← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولمَّا وَليَ المُتوكِّلُ بعدَ الواثِقِ، وهو أبو الفَضلِ جَعفرُ بنُ المُعتصِمِ، وكانَت وِلايتُه في ذي الحِجةِ عامَ اثنَين وثلاثينَ ومِئتَينِ، خالَفَ ما كانَ عليه المَأمونُ والمُعتصِمُ والواثِقُ من الاعتِقادِ، وطعَنَ عليهم فيما كانوا يَقولونَه من خَلقِ القُرآنِ، ونَهى عن الجِدالِ والمُناظَرةِ عن الأَداءِ، وعاقَبَ عليه، وأمَرَ بإِظهارِ الرِّوايةِ للحَديثِ، فأظهَرَ اللهُ به السُّنةَ، وأَماتَ به البِدعةَ، وكشَفَ عن الخَلقِ تلك الغُمةَ، وأنارَ به تلك الظُّلمةَ، وأطلَقَ من كانَ اعتُقلَ بسَببِ القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، ورفَعَ المِحنةَ عن الناسِ، فاستَبشرَ الناسُ بوِلايتِه، وأمَرَ بالقَبضِ على مُحمدِ بنِ عبدِ المَلكِ الزَّياتِ الوَزيرِ، ووضَعَه في تَنُّورٍ إلى أنْ ماتَ، وذلك في عامِ ثَلاثةٍ وثَلاثينَ ومِئتَينِ، وابتَلى اللهُ أَحمدَ بنَ أبي داودَ بالفالِجِ، بعدَ مَوتِ الوَزيرِ بسَبعةٍ وأربَعينَ يَومًا، فوَليَ القَضاءَ مَكانَه وَلدُه؛ أبو الوَليدِ مُحمدٌ، فلم تَكُنْ طَريقَتُه مَرضيَّةً، وكَثُرَ ذامُّوه، وقَلَّ شاكِروه، ثم سخِطَ المُتوكِّلُ على أَحمدَ بنِ أبي داودَ، ووَلدِه مُحمدٍ، في عامِ تِسعةٍ وثَلاثينَ ومِئتَينِ، وأخَذَ جَميعَ ضِياعِ الأبِ وأموالَه من الوَلدِ، مِئةً وعِشرينَ ألفَ دِينارٍ، وجَواهرَ بأربَعينَ ألفَ دِينارٍ، وسَيَّره إلى بَغدادَ من «سُرَّ من رأى» (١). ووَليَ القاضي يَحيَى بنُ أَكثمَ مَنصِبَ قاضي القُضاةِ (٢)؛ فإنَّه كانَ من أئِمةِ الدِّينِ، وعُلماءِ السُّنةِ، ثم ماتَ أَحمدُ بنُ أبي داودَ بمَرضِ الفالِجِ، في

стр. 107

المُحرمِ، عامَ أربَعينَ ومِئتَينِ، وماتَ وَلدُه مُحمدٌ قبلَه بعِشرينَ يَومًا، وكانَ بِشرٌ المَريسيُّ قد أهلَكَه اللهُ وماتَ في ذي الحِجةِ، عامَ ثَمانيةَ عَشرَ، وقيلَ: تِسعةَ عَشرَ ومِئتَينِ. وعن عِمرانَ بنِ مُوسى قالَ: دَخلتُ على أبي العُروقِ الجَلَّادِ، الذي ضرَبَ أَحمدَ؛ لأنظُرَ إليه؛ فمكَثَ خَمسةً وأربَعينَ يَومًا يَنبَحُ؛ كما يَنبَحُ الكَلبُ. وقد انتقَمَ اللهُ من كلِّ خُصومِه، المُبتدِعينَ الذين سَعَوْا في أمرِه، وخذَلَهم، ونصَرَه عليهم بحَولِ اللهِ وقُوَّتِه، وبَركةِ كِتابِه، وسُنةِ نَبيِّه مُحمدٍ ﷺ . وشرَعَ المُتوكلُ في الإِحسانِ إلى الإِمامِ أَحمدَ، وتَعظيمِه، وإِكرامِه، وكتَبَ إلى نائِبِه ببَغدادَ، إِسحاقَ بنِ إِبراهيمَ أنْ يَبعثَ إليه بالإِمامِ أَحمدَ، فجهَّزَه مُعظَّمًا مُكرَّمًا إلى الخَليفةِ المُتوكِّلِ على اللهِ بسُرَّ مَنْ رأى، قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: وبعَثَ المُتوكِّلُ إليه يَقولُ: قد أحبَبتُ أنْ أَراكَ، وأتبَرَّكَ بدُعائِك، فخرَجنا من بَغدادَ، فأنزَلَنا دارًا، والمُتوكِّلُ يَرانا من وَراءِ السِّتْرِ، وأخبَرَ بَعضَ الخَدمِ أنَّ المُتوكِّلَ لمَّا كانَ قاعِدًا وَراءَ السِّتْرِ، ودخَلَ الإمامُ الدارَ، قالَ لأُمِّه: يا أُمَّاه، قد أنارَتِ الدارُ، قالَ عبدُ اللهِ: فأمَرَ لأَبي بثِيابٍ، ودَراهمَ، وخِلعةٍ، فبَكى، وقالَ: أسلَمُ من هؤلاء مُنذُ سِتِّينَ سَنةً، فلمَّا كانَ آخِرُ العُمرِ ابتُليتُ بهم، ولمَّا جاؤُوا بالخِلعةِ لم يَمسَّها، ولا غيَّرَها، فجَعَلها على كَتفَيْه، فما زالَ يَتحرَّكُ حتى رَمَى بها، وأرسَلَ إليه المُتوكِّلُ مالًا جَزيلًا، فأبى أنْ يَقبَلَه، فقيلَ له: إنْ رَددتَه وجَدَ عليك في نَفسِه، ففرَّقَه على مُستحِقِّيه، ولم يأخُذْ منه شَيئًا، وكانَ كلَّ يَومٍ يُرسِلُ إليه مِنْ طَعامِه الخاصِّ، فلا يَأكلُ منه لُقمةً.

стр. 108

قالَ صالِحٌ: وأمَرَ المُتوكِّلُ أنْ يُشتَرى له دار، فقالَ: يا صالِحُ، لئِن أقرَرتَ لهم بشِراءِ دارٍ ليَكونَنَّ القَطيعةَ بَيني وبينَك، فلم يَزلْ يَدفعُ شِراءَ الدارِ حتى اندفَعَ، ثم عادَ إلى بَغدادَ، وكانَ المُتوكِّلُ لا يُولِّي أحدًا إلا بمَشورةِ الإِمامِ أَحمدَ، ومكَثَ الإمامُ إلى حينِ وَفاتِه قلَّ أنْ يَأتيَ يَومٌ إلا ورِسالةُ الخَليفةِ تَنفُذُ إليه في أُمورٍ يُشاوِرُه فيها، ويَستَشيرُه، -رحمهما الله- ورَضيَ عنهما (١). ٩ - شُيوخُه وتَلامِذَتُه: شُيوخُه ﵏: قالَ الخَطيبُ (٢): سمِعَ من إِسماعيلَ بنِ عُلَيةَ، وهُشيمِ ابنِ بَشيرٍ، وحَمادِ بنِ خالِدٍ الخَيَّاطِ، ومَنصورِ بنِ سَلمةَ الخُزاعيِّ، والمُظفَّرِ ابنِ مُدرِكٍ، وعُثمانَ بنِ عُمرَ بنِ فارِسٍ، وأبي النَّضرِ هاشِمِ بنِ القاسِمِ، وأَبي سَعيدٍ مَولى بَني هاشِمٍ، ومُحمدِ بنِ يَزيدَ، ويَزيدَ بنِ هارونَ الواسِطِيَّينِ، ومُحمدِ بنِ أَبي عَديٍّ، ومُحمدِ بنِ جَعفرٍ غُندَرٍ، ويَحيى بنِ سَعيدٍ القَطَّانِ، وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ، وبِشرِ بنِ المُفضَّلِ، ومُحمدِ بنِ بَكرٍ البُرَّسانِيِّ، وأَبي داودَ الطَّيالسِيِّ، ورَوحِ بنِ عُبادةَ، ووَكيعِ بنِ الجَراحِ، وأبي مُعاويةَ الضَّريرِ، وعبدِ اللهِ بنِ نُمَيرٍ، وأبي أُسامةَ، وسُفيانَ بنِ عُيَينةَ، ويَحيى بنِ سُلَيمٍ الطَّائِفيِّ، ومُحمدِ بنِ إِدريسَ الشافِعيِّ، وإِبراهيمَ بنِ سَعدٍ الزُّهريِّ، وعبدِ الرَّزاقِ بنِ هَمَّامٍ، وأَبي قُرةَ مُوسى بنِ طارِقٍ، والوَليدِ بنِ مُسلمٍ، وأبي مِسهَرٍ

стр. 109

الدِّمَشقيِّ، وأبي اليَمانِ، وعليِّ بنِ عَياشٍ، وبِشرِ بنِ شُعَيبِ بنِ أبي حَمزةَ الحِمْصِيَّينِ، وخَلقٍ سِوى هؤلاءِ، يَطولُ ذِكرُهم، ويَشقُّ إِحصاءُ أَسمائِهم، وذكَرَ المُزِّيُّ في تَهذيبِه مِئةً وأربَعةً من شُيوخِه، وليس ذلك كذلك على سَبيلِ الاستِقصاءِ، واللهُ أعلَمُ (١). تَلامذَتُه ﵏: قالَ الخَطيبُ: ورَوى عنه غيرُ واحِدٍ من شُيوخِه، الذين سَمَّيناهم، وحدَّثَ أيضًا عنه ابْناه صالِحٌ وعبدُ اللهِ، وابنُ عَمِّه حَنبلُ بنُ إِسحاقَ، والحَسنُ بنُ الصَّباحِ البَزارُ، ومُحمدُ بنُ إِسحاقَ الصاغانِيُّ، وعَباسُ بنُ مُحمدٍ الدُّوريُّ، ومُحمدُ بنُ عُبيدِ اللهِ المُنادي، ومُحمدُ بنُ إِسماعيلَ البُخاريُّ، ومُسلمُ بنُ الحَجاجِ النَّيسابوريُّ، وأَبو زُرعةَ، وأَبو حاتِمٍ الرازِيَّانِ، وأبو داودَ السِّجستانِيُّ، وأَبو بَكرٍ الأثرَمُ، وأَبو بَكرٍ المَروَزيُّ، ويَعقوبُ بنُ أبي شَيبةَ، وأَحمدُ بنُ أبي خَيثَمةَ، وأَبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ، وإِبراهيمُ الحَربيُّ، وموسَى بنُ هارونَ، وعبدُ اللهِ بنُ مُحمدٍ البَغويُّ، وغيرُهم. وقد ذكَرَ المِزِّيُّ أيضًا في «تَهذيبِه» ثَمانيةً وثَمانينَ من تَلامِذتِه، وفيهم جُملةٌ من شُيوخِه، منهم مُحمدُ بنُ إِدريسَ الشافِعيُّ، ووَكيعُ بنُ الجَراحِ، ويَحيى بنُ آدَمَ، ويَزيدُ بنُ هارونَ، ومن أَقرانِه عليُّ بنُ المَدينيِّ، ويَحيى ابنُ مَعينٍ، ودُحَيمٌ الشاميُّ، وأَحمدُ بنُ أَبي الحَواريِّ، وأَحمدُ بنُ صالِحٍ المِصريُّ (٢).

стр. 110

١٠ - مُؤَلَّفاتُه ﵀: قالَ الذَّهبيُّ ما مُلخَّصُه: قالَ ابنُ الجَوزيِّ: كانَ الإِمامُ لا يَرى وَضعَ الكُتبِ، ويَنهَى عن كِتابةِ كَلامِه ومَسائِلِه، ولو رَأى ذلك لكانَت له تَصانيفُ كَثيرةٌ، وصنَّفَ «المُسنَد» وهو ثَلاثونَ ألفَ حَديثٍ، وكانَ يَقولُ لابنِه عبدِ اللهِ: احتفِظْ بهذا المُسنَد؛ فإنَّه سيَكونُ للناسِ إِمامًا، و «التَّفسير» وهو مِئةٌ وعِشرونَ ألفًا، و «الناسِخ والمَنسوخ» و «التاريخ» و «حَديث شُعبة» و «المُقدَّم والمُؤخَّر في القُرآن» و «جَوابات القُرآن» و «المَناسِك» و «الكَبير والصَّغير»، وأَشياءُ أُخرى. وقالَ الذَّهبيُّ: وكِتابُ «الإِيمان» وكِتابُ «الأَشرِبة»، ورأيتُ له وَرقةً من كِتابِ «الفَرائِض» فتَفسيرُه المَذكورُ شَيءٌ لا وُجودَ له، ولو وُجدَ لاجتهَدَ الفُضلاءُ في تَحصيلِه، ثم لو ألَّفَ تَفسيرًا لَما كانَ يَكونُ أزيَدَ من عَشرةِ آلافِ أثَرٍ، ولاقتَضى أنْ يَكونَ في خَمسِ مُجلَّداتٍ، فهذا تَفسيرُ ابنِ جَريرٍ الذي جمَعَ فيه فأوْعَى، لا يَبلُغُ عِشرينَ ألفًا، وما ذكَرَ تَفسيرَ أَحمدَ أحدٌ سِوى أبي الحَسنِ بنِ المُنادي، فقالَ في «تاريخه» لم يَكُنْ أحدٌ أروَى في الدُّنيا عن أَبيه من عبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ؛ لأنَّه سمِعَ منه (المُسنَد) وهو ثَلاثونَ ألفًا، و (التَّفسير) وهو مِئةٌ وعِشرونَ ألفًا، سمِعَ ثُلثَيه، والباقي وِجادةٌ.

стр. 111

قالَ ابنُ السَّماكِ: حدَّثَنا حَنبلٌ قالَ: جمَعَنا أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، أنا وصالِحًا وعبدَ اللهِ، وقرَأَ علينا (المُسنَد)، وما سمِعَه غيرُنا، وقالَ: هذا الكِتابُ جمَعتُه، وانتَقَيتُه من أكثَرَ من مِئةِ ألفٍ وخَمسينَ ألفًا، فما اختَلفَ فيه المُسلِمونَ من حَديثِ رَسولِ اللهِ، فارجِعوا إليه، فإنْ وجَدتُموه فيه، وإلا فليس بحُجةٍ. قالَ الذَّهبيُّ: قُلتُ: في (الصَّحيحَينِ) أَحاديثُ قَليلةٌ ليسَت في (المُسنَد) لكنْ قد يُقالُ: لا تَرِدُ على قَولِه؛ فإنَّ المُسلِمينَ ما اختَلَفوا فيها، ثم ما يَلزمُ من هذا القَولِ أنَّ ما وُجدَ فيه أنْ يَكونَ حُجةً؛ ففيه جُملةٌ من الأَحاديثِ الضَّعيفةِ مما يَسوغُ نَقلُها، ولا يَجبُ الاحتِجاجُ بها، وفيه أَحاديثُ مَعدودةٌ شِبهُ مَوضوعةٍ، ولكنَّها قَطرةٌ في بَحرٍ، وفي غُضونِ المُسندِ زِياداتٌ جَمَّةٌ لعبدِ اللهِ بنِ أَحمدَ (١). قالَ ابنُ الجَوزيِّ: وله -يَعنى أبا عبدِ اللهِ- من المُصنَّفاتِ كِتابُ (نَفي التَّشبيهِ) مُجلَّدٌ، وكِتابُ «الإِمامة» مُجلَّدٌ صَغيرٌ، وكِتابُ «الرَّد على الزَّنادِقةِ» ثَلاثةُ أَجزاءٍ، وكِتابُ «الزُّهد» (٢) مُجلَّدٌ كَبيرٌ، وكِتابُ «الرِّسالة» في الصَّلاةِ، قالَ الذَّهبيُّ: وهو مَوضوعٌ على الإِمامِ.

стр. 112

قالَ: وكِتابُ الصَّحابةِ (١) قالَ الذَّهبيُّ: فيه زِياداتٌ لعبدِ اللهِ ابنِه، ولأبي بَكرٍ القَطيعيِّ صاحِبِه. وقد دوَّنَ عنه كِبارُ تَلامِذتِه مَسائلَ وافِرةً، في عِدةِ مُجلَّداتٍ؛ المَروزيُّ، والأثرَمُ، وحَربٌ، وابنُ هانِئٍ، والكَوسَجُ، وأَبو طالِبٍ، وجمَعَ أَبو بَكرٍ الخَلَّالُ سائِرَ ما عندَ هؤلاء من أَقوالِ أَحمدَ وفَتاويه، ومن كَلامِه في العِللِ، والرِّجالِ، والسُّنةِ، والفُروعِ، حتى حصَلَ عندَه من ذلك ما لا يُوصَفُ كَثرةً، ورحَلَ إلى النَّواحِي في تَحصيلِه، وكتَبَ عن نَحوٍ من مِئةِ نَفسٍ من أَصحابِ الإِمامِ، ثم كتَبَ كَثيرًا من ذلك عن أَصحابِ أَصحابِه، وبَعضُه عن آخَرينَ عن الإِمامِ أَحمدَ، ثم أخَذَ في تَرتيبِ ذلك، وتَهذيبِه وتبَويبِه، وحمَلَ كِتابَ «العِلم» وكِتابَ «العِلل» وكِتابَ «السُّنة» كلُّ واحِدٍ من الثَّلاثةِ في ثَلاثةِ مُجلَّداتٍ (٢). ١١ - نُتَفٌ مِنْ أَقوالِه ودُرَرٌ مِنْ أَشعارِه: سُئلَ الإِمامُ أَحمدُ ﵀ عن الفُتوَّةِ، فقالَ: تَركُ ما تَهوى لما تَخشَى. وقالَ: كلُّ شَيءٍ من الخَيرِ، تَهتمُّ به، فبادِرْ به قبلَ أنْ يُحالَ بينَك وبينَه. وعن عليِّ بنِ المَدينيِّ، قالَ: ودَّعتُ الإِمامَ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فقُلتُ له: تُوصيني بشَيءٍ؟ قالَ: نَعمْ، اجعَلِ التَّقوَى زادَك، وانصِبِ الآخِرةَ أَمامَك.

стр. 113

وكانَ يَقولُ: عَزيزٌ عليَّ أنْ تُذيبَ الدُّنيا أَكبادَ رِجالٍ وَعَت صُدورُهم القُرآنَ. وعن عبدِ الصَّمدِ بنِ سُليمانَ بنِ مَطرٍ، قالَ: بِتُّ عندَ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، فوضَعَ لي ماءً، فلمَّا أصبَحَ وجَدَني لم أستَعمِلْه، فقالَ: صاحِبُ الحَديثِ لا يَكونُ له وِردٌ في اللَّيلِ؟ قالَ: قُلتُ: أنا مُسافِرٌ، قالَ: وإنْ كُنْتَ مُسافِرًا، حَجَّ مَسروقٌ فما نامَ إِلا ساجِدًا. وعن حَنبلِ بنِ إِسحاقَ قالَ: رآني أَحمدُ بنُ حَنبلٍ أكتُبُ خَطًّا دَقيقًا، فقالَ: لا تَفعَلْ؛ أحوَجَ ما تَكونُ إليه يَخونُك. وقالَ: كُلِ الطَّعامَ معَ الإِخوانِ بالسُّرورِ، ومع الفُقراءِ بالإِيثارِ، ومع أَبناءِ الدُّنيا بالمُروءةِ. ودخَلَ ثَعلبٌ على أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، ومَجلِسُه غاصٌّ، فجلَسَ إلى جانِبِه، وقالَ: أَخافُ أنْ أَكونَ ضيَّقتُ عليك، على أنَّه لا يَضيقُ مَجلسٌ بمُتحابِّينَ، ولا تَسعُ الدُّنيا مُتباغِضِينَ، قالَ الإِمامُ أَحمدُ: الصَّديقُ لا يُحاسَبُ، والعَدوُّ لا يُحتسَبُ له (١). وعن أَحمدَ بنِ يَحيى قالَ: كُنْتُ أُحبُّ أنْ أَرى أَحمدَ بنَ حَنبلٍ، فصِرتُ إليه، فلمَّا دخَلتُ عليه قالَ لي: فيمَ جِئتَ؟ قُلتُ: في النَّحوِ والعَربيةِ، فأنشَدَ:

стр. 114

إذا ما خَلوْتَ الدَّهرَ يَومًا فلا تَقُلْ … خَلوتُ ولكِنْ قُلْ عليَّ رَقِيبُ ولا تَحسَبَنَّ اللهَ يُغفِلُ ما مَضَى … وَلا أنَّ ما يَخفَى عليه يَغيبُ لَهونَا، لَعَمرُ اللَّهِ، حتى تَتابَعتْ … ذُنوبٌ على آثارِهِنَّ ذُنوبُ فيا لَيتَ أنَّ اللَّهَ يَغفِرُ ما مَضَى … ويَأْذَنُ فِي تَوباتِنَا فنتُوبُ إذا ما مضَى القَرْنُ الذِي كُنْتَ فيهمُ … وخُلِّفتَ في قَرنٍ فَأنتَ غَريبُ وعن علِيِّ بنِ خَشرمٍ أنَّه سمِعَ أَحمدَ بنَ حَنبلٍ يَقولُ: تَفْنى اللَّذاذةُ ممَّن نالَ صَفوَتَها … من الحَرامِ ويَبقَى الخِزيُ والعارُ تَبقَى عَواقِبُ سُوءٍ في مَغبَّتِها … لا خَيرَ في لَذةٍ من بَعدِها النارُ ورُويَ من قَولِه لعَليِّ بنِ المَدينيِّ، لمَّا أجابَ إلى القَولِ بخَلقِ القُرآنِ: يا ابنَ المَدينيِّ الذي عُرِضَت له … دُنيا فجادَ بدِينِه لِيَنالَها ماذا دَعاكَ إلى انتِحالِ مَقالةٍ … قد كُنْتَ تَزعمُ كافِرًا من قالَها أَمرٌ بَدا لك رُشدُه فتَبِعتَه … أم زِينةُ الدُّنيا أرَدتَ نَوالَها؟ ولقد عَهِدتُك مَرةً مُتشدِّدًا … صَعبَ المَقالةِ للتي تُدعَى لها إنَّ المُرزَّى مَنْ يُصابُ بدِينِه … لا مَنْ يُرزَّأُ ناقةً وفِصالَها (١) ١٢ - مَرَضُه ووَفاتُه ﵀: قالَ ابنُه عبدُ اللهِ: سمِعتُ أبي يَقولُ: استَكمَلتُ سَبعًا وسَبعينَ، فحُمَّ من لَيلتِه، وماتَ يَومَ العاشِرِ.

стр. 115

وقالَ صالِحٌ: لمَّا كانَ في أولِ يَومٍ من رَبيعٍ الأولِ، من سَنةِ إِحدى وأربَعيَن ومِئتَينِ، حُمَّ أبي ليلةَ الأربِعاءِ، وباتَ وهو مَحمومٌ يَتنفَّسُ نَفسًا شَديدًا، وكُنتُ قد عرَفتُ عِلَّتَه، وكُنتُ أُمرِّضُه إذا اعتَلَّ، فقُلتُ له: يا أَبتِ، عَلامَ أفطَرتَ البارِحةَ؟ قالَ: ماءُ باقِلاءَ، ثم أَرادَ القيامَ، فقالَ: خُذْ بيَدي، فأخَذتُ بيَدِه، فلمَّا صارَ إِلى الخَلاءِ، ضَعُفَت رِجلاه، حتى توَكَّأ علَيَّ، وكانَ يَختلِفُ إليه غيرُ مُتَطبِّبٍ، كلُّهم مُسلِمونَ، فوصَفَ له مُتطبِّبٌ قَرعةً، تُشوَى ويُسقى ماءَها، وهذا يَومَ الثُّلاثاءِ، وتُوفِّيَ يَومَ الجُمَعةِ، فقالَ: يا صالِحُ، فقُلتُ: لَبَّيك، قالَ: لا تَشوِ في مَنزلِك، ولا في مَنزلِ أَخيك، وصارَ الفَتحُ بنُ سَهلٍ إِلى البابِ ليَعودَه فحجَبَه، وأَتى عليُّ بنُ عليِّ بنِ الجَعدِ، فحجَبَه، وكثُرَ الناسُ، فقالَ: أيَّ شَيءٍ تَرى؟ قُلتُ: تأذَنُ لهم، فيَدعونَ لك، قالَ: أستَخيرُ اللهَ تَعالى، فجعَلوا يَدخلونَ عليه أَفواجًا، حتى تَمتلئَ الدارُ، فيَسألونَه، ويَدعونَ له، ثم يَخرُجونَ، ويَدخلُ فَوجٌ آخَرُ، وكَثرُ الناسُ، فامتَلأَ الشارِعُ، وأغلَقنا بابَ الزُّقاقِ، وجاءَ رَجلٌ من جِيرانِنا قد خُضِّبَ، فقالَ أبي: إنِّي لأرى الرَّجلَ، يُحيي شَيئًا من السُّنةِ، فأفرَحُ به، وجعَلَ يُحرِّكُ لِسانَه، ولم يَئنَّ إلا في اللَّيلةِ التي تُوفِّيَ فيها، ولم يَزَلْ يُصلِّي قائِمًا، أُمسِكُه، فيَركعُ، ويَسجدُ، وأرفَعُه في رُكوعِه، واجتَمَعت عليه أَوجاعُ الحَصرِ وغيرِ ذلك، ولم يَزَلْ عَقلُه ثابِتًا، فلمَّا كانَ يَومُ الجُمعةِ، لاثنَتَيْ عَشرةَ لَيلةً، خَلَت من رَبيعٍ الأولِ، لساعَتَينِ من النَّهارِ تُوفِّيَ.

стр. 116

وقالَ المَروَزيُّ: مرِضَ أَبو عبدِ اللهِ لَيلةَ الأربِعاءِ، للَيلَتَينِ خلَتا من رَبيعٍ الأولِ، مرِضَ تِسعةَ أيامٍ، وكانَ رُبَّما أذِنَ للناسِ، فيَدخلونَ أَفواجًا، يُسلِّمونَ عليه، ويَردُّ عليهم بيَدِه، واشتَدَّت عِلَّتُه يَومَ الخَميسِ، ووَضَّأتُه، فقالَ: خِلالَ (١) الأَصابعِ، فلمَّا كانَت لَيلةُ الجُمعةِ، وثَقُلَ، قُبضَ صَدرًا، فصاحَ الناسُ، وعَلَت الأَصواتُ بالبُكاءِ، كأنَّ الدُّنيا قد ارتَجَّت، وامتَلَأت السِّككُ والشَّوارِعُ. وقالَ مُطَينٌ: في ثاني عَشرَ من رَبيعٍ الأولِ، وكذا قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ، وعَباسٌ الدُّوريُّ. وقالَ البُخاريُّ: مرِضَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، للَيلَتَينِ خلَتا من رَبيعٍ الأولِ، وماتَ يَومَ الجُمعةِ لاثنَتيْ عَشرةَ خَلَت من رَبيعٍ الأوَّلِ. وقالَ الخَلَّالُ: ثَنا المَروَزيُّ قالَ: أُخرجَت الجِنازةُ، بعدَ مُنصَرفِ الناسِ من الجُمعةِ. قالَ الذَّهبيُّ: وقد رَوى الإِمامُ أَحمدُ في مُسندِه: ثَنا أبو عامِرٍ ثَنا هِشامُ بنُ سَعدٍ عن سَعيدِ بنِ أبي هِلالٍ عن رَبيعةَ بنِ سَيفٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النَّبيِّ ﷺ : «ما مِنْ مُسلمٍ يَموتُ يَومَ الجُمُعةِ أو لَيلةَ الجُمُعةِ إلا وَقاهُ اللهُ فِتنةَ القَبرِ» (٢). وقالَ صالِحٌ: وجَّهَ ابنُ طاهِرٍ، نائِبُ بَغدادٍ، بحاجِبِه مُظفَّرٍ ومعه غُلامانِ معهما مَناديلُ فيها ثِيابٌ وطِيبٌ، فقالوا: الأَميرُ يُقرِئُك السَّلامَ، ويَقولُ: قد فَعَلت ما لو كانَ أَميرُ المُؤمِنينَ حاضِرَه، كانَ يَفعلُ.

стр. 117

فقُلتُ: أقرِئْ أَميرَ المُؤمِنينَ السَّلامَ، وقُلْ له: إنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ قد أَعفاه في حَياتِه، ممَّا كانَ يَكرهُ، ولا أُحبُّ أنْ أتبَعَه بعدَ مَوتِه، بما كانَ يَكرهُ في حَياتِه، فعادَ وقالَ: يَكونُ شِعارَه، فأعَدتُ عليه مِثلَ ذلك. وقد كانَ غزَلَت له جارِيةٌ، ثَوبًا عَشاريًّا، قُوِّمَ بثَمانيةٍ وعِشرينَ دِرهَمًا، ليَقطعَ منه قَميصَينِ، فقَطَعنا له لِفافَتَين، وأخَذَ منه فَورانُ لِفافةً أُخرى، فأدرَجناه في ثَلاثِ لَفائِفَ، واشتَرَينا له حَنوطًا، وفُرغَ من غُسلِه، وكَفَّناه وحضَرَ نَحوُ مِئةٍ من بَني هاشِمٍ، ونحن، وجَعَلوا يُقبِّلونَ جَبهتَه، حتى رَفَعناه على السَّريرِ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: صلَّى على أَبي مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهِرٍ، غلَبَنا على الصَّلاةِ عليه، وقد كُنَّا صلَّينا عليه، نحن والهاشِميُّونَ في الدارِ. وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ يَحيى بنِ خاقانَ: سمِعتُ المُتوكِّلَ يَقولُ لمُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ: طُوبَى لك يا مُحمدُ، صلَّيتَ على أَحمدَ بنِ حَنبلٍ رَحمةُ اللهِ عليه. وقالَ أبو بَكرٍ الخَلَّالُ: سمِعتُ عبدَ الوَهابِ الوَراقَ، يَقولُ: ما بلَغَنا أنَّ جَمعًا في الجاهِليةِ والإسلامِ مِثلُه، حتى بلَغَنا أنَّ المَوضعَ مُسحَ، وحُرِّزَ على الصَّحيحِ؛ فإذا هو نحوٌ من ألفِ ألفٍ، وحَرَّزنا على القُبورِ نَحوًا من سِتِّينَ ألفَ امرَأةٍ. وفتَحَ الناسُ أَبوابَ المَنازلِ في الشَّوارعِ، والدُّروبِ، يُنادونَ مَنْ أَرادَ الوُضوءَ (١).

стр. 118

أَسبابُ اختِلافِ الفُقَهاءِ الحَمدُ للهِ مُسبِغِ النِّعمِ، ومُسوِّغِ القِسَمِ، والمُنفرِدِ بالقِدمِ وبارِئِ النَّسَمِ، ومُوجِدِنا بعدَ العَدمِ، وباعِثِ العِظامِ الهامِدةِ والرِّممِ، والمُخالِفِ بينَ الهَيئاتِ والشِّيمِ، حِكَمُه تاهَت في فَهمِها عُقولُ ذَوي الحِكمِ، خلَقَ الأَجسامَ من أَضدادٍ مُتَنافِرةٍ ابتَدَعها بقُدرتِه، وألَّفَ نَقائِضَها بحِكمتِه، حتى أبرَزَها للعَيانِ مُتغايرةَ الصُّورِ والألوانِ، مُتقنةَ الأَشكالِ، مُخترعةً على غيرِ مِثالٍ، وخالَفَ بينَ الآراءِ والاعتِقاداتِ، كما خالَفَ بينَ الصُّورِ والهَيئاتِ، وأخبَرَنا بما في ذلك من واضِحٍ فقالَ تَعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم: ٢٢] وقالَ ﷻ : ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]. وبيَّنَ لنا أنَّه قَديرٌ على غيرِ ما أجرَى العادةَ به فقالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]. ونبَّهَنا ألطَفَ تَنبيهٍ على ما في هذا الخِلافِ المَوجودِ في البَشرِ، المَركوزِ في الفِطَرِ، من الحِكمةِ البالِغةِ، وأنَّه جعَلَه إحدَى الدَّلائلِ على صِحةِ البَعثِ

стр. 119

الذي أنكَرَه مَنْ ألحَدَ في أَسمائِه، وكفَرَ بسَوابغِ نَعمائِه، فقالَ -وقَولُه الحَقُّ ووَعدُه الصِّدقُ-: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ [النحل: ٣٨، ٣٩] وهذه الآيةُ ممَّا تَضمَّنَه القُرآنُ الكريمُ من الأدِلةِ البُرهانيةِ على صِحةِ البَعثِ. ووَجهُ البُرهانِ المُنفِكِّ من هذه الآيةِ التي لا يَقدُرُها حَقَّ قَدرِها إلا العالِمونَ، ولا يَنتبِهُ لغامِضِ سِرِّها إلا المُستبصِرونَ، أنَّ اختِلافَ الناسِ في الحَقِّ لا يُوجِبُ اختِلافَ الحَقِّ في نَفسِه وإنَّما تَختلِفُ الطُّرقُ المُوصِّلةُ إليه، والقياساتُ المُركَّبةُ عليه، والحَقُّ في نَفسِه واحِدٌ. فلمَّا ثبَتَ أنَّ ههنا حَقيقةً مَوجودةً لا مَحالةَ، وكانَ لا سَبيلَ لنا في حَياتِنا هذه إلى الوُقوفِ عليها وُقوفًا يُوجِبُ لنا الائتِلافَ، ويَرفعُ عنَّا الاختِلافَ، إذْ كانَ الاختِلافُ مَركوزًا في فِطَرِنا، مَطبوعًا في خِلَقِنا، وكانَ لا يُمكِنُ ارتِفاعُه وزَوالُه، إلا بارتِفاعِ هذه الخِلقةِ، ونَقلِنا إلى جِبلَّةٍ غيرِ هذه الجِبلَّةِ، صَحَّ ضَرورةً أنَّ لنا حَياةً أُخرى غيرَ هذه الحياةِ فيها يَرتفعُ الخِلافُ والعِنادُ وتَزولُ من صُدورِنا الضَّغائنُ الكامِنةُ، والأَحقادُ، وهذه هي الحالُ التي وعَدَنا اللهُ تَعالى بالمَصيرِ إليها فقالَ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. ولا بدَّ من كَونِ ذلك باضطِرارٍ، إذْ كانَ وُجودُ الاختِلافِ يَقتَضي وُجودَ الائتِلافِ؛ لأنَّه ضَربٌ ونَوعٌ من المُضافِ، وكانَ لا بُدَّ من حَقيقةٍ، وإنْ لم نَقُلْ ذلك صِرْنا إلى مَذهبِ السُّوفِسطائيةِ

стр. 120

في نَفيِ الحَقائقِ، فقد صارَ الخِلافُ المَوجودُ في العالَمِ كما تَرى أوضَحَ الدَّلائلِ على كَونِ البَعثِ الذي يُنكِرُه المُنكِرونَ، ويُنازِعُ فيه المُلحِدونَ الكافِرونَ. فسُبحانَ مَنْ أودَعَ كِتابَه الكريمَ تَصريحًا وتَلويحًا، كلَّ لَطيفةٍ لمَن قَدَرَه حَقَّ قَدرِه، ووُفِّقَ لفَهمِ غَوامِضِ سِرِّه. وليس غَرضي من هذا المَوضوعِ أنْ أَتكلَّمَ في الأَسبابِ التي أوجَبَت الخِلافَ الأعظَمَ بينَ مَنْ سلَفَ وخلَفَ من الأُممِ، وإنَّما غَرضي أنْ أذكُرَ الأَسبابَ التي أوجَبَت الخِلافَ بينَ أهلِ مِلَّتِنا الحَنيفيةِ التي جعَلَنا اللهُ تَعالى من أَهلِها، وهَدانا إلى واضِحِ سُبلِها، حتى صارَ من فُقهائِهم الحَنفيُّ المالِكيُّ والشافِعيُّ والحَنبليُّ ومن ذَوي مَقالاتِهم، ولا غَرضي أيضًا أنْ أَحصُرَ أَصنافَ المَذاهبِ والآراءِ وأُناقضَ ذَوي البِدعِ المُضلِّلةِ والأَهواءِ؛ لأنَّ هذا الفَنَّ من العِلمِ قد سبقَ إليه ونبهَ في مَواضِعَ كَثيرةٍ عليه، وإنَّما غَرضي أنْ أُنبِّهَ على المَواضعِ التي منها نشَأَ الخِلافُ بينَ العُلماءِ حتى تَبايَنوا في المَذاهبِ والآراءِ (١). لأنَّ مَعرفةَ أَسبابِ اختِلافِ الفُقهاءِ من أهَمِّ المَسائلِ التي تَدفعُ الشُّكوكَ عن المَذاهبِ الفِقهيةِ، وتُوقِفُ العالِمَ وطالِبَ العِلمِ على مَسالِكِ الأئِمةِ في الاجتِهادِ والمُوازنةِ بينَها، ولتَطمئنَّ النَّفسُ إلى ما تَميلُ إليه من الأَحكامِ الشَّرعيةِ، وكما قالَ الإِمامُ أبو عَمرِو بنُ عبدِ البَرِّ ﵀:

стр. 121

والواجِبُ عندَ اختِلافِ العُلماءِ طَلبُ الدَّليلِ من الكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والقياسِ على الأُصولِ منها، وذلك لا يُعدَمُ، فإنِ استَوَت الأدِلةُ وجَبَ المَيلُ مع الأَشبهِ بما ذكَرنا بالكِتابِ والسُّنةِ، فإذا لم يَبِنْ ذلك وجَبَ التَّوقُّفُ ولم يَجُزِ القَطعُ إلا بيَقينٍ (١). ولم أجِدْ فيما وقَفتُ عليه من كَلامٍ أحسَنَ ولا أجمَلَ ولا أدَقَّ من كَلامِ شَيخِ الإِسلامِ أَحمدَ بنِ عَبدِ الحَليمِ، ابنِ تَيميةَ ﵀ في هذا المَوضوعِ في رِسالتِه الماتِعةِ «رَفع المَلام عن الأئِمةِ الأَعلامِ» التي تكلَّمَ فيها بكَلامٍ هو غايةٌ في النَّفاسةِ في هذا البابِ، وكيف استَطاعَ ﵀ أنْ يُوقِفَنا على أهَمِّ هذه الأَسبابِ بمُنتَهى السُّهولةِ والسَّلاسةِ، وأنا أحبَبتُ أنْ أذكُرَ كَلامَه هنا؛ ليَسترشدَ به طَلبةُ العِلمِ وغيرُهم من أهلِ الحَقِّ، حتى لا يُساءَ إلى بَعضِهم بدونِ عِلمٍ خُصوصًا في أَيامِنا هذه، التي شَنَّ فيها العِلمانِيونَ واللِّبرالِيونَ وغيرُهم حَربًا عليهم وعلى الدِّينِ، وأَساؤُوا إلى العُلماءِ الرَّبانيِّينَ من الأئِمةِ المَهديِّينَ؛ لأنَّهم اختَلَفوا في الأَحكامِ، ولا يَعلمُ هؤلاء أنَّ اختِلافَهم في الأَحكامِ كانَ من رَحمةِ رَبِّ البَرياتِ على هذه الأُمةِ المَيمونةِ المُباركةِ. قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: الحَمدُ للهِ على آلائِه وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له في أرضِه وسَمائِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه وخاتَمُ أَنبيائِه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأَصحابِه صَلاةً دائِمةً إلى يَومِ لِقائِه وسلَّمَ تَسليمًا.

стр. 122

وبعدُ؛ فيَجبُ على المُسلِمينَ -بعدَ مُوالاةِ اللهِ ورَسولِه ﷺ مُوالاةُ المُؤمِنينَ كما نطَقَ به القُرآنُ، خُصوصًا العُلماءَ الذين هُمْ وَرثةُ الأَنبياءِ، الذين جعَلَهم اللهُ بمَنزلةِ النُّجومِ، يُهتَدى بهم في ظُلماتِ البَرِّ والبَحرِ. وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على هِدايتِهم ودِرايَتِهم. إذْ كلُّ أُمةٍ قبلَ مَبعثِ مُحمدٍ ﷺ عُلماؤُها شِرارُها، إلا المُسلِمينَ، فإنَّ عُلماءَهم خيارُهم، فإنَّهم خُلفاءُ الرَّسولِ ﷺ في أُمتِه، والمُحيونَ لمَا ماتَ من سُنَّتِه، بهم قامَ الكِتابُ وبه قاموا، وبهم نطَقَ الكِتابُ وبه نَطَقوا. وليُعلَمْ أنَّه ليسَ أحدٌ من الأئِمةِ المَقبولين -عندَ الأُمةِ قَبولًا عامًّا-يَتعمَّدُ مُخالَفةَ رَسولِ اللهِ ﷺ في شَيءٍ من سُنتِه، دَقيقٍ ولا جَليلٍ. فإنَّهم مُتَّفِقونَ اتِّفاقًا يَقينيًّا على وُجوبِ اتِّباعِ الرَّسولِ ﷺ ، وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناسِ يُؤخذُ من قَولِه ويُتركُ، إلا رَسولَ اللهِ ﷺ . ولكنْ إذا وُجدَ لواحِدٍ منهم قَولٌ، قد جاءَ حَديثٌ صَحيحٌ بخِلافِه، فلا بدَّ له من عُذرٍ في تَركِه. وجَميعُ الأَعذارِ ثَلاثةُ أَصنافٍ: أحدُها: عَدمُ اعتِقادِه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَه. والثاني: عَدمُ اعتِقادِه إرادةَ تلك المَسألةِ بذلك القَولِ. والثالِثُ: اعتِقادُه أنَّ ذلك الحُكمَ مَنسوخٌ. وهذه الأَصنافُ الثَّلاثةُ تَتفرَّعُ إلى أَسبابٍ مُتعدِّدةٍ:

стр. 123

السَّببُ الأولُ: ألَّا يَكونَ الحَديثُ قد بلَغَه، ومَن لم يَبلُغْه الحَديثُ لم يُكلَّفْ أنْ يَكونَ عالِمًا بمُوجِبِه، وإذا لم يَكُنْ قد بلَغَه -وقد قالَ في تلك القَضيةِ بمُوجِبِ ظاهِرِ آيةٍ، أو حَديثٍ آخَرَ، أو بمُوجِبِ قياسٍ، أو مُوجِبِ استِصحابٍ- فقد يُوافِقُ ذلك الحَديثَ تارةً، ويُخالِفُه أُخرى. وهذا السَّببُ هو الغالِبُ على أكثَرِ ما يُوجدُ من أَقوالِ السَّلفِ، مُخالِفًا لبَعضِ الأَحاديثِ. فإنَّ الإِحاطةَ بحَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، لم تَكُنْ لأحدٍ من الأُمةِ. وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُحدِّثُ، أو يُفتي، أو يَقضي، أو يَفعلُ الشَّيءَ، فيَسمعُه أو يَراه مَنْ يَكونُ حاضِرًا، ويُبلِّغُه أُولئك أو بعضُهم لمَن يُبلِّغونَه، فيَنتَهي عِلمُ ذلك إلى مَنْ يَشاءُ اللهُ من العُلماءِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم. ثم في مَجلسٍ آخَرَ: قد يُحدِّثُ أو يُفتي أو يَقضي أو يَفعلُ شَيئًا، ويَشهَدُه بَعضُ من كانَ غائِبًا عن ذلك المَجلِس، ويُبلِّغونَه لمَن أمكَنَهم فيَكونُ عندَ هؤلاء من العِلمِ، ما ليسَ عندَ هؤلاء، وعندَ هؤلاء ما ليسَ عندَ هؤلاء. وإنَّما يَتفاضَلُ العُلماءُ من الصَّحابةِ ومَن بعدَهم بكَثرةِ العِلمِ، أو جَودتِه. وأمَّا إِحاطةُ واحِدٍ بجَميعِ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ فهذا لا يُمكِنُ ادِّعاؤُه قَطُّ.

стр. 124

واعتُبِرَ ذلك بالخُلفاءِ الراشِدينَ ﵃ الذين هُمْ أعلَمُ الأُمةِ بأُمورِ رَسولِ اللهِ ﷺ وسُنتِه، وأَحوالِه، خُصوصًا الصِّدِّيقَ ﵁ الذي لم يَكُنْ يُفارِقُه حَضَرًا ولا سَفرًا، بل كانَ يَكونُ معه في غالِبِ الأَوقاتِ، حتى إنَّه يَسمُرُ عندَه باللَّيلِ في أُمورِ المُسلِمينَ، وكذلك عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁، فإنَّه ﷺ كَثيرًا ما يَقولُ: «ودخَلتُ أنا وأبو بَكرٍ وعُمرُ وخرَجتُ أنا وأَبو بَكرٍ وعُمرُ» (١). ثم مع ذلك لمَّا سُئلَ أبو بَكرٍ ﵁ عن مِيراثِ الجَدةِ؟ قالَ: «ما لَكِ في كِتابِ اللهِ من شَيءٍ، وما علِمتُ لكِ في سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ من شَيءٍ، ولكنْ أَسألُ الناسَ» فسألَهم، فقامَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ ومُحمدُ بنُ مَسلَمةَ ﵄ فشهِدا: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعطاها السُّدسَ» (٢)، وقد بلَّغَ هذه السُّنةَ عِمرانُ بنُ حُصَينٍ ﵁ أيضًا. وليسَ هؤلاء الثَّلاثةُ مِثلَ أبي بَكرٍ وغيرِه من الخُلفاءِ ﵃ ثم قد اختُصُّوا بعِلمِ هذه السُّنةِ التي قد اتَّفَقت الأُمةُ على العَملِ بها. وكذلك عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ لم يَكُنْ يَعلمُ سُنةَ الاستِئذانِ، حتى أخبَرَه بها أَبو موسَى الأَشعريُّ ﵁ واستَشهدَ بالأَنصارِ، وعُمرُ ﵁ أعلَمُ ممَّن حدَّثَه بهذه السُّنةِ (٣).

стр. 125

ولم يَكُنْ عُمرُ ﵁ أيضًا يَعلمُ أنَّ المَرأةَ تَرِثُ من دِيةِ زَوجِها، بل يَرى أنَّ الدِّيةَ للعاقِلةِ، حتى كتَبَ إليه الضَّحاكُ بنُ سُفيانَ الكِلابيُّ ﵁ وهو أَميرٌ لرَسولِ اللهِ ﷺ على بَعضِ البَوادي يُخبِرُه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ورَّثَ امرَأةَ أَشيَمَ الضِّبابِيِّ من دِيةِ زَوجِها» (١)، فترَكَ رَأيَه لذلك، وقالَ: «لو لم نَسمَعْ بهذا لقَضينَا بخِلافِه». ولم يَكنْ يَعلمُ حُكمَ المَجوسِ في الجِزيةِ حتى أخبَرَه عبدُ الرَّحمنِ ابنُ عَوفٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» (٢). ولمَّا قدِمَ عُمرُ ﵁ سَرْغَ (٣) وبلَغَه: أنَّ الطاعونَ بالشامِ، استَشارَ المُهاجِرينَ الأوَّلينَ الذين معه، ثم الأَنصارَ، ثم مُسلِمةَ الفَتحِ، فأَشارَ كلٌّ

стр. 126

عليه بما رَأى، ولم يُخبِرْه أحدٌ بسُنةٍ، حتى قدِمَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ ﵁ فأخبَرَه بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في الطاعونِ، وأنَّه قالَ: «إذا وقَعَ بأرضٍ وأَنتُم بها فلا تَخرجُوا فِرارًا منه، وإذا سَمِعتُم به بأرضٍ فلا تَقدَمُوا عليه» (١). وتَذاكَرَ هو وابنُ عَباسٍ ﵃ أمْرَ الذي يَشكُّ في صَلاتِه، فلم يَكُنْ قد بلَغَته السُّنةُ في ذلك، حتى قالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «يَطرَحُ الشَّكَّ ويَبنِي على ما استَيقَنَ» (٢). وكانَ مَرةً في السَّفرِ، فهاجَت رِيحٌ فجعَلَ يَقولُ: «مَنْ يُحدِّثُنا عن الرِّيحِ؟» قالَ أبو هُرَيرةَ: «فبلَغَني وأنا في أُخرَياتِ الناسِ فحَثَثتُ راحِلَتي حتى أدرَكتُه فحَدَّثتُه بما أمَرَ به النَّبيُّ ﷺ عندَ هُبوبِ الرِّيحِ» (٣). فهذه مَواضِعُ لم يَكُنْ يَعلمُها عُمرُ ﵁ حتى بلَّغَه إياها مَنْ ليسَ مِثلَه. ومَواضِعُ أُخَرُ، لم يَبلُغْه ما فيها من السُّنةِ، فقَضى فيها، أو أفتى فيها بغيرِ ذلك.

стр. 127

مِثلَما قَضى في دِيةِ الأَصابعِ: أنَّها مُختلِفةٌ بحَسَبِ مَنافِعِها، وقد كانَ عندَ أبي موسى وابنِ عَباسٍ ﵄ وهُما دونَه بكَثيرٍ في العِلمِ- عِلمٌ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «هذه وهذه سَواءٌ»، يَعني الإِبهامَ والخِنصَرَ (١) فبلَغَت هذه السُّنةُ مُعاويةَ ﵁ في إِمارتِه، فقَضَى بها، ولم يَجدِ المُسلِمونَ بُدًّا من اتِّباعِ ذلك. ولم يَكُنْ عَيبًا في حَقِّ عُمرَ ﵁ حيثُ لم يَبلُغْه الحَديثُ. وكذلك كانَ ﵁ يَنهَى المُحرِمَ عن التَّطيُّبِ قبلَ الإِحرامِ، وقبلَ الإِفاضةِ إلى مَكةَ بعدَ رَميِ جَمرةِ العَقبةِ، هو وابنُه عبدُ اللهِ ﵄، وغيرُهما من أهلِ الفَضلِ، ولم يَبلُغْهم حَديثُ عائِشةَ ﵂: «طَيَّبتُ رَسولَ اللهِ ﷺ لإِحرامِه قبلَ أنْ يُحرِمَ، ولحِلِّهِ قبلَ أنْ يَطوفَ» (٢). وكانَ يأمُرُ لابِسَ الخُفِّ أنْ يَمسحَ عليه إلى أنْ يَخلَعَه، من غيرِ تَوقيتٍ، واتَّبَعه على ذلك طائِفةٌ من السَّلفِ، ولم تَبلُغْهم أَحاديثُ التَّوقيتِ التي صَحَّت عندَ بعضِ مَنْ ليسَ مِثلَهم في العِلمِ. وقد رُويَ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ من وُجوهٍ مُتعدِّدةٍ صَحيحةٍ (٣). وكذلك عُثمانُ ﵁ لم يَكُنْ عندَه عِلمٌ بأنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها تَعتَدُّ في بَيتِ المَوتِ، حتى حَدَّثته الفُرَيعةُ بِنتُ مالِكٍ، أُختُ أَبي سَعيدٍ

стр. 128

الخُدريِّ ﵄ بقَضيَّتِها لمَّا تُوفِّيَ عنها زَوجُها، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لها: «امكُثي فِي بَيتِك حتى يَبلُغَ الكِتابُ أجَلَه» (١) فأخَذَ به عُثمانُ ﵁. وأُهديَ له مَرةً صَيدٌ كانَ قد صِيدَ لأَجلِه، فهَمَّ بأكلِه، حتى أخبَرَه علِيٌّ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَدَّ لَحمًا أُهديَ له» (٢). وكذلك علِيٌّ ﵁ قالَ: «كُنْتُ إذا سمِعتُ من رَسولِ اللهِ ﷺ حَديثًا نفَعَني اللهُ بما شاءَ أنْ يَنفعَني منه، وإذا حدَّثَني غيرُه استَحلَفتُه، فإذا حلَفَ لي صَدَّقتُه وحَدَّثني أَبو بَكرٍ -وصدَقَ أَبو بَكرٍ- وذكَرَ حَديثَ صَلاةِ التَّوبةِ المَشهورَ» (٣). وأفتَى هو وابنُ عَباسٍ ﵄ وغيرُهما بأنَّ: «المُتوفَّى عنها إذا كانَت حامِلًا تَعتدُّ أبعَدَ الأجَلَينِ»، ولم يَكُنْ قد بلَغَتهم سُنةُ رَسولِ اللهِ

стр. 129

ﷺ في سُبَيعةَ الأَسلميةِ ﵂ (١) حيثُ أَفتاها النَّبيُّ ﷺ : «بأنَّ عِدَّتَها وَضعُ حَملِها» (٢). وأَفتى هو وزَيدٌ وابنُ عُمرَ وغيرُهم ﵃ بأنَّ المُفوَّضةَ: «إذا ماتَ عنها زَوجُها فلا مَهرَ لها» ولم تَكُنْ بلَغَتهم سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ في بَروعَ بِنتِ واشِقٍ ﵂ (٣). وهذا بابٌ واسِعٌ يَبلغُ المَنقولُ منه عن أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﵊ عَددًا كَثيرًا جِدًّا. وأمَّا المَنقولُ منه عن غيرِهم فلا يُمكِنُ الإِحاطةُ به، فإنَّه أُلوفٌ. فهؤلاء كانوا أعلَمَ الأُمةِ وأفقَهَها، وأَتقاها وأفضَلَها، فمَن بعدَهم أنقَصُ، فخَفاءُ بَعضِ السُّنةِ عليهم أوْلى، فلا يَحتاجُ ذلك إلى بَيانٍ. فمَن اعتقَدَ أنَّ كلَّ حَديثٍ صَحيحٍ قد بلَغَ كلَّ واحدٍ من الأئِمةِ، أو إِمامًا مُعيَّنًا، فهو مُخطئٌ خَطأً فاحِشًا قَبيحًا. ولا يَقولَنَّ قائِلٌ: إنَّ الأَحاديثَ قد دُوِّنت وجُمعَت، فخَفاؤُها والحالُ هذه بَعيدٌ، لأنَّ هذه الدَّواوينَ المَشهورةَ في السُّننِ إنَّما جُمعَت بعدَ انقِراضِ الأئِمةِ المَتبوعينَ ﵏.

стр. 130

ومع هذا لا يَجوزُ أنْ يُدَّعى انحِصارُ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ في دَواوينَ مُعيَّنةٍ. ثم لو فُرضَ انحِصارُ حَديثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فليسَ كلُّ ما في الكُتبِ يَعلمُه العالِمُ، ولا يَكادُ ذلك يَحصُلُ لأحدٍ، بل قد يَكونُ عندَ الرَّجلِ الدَّواوينُ الكَثيرةُ، وهو لا يُحيطُ بما فيها، بل الذين كانوا قبلَ جَمعِ هذه الدَّواوينِ كانوا أعلَمَ بالسُّنةِ من المُتأخِّرينَ بكَثيرٍ؛ لأنَّ كَثيرًا ممَّا بلَغَهم وصَحَّ عندَهم قد لا يَبلُغُنا إلا عن مَجهولٍ أو بإِسنادٍ مُنقطِعٍ، أو لا يَبلُغُنا بالكُلِّيةِ، فكانَت دَواوينُهم صُدورَهم التي تَحوي أَضعافَ ما في الدَّواوينِ، وهذا أمرٌ لا يَشكُّ فيه مَنْ علِمَ القَضيةَ. ولا يَقولَنَّ قائِلٌ بأنَّه مَنْ لم يَعرفِ الأَحاديثَ كلَّها لم يَكُنْ مُجتهِدًا؛ لأنَّه إنِ اشتُرِط في المُجتهدِ عِلمُه بجَميعِ ما قالَه النَّبيُّ ﷺ ، وفِعلُه فيما يَتعلَّقُ بالأَحكامِ، فليس في الأُمةِ مُجتهدٌ، وإنَّما غايةُ العالِمِ أنْ يَعلمَ جُمهورَ ذلك ومُعظَمَه بحيث لا يَخفَى عليه إلا القَليلُ من التَّفصيلِ، ثم إنَّه قد يُخالِفُ ذلك القَليلَ من التَّفصيلِ الذي يَبلُغُه. السَّببُ الثاني: أنْ يَكونَ الحَديثُ قد بلَغَه، لكنَّه لم يَثبُتْ عندَه. إمَّا لأنَّ مُحدِّثَه، أو مُحدِّثَ مُحدِّثِه، أو غيرَه من رِجالِ الإِسنادِ: مَجهولٌ عندَه، أو مُتَّهمٌ، أو سَيئُ الحِفظِ. وإمَّا لأنَّه لم يَبلُغْه مُسنَدًا، بل مُنقطِعًا، أو لم يُضبَطْ لَفظُ الحَديثِ، مع

стр. 131

أنَّ ذلك الحَديثَ قد رَواه الثِّقاتُ لغيرِه بإسنادٍ مُتَّصلٍ؛ بأنْ يَكونَ غيرُه يَعلمُ من المَجهولِ عندَه الثِّقةِ، أو يَكونَ قد رَواه غيرُ أُولئك المَجروحينَ عندَه، أو قد اتَّصلَ من غيرِ الجِهةِ المُنقطِعةِ. وقد ضبَطَ أَلفاظَ الحَديثِ بَعضُ المُحدِّثينَ الحُفاظِ، أو لتِلك الرِّوايةِ من الشَّواهدِ والمُتابَعاتِ ما يُبيِّنُ صِحَّتَها. وهذا أيضًا كَثيرٌ جِدًّا، وهو في التابِعينَ وتابِعيهم، إلى الأئِمةِ المَشهورينَ مِنْ بعدِهم أكثَرُ من العَصرِ الأولِ، أو كَثيرٌ من القِسمِ الأولِ. فإنَّ الأَحاديثَ كانَت قد انتَشرَت واشتُهِرت، لكنْ كانَت تَبلغُ كَثيرًا من العُلماءِ من طُرقٍ ضَعيفةٍ، وقد بلَغَت غيرَهم من طُرقٍ صَحيحةٍ غيرِ تلك الطُّرقِ، فتَكونُ حُجةً من هذا الوَجهِ، مع أنَّها لم تَبلُغْ مَنْ خالَفَها من هذا الوَجهِ. ولهذا وُجدَ في كَلامِ غيرِ واحِدٍ من الأئِمةِ تَعليقُ القَولِ بمُوجِبِ الحَديثِ على صِحتِه. فيَقولُ: «قَولي في هذه المَسألةِ كذا، وقد رُويَ فيها حَديثٌ بكَذا، فإنْ كانَ صَحيحًا فهو قَولي». السَّببُ الثالِثُ: اعتِقادُ ضَعفِ الحَديثِ باجتِهادٍ قد خالَفَه فيه غيرُه، مع قَطعِ النَّظرِ عن طَريقٍ آخَرَ، سَواءٌ كانَ الصَّوابُ معَه، أو مع غيرِه، أو معَهما عندَ مَنْ يَقولُ: «كلُّ مُجتهِدٍ مُصيبٌ».

стр. 132

ولذلك أَسبابٌ: منها: أنْ يَكونَ المُحدِّثُ بالحَديثِ يَعتقِدُه أحدُهما ضَعيفًا، ويَعتقِدُه الآخَرُ ثِقةً، ومَعرفةُ الرِّجالِ عِلمٌ واسِعٌ. ثم قد يَكونُ المُصيبُ مَنْ يَعتقِدُ ضَعفَه، لاطِّلاعِه على سَببٍ جارِحٍ. وقد يَكونُ الصَّوابُ مع الآخَرِ، لمَعرفتِه أنَّ ذلك السَّببَ غيرُ جارِحٍ، إمَّا لأنَّ جِنسَه غيرُ جارِحٍ، أو لأنَّه كانَ له فيه عُذرٌ يَمنعُ الجَرحَ، وهذا بابٌ واسِعٌ. وللعُلماءِ بالرِّجالِ وأَحوالِهم في ذلك من الإِجماعِ والاختِلافِ، مِثلُ ما لغيرِهم من سائِرِ أهلِ العِلمِ في عُلومِهم. ومنها: ألَّا يَعتقدَ أنَّ المُحدِّثَ سمِعَ الحَديثَ ممَّن حدَّثَ عنه، وغيرُه يَعتقدُ أنَّه سمِعَه، لأَسبابٍ تُوجِبُ ذلك مَعروفةٍ. ومنها: أنْ يَكونَ للمُحدِّثِ حالتانِ: حالةُ استِقامةٍ، وحالةُ اضطِرابٍ، مِثلَ أنْ يَختلِطَ، أو تَحتَرِقَ كُتبُه، فما حدَّثَ به في حالةِ الاستِقامةِ صَحيحٌ، وما حدَّثَ به في حالةِ الاضطِرابِ ضَعيفٌ، فلا يُدرَى ذلك الحَديثُ من أيِّ النَّوعَينِ؟ وقد علِمَ غيرُه أنَّه ممَّا حدَّثَ به في حالةِ الاستِقامةِ. ومنها: أنْ يَكونَ المُحدِّثُ قد نَسيَ ذلك الحَديثَ (١)، فلم يَذكُرْه فيما بعدُ، أو أنكَرَ أنْ يَكونَ حدَّثَه، مُعتقدًا أنَّ هذا عِلةٌ تُوجِبُ تَركَ الحَديثِ، ويَرى غيرُه أنَّ هذا ممَّا يَصحُّ الاستِدلالُ به والمَسألةُ مَعروفةٌ.

стр. 133

ومنها: أنَّ كَثيرًا من الحِجازيِّين يَرَوْن ألَّا يُحتَجَّ بحَديثِ عِراقيٍّ أو شامِيٍّ إنْ لم يَكُنْ له أصلٌ بالحِجازِ، حتى قالَ قائِلُهم: «نزِّلوا أَحاديثَ أهلِ العِراقِ بمَنزِلةِ أَحاديثِ أهلِ الكِتابِ لا تُصدِّقوهم ولا تُكذِّبوهم». وقيلَ لآخَرَ: سُفيانُ عن مَنصورٍ عن إِبراهيمَ عن عَلقمةَ عن عبدِ اللهِ حُجةٌ؟ قالَ: إنْ لم يَكُنْ له أصلٌ بالحِجازِ فلا. وهذا لاعتِقادِهم أنَّ أهلَ الحِجازِ ضَبَطوا السُّنةَ، فلم يَشذَّ عنهم منها شَيءٌ، وأنَّ أَحاديثَ العِراقيِّينَ وقَعَ فيها اضطِرابٌ أوجَبَ التَّوقُّفَ فيها. وبعضُ العِراقيِّينَ: يَرى ألَّا يُحتَجَّ بحَديثِ الشاميِّينَ، وإنْ كانَ أكثَرُ الناسِ على تَركِ التَّضعيفِ بهذا. فمَتى كانَ الإِسنادُ جَيِّدًا كانَ الحَديثُ حُجةً، سَواءٌ كانَ الحَديثُ حِجازيًّا أو عِراقيًّا أو شاميًّا، أو غيرَ ذلك. وقد صنَّفَ أبو داودَ السِّجستانِيُّ ﵀ كِتابًا في مَفاريدِ أهلِ الأَمصارِ من السُّننِ، يُبيِّنُ ما اختُصَّ به أهلُ كلِّ مَصرٍ من الأَمصارِ من السُّننِ التي لا تُوجَدُ مُسندةً عندَ غيرِهم، مِثلَ المَدينةِ، ومَكةَ، والطائِفِ، ودِمشقَ، وحِمصَ، والكُوفةِ، والبَصرةِ، وغيرِها إلى أَسبابٍ أُخرى غيرِ هذه. السَّببُ الرابِعُ: اشتِراطُه في خَبرِ الواحِدِ العَدلِ الحافِظِ شُروطًا يُخالِفُه فيها غيرُه. مِثلَ اشتِراطِ بعضِهم عَرضَ الحَديثِ على الكِتابِ والسُّنةِ.

стр. 134

ومِثلَ اشتِراطِ بعضِهم أنْ يَكونَ المُحدِّثُ فقيهًا إذا خالَفَ قياسَ الأُصولِ، ومِثلَ اشتِراطِ بَعضِهم انتِشارَ الحَديثِ وظُهورَه إذا كانَ فيما تَعمُّ به البَلوَى، إلى غيرِ ذلك، ممَّا هو مَعروفٌ في مَواضِعِه. السَّببُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ الحَديثُ قد بلَغَه وثبَتَ عندَه، لكنْ نَسيَه. وهذا يَرِدُ في الكِتابِ والسُّنةِ. مِثلَ الحَديثِ المَشهورِ عن عُمرَ ﵁ أنَّه: «سُئلَ عن الرَّجلِ يُجنِبُ في السَّفرِ فلا يَجدُ الماءَ؟ فقالَ: لا يُصلِّي حتى يَجدَ الماءَ، فقالَ له عَمارُ بنُ ياسِرٍ ﵁: يا أَميرَ المُؤمِنينَ أمَا تَذكُرُ إذْ كُنْتُ أنا وأنتَ في الإبِلِ فأجنَبْنا فأمَّا أنا فتَمرَّغتُ كما تَمرَّغُ الدَّابةُ، وأمَّا أنتَ فلم تُصلِّ، فذكَرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّما يَكفيكَ هكذا»، وضرَبَ بيَدَيه الأرضَ فمسَحَ بهما وَجهَه وكَفَّيه. فقالَ له عُمرُ: اتَّقِ اللهَ يا عَمارُ، فقالَ: إنْ شِئتَ لم أُحدِّثْ به. فقالَ: «بل نُولِّيكَ من ذلك ما تَولَّيتَ» (١). فهذه سُنةٌ شهِدَها عُمرُ ﵁ ثم نَسيَها، حتى أفتَى بخِلافِها، وذكَّرَه عَمارٌ ﵁ فلم يَذكُرْ. وهو لم يُكذِّبْ عَمارًا، بل أمَرَه أنْ يُحدِّثَ به. وأبلَغُ من هذا: أنَّه خطَبَ الناسَ فقالَ: «لا يَزيدُ رَجلٌ على صَداقِ أَزواجِ النَّبيِّ ﷺ وبَناتِه إلا رَددتُه»، فقالَت له امرَأةٌ: «يا أَميرَ المُؤمِنينَ، لِمَ

стр. 135

تَحرِمُنا شَيئًا أَعطانا اللهُ إياه؟» ثم قَرَأت: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا … ﴾ [النساء: ٢٠] (١) فرجَعَ عُمرُ إلى قَولِها، وقد كانَ حافِظًا للآيةِ، ولكنْ نَسيَها. وكذلك ما رُويَ أنَّ عليًّا ذكَّرَ الزُّبيرَ يَومَ الجَملِ شَيئًا عهِدَه إليهما رَسولُ اللهِ ﷺ فذَكَره، حتى انصرَفَ عن القِتالِ (٢) وهذا كَثيرٌ في السَّلفِ والخَلفِ. السَّببُ السادِسُ: عَدمُ مَعرفتِه بدِلالةِ الحَديثِ. تارةً لكَونِ اللَّفظِ الذي في الحَديثِ غَريبًا عندَه، مِثلَ لَفظِ: «المُزابَنةِ» (٣) و «المُحاقَلةِ» (٤) ..............................

стр. 136

و «المُخابَرةِ» (١) و «المُلامَسةِ» (٢) و «المُنابَذةِ» (٣) و «الغَررِ» (٤) إلى غيرِ ذلك من الكَلماتِ الغَريبةِ التي قد يَختلِفُ العُلماءُ في تَفسيرِها. وكالحَديثِ المَرفوعِ: «لا طَلاقَ ولا عِتاقَ في إِغلاقٍ» (٥)، فإنَّهم قد فسَّروا «الإِغلاقَ» بالإِكراهِ، ومَن يُخالِفُه لا يَعرفُ هذا التَّفسيرَ. وتارةً لكَونِ مَعناه في لُغتِه وعُرفِه غيرَ مَعناه في لُغةِ النَّبيِّ ﷺ وهو يَحمِلُه على ما يَفهمُه في لُغتِه، بِناءً على أنَّ الأَصلَ بَقاءُ اللُّغةِ. كما سمِعَ بَعضُهم آثارًا في الرُّخصةِ في «النَّبيذِ» فظَنُّوه بعضَ أَنواعِ المُسكِرِ، لأنَّه لُغتُهم، وإنَّما هو ما يُنبَذُ لتَحليةِ الماءِ قبلَ أنْ يَشتدَّ، فإنَّه جاءَ مُفسَّرًا في أَحاديثَ كَثيرةٍ صَحيحةٍ.

стр. 137

وسمِعوا لَفظَ «الخَمرِ» في الكِتابِ والسُّنةِ، فاعتَقَدوه عَصيرَ العِنبِ المُشتدِّ خاصَّةً، بِناءً على أنَّه كذلك في اللُّغةِ، وإنْ كانَ قد جاءَ من الأَحاديثِ أَحاديثُ صَحيحةٌ تُبيِّنُ أنَّ «الخَمرَ» اسمٌ لكلِّ شَرابٍ مُسكِرٍ (١). وتارةً: لكَونِ اللَّفظِ مُشتَرَكًا، أو مُجمَلًا، أو مُتردِّدًا بينَ حَقيقةٍ ومَجازٍ، فيَحملُه على الأَقربِ عندَه، وإنْ كانَ المُرادُ هو الآخَرَ. كما حمَلَ جَماعةٌ من الصَّحابةِ في أولِ الأمرِ الخَيطَ الأَبيَضَ والخَيطَ الأَسوَدَ على الحَبلِ (٢). كما حمَلَ آخَرونَ قَولَه تَعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] على اليَدِ إلى الإبطِ. وتارةً: لكَونِ الدِّلالةِ من النَّصِّ خَفيةً. فإنَّ جِهاتِ دِلالاتِ الأَقوالِ مُتَّسعةٌ جِدًّا، يَتفاوَتُ الناسُ في إِدراكِها، وفَهمِ وُجوهِ الكَلامِ، بحَسبِ مَنحِ الحَقِّ سُبحانَه ومَواهِبِه.

стр. 138

ثم قد يَعرِفُها الرَّجلُ من حيثُ العُمومُ، ولا يَتفطَّنُ لكَونِ هذا المَعنى داخِلًا في ذلك العامِّ. ثم قد يَتفطَّنُ له تارةً، ثم يَنساه بعدَ ذلك، وهذا بابٌ واسِعٌ جِدًّا لا يُحيطُ به إلا اللهُ. وقد يَغلَطُ الرَّجلُ، فيَفهَمُ من الكَلامِ ما لا تَحمِلُه اللُّغةُ العَربيةُ التي بُعثَ الرَّسولُ ﷺ بها. السَّببُ السابِعُ: اعتِقادُه أنَّه لا دِلالةَ في الحَديثِ. والفَرقُ بينَ هذا وبينَ الذي قبلَه، أنَّ الأولَ لم يَعرِفْ جِهةَ الدِّلالةِ، والثانيَ عرَفَ جِهةَ الدِّلالةِ، لكنِ اعتقَدَ أنَّها ليسَت دِلالةً صَحيحةً، بأنْ يَكونَ له من الأُصولِ ما يَردُّ تلك الدِّلالةَ، سَواءٌ كانَت في الأمرِ نَفسِه صَوابًا أو خَطأً. مِثلَ أنْ يَعتقدَ أنَّ العامَّ المَخصوصَ ليس بحُجةٍ، وأنَّ المَفهومَ ليس بحُجةٍ، وأنَّ العُمومَ الوارِدَ على سَببٍ مَقصورٌ على سَببِه، أو أنَّ الأمرَ المُجرَّدَ لا يَقتَضي الوُجوبَ، أو لا يَقتَضي الفَورَ، أو أنَّ المُعرَّفَ بالألِفِ واللَّامِ لا عُمومَ له، أو أنَّ الأَفعالَ المَنفيةَ، لا تَنفي ذَواتِها، ولا جَميعَ أَحكامِها، أو أنَّ المُقتَضى لا عُمومَ له، فلا يُدَّعى العُمومُ في المُضمَراتِ والمَعاني. إلى غيرِ ذلك ممَّا يَتسِعُ القَولُ فيه.

стр. 139

فإنَّ شَطرَ أُصولِ الفِقهِ تَدخلُ مَسائِلُ الخِلافِ منه في هذا القِسمِ، إنْ كانَت الأُصولُ المُجرَّدةُ لم تُحِطْ بجَميعِ الدِّلالاتِ المُختلَفِ فيها. وتَدخلُ فيه أَفرادُ أَجناسِ الدِّلالاتِ، هل هي من ذلك الجِنسِ أو لا؟ مِثلَ أنْ يَعتقدَ أنَّ هذا اللَّفظَ المُعيَّنَ مُجملٌ، بأنْ يَكونَ مُشتَرَكًا لا دِلالةَ تُعيِّنُ أحدَ مَعنَيَيه، أو غيرَ ذلك. السَّببُ الثامِنُ: اعتِقادُه أنَّ تلك الدِّلالةَ قد عارَضَها ما دَلَّ على أنَّها ليسَت مُرادةً. مِثلَ مُعارَضةِ العامِّ بخاصٍّ، أو المُطلَقِ بمُقيَّدٍ، أو الأَمرِ المُطلقِ بما يَنفي الوُجوبَ، أو الحَقيقةَ بما يَدلُّ على المَجازِ، إلى أَنواعِ المُعارَضاتِ، وهو بابٌ واسِعٌ أيضًا، فإنَّ تَعارضَ دِلالاتِ الأَقوالِ، وتَرجيحَ بعضِها على بعضٍ، بَحرٌ خِضَمٌّ. السَّببُ التاسِعُ: اعتِقادُه أنَّ الحَديثَ مُعارَضٌ بما يَدلُّ على ضَعفِه، أو نَسخِه، أو تَأويلِه إنْ كانَ قابِلًا للتَّأويلِ، بما يَصلحُ أنْ يَكونَ مُعارَضًا بالاتِّفاقِ، مِثلَ آيةٍ، أو حَديثٍ آخَرَ، أو مِثلَ إِجماعٍ. وهذانِ نَوعانِ: أحدُهما: أنْ يَعتقدَ أنَّ هذا المُعارِضَ راجِحٌ في الجُملةِ، فيَتعيَّنَ أحدُ الثَّلاثةِ من غيرِ تَعيينِ واحِدٍ منها. وتارةً: يُعيِّنُ أحدَها، بأنْ يَعتقدَ أنَّه مَنسوخٌ، أو أنَّه مُؤوَّلٌ.

стр. 140

ثم قد يَغلَطُ في النَّسخِ، فيَعتقدَ المُتأخرَ مُتقدِّمًا. وقد يَغلَطُ في التَّأويلِ، بأنْ يَحملَ الحَديثَ على ما لا يَحتمِلُه لَفظُه، أو أنَّ هناك ما يَدفعُه. وإذا عارَضَه من حيث الجُملةُ، فقد لا يَكونُ ذلك المُعارِضُ دالًّا، وقد لا يَكونُ الحَديثُ المُعارِضُ في قُوةِ الأولِ إِسنادًا أو مَتنًا. وتَجيءُ هنا الأَسبابُ المُتقدِّمةُ، وغيرُها في الحَديثِ الأولِ. والإِجماعُ المُدَّعى في الغالِبِ إنَّما هو عَدمُ العِلمِ بالمُخالِفِ. وقد وجَدْنا من أَعيانِ العُلماءِ مَنْ صاروا إلى القَولِ بأَشياءَ، مُتمسَّكُهم فيها عَدمُ العِلمِ بالمُخالِفِ. مع أنَّ ظاهِرَ الأدِلةِ عندَهم يَقتَضي خِلافَ ذلك. لكنْ لا يُمكنُ للعالِمِ أنْ يَبتدئَ قَولًا لم يَعلَمْ به قائِلًا مع عِلمِه بأنَّ الناسَ قد قالوا خِلافَه، حتى إنَّ منهم مَنْ يُعلِّقُ القَولَ، فيَقولُ: «إنْ كانَ في المَسألةِ إِجماعٌ فهو أحقُّ ما يُتَّبعُ، وإلا فالقَولُ عِندي كذا وكذا». مِثلَ مَنْ يَقولُ: «لا أَعلمُ أَحدًا أجازَ شَهادةَ العَبدِ» وقَبولُها مَحفوظٌ عن علِيٍّ، وأنَسٍ، وشُرَيحٍ وغيرِهم ﵃، يَقولُ آخَرُ: «أجمَعوا على أنَّ المُعتَقَ بَعضُه لا يَرِثُ» وتَوريثُه مَحفوظٌ عن علِيٍّ، وابنِ مَسعودٍ ﵄ وفيه حَديثٌ حَسنٌ عن النَّبيِّ ﷺ (١).

стр. 141

ويَقولُ آخَرُ: «لا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ» وإيجابُها مَحفوظٌ عن أبي جَعفرٍ الباقِرِ (١). وذلك أنَّ غايةَ كَثيرٍ من العُلماءِ أنْ يَعلمَ قَولَ أهلِ العِلمِ الذين أدرَكَهم في بِلادِه، فهو لا يَعلمُ أَقوالَ جَماعاتٍ غيرِهم. كما تَجدُ كَثيرًا من المُتقدِّمينَ لا يَعلمُ إلا قَولَ المَدنيِّينَ والكُوفيِّينَ، وتَجدُ كَثيرًا من المُتأخِّرينَ لا يَعلمُ إلا قَولَ اثنَينِ، أو ثَلاثةٍ من الأئِمةِ المَتبوعينَ وما خرَجَ عن ذلك فإنَّه عندَه يُخالِفُ الإِجماعَ، لأنَّه لا يَعلمُ به قائِلًا، وما زالَ يَقرعُ سَمعَه خِلافُه. فهذا لا يُمكنُه أنْ يَصيرَ إلى حَديثٍ يُخالِفُ هذا، لخَوفِه أنْ يَكونَ هذا خِلافًا للإِجماعِ، أو لاعتِقادِه أنَّه مُخالِفٌ للإِجماعِ، والإِجماعُ أعظَمُ الحُججِ. وهذا عُذرُ كَثيرٍ من الناسِ في كَثيرٍ ممَّا يَتركونَه، وبعضُهم مَعذورٌ فيه حَقيقةً، وبعضُهم مَعذورٌ فيه، وليس في الحَقيقةِ بمَعذورٍ. وكذلك كَثيرٌ من الأَسبابِ قبلَه وبعدَه.

стр. 142

السَّببُ العاشِرُ: مُعارَضتُه بما يَدلُّ على ضَعفِه، أو نَسخِه، أو تَأويلِهٍ، ممَّا لا يَعتقدُه غيرُه أو جِنسُه مُعارِضًا، أو لا يَكونُ في الحَقيقةِ مُعارِضًا راجِحًا. كمُعارضةِ كَثيرٍ من الكُوفيِّينَ الحَديثَ الصَّحيحَ بظاهِرِ القُرآنِ، واعتِقادِهم أنَّ ظاهِرَ القُرآنِ من العُمومِ ونَحوِه مُقدَّمٌ على نَصِّ الحَديثِ. ثم قد يَعتقدُ ما ليسَ بظاهِرٍ ظاهِرًا، لمَا في دِلالاتِ القَولِ من الوُجوهِ الكَثيرةِ. ولهذا رَدُّوا حَديثَ: «الشاهِدِ واليَمينِ» (١) وإنْ كانَ غيرُهم يَعلمُ أنَّه ليسَ في ظاهِرِ القُرآنِ ما يَمنعُ الحُكمَ بشاهِدٍ ويَمينٍ، ولو كانَ فيه ذلك فالسُّنةُ هي المُفسِّرةُ للقُرآنِ عندَهم. وللشافِعيِّ في هذه القاعِدةِ كَلامٌ مَعروفٌ (٢) ولأَحمدَ فيها رِسالتُه

стр. 143

المَشهورةُ في الرَّدِّ على مَنْ يَزعمُ الاستِغناءَ بظاهِرِ القُرآنِ عن تَفسيرِه بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . وقد أورَدَ فيها مِنْ الدَّلائلِ ما يَضيقُ هذا المَوضعُ عن ذِكرِه. ومِن ذلك دَفعُ الخَبَرِ الذي فيه تَخصيصٌ لعُمومِ الكِتابِ، أو تَقييدٌ لمُطلَقِه، أو فيه زيادةٌ عليه، واعتِقادُ مَنْ يَقولُ ذلك أنَّ الزِّيادةَ على النَّصِّ -كتَقييدِ المُطلَقِ- نَسخٌ، وأنَّ تَخصيصَ العامِّ نَسخٌ. وكمُعارضةِ طائِفةٍ من المَدنيِّينَ الحَديثَ الصَّحيحَ بعَملِ أهلِ المَدينةِ، بِناءً على أنَّهم مُجمِعونَ على مُخالفةِ الخَبَرِ، وأنَّ إِجماعَهم حُجةٌ مُقدَّمةٌ على الخَبَرِ. كمُخالفةِ أَحاديثِ «خِيارِ المَجلِسِ» (١) بِناءً على هذا الأَصلِ. وإنْ كانَ أكثَرُ الناسِ قد يُثبِتونَ: أنَّ المَدنيِّينَ قد اختَلَفوا في تلك المَسألةِ، وأنَّهم لو أَجمَعوا وخالَفَهم غيرُهم، لكانَت الحُجةُ في الخَبَرِ (٢).

стр. 144

وكمُعارَضةِ قَومٍ من البَلدَينِ بَعضَ الأَحاديثِ بالقياسِ الجَليِّ، بِناءً على أنَّ القَواعدَ الكُليةَ لا تُنقضُ بمِثلِ هذا الخَبَرِ. إلى غيرِ ذلك من أَنواعِ المُعارضاتِ، سَواءٌ كانَ المُعارِضُ مُصيبًا أو مُخطِئًا. فهذه الأَسبابُ العَشرةُ ظاهِرةٌ. وفي كَثيرٍ من الأَحاديثِ يَجوزُ أنْ يَكونَ للعالِمِ حُجةٌ في تَركِ العَملِ بالحَديثِ لم نَطَّلعْ نحن عليها، فإنَّ مَدارِكَ العِلمِ واسِعةٌ، ولم نَطَّلعْ نحن على جَميعِ ما في بَواطِنِ العُلماءِ. والعالِمُ قد يُبدي حُجَّتَه، وقد لا يُبديها، وإذا أَبداها فقد تَبلُغُنا وقد لا تَبلُغُنا، فإذا بلَغَتنا فقد نُدركُ مَوضعَ احتِجاجِه، وقد لا نُدركُه، سَواءٌ كانَت الحُجةُ صَوابًا في الأمرِ نَفسِه أو لا. لكنْ نحن -وإنْ جَوَّزنا هذا- لا يَجوزُ لنا أنْ نَعدِلَ عن قَولٍ ظهَرَت حُجتُه بحَديثٍ صَحيحٍ وافَقَه طائِفةٌ من أهلِ العِلمِ، إلى قَولٍ آخَرَ قالَه عالِمٌ يَجوزُ أنْ يَكونَ معه ما يَدفعُ به هذه الحُجةَ، وإنْ كانَ أعلَمَ. إذْ تَطرُّقُ الخَطأِ إلى آراءِ العُلماءِ أكثَرُ من تَطرُّقِه إلى الأدِلةِ الشَّرعيةِ. فإنَّ الأدِلةَ الشَّرعيةَ حُجةُ اللهِ على جَميعِ عِبادِه، بخِلافِ رَأيِ العالِمِ. والدَّليلُ الشَّرعيُّ يَمتنِعُ أنْ يَكونَ خَطأً إذا لم يُعارِضْه دَليلٌ آخَرُ، ورأيُ العالِمِ ليسَ كذلك.

стр. 145

ولو كانَ العَملُ بهذا التَّجويزِ جائِزًا، لمَا بقِيَ في أَيدينا شَيءٌ من الأدِلةِ التي يَجوزُ فيها مِثلُ هذا. لكنَّ الغَرضَ أنَّه في نَفسِه قد يَكونُ مَعذورًا في تَركِه له، ونحن مَعذورونَ في تَركِنا لهذا التَّركِ. وقد قالَ اللهُ : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ … ﴾ [البقرة: ١٣٤] الآيةَ. وقالَ اللهُ سُبحانَه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وليسَ لأحدٍ أنْ يُعارِضَ الحَديثَ الصَّحيحَ عن النَّبيِّ ﷺ بقَولِ أحدٍ من الناسِ، كما قالَ ابنُ عَباسٍ ﵄ لرَجلٍ سألَه عن مَسألةٍ، فأَجابَه فيها بحَديثٍ، فقالَ له: قالَ أبو بَكرٍ وعُمرُ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: «يُوشكُ أنْ تَنزلَ عليكم حِجارةٌ من السَّماءِ، أَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، وتَقولونَ: قالَ أَبو بَكرٍ وعُمرُ؟!». وإذا كانَ التَّركُ يَكونُ لبَعضِ هذه الأَسبابِ، فإذا جاءَ حَديثٌ صَحيحٌ فيه تَحليلٌ، أو تَحريمٌ، أو حُكمٌ، فلا يَجوزُ أنْ يُعتقدَ أنَّ التارِكَ له من العُلماءِ الذين وَصَفنا أَسبابَ تَركِهم، يُعاقَبُ لكَونِه حلَّلَ الحَرامَ أو حرَّمَ الحَلالَ، أو حكَمَ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ. وكذلك إنْ كانَ في الحَديثِ وَعيدٌ على فِعلٍ، من لَعنةٍ، أو غَضبٍ، أو عَذابٍ، أو نَحوِ ذلك، فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذلك العالِمَ الذي أَباحَ هذا أو فعَلَه داخِلٌ في هذا الوَعيدِ.
следующие страницы →