وإنْ أعطَى رَجلًا مُدًّا واشتَراهُ منه مَثلًا ودفَعَه لآخَرَ وهكَذا إلى ستِّينَ أجزَأهُ وكُرِهَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الواجِبَ في قَدرِ الطَّعامِ في الكفَّاراتِ كلِّها مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لكلِّ مِسكينٍ، أو نِصفُ صاعٍ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لِما رَواهُ الأثرمُ بإسنادِهِ عن أبي هُريرةَ ﵁ في حَديثِ المُجامِعِ في رَمضانَ أنَّ النبيَّ ﷺ «أُتِيَ بعَرَقٍ فيه خَمسةَ عَشرَ صاعًا فقالَ: خُذْهُ وتَصدَّقْ بهِ»، وإذا ثبَتَ في المُجامِعِ بالخبَرِ ثبَتَ في المُظاهِرِ بالقياسِ عليهِ، ولأنه إطعامٌ واجِبٌ فلم يَختلفْ باختِلافِ أنواعِ المُخرَجِ كالفِطرةِ وفِديةِ الأذَى.
ولِما رَوى الإمامُ أحمَدُ: ثَنَا إسماعيلُ ثنَا أيُّوبُ عن أبي يَزيدَ المَدنِيِّ قالَ: جاءَتِ امرأةٌ مِنْ بَني بَياضةَ بنِصفِ وَسقِ شَعيرٍ فقالَ النبيُّ ﷺ للمُظاهِرِ: «أَطعِمْ هذا، فإنَّ مُدَّي شَعيرٍ مكانَ مُدِّ بُرٍّ» (٢)، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا نَصٌّ، ويَدلُّ على أنه مُدُّ بُرٍّ أنه قولُ زَيدٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ، ولم نَعرِفْ لهُم في الصَّحابةِ مُخالِفًا فكانَ إجماعًا، وعلى أنه نصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ ما رَوى عطاءُ بنُ يَسارٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لخُوَيلةَ امرأةِ أَوسِ بنِ الصَّامتِ: «اذهَبي إلى
стр. 11097
فُلانٍ الأنصاريِّ، فإنَّ عِندَه شطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمرٍ أخبَرَني أنه يُريدُ أنْ يَتصدَّقَ بهِ، فلْتَأخُذيهِ فلْيَتصدَّقْ به على ستِّينَ مِسكينًا»، وفي حَديثِ أَوسِ بنِ الصَّامتِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنِّي سَأُعينُه بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قلتُ: يا رَسولَ اللهِ فإني سَأُعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: قدْ أحسَنْتِ، اذهَبي فأطعِمي بها عنه ستِّينَ مِسكينًا وارجِعِي إلى ابنِ عمِّكِ»، ورَوى أبو داودَ بإسنادِه عن أبي سَلمةَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ أنه قالَ: «العَرَقُ زِنْبِيلٌ يأخُذُ خَمسةَ عشَرَ صاعًا»، فعَرَقانِ يَكونانِ ثلاثِينَ صاعًا لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ، ولأنها كفَّارةٌ تَشتمِلُ على صِيامٍ وإطعامٍ، فكانَ لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ كفِديةِ الأذَى (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: والمُخرَجُ في الكفَّارةِ ما يُجزِئُ في الفِطرةِ، وهو البُرُّ والشَّعيرُ ودَقيقُهما وسَويقُهما والتَّمرُ والزَّبيبُ والأَقطُ، فإنْ كانَ قُوتُ بلَدِه غيرَ ذلكِ كالذُّرةِ والدُّخْنِ والأُرْزِ لم يَجُزْ إخراجُه؛ لأنَّ الخبَرَ ورَدَ بإخراجِ هذهِ الأصنافِ في الفِطرةِ، فلم يَجُزْ غيرُها كما لو لم يَكنْ قُوتَ بلَدِه، واختارَ أبو الخطَّابِ والمُوفَّقُ وغَيرُهما: يُجزِئُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإخراجُ الحَبِّ أفضَلُ؛ للخُروجِ مِنْ الخِلافِ، وهي حالةُ كمالِه؛ لأنه مُدَّخَرٌ ويَتهيَّأُ لمَنافعِه كلِّها بخِلافِ غيرِه.
стр. 11098
ونقَلَ ابنُ هانِئٍ: التَّمرُ والدَّقيقُ أحَبُّ إليَّ ممَّا سِواهُما.
وفي «التَّرغيبِ»: التَّمرُ أعجَبُ إلى أحمَدَ، قلتُ: هو قياسُ ما تَقدَّمَ في الفِطرةِ.
فإنْ أخرَجَ دَقيقًا جازَ، لكنْ يَزيدُ على المُدِّ قَدرًا يَبلغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخرجُه -أي الدَّقيقَ- بالوَزنِ رَطلًا عِراقيًّا وثُلثًا؛ لأنَّ الحَبَّ تَتفرَّقُ أجزاؤُه بالطَّحنِ، فيَكونُ في مِكيالِ الحَبِّ أكثَرُ ممَّا يَكونُ في مِكيالِ الدَّقيقِ.
ولا يُجزئُ إخراجُ خُبزٍ؛ لأنه خرَجَ عنِ الكَيلِ والادِّخارِ، فأشبَهَ الهَريسةَ.
وعَنهُ -واختَارُه جَمعٌ منهُم الخِرقيُّ- قالَ القاضِي وأصحابُه: الأَولى الجَوازُ.
وفي «المُغنِي»: هذا أحسَنُ -أي إجزاءُ الخُبزِ-؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَهُ، وليسَ الادِّخارُ مَقصودًا في الكفَّارةِ؛ فإنها مُقدَّرةٌ بما يَقوتُ المِسكينَ في يَومِه، وهذا مُهيَّأٌ للأكلِ المُعتادِ للاقتِياتِ.
وأمَّا الهَريسةُ فإنها خرَجَتْ عنِ الاقتياتِ المُعتادِ إلى حَيِّزِ الأُدْمِ.
ولا يُجزئُ مِنْ البُرِّ أقلُّ مِنْ مُدٍّ … ولا يُجزئُ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبُ والأَقطِ أقلُّ مِنْ مُدَّينِ … ولا مِنْ خُبزِ البُرِّ أقلُّ مِنْ رَطلَينِ بالعِراقيِّ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ ذلكَ لا يُبلغُ مُدًّا.
стр. 11099
ولا مِنْ خُبزِ الشَّعيرِ أقلُّ مِنْ أربعةِ أرطالٍ بالعِراقيِّ إنْ قُلنا بإجزاءِ الخُبزِ.
إلا أنْ يَعلَمَ أنه -أي المُخرَجَ مِنْ الخُبزِ- مُدٌّ مِنْ البُرِّ أو مُدَّانِ مِنْ الشَّعيرِ فيُجزئُ؛ لأنه الواجِبُ … ويُستحبُّ إخراجُ أُدمٌ معَ المُجزئِ، نصَّ عليهِ (١).
وذهَبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ -رحمهما الله- إلى أنَّ الواجِبَ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وأنه غيرُ مُقدَّرٍ في الشَّرعِ.
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: كفَّارةُ اليمينِ هيَ المَذكورةُ في سُورةِ المائِدةِ، قالَ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فمتَى كانَ واجِدًا فعَليهِ أنْ يُكفِّرَ بإحدَى الثَّلاثِ، فإنْ لم يَجدْ فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، وإذا اختارَ أنْ يُطعِمَ عَشرةَ مَساكينَ فله ذلكَ، «ومِقدارُ ما يُطعِمُ» مَبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ إطعامَهُم هلْ هو مُقدَّرٌ بالشَّرعِ؟ أو بالعُرفِ؟ فيه قَولانِ للعُلماءِ.
مِنهُم مَنْ قالَ: هو «مُقدَّرٌ بالشَّرعِ» وهؤلاءِ على أقوالٍ، مِنهم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ مِسكِينٍ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ أو نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، كقَولِ أبي حَنيفةَ وطائِفةٍ.
стр. 11100
ومِنهُم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ واحدٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ وشَعيرٍ أو رُبعَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، وهو مُدٌّ، كقَولِ أحمدَ وطائفةٍ.
ومِنهُم مَنْ قالَ: بل يُجزئُ في الجَميعِ مُدٌّ مِنْ الجَميعِ، كقَولِ الشافعيِّ وطائفةٍ.
«والقَولُ الثاني» أنَّ ذلكَ مُقدَّرٌ بالعُرفِ لا بالشَّرعِ؛ فيُطعِمُ أهلَ كلِّ بلدٍ مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمونَ أَهليهِم قَدرًا ونَوعًا، وهذا مَعنَى قَولِ مالِكٍ، قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كانَ مالكٌ يَرَى في كفَّارةِ اليَمينِ أنَّ المُدَّ يُجزئُ بالمدينةِ، قالَ مالكٌ: وأمَّا البُلدانُ فإنَّ لهُم عَيْشًا غيرَ عَيشِنا، فأرَى أنْ يُكفِّرُوا بالوَسَطِ مِنْ عَيشِهم؛ لقَولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهو مَذهبُ داوُدَ وأصحابِه مُطلَقًا، والمَنقولُ عَنْ أكثَرِ الصَّحابةِ والتابعِينَ هذا القَولُ؛ ولهذا كانوا يَقولونَ: الأوسَطُ خُبزٌ ولَبَنٌ، خُبزٌ وسَمنٌ، خُبزٌ وتَمرٌ، والأعلَى خُبزٌ ولَحمٌ، وقدْ بَسَطْنا الآثارَ عنهم في غيرِ هذا المَوضعِ وبيَّنَّا أنَّ هذا القَولَ هو الصَّوابُ الذي يَدلُّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والاعتِبارُ، وهو قياسُ مَذهبِ أحمدَ وأصولِه، فإنَّ أصلَه أنَّ ما لَم يُقدِّرْه الشارعُ فإنه يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وهذا لم يُقدِّرْه الشَّارعُ، فيُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، لا سِيَّما مع قولِه تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنَّ أحمدَ لا يُقدِّرُ طَعامَ المَرأةِ والولَدِ ولا المَملوكِ، ولا يُقدِّرُ أُجرةَ الأجيرِ المُستأجَرِ بطَعامِه وكِسوتِه في ظاهرِ مَذهبِه، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ
стр. 11101
الواجِبةَ عِندَه قولًا واحِدًا، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ المَشروطةَ على أهلِ الذِّمةِ للمُسلمِينَ في ظاهرِ مَذهبِه، هذا مع أنَّ هذه واجبةٌ بالشَّرطِ، فكيفَ يُقدِّرُ طَعامًا واجبًا بالشرعِ؟! بل ولا يُقدِّرُ الجِزيةَ في أظهَرِ الرِّوايتَينِ عنه ولا الخَراجَ، ولا يُقدِّرُ أيضًا الأطعِمةَ الواجِبةَ مُطلَقًا، سواءٌ وجَبَتْ بشَرعٍ أو شَرطٍ، ولا غيرَ الأطعِمةِ ممَّا وجَبَتْ مُطلَقًا، فطَعامُ الكفَّارةِ أَولى أنْ لا يُقدَّرَ.
و «الأقسامُ ثلاثةٌ»، فما لهُ حَدٌّ في الشَّرعِ أو اللُّغةِ رجعَ في ذلكَ إليهِما، وما ليس لهُ حَدٌّ فيهما رجعَ فيه إلى العُرفِ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: الذي دلَّ عليهِ القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكفَّارةِ الإطعامُ فقطْ لا التَّمليكُ، قالَ تَعالى في كفَّارةِ اليَمينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقالَ في كفَّارةِ الظِّهارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وقالَ في فديَةِ الأذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليسَ في القُرآنِ في إطعامِ الكفَّاراتِ غيرُ هذا، وليسَ في مَوضعٍ واحِدٍ مِنها تَقديرُ ذلكَ بمُدٍّ ولا رَطلٍ.
وصحَّ عنِ النبيِّ ﷺ أنه قالَ لمَن وَطئَ في نهارِ رَمضانَ: «أَطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، وكذلكَ قالَ للمُظاهِرِ، ولم يَحُدَّ ذلكَ بمُدٍّ ولا رَطلٍ.
стр. 11102
فالذي دلَّ عليهِ القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكفَّاراتِ والنَّفقاتِ هو الإطعامُ لا التَّمليكُ، وهذا هو الثابتُ عنِ الصحابةِ ﵃ …
ولا حُجَّةَ في أحَدٍ دُونَ اللهِ ورَسولِه وإجماعِ الأمَّةِ، وقد أمَرَنا تَعالى أنْ نَردَّ ما تَنازَعْنا فيه إليهِ وإلى رَسولِه، وذلكَ خَيرٌ لنا حَالًا وعاقِبةً، ورأيْنَا اللهَ سُبحانَه إنَّما قالَ في الكفَّارةِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] و: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فعلَّقَ الأمرَ بالمَصدرِ الذي هو الإطعامُ، ولم يَحُدَّ لنا جِنسَ الطَّعامِ ولا قدْرَه، وحَدَّ لنا جِنسَ المُطعَمِينَ وقدْرَهُم، فأطلَقَ الطَّعامَ وقيَّدَ المَطعُومينَ، ورَأيناهُ سُبحانَه حَيثُ ذكَرَ إطعامَ المِسكينِ في كِتابِه فإنما أرادَ بهِ الإطعامَ المَعهودُ المُتعارَفَ، كقولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٢ - ١٥]، وقالَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، وكانَ مِنْ المَعلومِ يَقينًا أنهم لو غَدَّوْهم أو عَشَّوْهم أو أطعَموهُم خُبزًا ولَحمًا أو خُبزًا ومَرَقًا ونحوَه لَكانوا مَمدوحِينَ داخلِينَ فيمَن أثنَى عليهِم، وهو سُبحانَه عدَلَ عنِ الطعامِ الذي هو اسمٌ للمَأكولِ إلى الإطعامِ الذي هو مَصدرٌ صَريحٌ، وهذا نَصٌّ في أنه إذا أطعَمَ المَساكِينَ ولم يُملِّكْهم فقَدِ امتَثلَ ما أُمِرَ به وصَحَّ في كُلِّ لُغةٍ وعُرفٍ أنه أطعَمَهم.
قالوا: وفي أيِّ لُغةٍ لا يَصدُقُ لَفظُ الإطعامِ إلا بالتمليكِ؟ ولمَّا قالَ أنسُ ﵁: «إنَّ النبيَّ ﷺ أطعَمَ الصحابةَ في وَليمةِ زَينبَ خُبزًا
стр. 11103
ولَحمًا» كانَ قدِ اتَّخذَ طَعامًا ودَعاهُم إليه على عادَةِ الوَلائمِ، وكذلكَ قَولُه في وَليمةِ صَفيةَ: «أطعَمَهم حَيْسًا»، وهذا أظهَرُ مِنْ أنْ نَذكُرَ شَواهِدَه.
قالوا: وقد زادَ ذلكَ إيضاحًا وبيانًا بقَولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ومَعلومٌ يَقينًا أنَّ الرَّجلَ إنَّما يُطعِمُ أهلَهُ الخُبزَ واللَّحمَ والمَرَقَ واللَّبنَ ونحوَ ذلكَ، فإذا أطعَمَ المَساكِينَ مِنْ ذلكَ فقدْ أطعَمَهُم مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَه بلا شَكٍّ، ولهذا اتَّفقَ الصحابةُ ﵃ في إطعامِ الأهلِ على أنه غيرُ مُقدَّرٍ كما تَقدَّمَ، واللهُ سُبحانَه جعَلَه أصلًا لطَعامِ الكفَّارةِ، فدلَّ بطَريقِ الأَولى على أنَّ طَعامَ الكفَّارةِ غيرُ مُقدَّرٍ.
وأمَّا مَنْ قدَّرَ طَعامَ الأهلِ فإنما أخَذَ مِنْ تَقديرِ طَعامِ الكفَّارةِ، فيُقالُ: هذا خِلافُ مُقتَضى النَّصِّ؛ فإنَّ اللهَ أطلَقَ طَعامَ الأهلِ وجعَلَه أصلًا لطَعامِ الكفَّارةِ، فعُلِمَ أنَّ طعامَ الكفَّارةِ لا يَتقدَّرُ كما لا يَتقدَّرُ أصلُه، ولا يُعرَفُ عن صَحابيٍّ ألبتَّةَ تَقديرُ طَعامِ الزوجةِ معَ عُمومِ هذهِ الواقِعةِ في كُلِّ وَقتٍ … (١).
وقدَ ذكَرَ كَلامًا مُطوَّلًا أنَّ نَفقةَ الزوجةِ ومِقدارَ الكفَّارةِ غيرُ مُقدَّرٍ، وإنما الرُّجوعُ فيهِ إلى العُرفِ، ويَجوزُ الإطعامُ لا التمليكُ.
مَنْ عَجزَ عن الكفَّارةِ هل تَسقطُ عنهُ أم لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن عجَزَ عَنْ كفَّارةِ الظِّهارِ أو غيرِها، هل تَسقطُ عنهُ؟ أم تَبقَى في ذمَّتِه؟
стр. 11104
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ عجَزَ عن جَميعِ خِصالِ كفَّارةِ الظِّهارِ فإنها لا تَسقطُ عنهُ، بل تبقَى في ذمَّتِه إلى أنْ يَقدرَ على شَيءٍ مِنها؛ لأنه حَقٌ للهِ تَعالى يَجبُ بسَببٍ مِنْ جِهتِه، فلَم يَسقطْ بالعَجزِ كجَزاءِ الصَّيدِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أعانَ أَوسَ بنَ الصَّامتِ بعَرقٍ مِنْ تَمرٍ وأعانَتْه امرَأتُه بمِثلِه حتى كفَّرَ، فعن خُوَيلةَ بنتِ مالِكِ بنِ ثَعلبةَ قالَتْ: «ظاهَرَ منِّي زَوجِي أَوسُ بنُ الصَّامتِ، فجِئتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أشكُو إليهِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ يُجادِلُني فيهِ ويقولُ: «اتَّقِي اللهَ، فإنهُ ابنُ عَمِّكِ»، فما بَرِحْتُ حتى نَزلَ القُرآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلى الفَرْضِ، فقالَ: «يُعتِقُ رَقبةً»، قالَتْ: لا يَجدُ، قالَ: «فيَصومُ شَهرينِ مُتَتابعَينِ»، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنه شَيخٌ كَبيرٌ ما به مِنْ صِيامٍ، قالَ: «فلْيُطعِمْ ستِّينَ مِسكينًا»، قالَتْ: ما عِندَه مِنْ شيءٍ يَتصدَّقُ بهِ، قالَتْ: فأُتِيَ ساعَتَئذٍ بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ فإني أُعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: «قدْ أحسَنْتِ، اذهَبي فأَطعِمي بها عنهُ ستِّينَ مِسكينًا وارجِعي إلى ابنِ عَمِّكِ» (١).
وأمَرَ سَلمةَ بنَ صَخرٍ أنْ يأخُذَ صَدقةَ قَومِه فيُكفِّرَ بها عَنْ نَفسِه، فعَن سَلمةَ بنِ صَخرٍ قالَ: «كنتُ امْرأً أُصيبُ مِنْ النِّساءِ ما لا يُصيبُ غَيرِي، فلمَّا دخَلَ شَهرُ رَمضانَ خِفتُ أنْ أُصيبَ مِنْ امرَأتي شَيئًا يُتابَعُ بي حتَّى أُصبِحَ،
стр. 11105
فظاهَرْتُ منها حتى يَنسلخَ شَهرُ رَمضانَ، فبَيْنا هي تَخدُمُني ذاتَ لَيلةٍ إذْ تَكشَّفَ لي مِنها شيءٌ، فلَم ألبَثْ أنْ نَزَوتُ عليها، فلمَّا أصبَحْتُ خرَجْتُ إلى قَومي فأخبَرتُهُم الخبَرَ وقُلتُ: امشُوا مَعي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالوا: لا واللهِ، فانطَلقْتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبَرتُه فقالَ: «أنتِ بذاكَ يا سَلمةُ؟» قلتُ: أنا بذاكَ يا رَسولَ اللهِ، مَرَّتَينِ، وأنا صابرٌ لأمرِ اللهِ فاحكُمْ فِيَّ ما أراكَ اللهُ، قالَ: «حَرِّرْ رَقبةً»، قُلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ ما أَملِكُ رَقبةً غيرَها، وضَرَبتُ صَفحةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتَتابعَينِ»، قالَ: وهل أصَبْتُ الذي أصَبتُ إلا مِنْ الصِّيامِ؟! قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ ستِّينَ مِسكينًا»، قلتُ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ لقدْ بِتنَا وَحِشَينِ ما لنا طَعامٌ، قالَ: «فانطَلقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُرَيقٍ فلْيَدفعْها إليكَ فأَطعِمْ ستِّينَ مِسكِينًا وَسقًا من تَمرٍ وكُلْ أنتَ وعِيالُكَ بَقيَّتَها»، فرجَعْتُ إلى قَومي فقُلتُ: وجَدتُ عندَكم الضِّيقَ وسُوءَ الرَّأيِ، ووَجَدتُ عندَ النبيِّ ﷺ السعةَ وحُسنَ الرأيِ، وقد أمَرَني أو أمَرَ لي بصَدقتِكُم» (١).
ولَو سقَطَتْ بالعَجزِ لَمَا أمَرَهُما بإخراجِها، بل تَبقَى في ذمَّتِه دَينًا عليهِ، ولا يَجوزُ له أنْ يطَأَ زَوجتَه المُظاهَرَ منها حتى يُكفِّرَ (٢).
стр. 11106
قالَ المالِكيةُ: مَنْ عجَزَ عن كفَّارةِ الظِّهارِ بكُلِّ وَجهٍ فليسَ له وَطؤُها وإنْ طالَ أمَدُ عَجزِه عن كفَّارةِ الظِّهارِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا عجَزَ مَنْ لَزمَتْه الكفَّارةُ عن جَميعِ الخِصالِ بَقيَتِ الكفَّارةُ في ذمَّتِه إلى أنْ يَقدرَ على شَيءٍ مِنها، فلا يَطؤُها المُظاهِرُ حتى يُكفِّرَ.
ولا تُجزئُ كفَّارةٌ مُلفَّقةٌ مِنْ خصلتَينِ، كأنْ يُعتِقَ نِصفَ رَقبةٍ ويَصومَ شَهرًا، أو يَصومَ شَهرًا ويُطعِمَ ثَلاثينَ، فإنْ وجَدَ بعضَ الرَّقبةِ صامَ؛ لأنه عادِمٌ لها، بخِلافِ ما إذا وجَدَ بعضَ الطَّعامِ فإنه يُخرِجُه ولو بعضَ مُدٍّ؛ لأنه لا بدَلَ له، والمَيسورُ لا يَسقطُ بالمَعسورِ، ويَبقَى الباقي في ذمَّتِه في أحَدِ وجهَينِ يَظهرُ تَرجيحُه؛ لأنَّ الغَرضَ أنَّ العَجزَ عن جَميعِ الخِصالِ لا يُسقِطُ الكفَّارةَ، ولا نظَرَ إلى تَوهُّمِ كَونِه فعَلَ شَيئًا.
وإذا اجتَمعَ عليهِ كفَّارتانِ ولم يَقدِرْ إلا على رَقبةٍ أعتَقَها عن إحدَاهُما وصامَ عنِ الأُخرى إنْ قدَرَ، وإلا أطعَمَ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ عجَزَ عن كفَّارةٍ بأنْ لم يَجدِ المُظاهِرُ ما يُطعِمُه للمَساكينَ لَم تَسقطْ عنهُ الكفَّارةُ وتبقَى في ذمَّتِه، وكذا كفَّارةُ القَتلِ وغيرُها، عَدا كفَّارةَ الوَطءِ مِنْ الحَيضِ وكفَّارةَ الوَطءِ في نهارِ رَمضانَ فيَسقطانِ
стр. 11107
بالعَجزِ عنِ الكفَّارةِ؛ لأنَّ الأعرابيَّ لمَّا دفَعَ إليهِ النبيُّ ﷺ التَّمرَ ليُطعِمَه للمَساكينِ فأخبَرَه بحاجتِه قالَ: «أَطعِمْهُ لأهلِكَ» (١)، ولم يَأمُرْه بكفَّارةٍ أُخرَى، ولم يَذكرْ له بقاءَها في ذمَّتِه، بخِلافِ كفَّارةِ حَجٍّ وظِهارٍ ويَمينٍ ونَحوِها، ويَسقطُ الجَميعُ بتَكفيرِ غيرِه عنه بإذنِه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ إلى أنَّ مَنْ وَطئَ وَطئًا يُوجِبُ الكفَّارةَ ولم يَقدرْ على الكفَّارةِ فإنها تَسقطُ عنه ولا تَجبُ؛ لقَولِه ﷺ للأعرابيِّ: «خُذهُ واستَغِفرِ اللهَ وأطعِمْ أهلَكَ»، ولأنه حقٌّ ماليٌّ يَجبُ للهِ تَعالى لا على وَجهِ البَدلِ، فلمْ يَجبْ معَ العَجزِ كزَكاةِ الفِطرِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: مَنْ عجَزَ عنِ الكفَّارةِ لم تَسقطْ عنه؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أعانَ أَوسَ بنَ الصَّامتِ بعَرَقٍ مَنْ تَمرٍ وأعانَتْه امرَأتُه بمِثلِه حتى كفَّرَ، وأمَرَ سَلمَةَ بنَ صَخرٍ أنْ يأخُذَ صَدقةَ قَومِه فيُكفِّرَ بها عن نَفسِه، ولو سقَطَتْ بالعَجزِ لَمَا أمَرَهما بإخراجِها، بل تَبقَى في ذمَّتِه دَينًا عليهِ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأحَدُ الرِّوايتَينِ عن أحمَدَ.
وذهبَتْ طائِفةٌ إلى سُقوطِها بالعَجزِ كما تَسقطُ الواجِباتُ بعَجزِه عنها وعَن إبدالِها.
стр. 11108
وذهبَتْ طائِفةٌ أنَّ كفَّارةَ رَمضانَ لا تَبقَى في ذمَّتِه بل تَسقطُ، وغيرُها مِنْ الكفَّاراتِ لا تَسقطُ، وهذا الذي صحَّحَه أبو البَركاتِ ابنُ تَيميةَ.
واحتَجَّ مَنْ أسقَطَها بأنها لو وَجبَتْ مع العَجزِ لَمَا صُرفَتْ إليهِ، فإنَّ الرَّجلَ لا يَكونُ مَصرِفًا لكفَّارتِه كما لا يَكونُ مَصرِفًا لزَكاتِه.
وأربابُ القَولِ الأوَّلِ يَقولونَ: إذا عجَزَ عنها وكفَّرَ الغيرُ عنه جازَ أنْ يَصرِفَها إليهِ، كما صرَفَ النبيُّ ﷺ كفَّارةَ مَنْ جامَعَ في رَمضانَ إليه وإلى أهلِه، وكما أباحَ لسَلمةَ بنِ صَخرٍ أنْ يأكُلَ هو وأهلُه مِنْ كفَّارتِه التي أخرَجَها عنه مِنْ صَدقةِ قَومِه، وهذا مَذهبُ أحمَدَ رِوايةً واحِدةً عنه في كفَّارةِ مَنْ وَطئَ أهلَه في رَمضانَ، وعنه في سائِرِ الكفَّاراتِ رِوايتانِ.
والسُّنةُ تَدلُّ على أنه إذا أَعسَرَ بالكفَّارةِ وكفَّرَ عنه غيرُه جازَ صَرفُ كفَّارتِه إليه وإلى أهلِه (١).
والْتَعَنَ الرَّجلُ: إذا لَعَنَ نفْسَه مِنْ قِبَلِ نَفسِه، واللِّعانُ لا يَكونُ إلا مِنْ اثنَينِ، يُقالُ: «لاعَنَ امرَأتُه لِعانًا ومُلاعَنةً» و «تَلاعَنَا والْتَعَنَا» بمَعنًى واحِدٍ (١).
تَعريفُ اللعانِ شَرعًا:
عرَّفَ الحَنفيةُ اللِّعانَ بأنه: شَهاداتٌ مُؤَكَّداتٌ بالأيمانِ مَقرونةٌ باللَّعنِ والغَضبِ قائِمةٌ مَقامَ حَدِّ القَذفِ في حَقِّه ومَقامَ حَدِّ الزِّنا في حَقِّها (٢).
وهوَ نَفسُ تَعريفِ الحَنابلةِ، إلا أنهُم زادوا عليهِ فقالوا: اللِّعانُ: شَهاداتٌ مُؤكَّداتٌ بأيمانٍ مِنْ الجانِبَينِ مَقرونةٌ باللَّعنِ والغَضبِ قائِمةٌ مَقامَ حَدِّ قَذفٍ إنْ كانَتِ الزوجةُ مُحصَنةً، أو قائِمةٌ مَقامَ تَعزيرٍ إنْ لم تَكنْ مُحصَنةً في جانِبهِ، أو قائِمةٌ مَقامَ حدِّ زِنًا في جانِبِها إذا أقرَّتْ بالزِّنا، أو حَبسٌ إلى أنْ تُقِرَّ أو تُلاعِنَ (٣).
стр. 11112
وقالَ المالِكيةُ: اللِّعانُ: حَلِفُ زَوجٍ مُسلمٍ مُكلَّفٍ على رُؤيةِ زِنَا زَوجتِه أو على نَفيِ حَملِها منهُ وحَلفُها على تَكذيبِه أربعًا مِنْ كلٍّ مِنهُما (١).
وقالَ ابنُ عرَفةَ ﵀: اللِّعانُ: حَلِفُ زَوجٍ على زِنَا زَوجتِه أو نَفيِ حَملِها اللَّازمِ له، وحَلفُها على تَكذيبِه إنْ أوجَبَ نُكولُها حَدَّها بحُكمِ قاضٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: اللِّعانُ في الشَّرعِ: عِبارةٌ عن كَلِماتٍ مَعلومةٍ جُعلَتْ حُجَّةً للمُضطرِّ إلى قَذفِ مَنْ لطَّخَ فِراشَه وألحَقَ بهِ العارَ، أو إلى نَفيِ وَلدٍ عنهُ (٣).
لماذا سُمِّي لِعانًا؟ وما سَببُه؟
جُعِلَ اللِّعانُ المَعروفُ حُجَّةً للمُضطرِّ إلى قَذفِ مَنْ لطَّخَ فِراشَه وألحَقَ العارَ به، وسُمِّيَ لِعانًا؛ لاشتِمالِه على كَلمةِ اللَّعنِ.
стр. 11113
ولذلكَ لا تَثبتُ الوِلايةُ عليه، ويَجوزُ على الأنبياءِ ﵈، ومَن كانَ يُجَنُّ في الأحيانِ لم تَزُلْ وِلايتُه؛ لأنه لا يَستديمُ زَوالُ عَقلِه، فهو كالإغماءِ (١).
الشَّرطُ الثالثُ: الحُرِّيةُ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في الوليِّ الحُريةُ، فلا وِلايةَ للعبدِ؛ لأنه لا يَلِي على نَفسِه، فكيفَ يكونُ وليًّا على غيرِه؟ ولأنَّ الولايةَ تُنبِئُ عن المِلكيةِ، والشَّخصُ الواحِدُ كيفَ يكونُ مالِكًا ومَملوكًا في زمانٍ واحدٍ؟ لأنَّ هذه ولايةُ نَظرٍ ومَصلحةٍ، ومَصالِحُ النكاحِ لا يتوقَّفُ عليها إلَّا بالتأمُّلِ والتدبُّرِ، والمَملوكُ لاشتِغالِه بخِدمةِ مَولاهُ لا يتفرَّغُ للتأمُّلِ والتدبُّرِ، فلا يَعرفُ كَونَ إنكاحِه مَصلحةً (٢).
стр. 11114
الرُّواةِ يَقولونَ: إنه يُحَدُّ ولا يُلاعِنُ، قالَه ابنُ القاسِمِ مرَّةً، وقالَه المَخزومِيُّ وابنُ دِينارٍ، وقَالا: إنْ نفَى حَملًا ولَم يَدِّعِ استِبراءً جُلِدَ الحَدَّ ولحِقَ بهِ الوَلدُ، وقالَ ابنُ القاسِمِ مرَّةً أُخرى: إنه إنْ قذَفَ أو نفَى حَملًا لاعَنَ، ولم يكْشفْ عن شَيءٍ، وقالَه ابنُ نافعٍ (١).
وقالَ الحطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ عَرفةَ: ولا نَصَّ في حُكمِه.
ابنُ عاتٍ: لاعَنُ ابنُ الهندِيِّ فعُوتِبَ في ذلكَ فقالَ: أردْتُ إحياءَ سُنَّةٍ قد دَثرَتْ.
والحقُّ أنه إنْ كانَ لنَفيِ نَسبٍ وجَبَ، وإلا فالأَولى تَركُه بتَركِ سَببِه، فإنْ وقَعَ صِدقًا وجَبَ؛ لوُجوبِ دَفعِ مَعرَّةِ القَذفِ وحَدِّه، ثمَّ وَجدْتُ نحوَه في سِراجِ ابنِ العرَبيِّ.
قلتُ: في «الجَواهِر» إشارةٌ إلى ذلكَ، ونَصُّه: الزوجُ كالأجنَبيِّ في القَذفِ إلا في أُمورٍ: منها أنه قد يُباحُ له ذلكَ، وقد يَجِبُ لضَرورةِ دَفعِ النَّسبِ. انتهى.
وقالَ في «اللُّبابِ»: حُكمُه الجَوازُ؛ لحَديثِ عُوَيمرٍ. انتهى.
وقالَ البُرْزُليُّ: قَولُ ابنِ الهِنديِّ: «سُنةٌ قد أُمِيتَتْ» يَعني صِفةَ اللِّعانِ، وقدْ أغنَى اللهُ عنه بما ذكَرَه في القُرآنِ، والسِّتْرُ أَولى، وإنَّما تَستَّرَ بهذا الكَلامِ حينَ عُوتِبَ.
стр. 11115
وقَد وقَعَ في زَمنِ الأميرِ يَحيَى بجامِعِ الزَّيتونةِ، ثمَّ وقَعَ مرَّةً أُخرى، ولا غَرابةَ في وُقوعِ سَببِه في هذا الزَّمانِ لكَثرةِ المَفاسِدِ، فنَعوذُ باللهِ مِنْ الفِتنِ ما ظهَرَ مِنها وما بطَنَ.
وقالَ في «الطِّراز»: كانَتْ مُلاعَنتُه إيَّاها في المَسجدِ الجامعِ بقُرطبةَ سَنةَ ثَمانٍ وثَلاثينَ وثَلاثمِائةٍ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: للزوجِ قَذفُ زَوجتِه إذا عَلِمَ زِناها بأنْ رآهَا عِيانًا تَزنِي، والأَولى له تَطليقُها سَتْرًا عليها؛ لِمَا فيه مِنْ سَتْرِ الفاحِشةِ وإقالةِ العَثرةِ، ما لم يَترتَّبْ على فِراقِها مَفسدةٌ له أو لها نحوُ مَرضٍ، بل قد يَجبُ إذا تَحقَّقَ أنه إذا فارَقَها زنَى بها الغَيرُ وأنها ما دامَتْ عندَه تُصانُ عَنْ ذلكَ.
وكذلكَ يُباحُ له قَذفُها إذا ظَنَّ زِناها ظنًّا مُؤكَّدًا أورَثَه العِلمُ كشِياعِ -أي ظُهورِ- زِناها بيْنَ الناسِ بزَيدٍ معَ قَرينةٍ، بأنْ رَآهُما ولو مرَّةً واحِدةً في خَلوةٍ مَثلًا، أو رأهُ يَخرجُ مِنْ عِندِها أو هي تَخرجُ مِنْ عندِه، أو أخبَرَه ثِقةٌ بزِناها، أو أخبَرتْه هي بزِناها ويَقعُ في قَلبِه صِدقُها، أو يُخبِرُه عن عِيانٍ مَنْ يَثقُ به وإنْ لم يَكنْ عَدلًا، أو يَرى رَجلًا مَعها مِرارًا في مَحلِّ رِيبةٍ، أو رَآهُما في شِعارٍ واحِدٍ -وهو ما يَلي الجسَدَ مِنْ الثِّيابِ- ولو مرَّةً، فلا يَجبُ القذفُ في هذهِ الحالةِ، وإنْ أمسَكَها لم يَحرمْ عليهِ؛ لِمَا رَوى ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ امرَأتِي لا تَدفعُ يَدَ لامِسٍ،
стр. 11116
فقالَ ﷺ : «طلِّقْها»، فقالَ: إنِّي أُحبُّها وهي جَميلةٌ، فقالَ ﷺ : «استَمتِعْ بها»، وفي رِوايةٍ: «أمسِكْها إذًا» (١).
قيلَ: مَعنَى «لا تَردُّ يَدَ لامِسً» تُجيبُ مَنْ أرادَها، وخافَ النبيُّ ﷺ إنْ أوجَبَ عليهِ طلاقَها أنْ تَتُوقَ نفسُه إليها فيَقعَ في الحَرامِ.
وعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: إنَّا لَيلةَ الجُمعةِ في المَسجدِ إذ جاءَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: لو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فتَكلَّمَ جَلدتُموهُ، أو قتَلَ قَتلتُموهُ، وإنْ سكَتَ سكَتَ على غَيظٍ، واللهِ لَأسألَنَّ عنه رَسولَ اللهِ ﷺ ، فلمَّا كانَ مِنْ الغَدِ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فسَألَه فقالَ: لو أنَّ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا فتَكلَّمَ جَلدتُموهُ، أو قتَلَ قَتلتُموهُ، وإنْ سكَتَ سكَتَ على غَيظٍ، فقالَ: «اللَّهمُّ افتَحْ، وجَعلَ يَدعُو»، فنَزلَتْ آيَةُ اللِّعانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] هذهِ الآياتُ، فابتُلِي به ذلكَ الرَّجلُ مِنْ بينِ الناسِ، فجاءَ هو وامرَأتُه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فتَلاعَنَا، فشَهدَ الرَّجلُ أربَعَ شَهاداتٍ باللَّهِ إنه لَمِن الصَّادقِينَ ثمَّ لَعنَ الخامِسةَ أنَّ لَعنةَ اللهِ عليهِ إنْ كانَ مِنْ الكاذبِينَ، فذهَبَتْ لِتَلْعَنَ فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَهْ»، فأَبَتْ فلَعَنَتْ، فلمَّا أدبَرَا قالَ: «لَعلَّها أنْ تَجيءَ بهِ أسوَدَ جَعْدًا، فجاءَتْ بهِ أسوَدَ جَعدًا» (٢).
стр. 11117
فذكَرَ أنه يَتكلَّمُ أو يَسكتُ، ولم يُنكِرْ عليه النبيُّ ﷺ .
وهذا ما لم يَكنْ هُناكَ ولَدٍ يَجبُ نفيُه، فيَجبُ اللِّعانُ حِينئذٍ، فإذا أتَتْ أو حمَلَتْ بوَلدٍ عَلِمَ أنه ليسَ منهُ، أو ظنَّهُ ظنًّا مُؤكَّدًا وأمكَنَ كَونُه منه ظاهِرًا لَزمَه نفيُه؛ لأنَّ ترْكَ النَّفيِ يَتضمَّنُ الالتِحاقَ، ولا يَجوزُ له استِلحاقُ ما ليسَ منهُ، كما لا يَجوزُ له نفيُ مَنْ هو منه، وذانِ مِنْ أكبَرِ الكبائِرِ وأغلَظِها وأقبَحِها؛ لِمَا يَترتَّبُ عليهِما مِنْ المَفاسِدِ.
وفي وَجهٍ ضَعيفٍ: أنه يَجوزُ ولا يَجبُ؛ لأنَّ اقتِحامَ اللِّعانِ شُهرةٌ وفَضيحةٌ يَصعبُ احتِمالُها على ذَوِي المُروءاتِ.
ولو عَلِمَ زِناها واحتُمِلَ كونُ الوَلدِ منه ومِن الزِّنا حَرُمَ النَّفيُ؛ لقِيامِ الاحتِمالِ، وقد أُمِرْنا بإلحاقِ الوَلدِ بالفِراشِ، فلا يَجوزُ الهُجومُ على سَببِ الإمكانِ.
وكذا يَحرمُ القَذفُ واللِّعانُ على الصَّحيحِ في هذهِ الحالةِ؛ لأنَّ نِسبتَها إلى الزِّنا يُعيَّرُ به الوَلدُ، وقد تُطلَقُ فيه الألْسِنةُ فيَتضرَّرُ به.
والثاني: يَجوزُ؛ انتِقامًا مِنها وتَعريضًا لها للحَدِّ كما إذا لم يَكنْ وَلدٌ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإذا ثبَتَ جَوازُ اللِّعانِ بكُلِّ قَذفٍ وجَبَ بمِثلِه الحَدُّ فلا يَخلو حالُ الزوجةِ مِنْ أحَدِ أمرَينِ:
стр. 11118
إمَّا أنْ تكونَ حائِلًا أو حامِلًا، فإنْ كانَتْ حائِلًا غيرَ ذاتِ حَملٍ فيَنقسمُ حالُها ثلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: يَجوزُ أنْ يَقذفَها ويُلاعِنَ منها، وذلكَ في أربعةِ أحوالٍ:
إمَّا أنْ يَراها تَزني، وإمَّا أنْ تُقِرَّ عندَه بالزِّنا، وإمَّا أنْ يُخبِرَه بزِناها ثِقةٌ يَقعُ في نفسِه صِدقُه، وإمَّا أنْ يَستفيضَ في الناسِ أنها تَزني ويَرى مع هذه الاستِفاضةِ رَجلًا قد خرَجَ مِنْ عِندِها في أوقاتِ الرِّيَبِ فيَتحقَّقُ به صِدقُ الاستِفاضةِ، فيَجوزُ له في هذه الأحوالِ الأربَعِ أنْ يَقذفَها بالزِّنا ويُلاعِنَ منها، فإنْ أمسَكَ عن قَذفِها ولِعانِها جازَ وكانَا على الزَّوجيةِ وحالِ الإباحةِ؛ لِمَا رُويَ أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: إنَّ امرَأتِي لا تَردُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ له ﷺ : «طلِّقْها»، قالَ: إني أحبُّها، قالَ: «فأَمسِكْها» (١)، فأباحَ إمساكَهَا مع ما كَنَّى عنه مِنْ زِناها.
والقِسمُ الثَّاني: أنَّ التي لا يَجوزُ أنْ يَقذفَها ولا أنْ يُلاعِنَ مِنها، وهي العَفيفةُ، وهيَ التي لم يَرَها تَزني، ولا أقَرَّتْ بالزِّنا، ولا استَفاضَ في الناسِ زِناها، ولا أخبَرَه ثِقةٌ بزِنًا، فلا يَحِلُّ له قَذفُها ولا أنْ يُلاعِنَ مِنها، قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١]، نَزلَتْ هذهِ الآيةُ في الإفكِ على عائِشةَ رِضوانُ اللهِ عَليها، وحُكمُها عامٌّ.
стр. 11119
والقِسمُ الثالثُ: مُختَلفٌ في جَوازِ قَذفِها ولِعانِها، وهو أنْ يَستفيضَ في الناسِ زِناها ولا يَرَى مع الاستِفاضةِ رَجلًا يَدخلُ عليها ولا يَخرجُ مِنْ عندِها، ففي جَوازِ قَذفِها ولِعانِها وَجهانِ:
أحَدُهما: يَجوزُ؛ لأنَّ الاستِفاضةَ أقوَى مِنْ خبَرِ الواحِدِ وإنْ كانَ ثِقةً، وإنه لمَّا جازَ أنْ تكونَ الاستِفاضةُ لَوْثًا في القَسامةِ يُحلَفُ بها على القَتلِ جازَ أنْ تكونَ مِنْ شَواهدِ القَذفِ.
والوجهُ الثاني -وهو قَولُ أبي حامِدٍ الإسفرايينيِّ-: أنه لا يَجوزُ أنْ يَقذفَها به؛ لأنَّ هذهِ الاستِفاضةَ قد يَجوزُ أنْ تَشتهرَ عن قَولِ واحِدٍ يَتخرَّصُ عليها بالكَذبِ.
والأوَّلُ مِنهُما أظهَرُ عِندِي، فأمَّا إنْ رأى رَجلًا يَخرجُ مِنْ عِندِها لم يَجُزْ أنْ يَقذفَها؛ لأنه ربَّما خرَجَ مِنْ عندِها لحاجةٍ، أو ربَّما ولَجَ عليها فلَم تُطِعْه، فهذا حُكمُ الحائلِ.
أمَّا الحامِلُ فيَنقسمُ حالُها خَمسةَ أقسامٍ:
أحَدُها: أنه يَجبُ عليه أنْ يَلتِعنَ منها بغَيرِ قَذفٍ، وهو أنْ تأتِيَ بوَلدٍ ولم يَدخلْ بها، فواجِبٌ عليه أنْ يُلاعِنَ منها ليَنفيَ وَلدًا يَعلمُ قَطعًا أنه ليسَ منه حتى لا يُلحِقَه بالفِراشِ فيَختلِطَ بنَسبِه مَنْ لا يُناسِبُه ويَجعلَه مَحرَمًا لبَناتِه وهُنَّ أجنبيَّاتٌ عنه، وإنَّما جازَ أنْ يُلاعِنَ وإنْ لم يَقذِفْ لأنه يَجوزُ أنْ يَكونَ مِنْ زَوجٍ قبلَه أو أُكرِهَتْ على نفسِها، فلا تَكونُ زانيَةً.
стр. 11120
والقِسمُ الثاني: أنه يَجبُ عليه مُلاعَنتُها لكنْ بعدَ القَذفِ، وهو أنْ يكونَ قد أصابَها واستَبرأَها ووجَدَ معها رَجلًا يَزني بها ثمَّ أتَتْ بحَملٍ بعدَه، فيَجبُ عليه بالتَّعليلِ الذي ذكَرْنا أنْ يُلاعِنَ مِنها؛ لِئلَّا يَدخلَ نَسبَه مَنْ لا يُناسِبُه، لكنْ لا يَجوزُ أنْ يُلاعِنَ إلا أنْ يَقذفَ، فيَصيرُ القَذفُ لوُجوبِ اللِّعانِ الذي لا يَصحُّ إلا به واجِبًا عليه، ولولا الحَملُ ما وجَبَ عليه.
والقِسمُ الثالثُ: أنْ يكونَ مُخيَّرًا بينَ أنْ يُلاعِنَها أو يُمسِكَ، وهو أنْ يطَأَها ولا يَستَبريها ويرَى رَجلًا يَزني بها، فيَكونُ بالخِيارِ بيْنَ اللِّعانِ بعدَ القَذفِ أو الإمساكِ، فأمَّا نَفيُ الوَلدِ فإنْ غلَبَ على ظنِّه أنه ليس منه جازَ أنْ يَنفيَه، وإنْ غلَبَ على ظنِّه أنه منه لم يَجُزْ أنْ يَنفيَه، وإنْ لم يَغلبْ على ظنِّه أحَدُ الأمرَينِ جازَ أنْ يُغلِّبَ في نَفيِه حُكمَ الشَّبهِ لأجلِ ما شاهَدَ مِنَ الزِّنا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ للشَّبهِ في زَوجةِ هِلالِ بنِ أميَّةَ حينَ وضَعَتْ ولَدَها تأثيرًا وقالَ: «لولا الأيمانُ لَكانَ لي ولَها شأنٌ».
والقِسمُ الرابعُ: أنْ لا يَجوزَ له مُلاعَنتُها ولا نَفيُ ولَدِها، وهو أنْ يكونَ على إصابتِها ولا يَراها تَزني ولا يُخبَرُ عنها بالزِّنا ولا يَرَى في ولَدِها شَبهًا مُنكَرًا، فيَحرمُ عليه لِعانُها ونَفيُ ولَدِها؛ لرِوايةِ أبي هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما امرَأةٍ أدخَلَتْ على قَومٍ مَنْ ليسَ مِنهُم فليسَتْ مِنْ اللهِ في شيءٍ ولنْ يُدخِلَها اللهُ الجنَّةَ، وأيُّما رَجلٍ جحَدَ ولَدَه هو
стр. 11121
يَراهُ احتَجبَ اللهُ عنه وفضَحَه على رُؤوسِ الأوَّلينَ والآخرِينَ» (١).
والقسمُ الخامِسُ: ما اختُلفَ في جَوازِ مُلاعَنتِها، أنْ تأتِيَ بوَلدٍ أسوَدَ مِنْ بينِ أبيضَينِ، أو أبيَضَ مِنْ بينِ أسوَدَينِ، ولا يَراها تَزني ولا يُخبَرُ بزِناها، ففي جَوازِ لِعانِه مِنها ونَفيِ ولَدِها بهذا الشَّبهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يَجوزُ لِعانُها ونَفيُ وَلدِها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنْ جاءَتْ بهِ على نَعْتِ كذا فلا أَراهُ إلا وقَد صدَقَ عليها»، فجعَلَ للشَّبهِ تَأثيرًا.
والوَجهُ الثاني -وهو أصَحُّ-: أنه لا يَجوزُ أنْ يُلاعِنَ منها ولا أنْ يَنفِيَ ولَدَها؛ لِروايةِ سَعيدِ بنِ المُسيبِ عن أبي هُريرةَ أنَّ رَجلًا مِنْ بَنِي فَزارٍ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ امرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسوَدَ، فقالَ: «هل لكَ مِنْ إبِلٍ؟» قالَ: نعمْ، قالَ: «ما ألوانُها؟» قالَ: حُمْرٌ، قالَ: «فهل فيها مِنْ أَوْرَقَ؟» قالَ: نعَمْ، قالَ: «أنَّى تَراهُ؟» قالَ: عن أنْ يَكونَ عِرقًا نزَعَهُ، فقالَ: «كذلكَ هذا، عسَى أنْ يكونَ عِرقًا نزَعَه» (٢)، أي: عسَى أنْ يكونَ في آبائِه مَنْ رجَعَ بهذا الشَّبهِ إليهِ، واللهُ أعلَمُ (٣).
وإنَّ هذهِ المُوجِبةُ التي تُوجِبُ عليكِ العَذابَ، فتَلكَّأتْ ساعَةً ثمَّ قالَتْ: واللهِ لا أَفضَحُ قَومي، فشَهدَتِ الخامِسةَ أنَّ غضَبَ اللهِ عَليها إنْ كانَ مِنْ الصادقِينَ، ففرَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهُما، وقَضَى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لأبٍ ولا تُرمَى ولا يُرمَى ولَدُها، ومَن رَماها أو رَمَى ولَدَها فعليهِ الحَدُّ، وقَضَى أنْ لا بَيتَ لها عليه ولا قُوتَ مِنْ أجْلِ أنهُما يَتفرَّقانِ مِنْ غَيرِ طَلاقٍ ولا مُتوفَّى عنها، وقالَ: «إنْ جاءَتْ بهِ أُصَيهِبَ أُرَيصِحَ أُثيبِجَ حَمْشَ الساقَينِ فهو لهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ بهِ أَوْرَقَ جَعدًا جُمالِيًّا خَدلَّجَ الساقَينِ سابِغَ الإليتَينِ فهو للذي رُميَتْ به»، فجاءَتْ بهِ أورَقَ جَعدًا جُمالِيًّا خَدلَّجَ الساقَينِ سابِغَ الإليتَينِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لولا الأيمانُ لَكانَ لي ولها شَأنٌ»، قالَ عِكرمةُ: فكانَ بعدَ ذلكَ أمِيرًا على مِصرٍ وما يُدعَى لأبٍ (١).
وإنَّما ذُكرَ الغَضبُ في جانِبِها لأنَّ النِّساءَ يَستعمِلنَ اللَّعنَ كَثيرًا، فيكونُ ذِكرُ الغَضبِ أَدعَى لهنَّ إلى الصِّدقِ.
стр. 11125
وأمَّا الإجماعُ: فإنَّ الأمَّةَ قد أجمَعَتْ عليهِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد ورَدَ باللِّعانِ الكِتابُ والسُّنةُ، وأجمَعَتْ عليهِ الأمَّةُ، وفيمَن نَزلَتْ آيةُ اللِّعانِ بسَببِه خِلافٌ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ ﵀: اللِّعانُ ثابِتٌ بدَليلِ الكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، -ثمَّ ذكَرَ الآياتِ والأحادِيثَ ثمَّ قالَ: وفيهِ ضَربٌ مِنْ المَعنى، وهو أنَّ النَّسبَ يلحَقُ بالفِراشِ، ولا يُمكِنُه إقامةُ البيِّنةِ، وبه ضَرورةٌ إلى نَفيِ نَسبٍ ليسَ منه، فجُعلَ له طَريقٌ إلى نَفيِه وهو اللِّعانُ، ولولا ذلكَ لم يَكنْ له طريقٌ إلى قَطعِه عنه ولَفسَدَتِ الأنسابُ واختَلطَ الصَّحيحُ مِنها بالفاسِدِ (٢).
стр. 11126
أركانُ اللِّعانُ وشُروطُه:
أركانُ اللِّعانِ أربَعةٌ، وهيَ:
المُلاعِنُ، والمُلاعِنةُ، والسَّببُ، والصِّيغةُ.
الرُّكنُ الأولُ والثَّاني: المُلاعِنُ والمُلاعِنةُ:
يُشتَرطُ في المُلاعِنِ والمُلاعِنةِ حتى يَصحَّ لِعانُهما عدَّةُ شُروطٍ، بَعضُها ترجعُ إلَيهما، وبَعضُها يَختصُّ بها المُلاعِنُ، وبَعضُها المُلاعِنةُ.
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَا زَوجَينِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ لوُجوبِ اللِّعانِ أنْ يكونَ بينَ زَوجَينِ، فإنْ قذَفَ رَجلٌ أجنَبيٌّ امرَأةً فلا يَصحُّ اللِّعانُ ويَجبُ عليهِ الحَدُّ إنْ لم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ أو تُقِرَّ بالزِّنا.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا الذي يَرجعُ إلَيهما جَميعًا فهو أنْ يَكونَا زَوجَينِ … لأنَّ اللهَ ﵎ خَصَّ اللِّعانَ بالأزواجِ بقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]، وأنه حُكمٌ ثبَتَ تَعبُّدًا غيرُ مَعقولِ المعنَى، فيُقتصَرُ على مَوردِ التعبُّدِ، وإنما وَردَ التعبُّدُ به في الأزواجِ فيَقتصِرُ عليهم (١).
стр. 11127
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا فيما أحسِبُ أنَّ مِنْ شَرطِ الدَّعوى المُوجِبةِ اللِّعانَ برُؤيةِ الزِّنا أنْ تكونَ في العِصمةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا لِعانَ بينَ غَيرِ الزوجَينِ، فإذا قذَفَ أجنَبيةً مُحصَنةً حُدَّ ولم يُلاعِنْ، وإنْ لم تكنْ مُحصَنةً عُزِّرَ ولا لِعانَ أيضًا، ولا خِلافَ في هذا؛ وذلك لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ثمَّ خَصَّ الزَّوجاتِ مِنْ عُمومِ هذه الآيةِ بقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ففيما عَداهُنَّ يَبقَى على قضيَّةِ العُمومِ (٢).
لا فَرْقَ بينَ أنْ تَكونَ الزَّوجةُ مَدخولاً بها أو غيْرَ مَدخولٍ بها:
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: بابُ اللِّعانِ بينَ الزَّوجَينِ لَم يَدخلْ عَليها الزوجُ وما يَجبُ لها مِنْ الصَّداقِ.
أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ عُلماءِ الأمصارِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قذَفَ زَوجتَه قبلَ أنْ يَدخلَ بها أنه يُلاعِنُها، وكذلك قالَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ والحسَنُ والشَّعبيُّ والنخَعيُّ وعَمرُو بنُ دِينارٍ وقَتادةُ ومالِكٌ وأهلُ المَدينةِ والثَّوريُّ وأهلُ العِراقِ والشافعيُّ وأصحابُه.
وحُجَّتُهم في ذلكَ بظاهِرِ قَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية.
وهذهِ عندَ الجَميعِ زَوجتُه.
стр. 11128
واختَلفوا فيما يَجبُ لها مِنْ الصَّداقِ إذا لاعَنَها.
فقالَتْ طائِفةٌ: لها الصَّداقُ كامِلًا، كذلكَ قالَ أبو الزِّنادِ والحَكمُ وحمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ.
وقالَتْ طائِفةٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ، هذا قَولُ الحسَنِ البَصريِّ وسَعيدِ ابنُ جُبيرٍ وقَتادةَ ومالكٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: لها نِصفٌ، وقالَ الزُّهريُّ: لا صَداقَ لها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا فرْقَ بيْنَ كَونِ الزوجةِ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها في أنه يُلاعِنُها.
قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ عُلماءِ الأمصارِ، منهم عَطاءٌ والحسَنُ والشَّعبيُّ والنخَعيُّ وعَمرُو بنُ دينارٍ وقَتادةُ ومالكٌ وأهلُ المَدينةِ والثَّوريُّ وأهلُ العِراقُ والشافعيُّ، بظاهِرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فإنْ كانَتْ غيرَ مَدخولٍ بها فلها نِصفُ الصَّداقِ؛ لأنها فُرقةٌ منه، كذلكَ قالَ الحسَنُ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وقَتادةُ ومالكٌ.
وفيهِ رِوايةٌ أخرى: لا صَداقَ لها؛ لأنَّ الفُرقةَ حصَلَتْ بلِعانِهما جَميعًا، فأشبَهَ الفُرقةَ لِعَيبٍ في أحَدِهما (٢).
стр. 11129
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ النِّكاحُ صَحيحًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا تَزوَّجَ المَرأةَ في نِكاحٍ فاسِدٍ ثمَّ قذَفَها، هل يَصحُّ لِعانُه أم لا؟ بعدَ إجماعِهِم على صِحَّةِ اللِّعانِ في النكاحِ الصحيحِ إذا تَوفَّرتْ شُروطُه.
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ نكَحَ امرَأةً نِكاحًا فاسِدًا ثمَّ قذَفَها وبينَهُما وَلدٌ يُريدُ نفْيَه فله أنْ يُلاعِنَ لنَفيهِ ولا حَدَّ عليه، وإنْ لم يَكنْ بينَهُما وَلدٌ حُدَّ ولا لِعانَ بينَهما؛ لأنَّ هذا وَلدٌ يَلحقُه بحُكمِ عَقدِ النكاحِ، فكانَ له نفيُه كما لو كانَ النكاحُ صَحيحًا، ويُفارِقُ إذا لم يَكنْ وَلدٌ؛ فإنه لا حاجةَ إلى القَذفِ لكَونِها أجنَبيةً، ويُفارِقُ سائِرَ الأجنَبياتِ؛ لأنه لا يَلحقُه ولَدُهنَّ، فلا حاجةَ بهِ إلى قَذفِهنَّ، ويُفارِقُ الزوجةَ؛ فإنه يَحتاجُ إلى قَذفِها مع عَدمِ الوَلدِ؛ لكَونِها خانَتْه وغاظَتْه وأفسَدَتْ فِراشَه، فإذا كانَ له مِنها وَلدٌ فالحاجةُ مَوجودةٌ فيهما، وإذا لاعَنَ سقَطَ الحَدُّ؛ لأنه لِعانٌ مَشروعٌ لنَفيِ الحَدِّ، فأسقَطَ الحدَّ كاللِّعانِ في النكاحِ الصحيحِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ تَزوَّجَ امرَأةً نِكاحًا فاسِدًا ثمَّ قذَفَها لم يُلاعِنْها؛ لعَدمِ الزوجيَّةِ؛ إذِ النكاحُ الفاسِدُ ليسَ بنِكاحٍ حَقيقةً، ويَلحقُه الوَلدُ وليسَ له نفيُه، ولأنَّ قطْعَ النَّسبِ يَكونُ بعدَ الفراغِ مِنْ اللِّعانِ، ولا لِعانَ إلا بعدَ وُجوبِه، ولا وُجوبَ؛ لعَدمِ شَرطهِ وهو الزَّوجيةُ (٢).
стр. 11130
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرجلَ إذا نكَحَ امرَأةً نِكاحًا فاسِدًا لا يُقَرُّ الزوجانِ عليه بحالٍ فإنَّ له أنْ يُلاعِنَ، سواءٌ كانَ هُناكَ نَسبٌ يَنفيهِ أم لا؛ لأنه نِكاحٌ يَثبتُ به الفِراشُ، فجازَ اللِّعانُ فيهِ كالصحيحِ، ولأنه أحَدُ مُوجبي اللِّعانِ يُوجبُ في النكاحِ الصحيحِ، فوجَبَ أنْ يُوجِبَه في النكاحِ الفاسِدِ كنَفيِ النَّسبِ (١).
الشَّرطُ الثَّالثُ: أنْ يَكونَا بالِغَينِ عاقِلَينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مِنْ شُروطِ اللِّعانِ أنْ يَقعَ بينَ زوجَينِ بالِغَينِ عاقلَينِ، فإنْ كانَا أو أحَدُهما صَغيرًا أو مَجنونًا وقذَفَ امرَأتَه فلا لِعانَ عليهِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أمَّا اعتِبارُ العَقلِ والبلُوغِ فلأنَّ الصَّبيَّ والمَجنونَ لَيسا مِنْ أهلِ الشهادةِ واليمِينِ، فلا يَكونانِ مِنْ أهلِ اللِّعانِ بالإجماعِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ مِنْ شَرطِه -أي اللِّعانِ- العَقلُ والبُلوغُ (٣).
стр. 11131
وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فأمَّا الصبيُّ والمَجنونُ فلا يَصحُّ لِعانُهما؛ لأنه قَولٌ يُوجِبُ الفُرقةَ، فلم يَصحَّ مِنْ الصبيِّ والمَجنونِ كالطلاقِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَ أحَدُ الزوجينِ غيرَ مُكلَّفٍ فلا لِعانَ بينَهما؛ لأنه قَولٌ تَحصلُ بهِ الفُرقةُ، ولا يَصحُّ مِنْ غَيرِ مُكلَّفٍ كالطلاقِ، أو يَمينٌ، فلا تَصحُّ مِنْ غَيرِ المُكلَّفِ كسائرِ الأيمانِ.
ولا يَخلُو غيرُ المُكلَّفِ مِنْ أنْ يكونَ الزوجَ أو الزوجةَ أو هُما.
فإنْ كانَ الزوجَ فله حالانِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ طِفلًا، والثاني: أنْ يَكونَ بالِغًا زائِلَ العَقلِ.
فإنْ كانَ طِفلًا لم يَصحَّ مِنهُ القَذفُ ولا يَلزمُه بهِ حَدٌّ؛ لأنَّ القلَمَ مَرفوعٌ عنه وقَولَه غيرُ مُعتبَرٍ، وإنْ أتَتِ امرَأتُه بولَدٍ نظَرْنا؛ فإنْ كانَ لدُونِ عَشرِ سِنينَ لم يَلحقْه الوَلدُ ويكونُ مَنفِيًّا عنه؛ لأنَّ العِلمَ يُحيطُ بهِ بأنه ليسَ منه، فإنَّ اللهَ لم يُجْرِ العادةَ بأنْ يُولَدَ له لدُونِ ذلكَ، فيَنتفِي عنه كما لو أتَتْ به المرَأةُ لدُونِ ستَّةِ أشهُرٍ منذُ تَزوُّجِها.
وإنْ كانَ ابنَ عَشرٍ فصاعِدًا فقالَ أبو بَكرٍ: لا يُلحَقُ بهِ إلا بعدَ البُلوغِ أيضًا؛ لأنَّ الولدَ لا يُخلَقُ إلا مِنْ ماءِ الرَّجلِ والمَرأةِ، ولو أنزَلَ لَبَلغَ، وقالَ ابنُ حامِدٍ: يُلحَقُ به، قالَ القاضي: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ، وهذا مَذهبُ
стр. 11132
الشافعيِّ؛ لأنَّ الولدَ يُلحَقُ بالإمكانِ وإنْ خالَفَ الظاهرَ، ولهذا لو أتَتْ بوَلدٍ لستَّةِ أشهُرٍ مِنْ حينِ العَقدِ لَحِقَ بالزوجِ وإنْ كانَ خِلافَ الظاهرِ.
وكذلك يُلحَقُ به إذا أتَتْ بهِ لأربَعِ سِنينَ، مع نُدرَتِه، وليسَ له نَفيُه في الحالِ حتى يَتحقَّقَ بُلوغُه بأحَدِ أسبابِ البُلوغِ فله نفْيُ الوَلدِ واستِلحاقُه.
فإنْ قيلَ: فإذا أَلحقْتُم به الولدَ فقدْ حَكمْتُم ببُلوغِه، فهَلَّا سَمعْتُم نفْيَه ولِعانَه؟
قُلنا: إلحاقُ الوَلدِ يَكفي فيه الإمكانُ، والبُلوغُ لا يَثبتُ إلا بسَببٍ ظاهِرٍ، ولأنَّ إلحاقَ الوَلدِ بهِ حقٌّ عليهِ، واللِّعانُ حقٌّ لهُ، فلم يَثبتْ معَ الشَّكِّ.
فإنْ قيلَ: فإنْ لم يَكنْ بالِغًا انتَفَى عنه الوَلدُ، وإنْ كانَ بالِغًا انتفَى عنه اللِّعانُ.
قُلنا: إلا أنه لا يَجوزُ أنْ يَبتدِئَ اليَمينَ مع الشَّكِّ في صحَّتِها، فسقَطَتْ للشَّكِّ فِيها.
الثاني: إنْ كانَ زائِلَ العَقلِ لجُنونٍ فلا حُكمَ لقَذفِه؛ لأنَّ القلَمَ عنه مَرفوعٌ أيضًا، وإنْ أتَتِ امرَأتُه بوَلدٍ فنَسبُه لاحِقٌ به؛ لإمكانِهِ، ولا سَبيلَ إلى نفْيِه مع زَوالِ عَقلِه، فإذا عقَلَ فله نفيُ الولدِ حِينئذٍ واستِلحاقُه، وإنِ ادَّعَى أنه كانَ ذاهِبَ العَقلِ حينَ قَذفه وأنكَرْتَ ذلك ولأحَدِهما بيَّنةٌ بما قالَ ثبَتَ قَولُه، وإنْ لم يَكنْ لواحِدٍ منهُما بيَّنةٌ ولم يَكنْ له حالةٌ عُلِمَ فيها زَوالُ عَقلِه فالقَولُ قَولُها مع يَمينِها؛ لأنَّ الأصلَ والظاهرَ الصِّحةُ والسَّلامةُ، وإنْ عُرفَتْ له
стр. 11133
حالةُ جُنونٍ ولم تُعرَفُ له حالةُ إفاقةٍ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه، وإنْ عُرفَتْ له حالةُ جُنونٍ وحالةُ إفاقةٍ ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: القَولُ قَولُها، قالَ القاضي: هذا قِياسُ قولِ أصحابِنا في المَلفوفِ إذا ضرَبَه فقَدَّه ثمَّ ادَّعَى أنه كانَ مَيتًا وقالَ الوليُّ: «كانَ حيًّا».
والوَجهُ الثاني: أنَّ القَولَ قَولُه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذمَّتِه مِنْ الحَدِّ، فلا يَجبُ بالشَّكِّ، ولأنَّ الحَدَّ يَسقطُ بالشُّبهةِ.
ولا يُشبِهُ هذا المَلفوفَ؛ لأنَّ المَلفوفَ قد عُلِمَ أنه كانَ حيًّا ولم يُعلَمْ منه ضِدُّ ذلك، فنَظيرُه في مَسألتِنا أنه يُعرَفُ له حالةُ إفاقةٍ ولا يُعلَمُ منه ضِدُّها، وفي مَسألتِنا قد تَقدَّمَ له حالةُ جُنونٍ، فيَجوزُ أنْ تَكونَ قدِ استَمرَّتْ إلى حينِ قَذفِه (١).
ثمَّ قالَ ﵀: وأمَّا إنْ كانَتِ الزوجةُ غيرَ مُكلَّفةٍ فقذَفَها الزوجُ نظَرْنا؛ فإنْ كانَتْ طِفلةً لا يُجامَعُ مِثلُها فلا حَدَّ على قاذِفِها؛ لأنه قَولٌ يُتيقَّنُ كَذبُه فيه وبَراءةُ عِرضِها منه، فلَم يَجبْ بهِ حدٌّ كما لو قالَ: «أهلُ الدُّنيا زُناةٌ»، ولكنَّه يُعزَّرُ للسَّبِّ لا للقَذفِ، فلا يَحتاجُ في التَّعزيرِ إلى مُطالَبةٍ؛ لأنه مَشروعٌ لتَأديبِه، وللإمامِ فِعلُه إذا رأى ذلكَ، فإنْ كانَتْ يُجامَعُ مِثلُها كابنةِ تِسعِ سِنينَ فعليهِ الحَدُّ (٢)، وليسَ لوَليِّها ولا لها المُطالَبةُ بهِ حتى تَبلغَ، فإذا بلَغَتْ
стр. 11134
فطالَبَتْ فلها الحَدُّ، وله إسقاطُه باللِّعانِ، وليسَ له لِعانُها قبْلَ البُلوغِ؛ لأنَّ اللِّعانَ يُرادُ لإسقاطِ الحَدِّ أو نَفيِ الوَلدِ، ولا حَدَّ عليه قبلَ بُلوغِها ولا وَلدَ فيَنفيَه، فإنْ أتَتْ بوَلدٍ حُكِمَ ببُلوغِها؛ لأنَّ الحَمْلَ أحَدُ أسبابِ البُلوغِ، ولأنه لا يكونُ إلا مِنْ نُطفتِها، فمِن ضَرورتِه إنزالُها وهو مِنْ أسبابِ بُلوغِها، وإنْ قذَفَ امرَأتَه المَجنونة بزِنًا أضافَه إلى حالِ إفاقتِها أو قذَفَها وهي عاقِلةٌ ثمَّ حَنثَ لم يَكنْ لها المُطالَبةُ ولا لوَليِّها قبلَ إفاقتِها؛ لأنَّ هذا طَريقُه التَّشفِّي، فلا يَنوبُ عنه الوَليُّ فيه كالقِصاصِ، فإذا أفاقَتْ فلها المُطالَبةُ بالحَدِّ، وللزوجِ إسقاطُه باللِّعانِ، فإنْ أرادَ لِعانَها في حالِ جُنونِها ولا ولَدَ يَنفيهِ لم يكنْ له ذلك؛ لعَدمِ الحاجةِ إليهِ؛ لأنه لم يَتوجَّهْ عليهِ حَدٌّ فيُسقطَه ولا نَسبٌ فيَنفيَه، وإنْ كانَ هناكَ ولَدٌ يُريدُ نفْيَه فالذي يَقتضيه المَذهبُ أنه لا يُلاعِنُ ويَلحقُه الوَلدُ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَنتفي باللِّعانِ مِنْ الزوجينِ، وهذهِ لا يَصحُّ مِنها لِعانٌ، وقد نَصَّ أحمَدُ في الخَرْساءِ أنَّ زوْجَها لا يُلاعِنُ، فهذه أَولى، وقالَ الخِرَقيُّ في العاقِلةِ: لا يُعرَضُ له حتى تُطالِبَه زَوجتُه، وهذا قَولُ أصحابِ الرأيِ؛ لأنها أحَدُ الزوجَينِ، فلَم يُشرَعِ اللِّعانُ معَ جُنونِه كالزوجِ، ولأنَّ لِعانَ الزوجِ وَحدهُ لا يَنتفِي به الوَلدُ، فلا فائِدةَ في مَشروعيَّتِه، وقالَ القاضِي: له أنْ يُلاعِنَ لنَفيِ الوَلدِ؛ لأنه مُحتاجٌ إلى نَفيِه، فشُرعَ له طَريقٌ إلى نَفيِه، وقالَ الشافعيُّ: له أنْ يُلاعِنَ، وظاهِرُ مَذهبِه أنَّ له لِعانَها مع عدَمِ الوَلدِ؛ لدُخولِه في عُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ولأنه
стр. 11135
زَوجٌ مُكلَّفٌ قاذِفٌ لامرَأتِه التي يُولَدُ لمِثلِها، فكانَ له أنْ يُلاعِنَها كما لو كانَتْ عاقِلةً (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ قذَفَ زَوجتُه الصغيرةَ فإنْ كانَتْ لا يُوطَأُ مِثلُها كابنةِ سَبعِ سِنينَ فما دُونَها .. لم يَصحَّ قَذفُه؛ لأنَّ القَذفَ إنما يَصحُّ إذا احتُملَ أنْ يكونَ فيهِ صادِقًا أو كاذبًا، وابنةُ سَبعِ سِنينَ يعلمُ يَقينًا أنها لا تُوطَأُ وأنه كاذِبٌ، ويَجبُ عليه التَّعزيرُ للكَذبِ، وليسَ له أنْ يُلاعِنَ لإسقاطِ هذا التَّعزيرِ؛ لأنَّا نَتحقَّقُ كَذِبَه، فلا مَعنًى للِعانِه.
وقالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: لا يُقامُ عليه التعزيرُ إلا بعدَ بُلوغِها؛ لأنه لا يَصحُّ مُطالَبتُها به، ولا يَنوبُ عنها الوَليُّ في المُطالَبةِ.
وإنْ كانَتْ صَغيرةً يُوطَأُ مِثلُها كابنَةِ تِسعِ سِنينَ فما زادَ .. صَحَّ قَذفُه؛ لأنَّ ما قالَه يَحتملُ الصِّدقَ والكَذبَ، ولا يَجبُ عليه الحدُّ بقَذفِها؛ لأنها ليسَتْ بمُحصَنةٍ، وإنَّما يَجبُ عليه التَّعزيرُ، وهَل للزوجِ أنْ يُلاعِنَ لإسقاطِ التَّعزيرِ؟ فيهِ وجهانِ:
أحَدُهما: مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: ليسَ له أنْ يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللِّعانَ يُرادُ لنَفيِ النَّسبِ أو لإسقاطِ ما وجَبَ عليه مِنْ الحَدِّ أو التَّعزيرِ بقَذفِها، وذلكَ لا يَجبُ قبلَ مُطالَبتِها.
والثاني: قالَ أبو إسحاقَ: له أنْ يُلاعِنَ لإسقاطِ ما وجَبَ عليه مِنْ