٤ - واختَلفُوا فيما لو كانَ معه مالٌ وهو مُحتاجٌ إليهِ، هل يَلزمُه شِراءُ رَقبةٍ؟ أم لا يَجبُ عليهِ ويَنتقلُ إلى الصِّيامِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَلزمُه شِراءُ رَقبةٍ إذا كانَ مُحتاجًا للمالِ الذي معَه وجازَ له الصَّومُ، فيُشترطُ في المالِ الذي معه أنْ يكونَ فاضِلًا عَنْ حاجَتِه الأصليَّةِ.
وقالَ المالِكيةُ: إذا لم يَكنْ في مِلكِه رَقبةٌ وكانَ معَه ثَمنُها لَزمَه شِراؤُها ولم يَجُزْ له الصَّومُ، سَواءٌ كانَ مُحتاجًا إلى ذلكَ المالِ لأجْلِ مَرضٍ أو لأجْلِ مَنصبٍ أو سُكنَى مَسكَنٍ لا فضْلَ فيهِ أو غيرَ مُحتاجٍ، فإنه يَلزمُه العِتقُ ولا يَجزئُه الصَّومُ حِينئذٍ؛ لأنه واجِدٌ لثَمنِ رَقبةٍ، فأشبَهَ المُستغنيَ عنه، ولأنَّ القُدرةَ على الثَّمنِ تَقومُ مَقامَ القُدرةِ على المُثمَّنِ، كالقادرِ على شِراءِ الماءِ بثَمَنِ مِثلِه.
٥ - فأمَّا إذا لم يَكنْ له فَضلُ مالٍ على قَدرِ كِفايةِ ما يَتوصَّلُ بهِ إلى الرَّقبةِ ولا في مِلكِه عَينُ الرَّقبةِ لا يَجبُ عليهِ التَّحريرُ اتِّفاقًا؛ لأنَّ قدْرَ الكفَّارةِ مُستحَقُّ الصَّرفِ إلى حاجتِه الضَّروريةِ، والمُستحَقُّ كالمَصروفِ، فكانَ مُلحَقًا بالعَدمِ، كالماءِ المُحتاجِ إليهِ للشُّربِ في السَّفرِ حتى يُباحُ لهُ التَّيممُ ويَدخلُ تحتَ قولِه عزَّ شأنُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وإنْ كانَ مَوجودًا حَقيقةً لكنَّه لمَّا كانَ مُستحَقَّ الصَّرفِ إلى الحاجةِ الضَّروريةِ أُلحِقَ بالعَدمِ شَرعًا، كذا هذا (١).
стр. 11062
هل يُشتَرطُ في الرَّقبةِ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً أم لا؟
أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أعتَقَ في كفَّارةِ الظِّهارِ رَقبةً مُؤمِنةً أنَّ ذلكَ يُجزِئُ عنهُ، حكاهُ ابنُ المُنذِرِ (١).
إلا أنَّهم اختَلفُوا هل تُجزِئُ رَقبةٌ غيرُ مُؤمِنةٍ؟ أم يُشتَرطُ أنْ تَكونَ مُؤمِنةً؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في كفَّارةِ الظِّهارِ وسائرِ الكفَّاراتِ أنْ تكونَ الرَّقبةُ مُؤمِنةً، ولا تُجزِئُ غيرُ المُؤمِنةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى ذكَرَ الرَّقبةَ في كفَّارةِ القَتْلِ وقيَّدَها بالإيمانِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وذكَرَ الرَّقبةَ في كفَّارةِ الظِّهارِ وكفَّارةِ اليَمينِ وأطلَقَ ذِكرَها، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ المُطلَقُ على المُقيَّدِ إذا كانَ مِنْ جنسِه، فحُمِلَ عُرفُ الشرعِ على مُقتضَى لِسانِهم، وقَد قيَّدَ اللهُ
стр. 11063
تَعالى كفَّارةَ القتلِ بالإيمانِ، والمُطلَقُ كفَّارةُ الظِّهارِ، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ مُطلَقُها على ما قيَّدَ مِنْ كفَّارةِ القتلِ، كما قيَّدَ الشهادةِ بالعَدالةِ بقَولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وأطلَقَها في قَولِه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يُقيِّدْهما بالعَدالةِ، فلمَّا حُمِلَ مُطلَقُ الشُّهودِ على المُقيَّدِ في العَدالةِ .. فكذلكَ هذا مِثلُه.
وعنِ الشَّريدِ بنِ سُوَيدٍ الثَّقفيِّ قالَ: قلتُ يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي أوصَتْ أنْ نُعتِقُ عنها رَقبةً وعندِي جارِيةٌ سَوداءُ، قالَ: ادْعُ بها، فجاءَتْ فقالَ: مَنْ رَبُّكِ؟ قالَتِ: اللَّه، قالَ: مَنْ أنا؟ قالَتْ: رَسولُ اللَّهِ، قالَ: «أَعتِقْها فإنها مُؤمِنةٌ» (١)، وهذا يَقتضِي أنَّ كلَّ رقَبةٍ واجِبةٍ لا يُجزِئُ فيها إلا مُؤمِنةٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُفرِّقْ، وقدْ علَّلَ جَوازَ إعتاقِها عن الرَّقبةِ التي عليهِ بأنها مُؤمِنةٌ، فدَلَّ على أنه لا يُجزِئُ عنِ الرقبةِ التي عليهِ إلا مُؤمِنةٌ.
ولأنه تَكفيرٌ بعِتقٍ، فلَم يَجُزْ فيه إلا مُؤمِنةٌ ككفَّارةِ القَتلِ، ولأنَّ كلَّ نَقصٍ في رَقبةٍ منَعَ إعتاقَها في كفَّارةِ القَتلِ منَعَ إعتاقَها في كفَّارةِ الظِّهارِ، أصلُه قَطعُ الأعضاءِ، ولأنها رَقبةٌ ناقِصةٌ بالكُفرِ كالمُرتدَّةِ والحَربيَّةِ، ولأنَّ كلَّ نَقصِ دِينٍ منَعَ الإعتاقَ في كفَّارةِ القَتلِ منَعَه في الظِّهارِ كالارتِدادِ.
ولأنَّا أجمَعْنا على أنه لا يُجزِئُ إلا رَقبةٌ سَليمةٌ مِنْ العُيوبِ المُضرَّةِ بالعَملِ ضَررًا بيِّنًا، فالتَّقيدُ بالسَّلامةِ مِنْ الكُفرِ أَولى.
стр. 11064
ولأنَّ المَقصودَ القُربةُ بها، والكُفرُ يُنافِيها؛ لأنَّ الكفَّارةَ حقُّ اللهِ تَعالى، فلا يُجوزُ صَرفُها إلى عدَّوِه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه تُجزِئُ في كفَّارةِ الظِّهارِ أيُّ رَقبةٍ، سَواءٌ كانَتْ مُؤمِنةً أم كافِرةً؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أطلَقَ الرَّقبةَ في هذهِ الكفَّارةِ عَنْ قَيدِ الإيمانِ في الرَّقبةِ بقَولِه تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فوجَبَ أنْ يُجزِئَ ما تَناولَه الإطلاقُ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا في كفَّارةُ القَتلِ فلا يَجوزُ فيها إلا المُؤمِنةُ بالإجماعِ، وقالَ الشافعيُّ ﵁: لا يَجوزُ في الكفَّاراتِ كلِّها إلَّا المُؤمِنةُ.
والأصلُ فيهِ أنَّ النَّصَّ الوارِدَ في كفَّارةِ اليَمينِ وكفَّارةِ الظِّهارِ مُطلَقٌ عن قَيدِ إيمانِ الرَّقبةِ، والنَّصَّ الوارِدَ في كفَّارةِ القَتلِ مُقيَّدٌ بقَيدِ الإيمانِ، فحمَلَ الشافِعيُّ ﵀ المُطلَقَ على المُقيَّدِ، ونَحنُ أَجرَينا المُطلَقَ على إطلاقِه والمُقيَّدَ على تَقييدِه.
стр. 11065
وجه قَولِه: أنَّ المُطلَقَ في مَعنَى المُجمَلِ والمُقيَّدَ في مَعنَى المُفسَّرِ، والمُجمَلُ يُحمَلُ على المُفسَّرِ، ويَصيرُ النصَّانِ في مَعنًى كنَصِّ المُجمَلِ والمُفسَّرِ، ولهذا حُمِلَ المُطلَقُ على المُقيَّدِ في بابِ الشهادةِ والزَّكاةِ وكفَّارةِ اليَمينِ، حتى شُرِطَتِ العَدالةُ لوُجوبِ قَبولِ الشهادةِ، والإسامةُ لوُجوبِ الزكاةِ، وشُرِطَ التَّتابعُ في صَومِ كفَّارةِ اليَمينِ، كذا هَهُنا.
ولنا: وَجهانِ: أحَدُهما: طَريقُ مَشايخِنا بسَمَرْقندَ، وهو أنَّ حمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ ضَربُ النُّصوصِ بَعضِها في بَعضٍ وجَعلُ النصَّينِ كنَصٍّ واحِدٍ مع إمكانِ العَملِ بكُلِّ واحِدٍ منهُما، وهذا لا يَجوزُ، بخِلافِ المُجمَلِ؛ لأنه غيرُ مُمكِنٍ العَملُ بظاهِرهِ.
والثاني: طَريقُ مَشايخِ العِراقِ، وهو أنَّ حمْلَ المُطلَقِ على المُقيَّدِ نَسخٌ للإطلاقِ؛ لأنَّ بعدَ وُرودِ النصِّ المُقيَّدِ لا يَجوزُ العَملُ بالمُطلَقِ، بل يُنسَخُ حُكمَه، وليسَ النَّسخُ إلا بَيانَ مُنتهَى مدَّةِ الحُكمِ الأولِ، ولا يَجوزُ نَسخُ الكِتابِ بالقِياسِ ولا بخَبَرِ الواحِدِ، وقَولُه: «المُطلَقُ في معنَى المُجمَلِ» مَمنوعٌ؛ لأنَّ المُجمَلَ لا يُمكنُ العَملُ بظاهرِه، والمَطلَقُ يُمكِنُ العَملُ بظاهرِه؛ إذْ هوَ اسمٌ لِمَا يَتعرَّضُ للذاتِ دونَ الصِّفاتِ، فيُمكِنُ العَملُ بإطلاقِه مِنْ غيرِ الحاجةِ إلى البَيانِ، فلا ضَرورةَ إلى حَملِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ، وفي المَوضعِ الذي حُمِلَ إنَّما حُمِلَ لضَرورةِ عَدمِ الإمكانِ، وذلكَ عندَ اتِّحادِ السَّببِ والحُكمِ؛ لاستِحالةِ ثُبوتِ حُكمٍ واحِدٍ في زَمانٍ واحِدٍ
стр. 11066
مُطلَقًا ومُقيَّدًا، فيَخرجُ على البَيانِ وعلى النَّاسخِ، وعلى الاختلافِ المَعروفِ بينَ مَشايخِنا أنَّ تَقييدَ المُطلَقِ بَيانٌ أو نَسخٌ، وعندَ اختلافِ السَّببِ لا ضَرورةَ فلا يُحمَلُ، واللهُ أعلَمُ.
وبه تَبيَّنَ أنَّ شرْطَ الإيمانِ في كفَّارةِ القَتلِ ثبَتَ نصًّا غيرَ مَعقولِ المَعنى، فيَقتصرُ على مَوردِ النَّصِّ.
ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ تَحريرَ رَقبةٍ مَوصوفةٍ بصِفةِ الإيمانِ في بابِ القَتلِ ما وجَبَ بطَريقِ التَّكفيرِ؛ لأنَّ الكفَّارةَ كاسمِها سِتارةٌ للذُّنوبِ والمُؤاخَذاتِ في الآخِرةِ، واللهُ وضَعَ المُؤاخَذةَ في الخَطأِ بدُعاءِ النبيِّ عليهِ أشرَفُ التحيةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقالَ النبيُّ ﵊: «رُفِعَ عن أمَّتِي الخَطأُ والنِّسيانُ وما استُكرِهُوا عليهِ» (١)، وإنَّما وجبَتْ بطَريقِ الشُّكرِ لسَلامةِ نفسِه في الدُّنيا عنِ القِصاصِ وفي الآخِرةِ عنِ العِقابِ؛ لأنَّ حِفظَ النَّفسِ عنِ الوُقوعِ في الخَطأِ مَقدورٌ في الجُملةِ بالجهْدِ والجدِّ والتكلُّفِ، فجعَلَ اللهُ تَحريرَ رَقبةٍ مَوصوفةٍ بكَونِها مُؤمِنةً شُكرًا لتلكَ النِّعمةِ، والتَّحريرُ في اليَمينِ والظِّهارِ يَجبُ بطَريقِ التَّكفيرِ إذا لم يُعرَفِ ارتِفاعُ المُؤاخَذةِ الثابتةِ هَهُنا، فوجَبَ التَّحريرُ فيهِما تَكفيرًا، فلا يَستقِيمُ القِياسُ.
стр. 11067
فإنْ قيلَ: إذا حنَثَ في يَمينِه خَطأً كانَ التَّحريرُ شُكرًا على ما قُلتُم، فيَنبغِي أنْ يُقاسَ على القَتلِ في إيجابِ تَحريرِ رَقبةٍ مُؤمِنةٍ.
فالجَوابُ أنه لا يُمكِنُ القِياسُ في هذهِ الصُّورةِ أيضًا؛ لِمَا ذكَرْنا أنَّ تَحريرَ المُؤمنِ جُعِلَ شُكرًا لنِعمةٍ خاصَّةٍ، وهي سَلامةُ الحَياةِ في الدُّنيا معَ ارتِفاعِ المُؤاخَذةِ في الآخِرةِ، وفي بابِ اليَمينِ النِّعمةُ هي ارتِفاعُ المُؤاخَذةِ في الآخِرةِ فحَسبُ؛ إذْ ليسَ ثَمَّةَ مُوجبٌ دُنيويٌّ يَسقطُ عنه، فكانَتِ النِّعمةُ في بابِ القَتلِ فَوقَ النِّعمةِ في بابِ اليَمينِ، وشُكرُ النِّعمةِ يَجبُ على قَدرِ النِّعمةِ، كالجَزاءِ على قَدرِ الجِنايةِ، ولا يَعلمُ مِقدار الشُّكرِ إلا مَنْ عَلِمَ مِقدارَ النِّعمةِ، وهو اللهُ ، فلا تُمكِنُ المُقايَسةُ في هذهِ الصُّورةِ أيضًا، واللهُ أعلَمُ (١).
ثانيًا: الصِّيامُ لِمَنْ لم يَجِدْ رَقبةً أو لا يَستطيعُ شِراءَها:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجدْ رَقبةً أنَّ فرْضَه صِيامُ شهرَينِ مُتتابِعَينِ.
والأصلُ في ذلكَ الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)
وأمَّا الإجماعُ: فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا لَم يَجدْ رَقبةً أنَّ فرْضَه صِيامُ شَهرينِ مُتتابِعَينِ (١).
وقدِ اشتَرطَ الفُقهاءُ شُروطًا لِصيامِ الكفَّارةِ، مِنها:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ الصِّيامُ بنِيَّةٍ مِنْ اللَّيلِ إجماعًا:
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا شَرطُ جَوازِ هذهِ الصِّياماتِ فلجَوازِ صِيامِ الكفَّارةِ شَرائطُ مَخصوصةٌ، منها النِّيةُ مِنْ اللَّيلِ، حتى لا يَجوزُ بنيَّةٍ مِنْ النَّهارِ بالإجماعِ؛ لأنه صَومٌ غيرُ عَينٍ، فيَستدعِي وُجوبَ النِّيةِ مِنْ اللَّيلِ؛ لِما ذكَرْنا في كِتابِ الصَّومِ (٢).
الشَّرطُ الثَّاني: التَّتابُعُ في صَومِ الكفَّارةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه يَجبُ التَّتابعُ في صَومِ كفَّارةِ الظِّهارِ والقَتلِ ومَن جامَعَ امرَأتَه في نهارِ رَمضانَ، فإذا صامَ ثمَّ أفطَرَ لغَيرِ عُذرٍ وجَبَ عليهِ أنْ يَستأنفَ الصِّيامَ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ صامَ بعضَ الشَّهرينِ ثمَّ قطَعَه مِنْ غيرِ عُذرٍ فأفطَرَ أنَّ عليهِ أنْ يَستأنفَ الصِّيامَ (٣).
стр. 11070
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومِنها التَّتابعُ في غَيرِ مَوضعِ الضَّرورةِ في صَومِ كفَّارةِ الظِّهارِ والإفطارِ والقَتلِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ التَّتابعَ مُنصوصٌ عليه في هذهِ الكفَّاراتِ الثَّلاثةِ، قالَ اللهُ تعالَى في كفَّارتَيِ القَتلِ والظِّهارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: فأمَّا اشتِراطُنا التَّتابعَ في الصِّيامِ فلقَولِه تَعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وكذلكَ في حَديثِ أَوسٍ وسَلمةَ بنِ صَخرٍ، ولا خِلافَ فيهِ (٢).
وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: الإجماعُ على وُجوبِ التَّتابعِ في الشَّهرَينِ؛ لشَهادةِ الكِتابِ، وقد تَقدَّمَ ذلكَ، وكذلكَ السُّنةُ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ التَّتابعِ في الصِّيامِ في كفَّارةِ الظِّهارِ، وأجمَعُوا على أنَّ مَنْ صامَ بعضَ الشَّهرِ ثمَّ قطَعَه لغَيرِ عُذرٍ وأفطَرَ أنَّ عليهِ استِئنافَ الشَّهرينِ، وإنَّما كانَ كذلكَ لوُرودِ لَفظِ الكِتابِ والسُّنةِ به.
ومعنَى التَّتابعِ المُوالاةُ بينَ صيامِ أيَّامِهما، فلا يُفطِرُ فيها ولا يَصومُ غيرَ الكفَّارةِ.
стр. 11071
ولا يَفتقرُ التَّتابعُ إلى نيَّةٍ، ويَكفي فِعلُه؛ لأنه شَرطٌ، وشَرائِطُ العِباداتِ لا تَحتاجُ إلى نيَّةٍ، وإنَّما تَجبُ النِّيةُ لأفعالِها، وهذا أحَدُ الوُجوهِ لأصحابِ الشافِعيِّ، والوَجهُ الآخَرُ أنها واجِبةٌ لكلِّ لَيلةٍ؛ لأنَّ ضَمَّ العِبادةِ إلى العِبادةِ إذا كانَ شَرطًا وجَبَتِ النِّيةُ فيهِ كالجَمعِ بينَ الصَّلاتَينِ، والثالثُ: تَكفِي نيَّةُ التَّتابعِ في اللَّيلةِ الأُولى.
ولنَا: إنه تَتابعٌ واجِبٌ في العِبادةِ، فلَم يَفتقرْ إلى نيَّةٍ كالمُتابعةِ بينَ الرَّكعاتِ، ويُفارِقُ الجَمعَ بينَ الصَّلاتَينِ؛ فإنَّ ذلكَ رُخصةٌ، فافتَقرَ إلى نيَّةِ الترخُّصِ، وما ذَكَروهُ يَنتقضُ بالمُتابَعةِ بينَ الرَّكعاتِ (١).
إذا أفطَرَتِ المرأةُ لعُذرٍ في الكفَّارةِ بسَببِ الحَيضِ أو النِّفاسِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّومَ إذا كانَ واجِبًا على المَرأةِ بسَببِ القَتلِ أو بسَببِ مُطاوَعةِ الزوجِ في الجِماعِ في رَمضانَ -عِنْدَ مَنْ يَقولُ بهِ، وهُم الجُمهورُ خِلافًا للشافِعيةِ- فصامَتْ وحاضَتْ في أثناءِ الصَّومِ قبلَ أنْ تُتمَّهُ وجَبَ عليها قَضاءُ أيَّامِ حَيضِها إذا طَهرَتْ، وأنَّ هذا الإفطارَ لا يَقطعُ التَّتابعَ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على الصَّائمةِ صَومًا واجِبًا إنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تُتمَّهُ أنها تَقضِي أيَّامَ حَيضِتها إذا طَهرَتْ (٢).
стр. 11072
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّائمةَ مُتتابِعًا إذا حاضَتْ قبلَ إتمامِهِ تَقضي إذا طَهرَتْ وتَبنِي؛ وذلكَ لأنَّ الحَيضَ لا يُمكِنُ التحرُّزُ منه في الشَّهرَينِ إلا بتأخيرِه إلى الإياسِ وفيه تَغريرٌ بالصَّومِ؛ لأنها ربَّما ماتَتْ قبلَه.
والنِّفاسُ كالحَيضِ في أنه لا يَقطعُ التَّتابعَ في أحَدِ الوجهَينِ؛ لأنه بمَنزلَتِه في أحكامِه، ولأنَّ الفِطرَ لا يَحصلُ فيهما بفِعلِهما، وإنَّما ذلكَ الزَّمانُ كزَمانِ اللَّيلِ في حقِّهما.
والوَجهُ الثَّاني: أنَّ النِّفاسَ يَقطعُ التَّتابعَ؛ لأنه فِطرٌ أمكَنَ التحرُّزُ منه لا يَتكرَّرُ كلَّ عامٍ، فقطَعَ التَّتابعَ كالفِطرِ لغَيرِ عُذرٍ، ولا يَصحُ قِياسُه على الحَيضِ؛ لأنه أندَرُ منه ويُمكِنُ التَّحرزُ عنه (١).
إذا أفطَرَ المظاهِرُ في أثناءِ الصِّيامِ لعُذرٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن عليه كفَّارةُ صِيامِ شَهرينِ مُتتابعَينِ فأفطَرَ بعُذرٍ كمَرضٍ مَخُوفٍ، هل يَنقطعُ تَتابعُه ويَلزمُه أنْ يَستأنفَ الصِّيامَ مِنْ جَديدٍ؟ أم لا يَقطعُ التَّتابعَ ويَبني بعدَ ذلكَ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه إنْ أفطَرَ لمَرضٍ مَخُوفٍ لم يَنقطِعِ التَّتابعُ؛ لأنه أفطَرَ لسَببٍ لا صُنعَ له فيه، فلم يَقطَعِ التَّتابعَ كإفطارِ المَرأةِ للحَيضِ؛ وذلكَ لأنهم أجمَعوا على
стр. 11073
أنَّ الحائضَ تَبنِي، فكذلكَ هذا بَينِي؛ إذْ كلُّ واحِدٍ منهُما مَعذورٌ فيما أصابَه.
ولأنا لو قُلنَا: «إنه يَنقطعُ بالفِطرِ في المَرضِ» .. لَأدَّى ذلكَ إلى أنْ يَتسلسلَ؛ لأنه لا يأمَنُ وُقوعَ المَرضِ إذا استَأنفَ بعدَ البُرءِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ إلى أنه إنْ أفطَرَ بعُذرٍ أو بغَيرِ عُذرٍ انقَطعَ تَتابعُه؛ لأنه أفطَرَ باختِيارِه، فهو كما لو أفطَرَ بغَيرِ المَرضِ .. فإذا أفطَرَ في خِلالِ الصَّومِ فإنه يَستقبلُ الصَّومَ، سَواءٌ أفطَرَ لغَيرِ عُذرٍ أو لعُذرِ مَرضٍ أو سَفرٍ؛ لفَوتِ شَرطِ التَّتابعِ.
وكذلكَ لو أفطَرَ يومَ الفِطرِ أو يومَ النَّحرِ أو أيَّامَ التَّشريقِ، فإنه يَستقبلُ الصِّيامَ، سَواءٌ أفطَرَ في هذهِ الأيَّامِ أو لم يُفطِرْ؛ لأنَّ الصَّومَ في هذهِ الأيَّامِ لا يَصلحُ لإسقاطِ ما في ذمَّتِه؛ لأنَّ ما في ذمَّتِه كامِلٌ والصَّومَ في هذه الأيَّامِ ناقِصٌ؛ لمُجاوَرةِ المَعصيةِ إياهُ، والناقصُ لا يَنوبُ عنِ الكاملِ (٢).
стр. 11074
إذا أفطَرَ بسَببِ السَّفرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن كانَ عليهِ كفَّارةُ ظِهارٍ وصامَ شَهرينِ مُتتابعَينِ ثمَّ سافَرَ في أثناءِ صِيامِ الكفَّارةِ فأفطَرَ بسَببِ الصِّيامِ، هل يَقطعُ التَّتابعَ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه يَقطعُ التَّتابعَ ويَلزمُه أنْ يَستأنفَ الصِّيامَ؛ لأنه أحدَثَ سبَبَ الفِطرِ وهو السَّفرُ، فالسَّفرُ شيءٌ اختارَه هو وأدخَلَه عَلى نفسِه، وزادَ المالِكيةُ: وكذا لو أفطَرَ بسَببِ مَرضٍ أهاجَهُ السَّفرُ؛ لتَسبُّبِه فيه، فإنْ لم يُهِجْه لم يَنقطعِ التَّتابعُ على المَشهورِ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَقطعُ التَّتابعَ ولا يَنبغي أنْ يَكونَ أوكَدَ مِنْ رَمضانَ، ولأنه أفطَرَ لعُذرٍ مُبيحٍ فقطْ، فلَم يَنقطعْ به التَّتابعُ كإفطارِ المَرأةِ بالحَيضِ، وفارَقَ الفِطرَ لغَيرِ عُذرٍ؛ فإنه لا يُباحُ (٢).
стр. 11075
إذا جامَعَها في أثناءِ كفَّارةِ الصِّيامِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا جامَعَ امرَأتَه المُظاهرَ منها أو غيرَها في نَهارِ الصَّومِ عامِدًا مِنْ غَيرِ عُذرٍ فسَدَ صَومُه وانقَطعَ التَّتابعُ، ويَلزمُه استِئنافُ الصِّيامِ مِنْ الأوَّلِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ مَنْ صامَ شَهرًا عَنْ ظِهارِه ثمَّ جامَعَ نهارًا عامِدًا أنه يَبتدِئُ الصَّومَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وَطئَها أو وَطئَ غيرَها في نهارِ الشَّهرينِ عامِدًا أفطَرَ وانقَطعَ التَّتابعُ إجماعًا إذا كانَ غيرَ مَعذورٍ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو جامَعَها بالنَّهارِ عامِدًا استَقبلَ بالاتِّفاقِ (٣).
واختَلفُوا في مَوضعَينِ:
الموضِعُ الأولُ: أنْ يُجامِعَها في لَيالِي الصَّومِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُظاهِرِ هل يَجوزُ له أنْ يُصيبَ امرَأتَه المُظاهرَ منها في ليالي الصَّومِ أم لا؟
стр. 11076
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ عَدمُ المَسيسِ في الشَّهرَينِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بصَومِ شهرَينِ مُتتابعَينِ لا مَسيسَ فيهما بقَولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، فأمَرَ بهمَا خالِيَينِ عن وَطءٍ، ولم يأتِ بهمَا على ما أُمِرَ، فلم يُجزِئُه كما لو وَطئَ نهارًا، ولأنه تَحريمٌ للوَطءِ ولا يَختصُّ النَّهارَ، فاستَوى فيهِ اللَّيلُ والنَّهارُ كالاعتِكافِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه لو جامَعَ امرَأتَه التي ظاهَرَ مِنها باللَّيلِ عامِدًا أو ناسِيًا فإنَّ التَّتابعَ لا يَنقطعُ بهذا ويَبنِي؛ لأنه وَطءٌ لا يُبطلُ الصَّومَ، فلا يُوجبُ الاستِئنافَ كوَطءِ غيرِها، ولأنَّ التَّتابعَ في الصِّيامِ عِبارةٌ عنِ اتِّباعِ صَومِ يَومٍ للذي قبلَه مِنْ غَيرِ فارِقٍ، وهذا مُتحقِّقٌ وإنْ وَطئَ لَيلًا، وارتكابُ النَّهيِ في الوَطءِ قبلَ إتمامِه إذا لم يُخِلَّ بالتَّتابعِ المُشتَرَطِ لا يَمنعُ صحَّتَه وإجزاءَه، كما لو وَطئَ قبلَ الشَّهرَينِ أو وَطئَ ليلَةَ أوَّلِ الشَّهرينِ وأصبَحَ
стр. 11077
صائِمًا، والإتيانُ بالصِّيامِ قبلَ التِماسٍ في حَقِّ هذا لا سَبيلَ إليهِ، سَواءٌ بنَى أو استَأنفَ (١).
الموضِعُ الثَّاني: أنْ يُجامِعَها في نَهارِ الشَّهرَينِ ناسِيًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن ظاهَرَ مِنْ زَوجتِه وصامَ شَهرينِ مُتتابعَينِ وجامَعَها ناسِيًا، هل يَستأنفُ الصِّيامَ مِنْ جَديدٍ ويَبطلُ التَّتابعُ؟ أم لا يَبطلُ الصِّيامُ ولا يَبطلُ التَّتابعُ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لو وَطئَ المُظاهرَ منها لَيلًا أو نهارًا عامِدًا أو ناسِيًا انقَطعَ التَّتابعُ ولَزمَه أنْ يَستأنفَ الصَّومَ مِنْ جَديدٍ؛ لأنَّ الوَطءَ لا يُعذَرُ فيهِ بالنِّسيانِ، ولأنَّ كلَّ زَمانٍ لو وَطئَ فيهِ عامِدًا لَقطَعَ التَّتابعَ، فكذلكَ إذا وَطئَ فيهِ سَهوًا (٢).
стр. 11078
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّ مَنْ جامَعَ امرَأتَه التي ظاهَرَ مِنها بالنِّهارِ ناسِيًا فإنه لا يُفطِرُ ولا يَنقطعُ التَّتابعُ؛ لأنه فعَلَ المُفطِرَ ناسِيًا، أشبَهَ ما لو أكَلَ ناسِيًا (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أُبيحَ لهُ الفِطرُ لعُذرٍ فوَطئَ غيرَها نهارًا لم يَنقطعِ التَّتابعُ؛ لأنَّ الوَطءَ لا أثَرَ له في قَطعِ التَّتابعِ (٢).
لو جامَعَ ليلاً غيْرَ المظاهَرِ منها:
نَصَّ أكثَرُ الفُقهاءِ على أنَّ الرَّجلَ إذا وَطئَ زَوجةً لهُ غيرَ المظاهَرِ مِنها لَيلًا فإنه لا يَقطعُ التَّتابعَ.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: إنْ جامَعَ غيرَ التي ظاهَرَ مِنها لم يَكنْ عليهِ الاستِقبالُ؛ لأنَّ جِماعَه لم يُؤثِّرْ في صَومِه، فلَم يَنقطِعِ التَّتابعُ (٣).
وجاءَ في «الفُتاوَى الهِنديَّة»: وإذا جامَعَ غيرَ التي ظاهَرَ مِنها فإنْ كانَ وَطؤُها يُفسِدُ الصَّومَ ويَقطعُ التَّتابعَ يَلزمُه الاستِئنافُ بالاتِّفاقِ، وإنْ لم
صِيامٍ، قالَ: «فلْيُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، قالَتْ: ما عِندَه مِنْ شيءٍ يَتصدَّقُ بهِ، قالَتْ: فأُتِيَ ساعَتَئذٍ بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ فإني أُعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «قدْ أحسَنْتِ، اذهَبي فأَطعِمي بها عنهُ ستِّينَ مِسكينًا وارجِعي إلى ابنِ عَمِّكِ» (١).
وعَن سَلَمةَ بنِ صَخْرٍ لمَّا ظاهَرَ مِنْ زَوجتِه قالَ لهُ النبيُّ ﷺ : «حَرِّرْ رَقبةً»، قُلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أَملِكُ رَقبةً غيرَها، وضَرَبتُ صَفحةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتَتابعَينِ»، قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ ستِّينَ مِسكينًا»، قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ لقدْ بِتنَا وَحِشَينِ ما لنا طَعامٌ، قالَ: «فانطَلقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُرَيقٍ فلْيَدفعْها إليكَ فأَطعِمْ ستِّينَ مِسكِينًا وَسقًا من تَمرٍ وكُلْ أنتَ وعِيالُكَ بَقيَّتَها»، فرجَعْتُ إلى قَومي فقُلتُ: وجَدتُ عندَكم الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأيِ، ووَجَدتُ عندَ النبيِّ ﷺ السعةَ وحُسنَ الرأيِ، وقد أمَرَني أو أمَرَ لي بصَدقتِكُم» (٢).
وأمَّا الإجماعُ: فقدْ أجمَعَتِ الأمَّةُ على وُجوبِ الإطعامِ إذا لم يَقدرْ وعجَزَ عن إيجادِ رَقبةٍ وعجَزَ عنِ الصِّيامِ، فيَجبُ عليهِ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا.
стр. 11081
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُظاهِرَ إذا لم يَجدِ الرَّقبةَ ولم يَستطعِ الصِّيامَ أنَّ فرْضَه إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا على ما أمَرَ اللهُ تعالى في كِتابِه وجاءَ في سُنةِ نبيِّهِ ﷺ ، سواءٌ عجَزَ عنِ الصِّيامِ لكِبَرٍ أو مَرضٍ يَخافُ بالصَّومِ تَباطُؤَه أو الزِّيادةَ فيهِ أو الشَّبَقَ فلا يَصبِرُ فيه عنِ الجِماعِ، فإنَّ أَوسَ بنَ الصَّامتِ لمَّا أمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ بالصِّيامِ قالَتِ امرَأتُه: يا رَسولَ اللهِ إنه شَيخٌ كَبيرٌ ما به مِنْ صِيامٍ، قالَ: «فلْيُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، ولمَّا أمَرَ سَلمةَ بنَ صَخرٍ بالصِّيامِ قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبْتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ»، فنقَلَه إلى الإطعامِ لمَّا أخبَرَ أنه به مِنْ الشَّبَقِ والشَّهوةِ ما يَمنعُه مِنْ الصِّيامِ، وقِسنَا على هذَينِ ما يُشبِهُهما في مَعناهُما (١).
إلا أنَّ هاهُنا بعضَ المَسائلِ التي يَنبغِي ذِكرُها:
أولاً: تَفسيرُ العاجِزِ عنِ الصَّومِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا كانَ عاجِزًا عَنِ الصَّومِ في كفَّارةِ الظِّهارِ أنَّه يَنتقلُ إلى الإطعامِ، أي إطعامِ ستِّينَ مِسكينًا.
وقَد فسَّرَ الفُقهاءُ العاجِزَ عنِ الصَّومِ:
قالَ الحَنفيةُ: إنْ عجَزَ المُظاهِرُ عنِ الصَّومِ لكِبَرِ سِنٍّ أو مَرضٍ لا يُرجَى زَوالُه أَطعَمَ هو أو نائبُه سِتِّينَ مِسكينًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ
стр. 11082
سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولو بَرِئَ مِنْ المَرضِ وجَبَ الصَّومُ، وكذا الشَّيخُ الفاني إذا فَدَى ثمَّ قدَرَ على الصَّومِ أنه تَبطلُ الفِديةُ ويَلزمُه الصَّومُ؛ لأنَّ الشَّيخَ الفاني هو الذي لا تُرجَى له القُدرةُ على الصَّومِ، فإذا قدَرَ تبيَّنَ أنه لم يَكنْ شَيخًا فانِيًا، ولأنَّ الفِديةَ ليسَتْ ببَدلٍ مُطلَقٍ؛ لأنها ليسَتْ بمِثلٍ للصَّومِ صُورةً ومُعنًى، فكانَتْ بَدلًا ضَروريًّا، وقدِ ارتَفعَتِ الضَّرورةُ فبَطلَتِ القُدرةُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا جزَمَ بالقُدرةِ على الصِّيامِ أو ظنَّها فلا يَنتقِلُ إلى الإطعامِ قَولًا واحِدًا.
وإنْ جزَمَ بعَدمِ قُدرتِه على الصِّيامِ أو ظَنَّ عدَمَ القُدرةِ على الصِّيامِ -بأنْ كانَ المُظاهِرُ حِينئذٍ مَريضًا مَثلًا وغلَبَ على ظنِّهِ أنه لا يَقدِرُ على الصِّيامِ الآنَ ولا في المُستقبَلِ- انتَقلَ إلى الإطعامِ قَولًا واحِدًا، وكذا كلُّ مرَضٍ يَطولُ بصاحبِه ولا يَدري أيَبْرَأُ منه أم لا؟ فلْيُطعِمْ، ويُجزِئُه ذلكَ إنْ صَحَّ.
وفي «المُدوَّنة»: إذا تَمادَى بهِ المَرضُ انتَظرَ حتى إذا صَحَّ صامَ، إلا أنْ يُصيبَه مَرضٌ يُعلَمُ أنَّ مِثلَ ذلكَ المَرضِ لا يَقوى صاحِبُه على الصِّيامِ بعدَ ذلكَ، فإنَّ هذا قد خرَجَ مِنْ أنْ يكونَ مِنْ أهلِ الصِّيامِ وصارَ مِنْ أهلِ الإطعامِ، وقالَ غيرُه: إذا مَرضَ فهو ممَّنْ لا يَستطيعُ، وعليهِ الإطعامُ.
стр. 11083
واختَلفوا فيما لو شَكَّ هل يَقدِرُ على الصِّيامِ أو لا يَقدِرُ، قَولانِ في المَذهبِ، أحَدُهما: يَجوزُ له الانتِقالُ للإطعامِ، والثَّاني: لا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: فإنْ عجَزَ المُظاهِرُ عن صَومٍ بهَرَمٍ أو مَرضٍ قالَ الأكثَرونَ مِنْ الأصحابِ: لا يُرجَى زَوالُه، وقالَ الإمامُ الجُوَينيُّ والغَزاليُّ ورَجحَّه النَّوويُّ: لا بُدَّ مِنْ تَقييدِ المَرضِ بكَونِه يَدومُ شَهرينِ، إمَّا بظَنِّ عادَةٍ مُطَّرِدةٍ في مِثلِه أو بَقولِ الأطبَّاءِ، فله العُدولُ إلى الإطعامِ ولا يَنتظرُ زَوالَه ليَصومَ.
وأطلَقَ جَمعٌ مِنْ الأصحابِ المرَضَ مِنْ غَيرِ تَفرقةٍ بينَ رَجاءِ زَوالِه وعَدمِه.
وقالَ الماوَرديُّ: إنْ كانَ عَجزُه بهَرَمٍ ونحوِه فهو مُتأبِّدٌ، فلهُ الإطعامُ والأَولى تَقديمُه، وإنْ كانَ يُرجَى زَوالُه كالعَجزِ بالمَرضِ فهوَ بالخِيارِ بينَ تَعجيلِ الإطعامِ وبينَ انتِظارِ البِرِّ للتَّكفيرِ بالصِّيامِ، وسَواءٌ كانَ عَجزُه بحَيثُ لا يَقدرُ على الصِّيامِ أو يَلحقُه مَشقَّةٌ غالِبةٌ مع قُدرتِه عليهِ، فله في الحالَينِ الإطعامُ، وكذا الفِطرُ في رَمضانَ.
قالَ: ولو قدَرَ على صَومِ شَهرٍ فقطْ أو عَلى صَومِ شَهرينِ بلا تَتابعٍ فله العُدولُ إلى الإطعامِ.
стр. 11084
أو لم يَعجزْ عنِ الصَّومِ ولكنْ لَحقَه بالصَّومِ أو تَتابعِه مَشقةٌ شَديدةٌ لا تُتحمَّلُ في العادةِ فله العُدولُ إلى الإطعامِ، وضبَطَها بَعضُهم بما يُبيحُ التَّيممَ، وغَلبةُ الجُوعِ ليسَتْ بعُذرٍ ابتِداءً؛ لفَقدِه حِينئذٍ، فيَلزمُه الشُّروعُ في الصَّومِ، فإنْ عجَزَ عنه أفطَرَ وانتَقلَ للإطعامِ.
وكذا مَنْ بهِ شدَّةُ شَبَقٍ -وهو شِدَّةُ الغُلْمَةِ، أي شَهوةِ الوَطءِ- فيَجوزُ له العُدولُ إلى الإطعامِ، بخِلافِ صَومِ رَمضانَ، وإنَّما لم يَجُزْ تَركُ صَومِ رَمضانَ بشدَّةِ الشَّبقِ لأنه لا بَدلَ له ولأنه يُمكِنُه الوَطءُ فيه لَيلًا، بخلافِه في كفَّارةِ الظِّهارِ؛ لاستِمرارِ حُرمَتِه إلى الفَراغِ مِنها.
أو خافَ مِنْ الصَّومِ زِيادةَ مَرضٍ كفَّرَ بإطعامِ ستِّينَ مِسكينًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولحَديثِ أَوسِ بنِ الصَّامتِ وسَلمةَ بنِ صَخرٍ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ عجَزَ عنِ الصَّومِ لكِبَرٍ أو مَرضٍ يخافُ بالصَّومِ تَباطُؤَه أو الزِّيادةَ فيه ولو رُجِيَ بُرؤُه، أو الشَّبَقَ فلا يَصبِرُ فيهِ عنِ الجِماعِ، ففَرضُه إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا، فإنَّ أَوسَ بنَ الصَّامتِ لمَّا أمَرَه رسولُ اللهِ ﷺ بالصِّيامِ قالَتِ امرَأتُه: يا رَسولَ اللهِ إنه شَيخٌ كَبيرٌ ما بهِ مِنْ
стр. 11085
صِيامٍ قالَ: «فلْيُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، ولمَّا أمَرَ سَلمةَ بنَ صَخرٍ بالصِّيامِ قالَ: «وهل أصَبْتُ الذي أصَبْتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ»، فنقَلَه إلى الإطعامِ لمَّا أخبَرَ أنه بهِ مِنْ الشَّبَقِ والشَّهوةِ ما يَمنعُه مِنْ الصِّيامِ، وقِسنَا على هذَينِ ما يُشبِهُهما في مَعناهُما.
ويَجوزُ أنْ يَنتقِلَ إلى الإطعامِ إذا عجَزَ عنِ الصِّيامِ للمَرضِ وإنْ كانَ مَرجُوَّ الزَّوالِ؛ لدُخولِه في قَولِه : ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، ولأنه لا يعلمُ أنَّ له نهايَةً، فأشبَهَ الشَّبَقَ (١).
جِماعُ المظاهِرِ زوْجَتَه أثناءَ الإطعامِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُظاهرِ الذي وجَبَ عليهِ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا بسبَبِ كفَّارةِ الظِّهارِ، هل يَجوزُ له أنْ يُجامِعَ زَوجتَه خِلالَ مُدَّةِ الإطعامِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ (وعَبدُ المَلكِ بنُ الماجشُونِ مِنْ المالِكيةِ) إلى أنَّ عدَمَ المَسيسِ في خِلالِ الإطعامِ في كفَّارةِ الظِّهارِ ليسَ بشَرطٍ، حتى لو جامَعَ في خِلالِ الإطعامِ لا يَلزمُه الاستِئنافُ، فيَبنِي على ما قدَّمَه مِنْ الإطعامِ ويُتمِّمُه؛ لأنَّ اللهَ ﵎ لم يَشتَرطْ ذلكَ في هذهِ الكفَّارةِ؛ لقَولِه : ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] مِنْ غَيرِ شَرطِ تَركِ المَسيسِ، ولا يُحمَلُ الإطعامُ على الصِّيامِ؛
стр. 11086
لأنهُما حُكمانِ مُختلِفانِ وإنِ اتَّحدَتِ الحادِثةُ، ولأنَّ اللهَ تَعالى لم يَشترطِ التَّتابعَ فيه، فلم يُوجِبِ الاستِئنافَ كوَطءِ غيرِ المُظاهرِ مِنها أو كالوَطءِ في كفَّارةِ اليَمينِ، وبهذا فارَقَ الصِّيامَ، إلا أنه مُنعَ مِنْ الوَطءِ قبلَه لجَوازِ أنْ يَقدرَ على الإعتاقِ أو الصَّوم فتَنتقِلَ الكفَّارةُ إليهِما، فيَتبيَّنُ أنَّ الوَطءَ كانَ حَرامًا (١).
إلا أنَّ الشافِعيةَ قالُوا: يأثَمُ بذلكَ ولا يَلزمُه الاستِئنافُ؛ لأنَّ الوَطءَ لا يُبطِلُ ما فعَلَه مِنْ الإطعامِ، فلم يَلزمْه الاستِئنافُ كما لو وَطئَ غيرَها (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المُظاهِرَ إذا وَطئَ في أثناءِ الإطعامِ فإنَّ إطعامَه يَبطلُ ولو بَقيَ فيهِ مِسكينٌ واحِدٌ، واستَأنفَ الإطعامَ؛ لأنه وَطءٌ في أثناءِ كفَّارةِ الظِّهارِ، كالوَطءِ في أثناءِ الصَّومِ (٣).
стр. 11087
هل يَجوزُ إطعامُ مِسكينٍ واحِدٍ ستِّينَ يَومًا؟ أم لا بُدَّ مِنْ إطعامِ ستِّينَ مِسكينًا؟
أجمَعُ الفُقهاءُ على أنَّ المُظاهِرَ إذا كفَّرَ بالإطعامِ فأطعَمَ ستِّينَ مِسكينًا أنَّ هذا يُجزِئُه.
إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو أطعَمَ مِسكينًا واحِدًا ستِّينَ يَومًا، هل يُجزِئُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المُظاهِرَ إذا أطعَمَ مِسكينًا واحِدًا ستِّينَ يَومًا أَكلتَينِ مُشبِعتَينِ أجزَأهُ؛ لأنَّ المَقصودَ سَدُّ خلَّةِ المُحتاجِ، والحاجةُ تَتجدَّدُ في كُلِّ يَومٍ، فالدَّفعُ إليهِ في اليَومِ الثاني كالدَّفعِ إلى غيرِه.
وكذا إذا أعطاهُ ستِّينَ يَومًا كلَّ يَومٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ.
وإنْ أعطاهُ في يَومٍ واحِدٍ طعامَ ستِّينَ مِسكينًا لم يُجْزِه إلا عَنْ يَومِه ذلكَ؛ لأنَّ التَّفريقَ واجِبٌ بالنَّصِ وهو قَولُه: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] ولم يُوجَدْ لا حَقيقةً ولا تَقديرًا فلا يَجوزُ، كالحاجِّ إذا رمَى الحَصَياتِ السَّبعَ دُفعةً واحدةً.
стр. 11088
ولو أطعَمَ مِائةً وعِشرينَ مِسكينًا دفعةً واحِدةً فعَليهِ أنْ يُطعِمَ إحدى الفِرقتَينِ أكلةً مُشبِعةً أُخرى، وكذا إذا غَدَّى ستِّينَ وعشَّى ستِّينَ غيرَهم فعَليهِ أنْ يُطعِمَ إحدى الفِرقتَينِ أكلةً مُشبِعةً أُخرى (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يُجزِئُه إنْ أطعَمَ مِسكينًا واحِدًا ستِّينَ يومًا؛ لأنَّ هذا خِلافٌ مُجرَّدٌ لأمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يقَعُ اسمُ ستِّينَ مِسكينًا على مِسكينٍ واحِدٍ أصلًا.
فإنْ قيلَ: المَقصودُ سَدُّ ستِّينَ خلَّةً وهو حاصِلٌ، فلِمَ لا يُجزِئُ؟
قيلَ: المَقصودُ سَدُّ خلَّةِ ستِّينَ؛ لأنه أبلَغُ في الأجرِ، ولتَوقُّعِ أنْ يكونَ فيهم وَليٌّ مَقبولُ الدُّعاءِ.
قالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا لكلٍّ مِنهم مُدٌّ وثُلثانِ بمُدِّه ﷺ بُرًّا، ولا يَجوزُ إطعامُ مِسكينٍ واحِدٍ ستِّينَ يومًا؛ لأنَّ المَقصودَ سَدُّ خلَّةِ ستِّينَ؛ لأنه أبلَغُ في الأجرِ، ولتَوقُّعِ أنْ يكونَ فيهِم وليٌّ مَقبولُ الدُّعاءِ.
وإنْ أعطَى ستِّينَ مُدًّا هاشِميًّا لمِائةٍ وعِشرينَ مِسكينًا لكلٍّ نِصف مُدٍّ لم يُجزِئْه (٢).
стр. 11089
وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا، وإنْ صرَفَ ستِّينَ مُدًّا إلى مِائةٍ وعِشرينَ بالسَّويَّةِ احتُسبَ له بثَلاثينَ مُدًّا، فيَصرفُ ثَلاثينَ أُخرى إلى سِتِّينَ مِنهم ويَستَردُّ مِنْ الباقِينَ إنْ كانَ ذكَرَ لهم أنها كفَّارةٌ.
وإنْ صرَفَ ستِّينَ إلى ثَلاثينَ بحَيثُ لا يَنقصُ كلٌّ مِنهم عَنْ مُدٍّ لَزمَه صَرفُ ثَلاثينَ مُدًّا إلى ثَلاثينَ غيرِهم ويَستردُّ كما سبَقَ، ولو صرَفَ لمِسكينٍ واحِدٍ مُدَّينِ مِنْ كفَّارتَينِ جازَ.
وإنْ أعطَى رَجلًا مُدًّا واشتَراهُ منه مَثلًا ودفَعَه لآخَرَ وهكذا إلى ستِّينَ أجزَأهُ وكُرِهَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: الواجِبُ في الإطعامِ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا، لا يُجزِئُه أقَلُّ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وهذا لم يُطعِمْ إلا واحِدًا، فلم يَمتثِلِ الأمْرَ، ولأنه لم يُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا، فلم يُجزِئْه كما لو دفَعَها إليه في يَومٍ واحِدٍ، ولأنه لو جازَ الدَّفعُ إليهِ في أيَّامٍ لَجازَ في يَومٍ واحِدٍ كالزَّكاةِ وصَدقةِ الفِطرِ، يُحقِّقُ هذا أنَّ اللهَ أمَرَ بعَددِ المَساكينِ لا بعَددِ الأيَّامِ (٢).
стр. 11090
مِقدارُ الإطعامِ لكُلِّ يَومٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في القَدرِ المُجزِئِ مِنْ الإطعامِ لكُلِّ مِسكينٍ كلَّ يَومٍ، هل هو نِصفُ صَاعٍ أو صاعٌ -كما يَقولُ الحَنفيةُ-؟ أو مُدٌّ هاشِميٌّ -كما يَقولُ المالِكيةٌ-؟ أو مُدٌّ بمُدِّ النبيِّ ﷺ كما يَقولُ الشافِعيةُ والحَنابلةُ-؟ أو أنه غَيرُ مُقدَّرٍ والرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ -كما يَقولُ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ-؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الواجِبَ إخراجُه لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعٌ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لِما رُوِي عن عُمرَ ﵁ أنه قالَ ليَسارِ بنِ نُمَيرٍ: «إني أَحلِفُ أنْ لا أُعطيَ أقوامًا شَيئًا، ثمَّ يَبدُو لي فأفعَلُ، فإذا رَأيتَنِي فعَلْتُ ذلكَ فأَطعِمْ عنِّي عَشرةَ مَساكِينَ كلَّ مِسكينٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ برٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ» (١).
ورُويَ عن عَليٍّ مِثلُ ذلكَ.
أو قِيمةُ ذلكَ مِنْ غيرِ الأعدادِ المَنصوصةِ مُطلَقًا، وأمَّا في الأعدادُ المَنصوصةُ فلا يَجوزُ أداؤُها قِيمةً إذا كانَتْ أقَلَّ قَدرًا ممَّا قدَّرَه الشَّرعُ.
وإنْ كانَتِ أكثَرَ مِنْ الآخَرَ أو مِثلَه قِيمةً، حتى لو أدَّى نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ جيِّدٍ تَبلغُ قِيمتُه نِصفَ صاعٍ مِنْ حِنطةٍ لا يَجوزُ، وكذا لو أدَّى أقَلَّ مِنْ
стр. 11091
نِصفِ صاعٍ حِنطةً تَبلغُ قِيمتُه صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ لا يَجوزُ؛ إذِ الأصلُ فيهِ أنَّ كلَّ جِنسٍ هو مَنصوصٌ عليه مِنْ الطَّعامِ لا يَكونُ بَدلًا عن جِنسٍ آخَرَ هو مَنصوصٌ عليه وإنْ كانَ في القِيمةِ أكثَرَ؛ لأنه لا اعتِبارَ لمَعنَى النَّصِّ في المَنصوصِ عليه، وإنَّما الاعتِبارُ له في غَيرِه.
فإنْ أعطَى مَنًّا مِنْ بُرٍّ ومَنوَينِ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ جازَ؛ لحُصولِ المَقصودِ، إذِ الجِنسُ مُتحِدٌ.
وإنْ أمَرَ غيرَه أنْ يُطعِمَ عنه مِنْ ظِهارِه ففعَلَ أجزَأهُ؛ لأنه استِقراضٌ مَعنًى، والفَقيرُ قابضٌ له أوَّلًا ثمَّ لنَفسِه، فتَحقَّقَ تَملُّكُه ثمَّ تَمليكُه.
وإنْ غدَّاهُم وعشَّاهُم جازَ، قَليلًا كانَ ما أكَلوا أو كَثيرًا؛ لأنَّ المَنصوصَ عليه هو الإطعامُ، وهو حَقيقةٌ في التَّمكينِ مِنْ الطُّعمِ، وفي الإباحةِ ذلكَ كما في التَّمليكِ، ولو كانَ فيمَن عشَّاهُم صَبيٌّ فَطيمٌ لا يُجزئُه؛ لأنه لا يَستَوفي كامِلًا، ولا بُدَّ مِنْ الإدامِ في خُبزِ الشَّعيرِ؛ ليُمكِنَه الاستِيفاءُ إلى الشَّبعِ، وفي خُبزِ الحِنطةِ لا يُشترطُ الإدامُ.
والمُعتبَرُ في التَّمكينِ أكلَتانِ مُشبِعتانِ، إمَّا الغَداءُ والعَشاءُ وإمَّا غَداءانِ أو عَشاءانِ لكُلِّ مِسكينٍ، فإنَّ المُعتبَرَ حاجةُ اليَومِ، وذلكَ بالغَداءِ والعَشاءِ.
وإذا غَدَّى ستِّينَ وعشَّى ستَّينَ آخَرينَ لا يَجوزُ، وعليه أنْ يُطعِمَ إحدى الفِرقتَينِ أكلةٌ مُشبِعةٌ (١).
стр. 11092
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يُشتَرطُ إطعامُ ستِّينَ مِسكينًا لكلٍّ مِنهُم مُدٌّ هاشِميٌّ، وهو مُدٌّ وثُلثانِ بمُدِّه ﷺ بُرًّا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، والإطلاقُ يَقتضِي الشَّبعَ، ولأنها فِديةٌ ينتقلُ فيها مِنْ صِيامٍ إلى طَعامٍ أبهَمتْهُ في الظِّهارِ، فوجَبَ أنْ يلزمَ فيها زِيادةٌ على مُدٍّ، أصلُه فِديةُ الأذَى.
وقيلَ: مُدَّانِ، وقيلَ: مُدٌّ، وقيلَ: مُدٌّ وثُلثٌ، وقيلَ: مُدٌّ ونِصفٌ.
وإنِ اقتَاتُوا تَمرًا أو شَيئًا مِنْ الأجناسِ المُخرَجةِ في زَكاةِ الفِطرِ مِنْ شَعيرٍ أو سُلْتٍ أو أُرْزٍ أو دُخْنٍ أو ذُرَةٍ فإنه يُخرِجُ منه عِدْلَ الحِنطةً شَبَعًا لا كَيلًا، ومَعنَى عِدلِه شَبعًا أنُ يُقالَ: إذا شَبعَ الرَّجلُ مِنْ مُدِّ حِنطةٍ كم يُشبِعُه مِنْ غَيرِها؟ فيُقالَ: كذا، فيُخرِجَ ذلكَ، سَواءٌ زادَ عَنْ مُدٍّ أو نَقصَ.
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: ولا أُحبُّ أنْ يُغدِّي ويُعشِّي في الظِّهارِ؛ لأنَّ الغداءَ والعَشاءَ لا أظنُّه يَبلغُ مُدًّا بالهاشِميِّ، ولا يَنبغِي ذلكَ في ديَّةِ الأذَى أيَضًا، ويُجزِئُ ذلكَ فيما سِواهُما مِنْ الكفَّاراتِ، ويَكونُ معَ الخُبزِ إدامٌ، وإنْ كانَ الخُبزُ وحْدَه وفيهِ عِدلُ ما يُخرَجُ مِنْ الحَبِّ أجزَأهُ.
وإنْ أعطَى ستِّينَ مُدًّا هاشِميًّا لمِائةٍ وعِشرينَ مِسكينًا لكلٍّ نِصف مُدٍّ لم يُجزِئْه (١).