← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

ثالِثًا: أنْ يُشبِّهَها بمَن تَحرمُ عليهِ على التَّأبيدِ كالأمَّهاتِ المرضِعاتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شبَّهَ زَوجتَه بظَهرِ مَنْ تَحرمُ عليهِ على التأبيدِ سِوى الأقارِبِ كأمِّهِ مِنْ الرَّضاعةِ، والأخواتِ مِنْ الرَّضاعةِ، وحلائِلِ الأبناءِ والآباءِ، وأمِّهاتِ النِّساءِ كأمِّ امرَأتِه، وبنتِ امرَأتِه التي دخَلَ بها، هل يُعتبَرُ مُظاهِرًا أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ إلى أنه يَكونُ ظِهارًا، لأنه يَحرمُ عليهِ نِكاحُهنَّ على التأبيدِ، وكذا أمُّ امرَأتِه، سَواءٌ كانَتِ امرَأتُه مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، لأنَّ نفْسَ العَقدِ على البِنتِ مُحرِّمٌ للأمِّ، فكانَتْ مُحرَّمةً عليه على التأبيدِ، وأمَّا بنتُ امرَأتِه فإنْ كانَتِ امرَأتُه مَدخولًا بها فكذلكَ؛ لأنه إذا دخَلَ بها فقدْ حَرُمتْ عليهِ ابنَتُها على التأبيدِ، وإنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها لا يَصيرُ مُظاهِرًا؛ لعَدمِ الحُرمةِ على التأبيدِ (١).

стр. 11027

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنه إنْ شبَّهَها بمُحرَّمةٍ عليهِ برِضاعٍ أو مُصاهَرةٍ .. نُظِرَ: فإنْ شبَّهَها بمَن حلَّتْ له ثمَّ حُرِّمتْ عليه كأمِّ امرَأتِه ومَن تَزوَّجَها أبوهُ بعدَ وِلادتِه وأختِه مِنْ الرِّضاعِ بعدَ وِلادتِه .. لم يَكنْ ظِهارًا؛ لأنه لم يُشبِّهْها بالأمِّ ولا بمَن يُشبِهُها في التحريمِ، فلَم يَصرْ بذلكَ مُظاهِرًا كما لو شبَّهَها ببَهيمةٍ. وإنْ شبَّهَها بمَن تَحرمُ عليهِ على التأبيدِ ولم تَحِلَّ له قطُّ بأنْ شبَّهَها بامرأةٍ تزوَّجَها أبوهُ قبلَ أنْ يُولَدَ أو بأُختٍ له مِنْ الرَّضاعةِ أرضَعَتْها أمُّه قبلَ وِلادتِه .. فهي كالأُختِ والعمَّةِ على القولَينِ السابقَينِ، الجَديدُ مِنهُما: إنه ظِهارٌ، والقَديمُ: ليسَ بظِهارٍ (١). رابعًا: أنْ يُشبِّهَها بمَن لا تَحرمُ عليهِ على التَّأبيدِ كالأجنَبيةِ وأختِ امرَأتِه وعَمَّتِها وخالَتِها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن شبَّهَ زَوجتَه بامرَأةٍ مُحرَّمةٍ عليهِ في الحالِ وهي تَحلُّ له في حالٍ آخَرَ، أي مُحرَّمةٍ عليهِ تَحريمًا مُؤقَّتًا كأُختِ زَوجتِه وعمَّتِها

стр. 11028

وخالَتِها أو أيِّ امرَأةٍ أجنبيَّةٍ لها زَوجٌ، بأنْ قالَ لزَوجتِه: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أُختِكِ، أو عمَّتِكِ، أو خالَتِكِ، أو كظَهرِ فُلانةَ الأجنَبيةِ عنه» أو شبَّهَها بامرَأةٍ فُرِّقَ بينَه وبينَها بلِعانٍ، هل يَصحُّ الظِّهارُ بهذا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَكونُ ظِهارًا؛ لأنهنَّ غيرُ مُحرَّماتٍ على التأبيدِ، فلا يَكونُ التَّشبيهُ بهنَّ ظِهارًا كالحائِضِ والمُحرِمةِ مِنْ نِسائِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يكونُ ظِهارًا؛ لأنه شبَّهَها بمُحرَّمةٍ، فأشبَهَ ما لو شبَّهَها بالأمِّ، ولأنَّ مُجرَّدَ قولِه: «أنتِ عليَّ حرامٌ» ظِهارٌ إذا نَوى بهِ الظِّهارَ، والتشبيهُ بالمُحرَّمةِ تَحريمٌ، فكانَ ظِهارًا. ولأنه شبَّهَ فَرجًا مُحلَّلًا له بفَرجٍ مُحرَّمٍ عليه، فكانَ مُؤثِّرًا في التَّحريمِ كذواتِ المَحارمِ (٢).

стр. 11029

إذا قالَتِ المرأةُ: «أنتَ عَليَّ كظَهرِ أبِي»: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الظِّهارَ يَكونُ مِنْ الرَّجلِ، فإذا قالَ الزوجُ لزَوجتِه: «أنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» صارَ مُظاهِرًا. واتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ أيضًا -إلا رِوايةً عنِ الإمامِ أحمَدَ- على أنَّ المرأةَ إذا قالَتْ لزَوجِها: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبِي» أو قالَتْ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانًا فهو عليَّ كظَهرِ أبِي» فليسَ ذلكَ بظِهارٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]، فهذا خِطابٌ للذُّكورِ دُونَ الإناثِ فخَصَّهُم بذلكَ، ولأنه قولٌ يُوجِبُ تَحريمًا في الزوجةِ يَملِكُ الزوجُ رفْعَه، فاختصَّ بهِ الرَّجلُ كالطلاقِ، ولأنَّ الحِلَّ في المَرأةِ حقٌّ للرَّجلِ، فلَم تَملكِ المَرأةُ إزالتَه كسائرِ حُقوقِه، ولأنها يَمينٌ يَحرمُ بها الوَطءُ بالقَولِ، فلم يَصحَّ مِنْ المَرأةِ كالإيلاءِ، ولأنه قَولٌ مِنْ غَيرِ الزوجِ المالِكِ للوَطءِ كالأجنَبيِّ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لم يَكنْ له أنْ يُطلِّقَ بحالٍ لم يَكنْ له أنْ يُظاهِرَ، كالأجنَبيةِ (١).

стр. 11030

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإنْ قالَتِ امرَأةُ رَجلٍ لهُ: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبِي، أو أمِّي» لم يَكنْ ظِهارًا ولا عليها كفَّارةٌ؛ مِنْ قِبَلِ أنه ليسَ لها أنْ تُوقِعَ التَّحريمَ على رَجلٍ، إنَّما للرَّجلِ أنْ يُوقِعَه عليها (١). وقالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وليسَ على النِّساءِ ظِهارٌ، وإنما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ولم يَقُلْ: اللَّائِي يَظَّهَّرْنَ مِنكنَّ مِنْ أزواجِهنَّ، إنَّما الظِّهارُ على الرِّجالِ، قالَ القُرطبيُّ ﵀: قالَ ابنُ العرَبيِّ: هكَذا رُويَ عنِ ابنِ القاسمِ وسالمٍ ويَحيَى بنِ سَعيدٍ ورَبيعةَ وأبي الزِّنادِ، وهو صَحيحٌ مَعنًى؛ لأنَّ الحَلَّ والعَقدَ والتَّحليلَ والتحريمَ في النكاحِ بِيَدِ الرِّجالِ ليسَ بيَدِ المَرأةِ منه شَيءٌ، وهذا إجماعٌ، قالَ أبو عُمرَ: ليسَ على النِّساءُ ظِهارٌ في قَولِ جُمهورِ العُلماءِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا قالَتْ لزَوجِها: «أنتَ عليَّ كظَهرِ أبي» أو قالَتْ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانًا فهو عليَّ كظَهرِ أبِي» فليسَ ذلكَ بظِهارٍ، قالَ القاضِي: لا تكونُ مُظاهِرةً رِوايةً واحِدةً، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ،

стр. 11031

مِنهُم مالِكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ (١). وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: وحَكى ابنُ شِهابٍ وأبو يَعلى ابنُ أبي حازمٍ رِوايةً أُخرى: أنها تُكونُ مُظاهِرةً، وقالَا: اختارَها أبو بَكرٍ، وزَادُ ابنُ أبي حِازمٍ: والقاضي والشَّريفُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ ﵃ قَضَوا في ذلكَ بكفَّارةِ الظِّهارِ، وسبَبُها الظهارُ، فدَلَّ على أنها تَكونُ مُظاهِرةً، وقِياسًا لأحَدِ الزَّوجَينِ على الآخَرِ، وعلى هذا تَجبُ كفَّارةُ الظِّهارِ بلا رَيبٍ (٢). إلا إنهمُ اختَلفُوا هل يَجبُ عليها كفَّارةُ يَمينٍ؟ أم كفَّارةُ ظِهارٍ؟ أم لا يَجبُ عليها شَيءٌ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَلزمُها كفَّارةٌ ولا يَلزمُها بظِهارِها شَيءٌ؛ لأنه قَولُ مُنكَرٍ وزَورٍ، وليسَ بظِهارٍ فلَم يُوجِبْ كفَّارةً كالسَّبِ والقَذفِ، ولأنه قَولٌ ليسَ بظِهارٍ، فلَم يُوجِبْ كفَّارةَ الظِّهارِ كسائرِ الأقوالِ، أو تَحريمٌ ممَّن لا يَصحُّ مِنه الظهارُ، فأشبَهَ الظهارَ مِنْ أمَتِه (٣).

стр. 11032

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَلزمُها كفَّارةُ الظِّهارِ؛ لِمَا روَى الأثرَمُ بإسنادِه عَنْ إبراهيمَ «أنَّ عائِشةَ بنتَ طَلحةَ قالَتْ: إنْ تَزوَّجتُ مُصعبَ بنَ الزُّبيرِ فهو عليَّ كظَهرِ أبِي، فسألَتْ أهلَ المَدينةِ فرَأَوا أنَّ عَليها الكفَّارةَ» (١). ورَوى عليُّ بنُ مُسهِرٍ عنِ الشَّيبانِيِّ قالَ: كنْتُ جالِسًا في المَسجدِ أنا وعَبدُ اللهِ بنُ المُغفَّلِ المُزَنِيُّ فَجاءَ رَجلٌ حتى جلَسَ إلَينا فسألتُه: مَنْ أنتَ؟ فقالَ: أنا مَولًى لعائِشةَ بنتِ طَلحةَ التي أعتَقتْني عن ظِهارِها، خطَبَها مُصعبُ بنُ الزُّبيرِ فقالَتْ: هو عليَّ كظَهرِ أبي إنْ تَزوَّجتُه، ثمَّ رَغبَتْ فيهِ فاستَفتَتْ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ وهُم يَومَئذٍ كَثيرٌ فأمَرُوها أنْ تُعتِقَ رَقبةً وتَتزوَّجَه، فأعتَقتْنِي وتَزوَّجتْه». ولأنها زَوجٌ أتَى بالمُنكَرِ مِنْ القَولِ والزُّورِ، فلَزمَه كفَّارةُ الظِّهارِ كالآخَرِ، ولأنَّ الواجِبَ كفَّارةُ يَمينٍ، فاستَوى فيها الزَّوجانِ كاليَمينِ باللهِ تعالى. فعَلى هذا: لا تَجبُ عليها الكفَّارةُ حتى يطَأَها وهي مُطاوِعةٌ، فإنْ طلَّقَها أو ماتَ أحَدُهما قبلَ وَطئِها أو إكراهِها على الوَطءِ فلا كفَّارةَ عليها؛ لأنها يَمينٌ فلا تَجبُ كفَّارتُها قبلَ الحِنثِ فيها كسائِرِ الأيمانِ، ولا يَجبُ

стр. 11033

تَقديمُها قبلَ المَسيسِ ككَفَّاراتِ سائرِ الأيمانِ، ويَجوزُ تَقديمُها لذلكَ، وعليها تَمكينُ زَوجِها مِنْ وَطئِها قبلَ التَّكفيرِ؛ لأنه حَقٌّ له عليها فلا يَسقطُ بيَمينِها، ولأنه ليسَ بظِهارٍ، وإنَّما هو تَحريمٌ لحَلالٍ، فلا يُثبِتُ تَحريمًا كما لو حَرَّمَ طَعامَه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وحُكيَ أنَّ ظاهرَ كَلامِ أبي بَكرٍ أنها لا تُمكِّنُه قبلَ التكفيرِ؛ إلحاقًا بالرَّجلِ. وليسَ ذلكَ بجيِّدٍ؛ لأنَّ الرَّجلَ الظِّهارُ منه صَحيحٌ، ولا يَصحُّ ظِهارُ المرأةِ، ولأنَّ الحِلَّ حقُّ الرَّجلِ، فملَكَ رفْعَه، والحِلُّ حقٌّ عليها، فلا تَملكُ إزالَتَه (١). وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ عليها كفَّارةَ يَمينٍ، بمَنزلةِ مَنْ حرَّمَ على نفسِه شَيئًا مثلَ الطَّعامِ وما أشبَهَه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا أقيَسُ على مَذهبِ أحمَدَ وأشبَه بأصُولِه؛ لأنه ليسَ بظِهارٍ، ومُجرَّدُ القَولِ مِنْ المُنكَرِ والزُّورِ لا يُوجِبُ كفَّارةَ الظهارِ، بدَليلِ سائرِ الكَذبِ والظِّهارِ قبلَ العَوْدِ والظهارِ مِنْ أمَتِه وأمِّ ولَدِه، ولأنه تَحريمٌ لا يُثبِتُ التحريمَ في المَحلِّ، فلمْ يُوجِبْ كفَّارةَ الظهارِ كتَحريمِ سائرِ الحَلالِ، ولأنه ظِهارٌ مِنْ غيرِ امرَأتِه، فأشبَهَ الظهارَ مِنْ أمَتِه، وما رُويَ عن عائِشةَ بنتِ طَلحةَ

стр. 11034

في عِتقِ الرَّقبةِ فيَجوزُ أنْ يكونَ إعتاقُها تَكفيرًا ليَمينِها، فإنَّ عِتقَ الرَّقبةِ أحَدُ خِصالِ كفَّارةِ اليَمينِ، ويَتعيَّنُ حَملُه على هذا؛ لكَونِ المَوجودِ مِنها ليسَ بظِهارٍ، وكلامُ أحمَدَ في رِوايةِ الأثرَمِ لا يَقتضي وُجوبَ كفَّارةِ الظهارِ، إنَّما قالَ: الأحوَطُ أنْ تُكفِّرَ، وكذا حَكاهُ ابنُ المُنذِرِ. ولا شَكَّ في أنَّ الأحوَطَ التَّكفيرُ بأغلَظِ الكفَّاراتِ؛ لِيخرجَ مِنْ الخِلافِ، ولكنْ ليسَ ذلكَ بواجبٍ عليه؛ لأنه ليسَ بمَنصوصٍ عليه ولا هو في معنَى المَنصوصِ، وإنَّما هو تَحريمٌ للحَلالِ مِنْ غيرِ ظِهارٍ، فأشبَهَ ما لو حرَّمَ أمَتَه أو طَعامَه، وهذا قولُ عَطاءٍ، واللهُ أعلَمُ (١). أثَرُ الظِّهارِ: إذا صَحَّ الظِّهارُ وتَحقَّقتْ شُروطُه ترتَّبَ عليهِ الآثارُ التاليةُ: أولاً: حُرمةُ الوَطءِ قبْلَ التَّكفيرِ عنِ الظِّهارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ المُظاهِرَ يَحرمُ عليهِ وَطءُ امرَأتِه قبْلَ أنْ يُكفِّرَ إذا كانَتِ الكفَّارةُ عِتقًا أو صَومًا، لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾ ثمَّ قالَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣، ٤]، فنَصَّ على تَحريمِ الوَطءِ قبلَ العِتقِ والصِّيامِ.

стр. 11035

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: أمَّا تَحريمُ المَسيسِ قبلَ التَّكفيرِ بالعِتقِ والصِّيامِ فمِمَّا أجابَه النَّصُ وأجمَعَ عليهِ الفُقهاءُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٣، ٤] (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: المُظاهِرُ يَحرمُ عليهِ وَطءُ امرَأتِه قبلَ أنْ يُكفِّرَ، وليسَ في ذلكَ اختِلافٌ إذا كانَتِ الكفَّارةُ عِتقًا أو صَومًا (٢). إلا أنَّهمُ اختَلفُوا هل يَجوزُ له أنْ يَطأَها قبلَ أنْ يُكفِّرَ بالإطعام أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأكثَرُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ التَّكفيرَ بالإطعامِ مثلُ ذلكَ، وأنه يَحرمُ عليهِ وَطؤُها قبْلَ التَّكفيرِ؛ لأنَّ الإطعامَ في مِعناهُما، ولِما رَوى عِكرمةُ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ قدْ ظاهَرَ مِنْ امرَأتِهِ فوقَعَ عليها فقَال: يا رَسولَ اللهِ إني قد ظاهَرْتُ مِنْ زَوجتِي فوقَعْتُ عليها قبلَ أنْ أُكفِّرَ، فقالَ: وما حمَلَكَ على ذلكَ يَرحمُكَ اللهُ؟ قالَ: رأيتُ خلخالَها في ضَوءِ القمَرِ، قالَ: «فلا تَقرَبْها حتى تَفعلَ ما أمَرَكَ اللهُ بهِ» (٣)، ولأنه مُظاهِرٌ لم يُكفِّرْ، فحَرُمَ عليهِ جِماعُها كما لو كانَتْ كفَّارتُه العِتقَ أو الصِّيامَ، وتَركُ النَّصِّ عليها لا يَمنعُ قِياسَها على المَنصوصِ الذي في مَعناها.

стр. 11036

قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ويَستَوي في هذهِ الأحكامِ جَميعُ أنواعِ الكفَّاراتِ كلِّها مِنْ الإعتاقِ والصِّيامِ والطَّعامِ، أعنِي كما أنه لا يُباحُ له وَطؤُها والاستِمتاعُ بها قبلَ التَّحريرِ والصَّومِ لا يُباحُ له قبلَ الإطعامِ، وهذا قَولُ عامَّةِ العُلماءِ … لأنه لو أُبيحَ له الوَطءُ قبلَ الإطعامِ فيَطؤُها ومِن الجائزِ أنه يَقدرُ على الإعتاقِ والصِّيامِ في خِلالِ الإطعامِ، فتَنتقلُ كفَّارتُه إليهِ، فتَبيَّنَ أنَّ وَطْأَه كانَ حَرامًا، فيَجبُ صِيانتُه عن الحَرامِ بإيجابِ تَقديمِ الإطعامِ احتِياطًا (١). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ وأبو ثَورٍ إلى إباحةِ الوَطءِ قبلَ التَّكفيرِ بالإطعامِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لم يَمنَعِ المَسيسَ قبلَه كما في العِتقِ والصِّيامِ، فليسَ في التَّكفيرِ بالإطعامِ شَرطُ التَّقديمِ على المَسيسِ، ولا مَدخلَ للقِياسِ في هذا البابِ (٢). ثانيًا: الاستِمتاعُ بما دُونَ الوَطءِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ دَواعِي الوَطءِ كالقُبلةِ واللَّمسِ بشَهوةٍ وسائرِ أنواعِ الاستِمتاعِ بما دونَ الوَطءِ، هلْ يَحرمُ على المُظاهِرِ كما يَحرمُ الوَطءُ؟

стр. 11037

أم لا يَحرمُ ويَجوزُ له أنْ يَستمتعَ بها قبلَ إخراجِ الكفَّارةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى حُرمةِ الاستِمتاعِ بها مِنْ المُباشَرةِ والتَّقبيلِ واللَّمسِ عن شَهوةٍ والنَّظرِ إلى فَرجِها عن شَهوةٍ قبلَ أنْ يُكفِّرَ؛ لقَولِه : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، وأخَفُّ ما يَقعُ عليهِ اسمُ المَسِّ هو اللَّمسُ باليَدِ؛ إذْ هو حَقيقةٌ لهُمَا جَميعًا -أعنِي الجِماعَ واللَّمسَ باليَدِ-؛ لوُجودِ مَعنى المَسِّ باليَدِ فيهما، ولأنَّ الاستمتاعَ داعٍ إلى الجِماعِ، فإذا حَرُمَ الجِماعُ حَرُمَ الداعِي إليهِ؛ إذْ لو لم يَحرمْ لَأدَّى إلى التَّناقضِ، ولهذا حَرُمَ في الاستِبراءِ وفي الإحرامِ، بخِلافِ بابِ الحَيضِ والنِّفاسِ؛ لأنَّ الاستِمتاعَ هُناكَ لا يُفضِي إلى الجِماعِ؛ لوُجودِ المانِعِ وهو استِعمالُ الأذَى، فامتَنعَ عَملُ الداعِي للتَّعارضِ فلا يُفضِي إلى الجِماعِ، ولأنَّ هذهِ الحُرمةَ إنَّما حصَلَتْ بتَشبيهِ امرَأتِه بأمِّه، فكانَتْ قبلَ انتهائِها بالتَّكفيرِ وحُرمةُ الأمِّ سواءً، وتلكَ الحُرمةُ تَمنعُ مِنْ الاستِمتاعِ، كذا هذهِ، ولأنَّ الظِّهارَ كانَ طَلاقَ القَومِ في الجَاهليةِ، فنقَلَه الشَّرعُ مِنْ تَحريمِ المَحلِّ إلى تَحريمِ الفِعلِ، فكانَتْ حُرمةُ الفِعلِ في المُظاهَرِ منها مع بَقاءِ النكاحِ كحُرمةِ الفِعلِ في المُطلَّقةِ بعدَ زَوالِ النكاحِ، وتلكَ الحُرمةُ تَعمُّ البدَنَ كلَّه، كذا هَذه. ولأنَّ كلَّ لَفظٍ حَرُمَ بهِ جُملتُها لم يَقفْ ذلكَ على الفَرجِ دُونَ غَيرِه كالطلاقِ، أو لأنه لَفظٌ وقَعَ بهِ تَحريمٌ في الزوجةِ، فوجَبَ أنْ يَعمَّ الوَطءَ

стр. 11038

وغيرَهُ كالطلاقِ، ولأنه نوعٌ مِنْ التلذُّذِ بالاستِمتاعِ، فوجَبَ أنْ يَحرمُ بالظِّهارِ كالوَطءِ في الفَرجِ؛ لأنَّ الوَطءَ إنَّما حَرُمَ لتَشبيهِ المَرأةِ المُحلَّلةِ بالمُحرَّمةِ، وهذا التَّشبيهُ لا يَخصُّ تَحريمَ الوَطءِ دونَ غيرِه مِنْ الاستِمتاعِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ -قالَ النَّوويُّ: وهوَ الأظهَرُ- والحَنابلةُ في رِوايةٍ وسحنُونٌ وأصبَغُ وعبدُ المَلكِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يَحرمُ التَّلذذُ والاستِمتاعُ بما دُونَ الوَطءِ قبلَ الكفَّارةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، والمَسُّ في عُرفِ الشَّرعِ عِبارةٌ عنِ الوَطءِ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولأنَّ تَحريمَ الوَطءِ في الحَيضِ والصَّومِ لا يُوجِبُ تَحريمَ التَّلذذِ بما سِواهُ، كذلكَ في الظِّهارِ؛ لبَقاءِ النَّفعيةِ واستِباحةِ الدَّواعِي مِنْ الطِّيبِ وغيرِه.

стр. 11039

ولأنه تَحريمُ وَطءٍ لا يَتعلَّقُ بهِ مالٌ، فوجَبَ أنْ لا يُحرِّمَ دَواعِي الوَطءِ كالحَيضِ (١). ثالثًا: إذا جامَعَ قبلَ أنْ يُكفِّرَ: فإنْ جامَعَ قبلَ أنْ يُكفِّرَ استَغفرَ اللهَ تَعالى ولم يَعُدْ حتى يُكفِّرَ؛ لأنه ارتَكبَ الحَرامَ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، أمَرَ المُظاهِرَ بتَحريرِ رَقبةٍ قبلَ المَسيسِ، فلو لَم يَحرُمِ الوَطءُ قبلَ المَسيسِ لم يَكنْ للأمْرِ بتَقديمِ التَّحريرِ قبلَ المَسيسِ معنًى. وليس عليهِ فيما صنَعَ كفَّارةٌ أُخرى؛ لِمَا روَى عِكرمةُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ رجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ قد ظاهَرَ مِنْ امرَأتِه فوقَعَ عليها فقالَ: يا رسُولَ اللهِ إني قد ظاهَرْتُ مِنْ زَوجَتِي فوقَعْتُ عليها قبلَ أنْ أُكفِّرَ، فقالَ: وما حمَلَكَ على ذلكَ يَرحمُكَ اللهُ؟ قالَ: رأيتُ خلخالَها في ضَوءِ القَمرِ، قالَ: فلا تَقربْها حتى تَفعلَ ما أمَرَكَ اللهُ بهِ» (٢)، وفي لَفظٍ: «استَغفرِ اللهَ ولا تَعُدْ حتى تُكفِّرَ» (٣).

стр. 11040

أمَرَهُ ﷺ بالاستِغفارِ، والاستِغفارُ إنَّما يَكونُ عنِ الذَّنبِ، فدَلَّ على حُرمةِ الوَطءِ، وكذا نهَى المُظاهِرَ عنِ العَوْدِ إلى الجِماعِ، ومُطلَقُ النَّهيِ للتحريمِ، فيَدلُّ على حُرمةِ الجِماعِ قبلَ الكفَّارةِ. ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ: «إذا قالَ: «أنتِ علَيَّ كظَهرِ أمِّي» لم تَحِلَّ له حتى يُكفِّرَ». وهذا في الظِّهارِ المُطلَقِ: أمَّا المُقيَّدُ فيَحرمُ الوَطءُ فيهِ إلى أنْ يُكفِّرَ أو تَنقضيَ المدَّةُ، فإذا انقضَتْ حَلَّ؛ لارتفاعِ الظِّهارِ. وإخراجُ الكفَّارةِ بعدَ الوَطءِ قَضاءٌ، وقبلَها أداءٌ، كالصلاةِ في وَقتِها وبعدَها (١). رابِعًا: يَحرُمُ على المرأةِ أنْ تُمكِّنَه مِنها: نَصَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ على أنه يَحرمُ على المَرأةِ إذا ظاهَرَ مِنها زَوجُها أنْ تدَعَه يَقربُها بالوَطءِ والاستِمتاعِ حتى يُكفِّرَ؛ لأنَّ ذلكَ حَرامٌ عليهِ، وإعانةٌ على مَعصيةٍ، والتَّمكينُ مِنْ الحَرامِ حَرامٌ.

стр. 11041

ويَجبُ عليها أنْ تَمنعَه مِنْ نَفسِها، فإنْ خَشيَتْ منه على نفسِها رفَعَتْ أمْرَها للحاكِمِ فيَمنعُه مِنْ وَطئِها، وزادَ المالِكيةُ قالوا: ويُؤدِّبُه إنْ أرادَ ذلكَ، ويَلزمُها خِدمتُه قبلَ أنْ يُكفِّرَ بشَرطِ الاستِتارِ، وجائزٌ أنْ يكونَ معها في بَيتٍ واحِدٍ، ويَدخلُ عليها بغَيرِ إذنٍ إذا كانَ يُؤمَنُ مِنْ ناحِيتَه عليها، وله النَّظرُ لوَجهِها ورَأسِها وأطرافِها بغَيرِ لذَّةٍ (١). خامِسًا: حَقُّ المرأةِ في المطالَبةِ بالوَطءِ والتَّكفيرِ: نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ للمَرأةِ أنْ تُطالِبَه بالوَطءِ، وإذا طالَبتْه بهِ فعَلى الحاكمِ أنْ يُجبِرَه حتى يُكفِّرَ ويَطأَ؛ لأنه بالتَّحريمِ بالظِّهارِ أضَرَّ بها حَيثُ منَعَها حقَّها في الوَطءِ معَ قيامِ المِلكِ، فكانَ لها المُطالَبةُ بإيفاءِ حقِّها ودَفعِ التضرُّرِ عنها، وفي وُسعِه إيفاءُ حقِّها بإزالةِ الحُرمةِ بالكفَّارةِ، فيَجبُ عليه ذلكَ، ويُجبَرُ عليهِ لو امتَنعَ. ورَوى هِشامٌ عن مُحمدٍ -رحمهما الله- أنه قالَ: أُجبِرُ المُظاهِرَ على أنْ يُكفِّرَ لِيَقربَها، فإنْ لَم يَفعلْ حَبسْتُه، فإنْ لم يَفعلْ ضَربْتُه، وأَحبسُه في الدَّينِ ولا أَضربُه (٢). وقالَ المالِكيةُ: المُظاهِرُ إذا كانَ قادِرًا على إخراجِ كفَّارةِ الظِّهارِ وامتَنعَ عَنْ إخراجِها فإنه يَلزمُه الإيلاءُ حِينئذٍ، وللزوجةِ أنْ تَطلبَ الطلاقَ، لكنْ لا

стр. 11042

يُطلِّقُها القاضِي إلا بعدَ مُضيِّ أربعةِ أشهُرٍ، فإنْ مضَتْ أربَعةُ أشهُرٍ أمَرَه القاضِي بالطلاقِ أو التَّكفيرِ، فإنْ أبَى وامتَنعَ عنِ التكفيرِ طلَّقَ عليهِ القاضِي. إلا أنهُم اختَلفوا متَى يَكونُ ابتِداءُ الأجَلِ (الأربَعةِ أشهُرٍ)، على ثَلاثةٍ أقوالٍ لمالِكٍ: قيلَ: يَكونُ ابتِداءُ الأجَلِ في حقَّهِ مِنْ يَومِ الظِّهارِ. وقيلَ: يَكونُ ابتِداؤُه في حقِّه مِنْ يَومِ الرَّفعِ والحُكمِ. وقيلَ: يَكونُ ابتداءُ الأجَلِ مِنْ يَومِ تَبيَّنَ الضَّررُ، وهو يومُ الامتِناعِ مِنْ التَّكفيرِ. وظاهِرُ كَلامِهم تَرجيحُ الأوَّلِ. وأمَّا إذا كانَ المُظاهِرُ عاجِزًا عن كفَّارةِ الظِّهارِ فإنه لا يَدخلُ عليهِ أجَلُ الإيلاءِ؛ لقِيامِ عُذرِه، فلا يُضرَبُ له أجَلُ الإيلاءِ، بل إما أنْ تَرضَى بالإقامةِ معه بلا وَطءٍ، وإما أنْ يُطلَّقَ عليه حالًا، فإنْ قدَرَ بعدَ ذلكَ كفَّرَ وراجَعَها، وإلا فلا. وهذا إذا طرَأَ عليه العُسرُ والعَجزُ عنِ الصِّيامِ بعدَ عَقدِ الظِّهارِ، أمَّا إنْ عقَدَه على نَفسِه مع عِلمِه بالعَجزِ عن حَلِّه فاختُلفَ: هل يُطلَّقُ عليهِ حالاً لقَصدِ الضَّررِ بالظهارِ؟ أو بعدَ ضَربِ أجَلِ الإيلاءِ وانقِضائِه رَجاءَ أنْ يُحدِثَ اللهُ له مَالًا يُكفِّرُ منه عن يَمينِه أو يَحدُثَ لها رَأيٌ بالإقامةِ معه مِنْ غَيرِ وَطءٍ؟ (١).

стр. 11043

فصل في كفَّارةِ الظِّهارِ الكَلامُ عَنْ كفَّارةِ الظِّهارِ يَتناوَلُ عدَّةَ أمورٍ: ١ - سبَبُ وُجوبِ الكفَّارةِ. ٢ - تَفسيرُ العَوْدِ. ٣ - كفَّارةُ الظِّهارِ على التَّراخِي. ٤ - استِقرارُ الكفَّارةِ في الذِّمةِ. ٥ - بَيانُ شُروطِ كفَّارةِ الظِّهارِ. ٦ - خِصالُ كفَّارةِ الظِّهارِ. أولاً: سَببُ وُجوبِ كفَّارةِ الظِّهارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ سبَبَ وُجوبِ الكفَّارةِ هو وُجودُ الظِّهارِ والعَوْدِ جَميعًا؛ لأنَّ اللهَ تَعالى علَّقَها بهمَا بقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فأوجَبَ الكفَّارةَ بالظِّهارِ والعَوْدِ جَميعًا، فمَن زعَمَ أنها تَجبُ بشَرطٍ واحِدٍ فقدْ خالَفَ الظَّاهرَ، وهذا بمَنزلةِ

стр. 11044

قَولِ القائِلِ: «مَنْ دخَلَ الدارَ فصلَّى فله دِينارٌ»، فإنه لا يَستحقُّ الدِّينارَ إلا بدُخولِه وصَلاتِه؛ لأنهُما شَرطانِ في استِحقاقِ الدِّينارِ، فلا يَجوزُ أنْ يَستحقَّ الدِّينارَ بأحَدِ الشَّرطَينِ. ولأنَّ الكفَّارةَ في الظِّهارِ كفَّارةُ يَمينٍ، فلا يَحنثُ بغَيرِ الحِنثِ كسائرِ الأيمانِ. فعَلى هذا: إذا ماتَ أحَدُهما أو فارَقَها قبلَ العَوْدِ فلا كفَّارةَ عليهِ (١). ثانيًا: تَفسيرُ العَوْدِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في تَفسيرِ العَوْدِ، هل المَقصودُ به هو العَزمُ على وَطءِ الزوجةِ؟ أم هو العَزمُ على الوَطءِ مع نيَّةِ الإمساكِ في العِصمةِ؟ أو المَقصودُ بهِ الوَطءُ نَفسُه؟ أم المَقصودُ به إمساكُها بعدَ ظِهارِه زَمَنًا يُمكِنُه طَلاقُها فيه؟ على أقوالٍ. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ العَودَ في قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] هو العَزمُ على وَطئِها عَزمًا مُؤكَّدًا، حتى لو عزَمَ ثمَّ بَدَا له أنْ لا يَطأَها لا كفَّارةَ عليهِ؛ لعَدمِ العَزمِ؛ فقَولُه تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أي: ثمَّ يَرجِعونَ عمَّا قَالوا، أي: إلى تَحليلِ

стр. 11045

ما حرَّمُوا على أنفُسِهم وذلكَ بالعَزمِ على الوَطءِ؛ لأنَّ ما قالَه المُظاهِرُ هو تَحريمُ الوَطءِ، فكانَ العَوْدُ لنَقضِه وفَسخِه استباحةَ الوَطءِ. فتَجبُ الكفَّارةُ إذا قصَدَ وطْأَها بعدَ الظِّهارِ، كأنه تَعالى قالَ: إذا عزَمْتَ على الوَطءِ فكَفِّرْ قبلَه، كما قالَ : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقَولِه سُبحانَه: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢]، ونَحوِ ذلكَ. فإذا رَضيَ أنْ تَكونَ مُحرَّمةً عليه ولَم يَعزِمْ على وَطئِها لا تَجبُ عليهِ الكفَّارةُ، ويُجبَرُ على التَّكفيرِ دَفعًا للضَّررِ عنها. فإنْ عزَمَ على وَطئِها وجَبَتِ الكفَّارةُ، فإنْ عزَمَ بعدَ ذلكَ أنْ لا يطَأَها سقَطَتْ، وكذا إذا ماتَ أحَدُهما بعدَ العَزمِ وقبلَ الوَطءِ. فإنْ كفَّرَ عن ظِهارِه وهي مُبانةٌ أو تحتَ زَوجٍ آخَرَ أجزَأهُ (١). فحَقيقةُ قَولِ الحَنفيةِ أنه لا يَجبُ عليهِ الكفَّارةُ إلا إذا وطَأَ زَوجتَه. وأمَّا المالِكيةُ فقَدِ اختَلفُوا: هل المَقصودُ بالعَودِ في قَولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] هل هو العَزمُ على الوَطءِ والتَّصميمُ عليهِ؟ أم هو العَزمُ على الوَطءِ مع نيَّةِ الإمساكِ في العِصمةِ؟ أي: لا يُفارِقُها على الفَورِ

стр. 11046

فيُمسِكُها مدَّةً لا يُفهَمُ منها الفِراقُ فَورًا، فليسَ المُرادُ الإمساكَ أبدًا، بل مُدَّةً ولو أقَلَّ مِنْ سَنةٍ، قَولانِ لمالِكٍ شُهِّرَ كلٌّ منهُما. وفائِدةُ الخِلافِ تَظهرُ إذا عزَمَ على الوَطءِ والإمساكِ ثمَّ طلَّقَ أو ماتَتْ، فعِندَ ابنِ رُشدٍ تَسقطُ الكفَّارةُ، وعندَ عِياضٍ لا تَسقطُ، وكَذا إنْ كفَّرَ بعدَ أنْ بانَتْ منهُ، فعندَ ابنِ رُشدٍ لا تُجزِئُه، وعندَ عِياضٍ تُجزئُه. وسقَطَتِ الكفَّارةُ المُترتِّبةُ على العَودِ إذا عزَمَ عليه ولم يطَأْ حتى طلقَتْ طَلاقًا بائِنًا أو ماتَتْ أو ماتَ، وأمَّا الرَّجعيُّ فإنه لا يُسقِطُها فيَستمِرُّ الخِطابُ في العدَّةِ، وليسَ المُرادُ بسُقوطِ الكفَّارةِ عدَمَ المُطالَبةِ بها وإنْ عادَتْ لعِصمتِه، وإنَّما المُرادُ: لا يُخاطَبُ بها قبلَ عَودِها لعِصمتِه، وأمَّا بعدَه فلا يَقربُها حتى يُكفِّرَ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ العَوْدَ هو أنْ يُمسِكَها بعدَ الظِّهارِ زَوجةً زَمانًا يُمكِنُه أنْ يُطلِّقَها فيه فلا يُطلِّقَ، فإذا أتَتْ على المُتظاهِرِ مُدَّةٌ بعدَ القَولِ بالظِّهارِ لم يُحرِّمْها بالطلاقِ الذي تَحرمُ بهِ وجَبَتْ عليه الكفَّارةُ؛ لأنه إذا أمسَكَ ما حرَّمَ على نفسِه فقدْ عادَ لِمَا قالَ فخالَفَه فأحَلَّ ما حرَّمَ؛ لقَولِه

стр. 11047

تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآيَة، فإذا أمسَكَها زَوجةً .. فقَدْ عادَ فيما قالَ؛ لأنَّ تَشبيهَها بأمِّه يَقتضي أنْ لا يُمسِكَها زَوجةً، فإذا أمسَكَها زَوجةً .. فقدْ عادَ فيما قالَ؛ لأنَّ العَودَ للقَولِ مُخالَفتُه، يُقالُ: «قالَ فُلانٌ قَولًا ثمَّ عادَ له، وعادَ فيهِ» أي: خالَفَه ونقَضَه، وهو قَريبٌ مِنْ قَولِهم: «عادَ في هِبتِه». فعَلى هذا: لو أمكَنَه أنْ يُطلِّقَها فلمْ يَفعلْ لَزمَتْه الكفَّارةُ، وكذلكَ لو ماتَ أو ماتَتْ، وأمَّا إنْ ماتَ قبلَ زمانِ العَودِ -وهو أنْ يَموتَ عَقيبَ ظِهارِه قبلَ أنْ يَمضيَ عليه زَمانُ طلاقِها، أو تَموتَ الزوجةُ بأنِ اتَّصلَ بالظِّهارِ المَوتُ، أو فُرقةٌ بسَببِ فَسخٍ للنكاحِ بسَببِه أو بسَببِها، أو بانفِساخٍ كردَّةٍ قبلَ الدُّخولِ، أو فُرقةٍ بسَببِ طلاقٍ بائِنٍ أو رَجعيٍّ- ولم يُراجِعْ أو جُنَّ الزوجُ عَقيبَ ظِهارِه فلا عَودَ ولا كفَّارةَ عليه في جَميعِ ما ذُكِرَ؛ لأنه ما أمسَكَها بعدَ الظِّهارِ ولا قدَرَ على طَلاقِها بالمَوتِ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العَودَ هو الوَطءُ في الفَرجِ، فمتَى وَطئَ لَزمَتْه الكفَّارةُ، ولا تَجبُ قبلَ ذلكَ، إلا أنها شَرطٌ لحِلِّ الوَطءِ، فيُؤمَرُ بها مَنْ أرادَه ليَستحِلَّه بها كما يُؤمَرُ بعَقدِ النكاحِ مَنْ أرادَ حِلَّ المَرأةِ.

стр. 11048

وقالَ أحمَدُ في قَولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] قالَ: العَودُ الغَشَيانُ، إذا أرادَ أنْ يَغشَى كفَّرَ؛ لأنَّ العَودَ في القَولِ فِعلُ ضَدِّ ما قالَ، كما أنَّ العَودَ في الهِبةِ هو استِرجاعُ ما وهَبَ، فالمُظاهِرُ مُحرِّمٌ للوَطءِ على نفسِه ومانعٌ لها منهُ، فالعَودُ فِعلُه. وقالَ القاضي وأصحابُه: العَودُ العَزمُ على الوَطءِ، إلا أنهُم لم يُوجبُوا الكفَّارةَ على العازِمِ على الوَطءِ إذا ماتَ أحَدُهما أو طلَّقَ قبلَ الوَطءِ، إلا أبا الخطَّابِ فإنه قالَ: إذا ماتَ بعدَ العَزمِ أو طلَّقَ فعليهِ الكفَّارةُ، وقد أنكَرَ أحمَدُ هذا. وعلى كِلا القولَينِ: لا يَحلُّ له الوَطءُ قبلَ التَّكفيرِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فإنْ وَطئَ قبلَه أَثمَ واستَقرَّتِ الكفَّارةُ عليهِ ولم يَجِبْ عليه أكثَرُ منها؛ لحَديثِ سَلمةَ حينَ وَطئَ فلَم يأمُرْه النبيُّ ﷺ بأكثَرَ مِنْ كفَّارةٍ، وتَحريمُها باقٍ حتى يُكفِّرَ؛ لِمَا رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لسَلمةَ: «ما حمَلَكَ على ما صنَعْتَ؟ قالَ: رأيْتُ بَياضَ ساقِها في القمَرِ، قالَ: فاعتَزِلْها حتى تُكفِّرَ»، وأمَّا قبلَ الوَطءِ فلا كفَّارةَ عليهِ، وإنَّما أُمِرَ بها لكَونِها شَرطًا لحِلِّ الوَطءِ كاستِبراءِ الأمَةِ المُشتراةِ. ولو ماتَ أحَدُهما أو فارَقَها المُظاهِرُ قبلَ الوَطءِ فلا كفَّارةَ عليهِ ولو كانَ عزَمَ على الوَطءِ؛ لأنه لم يَعُدْ إلى ما قالَ، وقالَ أبو الخطَّابِ: إنْ كانَتِ الفُرقةُ بعدَ العَزمِ على الوَطءِ فعَليهِ الكفَّارةُ، وقد صرَّحَ أحمَدُ بإنكارِه، وكذلكَ قالَ القاضِي: لا كفَّارةَ عليهِ.

стр. 11049

وإنْ عادَ فتَزوَّجَها لم تَحِلَّ له حتى يُكفِّرَ، سَواءٌ كانَ الطلاقُ ثَلاثًا أم لا، وسَواءٌ رجَعَتْ إليهِ بعدَ زَوجٍ آخَرَ أم لا؛ للآيةِ، كالتي لَم يُطلِّقْها، ولأنَّ الظهارَ يَمينٌ مُكفّرةٌ، فلم يَبطلْ حُكمُها بالطلاقِ كالإيلاءِ (١). ثالِثًا: كفَّارةُ الظِّهارِ على التَّراخِي: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ على الصَّحيحِ على أنَّ كفَّارةَ الظِّهارِ واجِبةٌ على التَّراخِي، فلا يَأثمُ بالتَّأخيرِ عن أوَّلِ أوقاتِ الإمكانِ، فيَجوزُ له تأخِيرُها لَكنْ بشَرطِ إخراجِها قبلَ العَودِ. قالَ الحَنفيةُ: كفَّارةُ الظِّهارِ واجِبةٌ على التَّراخِي على الصَّحيحِ؛ لكَونِ الأمرِ مُطلَقًا، حتى لا يأثَمُ بالتَّأخيرِ عَنْ أولِ أوقاتِ الإمكانِ ويَكونُ مُؤدِّيًا لا قاضِيًا، ومعنَى الوُجوبِ على التراخِي: هو أنْ يَجبَ في جُزءٍ مِنْ عُمرِه غيرِ عَينٍ، وإنَّما يَتعيَّنُ بتَعيينِه فِعلًا، أو في آخِرِ عُمرِه بأنْ أخَّرَه إلى وَقتٍ يَغلبُ على ظنِّه أنه لو لم يُؤدِّ فيه لَفاتَ، فإذا أدَّى فقدْ أدَّى الواجِبَ، وإنْ لم يُؤَدِّ حتى ماتَ أثِمَ؛ لتَضييقِ الوُجوبِ عليهِ في آخِرِ العُمرِ، وهل يُؤخَذُ مِنْ تَركتِه؟ يُنظَرُ: إنْ كانَ لم يُوصِ لا يُؤخَذُ ويَسقطُ في حَقِّ أحكامِ الدُّنيا كالزَّكاةِ والنَّذرِ، ولو تبَرَّعَ عنه وَرثتُه جازَ عنهُ في الإطعامِ والكِسوةِ وأطعَمُوا ستِّينَ

стр. 11050

مَسكينًا، ولا يُجبَرونَ عليهِ، ولا يَجوزُ أنْ يُعتِقُوا عنه؛ لأنَّ التَّبرعَ بالإعتاقِ عنِ الغَيرِ لا يَصحُّ، ولا أنْ يَصومُوا عنه؛ لأنه عِبادةٌ بَدنيَّةٌ مَحضةٌ، فلا تَجرِي فيهِ النِّيابةُ. وإنْ كانَ أَوصَى بذلكَ يُؤخَذُ مِنْ ثُلثِ مالِه، فتُحرَّرُ رَقبةٌ إنْ بَلغَ ثلثُ مالِهِ قيمةَ الرَّقبةِ، وإنْ لم يَبلغْ أطعَمُوا سِتينَ مِسكينًا في كفَّارةِ الظِّهارِ، ولا يَجبُ الصَّومُ فيها وإنْ أَوصَى؛ لأنَّ الصَّومَ نفسَه لا يَحتملُ النِّيابةَ (١). وقالَ المالِكيةُ: وتَجبُ كفَّارةُ الظِّهارِ وُجوبًا مُوسَّعًا (٢). وقالَ الشافِعيةُ: كفَّارةُ الظِّهارِ على التَّراخِي ما لم يَطأْ، وبعدَ الوَطءِ فيها خِلافٌ، الصَّحيحُ أنها على الفَورِ (٣). رابعًا: استِقرارُ الكفَّارةِ في الذِّمةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا ظاهَرَ مِنْ امرَأتِه ثمَّ وَطئَها قبلَ أنْ يُكفِّرَ أثِمَ، ولا تَسقطُ عنه الكفَّارةُ وتَستقِرُّ في ذمَّتِه، حتى لو ماتَ وجَبَ إخراجُها، وتُخرَجُ مِنْ ثُلِثِ مالِه عندَ المالِكيةِ (٤).

стр. 11051

وقالَ الحَنفيةُ: إنْ أَوصَى بها أُخرِجَتْ مِنْ ثُلثِ تَركتِه، وإنْ لم يُوصِ فلا يَلزمُ إخراجُها، ولكنْ إنْ تَبرعَ بهِ الوَرثةُ جازَ عنهُ في الإطعامِ والكِسوةِ دُونَ الصَّومِ (١). وعندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ لا تَسقطُ عنه بمَوتٍ ولا طَلاقٍ، فتَستقِرُّ الكفَّارةُ في ذمَّتِه، ولا تَسقطُ بعدَ ذلكَ بمَوتٍ ولا طَلاقٍ ولا غَيرِه، ويُؤدِّيها الوارِثُ عنِ المَيتِ مِنْ التَّركةِ (٢). خامِسًا: بَيانُ شُروطِ كفَّارةِ الظِّهارِ: يُشتَرطُ لوُجوبِ كفَّارةِ الظِّهارةِ ثلاثةُ شُروطٍ: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ الإتيانُ بالكفَّارةِ بعدَ سَببِ وُجوبِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشتَرطُ لصحَّةِ إخراجِ الكفَّارةِ أنْ يَتحقَّقَ سبَبُ وُجوبِها، فلا يَجوزُ تَقديمُ كفَّارةِ الظِّهارِ قبلَ الظِّهارِ؛ لأنَّ الحُكمَ لا يَجوزُ تَقديمُه على سَببِه، كتَقديمِ الزَّكاةِ على مِلكِ النِّصابِ. فلو قالَ لعَبدِه: «أنتَ حُرٌّ السَّاعةَ عَنْ ظِهارِي إنْ ظاهَرْتُ» عُتِقَ ولم

стр. 11052

يُجزِئْه عَنْ ظِهارِه إنْ ظاهَرَ؛ لأنه قدَّمَ الكفَّارةَ على سَببِها المُختَصِّ، فلمْ يَجُزْ كما لو قدَّمَ كفَّارةَ اليَمينِ عليها أو كفَّارةَ القَتلِ على الجرحِ. ولو قالَ لامرَأتِه: «إنْ دخَلْتِ الدارَ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» لم يَجُزِ التَّكفيرُ قبلَ دُخولِ الدارِ، -قالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ ﵀: ولا أظُنُّهم يَختلفونَ في ذلكَ-؛ لأنه تَقديمٌ للكفَّارةِ قبلَ الظِّهارِ، فإنْ أعتَقَ عَبدًا عَنْ ظِهارِه ثمَّ دخَلَتِ الدارَ عُتِقَ العَبدُ وصارَ مُظاهِرًا ولم يُجزِئْه؛ لأنَّ الظِّهارَ مُعلَّقٌ على شَرطٍ، فلا يُوجَدُ قبلَ وُجودِ شَرطِه (١). الشَّرطُ الثاني: النِّيةُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشتَرطُ النِّيةُ لصحَّةِ الكفَّارةِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ» (٢). ولأنَّ العِتقَ يقَعُ مُتبَرَّعًا به وعَن كفَّارةٍ أُخرَى أو نَذرٍ، فلَم يَنصرِفْ إلى هذهِ الكفَّارةِ إلا بنيَّةٍ. ولأنَّ مُطلَقَ الفِعلِ يَحتمِلُ التَّكفيرَ ويَحتملُ غيرَه، فلا بُدَّ مِنْ التَّعيينِ

стр. 11053

وذلكَ بالنِّيةِ، ولهذا لا يَتأدَّى صَومُ الكفَّارةِ بمُطلَقِ النِّيةِ؛ لأنَّ الوَقتَ يَحتملُ صَومَ الكفَّارةِ وغيرَه فلا يَتعيَّنُ إلا بالنِّيةِ، كصَومِ قَضاءِ رَمضانَ وصَومِ النَّذرِ المُطلَقِ. وصِفتُها: أنْ يَنويَ العِتقَ أو الصِّيامَ أو الإطعامَ عنِ الكفَّارةِ، فإنْ زادَ الواجِبةَ كانَ تأكيدًا، وإلا أجزَأتْ نيَّتُه الكفَّارةَ. ومَوضعُ النِّيةِ معَ التَّكفيرِ أو قبلَه بيَسيرٍ عندَ الحَنابلةِ ومُنصوصِ الشافِعيةِ. وقالَ بعضُ الشافِعيةِ: لا يُجزِئُ حتى يَستصحِبَ النِّيةَ. وإنْ كانَتِ الكفَّارةُ صِيامًا اشتُرطَ نيَّةُ الصِّيامِ عنِ الكفَّارةِ في كلِّ لَيلةٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لقَولِه ﵊: «لا صِيامَ لمَنْ لم يُبيِّتِ الصِّيامَ مِنْ اللَّيلِ» (١). وقالَ المالِكيةُ: تَكفيهِ نيَّةٌ واحِدةٌ لصَومِ الشَّهرينِ، وكذا في كلِّ صَومٍ مُتتابِعٍ. ولا تُشتَرطُ نيَّةُ التَّتابعِ في الصَّومِ في الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ اكتِفاءً بالتَّتابُعِ الفِعليِّ، ولأنَّ التَّتابُعَ شَرطٌ في العِبادةِ كما أنَّ ستْرَ العَورةِ شَرطٌ في الصَّلاةِ، وعلى الإنسانِ أنْ يَنويَ فِعلَ العِبادةِ دُونَ شَرطِها، كما في الصَّلاةِ يَلزمُه نيَّةُ فِعلِ الصلاةِ دُونَ شَرطِها فلا يَلزمُه نيَّةُ ستْرِ العَورةِ.

стр. 11054

وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ إلى أنه يُشتَرطُ نيَّةُ التَّتابعِ كلَّ لَيلةٍ؛ لِيكونَ مُتعرِّضًا لخاصَّةِ هذا الصَّومِ؛ لأنَّ التَّتابعَ واجِبٌ كالصَّومِ، فلمَّا وجَبَ عليه نِيةُ الصَّومِ كلَّ ليلةٍ .. فكذلكَ نِيةُ التتابُعِ. وفي قَولٍ ثالثٍ للشافِعيةِ أنه يُشترطُ نيَّةُ التتابعِ في الليلةِ الأُولى؛ لأنَّ التَّمييزَ يَحصلُ بهِ؛ لأنَّ الغَرضَ تَمييزُ هذا الصَّومِ عَنْ غيرِه بالتتابُعِ، وذلكَ يَحصلُ بالنِّيةِ أو لَيلةٍ منهُ (١). وهوَ مذهَبُ المالِكيةِ، قالَ الخرشِيُّ ﵀: إذا كفَّرَ عن ظِهارِه بصَومِ شَهرينِ فلا بُدَّ أنْ يَنويَ تَتابُعَ الشهرينِ، ولا بُدَّ أنْ يَنويَ أيضًا بالصَّومِ الكفَّارةَ عَنْ ظِهارِه، ويَكفيه أنْ يَنويَ ذلكَ في أولِ لَيلةٍ مِنْ الشَّهرينِ، وكذلكَ كلُّ كفَّارةٍ واجِبةٍ فإنه لا بُدَّ أنْ يَنويَ بصَومِه التكفيرَ عَنْ تلكَ الكفَّارةِ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اجتمَعَتْ عليه كفَّاراتٌ مِنْ جِنسٍ واحِدٍ لم يَجبْ تَعيينُ سَببِها، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَعلمُ فيهِ مُخالِفًا (٣).

стр. 11055

الشَّرطُ الثالِثُ: القُدرةُ عَليها: اشتَرطَ الفُقهاءُ لوُجوبِ كفَّارةِ الظِّهارِ القُدرةَ على أدائِها؛ لاستِحالةِ وُجوبِ الفِعلِ بدُونِ القُدرةِ عليهِ، فلا يَجبُ على غَيرِ القادِرِ، فمَن وَجبَتْ عليهِ كفَّارةُ الظهارِ ولم يَجدْ ما يُعتِقُ به وهوَ شَيخٌ كبيرٌ لا يَقدرُ على الصَّومِ ولا يَجدُ ما يُطعِمُ بهِ فيَتأخَّرُ الوُجوبُ إلى أنْ يَقدِرَ على الإعتاقِ أو الإطعامِ؛ لأنَّ إيجابَ الفِعلِ على العاجِزِ مُحالٌ (١). وسيأتي تَفصيلُ ذلِكَ في خِصالِ الكفَّارةِ. سادسًا: خِصالُ كفَّارةِ الظِّهارِ: خِصالُ كفَّارةِ الظِّهارِ ثَلاثةٌ بإجماعِ أهلِ العلمِ، وهيَ واجِبةٌ على التَّرتيبِ الآتي لا عَلى التَّخييرِ، وهيَ: أولاً: الإعتاقُ. ثانيًا: الصِّيامُ لمَن لم يَجدْ رَقبةً أو لا يَستطيعُ شِرائَها.

стр. 11056

ثالثًا: الإطعامُ: إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا لمَن لم يَقدِرْ على الرَّقبةِ وعجَزَ عنِ الصِّيامِ. والأصلُ في ذلكَ الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ: أمَّا الكِتابُ: فأوَّلُ سُورةِ المُجادلَةِ، وهِي قَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣]. وأمَّا السُّنةُ: فحَديثُ خُوَيلةَ بنتِ مالِكِ بنِ ثَعلبةَ، قالَتْ: ظاهَرَ منِّي زَوجِي أَوسُ بنُ الصَّامتِ، فجِئتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أشكُو إليهِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ يُجادِلُني فيهِ ويقولُ: «اتَّقِي اللهَ، فإنهُ ابنُ عَمِّكِ»، فما بَرِحْتُ حتى نَزلَ القُرآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى الفَرْضِ، فقالَ: «يُعتِقُ رَقبةً»، قالَتْ: لا يَجدُ، قالَ: «فيَصومُ شَهرينِ مُتَتابعَينِ»، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنه شَيخٌ كَبيرٌ ما به مِنْ صِيامٍ، قالَ: «فلْيُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، قالَتْ: ما عِندَه مِنْ شيءٍ يَتصدَّقُ بهِ، قالَتْ: فأُتِيَ ساعَتَئذٍ بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ فإني أُعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «قدْ أحسَنْتِ، اذهَبي فأَطعِمي بها عنهُ ستِّينَ مِسكينًا وارجِعي إلى ابنِ عَمِّكِ» (١).

стр. 11057

وعن سَلمةَ بنِ صَخرٍ قالَ: «كنتُ امْرأً أُصيبُ مِنْ النِّساءِ ما لا يُصيبُ غَيرِي، فلمَّا دخَلَ شَهرُ رَمضانَ خِفتُ أنْ أُصيبَ مِنْ امرَأتي شَيئًا يُتابَعُ بي حتَّى أُصبِحَ، فظاهَرْتُ منها حتى يَنسلخَ شَهرُ رَمضانَ، فبَيْنا هي تَخدُمُني ذاتَ لَيلةٍ إذْ تَكشَّفَ لي مِنها شيءٌ، فلَم ألبَثْ أنْ نَزَوتُ عليها، فلمَّا أصبَحْتُ خرَجْتُ إلى قَومي فأخبَرتُهُم الخبَرَ وقُلتُ: امشُوا مَعي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالوا: لا واللهِ، فانطَلقْتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبَرتُه فقالَ: «أنتِ بذاكَ يا سَلمةُ؟» قلتُ: أنا بذاكَ يا رَسولَ اللهِ، مَرَّتَينِ، وأنا صابرٌ لأمرِ اللهِ فاحكُمْ فِيَّ ما أراكَ اللهُ، قالَ: «حَرِّرْ رَقبةً»، قُلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أَملِكُ رَقبةً غيرَها، وضَرَبتُ صَفحةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتَتابعَينِ»، قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ ستِّينَ مِسكينًا»، قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ لقدْ بِتنَا وَحِشَينِ ما لنا طَعامٌ، قالَ: «فانطَلقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُرَيقٍ فلْيَدفعْها إليكَ فأَطعِمْ ستِّينَ مِسكِينًا وَسقًا من تَمرٍ وكُلْ أنتَ وعِيالُكَ بَقيَّتَها»، فرجَعْتُ إلى قَومي فقُلتُ: وجَدتُ عندَكم الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأيِ، ووَجَدتُ عندَ النبيِّ ﷺ السعةَ وحُسنَ الرأيِ، وقد أمَرَني أو أمَرَ لي بصَدقتِكُم» (١).

стр. 11058

وأمَّا الإجماعُ: فقدْ أجمَعَتِ الأمَّةُ على وُجوبِ الإعتاقِ إنْ قدَرَ عليهِ، فإنْ لم يَقدِرْ وعجَزَ عَنْ إيجادِ رَقبةٍ ففَرضٌ عليهِ الصِّيامُ، فإنْ لم يَستطعْ أطعَمَ ستِّينَ مِسكينًا. وبَيانُ ما يُشترطُ في ذلكَ فيما يلي: أولاً: الإعتاقُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ كفَّارةَ المُظاهِرِ القادرِ على الإعتاقِ عِتقُ رَقبةٍ، لا يَجزئُه غيرُ ذلكَ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: كفَّارةُ المُظاهِرِ القادرِ على الإعتاقِ عِتقُ رَقبةٍ، لا يَجزئُه غيرُ ذلكَ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ بينَ أهلِ العِلم (١). والأصلُ في ذلكَ قَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ٣]. وأمَّا السُّنةُ: فقَولُ النبيِّ ﷺ في حَديثِ خُوَيلةَ بنتِ مالِكِ بنِ ثَعلبةَ السَّابقِ لمَّا ظاهَرَ مِنها زَوجُها أَوسُ بنُ الصَّامتِ: «يُعتِقُ رَقبةً» (٢).

стр. 11059

وعَن سَلمةَ بنِ صَخرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ له: «حَرِّرْ رَقبةً» (١). وهُنا بَعضُ المَسائلِ المُتعلِّقةِ بالعِتقِ: ١ - نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ -وحكاهُ ابنُ قُدامةَ إجماعًا- على أنه إنْ وجَدَ رَقبةً في مِلكِه صالِحةً للتَّكفيرِ فاضِلةً عن كِفايتِه على الدَّوامِ وهو لا يَحتاجُ إلى خِدمتِها يَجبُ عليه تَحريرُها ولا يَنتقلُ إلى الصِّيامِ، قالَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ: وسواءٌ كانَ عليهِ دَينٌ أو لم يَكنْ؛ لأنه واجِدٌ حَقيقةً. ٢ - أمَّا إنْ كانَ عندَه رَقبةٌ وهو مُحتاجٌ إلى خِدمتِها وهو ممَّن لا يَخدمُ نفسَه -بأنْ كانَ يَضعُفُ عن خِدمةِ نفسِه أو كانَ ممَّن يَقدرُ على خَدمةِ نفسِه إلا أنه ممَّن لا يَخدمُ نفسَه في العادةِ كذَوِي الهَيئاتِ مِنْ الناسِ- ولا يَجدُ ما يَشتري بهِ خادمًا يَخدمُه فاضِلًا عن كِفايتِه لم يَلزمْه العِتقُ، بل فَرضُه الصَّومُ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لِمَا رُويَ «أنَّ رجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني تَظاهَرْتُ مِنْ امرَأتي ثمَّ واقَعْتُها، فقالَ له النبيُّ ﷺ : «أَعتِقْ رَقبةً»، فضَربَ على صَفحةِ عُنقِه وقالَ: ما أجِدُ غيرَ هذهِ الرَّقبةَ، قالَ: «صُمْ شَهرَينِ مُتتابعَينِ»، قالَ: لا أستطيعُ، فقالَ: «أطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، قالَ: لا أجِدُ، فأمَرَ النبيُّ ﷺ بتَمرٍ، فأُتِيَ به

стр. 11060

فقالَ: «خُذْ هذا فتَصدَّقْ به»، فقالَ: فهلْ أفقَرُ مِنِّي ومِن أهلِ بَيتي؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : «كُلْهُ أنتَ وأهلَ بَيتِكَ» (١). فمَوضعُ الدَّليلِ أنَّ النبيَّ ﷺ ملَّكَه التَّمرَ وأمَرَه أنْ يَتصدَّقَ به عَنْ كفَّارتِه، ثمَّ أخبَرَه الرَّجلُ أنه مُحتاجٌ إليهِ، فأباحَ له أكْلَهُ ولم يُلزمْه إخراجَه مع وُجودِه، فدَلَّ على أنَّ ما تَستغرِقُه حاجتُه .. لا يَلزمُه إخراجُه؛ لأنه وجَدَ ما تَستغرِقُه حاجتُه، فكانَ كالعادِمِ له في جَوازِ الانتقالِ إلى بَدلِه، كما لو وجَدَ ماءً وهو مُحتاجٌ إليهِ لعَطشِه. وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ في مِلكِه رَقبةٌ إلا أنه كانَ مُحتاجًا إليها لخِدمةٍ أو لأنه لا يَملِكُ غيرَها لَزمَه إعتاقُها ولم يُجْزِه الصِّيامُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] وهذا واجِدٌ، ولأنه واجِدٌ لرَقبةٍ يَجوزُ إعتاقُها في الظِّهارِ، فلَم يَجُزْ له العُدولُ إلى الصَّومِ، أصلُه إذا كانَ مُستَغنِيًا عنها. ٣ - إذا لم يَكنْ في مِلكِه عَينُ رَقبةٍ وله فَضلُ مالٍ على كِفايتِه غيرُ مُحتاجٍ إليهِ يَجبُ عليهِ رَقبةٌ صالِحةٌ للتَّكفيرِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ لأنه يَكونُ واجِدًا مِنْ حَيثُ المَعنى؛ لأنَّ كلَّ حقٍّ تَعلَّقَ بالذِّمةِ فإنَّ قُدرتَه على ثَمنِه وشِرائِه كالقُدرةِ عليهِ.

стр. 11061

٤ - واختَلفُوا فيما لو كانَ معه مالٌ وهو مُحتاجٌ إليهِ، هل يَلزمُه شِراءُ رَقبةٍ؟ أم لا يَجبُ عليهِ ويَنتقلُ إلى الصِّيامِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَلزمُه شِراءُ رَقبةٍ إذا كانَ مُحتاجًا للمالِ الذي معَه وجازَ له الصَّومُ، فيُشترطُ في المالِ الذي معه أنْ يكونَ فاضِلًا عَنْ حاجَتِه الأصليَّةِ. وقالَ المالِكيةُ: إذا لم يَكنْ في مِلكِه رَقبةٌ وكانَ معَه ثَمنُها لَزمَه شِراؤُها ولم يَجُزْ له الصَّومُ، سَواءٌ كانَ مُحتاجًا إلى ذلكَ المالِ لأجْلِ مَرضٍ أو لأجْلِ مَنصبٍ أو سُكنَى مَسكَنٍ لا فضْلَ فيهِ أو غيرَ مُحتاجٍ، فإنه يَلزمُه العِتقُ ولا يَجزئُه الصَّومُ حِينئذٍ؛ لأنه واجِدٌ لثَمنِ رَقبةٍ، فأشبَهَ المُستغنيَ عنه، ولأنَّ القُدرةَ على الثَّمنِ تَقومُ مَقامَ القُدرةِ على المُثمَّنِ، كالقادرِ على شِراءِ الماءِ بثَمَنِ مِثلِه. ٥ - فأمَّا إذا لم يَكنْ له فَضلُ مالٍ على قَدرِ كِفايةِ ما يَتوصَّلُ بهِ إلى الرَّقبةِ ولا في مِلكِه عَينُ الرَّقبةِ لا يَجبُ عليهِ التَّحريرُ اتِّفاقًا؛ لأنَّ قدْرَ الكفَّارةِ مُستحَقُّ الصَّرفِ إلى حاجتِه الضَّروريةِ، والمُستحَقُّ كالمَصروفِ، فكانَ مُلحَقًا بالعَدمِ، كالماءِ المُحتاجِ إليهِ للشُّربِ في السَّفرِ حتى يُباحُ لهُ التَّيممُ ويَدخلُ تحتَ قولِه عزَّ شأنُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وإنْ كانَ مَوجودًا حَقيقةً لكنَّه لمَّا كانَ مُستحَقَّ الصَّرفِ إلى الحاجةِ الضَّروريةِ أُلحِقَ بالعَدمِ شَرعًا، كذا هذا (١).

стр. 11062

هل يُشتَرطُ في الرَّقبةِ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً أم لا؟ أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أعتَقَ في كفَّارةِ الظِّهارِ رَقبةً مُؤمِنةً أنَّ ذلكَ يُجزِئُ عنهُ، حكاهُ ابنُ المُنذِرِ (١). إلا أنَّهم اختَلفُوا هل تُجزِئُ رَقبةٌ غيرُ مُؤمِنةٍ؟ أم يُشتَرطُ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في كفَّارةِ الظِّهارِ وسائرِ الكفَّاراتِ أنْ تكونَ الرَّقبةُ مُؤمِنةً، ولا تُجزِئُ غيرُ المُؤمِنةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى ذكَرَ الرَّقبةَ في كفَّارةِ القَتْلِ وقيَّدَها بالإيمانِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وذكَرَ الرَّقبةَ في كفَّارةِ الظِّهارِ وكفَّارةِ اليَمينِ وأطلَقَ ذِكرَها، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ المُطلَقُ على المُقيَّدِ إذا كانَ مِنْ جنسِه، فحُمِلَ عُرفُ الشرعِ على مُقتضَى لِسانِهم، وقَد قيَّدَ اللهُ

стр. 11063

تَعالى كفَّارةَ القتلِ بالإيمانِ، والمُطلَقُ كفَّارةُ الظِّهارِ، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ مُطلَقُها على ما قيَّدَ مِنْ كفَّارةِ القتلِ، كما قيَّدَ الشهادةِ بالعَدالةِ بقَولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وأطلَقَها في قَولِه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يُقيِّدْهما بالعَدالةِ، فلمَّا حُمِلَ مُطلَقُ الشُّهودِ على المُقيَّدِ في العَدالةِ .. فكذلكَ هذا مِثلُه. وعنِ الشَّريدِ بنِ سُوَيدٍ الثَّقفيِّ قالَ: قلتُ يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي أوصَتْ أنْ نُعتِقُ عنها رَقبةً وعندِي جارِيةٌ سَوداءُ، قالَ: ادْعُ بها، فجاءَتْ فقالَ: مَنْ رَبُّكِ؟ قالَتِ: اللَّه، قالَ: مَنْ أنا؟ قالَتْ: رَسولُ اللَّهِ، قالَ: «أَعتِقْها فإنها مُؤمِنةٌ» (١)، وهذا يَقتضِي أنَّ كلَّ رقَبةٍ واجِبةٍ لا يُجزِئُ فيها إلا مُؤمِنةٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُفرِّقْ، وقدْ علَّلَ جَوازَ إعتاقِها عن الرَّقبةِ التي عليهِ بأنها مُؤمِنةٌ، فدَلَّ على أنه لا يُجزِئُ عنِ الرقبةِ التي عليهِ إلا مُؤمِنةٌ. ولأنه تَكفيرٌ بعِتقٍ، فلَم يَجُزْ فيه إلا مُؤمِنةٌ ككفَّارةِ القَتلِ، ولأنَّ كلَّ نَقصٍ في رَقبةٍ منَعَ إعتاقَها في كفَّارةِ القَتلِ منَعَ إعتاقَها في كفَّارةِ الظِّهارِ، أصلُه قَطعُ الأعضاءِ، ولأنها رَقبةٌ ناقِصةٌ بالكُفرِ كالمُرتدَّةِ والحَربيَّةِ، ولأنَّ كلَّ نَقصِ دِينٍ منَعَ الإعتاقَ في كفَّارةِ القَتلِ منَعَه في الظِّهارِ كالارتِدادِ. ولأنَّا أجمَعْنا على أنه لا يُجزِئُ إلا رَقبةٌ سَليمةٌ مِنْ العُيوبِ المُضرَّةِ بالعَملِ ضَررًا بيِّنًا، فالتَّقيدُ بالسَّلامةِ مِنْ الكُفرِ أَولى.

стр. 11064

ولأنَّ المَقصودَ القُربةُ بها، والكُفرُ يُنافِيها؛ لأنَّ الكفَّارةَ حقُّ اللهِ تَعالى، فلا يُجوزُ صَرفُها إلى عدَّوِه (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه تُجزِئُ في كفَّارةِ الظِّهارِ أيُّ رَقبةٍ، سَواءٌ كانَتْ مُؤمِنةً أم كافِرةً؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أطلَقَ الرَّقبةَ في هذهِ الكفَّارةِ عَنْ قَيدِ الإيمانِ في الرَّقبةِ بقَولِه تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فوجَبَ أنْ يُجزِئَ ما تَناولَه الإطلاقُ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا في كفَّارةُ القَتلِ فلا يَجوزُ فيها إلا المُؤمِنةُ بالإجماعِ، وقالَ الشافعيُّ ﵁: لا يَجوزُ في الكفَّاراتِ كلِّها إلَّا المُؤمِنةُ. والأصلُ فيهِ أنَّ النَّصَّ الوارِدَ في كفَّارةِ اليَمينِ وكفَّارةِ الظِّهارِ مُطلَقٌ عن قَيدِ إيمانِ الرَّقبةِ، والنَّصَّ الوارِدَ في كفَّارةِ القَتلِ مُقيَّدٌ بقَيدِ الإيمانِ، فحمَلَ الشافِعيُّ ﵀ المُطلَقَ على المُقيَّدِ، ونَحنُ أَجرَينا المُطلَقَ على إطلاقِه والمُقيَّدَ على تَقييدِه.

стр. 11065

وجه قَولِه: أنَّ المُطلَقَ في مَعنَى المُجمَلِ والمُقيَّدَ في مَعنَى المُفسَّرِ، والمُجمَلُ يُحمَلُ على المُفسَّرِ، ويَصيرُ النصَّانِ في مَعنًى كنَصِّ المُجمَلِ والمُفسَّرِ، ولهذا حُمِلَ المُطلَقُ على المُقيَّدِ في بابِ الشهادةِ والزَّكاةِ وكفَّارةِ اليَمينِ، حتى شُرِطَتِ العَدالةُ لوُجوبِ قَبولِ الشهادةِ، والإسامةُ لوُجوبِ الزكاةِ، وشُرِطَ التَّتابعُ في صَومِ كفَّارةِ اليَمينِ، كذا هَهُنا. ولنا: وَجهانِ: أحَدُهما: طَريقُ مَشايخِنا بسَمَرْقندَ، وهو أنَّ حمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ ضَربُ النُّصوصِ بَعضِها في بَعضٍ وجَعلُ النصَّينِ كنَصٍّ واحِدٍ مع إمكانِ العَملِ بكُلِّ واحِدٍ منهُما، وهذا لا يَجوزُ، بخِلافِ المُجمَلِ؛ لأنه غيرُ مُمكِنٍ العَملُ بظاهِرهِ. والثاني: طَريقُ مَشايخِ العِراقِ، وهو أنَّ حمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ نَسخٌ للإطلاقِ؛ لأنَّ بعدَ وُرودِ النصِّ المُقيَّدِ لا يَجوزُ العَملُ بالمُطلَقِ، بل يُنسَخُ حُكمَه، وليسَ النَّسخُ إلا بَيانَ مُنتهَى مدَّةِ الحُكمِ الأولِ، ولا يَجوزُ نَسخُ الكِتابِ بالقِياسِ ولا بخَبَرِ الواحِدِ، وقَولُه: «المُطلَقُ في معنَى المُجمَلِ» مَمنوعٌ؛ لأنَّ المُجمَلَ لا يُمكنُ العَملُ بظاهرِه، والمَطلَقُ يُمكِنُ العَملُ بظاهرِه؛ إذْ هوَ اسمٌ لِمَا يَتعرَّضُ للذاتِ دونَ الصِّفاتِ، فيُمكِنُ العَملُ بإطلاقِه مِنْ غيرِ الحاجةِ إلى البَيانِ، فلا ضَرورةَ إلى حَملِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ، وفي المَوضعِ الذي حُمِلَ إنَّما حُمِلَ لضَرورةِ عَدمِ الإمكانِ، وذلكَ عندَ اتِّحادِ السَّببِ والحُكمِ؛ لاستِحالةِ ثُبوتِ حُكمٍ واحِدٍ في زَمانٍ واحِدٍ
следующие страницы →