلِ -معَ أنه مَمنوعٌ مِنها- احتِمالُ أنْ تَرضى بالإقامةِ معهُ بلا وَطءٍ.
стр. 10967
فإنْ تَجرَّأَ ووَطئَ انحَلَّ عنه الإيلاءُ ولَزمَتْه كفَّارةُ الظِّهارِ، فلا يَقربُها بعدَ ذلكَ حتى يُكفِّرَ، فإنِ امتَنعَ مِنْ الكفَّارةِ وتَضرَّرتْ بتَركِ الوطءِ طلّقَ عليهِ بالضَّررِ حالًا (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» متى يَكونُ مُظاهِرًا؟ أساعَةَ تَكلَّمَ بذلكَ أو حتى يطَأَ؟ (قال): هو مُولٍ في قَولٍ مالِكٍ حينَ تكلَّمَ بذلكَ، فإنْ وَطئَ سقَطَ الإيلاءُ عنه ولَزمَه الظِّهارُ بالوَطءِ، ولا يَقربُها بعدَ ذلكَ حتى يُكفِّرَ كفَّارةَ الظِّهارِ، فإنْ ترَكَها ولم يُكفِّرْ كفَّارةَ الظِّهارِ كانَ سَبيلُه سَبيلَ ما وَصفْتُ لكَ في قَولٍ مالِكٍ في المُظاهِرِ المُضارِّ، (قُلتُ): لمَ قالَ مالِكٌ: إذا ظاهَرَ مِنْ امرَأتِه فقالَ لها: «أنتِ عليَّ كظَهرٍ أمِّي» أنه مُولٍ إنْ ترَكَها ولم يُكفِّرْ كفَّارةِ الظِّهارِ وعُلِمَ أنه مُضارٌّ، وليس هذا بيَمينٍ؛ لأنه لم يَقلْ: «إنْ قَربتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي»، وإنما قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي»، فهذا لا يَكونُ يَمينًا، فلمَ جعَلَه مالِكٌ مُوليًا وجعَلَه يَمينًا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: لا يَكونُ مُوليًا حتى يُعلَمَ أنه مُضارٌّ، فإذا عُلِمَ أنه مُضارٌّ حُمِلَ مَحملَ الإيلاءِ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: كلٌّ يَمينٍ مَنعَتِ الجِماعَ فهي إيلاءٌ، وهذا الظِّهارُ إنْ لم يكنْ يَمينًا عندَ مالِكٍ فهو إذا كَفَّ عن الوَطءِ وهو يَقدرُ على الكفَّارةِ عُلمَ أنه مُضارٌّ، فلا بُدَّ أنْ يُحمَلَ مَحملَ المُولي (٢).
стр. 10968
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ الشافِعيُّ ﵀: إذا قالَ لامرَأتِه: «إنْ أصَبتُكِ فأنتِ عليَّ حَرامٌ» فإنْ نَوى بهِ الطلاقَ أو الظِّهارَ أو تَحريمَ عَينِها .. كانَ مُوليًا على قَولِه الجَديدِ، وإنْ قُلنا: إنه كِنايةٌ .. لم يَكنْ مُوليًا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ثمَّ قالَ: «نَويتُ إنْ أصَبتُكِ فأنتِ عليَّ حَرامٌ» .. فقدْ قالَ أكثَرُ أصحابِنا: لا يُقبَلُ منهُ في الحُكمِ، ويُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ ظاهِرَ لَفظِه يُوجِبُ الكفَّارةَ في الحالِ، فلمْ يُقبَلْ قَولُه فيما يَقتضي تأخيرَها، كما لَو قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ قالَ: «أرَدتُ إذا دخَلتِ الدارَ».
وقالَ ابنُ الصبَّاغِ: «يُقبَلُ قَولُه»؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا يُطالِبُ بها الحاكِمُ، فلا معنَى لإيجابِ ذلكَ في الحُكمِ وهو مُقِرٌّ بالإيلاءِ، فيَلزمُه حُكمُ إقرارِه، ويَثبتُ للمَرأةِ مُطالَبتُه بعدَ مدَّةِ التربُّصِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قالَ: «إنْ وَطئتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فقالَ أحمَدُ: لا يَقربُها حتى يُكفِّرَ، وهذا نصٌّ في تَحريمِها قبلَ التَّكفيرِ، وهو دليلٌ على تَحريمِ الوَطءِ في المَسألةِ التي قبلَها بطَريقِ التَّنبيهِ؛ لأنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا أعظَمُ تَحريمًا مِنْ المُظاهَرِ مِنها، وإذا وَطئَ هاهُنا فقدْ صارَ مُظاهِرًا مِنْ زَوجتِه وزالَ حُكمُ الإيلاءِ، ويُحتملُ أنَّ أحمَدَ إنما أرادَ: إذا وَطئَها مرَّةً فلا يَطؤُها حتى يُكفِّرَ؛ لكَونِه صارَ بالوطءِ مُظاهِرًا؛ إذْ لا يَصحُّ تَقديمُ الكفَّارةِ على الظِّهارِ؛ لأنه سبَبُها، ولا يَجوزُ تَقديمُ الحُكمِ على سَببِه، ولو كفَّرَ قبلَ الظِّهارِ لم
стр. 10969
يُجزِئْه، وقَد روى إسحاقُ قالَ: قلتُ لأحمَدَ فيمَن قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي إنْ قَربتُكِ إلى سَنةٍ» قالَ: إنْ جاءَتْ تَطلبُ فليسَ لهُ أنْ يَعضُلَها بعدَ مُضيِّ الأربعةِ الأشهُرِ، يُقالُ لهُ: إمَّا أنْ تَفيءَ وإمَّا أنْ تُطلِّقَ، فإنْ وَطئَها فقدْ وجَبَ عليهِ كفَّارةٌ، وإنْ أبَى وأرادَتْ مُفارَقتَه طلَّقَها الحاكِمُ عليهِ، فيَنبغي أنْ تُحمَلَ الرِّوايةُ الأُولى على المَنعِ مِنْ الوَطءِ بعدَ الوطءِ الذي صارَ بهِ مُظاهِرًا؛ لِمَا ذكَرْناه، فتكونُ الرِّوايتانِ متَّفقتَينِ، واللهُ تعالى أعلَمُ (١).
عِدةُ المولى مِنها:
قالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ ﵀: المَسألةُ الثَّامنةُ: وأمَّا هلْ تَلزمُ الزوجةَ المُولى مِنها عدَّةٌ أو ليسَ تَلزمُها؟
فإنَّ الجُمهورَ على أنَّ العدَّةَ تَلزمُها، وقالَ جابِرُ بنُ زَيدٍ: لا تلزَمُها عدَّةٌ إذا كانَتْ قد حاضَتْ في مدَّةِ الأربعةِ الأشهُرِ ثَلاثَ حِيَضٍ، وقالَ بقَولِه طائِفةٌ، وهو مَرويٌّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وحُجَّتُه أنَّ العدَّةَ إنَّما وُضعَتْ لبَراءةِ الرَّحمِ، وهذهِ قد حَصلَتْ لها البَراءةُ.
وحُجَّةُ الجُمهورِ أنها مُطلَّقةٌ، فوجَبَ أنْ تعتَدَّ كسائرِ المُطلَّقاتِ.
وسبَبُ الخِلافِ أنَّ العدَّةَ جمَعَتْ عِبادةً ومَصلحةً، فمَن لَحظَ جانِبَ المَصلحةِ لم يَرَ عليها عدَّةً، ومَن لَحظَ جانِبَ العِبادةِ أوجَبَ عليها العدَّةَ (٢).
يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣].
وأمَّا السُّنةُ: فإنَّ آياتِ الظِّهارِ نزَلَتْ في خُويلةَ بنتِ مالكِ بنِ ثَعلبةَ، قالَتْ: ظاهَرَ مِنِّي زَوجِي أَوْسُ بنُ الصَّامِتِ، فجِئتُ رسولَ اللهِ ﷺ أشكُو إليهِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ يُجادِلُني فيهِ ويَقولُ: «اتَّقِي اللهَ، فإنه ابنُ عَمِّكِ»، فما بَرِحْتُ حتى نزَلَ القُرآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى الفَرْضِ، فقالَ: «يُعتِقُ رَقبةً»، قالَتْ: لا يَجدُ، قالَ: «فيَصومُ شَهرَينِ مُتتابعَينِ»، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنه شَيخٌ كَبيرٌ ما به مِنْ صِيامٍ، قالَ: «فلْيُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، قالَتْ: ما عندَه مِنْ شيءٍ يَتصدَّقُ به، قالَتْ: فأُتِيَ ساعتَئذٍ بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ فإنِّي أُعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «قد أحسَنْتِ، اذهَبي فأَطعِمي بها عنهُ ستِّينَ مِسكِينًا وارجِعِي إلى ابنِ عَمِّكِ» (١).
وعن سَلمةَ بنِ صَخرٍ قالَ: «كنتُ امْرأً أُصيبُ مِنْ النِّساءِ ما لا يُصيبُ غَيرِي، فلمَّا دخَلَ شَهرُ رَمَضانَ خِفتُ أنْ أُصيبَ مِنْ امرَأتي شيئًا يُتابَعُ بي حتى أُصبحَ، فظاهَرْتُ منها حتى يَنسلخَ شَهرُ رَمضانَ، فبَيْنا هي تَخدُمُني
стр. 10976
ذاتَ لَيلةٍ إذْ تَكشَّفَ لي منها شَيءٌ، فلَم ألبَثْ أنْ نَزَوْتُ عليها، فلمَّا أصبَحْتُ خَرَجْتُ إلى قَومي فأخبَرتُهُم الخبَرَ وقُلتُ: امشُوا مَعي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالوا: لا واللهِ، فانطلَقْتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبَرتُه فقالَ: «أنتِ بذاكَ يا سَلمةُ؟» قلتُ: أنا بذاكَ يا رسولَ اللهِ، مَرَّتَينِ، وأنا صابرٌ لأمرِ اللهِ، فاحكُمْ فِيَّ ما أراكَ اللهُ، قالَ: «حَرِّرْ رَقبةً»، قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أملِكُ رَقَبةً غيرَها، وضرَبْتُ صَفحةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتتابعَينِ»، قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ ستِّينَ مِسكينًا»، قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ لقدْ بِتنَا وَحِشَينِ ما لنا طَعامٌ، قالَ: «فانطلِقْ إلى صاحِبِ صدَقةِ بنِي زُرَيقٍ فلْيَدفعْها إليكَ فأَطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا وَسقًا من تَمرٍ وكُلْ أنتَ وعِيالُكَ بقِيَّتَها»، فرجَعْتُ إلى قَومي فقُلتُ: وجَدْتُ عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأيِ، ووَجَدتُ عندَ النبيِّ ﷺ السَّعةَ وحُسنَ الرَّأيِ، وقد أمَرَني أو أمَرَ لي بصَدقَتِكُم» (١).
стр. 10977
أركانُ الظِّهارِ:
للظِّهارِ أربَعةُ أركانٍ:
١ - مُظاهِرٌ. ٢ - ومُظاهَرٌ مِنها. ٣ - وصِيغةٌ. ٤ - ومُشَبَّهٌ به.
الرُّكنُ الأولُ: المُظاهِرُ: وهو الزوجُ:
يَصحُّ الظِّهارُ مِنْ كلِّ زَوجٍ يَصحُّ طَلاقُه، فيَصحُّ مِنْ البالغِ العاقِلِ المُختارِ ولو هازِلًا باتِّفاقِ الفُقهاءِ.
ومَن لا يَصحُّ طَلاقُه لا يَصحُّ ظِهارُه كالطِّفلِ والزَّائلِ العَقلِ بجُنونٍ أو إغماءٍ أو نَومٍ أو غَيرهِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ في هذا خِلافًا (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في ظِهارِ الذِّميِّ والصَّغيرِ والمُكرَهِ والسَّكرانِ، هل يَصحُّ منهُم أم لا؟ على التَّفصيلِ التَّالي:
стр. 10978
أولاً: ظِهارُ الذِّميِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ظاهَرَ الذِّميُّ ثمَّ أسلَمَ، هل يَلزمُه الظِّهارُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنه لا يَصحُّ الظِّهارُ مِنْ الذِّميِّ كما لا يَلزمُه كلُّ يَمينٍ كانَتْ مِنْ طَلاقٍ أو عِتاقٍ أو صَدقةٍ أو نَذرٍ أو شَيءٍ مِنْ الأشياءِ إذا أَسلَمَ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، والخِطابُ للمُؤمنِينَ، فيَدلُّ على اختِصاصِ الظِّهارِ بالمُؤمنينَ، وليسَ الكافِرُ مِنَّا، فخرَجَ مِنْ حُكمِ الظِّهارِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فجعَلَه بالظِّهارِ قائلًا مُنكَرًا وزُورًا، والكافِرُ قائلٌ بالشِّركِ وجَحدِ النُّبوَّةِ وهو أعظَمُ وأغلَظُ، ثمَّ قالَ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢]، والكافرُ لا يَتوجَّهُ مثلُ هذا الخِطابِ إليهِ، ثمَّ أمَرَ المُظاهِرَ بالكفَّارةِ، وهي عِتقُ رَقبةٍ، وهي لا تَصحُّ مِنْ الكافرِ؛ لأنَّ الرَّقبةَ التي يُعتقُها يَجبُ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً، والكافرُ لا يَملكُ عَبدًا مُسلمًا.
ثمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، والصَّومُ لا يَصحُّ مِنْ الكافِرِ، فدَلَّتْ هاتانِ الآيَتانِ على خُروجِ الكافرِ مِنها.
ولأنَّ التكفيرَ لا يَصحُّ منه، فلا يَصحُّ الظِّهارُ، والدَّليلُ على أنَّ التكفيرَ لا يَصحُّ منه مع ما تَقدَّمَ ذِكرُه مِنْ الآيةِ بأنها عِبادةٌ تَفتقرُ إلى النِّيةِ، فلم تَصحَّ مِنْ الكافرِ كالزَّكاةِ، ولأنَّ التكفيرَ تَغطيةٌ للذَّنبِ وإسقاطٌ للمَأثمِ، وهذا لا يَصحُّ مِنْ الكافرِ، ولأنَّ مَنْ لم يَصحَّ منه التكفيرُ لم يَصحَّ منه الظِّهارُ كالمَجنونِ.
стр. 10979
ولأنَّ المَقصودَ بالكفَّارةِ التكفيرُ والتَّطهيرُ، والكافرُ ليسَ بأهلٍ له، وما فيهِ مِنْ الشِّركِ أعظَمُ مِنْ الظِّهارِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الظِّهارَ يَصحُّ مِنْ الكافرِ كما يَصحُّ مِنْ المُسلمِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، ومِن الآيةِ دَليلانِ:
أحَدُهما: عُمومُها المُنطلِقُ على المُسلمِ والكافرِ.
والثَّاني: قَولُه تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [المجادلة: ٤]، وتَوجُّهُ ذلكَ إلى الكافرِ في ابتِداءِ الإيمانِ أخَصُّ مِنْ تَوجُّهِه إلى المُسلمِ في استِدامةِ الإيمانِ، فكانَ أسوَأُ الأحوالِ أنْ يَكونَا فيها سَواءً.
ولأنَّ الظِّهارَ طلاقٌ نُقلَ إلى غَيرِه، فصَحَّ مِنْ المُسلمِ والكافرِ كالإيلاءِ، ولأنَّ مَنْ صحَّ طَلاقهُ صَحَّ ظِهارُه كالمُسلمِ، ولأنَّ ما صَحَّ مِنْ المُسلمِ في زَوجتِه صحَّ مِنْ الكافرِ كالطلاقِ، ولأنَّ الأحكامَ المُختصَّةَ بالنكاحِ خَمسةٌ: الطلاقُ والظِّهارُ والإيلاءُ والعدَّةُ والنَّسبُ، فلمَّا تَساوَى المُسلمُ والكافرُ في سائرِها وجَبَ أنْ يُساويَه في الظِّهارِ.
стр. 10980
ولا نُسلِّمُ أنَّ التكفيرَ لا يَصحُّ منه؛ فإنه يَصحُّ منهُ العِتقُ والإطعامُ، وإنَّما لا يَصحُّ منهُ الصَّومُ، فلا تَمتنعُ صحَّةُ الظِّهارِ بامتِناعِ بعضِ أنواعِ الكفَّارةِ كما في حَقِّ العَبدِ، والنِّيةُ إنَّما تُعتبَرُ لتَعيينِ الفِعلِ للكفَّارةِ، فلا يَمتنعُ ذلكَ في حَقِّ الكافرِ كالنِّيةِ في كِناياتِ الطلاقِ، فعلى المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ: يُكفِّرُ بالإطعامِ فقطْ، وقيلَ: وبالعِتقِ (١).
ثانيًا: ظِهارُ الصَّبيِّ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصَّبيَّ غيرَ المُميِّزِ لا يَصحُّ ظِهارُه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في حُكمِ ظِهارِ الصَّبيِّ العاقِلِ المُميِّزِ، هل يَصحُّ منه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ اختارَه الإمامُ ابنُ قُدامةَ وغيرُه إلى أنه لا يَصحُّ ظِهارُ الصَّبيِّ وإنْ كانَ عاقلًا؛ لأنَّ الظِّهارَ مِنْ التصرُّفاتِ الضارَّةِ المَحضةِ عندَ الحَنفيةِ، فلا يَملِكُه الصَّبيُّ كما لا يَملكُ الطلاقَ والعِتاقَ وغيرَهُما مِنْ التصرُّفاتِ التي هي ضارَّةٌ مَحضةٌ (٢).
стр. 10981
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنَّ ظِهارَ الصَّبيِّ غيرُ صَحيحٍ؛ لأنها يَمينٌ مُوجِبةٌ للكفَّارةِ، فلَم تَنعقدْ منه كاليَمينِ باللهِ تَعالى، ولأنَّ الكفَّارةَ وَجبَتْ لِمَا فيه مِنْ قَولِ المُنكَرِ والزُّورِ، وذلكَ مَرفوعٌ عنِ الصَّبيِّ؛ لكَونِ القَلمِ مَرفوعًا عنهُ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ -وهو مِنْ مُفرَداتِ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ- إلى أنه يَصحُّ الظِّهارُ مِنْ الصَّبيِّ المُميِّزِ؛ لأنه يَصحُّ طَلاقُه (٢).
ثالثًا: ظِهارُ المكرَهِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ ظِهارِ المُكرَهِ، هل يَصحُّ أم لا؟ وهذا مَبنيٌّ على صحَّةِ طلاقِه.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ ظِهارُه كما لا يَصحُّ طَلاقُه؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «رُفعَ عن أُمَّتي الخَطأُ والنِّسيانُ وما استُكرِهُوا عليهِ» (٣).
стр. 10982
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ ظِهارَ المُكرَهِ، أيلزَمُ في قَولِ مالِكٍ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: لا يَلزَمُ المُكرَهَ الطلاقُ، فكذلكَ الظِّهارُ عندِي لا يَلزمُه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّهُ يَصحُّ ظِهارُ المُكرَهِ كما يَصحُّ طَلاقُه.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: كَونُه طائِعًا أو عامِدًا ليسَ بشَرطٍ عندَنا، فيَصحُّ ظِهارُ المُكرَهِ والخاطئِ كما يَصحُّ طَلاقُهما (٢).
رابعًا: ظِهارُ السَّكرانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ ظِهارِ السَّكرانِ، هل يَصحُّ منهُ أم لا؟
وهوَ على الخِلافِ في الطلاقِ، فمَن يُوقِعُ طلاقَه يُوقِعُ ظِهارَه، ومَن لا فلا.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ ظِهارُ السَّكرانِ كما يَصحُّ طَلاقُه.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: ظِهارُ السَّكرانِ:
(قلتُ): أرَأيتَ ظِهارَ السَّكرانِ مِنْ امرَأتِه، أيَلزمُه الظِّهارُ في قَولِ مالكٍ؟
стр. 10983
(قالَ): قالَ مالكٌ: يَلزمُ السَّكرانَ الطلاقُ، فكذلكَ الظِّهارُ عندِي هو لازِمٌ له؛ لأنَّ الظِّهارَ إنَّما يَجُرُّ إلى الطلاقِ (١).
وذهَبَ الشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنه لا يَصحُّ ظِهارُ السَّكرانِ (٢).
وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ في حُكمِ طَلاقِ السَّكرانِ في كتابِ الطلاقِ.
стр. 10984
الرُّكنُ الثاني: المظاهَرُ مِنها: وهي زَوجةٌ يَصحُّ طَلاقُها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَصحُّ الظِّهارُ مِنْ كُلِّ زَوجةٍ يَصحُّ طَلاقُها، سَواءٌ كانَتْ صَغيرةً أو كَبيرةً، مُسلِمةً كانَتْ أو ذمِّيةً، يُمكِنُ وَطؤُها أو غَيرُ مُمكِنٍ، صَحيحةً أو مَريضةً، ولو كانَتْ رَجعيَّةً؛ لأنها زَوجةٌ يَصحُّ طَلاقُها، فصَحَّ الظِّهارُ مِنها كغيرِها (١).
واختَلفوا في الظِّهارِ مِنْ الأجنَبيةِ.
الظِّهارُ مِنْ الأجنَبيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الظِّهارِ مِنْ الأجنَبيةِ، كمَن قالَ لامرَأةٍ أجنَبيةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي»، هل يَصحُّ أنْ يَكونَ ظِهارًا فإذا تَزوَّجَها يَلزمُه كفَّارةُ الظِّهارِ؟ أم لا يَصحُّ ولا يَلزمُه كفَّارةٌ إذا تَزوَّجَها؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرَأةٍ أجنَبيةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» صَحَّ ظِهارُه، فإذا تَزوَّجَها يَلزمُه كفَّارةُ الظِّهارِ.
قالَ الحَنفيةُ: إنْ قالَ لأجنَبيةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فإذا تَزوَّجَها صارَ مُظاهِرًا؛ لوُجودِ الإضافةِ إلى سَببِ المِلكِ؛ لأنَّ الظِّهارَ
стр. 10985
يَحتملُ التَّعليقَ بالشرطِ كالطلاقِ، فيَصحُّ إضافتُه إلى المِلكِ، والمُعلَّقُ بالشرطِ عندَ وُجودِ الشرطِ كالمُنجَّزِ.
ولو قالَ لأجنَبيةٍ: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» لا يقَعُ الظِّهارُ، حتى لو تَزوَّجَها فدخَلَتِ الدارَ لا يَصيرُ مُظاهِرًا بالإجماعِ؛ لعَدمِ المِلكِ والإضافَة إلى سَببِ المِلكِ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى» فيمَن قالَ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي وأنتِ طالقٌ»:
(قلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ رَجلٌ لامرَأةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي وأنتِ طالقٌ»، أو قالَ لها: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي وأنتِ طالقٌ إنْ تَزوَّجتُكِ»، أيَكونُ هذا سَواءً في قَولِ مالكٍ؟ وما يَلزمُ الزوجَ مِنْ هذا الظِّهارِ وهذا الطلاقِ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ في الرَّجلِ يَقولُ في المرأةِ: «إنْ تَزوَّجتُها فهيَ طالِقٌ وهيَ عليَّ كظَهرِ أمِّي» أنه إنْ تَزوَّجَها
стр. 10986
وقَعَ عليه الظِّهارُ والطلاقُ جَميعًا، فإنْ تزوَّجَها بعدَ ذلكَ لم يَقربْها حتى يُكفِّرَ كفَّارةَ الظِّهارِ؛ لأنَّ ا لظهارَ والطلاقَ وقَعَا جَميعًا معًا في الوجهَينِ، وإنَّما تَكلَّمَ مالكٌ في الذي يَقولُ لامرأةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالقٌ وأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» أنه إنْ تَزوَّجَها وقَعَ عليهِ الطلاقُ والظهارُ جَميعًا، والذي قدَّمَ الظهارَ أَبيَنُ عندِي (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يَصحُّ الظِّهارُ مِنْ الأجنَبيةِ، ولا يَطؤُها إذا تَزوَّجَها حتى يُكفِّرَ، فإنْ قالَ لأجنَبيةٍ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» أو قالَ لأجنَبيةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» لمْ يَطأْها إنْ تَزوَّجَها حتى يُكفِّرَ كفَّارةَ الظهارِ؛ لأنه إذا تزوَّجَها تَحقَّقَ معنَى الظهارِ فيها، وحيثُ كانَ كذلكَ امتُنعَ وَطؤُها قبلَ التكفيرِ؛ لقَولِ عُمرَ ﵁ في رَجلٍ قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةَ فهي عليَّ كظَهرِ أمِّي» ثمَّ تزوَّجَها، قالَ: «عليهِ كفَّارةُ الظهارِ» (٢)، ولأنها يَمينٌ مُكفّرةٌ فصَحَّ عَقدُها قبلَ النكاحِ كاليَمينِ باللهِ تعالى، والآيةُ خرَجَتْ مَخرجَ الغالبِ (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الظهارَ لا يَصحُّ في الأجنَبيةِ، فيُشترطُ لصحَّتِه أنْ يَكونَ على زَوجةٍ، والأجنَبيةُ ليسَتْ بزَوجةٍ، فإذا قالَ لأجنَبيةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فتَزوَّجَها لم يَقعْ عليه ظِهارٌ ولا تَلزمُه الكفَّارةُ؛ لأنَّ الظهارَ تبَعٌ في الطلاقِ في الثُّبوتِ والنَّفيِ (٤).
стр. 10987
الرُّكنُ الثالِثُ: الصِّيغةُ:
الظِّهارُ لا يقَعُ إلا بصِيغةٍ، وهذه الصِّيغةُ إمَّا أنْ تكونَ صَريحةً أو كِنايةً، والصيغةُ إما أنْ تقَعَ مُنجَّزةً أو مُعلَّقةً أو مُضافةً.
أولاً: صَريحُ الظِّهارِ وكِنايتُه:
أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» كانَ مُظاهِرًا، وأنَّ هذا اللفظَ صَريحٌ في الظهارِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ صَريحَ الظِّهارِ أنْ يَقولَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» (١).
وقَد ذكَرَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ صِيَغًا صَريحةً في الظِّهارِ لا تَفتقرُ إلى نيَّةٍ، وصِيغَ كِناياتٍ تَفتقرُ إلى نيَّةٍ، فإنْ نَوى بها الظهارَ صارَ مُظاهِرًا، وإنْ لم يَنوِ بها فلا يَكونُ مُظاهِرًا كما في سائرِ الكِناياتِ.
قالَ الحَنفيةُ: الصِّيغةُ -وهي رُكنُ الظِّهارِ عندَهم-: أنْ يَقولَ الرَّجلُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، أو كبَطنِ أمِّي، أو كفَخذِها، أو كفَرجِها» فهو مُظاهِرٌ، وكذا إذا شبَّهَها بعُضوٍ مِنْ أمِّه لا يَجوزُ النَّظرُ إليه فهو كتَشبيهِه بظَهرِها، وكذلكَ إذا شبَّهَها بمَن لا يَحلُّ له مُناكَحتُها على التأبيدِ مِنْ ذَواتِ مَحارمِه مثلَ أُختِه أو عمَّتِه أو أمِّه مِنْ الرَّضاعةِ أو أُختِه مِنْ الرَّضاعةِ؛ لأنهنَّ حَرامٌ على التأبيدِ.
стр. 10988
وإذا قالَ لها: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّكِ» كانَ مُظاهِرًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أم لا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ ابنَتِكِ» إنْ كانَتْ مَدخولًا بها كانَ مُظاهِرًا، وإلا فلا.
وكذا إذا شبَّهَها بامرأةِ أبيه أو امرَأةِ ابنهِ كانَ مُظاهِرًا؛ لأنهُما حَرامٌ عليه على التأبيدِ.
وكذا إنْ قالَ: «رأسُكِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو فَرجُكِ، أو وَجهُكِ، أو بَدنُكِ، أو رَقبتُكِ، أو نِصفُكِ، أو ثُلثُكِ، أو عُشرُكِ» كانَ مُظاهِرًا؛ لأنه يُعبَّرُ بهذهِ الأشياءِ عن جَميعِ البَدنِ.
وإنْ شبَّهَها بامرأةٍ مُحرَّمةٍ عليه في الحالِ وهي تَحلُّ له في حالٍ آخَرَ مثلَ أُختِ امرَأتِه أو امرأةٍ لها زَوجٌ أو مَجوسيَّةٍ لم يَكنْ مُظاهِرًا، وكذا إنْ شبَّهَها بامرأةٍ فُرِّقَ بينَه وبينَها بلِعانٍ لا يَكونُ مُظاهرًا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ مثلُ أمِّي، أو كأمِّي» رُجعَ إلى نيَّتِه عندَ أبي حَنيفةَ، فإنْ أرادَ الإكرامَ فليسَ بشَيءٍ، وإنْ أرادَ الطلاقَ أو الظِّهارَ فهو كما نَوى، وإنْ أرادَ التَّحريمَ فهو إيلاءٌ.
وقالَ أبو يُوسفَ: هو تَحريمٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ التَّشبيهِ التَّحريمُ، وأدناهُ الإيلاءُ.
وقالَ مُحمدٌ: هو ظِهارٌ.
стр. 10989
وليسَ كذلكَ إذا قالَ: «أنتِ عَليَّ كفَرجِ أمِّي»؛ لأنَّ التَّشبيهَ بالكَرامةِ لا يَكونُ بالفَرجِ، فلم يَبقَ إلا التحريمُ.
وإنْ قالَ: «أردْتُ الظِّهارَ» فهو ظِهارٌ؛ لأنه تَشبيهٌ بجَميعِها وفيه تَشبيهٌ بالظَّهرِ، لكنَّه ليسَ بصَريحٍ فيَفتقرُ إلى النِّيةِ.
وإنْ قالَ: «أردْتُ الطلاقَ» فهو طلاقٌ بائِنٌ؛ لأنه تَشبيهٌ بالأمِّ في التحريمِ، فكأنهُ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ونَوى الطلاقَ.
وإنْ لم يَكنْ له نيَّةٌ فليسَ بشَيءٍ، هذا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ؛ لأنه يَحتملُ الحَملَ على الكَرامةِ، فلم يَكنْ ظِهارًا.
وقالَ مُحمدٌ: يَكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ التشبيهَ بعُضوٍ مِنها لمَّا كانَ ظِهارًا فالتَّشبيهُ بجَميعِها أَولى.
وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ كأمِّي» ونَوى ظِهارًا أو طَلاقًا فهو على ما نَوى؛ لأنه يَحتملُ الظِّهارَ لمَكانِ التَّشبيهِ، ويَحتملُ الطلاقَ لمَكانِ التَّحريمِ، وإنْ نَوى التحريمَ لا غيرَ كانَ ظِهارًا أيضًا، وإنْ لم يَكنْ له نيَّةٌ فعلى قَولِ أبي يُوسفَ يَكونُ إيلاءً، وعلى قَولِ مُحمدٍ ظِهارًا.
وإنْ قالَ: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ كظَهرِ أمِّي» فهو ظِهارٌ عندَ أبي حَنيفةَ، سَواءٌ نَوى ظِهارًا أو إيلاءً أو طلاقًا أو تَحريمًا مُطلَقًا أو لم يَنوِ شَيئًا؛ لأنه صَريحٌ في الظِّهارِ، فلا يَحتملُ غيرَه.
стр. 10990
وعندَهُما: إنْ نَوى طلاقًا فهو طَلاقٌ، وإنْ قالَ: «أنتِ أمِّي» فهو كَذبٌ (١).
الصِّيغةُ عندَ المالِكيةِ: صِيغةُ الظِّهارِ الدَّالةُ عليهِ: وهيَ إمَّا صَريحةٌ فيه، وإمَّا كِنايةٌ، والكِنايةُ إما ظاهِرةٌ لا تَنصرفُ عنه إلا بنيَّةٍ، وإما خَفيةٌ لا تُعتبَرُ فيه إلا بنيَّةٍ.
فصَريحُ الظِّهارِ -أي: صَريحُ اللَّفظِ الدَّالُ عليه بالوَضعِ الشَّرعيِّ بلا احتِمالِ غيرِه- بلَفظِ ظَهرِ امرأةٍ مُؤبَّدٍ تَحريمُها بنَسبٍ أو رِضاعٍ أو صِهرٍ، فلا بُدَّ في الصريحِ مِنْ الأمرَينِ، أي: ذِكرُ الظَّهرِ ومُؤبَّدةُ التحريمِ، ك: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أُختي مِنْ الرِّضاعِ، أو أمِّكِ».
ولا يَنصرفُ صَريحُ الظِّهارِ للطلاقِ إنْ نَوى الطلاقَ، فمَن قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» ونحوه ونَوى بهِ الطلاقَ فلا يَنصرفُ إلى الطلاقِ ولو قالَ: «أردْتُ بهِ الطلاقَ ولم أُرِدْ به الظِّهارَ»؛ لأنَّ صَريحَ كلِّ بابٍ لا يَنصرفُ لغَيرِه، ولا يُؤاخَذُ بالطلاقِ معَ الظهارِ لا في الفَتوى ولا القَضاءِ على المَشهورِ مِنْ المَذهبِ.
وكِنايتُه الظاهِرُة: وهي ما سقَطَ فيهِ أحَدُ اللَّفظَينِ -أي: لَفظُ ظَهرٍ أو لفظُ مُؤبَّدةِ التَّحريمِ-، فالأولُ نحوُ: «أنتِ كأمِّي، أو أنتِ أمِّي» بحَذفِ أداةِ
стр. 10991
التشبيهِ فهو ظِهارٌ، إلا لقَصدِ كَرامةٍ، أي: «أنتِ مِثلُها في المَنزلةِ والتَّكريمِ عِندي» ونَحوها كالشَّفقةِ والحَنانِ مِنها، وكذا إنْ كنَّى به عنِ الإهانةِ والتَّوبيخِ فلا يَكونُ ظِهارًا.
الثاني: كقَولِه: «أنتِ كظَهرِ ذَكرٍ -كزَيدٍ أو عَمرٍو-، أو كظَهرِ أبي، أو ابنِي»، أو أجنَبيةٍ يَحِلُّ وَطؤُها في المُستقبَلِ بنِكاحٍ أو مِلكٍ، فالمُرادُ بالأجنَبيةِ غيرُ المَحرَمِ والزوجةِ والأمَةِ ك: «أنتِ عليَّ كظَهرِ فُلانةَ» وليسَتْ مَحرَمًا ولا حَليلةً له.
أو عبَّرَ بجُزءٍ كقَولِه: «يَدُكِ، أو رأسُكِ، أو شَعرُكِ كأمِّي، أو مثلَ يَدِ أمِّي، أو رأسِها أو شَعرِها»، ويَنوي في الكِنايةِ الظاهرةِ بقِسمَيها، فتُقبلُ نيَّتُه في قِسمَي الكِنايةِ الظاهرةِ -وهُمَا ما إذا أسقَطَ لفْظَ الظَّهرِ، أو أسقَطَ مُؤبَّدةَ التحريمِ- في قَصدِ الطلاقِ.
فإنْ نَوى الظِّهارَ أو لا نيَّةَ له فظِهارٌ لا طَلاقٌ، وإنْ نَوى بها الطلاقَ فالبَتاتُ يَلزمُه في المَدخولِ بها وغيرِها، إنْ لم يَنوِ في غيرِ المَدخولِ بها أقَلَّ مِنْ الثلاثِ، فإنْ نَوى الأقَلَّ لَزمَه فيها ما نَواهُ، بخِلافِ المَدخولِ بها، فإنه يَلزمُه فيها البَتاتُ ولا يُقبَلُ منه نِيةُ الأقَلِّ.
ولُزومُ البَتاتِ كقَولِه: «أنتِ كفُلانةَ الأجنَبيةِ» أو: «هي أجنَبيةٌ»؛ إذ لَفظُ الأجنَبيةِ ليسَ مِنْ جُملةِ لَفظِه، أو: «أنتِ كَابنِي، أو غُلامِي أو غُلامِ زَيدٍ»، أو ككُلِّ شَيءٍ حرَّمَه الكِتابُ نَحوُ: «أنتِ كالخَمرِ، أو كالمَيتةِ، أو الدَّمِ، أو لَحمِ
стр. 10992
الخِنزيرِ»، فيَلزمُه في ذلكَ كلِّه البَتاتُ، إلا أنْ يَنويَ في غيرِ مَدخولٍ بها الأقَلَّ، والمَوضوعُ أنه لم يَذكُرْ لفْظَ «ظَهرٍ» ولا «مُؤبَّدةِ تَحريمٍ»، وإلا كانَ ظِهارًا إذا لم يَنوِ بهِ الطلاقَ كما تقدَّمَ، فتَكونُ هذهِ مِنْ كِناياتِ الطلاقِ لا الظهارِ.
وإلزامُه البَتاتَ مُقيَّدٌ بما إذا لَم يكنْ له نيَّةٌ، أو كانَتْ له وقَد قامَتْ عليهِ بذلكَ بيَّنةٌ، أمَّا إذا جاءَ مُستفتِيًا فإنه يُصدَّقُ إنِ ادَّعى أنه نَوى الظهارَ بالألفاظِ المَذكورةِ، فيُصدَّقُ ويَلزمُه الظهارُ، أما في القِضاءِ فيَلزمُه الظهارُ والطلاقُ الثلاثُ في المَدخولِ بها كغَيرِها، إلا أنْ يَنويَ أقَلَّ مِنْ الثلاثِ فيَلزمُه ما نَواهُ مِنْ الطلاقِ معَ الظهارِ، فإذا تَزوَّجَها بعدَ زَوجٍ فلا يَقربُها حتى يُكفِّرَ.
والكِنايةُ الخَفيَّةُ: وهي ما لا تَنصرفُ له أو للطلاقِ إلا بالقَصدِ، فيَلزمُ الظهارُ بأيِّ كَلامٍ نَوى بهِ الظهارَ، ك: «انصَرفِي، واذَهبِي، وكُلِي، واشَربِي»، كما أنه لو نَوى بهِ الطلاقَ لَزمَه الطلاقُ، وإنْ لم يَنوِ شَيئًا فلا شَيءَ عليهِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: صَريحُ الظِّهارِ أنْ يَقولَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ، أو مِنِّي، أو مَعِي، أو عِندِي، أو لَديَّ -أو نحوَ ذلكَ- كظَهرِ أمِّي»، وكذا «أنتِ كظَهرِ أمِّي»، وكذا قَولُه لها: «جِسمُكِ، أو بَدنُكِ، أو جُملَتُكِ، أو نَفسُكِ، أو ذاتُكِ كبَدنِ أمِّي، أو جِسمِها، أو جُملتِها، أو ذاتِها» صَريحٌ؛ لتَضمُّنِه الظَّهرَ.
стр. 10993
والأظهَرُ الجَديدُ: أنَّ قولَه لها: «أنتِ عَليَّ كيَدِها، أو بَطنِها، أو صَدرِها» ونَحوِها مِنْ الأعضاءُ التي لا تُذكَرُ في مَعرضِ الكَرامةِ والإعزازِ ممِّا سِوى الظَّهرِ ظِهارٌ؛ لأنه عُضوٌ يَحرمُ التَّلذذُ به، فكانَ كالظَّهرِ.
والثاني: أنه ليسَ بظِهارٍ؛ لأنه ليسَ على صُورةِ الظِّهارِ المَعهودةِ في الجَاهليةِ.
وكذا قَولُه: «أنتِ عَليَّ كعَينِها، أو رَأسِها» أو نحوِ ذلكَ ممَّا يَحتملُ الكَرامةَ -كقَولِه: «أنتِ كأمِّي، أو رُوحِها، أو وَجهِها» - ظِهارٌ إنْ قصَدَ ظِهارًا، أي نَوى أنها كظَهرِ أمِّه في التحريمِ، وإنْ قصَدَ كَرامةً فلا يكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ تُستعمَلُ في الكَرامةِ والإعزازِ.
وكذا لا يَكونُ ظِهارًا إنْ أطلَقَ في الأصَحِّ؛ حَملًا على الكَرامةِ؛ لاحتِمالِها.
والثاني: يُحمَلُ على الظِّهارِ؛ لأنَّ اللَّفظَ صَريحٌ في التَّشبيهِ ببَعضِ أجزاءِ الأمِّ.
وقَولُه لها: «رأسُكِ، أو ظَهرُكِ، أو يَدُكِ، أو رِجلُكِ، أو بَدنُكِ، أو جِلدُكِ، أو شَعركِ -أو نَحوِ ذلكَ- عليَّ كظَهرِ أمِّي» ظِهارٌ في الأظهَرِ، وكذا إنْ مثَّلَ بالجُزءِ الشائعِ كالنصفِ والرُّبعِ.
والثاني: ليسَ بظِهارٍ؛ لأنه ليسَ على صُورةِ الظهارِ المَعهودةِ في الجَاهليةِ.
стр. 10994
والتَّشبيهُ بالجَدَّةِ مِنْ الجِهتَينِ وإنْ بَعُدَتْ -كقَولِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ جَدَّتي» ظِهارٌ؛ لأنها تُسمَّى أمًّا ولها وِلادةٌ وتُشارِكُ الأمَّ في العِتقِ وسُقوطِ القوَدِ ووُجوبِ النَّفقةِ.
والمَذهبُ: طَرْدُه في كلِّ مَحرَمٍ مِنْ نسَبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهَرةٍ وقَعَ التشبيهُ بها ولم يَطرأْ تَحريمُها على المُظاهِرِ، بأنْ لم تَزَلْ مُحرَّمةً عليه كبِنتِه وأُختِه مِنْ النَّسبِ ومُرضِعةِ أمِّه أو أبيهِ؛ لمُساواتِهنَّ الأمَّ في التحريمِ المُؤبَّدِ.
والثاني: المَنعُ؛ لوُرودِ النصِّ في الأمِّ.
لا مُرضِعةٌ للمُظاهِرِ وزَوجةُ ابنِ له؛ لأنهُما كانَتَا حَلالًا له في وقتٍ، فيُحتملُ إرادَتُه.
وأمَّا بِنتُ مُرضِعتِه فإنْ ولَدَتْ بعدَ ارتِضاعِه فهي لم تَحِلَّ له في حالةٍ مِنْ الحالاتِ، بخِلافِ المَولودةِ قبلَه، وكالمَولودةِ بعدَه المَولودةُ معهُ.
ولو شبَّهَ زَوجتَه بأجنَبيةٍ ومُطلَّقةٍ وأُختِ زَوجةٍ وأبٍ للمُظاهِرِ ومُلاعَنةٍ له فلَغوٌ هذا التشبيهُ؛ لأنَّ الثلاثةَ الأُوَلَ يُشبِهْنَ الأمَّ في التحريمِ المُؤبَّدِ، والأبُ أو غيرُه مِنْ الرِّجالِ كالابنِ والغُلامِ ليسَ مَحلًّا للاستِمتاعِ، والخُنثى هُنا كالذَّكرِ؛ لِمَا ذُكِرَ، والمُلاعَنةُ وإنْ كانَ تَحريمُها مُؤبَّدًا ليسَ للمَحرَميَّةِ والوَصلةِ، وكذا لو شبَّهَها بمَجوسيةٍ أو مُرتدَّةٍ، وهذا كلُّه في تَنجيزِ الظهارِ، وأما تَعليقُه فسَيأتي حُكمُه.
стр. 10995
ومِن الكِنايةِ -وهو ما يَحتملُ الظهارَ وغيرَه- أنْ يَقولَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كأُمِّي، وأُختِي، أو: أنتِ عندِي مثلُ أُمِّي وأُختِي».
فإذا نطَقَ بمِثلِ هذهِ الألفاظِ فإنها تَنصرفُ إلى المَعنى الذي أرادَهُ عندَ التَّلفظِ بها.
فإنْ كانَ قصَدَ بها الظِّهارَ كانَ مُظاهِرًا، وإنْ كانَ قصَدَ بها تَشبيهَ زَوجتِه بأمِّه أو أُختِه في الكَرامةِ والتَّقديرِ لم يَكنْ مُظاهِرًا وليسَ عليهِ شَيءٌ أبدًا (١).
وقالَ الحَنابلةُ: ألفاظُ الظِّهارِ أنْ يقولَ زَوجٌ لامرأتِه: «أنتِ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كبَطنِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كيَدِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كرأسِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كيَدِ أُختِي، أو كوَجهِ حَماتي» ونَحوه.
أو يَقولَ: «ظَهرُكِ كظَهرِ أمِّي، أو بَطنِها» ونَحوه، أو يَقولَ: «يَدُكِ، أو رَأسُكِ، أو جِلدُكِ، أو فَرجُكِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو كيَدِ أُختِي، أو عَمَّتي، أو خالَتي» مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ في الكُلِّ.
وإنْ قالَ: «أنتِ، أو يَدُكِ -ونَحوِها- عليَّ كشَعرِ أُمِّي، أو كسِنِّها، أو كظُفْرِها» فليسَ بظِهارٍ؛ لأنها ليسَتْ مِنْ الأعضاءِ الثابتةِ.