← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

التشبيهِ فهو ظِهارٌ، إلا لقَصدِ كَرامةٍ، أي: «أنتِ مِثلُها في المَنزلةِ والتَّكريمِ عِندي» ونَحوها كالشَّفقةِ والحَنانِ مِنها، وكذا إنْ كنَّى به عنِ الإهانةِ والتَّوبيخِ فلا يَكونُ ظِهارًا. الثاني: كقَولِه: «أنتِ كظَهرِ ذَكرٍ -كزَيدٍ أو عَمرٍو-، أو كظَهرِ أبي، أو ابنِي»، أو أجنَبيةٍ يَحِلُّ وَطؤُها في المُستقبَلِ بنِكاحٍ أو مِلكٍ، فالمُرادُ بالأجنَبيةِ غيرُ المَحرَمِ والزوجةِ والأمَةِ ك: «أنتِ عليَّ كظَهرِ فُلانةَ» وليسَتْ مَحرَمًا ولا حَليلةً له. أو عبَّرَ بجُزءٍ كقَولِه: «يَدُكِ، أو رأسُكِ، أو شَعرُكِ كأمِّي، أو مثلَ يَدِ أمِّي، أو رأسِها أو شَعرِها»، ويَنوي في الكِنايةِ الظاهرةِ بقِسمَيها، فتُقبلُ نيَّتُه في قِسمَي الكِنايةِ الظاهرةِ -وهُمَا ما إذا أسقَطَ لفْظَ الظَّهرِ، أو أسقَطَ مُؤبَّدةَ التحريمِ- في قَصدِ الطلاقِ. فإنْ نَوى الظِّهارَ أو لا نيَّةَ له فظِهارٌ لا طَلاقٌ، وإنْ نَوى بها الطلاقَ فالبَتاتُ يَلزمُه في المَدخولِ بها وغيرِها، إنْ لم يَنوِ في غيرِ المَدخولِ بها أقَلَّ مِنْ الثلاثِ، فإنْ نَوى الأقَلَّ لَزمَه فيها ما نَواهُ، بخِلافِ المَدخولِ بها، فإنه يَلزمُه فيها البَتاتُ ولا يُقبَلُ منه نِيةُ الأقَلِّ. ولُزومُ البَتاتِ كقَولِه: «أنتِ كفُلانةَ الأجنَبيةِ» أو: «هي أجنَبيةٌ»؛ إذ لَفظُ الأجنَبيةِ ليسَ مِنْ جُملةِ لَفظِه، أو: «أنتِ كَابنِي، أو غُلامِي أو غُلامِ زَيدٍ»، أو ككُلِّ شَيءٍ حرَّمَه الكِتابُ نَحوُ: «أنتِ كالخَمرِ، أو كالمَيتةِ، أو الدَّمِ، أو لَحمِ

стр. 10992

الخِنزيرِ»، فيَلزمُه في ذلكَ كلِّه البَتاتُ، إلا أنْ يَنويَ في غيرِ مَدخولٍ بها الأقَلَّ، والمَوضوعُ أنه لم يَذكُرْ لفْظَ «ظَهرٍ» ولا «مُؤبَّدةِ تَحريمٍ»، وإلا كانَ ظِهارًا إذا لم يَنوِ بهِ الطلاقَ كما تقدَّمَ، فتَكونُ هذهِ مِنْ كِناياتِ الطلاقِ لا الظهارِ. وإلزامُه البَتاتَ مُقيَّدٌ بما إذا لَم يكنْ له نيَّةٌ، أو كانَتْ له وقَد قامَتْ عليهِ بذلكَ بيَّنةٌ، أمَّا إذا جاءَ مُستفتِيًا فإنه يُصدَّقُ إنِ ادَّعى أنه نَوى الظهارَ بالألفاظِ المَذكورةِ، فيُصدَّقُ ويَلزمُه الظهارُ، أما في القِضاءِ فيَلزمُه الظهارُ والطلاقُ الثلاثُ في المَدخولِ بها كغَيرِها، إلا أنْ يَنويَ أقَلَّ مِنْ الثلاثِ فيَلزمُه ما نَواهُ مِنْ الطلاقِ معَ الظهارِ، فإذا تَزوَّجَها بعدَ زَوجٍ فلا يَقربُها حتى يُكفِّرَ. والكِنايةُ الخَفيَّةُ: وهي ما لا تَنصرفُ له أو للطلاقِ إلا بالقَصدِ، فيَلزمُ الظهارُ بأيِّ كَلامٍ نَوى بهِ الظهارَ، ك: «انصَرفِي، واذَهبِي، وكُلِي، واشَربِي»، كما أنه لو نَوى بهِ الطلاقَ لَزمَه الطلاقُ، وإنْ لم يَنوِ شَيئًا فلا شَيءَ عليهِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: صَريحُ الظِّهارِ أنْ يَقولَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ، أو مِنِّي، أو مَعِي، أو عِندِي، أو لَديَّ -أو نحوَ ذلكَ- كظَهرِ أمِّي»، وكذا «أنتِ كظَهرِ أمِّي»، وكذا قَولُه لها: «جِسمُكِ، أو بَدنُكِ، أو جُملَتُكِ، أو نَفسُكِ، أو ذاتُكِ كبَدنِ أمِّي، أو جِسمِها، أو جُملتِها، أو ذاتِها» صَريحٌ؛ لتَضمُّنِه الظَّهرَ.

стр. 10993

والأظهَرُ الجَديدُ: أنَّ قولَه لها: «أنتِ عَليَّ كيَدِها، أو بَطنِها، أو صَدرِها» ونَحوِها مِنْ الأعضاءُ التي لا تُذكَرُ في مَعرضِ الكَرامةِ والإعزازِ ممِّا سِوى الظَّهرِ ظِهارٌ؛ لأنه عُضوٌ يَحرمُ التَّلذذُ به، فكانَ كالظَّهرِ. والثاني: أنه ليسَ بظِهارٍ؛ لأنه ليسَ على صُورةِ الظِّهارِ المَعهودةِ في الجَاهليةِ. وكذا قَولُه: «أنتِ عَليَّ كعَينِها، أو رَأسِها» أو نحوِ ذلكَ ممَّا يَحتملُ الكَرامةَ -كقَولِه: «أنتِ كأمِّي، أو رُوحِها، أو وَجهِها» - ظِهارٌ إنْ قصَدَ ظِهارًا، أي نَوى أنها كظَهرِ أمِّه في التحريمِ، وإنْ قصَدَ كَرامةً فلا يكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ تُستعمَلُ في الكَرامةِ والإعزازِ. وكذا لا يَكونُ ظِهارًا إنْ أطلَقَ في الأصَحِّ؛ حَملًا على الكَرامةِ؛ لاحتِمالِها. والثاني: يُحمَلُ على الظِّهارِ؛ لأنَّ اللَّفظَ صَريحٌ في التَّشبيهِ ببَعضِ أجزاءِ الأمِّ. وقَولُه لها: «رأسُكِ، أو ظَهرُكِ، أو يَدُكِ، أو رِجلُكِ، أو بَدنُكِ، أو جِلدُكِ، أو شَعركِ -أو نَحوِ ذلكَ- عليَّ كظَهرِ أمِّي» ظِهارٌ في الأظهَرِ، وكذا إنْ مثَّلَ بالجُزءِ الشائعِ كالنصفِ والرُّبعِ. والثاني: ليسَ بظِهارٍ؛ لأنه ليسَ على صُورةِ الظهارِ المَعهودةِ في الجَاهليةِ.

стр. 10994

والتَّشبيهُ بالجَدَّةِ مِنْ الجِهتَينِ وإنْ بَعُدَتْ -كقَولِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ جَدَّتي» ظِهارٌ؛ لأنها تُسمَّى أمًّا ولها وِلادةٌ وتُشارِكُ الأمَّ في العِتقِ وسُقوطِ القوَدِ ووُجوبِ النَّفقةِ. والمَذهبُ: طَرْدُه في كلِّ مَحرَمٍ مِنْ نسَبٍ أو رَضاعٍ أو مُصاهَرةٍ وقَعَ التشبيهُ بها ولم يَطرأْ تَحريمُها على المُظاهِرِ، بأنْ لم تَزَلْ مُحرَّمةً عليه كبِنتِه وأُختِه مِنْ النَّسبِ ومُرضِعةِ أمِّه أو أبيهِ؛ لمُساواتِهنَّ الأمَّ في التحريمِ المُؤبَّدِ. والثاني: المَنعُ؛ لوُرودِ النصِّ في الأمِّ. لا مُرضِعةٌ للمُظاهِرِ وزَوجةُ ابنِ له؛ لأنهُما كانَتَا حَلالًا له في وقتٍ، فيُحتملُ إرادَتُه. وأمَّا بِنتُ مُرضِعتِه فإنْ ولَدَتْ بعدَ ارتِضاعِه فهي لم تَحِلَّ له في حالةٍ مِنْ الحالاتِ، بخِلافِ المَولودةِ قبلَه، وكالمَولودةِ بعدَه المَولودةُ معهُ. ولو شبَّهَ زَوجتَه بأجنَبيةٍ ومُطلَّقةٍ وأُختِ زَوجةٍ وأبٍ للمُظاهِرِ ومُلاعَنةٍ له فلَغوٌ هذا التشبيهُ؛ لأنَّ الثلاثةَ الأُوَلَ يُشبِهْنَ الأمَّ في التحريمِ المُؤبَّدِ، والأبُ أو غيرُه مِنْ الرِّجالِ كالابنِ والغُلامِ ليسَ مَحلًّا للاستِمتاعِ، والخُنثى هُنا كالذَّكرِ؛ لِمَا ذُكِرَ، والمُلاعَنةُ وإنْ كانَ تَحريمُها مُؤبَّدًا ليسَ للمَحرَميَّةِ والوَصلةِ، وكذا لو شبَّهَها بمَجوسيةٍ أو مُرتدَّةٍ، وهذا كلُّه في تَنجيزِ الظهارِ، وأما تَعليقُه فسَيأتي حُكمُه.

стр. 10995

ومِن الكِنايةِ -وهو ما يَحتملُ الظهارَ وغيرَه- أنْ يَقولَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كأُمِّي، وأُختِي، أو: أنتِ عندِي مثلُ أُمِّي وأُختِي». فإذا نطَقَ بمِثلِ هذهِ الألفاظِ فإنها تَنصرفُ إلى المَعنى الذي أرادَهُ عندَ التَّلفظِ بها. فإنْ كانَ قصَدَ بها الظِّهارَ كانَ مُظاهِرًا، وإنْ كانَ قصَدَ بها تَشبيهَ زَوجتِه بأمِّه أو أُختِه في الكَرامةِ والتَّقديرِ لم يَكنْ مُظاهِرًا وليسَ عليهِ شَيءٌ أبدًا (١). وقالَ الحَنابلةُ: ألفاظُ الظِّهارِ أنْ يقولَ زَوجٌ لامرأتِه: «أنتِ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كبَطنِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كيَدِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كرأسِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ كيَدِ أُختِي، أو كوَجهِ حَماتي» ونَحوه. أو يَقولَ: «ظَهرُكِ كظَهرِ أمِّي، أو بَطنِها» ونَحوه، أو يَقولَ: «يَدُكِ، أو رَأسُكِ، أو جِلدُكِ، أو فَرجُكِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو كيَدِ أُختِي، أو عَمَّتي، أو خالَتي» مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ في الكُلِّ. وإنْ قالَ: «أنتِ، أو يَدُكِ -ونَحوِها- عليَّ كشَعرِ أُمِّي، أو كسِنِّها، أو كظُفْرِها» فليسَ بظِهارٍ؛ لأنها ليسَتْ مِنْ الأعضاءِ الثابتةِ.

стр. 10996

أو شبَّهَ شَيئًا مِنْ الظُّفرِ والشَّعرِ والسِّنِّ ونَحوِها مِنْ امرَأتِه بأمِّه أو بعُضوٍ مِنْ أعضائِها بأنْ قالَ: «شَعرُ امرَأتي، أو سِنُّها، أو ظُفرُها عليَّ كأمِّي، أو كظَهرِها» أو قالَ: «كرُوحِ أمِّي، أو عَرقِها، أو رِيقِها، أو دَمعِها، أو دَمِها» فليسَ بظِهارٍ؛ لِمَا سبَقَ. أو قالَ: «وَجهي مِنْ وَجهِكِ حَرامٌ» فليسَ بظِهارٍ، بل لَغوٌ، لأنه يُستعمَلُ كَثيرًا في غيرِ الظِّهارِ ولا يُؤدِّي مَعناهُ. وإنْ قالَ: «أنا مُظاهِرٌ» فلَغوٌ، أو قالَ: «عَليَّ الظهارُ، أو عَليَّ الحَرامُ، أو الحَرامُ لي لازمٌ» فلَغوٌ، إلا معَ نيَّةٍ أو قَرينةٍ تَدلُّ على الظهارِ؛ لأنه نَوى الظِّهارَ بما يَحتمِلُ لفْظَه، فكانَ ظِهارًا. وكذا «أنا عَليكِ حَرامٌ» يَكون ظِهارًا معَ نيَّةٍ أو قَرينةٍ؛ لأنَّ تَحريمَ نفسِه عليها يَقتضِي تَحريمَ كلِّ واحِدٍ مِنهُما على الآخَرِ. أو قالَ: «أنا عليكِ كظَهرِ رَجلٍ» يَكونُ ظِهارًا معَ نيَّةٍ أو قَرينةٍ؛ لأنَّ تَشبيهَ نفسِه بغَيرِه مِنْ الرِّجالِ يَلزمُ منه تَحريمُها عليهِ كما تَحرمُ على ذلكَ الغَيرِ، فيَكونُ ظِهارًا كما لو شبَّهَها بمَن تَحرمُ عليهِ، فإنْ لم تَكنْ نيَّةٌ ولا قَرينةٌ فلَغوٌ. ويُكرَهُ أنْ يُناديَ الرَّجلُ امرَأتَه بمَن تَحرمُ عليه، كقَولِه لها: «يا أُختِي، يا ابنَتِي» ونَحوه؛ لِمَا رُويَ «أنَّ رَجلًا قالَ لامرَأتِه: «يا أُخيَّةُ» فقالَ النبيُّ

стр. 10997

ﷺ : «أُختُكَ هيَ؟ فكَرِهَ ذلكَ ونَهى عنه» (١)؛ لأنه لَفظٌ يُشبهُ الظهارَ، ولا يَثبتُ به حُكمُ الظهارِ؛ لأنه ليسَ صَريحًا في الظِّهارِ وما نَواهُ بهِ، وكذا نِداؤُها له يا أخاها ونحوه. وإنْ قالَ لامرَأتِه: «أنتِ عِنْدِي كأمِّي، أو مِثلُ أمِّي» أو قالَ: «أنتِ مِنِّي كأمِّي، أو مثلَ أمِّي» أو قالَ: «أنتِ عليَّ كأُمِّي» كانَ مُظاهِرًا؛ لأنه شبَّهَ امرأتَه بأمِّه، أشبَهَ ما لو شبَّهَها بعُضوٍ مِنْ أعضائِها، وسَواءٌ نَوى بهِ الظهارَ أو أطلَقَ؛ لأنه الظاهرُ مِنْ اللَّفظِ. وإنْ قالَ: «أردْتُ كأمِّي في الكَرامةِ» قُبِلَ حُكمًا؛ لأنه ادَّعى بلَفظِه ما يَحتملُه فقُبِلَ. وإنْ قالَ: «أنتِ كظَهرِ أمِّي طالقٌ» وقَعَ الظهارُ والطلاقُ معًا؛ لأنه أتى بصَريحِهما، وسَواءٌ كانَ الطلاقُ بائِنًا أو رَجعيًّا، و «أنتِ طالقٌ كظَهرِ أمِّي» طَلُقَتْ؛ لأنه أتى بصَريحِ الطلاقِ، ولم يَكنْ ظِهارًا؛ لأنه أتَى بصَريحِ الطلاقِ أولًا وجعَلَ قَولَه: «كظَهرِ أمِّي» صِفةً له، فأشبَهَ ما لو نَوى بهِ تأكيدَه، إلا أنْ يَنويَه -أي الظهارَ- كانَ الطلاقُ رَجعيًّا وجعَلَها في «المُنتَهى» كالتي قبْلَها. فإنْ نَواهُ -أي الظِّهارَ- وكانَ الطلاقُ بائِنًا فكالظهارِ مِنْ الأجنَبيةِ؛ لأنه أتَى بالظِّهارِ بعدَ بَينونتِها كالطلاقِ. وإنْ كانَ الطلاقُ رَجعيًّا كانَ ظِهارًا صَحيحًا؛ لأنَّ الرَّجعيةَ زَوجةٌ.

стр. 10998

وقَولُه لامرَأتِه: «أنتِ أمِّي، أو كأمِّي، أو مثلَ أمِّي» أو قَولُه: «امرَأتي أمِّي» ليسَ بظِهارٍ؛ لأنَّ هذا اللَّفظَ ظاهِرٌ في الكَرامةِ، فتَعيَّنَ حَملُه عليه عندَ الإطلاقِ، ولأنه ليسَ بصَريحٍ فيه؛ لكَونِه غيرَ اللفظِ المُستعمَلِ فيه، كما لو قالَ: «أنتِ كَبيرةٌ مثلَ أمِّي»، إلا أنْ يَنوي الظهارَ أو يُقرِنَ بهذا اللَّفظِ ما يَدلُّ على إرادةِ الظهارِ؛ لأنَّ النِّيةَ تُعيِّنُ اللَّفظِ في المَنْويِّ، والقَرينةُ شَبيهةٌ بها. وإنْ قالَ: «أمِّي امرَأتي، أو أمِّي مثلُ امرَأتي» لم يَكنْ مُظاهِرًا؛ لأنَّ اللفظَ لا يَصلحُ للظِّهارِ. وقَولُه لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أبي» أو كظَهرِ غيرِه مِنْ الرِّجالِ الأقارِبِ أو الأجانِبِ، أو قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أجنَبيةٍ، أو كظَهرِ أُختِ زَوجتِي، أو عمَّتِها، أو خالَتِها» ونحوه ظِهارٌ؛ لأنه شبَّهَها بظَهرِ مَنْ تَحرمُ عليه، أشبَهَ ظَهْرَ الأمِّ، وكذا إنْ شبَّهَها بالمَيتةِ. ولو قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ البَهيمةِ» فلا ظِهارَ؛ لأنه ليسَ مَحلًّا للاستِمتاعِ. أو قالَ: «أنتِ حَرامٌ إنْ شاءَ اللهُ» فلا ظِهارَ، وكذا لَو قدَّمَ الاستِثناءَ كقَولِه: «واللهِ لا أفعَلُ كذا إنْ شاءَ اللهُ» بجامِعِ أنها يَمينٌ مُكفّرةٌ. و «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ظِهارٌ ولو نَوى طَلاقًا فقطْ أو معَ ظِهارٍ أو نَوى يَمينًا؛ لأنه تَحريمٌ أوقَعَه على الزوجةِ، فكانَ ظِهارًا كتَشبيهِها بظَهرِ أمِّه. وإنْ قالَ ذلكَ -أي أنتِ عليَّ حَرامٌ- لمُحرَّمةٍ عليهِ بحَيضٍ أو نَحوِه كنِفاسٍ أو إحرامٍ ونَوى الظهارَ فظِهارٌ؛ لأنَّ اللفظَ يَصلحُ لهُ.

стр. 10999

وإنْ نَوى أنها مُحرَّمةٌ عليه لذلكَ -أي الحَيضِ ونَحوِه- أو أطلَقَ فلَم يَنوِ شَيئًا فليسَ بظِهارٍ؛ لأنه صادِقٌ في تَحريمِها عليهِ للحَيضِ ونحوِه. وإنْ قالَ: «الحِلُّ عليَّ حَرامٌ، أو ما أحَلَّ اللهُ لي حَرامٌ، أو ما أَنقلِبُ إليه حَرامٌ» فمُظاهِرٌ؛ لتَناولِ ذلكَ لتَحريمِ الزوجةِ. وإنْ صرَّحَ بتَحريمِ المَرأةِ أو نَواها كقَولِه: «ما أحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ مِنْ أهلٍ ومالٍ» فهو آكَدُ، وتُجزِيهِ كفَّارةُ الظِّهارِ لتَحريمِ المَرأةِ والمالِ؛ لأنه يَمينٌ واحِدةٌ، فلا يُوجِبُ كفَّارتَينِ. و «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي حَرامٌ» ظِهارٌ أو «أنتِ عليَّ حَرامٌ كظَهرِ أمِّي حَرامٌ» ظِهارٌ؛ لأنه صَريحٌ فيهِ (١). تَعليقُ الظِّهارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على صحَّةِ تَعليقِ الظِّهارِ على شَرطٍ، فإذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ فعَلْتِ كذا، أو دخَلتِي الدارَ، أو كلَّمْتِ زَيدًا فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» فإذا وُجدَ الشرطُ صارَ مُظاهِرًا؛ لوُجودِ المُعلَّقِ عليهِ؛ لأنه يَتعلَّقُ بهِ التَّحريمُ كالطلاقِ والكفَّارةِ، وكلٌّ مِنهُما يَجوزُ تَعليقُه. ولأنَّ أصلَ الظِّهارِ أنه كانَ طَلاقًا، والطلاقُ يَصحُّ تَعليقُه بالشرطِ،

стр. 11000

فكَذلكَ الظِّهارُ، ولأنه قَولٌ تَحرمُ بهِ الزوجةُ، فصَحَّ تَعليقُه على شَرطٍ كالطلاقِ، وما لم تَفعلِ المَشروطَ لا يَقعُ الظِّهارُ (١). تَوقيتُ الظِّهارِ بمُدةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَوقيتِ الظِّهارِ بمُدَّةٍ مِنْ الزَّمنِ، مِثلَ أنْ يَقولَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي يَومًا، أو شَهرًا»، هل يَصحُّ أم لا؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ: فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنه يَصحُّ تَوقيتُ الظِّهارِ بمدَّةٍ، فمَن قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي شَهرًا، أو حتى يَنسلخَ شَهرُ رَمضانَ» فإذا مَضى الوَقتُ الذي حدَّدَه زالَ الظِّهارُ وحلَّتِ المَرأةُ بلا كفَّارةٍ إذا لَم يُجامِعْ إلا بعدَ المدَّةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآية ولم يُفرِّقْ بينَ المُطلَقِ والمُؤقَّتِ. ولأنَّ اللهَ تعالَى نبَّهَ على مَعنَى الظِّهارِ بأنه مُنكَرٌ وزَورٌ، وهذا المَعنى مَوجودٌ في المُؤقَّتِ.

стр. 11001

ولحَديثِ سَلمةَ بنِ صَخرٍ قالَ: «كُنْتُ امْرأً أُصيبُ مِنْ النِّساءِ ما لا يُصيبُ غَيرِي، فلمَّا دخَلَ شَهرُ رَمضانَ خِفتُ أنْ أُصيبَ مِنْ امرَأتي شَيئًا يُتابَعُ بي حتى أُصبحَ، فظاهَرْتُ منها حتى يَنسلِخَ شَهرُ رَمضانَ، فبَيْنا هي تَخدمُني ذاتَ لَيلةٍ إذْ تَكشَّفَ لي مِنها شيءٌ، فلَم ألبَثْ أنْ نَزَوتُ عليها، فلمَّا أصبَحْتُ خرَجْتُ إلى قَومي فأخبَرتُهُم الخبَرَ وقُلتُ: امشُوا مَعي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالُوا: لا واللهِ، فانطَلقتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبَرتُهُ فقالَ: «أنتِ بذاكَ يا سَلمةُ؟» قلتُ: أنا بذاكَ يا رسولَ اللهِ، مَرَّتينِ، وأنا صابرٌ لأمرِ اللهِ فاحكُمْ فِيَّ ما أراكَ اللهُ، قالَ: «حَرِّرْ رَقبةً»، قُلتُ: والَّذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أَملِكُ رَقبةً غيرَها، وضَرَبتُ صَفحةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرينِ مُتَتابعينِ»، قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ ستِّينَ مِسكينًا»، قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ لقدْ بِتنَا وَحِشَينِ ما لنا طَعامٌ، قالَ: «فانطَلِقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُرَيقٍ فلْيَدفعْها إليكَ فأَطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا وَسقًا من تَمرٍ وكُلْ أنتَ وعِيالُكَ بَقيَّتَها»، فرجَعْتُ إلى قَومي فقُلتُ: وَجَدتُ عِندَكم الضِّيقَ وسُوءَ الرأيِ، ووجَدتُ عندَ النبيِّ ﷺ السّعةَ وحُسنَ الرأيِ، وقد أمَرَني أو أمَرَ لي بصَدقتِكُم» (١).

стр. 11002

فأخبَرَ النبيَّ ﷺ أنه أصابَها في الشَّهرِ، فأمَرَه النبيُّ ﷺ بالكفَّارةِ ولم يُنكِرْ عليهِ التَّقييدَ ولم يَعِبْه، ولأنها يَمينٌ مُكفَّرةٌ فصَحَّ تَوقيتُها كاليَمينِ باللهِ تَعالى، ولأنه يَمنعُ نفسَه بَيمينٍ لها كفَّارةٌ، فصحَّ أنْ تكونَ مُؤقَّتةً كالإيلاءِ. وهذا بخِلافِ الطلاقِ؛ فإنه يُزيلُ المِلكَ وهذا يُوقِعُ تَحريمًا يَرفعُه التَّكفيرُ، أشبَهَ الإيلاءَ. فمَتى انقَضى الوَقتُ زالَ الظِّهارُ؛ لأنَّ التَّحريمَ صادَفَ ذلكَ الزَّمنَ دونَ غيرِه، فوجَبَ أنْ يَنقضيَ بانقِضائِه. وإنْ أصابَها في الوَقتِ وجبَتْ عليهِ الكفَّارةُ؛ لأنه ﷺ أوجَبَها على سَلمةَ، ولا يَكونُ عائِدًا إلا بالوَطءِ في المدَّةِ (١). قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: تَحريمُ الظِّهارِ لا يَقعُ إلا مُوقَّتًا بأداء الكفَّارةِ، فإذا وقَّتَه المُظاهِرُ وجَبَ تَوقيتُه؛ لأنه لو كانَ ممِّا لا يَتوقَّتُ لَمَا انحَلَّ ذلكَ التحريمُ بالتكفيرِ كالطلاقِ، فأشبَهَ الظِّهارُ اليَمينَ التي يُحِلُّها الحِنثُ، فوجَبَ تَوقيتُه كما يَتوقَّتُ اليَمينُ، وليسَ كالطلاقِ؛ لأنه لا يُحِلُّه شَيءٌ (٢).

стр. 11003

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ -وابنُ أبي لَيلَى واللَّيثُ- إلى أنه لا يَصحُّ تَوقيتُ الظِّهارِ بوَقتٍ، مثلَ أنْ يقولَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي يَومًا، أو شَهرًا، أو إلى شَهرٍ»؛ لأنَّ الظهارَ هو أنْ يُشبِّهَ زَوجتَه على التأبيدِ بمَن تَحرمُ عليهِ على التأبيدِ، فإذا ظاهَرَ مِنها ظِهارًا مُؤقَّتًا .. لم يَصرْ مُظاهِرًا، كما لو شبَّهَها بمَن لا تَحرمُ عليهِ على التأبيدِ، وإنَّما تَحرمُ عليهِ إلى وَقتٍ، وهيَ مُطلَّقتُه ثلاثًا (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إذا وقَّتَ الظِّهارَ بمُدَّةٍ بعَينِها تأبَّدَ وبطَلَ التَّوقيتُ، ولا يكونُ تَحريمُها عليهِ خاصًّا بذلكَ الوَقتِ الذي قيَّدَ بهِ، بل يَتأبَّدُ عليه، ولا يَنحلُّ إلا بالكفَّارةِ، فلا يطَأُ حتى يُكفِّرَ، فإذا قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي في هذا الشَّهرِ، أو شَهرًا» تأبَّدَ عليهِ، فإذا مَضى الوَقتُ لم يَزلْ حُكمُ الظِّهارِ بل يَتأبَّدُ عليه؛ لوُجودِ سَببِ الكفَّارةِ، فلا يَنحلُّ بها كالطلاقِ في ذلكَ كلِّه؛ لأنه لَفظٌ يَتعلَّقُ به تَحريمُ البُضعِ في الشَّرعِ، فوجَبَ أنْ لا يَتوقَّتَ بوَقتٍ بعَينهِ كالطلاقِ، كما إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ طالِقٌ اليومَ» كانَ طَلاقًا مُؤبَّدًا (٢).

стр. 11004

قَولُ الزَّوجِ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ»: اختَلفَ الفُقهاءُ في قَولِ الرَّجلِ لزَوجتهِ: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» هل يُعتبَرُ هذا القَولُ طَلاقًا؟ أم ظِهارًا؟ أم يَمينًا فيهِ الكفَّارةُ؟ أم لا يُحسَبُ شَيئًا أصلًا؟ أم يُحسَبُ حسَبَ نيَّتهِ؟ فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمتُكِ عَليَّ، أو أنا عَليكِ حَرامٌ، أو قَدْ حرَّمْتُ نَفسِي عَليكِ، أو أنتِ مُحرَّمةٌ عَليَّ» فهو كلُّه سَواءٌ، ويُسألُ عَنْ نيَّتِه؛ لأنه تكلَّمَ بكَلامٍ مُبهَمٍ مُحتمِلٍ لِمَعانٍ، وكَلامُ المُتكلِّمِ مَحمُولٌ على مُرادِه، ومُرادُه إنَّما يُعرَفُ مِنْ جِهتِه، فيُسألُ عَنْ نيَّتِه. فإنْ قالَ: «نَوَيتُ الطلاقَ» فهي تَطليقةٌ بائِنةٌ إلا أنْ يَنويَ الثَّلاثَ، فإنْ نَوى ثَلاثًا فثَلاثٌ، وإنْ نَوى واحِدةً فواحِدةٌ، وإنْ نَوى ثِنتَينِ فواحِدةٌ بائِنةٌ؛ لأنَّ قولَه: «حَرامٌ» كِنايةٌ، والكِنايةُ يُرجَعُ فيها إلى نيَّتِه. وإنْ قالَ: «أردْتُ الظهارَ فهو ظِهارٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ؛ لأنه وصَفَها بالتَّحريمِ، وفي الظِّهارِ نَوعُ تَحريمٍ، والمُطلَقُ يُحمَلُ على المُقيَّدِ إذا نَواهُ؛ لأنه وصَفَها بكَونِها مُحرَّمةً، والمَرأةُ تارةً تكونُ مُحرَّمةً بالطلاقِ، وتَارةً تكونُ مُحرَّمةً بالظِّهارِ، فأيَّ ذلكَ نَوى فقَدْ نَوى ما يَحتمِلُه كَلامُه فيُصدَّقُ فيهِ.

стр. 11005

وقالَ مُحمدٌ: لا يَكونُ ظِهارًا؛ لانعِدامِ التَّشبيهِ بالمَحارمِ؛ لأنَّ الظِّهارَ تَشبيهُ الحلالِ بالحَرامِ، والتَّشبيهُ لا بُدَّ لهُ مِنْ حَرفِ التَّشبيهِ ولم يُوجَدْ، فلا يَكونُ ظِهارًا. وإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ، أو لمْ أُرِدْ بهِ شَيئًا» فهو يَمينٌ يَصيرُ بها مُوليًا؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ إنَّما هوَ اليَمينُ، فإنْ قالَ: «أردْتُ التَّحريمَ» فقدْ أرادَ اليَمينَ، وإنْ قالَ: «لم أُرِدْ شَيئًا» لَم يُصدَّقْ في القَضاءِ؛ لأنَّ ظاهِرَ ذلكَ اليَمينُ، وإذا ثبَتَ أنه يَمينٌ كانَ بها مُوليًا، حتى لو ترَكَها أربَعةَ أشهُرٍ بانَتْ بتَطليقةٍ؛ لأنَّ الأصلَ في تَحريمِ الحَلالِ أنْ يكونَ يَمينًا. وإنْ قالَ: «أردْتُ الكَذبَ» فليسَ بشَيءٍ وهو كما قالَ، ولا يكونُ إيلاءً؛ لأنه نَوى حَقيقةَ كَلامِه، وهذا فيما بينَه وبينَ اللهِ، أمَّا في القَضاءِ فلا يُصدَّقُ ويَكونُ يَمينًا؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الحرامَ في الشَّرعِ يَمينٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] إلَى قَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، قيلَ: نَزلَتِ الآيةُ في تَحريمِ جارِيتِه ﷺ ماريةَ القبطيَّةِ لمَّا قالَ: «هي عَليَّ حَرامٌ»، وسمَّى اللهُ تَعالى ذلكَ يَمينًا بقَولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أي: وسَّعَ اللهُ عَليكُم أو أباحَ لَكُمْ أنْ تُحِلُّوا مَنْ أيمانِكُم بالكَّفارَةِ، وفي بَعضِ القِراءاتِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ كَفَّارَةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، والخِطابُ عامٌّ يَتناوَلُ رَسولَ اللهِ وأمَّتهُ. وكفَّارةُ اليَمينِ تَستَدعي وُجودَ اليَمينِ، فدَلَّ أنَّ هذا اللَّفظَ يَمينٌ في

стр. 11006

الشَّرعِ، فإذا نَوى بهِ الكذِبَ لا يُصدَّقُ في إبطالِ اليَمينِ في القَضاءِ؛ لعُدولِه عنِ الظَّاهِرِ. وقالَ في «اللُّبابِ»: قالَ في «الهِداية»: ومِنَ المَشايخِ مَنْ يَصرِفُ لفْظَ التَّحريمِ إلى الطَّلاقِ مِنْ غيرِ نيَّةٍ لحُكمِ العُرفِ، قالَ الإمامُ المَحبُوبِيُّ: وبهِ يُفتَى. وقالَ نَجمُ الأئمَّةِ: قالَ أصحابُنا المُتأخِّرونَ: «الحَلالُ عَليَّ حَرامٌ، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ، أو حَلالُ اللهِ عليَّ حَرامٌ، أو كُلُّ حَلالٍ عليَّ حَرامٌ» طلاقٌ بائِنٌ، ولا يَفتقِرُ إلى النَّيةِ؛ للعُرفِ، حتَّى قالُوا في قَولِ مُحمدٍ: (إنْ نَوى يَمينًا فهُوَ يَمينٌ، ولا تَدخُلُ امرأتُهُ إلَّا بالنِّيةِ، وهو على المأكُولِ والمَشروبِ): إنَّما أجابَ بهِ على عُرفِ دِيارِهم، أمَّا في عُرفِ بلادِنا فيُريدُونَ تَحريمَ المَنكُوحةِ فيُحمَلُ عليهِ. اه. وفي «مُختارات النَّوازِلِ»: وقَد قالَ المُتأخِّرونَ: يَقعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ؛ لغَلبةِ الاستِعمالِ بالعُرفِ، وعليهِ الفَتوَى، ولهذا لا يَحلِفُ بهِ إلَّا الرِّجالُ، قُلتُ: ومِنَ الألفاظِ المُستعمَلةِ في مِصْرِنا وريفِنا: (الطَّلاقُ يَلزمُني) و (الحَرامُ يَلزمُني) و (عليَّ الطَّلاقُ) و (عليَّ الحَرامُ) كذا في «التَّصحِيح» (١).

стр. 11007

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» تكونُ طالِقًا بالثَّلاثِ، ولا يُسألُ عن نيَّتِه؛ لِمَا رَواهُ مالِكٌ في «المُوطَّأ» أنَّه بلَغَه أنَّ عليَّ بنِ أبي طالِبٍ كانَ يقولُ في الرَّجُلِ يَقولُ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّها ثلاثُ تَطليقاتٍ». قالَ مالكٌ: وذلكَ أحسَنُ ما سَمِعتُ في ذلكَ (١). وإذا قالَ لها قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنها ثلاثٌ، إلَّا أنْ يقولَ: «نَويتُ واحِدةً» في قولِ مالِكٍ، وقالَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ: هي واحِدةٌ إلَّا أنْ يقولَ: «أردْتُ ثلاثًا»، وقالَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجشُونِ: لا يَنوي فيها وهي ثلاثٌ على كُلِّ حالٍ كالمَدخولِ بها سَواءٌ. جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» هل تَسألُه عَنْ نيَّتِه أو عن شيءٍ مِنْ الأشياءِ؟ (قالَ): لا يُسألُ عن شيءٍ عِنْدَ مالكٍ، وهيَ ثلاثٌ ألبتَّةُ إنْ كانَ دخَلَ بها، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» وقالَ: «لم أُرِدْ بهِ الطلاقَ، إنما أردْتُ بهذا القَولِ الظِّهارَ»؟ (قالَ): سَمعتُ مالِكًا يَقولُ في الَّذي يَقولُ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقُ ألبَتَّةَ» ثَّم زعَمَ أنه إنَّما أرادَ بذلكَ واحِدةً: إنَّ ذلكَ

стр. 11008

لا يُقبَلُ مِنهُ، قالَ مالِكٌ: إنَّما يُؤخَذُ النَّاسُ بما لفَظَتْ به ألسِنَتُهم مِنْ أمرِ الطلاقِ، (قالَ ابنُ القاسِمِ): والحَرامُ عِنْدَ مالِكٍ طلاقٌ، ولا يَدِينُ في الحَرامِ كما لا يَدِينُ في الطلاقِ … (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ لها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» يَنوِي بذلكَ تَطليقةً أو تَطليقتَينِ، أيَكونُ ذلكَ لهُ في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: إنْ كانَ قَدْ دخَلَ بها فهيَ البَتَّةُ، وليسَ نيَّتُه بشيءٍ، فإنْ لَم يَدخُلْ بها فذلكَ لهُ؛ لأنَّ الواحِدةَ والاثنتَينِ تُحرِّمُ الَّتي لم يُدخَلْ بها، والمَدخولُ بها لا يُحرِّمُها إلا الثلاثُ … (قُلتُ): أرَأيتَ إذا قالَ لامرأتِهِ: «قدْ حرَّمتُكِ عليَّ، أو قَدْ حَرَّمْتُ نَفسِي عليكِ» أهوَ سواءٌ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعمْ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: إذا قالَ: «قدْ طَلَّقتُكِ، أو أنا طالِقٌ مِنكِ» إنَّ هذا سَواءٌ وهيَ طالِقٌ، (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ قالَ قبْلَ الدُّخولِ بها: «أنتِ عليَّ حَرامٌ»، (قالَ): هي ثَلاثٌ في قَولِ مالِكٍ، إلَّا أنْ يكونَ نوى واحِدةً أو اثنتَينِ فيَكونُ ذلكَ كما نَوى (١). قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: والحُجَّةُ لمالِكٍ ومَن ذهَبَ مَذهبَهُ في الحَرامِ إجماعُ العُلماءِ أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا أنها تَحرُمُ عليهِ، فلمَّا كانَتِ الثَّلاثُ تَحريمًا كانَ تَحريمٌ ثلاثًا، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 11009

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» فإنْ أرادَ بهِ الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالطَّلاقِ، ويَقعُ مِنْ عَددِه ما نواهُ مِنْ واحِدةٍ أو اثنتَينِ أو ثَلاثٍ، وإنْ لم يَنوِ عَددًا كانَتْ واحِدةً رَجعيَّةً، وإنْ أرادَ بهِ الظِّهارَ كانَ ظِهارًا؛ لأنهُ يَحتمِلُ التَّحريمَ بالظِّهارِ، وإنْ أرادَ بهِ الإيلاءَ لم يَكنْ إيلاءً؛ لأنَّ الإيلاءُ يَمينٌ لا يَنعقِدُ بالكِنايةِ. وإنْ أرادَ بهِ تَحريمَ وطْئِها لم يَحرمْ، وعليهِ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لِمَا رَوى سَعيدُ ابنُ جُبيرٍ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى ابنِ عبَّاسِ ﵁ فقالَ: إنِّي جَعلْتُ امرأتِي عليَّ حَرامًا، قالَ: كَذبْتَ، ليسَتْ عليكَ بحَرامٍ، ثمَّ تَلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢] إلى آخِرِ الآيَةِ، ويَجبُ عليهِ بذلكَ كفَّارةُ يَمينٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حَرَّمَ ماريةَ القبطيَّةَ أمَّ إبراهِيمَ بنِ رَسولِ اللهِ ﷺ فأنزَلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢]، فوَجبَتِ الكفَّارةُ في الأمَةِ بالآيةِ، وقِسْنا الحُرَّةَ عليها؛ لأنها في مَعناها في تَحليلِ البُضعِ وتَحريمِه. وإنْ لَم يَكنْ لهُ إرادةٌ لم يَتعلَّقْ بهِ طلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا تَحريمٌ، وهل تَجبُ بهِ كفَّارةُ يَمينٍ أم لا؟ على قَولَينِ: أحَدُهما: يَجبُ عَليهِ الكفَّارةُ، والثَّاني: لا يَجبُ.

стр. 11010

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: لو قالَ الرَّجلُ لامرَأتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» لم يَقعْ بهِ طلاقٌ حتَّى يُريدَ الطَّلاقَ، فإذا أرادَ بهِ الطَّلاقَ فهوَ طلاقٌ، وهو ما أرادَ مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، وإنْ أرادَ طلاقًا ولَم يُرِدْ عَددًا مِنَ الطَّلاقِ فهي واحدةٌ يَملِكُ الرَّجعةَ، وإنْ قالَ: «أردْتُ تَحريمَها بلا طلاقٍ» لم تَكنْ حَرامًا، وكانَتْ عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ، ويُصيبُها إنْ شاءَ قبْلَ أنْ يُكفِّرَ، وإنَّما قُلنا عليهِ كفَّارةُ يَمينٍ إذا أرادَ تَحريمَها ولَم يُرِدْ طلاقَها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حرَّمَ جاريتَه فأُمِرَ بكفَّارةِ يَمينٍ، واللهُ تعالَى أعلَمُ. قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١، ٢] الآيَة، فلمَّا لَم يُرِدِ الزَّوجُ بتَحريمِ امرَأتهِ طلاقًا كانَ أَوْقعَ التَّحريمَ على فَرْجٍ مُباحٍ لهُ لمْ يَحرُمْ بتَحريمِه، فلَزمَتهُ كفَّارةٌ فيهِ كما لَزِمَ مَنْ حرَّمَ أمَتَه كفَّارةٌ فيها، ولَم تَحرُمْ عليهِ بتَحريمِه؛ لأنهُما معًا تَحريمٌ لفَرْجَينِ لم يَقعْ بواحدٍ مِنهُما طلاقٌ، ولو قالَ: «كلُّ ما أَملِكُ عليَّ حَرامٌ» -يَعني امرأتَه وجَوارِيه ومالَهُ- كفَّرَ عَنِ المرأةِ والجَوارِي كفَّارةً كفَّارةً إذا لمْ يُرِدْ طلاقَ المَرأةِ، ولو قالَ: «مَالي عليَّ حَرامٌ» لا يُريدُ امرَأتَه ولا جَوارِيه لَم يكنْ عليهِ كفَّارةٌ، ولم يَحرُمْ عليهِ مالُه (١).

стр. 11011

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ قالَ لزَوجتِهِ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» أنَّه يكونُ ظِهارًا تَجبُ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، نوَى ذلكَ أو لَم يَنوِ؛ لأنهُ تَحريمٌ للزَّوجةِ بغَيرِ طلاقٍ، فوَجبَتْ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ، كما لَو قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ كظَهْرِ أمِّي»؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ جعَلَ التَّشبيهَ بمَن تَحرُمُ عليهِ ظِهارًا، فالتَّصريحُ مِنهُ بالتَّحريمِ أَولى، يُؤيِّدُه أنَّ اللهَ لَم يَجعلِ التَّحريمَ والتَّحليلَ إليهِ، فإذا قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو أنتِ عليَّ حَرامٌ» فقَد قالَ المُنكَرَ مِنْ الزَّورِ وكَذَبَ على اللهِ، وقَد أوجَبَ أغلَظَ الكفَّارتَينِ عليهِ، وهيَ كفَّارةُ الظِّهارِ. قالَ عَبدُ اللهِ بنُ أحمَدَ بنِ حَنبلٍ: سَألتُ أبي عَنْ رَجلٍ قالَ لامرأتِه: «أنتِ عَليَّ حَرامٌ» ونوَى الطَّلاقَ، قالَ: لا يكونُ طَلاقًا، نَوى أو لَم يَنوِ، قيلَ: فيهِ كفَّارةُ الظِّهارِ (١). والرِّوايةُ الأُخرى: أنها يَمينٌ وعليهِ كفَّارتُها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «إذا حرَّمَ الرَّجلُ امرَأتَه فهيَ يَمينٌ يُكفِّرُها» وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [لقمان: ٢١] (٢)، ولأنه تَحريمٌ للحَلالِ أشبَهَ تَحريمَ الأمَةِ، ولأنَّ ذلكَ يُروَى عنِ الصِّديقِ (٣)

стр. 11012

وعُمرَ (١) وابنِ مَسعودٍ (٢) وعائِشةَ ﵃، ولأنَّهُ تَحريمٌ لامرَأةٍ فكانَ يَمينًا كتَحريمِ الأمَةِ. وعَنهُ رِوايةٌ ثالِثةٌ: إذا نوَى الطَّلاقَ كانَ طلاقًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ تَحريمٌ فصَحَّتِ الكِنايةُ عنهُ بالحَرامِ كَقولِه: «أنتِ الحَرَجُ»، فإنْ لَم يَنوِ الطَّلاقَ كانَ ظِهارًا. وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» ونوَى الطلاقَ والظِّهارَ معًا كانَ ظِهارًا ولم يَكنْ طلاقًا؛ لأنَّ اللفظَ الواحِدَ لا يكونُ ظِهارًا وطلاقًا، والظِّهارُ أَولى بهذا اللَّفظِ، فيَنصرِفُ إليهِ. وإنْ قالَ: «أنتِ عليَّ حَرامٌ، أعني بهِ الطلاقَ» ففِيهِ رِوايتانِ: إحدَاهُما: أنه طَلاقٌ، وهيَ المَشهورةُ؛ لأنه صَريحٌ بلَفظِ الطلاقِ. والثانيةُ: هي ظِهارٌ؛ لأنه لا يَصلحُ كِنايةً في الطلاقِ، فلَم يَصِرْ طَلاقًا لقَولِه: «أعني بهِ الطلاقَ»، كقَولِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» (٣).

стр. 11013

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في الرَّجلِ يَقولُ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ حَرامٌ» على ثَمانيةَ عشَرَ قَولًا (١). ثمَّ ذكَرَها. وقد تَقدَّمَتِ المسألةُ في بابِ الطلاقِ بأوسَعَ مِنْ ذلكَ، وذكَرْتُ كَلامًا مُطوَّلًا للإمامِ ابنِ القيِّمِ ﵀، فلْيُراجِعْه مَنْ شاءَ. تَكرارُ الظِّهارِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ ظاهَرَ مِنْ زَوجتِه ثمَّ كفَّرَ ثمَّ ظاهَرَ مِنها مرَّة ثانيةً أنه يَلزمُه كفَّارةٌ ثانيةٌ؛ لأنَّ الظِّهارَ الثاني مِثلُ الأوَّلِ، فإنه حرَّمَ الزوجةَ المُحلَّلةَ فأوجَبَ الكفَّارةَ كالأوَّلِ. إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو كرَّرَ الظِّهارَ مِرارًا ولم يَكنْ كفَّرَ، هل تُجزئُه كفَّارةٌ واحِدةٌ سَواءٌ نَوى التَّأكيدَ أو الاستِئنافَ؟ أم يَجبُ لكِلُّ ظِهارٍ كفَّارةٌ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ ظاهَرَ مِنْ زَوجتِه مِرارًا ولَم يُكفِّرْ فلا يَلزمُه إلا كفَّارةٌ واحِدةٌ، سَواءٌ كانَ في مَجلسٍ أو مَجالِسَ، وسَواءٌ نَوى بهِ التأكيدَ أو الاستِئنافَ أو أطلَقَ؛ لأنه قَولٌ لم يُؤثِّرْ تَحريمًا في الزوجةِ، فَلم تَجبْ بهِ كفَّارةُ الظِّهارِ كاليَمينِ باللهِ

стр. 11014

تَعالى، ولا يَخفَى أنه لم يُؤثِّرْ تَحريمًا؛ فإنها حُرِّمَتْ بالقَولِ الأوَّلِ، ولأنه لَفظٌ يَتعلَّقُ بهِ كفَّارةٌ، فإذا تَكرَّرَ كفاهُ كفَّارةٌ واحِدةٌ كاليَمينِ باللهِ تَعالى. إلا أنَّ المالِكيةَ قالُوا: إنْ قالَ لهَا: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» ثَلاثَ مرَّاتٍ يَنوي بقَولِه الظِّهارَ ثَلاثًا فلا يَلزمُه إلا كفَّارةٌ واحِدةٌ حتى وإنْ نَوى ثَلاثَ ظِهاراتٍ، إلا أنْ يَنويَ ثَلاثَ كفَّاراتٍ فتَلزمُه ثَلاثُ كفَّاراتٍ، مثلَ ما لو حلَفَ باللهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ يَنوي بذلكَ ثَلاثَ كفَّاراتٍ فيَلزمُه ذلكَ إنْ حنَثَ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه إنْ كانَ كرَّرَ الظِّهارَ في مَجلسٍ واحِدٍ ونَوى التَّكرارَ فكفَّارةٌ واحِدةٌ، وإنْ لم يَكنْ له نيَّةٌ فلِكلُّ ظِهارٍ كفَّارةٌ، وسَواءٌ كانَ ذلكَ في مِجلسٍ واحِدٍ أو مَجالِسَ. ولو كرَّرَ الظِّهارَ مِنْ امرأةٍ واحِدةٍ مرَّتينِ أو أكثَرَ في مَجلسٍ أو مَجالِسَ تَتكرَّرُ الكفَّارةُ بتَعدُّدِه، إلا إنْ نوَى بما بعدَ الأوَّلِ تأكيدًا فيُصدَّقُ قَضاءً فيهما، وإنْ لم يَكنْ له نيَّةٌ فلِكلِّ ظِهارٍ كفَّارةٌ؛ لأنَّ تَكرارَ الظِّهارِ في امرأةٍ

стр. 11015

واحِدةٍ كتكرارِ اليَمينِ، فكمَا يَجبُ باعتبارِ كلِّ يَمينٍ كفَّارةٌ فكذلكَ باعتبارِ كلِّ ظِهارٍ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في الجَديدِ إلى أنَّ الظِّهارَ غيرُ مَحصورِ العَددِ، وليسَ كالطلاقِ المَحصورِ بثَلاثٍ، فإذا ظاهَرَ مِنْ امرَأتِه ثمَّ كرَّرَ الظهارَ مِرارًا فهذا على ضربَينِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ مُتواليًا، فلا يَخلُو حالُه فيهِ مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يُريدَ بالتَّكرارِ التأكيدَ، فيَكونُ ظِهارًا واحِدًا تَجبُ فيهِ كفَّارةٌ واحِدةٌ، كالطلاقِ إذا كرَّرَه تأكيدًا كانَتْ طَلقةً واحِدةً. والقِسمُ الثاني: أنْ يُريدَ بهِ الاستِئنافَ، فيَكونُ بكُلِّ لَفظةٍ مِنها مُظاهِرًا، فإنْ تَكرَّرتْ خَمسَ مرَّاتٍ كانَ ظِهارُه خَمسًا، ولو كرَّرَ الطلاقَ خَمسًا لم يَكنْ إلا ثَلاثًا؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ حَصرِ الطلاقِ، ويَلزمُه خَمسُ كفَّاراتٍ؛ لأنه لمَّا ثبَتَ بما بعدَ الأوَّلِ كثُبوتِ الأوَّلِ اقتَضَى أنْ يُوجِبَ مثلَ ما أوجَبَه الأولُ. والقِسمُ الثالثُ: أنْ يُطلِقَ تَكرارَ ظِهارِه فلا يُريدَ بهِ تأكِيدًا ولا استِئنافًا، فيَكونُ ظِهارًا واحِدًا لا يَجبُ فيه إلا كفَّارةٌ واحِدةٌ؛ حَملًا على التأكيدِ.

стр. 11016

والضَّربُ الثَّاني: تَكرارُ الظِّهارِ مُتفرِّقًا، كأنَّ ظاهَرَ مِنها في يَومٍ ثمَّ أعادَ الظِّهارَ مِنْ غَدِهِ ثمَّ أعادَهُ مِنْ بعدِ غَدِهِ، فهذا على ثَلاثةِ أقسامٍ أيضًا: أحَدُها: أنْ يُريدَ بهِ التأكيدَ، فيَكونُ تأكيدًا كالمُتَوالي، ولا يَلزمُه إلا كفَّارةٌ واحِدةٌ. والقِسمُ الثاني: أنْ يُريدَ بهِ الاستِئنافَ، فيَكونُ استِئنافًا يَستوي فيهِ الطلاقُ والظِّهارُ، فأما الكفَّارةُ فإنْ كانَ الظِّهارُ التالي بعدَ التَّكفيرِ عَنْ الظِّهارِ الأولِ لَزمَه في الثاني كفَّارةٌ ثانيةٌ، وكذلكَ فيما يَليهِ إذا كفَّرَ عمَّا قبْلَه، وإنْ كانَ قبلَ تَكفيرِه فعلى قَولينِ: أحَدُهما -وهو القَديمُ-: يَلزمُه في جَميعِ ذلكَ كلِّهِ كفَّارةٌ واحِدةٌ. والقَولُ الثاني -وهو الجَديدُ-: يَلزمُه في كلِّ ظِهارٍ منه كفَّارةٌ. والقِسمُ الثالثُ: أنْ لا يَنويَ تأكيدًا ولا استِئنافًا، فيُنظَرُ؛ فإنْ كانَ بعدَ التَّكفيرِ عنِ الأولِ حُمِلَ على الاستِئنافِ، وإنْ كانَ قبلَ التَّكفيرِ عَنْ الأولِ فعَلى وجهَينِ: أحَدُهما: أنه يَكونُ مَحمولًا على الاستِئنافِ كالطلاقِ، وفيما يَلزمُه مِنْ الكفَّارةِ قَولانِ على ما مضَى. والوَجهُ الثاني: أنْ يُحمَلَ على التَّأكيدِ بخِلافِ الطلاقِ (١).

стр. 11017

إذا ظاهَرَ مِنْ نِسائِه بكَلمةٍ أو بكَلماتٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا كانَ له أربَعُ زَوجاتٍ فظاهَرَ مِنْ كلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ بكَلمةٍ ووُجِدَ العَوْدُ .. لَزمَه أربَعُ كفَّاراتٍ. واختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن ظاهَرَ مِنْ نِسائِه بكَلمةٍ واحِدةٍ، هل عليهِ كفَّارةٌ لِكلِّ واحِدةٍ؟ أم تَكفيهِ كفَّارةٌ واحِدةٌ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا ظاهَرَ مِنْ نِسائِه الأربَعةِ في كَلمةٍ واحِدةٍ ك: «أنتُنَّ عليِّ كظَهرِ أمِّي» لَزمَه كفَّارةٌ واحِدةٌ؛ لأنها يَمينٌ واحِدةٌ، فلم يَجبْ بها أكثَرُ مِنْ كفَّارةٍ كاليَمينِ باللهِ تعالى. إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إلا إذا نوَى بكُلِّ واحِدةٍ كفَّارةً فيَلزمُه (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ إلى أنَّ الزوجَ إذا ظاهَرَ مِنْ أربَعِ نِسوةٍ له فعَليهِ أربَعُ كفَّاراتٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدةٍ مِنهنَّ مُحرَّمةٌ عليهِ قبلَ التَّكفيرِ، فلا يَرتفعُ التحريمُ بكفَّارةٍ واحِدةٍ كما لو أفرَدَ كلَّ واحِدةٍ بكَلمةٍ، ولأنَّ الظِّهارَ يُوجِبُ تَحريمًا مُؤقَّتًا بالكفَّارةِ، فإذا أضافَ إلى مَحالَّ مُختلِفةٍ يَثبتُ

стр. 11018

في كلِّ مَحلٍّ حُرمةٌ لا تَرتفعُ إلا بالكفَّارةِ، كالتَّطليقاتِ الثلاثِ لمَّا كانَتْ تُوجِبُ حُرمةً مُؤقَّتةً بزَوجٍ، فإذا أوجَبَها في أربَعِ نِسوةٍ بكَلمةٍ واحِدةٍ تَثبتُ في حَقِّ كلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ حُرمةٌ لا تَرتفعُ إلا بزَوجٍ، بخِلافِ اليَمينِ؛ فإنَّ الكفَّارةَ تَجبُ هُناكَ بهَتكِ حُرمةِ اسمِ اللهِ تَعالى بالحِنثِ، وذلكَ لا يَتعدَّدُ بتَعدُّدِ النِّساءِ (١).

стр. 11019

الرُّكنُ الرَّابعُ: المشَبَّهُ بهِ: المَقصودُ بالمُشبَّهِ بهِ الأُمُّ، ويُلحَقُ بها كلُّ مُحرَّمةٍ على التَّأبيدِ بنَسَبٍ أو رَضاعٍ أو صِهرٍ (١)، وللعُلماءِ تَفصيلٌ في ذلكَ، واشتَرطُوا شُروطًا في المُشبَّهِ به أو المُظاهَرِ به، وبَيانُه فيما يلي: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ المشبَّهُ به مِنْ جِنسِ النِّساءِ، فلو قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أبي» هل يَصحُّ أم لا؟ اشتَرطَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ -وهو قولُ ابنِ حَبيبٍ مِنْ المالِكيةِ- أنْ يكونَ المُشبَّهُ به مِنْ جِنسِ النِّساءِ كالأمِّ والأُختِ، فلو قالَ لها: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أبي، أو ابنِي» لا يَصحُّ الظِّهارُ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو قولُ أكثَرِ العُلماءِ؛ لأنه تَشبيهٌ بما ليسَ بمَحلٍّ للاستِمتاعِ، أشبَهَ ما لو قالَ: «أنتِ عليَّ كَمالِ زَيدٍ» (٢)، ولأنَّ الظِّهارَ عُرفَ مُوجِبًا للكفَّارةِ بالشَّرعِ، والشرعُ إنَّما ورَدَ بها فيما كانَ المُظاهَرُ بهِ امرَأةً كالأمِّ ومَن جَرى مَجراها مِنْ ذَواتِ المَحارمِ التي لا يَجوزُ لهُ أنْ يَستبيحَ النَّظرَ إلى ظَهرِها بحالٍ، وهوَ يَجوزُ لهُ النَّظرُ إلى ظَهرِ أبيهِ، والأبُ والأجنَبيُّ في ذلكَ سَواءٌ، ولو قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ الأجنَبيِّ» لم يَكنْ شيئًا، فكذلكَ ظَهرُ الأبِ وإنْ كانَ ظَهرُه حَرامًا.

стр. 11020

والفَرقُ بينَهُما مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ ظَهْرَ الأمِّ مَحلٌّ للاستِمتاعِ، فاختُصَّ بتَحريمِ المُظاهَرةِ، وليسَ ظَهرُ الأبِ مَحلًّا لهُ، فانتَفى عنهُ تَحريمُ المُظاهَرةِ. والثاني: أنَّ الأمَّ مَحلٌّ للطلاقِ فاختَصَّتْ بالظِّهارِ، وليسَ الأبُ مَحلًّا لهُ، فلم يَتعلَّقْ به ظِهارٌ. لكنْ إنْ قالَ: «أنتِ عليَّ كفَرْجِ أبي، أو ابنِي» كانَ مُظاهِرًا عِنْدَ الحَنفيَّةِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَصحُّ تَشبيهُ الزوجةِ بالرِّجالِ، فمَن قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أبِي» أو كظَهرِ غَيرِه مِنْ الرِّجالِ الأقارِبِ والأجانِبِ فظِهارٌ؛ لأنه شبَّهَها بظَهرِ مَنْ يَحرمُ عليهِ، أشبَهَ ظَهْرَ الأمِّ. ولو قالَ: «كأبِي، أو غُلامِي» ولم يُسَمِّ الظَّهرَ لم يَكنْ ظِهارًا (٢).

стр. 11021

الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يُشبِّهَها بعُضوٍ لا يَحِلُّ له النَّظرُ إليهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الرَّجلِ إذا شبَّهَ زَوجتَه بعُضوٍ مِنْ أمِّه يَحلُّ النَّظرُ إليهِ كاليَدِ والرَّأسِ والوَجهِ بأنْ قالَ لها: «أنتِ عليَّ كيَدِ أمِّي، أو كرَأسِ أمِّي، أو كوَجهِ أمِّي» هل يَكونُ مُظاهِرًا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يُشترطُ أنْ يكونَ التَّشبيهُ بعُضوٍ لا يَحلُّ له النَّظرُ إليه مِنْ الظَّهرِ والبَطنِ والفَخذِ والفَرجِ، أما لو شبَّهَها برَأسِ أمِّه أو بوَجهِها أو يَدِها أو رَجلِها فلا يَصيرُ مُظاهِرًا؛ لأنَّ هذهِ الأعضاءَ مِنْ أمِّه يَحلُّ له النَّظرُ إليها (١). وذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا شبَّهَ زَوجتَه بعُضوٍ مِنْ أعضاءِ أمِّه -سَواءٌ كانَ ممَّا يَحلُّ لهُ النَّظرُ إليهِ أم ممَّا لا يَحلُّ- كانَ مُظاهِرًا. قالَ المالِكيةُ: إذا شبَّهَ امرأتَهُ بعُضوٍ مِنْ أعضاءِ أمِّهِ ك: «أنتِ عَليَّ مِثلَ رأسِها، أو شَعرِها، أو يَدِها» أو غيرِ ذلكَ مِنْ أعضائِها كانَ ظِهارًا؛ لأنه عُضوٌ مِنْ أمِّهِ شبَّهَ امرَأتَه به، فكانَ ظِهارًا، أصلُه الظَّهرُ (٢).

стр. 11022

وقالَ الشافِعيةُ: إنْ شبَّهَ امرَأتَه بعُضوٍ مِنْ أعضاءِ أمِّه غيرِ ظَهرِها بأنْ قالَ: «أنتِ عليَّ كرَأسِ أمِّي، أو كيَدِها، أو كرِجلِها» أو شبَّهَ عُضوًا مِنْ زَوجتِه بظَهرِ أمِّهِ بأنْ قالَ: «يدُكِ، أو رِجلُكِ، أو فَرجُكِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» كانَ ظِهارًا إنْ نوَى أنها كظَهرِ أمِّه في التحريمِ؛ لأنه شبَّهَ زَوجتَه بعُضوٍ مِنْ أعضاءِ أمِّهِ، فكانَ ظِهارًا كما لو شبَّهَها بفَخذِها أو فَرجِها. وإنْ قصَدَ كَرامةً فلا يَكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ تُستعملُ في الكَرامةِ والإعزازِ. وكذا لا يَكونُ ظِهارًا إنْ أطلَقَ في الأصَحِّ؛ حَملًا على الكَرامةِ لاحتِمالِها. والثاني: يُحمَلُ على الظِّهارِ؛ لأنَّ اللفظَ صَريحٌ في التَّشبيهِ ببَعضِ أجزاءِ الأمِّ (١). وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: إنْ شبَّهَ عُضوًا مِنْ امرَأتِه بظَهرِ أمِّه أو عُضوٍ مِنْ أعضائِها فهو مُظاهِرٌ، فلو قالَ: «فَرجُكِ، أو ظَهرُكِ، أو رأسُكِ، أو جِلدُكِ عليَّ كظَهرِ أمِّي، أو بَدنِها، أو رَأسِها، أو يَدِها» فهو مُظاهِرٌ؛ لأنه شبَّهَها بعُضوٍ مِنْ أمِّه فكانَ مُظاهِرًا كما لو شبَّهَها بظَهرِها، وفارَقَ الزوجةَ؛ فإنه لو

стр. 11023

شبَّهَها بظَهرِها لم يَكنْ مُظاهِرًا، والنظرُ إنْ لم يَحرمْ فإنَّ التلذذَ يَحرمُ، وهو المُستفادُ بعَقدِ النكاحِ. وعَن أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى أنه ليسَ بمُظاهِرٍ حتى يُشبِّهَ جُملةَ امرَأتِه؛ لأنه لو حلَفَ باللهِ لا يَمَسُّ عُضوًا مِنها لم يَسْرِ إلى غَيرِه، فكذلكَ المُظاهَرةُ، ولأنَّ هذا ليسَ بمَنصوصٍ عليهِ ولا هو في مَعنَى المَنصوصِ؛ لأنَّ تَشبيهَ جُملتِها تَشبيهٌ لمَحلِّ الاستِمتاعِ بما يَتأكَّدُ تَحريمُه لجُملَتِها، فيَكونُ آكَدَ. وإنْ قالَ: «كشَعرِ أمِّي، أو سِنِّها، أو ظُفرِها» أو شبَّهَ شَيئًا مِنْ ذلكَ مِنْ امرَأتِه بأمِّه أو بعُضوٍ مِنْ أعضائِها الثلاثةِ لم يَكنْ مُظاهرًا؛ لأنها ليسَتْ مِنْ أعضاءِ الأمِّ الثابتةِ ولا يقَعُ الطلاقُ بإضافَتِه إليها، فكذلكَ الظِّهارُ (١). الشَّرطُ الثَّالثُ: أنْ تَكونَ هذهِ الأعضاءُ مِنْ امرأةٍ تَحرُمُ عليهِ على التَّأبيدِ: يُوجَدُ تَفصيلٌ كَبيرٌ في هَذا الشَّرطِ عندَ العُلماءِ، وبَيانُ ذلكَ فيما يلي: أولاً: إذا شَبَّهَ زوْجَتَه بمَن تَحرُمُ عليهِ على التَّأبيدِ كأمِّه وجَدَّتِه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزوجَ إذا شبَّهَ زَوجتَه بمَن تَحرمُ عليهِ على التَّأبيدِ كأمِّه بأنْ قالَ: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» صارَ مُظاهِرًا، وكذا جدَّته عندَ المَذاهبِ الأربَعةِ.

стр. 11024

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ صَريحَ الظِّهارِ أنْ يَقولَ الرَّجلُ لامرأتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فهذا ظِهارٌ إجماعًا، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ تصريحَ الظِّهارِ أنْ يقولَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي»، وفي حَديثِ خُوَيلةَ امرأةِ أَوسِ بنِ الصَّامتِ أنه قالَ لها: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فذكَرَ ذلكَ لرَسولِ اللهِ ﷺ فأمَرَه بالكفَّارةِ (٢). ثَانيًا: إذا شَبَّهَ زوْجَتَه بمَن تَحرُمُ عَليهِ على التَّأبيدِ كأُختِه وخالَتِه وعَمَّتِه: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ -وهو المَذهبُ- والحَنابلةُ -وهوَ قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ- إلى أنَّ الزوجَ إذا شبَّهَ زَوجتَه بامرَأةٍ تَحرمُ عليهِ على التأبيدِ كابنَتِه وأُختِه وعمَّتِه وخالَتِه وبَناتِ أُختِه وبَناتِ أَخيهِ وجَدَّتِه فهو ظِهارٌ. فمَن قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُختِي، أو ابنَتِي، أو عمَّتِي، أو خالَتي، أو بنتِ أُختِي، أو بنتِ أخِي» صارَ مُظاهِرًا؛ لأنهنَّ مُحرَّماتٌ بالقَرابةِ فأشبَهْنَ الأمَّ، وتَعليقُ الحُكمِ بالأمِّ لا يَمنعُ ثُبوتَ الحُكمِ في غيرِها إذا كانَتْ

стр. 11025

مِثلَها؛ لقَولِه تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلى قَولِه تَعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فأخبَرَ أنَّ الظهارَ مُنكَرٌ مِنْ القَولِ وزُورٌ، ولأنه يُشبِّهُ زَوجتَه بمَن ليسَتْ كهيَ، وهذا المَعنى مَوجودٌ فيما إذا شبَّهَها بذَواتِ المَحارِم (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنه لا يَكونُ ظِهارًا إذا شبَّهَها بامرَأةٍ مِنْ ذَواتِ مَحارمِه غيرَ الأمِّ والجدَّةِ، بأنْ قالَ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ ابنَتِي، أو أُختِي، أو عمَّتِي، أو خالَتي أو ابنَةِ أخِي»؛ لأنَّ الظهارَ الذي ورَدَ به القُرآنُ أنْ يُشبِّهَها بظَهرِ أمِّه، وللأمِّ مِنْ الحُرمةِ ما ليسَ لغيرِها؛ بدَليلِ أنه إذا ملَكَ أمَّه .. عُتِقتْ عليهِ، وهذا المَعنى لا يُوجَدُ في غيرِ الأمِّ، فلَم يَكنْ بالتَّشبيهِ بها مُظاهِرًا (٢).

стр. 11026

ثالِثًا: أنْ يُشبِّهَها بمَن تَحرمُ عليهِ على التَّأبيدِ كالأمَّهاتِ المرضِعاتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شبَّهَ زَوجتَه بظَهرِ مَنْ تَحرمُ عليهِ على التأبيدِ سِوى الأقارِبِ كأمِّهِ مِنْ الرَّضاعةِ، والأخواتِ مِنْ الرَّضاعةِ، وحلائِلِ الأبناءِ والآباءِ، وأمِّهاتِ النِّساءِ كأمِّ امرَأتِه، وبنتِ امرَأتِه التي دخَلَ بها، هل يُعتبَرُ مُظاهِرًا أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنه يَكونُ ظِهارًا، لأنه يَحرمُ عليهِ نِكاحُهنَّ على التأبيدِ، وكذا أمُّ امرَأتِه، سَواءٌ كانَتِ امرَأتُه مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، لأنَّ نفْسَ العَقدِ على البِنتِ مُحرِّمٌ للأمِّ، فكانَتْ مُحرَّمةً عليه على التأبيدِ، وأمَّا بنتُ امرَأتِه فإنْ كانَتِ امرَأتُه مَدخولًا بها فكذلكَ؛ لأنه إذا دخَلَ بها فقدْ حَرُمتْ عليهِ ابنَتُها على التأبيدِ، وإنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها لا يَصيرُ مُظاهِرًا؛ لعَدمِ الحُرمةِ على التأبيدِ (١).

стр. 11027

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنه إنْ شبَّهَها بمُحرَّمةٍ عليهِ برِضاعٍ أو مُصاهَرةٍ .. نُظِرَ: فإنْ شبَّهَها بمَن حلَّتْ له ثمَّ حُرِّمتْ عليه كأمِّ امرَأتِه ومَن تَزوَّجَها أبوهُ بعدَ وِلادتِه وأختِه مِنْ الرِّضاعِ بعدَ وِلادتِه .. لم يَكنْ ظِهارًا؛ لأنه لم يُشبِّهْها بالأمِّ ولا بمَن يُشبِهُها في التحريمِ، فلَم يَصرْ بذلكَ مُظاهِرًا كما لو شبَّهَها ببَهيمةٍ. وإنْ شبَّهَها بمَن تَحرمُ عليهِ على التأبيدِ ولم تَحِلَّ له قطُّ بأنْ شبَّهَها بامرأةٍ تزوَّجَها أبوهُ قبلَ أنْ يُولَدَ أو بأُختٍ له مِنْ الرَّضاعةِ أرضَعَتْها أمُّه قبلَ وِلادتِه .. فهي كالأُختِ والعمَّةِ على القولَينِ السابقَينِ، الجَديدُ مِنهُما: إنه ظِهارٌ، والقَديمُ: ليسَ بظِهارٍ (١). رابعًا: أنْ يُشبِّهَها بمَن لا تَحرمُ عليهِ على التَّأبيدِ كالأجنَبيةِ وأختِ امرَأتِه وعَمَّتِها وخالَتِها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن شبَّهَ زَوجتَه بامرَأةٍ مُحرَّمةٍ عليهِ في الحالِ وهي تَحلُّ له في حالٍ آخَرَ، أي مُحرَّمةٍ عليهِ تَحريمًا مُؤقَّتًا كأُختِ زَوجتِه وعمَّتِها

стр. 11028

وخالَتِها أو أيِّ امرَأةٍ أجنبيَّةٍ لها زَوجٌ، بأنْ قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُختِكِ، أو عمَّتِكِ، أو خالَتِكِ، أو كظَهرِ فُلانةَ الأجنَبيةِ عنه» أو شبَّهَها بامرَأةٍ فُرِّقَ بينَه وبينَها بلِعانٍ، هل يَصحُّ الظِّهارُ بهذا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَكونُ ظِهارًا؛ لأنهنَّ غيرُ مُحرَّماتٍ على التأبيدِ، فلا يَكونُ التَّشبيهُ بهنَّ ظِهارًا كالحائِضِ والمُحرِمةِ مِنْ نِسائِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يكونُ ظِهارًا؛ لأنه شبَّهَها بمُحرَّمةٍ، فأشبَهَ ما لو شبَّهَها بالأمِّ، ولأنَّ مُجرَّدَ قولِه: «أنتِ عليَّ حرامٌ» ظِهارٌ إذا نَوى بهِ الظِّهارَ، والتشبيهُ بالمُحرَّمةِ تَحريمٌ، فكانَ ظِهارًا. ولأنه شبَّهَ فَرجًا مُحلَّلًا له بفَرجٍ مُحرَّمٍ عليه، فكانَ مُؤثِّرًا في التَّحريمِ كذواتِ المَحارمِ (٢).

стр. 11029

إذا قالَتِ المرأةُ: «أنتَ عَليَّ كظَهرِ أبِي»: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الظِّهارَ يَكونُ مِنْ الرَّجلِ، فإذا قالَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» صارَ مُظاهِرًا. واتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ أيضًا -إلا رِوايةً عنِ الإمامِ أحمَدَ- على أنَّ المرأةَ إذا قالَتْ لزَوجِها: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبِي» أو قالَتْ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانًا فهو عليَّ كظَهرِ أبِي» فليسَ ذلكَ بظِهارٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، فهذا خِطابٌ للذُّكورِ دُونَ الإناثِ فخَصَّهُم بذلكَ، ولأنه قولٌ يُوجِبُ تَحريمًا في الزوجةِ يَملِكُ الزوجُ رفْعَه، فاختصَّ بهِ الرَّجلُ كالطلاقِ، ولأنَّ الحِلَّ في المَرأةِ حقٌّ للرَّجلِ، فلَم تَملكِ المَرأةُ إزالتَه كسائرِ حُقوقِه، ولأنها يَمينٌ يَحرمُ بها الوَطءُ بالقَولِ، فلم يَصحَّ مِنْ المَرأةِ كالإيلاءِ، ولأنه قَولٌ مِنْ غَيرِ الزوجِ المالِكِ للوَطءِ كالأجنَبيِّ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يَكنْ له أنْ يُطلِّقَ بحالٍ لم يَكنْ له أنْ يُظاهِرَ، كالأجنَبيةِ (١).

стр. 11030

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإنْ قالَتِ امرَأةُ رَجلٍ لهُ: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبِي، أو أمِّي» لم يَكنْ ظِهارًا ولا عليها كفَّارةٌ؛ مِنْ قِبَلِ أنه ليسَ لها أنْ تُوقِعَ التَّحريمَ على رَجلٍ، إنَّما للرَّجلِ أنْ يُوقِعَه عليها (١). وقالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وليسَ على النِّساءِ ظِهارٌ، وإنما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ولم يَقُلْ: اللَّائِي يَظَّهَّرْنَ مِنكنَّ مِنْ أزواجِهنَّ، إنَّما الظِّهارُ على الرِّجالِ، قالَ القُرطبيُّ ﵀: قالَ ابنُ العرَبيِّ: هكَذا رُويَ عنِ ابنِ القاسمِ وسالمٍ ويَحيَى بنِ سَعيدٍ ورَبيعةَ وأبي الزِّنادِ، وهو صَحيحٌ مَعنًى؛ لأنَّ الحَلَّ والعَقدَ والتَّحليلَ والتحريمَ في النكاحِ بِيَدِ الرِّجالِ ليسَ بيَدِ المَرأةِ منه شَيءٌ، وهذا إجماعٌ، قالَ أبو عُمرَ: ليسَ على النِّساءُ ظِهارٌ في قَولِ جُمهورِ العُلماءِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا قالَتْ لزَوجِها: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبي» أو قالَتْ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانًا فهو عليَّ كظَهرِ أبِي» فليسَ ذلكَ بظِهارٍ، قالَ القاضِي: لا تكونُ مُظاهِرةً رِوايةً واحِدةً، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ،
следующие страницы →