← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويَقولُ آخَرُ: «لا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ» وإيجابُها مَحفوظٌ عن أبي جَعفرٍ الباقِرِ (١). وذلك أنَّ غايةَ كَثيرٍ من العُلماءِ أنْ يَعلمَ قَولَ أهلِ العِلمِ الذين أدرَكَهم في بِلادِه، فهو لا يَعلمُ أَقوالَ جَماعاتٍ غيرِهم. كما تَجدُ كَثيرًا من المُتقدِّمينَ لا يَعلمُ إلا قَولَ المَدنيِّينَ والكُوفيِّينَ، وتَجدُ كَثيرًا من المُتأخِّرينَ لا يَعلمُ إلا قَولَ اثنَينِ، أو ثَلاثةٍ من الأئِمةِ المَتبوعينَ وما خرَجَ عن ذلك فإنَّه عندَه يُخالِفُ الإِجماعَ، لأنَّه لا يَعلمُ به قائِلًا، وما زالَ يَقرعُ سَمعَه خِلافُه. فهذا لا يُمكنُه أنْ يَصيرَ إلى حَديثٍ يُخالِفُ هذا، لخَوفِه أنْ يَكونَ هذا خِلافًا للإِجماعِ، أو لاعتِقادِه أنَّه مُخالِفٌ للإِجماعِ، والإِجماعُ أعظَمُ الحُججِ. وهذا عُذرُ كَثيرٍ من الناسِ في كَثيرٍ ممَّا يَتركونَه، وبعضُهم مَعذورٌ فيه حَقيقةً، وبعضُهم مَعذورٌ فيه، وليس في الحَقيقةِ بمَعذورٍ. وكذلك كَثيرٌ من الأَسبابِ قبلَه وبعدَه.

стр. 142

السَّببُ العاشِرُ: مُعارَضتُه بما يَدلُّ على ضَعفِه، أو نَسخِه، أو تَأويلِهٍ، ممَّا لا يَعتقدُه غيرُه أو جِنسُه مُعارِضًا، أو لا يَكونُ في الحَقيقةِ مُعارِضًا راجِحًا. كمُعارضةِ كَثيرٍ من الكُوفيِّينَ الحَديثَ الصَّحيحَ بظاهِرِ القُرآنِ، واعتِقادِهم أنَّ ظاهِرَ القُرآنِ من العُمومِ ونَحوِه مُقدَّمٌ على نَصِّ الحَديثِ. ثم قد يَعتقدُ ما ليسَ بظاهِرٍ ظاهِرًا، لمَا في دِلالاتِ القَولِ من الوُجوهِ الكَثيرةِ. ولهذا رَدُّوا حَديثَ: «الشاهِدِ واليَمينِ» (١) وإنْ كانَ غيرُهم يَعلمُ أنَّه ليسَ في ظاهِرِ القُرآنِ ما يَمنعُ الحُكمَ بشاهِدٍ ويَمينٍ، ولو كانَ فيه ذلك فالسُّنةُ هي المُفسِّرةُ للقُرآنِ عندَهم. وللشافِعيِّ في هذه القاعِدةِ كَلامٌ مَعروفٌ (٢) ولأَحمدَ فيها رِسالتُه

стр. 143

المَشهورةُ في الرَّدِّ على مَنْ يَزعمُ الاستِغناءَ بظاهِرِ القُرآنِ عن تَفسيرِه بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . وقد أورَدَ فيها مِنْ الدَّلائلِ ما يَضيقُ هذا المَوضعُ عن ذِكرِه. ومِن ذلك دَفعُ الخَبَرِ الذي فيه تَخصيصٌ لعُمومِ الكِتابِ، أو تَقييدٌ لمُطلَقِه، أو فيه زيادةٌ عليه، واعتِقادُ مَنْ يَقولُ ذلك أنَّ الزِّيادةَ على النَّصِّ -كتَقييدِ المُطلَقِ- نَسخٌ، وأنَّ تَخصيصَ العامِّ نَسخٌ. وكمُعارضةِ طائِفةٍ من المَدنيِّينَ الحَديثَ الصَّحيحَ بعَملِ أهلِ المَدينةِ، بِناءً على أنَّهم مُجمِعونَ على مُخالفةِ الخَبَرِ، وأنَّ إِجماعَهم حُجةٌ مُقدَّمةٌ على الخَبَرِ. كمُخالفةِ أَحاديثِ «خِيارِ المَجلِسِ» (١) بِناءً على هذا الأَصلِ. وإنْ كانَ أكثَرُ الناسِ قد يُثبِتونَ: أنَّ المَدنيِّينَ قد اختَلَفوا في تلك المَسألةِ، وأنَّهم لو أَجمَعوا وخالَفَهم غيرُهم، لكانَت الحُجةُ في الخَبَرِ (٢).

стр. 144

وكمُعارَضةِ قَومٍ من البَلدَينِ بَعضَ الأَحاديثِ بالقياسِ الجَليِّ، بِناءً على أنَّ القَواعدَ الكُليةَ لا تُنقضُ بمِثلِ هذا الخَبَرِ. إلى غيرِ ذلك من أَنواعِ المُعارضاتِ، سَواءٌ كانَ المُعارِضُ مُصيبًا أو مُخطِئًا. فهذه الأَسبابُ العَشرةُ ظاهِرةٌ. وفي كَثيرٍ من الأَحاديثِ يَجوزُ أنْ يَكونَ للعالِمِ حُجةٌ في تَركِ العَملِ بالحَديثِ لم نَطَّلعْ نحن عليها، فإنَّ مَدارِكَ العِلمِ واسِعةٌ، ولم نَطَّلعْ نحن على جَميعِ ما في بَواطِنِ العُلماءِ. والعالِمُ قد يُبدي حُجَّتَه، وقد لا يُبديها، وإذا أَبداها فقد تَبلُغُنا وقد لا تَبلُغُنا، فإذا بلَغَتنا فقد نُدركُ مَوضعَ احتِجاجِه، وقد لا نُدركُه، سَواءٌ كانَت الحُجةُ صَوابًا في الأمرِ نَفسِه أو لا. لكنْ نحن -وإنْ جَوَّزنا هذا- لا يَجوزُ لنا أنْ نَعدِلَ عن قَولٍ ظهَرَت حُجتُه بحَديثٍ صَحيحٍ وافَقَه طائِفةٌ من أهلِ العِلمِ، إلى قَولٍ آخَرَ قالَه عالِمٌ يَجوزُ أنْ يَكونَ معه ما يَدفعُ به هذه الحُجةَ، وإنْ كانَ أعلَمَ. إذْ تَطرُّقُ الخَطأِ إلى آراءِ العُلماءِ أكثَرُ من تَطرُّقِه إلى الأدِلةِ الشَّرعيةِ. فإنَّ الأدِلةَ الشَّرعيةَ حُجةُ اللهِ على جَميعِ عِبادِه، بخِلافِ رَأيِ العالِمِ. والدَّليلُ الشَّرعيُّ يَمتنِعُ أنْ يَكونَ خَطأً إذا لم يُعارِضْه دَليلٌ آخَرُ، ورأيُ العالِمِ ليسَ كذلك.

стр. 145

ولو كانَ العَملُ بهذا التَّجويزِ جائِزًا، لمَا بقِيَ في أَيدينا شَيءٌ من الأدِلةِ التي يَجوزُ فيها مِثلُ هذا. لكنَّ الغَرضَ أنَّه في نَفسِه قد يَكونُ مَعذورًا في تَركِه له، ونحن مَعذورونَ في تَركِنا لهذا التَّركِ. وقد قالَ اللهُ : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ … ﴾ [البقرة: ١٣٤] الآيةَ. وقالَ اللهُ سُبحانَه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وليسَ لأحدٍ أنْ يُعارِضَ الحَديثَ الصَّحيحَ عن النَّبيِّ ﷺ بقَولِ أحدٍ من الناسِ، كما قالَ ابنُ عَباسٍ ﵄ لرَجلٍ سألَه عن مَسألةٍ، فأَجابَه فيها بحَديثٍ، فقالَ له: قالَ أبو بَكرٍ وعُمرُ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: «يُوشكُ أنْ تَنزلَ عليكم حِجارةٌ من السَّماءِ، أَقولُ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، وتَقولونَ: قالَ أَبو بَكرٍ وعُمرُ؟!». وإذا كانَ التَّركُ يَكونُ لبَعضِ هذه الأَسبابِ، فإذا جاءَ حَديثٌ صَحيحٌ فيه تَحليلٌ، أو تَحريمٌ، أو حُكمٌ، فلا يَجوزُ أنْ يُعتقدَ أنَّ التارِكَ له من العُلماءِ الذين وَصَفنا أَسبابَ تَركِهم، يُعاقَبُ لكَونِه حلَّلَ الحَرامَ أو حرَّمَ الحَلالَ، أو حكَمَ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ. وكذلك إنْ كانَ في الحَديثِ وَعيدٌ على فِعلٍ، من لَعنةٍ، أو غَضبٍ، أو عَذابٍ، أو نَحوِ ذلك، فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذلك العالِمَ الذي أَباحَ هذا أو فعَلَه داخِلٌ في هذا الوَعيدِ.

стр. 146

وهذا ممَّا لا نَعلمُ بينَ الأُمةِ فيه خِلافًا، إلا شَيئًا يُحكَى عن بعضِ مُعتزلةِ بَغدادَ، مِثلَ المَريسيِّ (١) وأَضرابِه، أنَّهم زعَموا أنَّ المُخطئَ من المُجتهِدينَ يُعاقَبُ على خَطئِه. وهذا لأنَّ لُحوقَ الوَعيدِ، لمَن فعَلَ المُحرَّمَ مَشروطٌ بعِلمِه بالتَّحريمِ، أو بتَمكُّنِه من العِلمِ بالتَّحريمِ. فإنَّ مَنْ نشَأَ ببادِيةٍ، أو كانَ حَديثَ عَهدٍ بإِسلامٍ، وفعَلَ شَيئًا من المُحرَّماتِ غيرُ عالِمٍ بتَحريمِها، لم يأثَمْ، ولم يُحَدْ، وإنْ لم يَستنِدْ في استِحلالِه إلى دَليلٍ شَرعيٍّ. فمَن لم يَبلُغْه الحَديثُ المُحرِّمُ، واستنَدَ في الإِباحةِ إلى دَليلٍ شَرعيٍّ أوْلى أنْ يَكونَ مَعذورًا. ولهذا كانَ هذا مَأجورًا مَحمودًا، لأَجلِ اجتِهادِه، قالَ اللهُ سُبحانَه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فاختَصَّ سُليمانَ بالفَهمِ، وأثْنَى عليهما بالحُكمِ والعِلمِ.

стр. 147

وفي الصَّحيحَينِ: عن عَمرِو بنِ العاصِ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأَصابَ فله أَجرانِ وإذا اجتهَدَ فأخطَأَ فله أجرٌ». فتَبيَّنَ أنَّ المُجتهدَ، مع خَطئِه، له أجرٌ، وذلك لأَجلِ اجتِهادِه، وخَطؤُه مَغفورٌ له، لأنَّ إِدراكَ الصَّوابِ في جَميعِ أَعيانِ الأَحكامِ إمَّا مُتعذَّرٌ، وإمَّا مُتعسِّرٌ. وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفي الصَّحيحَينِ: عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه قالَ لأَصحابِه عامَ الخَندقِ: «لا يُصلِّيَنَّ أحدٌ العَصرَ إلا في بَني قُرَيظةَ»، فأدرَكَتهم صَلاةُ العَصرِ في الطَّريقِ فقالَ بعضُهم: لا نُصلِّي إلا في بَني قُرَيظةَ، وقالَ بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا هذا؛ فصَلَّوْا في الطَّريقِ. فلم يَعِبْ واحِدةً من الطائِفتَينِ» (١). فالأوَّلونَ: تَمسَّكوا بعُمومِ الخِطابِ، فجَعَلوا صُورةَ الفَواتِ داخِلةً في العُمومِ. والآخَرونَ: كانَ معهم من الدَّليلِ ما يُوجِبُ خُروجَ هذه الصُّورةِ عن العُمومِ، فإنَّ المَقصودَ: المُبادرةُ إلى القَومِ. وهي مَسألةٌ اختَلفَ فيها الفُقهاءُ اختِلافًا مَشهورًا: هل يُخصُّ العُمومُ بالقياسِ؟ ومع هذا فالذين صَلَّوْا في الطَّريقِ كانوا أصوَبَ فِعلًا. وكذلك بِلالٌ ﵁ لمَّا باعَ الصاعَينِ من التَّمرِ بالصاعِ، أمَرَه النَّبيُّ ﷺ

стр. 148

برَدِّه (١)، ولم يُرتِّبْ على ذلك حُكمَ آكِلِ الرِّبا، من التَّفسيقِ، واللَّعنِ، والتَّغليظِ لعَدمِ عِلمِه بالتَّحريمِ. وكذلك عَديُّ بنُ حاتِمٍ وجَماعةٌ من الصَّحابةِ ﵃ لمَّا اعتَقَدوا أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مَعناه: الحِبالُ البِيضُ والسُّودُ، فكانَ أحدُهم يَجعلُ عندَ وِسادَتِه عِقالَينِ أبيَضَ وأسوَدَ، ويَأكُلُ حتى يَتبيَّنَ أحدُهما من الآخَرِ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ لعَديٍّ: «إنَّ وِسادَكَ إذًا لعَريضٌ إنَّما هو بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيلِ» (٢). فأشارَ إلى عَدمِ فِقهِه لمَعنى الكَلامِ، ولم يُرتِّبْ على هذا الفِعلِ ذَمَّ مَنْ أفطَرَ في رَمضانَ، وإنْ كانَ مِنْ أعظَمِ الكَبائرِ. بخِلافِ الذين أفتَوْا المَشجوجَ في البَردِ بوُجوبِ الغُسلِ، فاغتسَلَ فماتَ، فإنَّه ﷺ قالَ: «قَتَلوه قتَلَهم اللهُ، هلَّا سألوا إذا لم يَعلَموا؟ إنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» (٣).

стр. 149

فإنَّ هؤلاء أَخطؤُوا بغيرِ اجتِهادٍ، إذْ لم يَكونوا من أهلِ العِلمِ. وكذلك لم يُوجِبْ على أُسامةَ بنِ زَيدٍ قَوَدًا ولا دِيةً، ولا كَفارةً، لمَّا قتَلَ الذي قالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ»، في غَزوةِ الحُرَقاتِ (١) (٢). فإنَّه كانَ مُعتقِدًا جَوازَ قَتلِه، بِناءً على أنَّ هذا الإِسلامَ ليسَ بصَحيحٍ، مع أنَّ قَتلَه حَرامٌ. وعمِلَ بذلك السَّلفُ، وجُمهورُ الفُقهاءِ، في أنَّ ما استَباحَه أهلُ البَغيِ من دِماءِ أهلِ العَدلِ بتَأويلٍ سائِغٍ، لم يُضمَنْ بقَوَدٍ ولا دِيةٍ ولا كَفارةٍ، وإنْ كانَ قَتلُهم وقِتالُهم مُحرمًا. وهذا الشَّرطُ الذي ذكَرناه في لُحوقِ الوَعيدِ، لا يَحتاجُ أنْ يُذكَرَ في كلِّ خِطابٍ، لاستِقرارِ العِلمِ به في القُلوبِ.

стр. 150

كما أنَّ الوَعدَ على العَملِ مَشروطٌ بإِخلاصِ العَملِ للهِ، وبعَدمِ حُبوطِ العَملِ بالرِّدةِ. ثم إنَّ هذا الشَّرطَ لا يُذكَرُ في كلِّ حَديثٍ فيه وَعدٌ. ثم حيث قُدِّرَ قيامُ المُوجِبِ للوَعيدِ، فإنَّ الحُكمَ يَختلِفُ عنه لمانِعٍ. إلى آخِرِ كَلامِه ﵀ تَعالى.

стр. 151

مَلحوظات على اختِلافِ الفُقهاءِ بعدَ عَرضِنا لأَسبابِ اختِلافِ الفُقهاءِ نَلحَظُ الأُمورَ الآتيةَ: أولًا: أنَّ اختِلافَهم ﵏ لم يَكنْ ناشِئًا عن هَوًى في نُفوسِهم أو لتَحقيقِ رَغباتٍ شَخصيةٍ، أو مَنافعَ ماديةٍ، وإنَّما كانَ ناشِئًا عن دَليلٍ استنَدَ إليه كلٌّ منهم فيما ذهَبَ إليه، أو بِناءً على فَهمٍ مُعيَّنٍ اقتنَعَ به كلٌّ منهم، واعتمَدَ عليه، ما دام هذا الفَهمُ لا يَتعارضُ مع كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنةِ نَبيِّه ﷺ وما اجتمَعَت عليه الأُمةُ. وهذا ما يَلحَظُه كلُّ قارِئٍ لأَسبابِ اختِلافِهم. ثانيًا: أنَّ الاختِلافَ في ذاتِه ليسَ عَيبًا إذا كانَ قائِمًا على دَليلٍ وفَهمٍ صَحيحٍ، فقد اختَلفَ الصَّحابةُ ﵃ في كَثيرٍ من اجتِهادِهم مع قُربِهم من زَمنِ النُّبوةِ ونُزولِ الوَحيِ على مُحمدٍ ﷺ ، الذي فتَحَ لهم البابَ للاختِلافِ وتَعدُّدِ الآراءِ، بل عد اختِلافَ الأُمةِ رَحمةً من اللهِ تَعالى. ومَظهرُ الرَّحمةِ في الاختِلافِ هو وُجودُ أكثَرَ من رَأيٍ في المَسألةِ، وأكثَرَ من حَلٍّ للقَضيةِ الواحِدةِ فيَتخيَّرُ المُسلمُ أو وَليُّ الأمرِ منها ما يُحقِّقُ

стр. 152

مَصلحةً أكثَرَ من غيرِه وما يَكونُ أقرَبَ إلى كِتابِ اللهِ تَعالى وسُنةِ نَبيِّه ﷺ وما أجمَعَت عليه الأُمةُ. وقد قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ ﵀: لقد وسَّعَ اللهُ على الناسِ باختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ ﷺ ، أيَّ ذلك أخَذتُ لم يَكُنْ في نَفسي منه شَيءٌ (١). وقالَ عُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ ﵀: ما أُحبُّ أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ ﷺ لم يَختلِفوا؛ لأنَّه لو كانَ قَولًا واحِدًا كانَ الناسُ في ضِيقٍ، وإنَّهم أئِمةٌ يُقتَدى بهم، وإذا أخَذَ الرَّجلُ بقَولِ أحدِهم كانَ في سَعةٍ (٢). ثالثًا: أنَّ الفُقهاءَ وأئِمةَ المَذاهبِ حين يَختلِفونَ في قَضيةٍ أو مَسألةٍ مُعيَّنةٍ ويَكونُ لكلٍّ منهم رأيُه الخاصُّ به لم يَكونوا يَتعصَّبونَ لآرائِهم، بل وكانوا يُحذِّرونَ تَلاميذَهم من التَّعصُّبِ لآرائِهم أو تَقديسِ أَقوالِهم فقد رُويَ عن الإِمامِ أبي حَنيفةَ قَولُه: «رَأيُنا صَوابٌ يَحتملُ الخَطأَ، ورَأيُ غيرِنا خَطأٌ يَحتملُ الصَّوابَ» كما رُويَ عن الإِمامِ مالِكٍ قَولُه: «كلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قَولِه ويُردُّ إلا قَولَ صاحِبِ هذه الرَّوضةِ» يَقصدُ الرَّسولَ ﷺ . ورُويَ عن الإِمامِ الشافِعيِّ قَولُه: «إذا صَحَّ الحَديثُ فاضرِبوا بقَولي عُرضَ الحائِطِ» أي: جانِبَه.

стр. 153

ورُويَ عن الإِمامِ أَحمدَ قَولُه: «هذا كِتابُ اللهِ وهذه سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا مَقالَ لأحدٍ بعدَ اللهِ ورَسولِه». وجاءَ في كِتابِ «حُجة اللهِ البالِغة» للدَّهلَويِّ نَقلًا عن الإِمامِ السُّيوطيِّ: أنَّ الخَليفةَ المَنصورَ لمَّا حَجَّ والتَقى مع الإِمامِ مالِكٍ قالَ له: عزَمتُ أنْ آمُرَ بكُتبِك هذه التي صنَّفتَها فتُنسَخَ ثم أبعَثَ في كلِّ مَصرٍ من أَمصارِ المُسلِمينَ منها نُسخةً، وآمُرَهم بأنْ يَعمَلوا بما فيها ولا يَتعدَّوْه إلى غيرِه، فقالَ مالِكٌ: يا أَميرَ المُؤمنينَ لا تَفعَلْ هذا، فإنَّ الناسَ قد سبَقَت إليهم أَقاويلُ وسمِعوا الحَديثَ ورَوَوْا رِواياتٍ فأخَذَ كلُّ قَومٍ بما سبَقَ إليهم من اختِلافِ الناسِ، فدَعِ الناسَ وما اختارَ كلُّ بَلدٍ منهم لأنفُسِهم. وقيلَ: إنَّ الذي فعَلَ ذلك مع الإمامِ مالِكٍ هو هارونُ الرَّشيدُ، وشاوَرَ مالِكًا في أنْ يُعلِّقَ كِتابَ المُوطَّأِ في الكَعبةِ ويَحملَ الناسَ على العَملِ بما فيه، فرفَضَ مالِكٌ ذلك، ورُبَّما يَكونُ هذا الأمرُ قد حدَثَ مَرتَينِ: مَرةً من الخَليفةِ المَنصورِ ومَرةً أُخرى من الخَليفةِ هارونَ الرَّشيدِ (١). وأيًّا كانَ الذي فعَلَ ذلك وطلَبَه من الإمامِ مالِكٍ فهو يَدلُّ على تَواضُعِ مالِكٍ وعَدمِ تَعصُّبِه لآرائِه وتَقديرِه لآراءِ غيرِه من الفُقهاءِ حتى إنِ اختَلفَ مع آرائِه.

стр. 154

وهكذا كانَ مَسلكُ الفُقهاءِ والأئِمةِ من السَّلفِ الصالِحِ ﵃ عندَما كانوا يَختلِفونَ في حُكمِ القَضايا والمَسائلِ الاجتِهاديةِ يُقدِّرُ بعضُهم بعضًا ولا يَتعصَّبونَ لآرائِهم، بل يَعمَلونَ بما اتَّفَقوا عليه، ويَعذِرُ بعضُهم بعضًا فيما اختَلَفوا فيه. يَقولُ الدُّكتورُ البيانونِيُّ في كِتابِه القَيِّمِ «الاختِلافات العِلمية»: قد اقتَضَت حِكمةُ الشارِعِ أنْ يَأتِيَ الدَّليلُ الشَّرعيُّ صَريحًا قاطِعًا في أُمَّهاتِ المَسائلِ الشَّرعيةِ، والأُصولِ العِلميةِ؛ دَرءًا لمَفسدةِ الخِلافِ فيها، والافتِراقِ حَولَها، وأنْ يَأتِيَ الدَّليلُ الشَّرعيُّ غالِبًا مُحتمَلًا ظَنيًّا في المَسائلِ الفَرعيةِ، والفُروعِ العَمليةِ، تَحقيقًا لمَصلحةِ إِعمالِ الرأيِ والاجتِهادِ فيها. وفي بَيانِ هذه الحَقيقةِ يَقولُ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وأكثَرُ افتِراقِ أهلِ السُّنةِ في الفُتيا، ونُبذٍ يَسيرةٍ في الاعتِقاداتِ (١). ويَقولُ الإِمامُ المَحلَّاويُّ في كِتابِه «تَسهيل الوُصولِ» نَقلًا عن الإِمامِ الزَّركَشيِّ ﵀: اعلَمْ أنَّ اللهَ تَعالى لم يَنصِبْ على جَميعِ الأَحكامِ الشَّرعيةِ أدِلةً قاطِعةً، بل جعَلَها ظَنيَّةً قَصدًا للتَّوسيعِ على المُكلَّفينَ لئلَّا يَنحصِروا في مَذهبٍ واحِدٍ لقيامِ الدَّليلِ القاطِعِ. وذلك لأنَّ اللهَ بحِكمتِه جعَلَ مُعظمَ أدِلةِ العَقيدةِ صَريحةَ الدِّلالةِ على المُرادِ منها، وهو مَا يُقلِّلُ ويُضيِّقُ مَيدانَ الاجتِهادِ فيها، خِلافًا لأدِلةِ الفِقهِ،

стр. 155

فإنَّه جعَلَ مُعظمَها ظَنيًّا مُحتمِلًا للمَعاني والأَقوالِ المُتعدِّدةِ، لمَا اقتَضَته طَبيعةُ الحَياةِ العَمليةِ من خِلافٍ وسَعةٍ في الجُزئياتِ (١). ويَقولُ الإِمامُ ابنُ تَيميةَ ﵀ في الفَتاوى: واتَّفَق الصَّحابةُ في مَسائلَ تَنازَعوا فيها على إِقرارِ كلِّ فَريقٍ للفَريقِ الآخَرِ، على العَملِ باجتِهادِهم، كمَسائلَ في العِباداتِ والمَناكحِ والمَواريثِ والعَطاءِ والسِّياسةِ وغيرِ ذلك. ثم قالَ: وهذه المَسائلُ منها أحدُ القَولَينِ خَطأٌ، ومنها المُصيبُ في الأمرِ نَفسِه. واحدٌ عندَ الجُمهورِ أَتباعِ السَّلفِ، والآخَرُ مُؤدٍّ لمَا وجَبَ عليه بحُسنِ قُوةِ إِدراكِه، ومن الناسِ مَنْ يَجعلُ الجَميعَ مُصيبِينَ، ومَذهبُ أهلِ السُّنةِ والجَماعةِ أنَّه لا إثمَ على من اجتَهدَ، وإنْ أخطَأَ (٢). يَتبيَّنُ أنَّ مَيدانَ الاختِلافِ العِلميِّ بينَ العُلماءِ هو الأدِلةُ الظَّنيةُ، إذْ أخَذَ كلٌّ منهم بما ارتَضاه ووصَلَ إليه اجتِهادُه، مع احتِرامِهم لأَداءِ الآخَرينَ ولو كانوا مُخطِئينَ في اجتِهادِهم، وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ ﵀: ما اختَلفَ فيه الفُقهاءُ فلا أنهَى أحدًا من إِخواني أنْ يأخُذَ به (٣). ويَقولُ الدُّكتورُ البيانونِيُّ: ذلك لأنَّ مِحورَ الخِلافِ قائِمٌ على طَبيعةِ دَليلِ المَسألةِ العِلميةِ، من قَطعيةٍ أو ظَنيةٍ، فما كانَ دَليلُها قَطعيًّا ثُبوتًا ودِلالةً،

стр. 156

لم يَجرِ فيه الخِلافُ أبَدًا، وما كانَ دَليلُها ظَنيًّا ثُبوتًا ودِلالةً، أو ظَنيًّا في أحدِهما، جَرى فيها الخِلافُ، وهو مَقبولٌ من صاحِبِه أَصابَ فيه أو أَخطأَ، ما دامَ صادِرًا عن أهلِ العِلمِ والاجتِهادِ في المَسألةِ. ويَقولُ: اقتَضَت حِكمةُ اللهِ تَعالى في شَرعِه أنْ يَكونَ كَثيرٌ من نُصوصِ القُرآنِ والسُّنةِ مُحتمِلةً لأكثَرَ من مَعنًى واحِدٍ، إذ أُنْزِلَ القُرآنُ الكَريمُ بلِسانٍ عَربيٍّ مُبينٍ، واحتِمالُ الأَلفاظِ في اللُّغةِ العَربيةِ أمرٌ مُسلَّمٌ به، وهو ما تَمتازُ به لُغتُنا عن اللُّغاتِ الأُخرَى، كما اقتَضَت حِكمتُه في خَلقِه أنْ يَجعلَهم مُتفاوِتينَ في عُقولِهم ومَدارِكِهم ليَكونَ مَيدانُ التَّفاضلِ والتَّمايزِ بالعِلمِ والعَقلِ. ولا يَشكُّ عاقِلٌ في أنَّ هذَين الأَصلَينِ إنَّما يُؤدِّيانِ إلى نَتيجةٍ حَتميةٍ بَدَهيةٍ وهي الاختِلافُ في الآراءِ والأَحكامِ، فهي طِبقًا للمُعادلةِ: «نُصوصٌ مُحتمَلةٌ» + «عُقولٌ وأَفهامٌ مُتفاوِتةٌ» = «آراءٌ مُختلِفةٌ» (١).

стр. 157

هل الحَقُّ واحِدٌ أو كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ؟ هذه مَسألةٌ مُهمةٌ تَكلَّمَ فيها العُلماءُ قَديمًا وحَديثًا، وأنا أذكُرُ هنا ما قالَه الخَطيبُ البَغداديُّ ﵀ في هذا المَوضوعِ لنَفاستِه قالَ ﵀: بابُ الكَلامِ في أَقوالِ المُجتهِدينَ وهل الحَقُّ في واحدٍ أو كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ. إذا اختَلفَ المُجتهِدونَ من العُلماءِ في مَسألةٍ على قَولَينِ أو أكثَرَ، فقد ذُكرَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: كلُّ مُجتهدٍ مُصيبٌ والحَقُّ ما غلَبَ على ظَنِّ المُجتهدِ. وهو ظاهِرُ مَذهبِ مالِكِ بنِ أنَسٍ، وذكَرَ عن الشافِعيِّ أنَّ له في ذلك قَولَينِ: أحدُهما مِثلُ هذا، والثاني: أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من الأَقوالِ وما سِواه باطِلٌ. وقيلَ: ليسَ للشافِعيِّ في ذلك إلا قَولٌ واحِدٌ، وهو أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من أَقوالِ المُختلِفينَ، وما عَداه خَطأٌ إلا أنَّ الإِثمَ مَوضوعٌ عن المُخطئِ فيه. ورُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ مِثلُ هذا. أخبَرَنا مُحمدُ بنُ الحُسَينِ بنِ مُحمدٍ المَتُوثيُّ، أخبَرَنا عُثمانُ بنُ أَحمدَ ابنِ عبدِ اللهِ الدَّقاقُ، حدَّثَنا مُحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ يُوسفَ المَرُّوذيُّ، نا علِيُّ ابنُ الحَسنِ بنِ شَقيقٍ، قالَ: سأَلتُ عبدَ اللهِ -يَعني ابنَ المُبارَكِ- عن اختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ: كلُّه صَوابٌ؟ فقالَ: الصَّوابُ واحِدٌ والخَطأُ

стр. 158

مَوضوعٌ عن القَومِ أرجو. قُلتُ: فمَن أخَذَ بقَولٍ من الأَقاويلِ فهو أيضًا مَوضوعٌ عنه؟ قالَ: نَعَمْ، إلا أنْ يَكونَ رَجلٌ اختارَ قَولًا حَتمًا ثم نزَلَ به شَيءٌ فتَحوَّلَ منه إلى غيرِه تَرخُّصًا للشَّيءِ الذي نزَلَ به. وحَكى أبو إِبراهيمَ المُزنِيُّ أنَّ هذا مَذهبُ مالِكِ بنِ أنَسٍ واللَّيثِ ابنِ سَعدٍ. واحتَجَّ من نصَرَ القَولَ الأولَ -أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ- بأنَّ الصَّحابةَ اجتَهَدوا واختَلَفوا وأقَرَّ بعضُهم بعضًا على قَولِه وسوَّغَ له أنْ يَعملَ به، وإنْ كانَ مُخالِفًا لقَولِه ولمُؤدَّى اجتِهادِه، وسوَّغوا للعامةِ أنْ يُقلِّدوا مَنْ شاؤُوا منهم. حتى قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدِ بنِ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ: كانَ اختِلافُ أَصحابِ رَسولِ اللهِ مما نفَعَ اللهُ به، فما عمِلتَ منه مِنْ عَملٍ لم يَدخلْ نَفسَك منه شَيءٌ. وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ ﵀: ما يَسرُّني أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ لم يَختلِفوا … وعن أُبيٍّ عن قَتادةَ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كانَ يَقولُ: ما سرَّني لو أنَّ أَصحابَ مُحمدٍ لم يَختلِفوا لأنَّهم لو لم يَختلِفوا لم يَكُنْ رُخصةً. وعن عَونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ قالَ: قالَ لي عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: ما يَسرُّني باختِلافِ أَصحابِ مُحمدٍ حُمرُ النَّعمِ لأنَّا إنْ أخَذنا بقَولِ هؤلاء أصَبْنا، وإنْ أخَذنا بقَولِ هؤلاء أصَبْنا. قالوا: ولا يَجوزُ أنْ يُجمِعوا على إِقرارِ المُخطئِ على خَطئِه، والرِّضا بالعَملِ به، والإذنِ في تَقليدِه.

стр. 159

وأيضًا فإنَّ اللهَ تَعالى لو عيَّنَ حُكمًا من بعضِ ما اختُلفَ فيه ونصَبَ عليه دَليلًا وجعَلَ إليه طَريقًا وكلَّفَ أهلَ العِلمِ إصابَتَه لوجَبَ أنْ يَكونَ المُصيبُ عالِمًا به قاطِعًا بخَطأِ مَنْ خالَفَه، ويَكونَ المُخالِفُ آثِمًا فاسِقًا، ووجَبَ نَقضُ حُكمِه إذا حكَمَ به، ويَكونَ بمَنزلةِ مَنْ خالَفَ دَليلَ مَسائلِ الأُصولِ من الرُّؤيةِ والصِّفاتِ والقَدرِ وما أشبَهَ ذلك، وبمَنزلةِ مَنْ خالَفَ النَّصَّ، ولمَّا اجتَمَعنا على أنَّ المُخالفَ لا يَقطعُ على خَطئِه ولا إثمَ عليه فيه، ولا يَنقضُ حُكمَه إذا حكَمَ به دَلَّ ذلك على أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ. ولأنَّ العامِّيَّ إذا نزَلَت به نازِلةٌ كانَ له أنْ يَسألَ عنها مَنْ شاءَ من العُلماءِ وإنْ كانوا مُختلِفينَ، فدَلَّ على أنَّ جَميعَهم على الصَّوابِ. واحتَجَّ من قالَ بأنَّ الحَقَّ في واحِدٍ وإليه يُذهبُ بقَولِ اللهِ : ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فأخبَرَ أنَّ سُليمانَ هو المُصيبُ وحمِدَه على إِصابتِه، وأثْنى على داودَ في اجتِهادِه ولم يَذُمَّه على خَطئِه، وهذا نَصٌّ في إِبطالِ قَولِ مَنْ قالَ إذا أخطَأَ المُجتهدُ يَجبُ أنْ يَكونَ مَذمومًا. ويَدلُّ عليه أيضًا قَولُ النَّبيِّ المَشهورُ: «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأصابَ فله أَجرانِ اثنانِ وإذا اجتهَدَ فأخطَأَ فله أجرٌ واحِدٌ» وقد سُقنا هذا الحَديثَ بإِسنادِه فيما تَقدَّمَ وفيه دَليلٌ على أنَّ المُجتهدَ بينَ الإِصابةِ والخَطأِ. وأخبَرَنا أَبو نُعيمٍ الحافِظُ، نا عبدُ اللهِ بنُ جَعفرِ بنِ أَحمدَ بنِ فارِسٍ، نا يُونسُ بنُ حَبيبٍ، نا أَبو داودَ نا الصَّعقُ بنُ حَزنٍ عن عَقيلٍ الجَعديِّ عن أَبي

стр. 160

إِسحاقَ عن سُوَيدِ بنِ غَفلةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يا عبدَ اللهِ، أتَدري أيُّ الناسِ أعلَمُ؟» قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قالَ: «فإنَّ أعلَمَ الناسِ أعلَمُهم بالحَقِّ إذا اختَلفَ الناسُ وإنْ كانَ مُقصِّرًا في العَملِ وإنْ كانَ يَزحفُ على استِهِ» (١). أخبَرَني الحَسنُ بنُ عليِّ بنِ مُحمدٍ الواعِظُ، حدَّثَنا عُمرُ بنُ أحمدَ المَرُّووذيُّ، حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ سُليمانَ، نا موسى بنُ عامِرِ بنِ خُرَيمٍ، نا الوَليدُ، يَعني ابنَ مُسلمٍ، نا بُكَيرُ بنُ مَعروفٍ، نا مُقاتِلُ بنُ حَيَّانَ عن القاسِمِ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبيه عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ: «هل تَدري أيُّ المُؤمِنين أعلَمُ؟» قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قالَ: «إذا اختَلَفوا -وشبَّكَ رَسولُ اللهِ بينَ أَصابعِه- أبصَرُهم بالحَقِّ وإنْ كانَ في عِلمِه تَقصيرٌ وإنْ كانَ يَزحفُ على استِه زَحفًا» (٢). فقد نَصَّ رَسولُ اللهِ ﷺ على أنَّ الحَقَّ يُصيبُه بالعِلمِ بعضُ أهلِ الاختِلافِ، ومنَعَ أنْ يُصيبَه جَميعُهم مع اختِلافِهم. ويَدلُّ على ذلك أيضًا أنَّهم إذا اختَلَفوا على قَولَينِ مُتضادَّينِ مِثلَ تَحليلٍ وتَحريمٍ، وتَصحيحٍ وإِفسادٍ، وإِيحابٍ وإِسقاطٍ، فلا تَخلو من أحدِ ثَلاثةِ أَقسامٍ:

стр. 161

إمَّا أنْ يَكونَ القَولانِ فاسِدَينِ، وإما أنْ يَكونَا صَحيحَينِ، وإمَّا أنْ يَكونَ أحدُهما فاسدًا والآخَرُ صَحيحًا. فلا يَجوزُ أنْ يَكونا فاسِدَينِ لأنَّه يُؤدِّي إلى اجتِماعِ الأُمةِ على الخَطأِ، ولا يَجوزُ أنْ يَكونا صَحيحَينِ لأنَّهما مُتضادَّانِ فيَمتنِعَ أنْ يَكونَ الشَّيءُ الواحِدُ حَرامًا حَلالًا، وواجِبًا غيرَ واجِبٍ، وصَحيحًا باطِلًا. وإذا بطَلَ هذانِ القِسمانِ ثبَتَ أنَّ أحدَهما صَحيحٌ والآخَرُ فاسِدٌ، فإنْ قالَ المُخالِفُ: هما صَحيحانِ ولا يُؤدِّي إلى التَّضادِّ ولا تَستحيلُ صِحتُهما إلا أنَّ ذلك إنَّما يَستحيلُ على شَخصٍ واحِدٍ في وَقتٍ واحِدٍ، وإمَّا على شَخصَينِ أو فَريقَينِ فإنَّ ذلك لا يَستحيلُ، كما ورَدَ الشَّرعُ بإِيجابِ الصَّلاةِ على الطاهِرِ وإِسقاطِها عن الحائِضِ، ووُجوبِ إِتمامِ الصَّلاةِ على المُقيمِ، والرُّخصةِ في القَصرِ للمُسافرِ. وعندَنا أنَّ كلَّ واحِدٍ من المُجتهِدينَ يَلزمُه ما أدَّى إليه اجتِهادُه، فيَحرمُ النَّبيذُ على مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى تَحريمِه، ويَحلُّ لمَن أدَّى اجتِهادُه إلى تَحليلِه، وتَجبُ النِّيةُ للوُضوءِ على مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى وُجوبِها، وتَسقطُ عمَّن أدَّى اجتِهادُه إلى سُقوطِها، ويَصحُّ النِّكاحُ بلا وَليٍّ في حَقِّ مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى صِحتِه، ويَفسُدُ في حَقِّ مَنْ أدَّى اجتِهادُه إلى فَسادِه. وإذا كانَ كذلك لم يَكُنْ فيه تَضادٌّ. والجَوابُ: أنَّ هذا خَطأٌ لأنَّ الأدِلةَ إذا كانَت عامَّةً لم يَجُزْ أنْ يَكونَ مَدلولُها خاصًّا، والدِّلالةُ الدَّالةُ على كلِّ واحِدٍ منها عامَّةٌ في الجَميعِ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ حُكمُها خاصًّا، وإذا كانَت الأَحكامُ عامَّةً ثبَتَ التَّضادُّ.

стр. 162

وأيضًا: فإنَّه يَلزمُ مَنْ يَذهبُ إلى أنَّ كلَّ مُجتهدٍ مُصيبٌ إذا أداه اجتِهادُه إلى شَيءٍ، وغيرُه من المُجتهِدينَ على ضِدِّ قَولِه في ذلك الشَّيءِ، أنْ يَكونَ مُخيَّرًا فيهما، كالذي تَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ لمَّا كانَت الحُقوقُ البَيِّنةُ مُتساويةً في كَونِها مما يَجوزُ التَّكفيرُ بها، والكلُّ مُرادٌ، كانَ مُخيَّرًا فيها، فلمَّا لزِمَ المُجتهدَ أنْ يَعملَ بما يُؤدِّي اجتِهادُه إليه دونَ ما خالَفَه من اجتِهادِ غيرِه بَدا أنَّ الحَقَّ في واحِدٍ من القَولَينِ. ودَليلٌ آخَرُ يَدلُّ على أنَّه ليسَ كلُّ مُجتهدٍ مُصيبًا، وهو أنَّا وجَدنا أهلَ العِلمِ في كلِّ عَصرٍ يَتناظَرونَ ويَتباحَثونَ، ويَحتجُّ بعضُهم على بعضٍ، ولو كانَ كلُّ واحدٍ منهم مُصيبًا كانَت المُناظرةُ خَطأً ولَغوًا لا فائِدةَ فيها. فإنْ قالَ المُخالِفُ: إنَّما يُناظِرُ أحدُ الخَصمَينِ الآخَرَ حتى يَغلِبَ على ظَنِّه ما أدَّى اجتِهادُه إليه، فيَرجعَ إلى قَولِه. فالجَوابُ: أنَّه لا فائِدةَ في رُجوعِه من حَقٍّ إلى حَقٍّ، وكَونُه على ما هو عليه وانتِقالُه إلى ظَنٍّ آخَرَ سَواءٌ لا فَرقَ بينَهما، وتَحمُّلُ التَّعبِ والكُلفةِ والتَّنازُعِ والتَّخاصُمِ لما ذكَرَه المُخالِفُ ليسَ من فِعلِ العُقلاءِ، وقد وَجَدنا الأُمةَ مُتَّفقةً على حُسنِ المُناظرةِ في هذه المَسائلِ، وعَقدِ المَجالسِ بسَببِها فسقَطَ ما قالَه. وأمَّا الجَوابُ عما احتَجَّ به من إِجماعِ الصَّحابةِ فهو أنْ يُقالَ له: أقُلتَ هذا نَصًّا أو استِدلالًا؟ فإنْ قالَ: نَصًّا، لم يَجِدْ إليه طَريقًا؛ لأنَّه لم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه قالَ لصاحِبِه: أقرَرتُك على خِلافِك، وأجَزتُ لكَ أنْ تَعملَ به، وسوَّغتُ للعامةِ أنْ يُقلِّدوك. وإنْ قالَ: استِدلالًا، طُولِبَ به.

стр. 163

فإنْ قالَ: لو كانَ المُخالفُ مُخطِئًا لقاتَلوه، قيلَ: ليسَ في ذلك قِتالٌ؛ لأنَّ المُخطئَ فيه مَعذورٌ، وله على قَصدِ الصَّوابِ أجرٌ، وقد ورَدَ الشَّرعُ بذلك كما ورَدَ بالعَفوِ عن الناسي، فإذا كانَ كذلك لم يَجُزْ قِتالُه ولا تأثيمُه. فإنْ قالَ: لم يُنقَلْ أنَّ بعضَهم خطَّأَ بعضًا ولو كانَ أحدُ القَولَينِ خَطأً والآخَرُ صَوابًا لوجَبَ أنْ يُخطِّئَ من أَصابَ الحَقَّ مَنْ لم يُصِبْه، فلمَّا لم يُنقَلْ ذلك دَلَّ على أنَّه لم يُخطِّئْه. فالجَوابُ: أنَّه قد نُقلَ ذلك عن غيرِ واحِدٍ منهم. فأخبَرَنا أَبو الحُسينِ أَحمدُ بنُ عُمرَ بنِ علِيٍّ القاضي بأَذْرَبِيجانَ، قالَ: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ المُظفَّرِ، قالَ: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ سُليمانَ الباغَنديُّ، قالَ: حدَّثَنا عبدُ السَّلامِ بنُ عبدِ الحَميدِ الإِمامُ، قالَ: نا زُهيرٌ عن الحَسنِ بنِ دِينارٍ عن الحَسنِ، قالَ: «بلَغَ عُمرَ بنَ الخَطابِ أنَّ امرأةً اتَّخذَت عبدَها الرَّجلَ، يَعني فأرسَلَ إليها قالَ: وكانَ عُمرُ رَجلًا مَهيبًا فلمَّا جاءَها الرَّسولُ قالَتْ: يا وَيلَها، ما لَها ولعُمرَ، يا وَيحَها، ما لَها ولعُمرَ، فخرَجَت فضرَبَها المَخاضُ، فمَرَّت بنِسوةٍ فعَرَفنَ الذي بها، فقَذَفت بغُلامٍ فصاحَ صَيحةً ثم طُفيَ، فبلَغَ ذلك عُمرَ فجمَعَ المُهاجِرينَ والأَنصارَ فاستَشارَهم، وفي آخِرِ القَومِ رَجلٌ، فقالوا: يا أَميرَ المُؤمِنينَ إنَّما كُنْتَ مُؤدِّبًا وإنَّما أنتَ راعٍ، قالَ: ما تَقولُ أنتَ يا فُلانُ؟ قالَ: أَقولُ: إنْ كانَ القَومُ تابَعوكَ على هَواكَ فوَاللهِ ما نصَحوا لك، وإنْ يَكونوا اجتَهَدوا آراءَهم فوَاللهِ لقد أخطَأَ رأيُهم غرِمتَ يا أَميرَ المُؤمنينَ، قالَ: فعَزمتُ عليكَ لمَا قدِمتَ فقسَمتَها على قَومِك، قالَ: فقيلَ للحَسنِ: مَنْ الرَّجلُ؟ قالَ: علِيٌّ».

стр. 164

أخبَرَنا علِيُّ بنُ أَحمدَ بنِ عُمرَ المُقري، أخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ علِيٍّ الخُطَبيُّ، نا عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، حدَّثَني أبي، نا عبدُ الرَّزاقِ، نا مَعمَرٌ عن ابنِ طاوُوسٍ، قالَ: أخبَرَني أنَّه سمِعَ ابنَ عَباسٍ يَقولُ: «وَدِدتُ أنَّ هؤلاء الذين يُخالِفونني في الفَريضةِ نَجتمِعُ فنَضعُ أَيديَنا على الرُّكنِ ثم نَبتهِلُ فنَجعلُ لَعنةَ اللهِ على الكاذِبينَ». (وأخبَرَنا) مُحمدُ بنُ أَحمدَ بنِ رِزقٍ، أخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ علِيٍّ، نا عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ، حدَّثَني أبي نا يَعقوبُ، نا أبي عن ابنِ إِسحاقَ، قالَ: حَدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي نَجيحٍ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، قالَ: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ يَقولُ: «إذا ذُكرَ عَولُ الفَرائضِ: أتَرَوْن الذي أحصَى رَملَ عالِجٍ عَددًا أجعَلَ في مالٍ قسَمَه نِصفًا ونِصفًا وثُلثًا؟ هذا النِّصفُ والنِّصفُ قد ذهَبا بالمالِ فأينَ مَوضعُ الثُّلثِ؟ قالَ عَطاءٌ: فقُلتُ له: يا أبا عَباسٍ إنَّ هذا لا يُغني عني ولا عنك شَيئًا لو مِتَّ أو مِتُّ قُسِّمَ مِيراثُنا على ما عليه القَومُ من خِلافِ رأيك. قالَ: فإنْ شاؤوا فلنَدعُ أَبناءَنا وأَبناءَهم ونِساءَنا ونِساءَهم وأَنفُسَنا وأنفُسَهم ثم نَبتهِلْ فنَجعَلْ لَعنةَ اللهِ على الكاذِبينَ ما جعَلَ اللهُ في مالٍ نِصفًا ونِصفًا وثُلثًا». أخبَرَنا أبو علِيٍّ أَحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ إِبراهيمَ الصَّيدلانِيُّ بأصبهانَ، أخبَرَنا سُليمانُ بنُ أَحمدَ الطَّبرانِيُّ، نا إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ الدَّبَريُّ، أخبَرَنا عبدُ الرَّزاقِ عن الثَّوريِّ عن مَنصورٍ عن إِبراهيمَ عن عَلقمةَ قالَ: أُتِيَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ فسُئلَ عن رَجلٍ تَزوَّجَ امرأةً فلم يَفرِضْ لها ولم يَمسَّها حتى ماتَ؟ فرَدَّهم ثم قالَ: «أَقولُ فيها برَأيي فإنْ كانَ صَوابًا فمِن اللهِ، وإنْ كانَ خَطأً فمِنِّي».

стр. 165

أخبَرَنا ابنُ الفَضلِ أخبَرَنا عبدُ اللهِ بنُ جَعفرِ بنِ دُرستوَيهِ، نا يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، نا الحَجاجُ وهو ابنُ مِنهالٍ نا حَمَّادٌ، أخبَرَنا أيُّوبُ عن مُحمدِ بنِ سِيرينَ عن عُبيدةَ عن علِيٍّ، قالَ: «اجتمَعَ رأيي ورَأيُ عُمرَ على أنَّ أُمَّهاتِ الأَولادِ لا يُبَعْنَ، قالَ: ثم رأيتُ بعدُ أنْ تُباعَ في دَينِ سَيِّدِها وأنْ تُعتقَ من نَصيبِ وَلدِها. فقُلتُ: رأيُك ورأيُ الجَماعةِ أحَبُّ إلَيَّ من رأيِك في الفُرقةِ». ولم يُنكِرْ على عُبيدةَ هذا القَولَ. وأمَّا الجَوابُ عما احتَجَّ به من العِلمِ بإِصابتِه، والقَطعِ على خَطأِ مُخالفِه وتَأثيمِه ومَنعِه من الحُكمِ باجتِهادِه، ونَقضِ حُكمِه، ومَنعِ العامِّيِّ من تَقليدِه، فهو أنَّا نَعلمُ إصابَتَنا للحَقِّ، ونَقطعُ بخَطأِ مَنْ خالَفَنا فيه، ونَمنعُه من الحُكمِ باجتِهادِه المُخالِفِ للحَقِّ. فأمَّا عِلمُنا بإِصابتِنا للحَقِّ، فهو لأنَّ أحدَ الحُكمَينِ يَتميَّزُ عن الآخَرِ بالتَّأثيرِ المُوجِبِ للعِلمِ أو بكَثرةِ الأُصولِ المُقتضيةِ للظَّنِّ، وتَمييزُ أحدِ الحُكمَينِ عن الآخَرِ مَعلومٌ للمُجتهدِ. فإذا كانَ كذلك كانَت الإِصابةُ مَعلومةً، وإذا عُلمَت الإِصابةُ فقد عُلمَ خَطأُ مَنْ خالَفَها. وأمَّا التَّأثيمُ فلا يَجوزُ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بالعَفوِ عنه، وإثابَتِه على قَصدِه ونِيَّتِه. والوَعدُ والوَعيدُ، والعَفوُ والتَّأثيمُ طَريقُه الشَّرعُ، وقد ورَدَ الشَّرعُ بالعَفوِ عن خَطئِه كما ورَدَ بالعَفوِ عن المُخطِئِ. والناسي والمُكرَهِ، يَدلُّ عليه قَولُ

стр. 166

اللهِ تَعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. فأثنى عليهما جَميعًا، وأخبَرَ بإِصابةِ سُليمانَ ولم يُؤثِّمْ داودَ، وكذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إذا اجتهَدَ الحاكِمُ فأخطَأَ فله أجرٌ». فجعَلَ له أجرَ اجتِهادِه، ولم يُؤثِّمْه مع خَطئِه. وأمَّا مَنعُه من العَملِ بما أدَّى اجتِهادُه إليه فلا شَكَّ فيه، لأنَّا نَقولُ: إذا عمِلَ به هو فاسِدٌ، ولهذا نَقولُ: إذا تزوَّجَ بغيرِ وَليٍّ فهو نِكاحٌ فاسِدٌ، وإذا شرِبَ النَّبيذَ فهو شرِبَ حَرامًا، وما أشبَهَ ذلك. وأمَّا حُكمُ الحاكِمِ فإنَّ المُسلِمينَ أجمَعوا على أنَّه لا يُنقضُ إذا لم يَكُنْ مُخالِفًا لنَصٍّ أو إِجماعٍ أو قياسٍ مَعلومٍ، والمَنعُ من نَقضِه لا يَدلُّ على أنَّه كانَ له أنْ يَحكمَ به لأنَّه لا يَمتنعُ أنْ يَكونَ مَمنوعًا من الحُكمِ، فإذا حكَمَ به وقَعَ مَوقعَ الصَّحيحِ الجائِزِ كما نَقولُ في البَيعِ في حالِ النِّداءِ للجُمعةِ، والصَّلاةِ في الدارِ المَغصوبةِ والطَّلاقِ في حالِ الحَيضِ. فإنْ قيلَ: مِثلُ هذا لا يَمتنعُ لكنْ ما الذي يَدلُّ عليه؟ فالجَوابُ عنه: أنَّ الدَّليلَ ما ذكَرناه من إِجماعِ الأُمةِ على أنَّه لا يَجوزُ نَقضُه. ولأنَّ في نَقضِ الحُكمِ فَسادًا لكَونِه ذَريعةً إلى تَسليطِ الحُكامِ بعضِهم على بَعضٍ، فلا يَشاءُ حاكِمٌ يَكونُ في قَلبِه من حاكِمٍ شَيءٌ إلا تَعقُّبَ حُكمِه بنَقضٍ فلا يَستقرُّ حُكمُه، ولا يَصحُّ لأحَدٍ مِلكٌ، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، وإذا كانَ كذلك ثبَتَ ما ذكَرناه من هَذَينِ الطَّريقَينِ.

стр. 167

وأمَّا الجَوابُ عن تَقليدِ العامِّيِّ، فهو أنَّ فَرضَه تَقليدُ مَنْ هو من أهلِ الاجتِهادِ، وقالَ أبو علِيٍّ الطَّبَريُّ: فَرضُه اتِّباعُ عالِمِه بشَرطِ أنْ يَكونَ عالِمُه مُصيبًا، كما يَتبعُ عالِمَه بشَرطِ ألَّا يَكونَ مُخالِفًا للنَّصِّ. وقد قيلَ: إنَّ العامِّيَّ يُقلِّدُ أوثَقَ المُجتهِدينَ في نَفسِه، ولا يُكلَّفُ أكثَرَ من ذلك؛ لأنَّه لا سَبيلَ له إلى مَعرفةِ الحَقِّ والوُقوفِ على طَريقِه، وكلُّ واحِدٍ من المُجتهِدينَ يَقينُه بما أدَّى إليه اجتِهادُه فيُؤدِّي ذلك إلى حَيرةِ العامِّيِّ فجعَلَ له أنْ يُقلِّدَ أوثَقَهما في نَفسِه، ويُخالِفُ المُجتهدَ لأنَّه يَتمكَّنُ من مُوافقتِه على طَريقِ الحَقِّ ومُناظَرتِه فيه (١) انتَهى كَلامُه ﵀.

стр. 168

كتاب الطهارة

стр. 169

كتاب الطهارة تَعريفُ الطَّهارةِ: الطَّهارةُ في اللُّغةِ: النَّظافةُ، يُقالُ: طهُرَ الشَّيءُ -بفَتحِ الهاءِ وضَمِّها- يَطهُرُ -بالضَّمِ- طَهارةً فيهما، والاسمُ: الطُّهْرُ بالضَّمِّ، وطهَّرَه تَطهيرًا وتطهَّرَ بالماءِ، وهُم قَومٌ يَتطهَّرونَ، أي: يَتنزَّهونَ من الأَدناسِ، ورَجلٌ طاهِرُ الثِّيابِ، أي: مُنزَّهٌ (١). و في الشَّرعِ قالَ الجُرجانِيُّ: عِبارةٌ عن غَسلِ أَعضاءٍ مَخصوصةٍ بصِفةٍ مَخصوصةٍ (٢). وعُرفَت أيضًا بأنَّها: زَوالُ حَدثٍ أو خَبثٍ (٣).

стр. 170

وعرَّفَها ابنُ عَرفةَ من المالِكيةِ بأنَّها: صِفةٌ حُكميةٌ تُوجبُ لمَوصوفِها جَوازَ استِباحةِ الصَّلاةِ به أو فيه أو له. فالأَولانِ يَرجِعانِ للثَّوبِ والمَكانِ وهي الطَّهارةُ من خَبثٍ، والأَخيرةُ للشَّخصِ، وهي الطَّهارةُ من حَدثٍ (١). قالَ الدُّسوقيُّ: قَولُه: (صِفةٌ حُكميةٌ) أي: حُكمُ العَقلِ بثُبوتِها عندَ وُجودِ سَببِها. وقَولُه: (تُوجِبُ لمَوصوفِها) أي: تَستلزِمُ للمُتَّصفِ بها. وقَولُه: (جَوازَ استِباحةِ الصَّلاةِ): يَعني عندَ تَوافرِ الشُّروطِ وانتِفاءِ المَوانعِ كالمَوتِ والكُفرِ فاندفَعَ ما يُقالُ إنَّ التَّعريفَ لا يَشملُ غُسلَ المَيِّتِ؛ لأنَّ الصِّفةَ أوجَبَت جَوازَ الصَّلاةِ عليه، فكانَ الواجِبُ زِيادةً أو عليه ولا يَشملُ الصِّفةَ الحاصِلةَ عندَ غُسلِ الذِّمِّيةِ من الحَيضِ ليَطأَها زَوجُها المُسلمُ فإنَّها طَهارةٌ، ولا يَصدقُ عليها التَّعريفُ، والحاصِلُ أنَّه يَصدُقُ عليها أنَّها صِفةٌ تُوجبُ لمَوصوفِها جَوازَ الصَّلاةِ له لولا المانِعُ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: الطَّهارةُ: رَفعُ الحَدثِ أو إِزالةُ النَّجسِ، أو ما في مَعناهما، أو على صُورتِهما كالغَسلةِ الثانيةِ والغَسلةِ الثالِثةِ والأَغسالِ

стр. 171

المَسنونةِ وتَجديدِ الوُضوءِ والتَّيمُّمِ وغيرِ ذلك مما لا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا ولكنَّه في مَعناه (١). وعرَّفَها ابنُ قُدامةَ بقَولِه: رَفعُ ما يَمنعُ الصَّلاةَ من حَدثٍ أو نَجاسةٍ بالماءِ، أو رَفعُ حُكمِه بالتُّرابِ (٢). حُكمُ الطَّهارةِ: الطَّهارةُ واجِبةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ، وإنَّها شَرطٌ في صِحةِ الصَّلاةِ لا تَصحُّ الصَّلاةُ فَرضًا أو نَفلًا بدونِها. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. وأمَّا السُّنةُ: فقد دَلَّت الأَخبارُ الكَثيرةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ على وُجوبِ فَرضِ الطَّهارةِ للصَّلاةِ وعلى أنَّها شَرطٌ لصِحةِ الصَّلاةِ.

стр. 172

فمِن ذلك قَولُه: «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةً بغَيرِ طُهورٍ» (١). قالَ النَّوويُّ: هذا الحَديثُ نَصٌّ في وُجوبِ الطَّهارةِ للصَّلاةِ (٢). وأمَّا الإِجماعُ: فقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّلاةَ لا تُجزئُ إلا بطَهارةٍ إذا وجَدَ المَرءُ إليها السَّبيلَ (٣). وقالَ النَّوويُّ ﵀: وقد أجمَعَت الأُمةُ على أنَّ الطَّهارةَ شَرطٌ في صِحةِ الصَّلاةِ. قالَ القاضِي عِياضٌ: واختَلَفوا متى فُرضَت الطَّهارةُ للصَّلاةِ، فذهَبَ ابنُ الجَهمِ إلى أنَّ الوُضوءَ في أولِ الإِسلامِ كانَ سُنةً ثم نزَلَ فَرضُه في آيةِ التَّيممِ، قالَ الجُمهورُ: بل كانَ قبلَ ذلك فَرضًا، قالَ: واختَلَفوا في أنَّ الوُضوءَ فَرضٌ على كلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ أو على المُحدِثِ خاصةً، فذهَبَ ذاهِبونَ من السَّلفِ إلى أنَّ الوُضوءَ لكلِّ صَلاةٍ فَرضٌ، بدَليلِ قَولِه تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآيةَ، وذهَبَ قَومٌ إلى أنَّ ذلك قد كانَ ثم نُسخَ، وقيلَ: الأمرُ به لكلِّ صَلاةٍ على النَّدبِ، وقيلَ: بل لم يُشرعْ إلا لمَن أحدَثَ ولكنَّ تَجديدَه لكلِّ صَلاةٍ مُستحَبٌّ، وعلى هذا أجمَعَ أهلُ

стр. 173

الفَتوى بعدَ ذلك، ولم يَبقَ بينَهم فيه خِلافٌ، ومَعنى الآيةِ عندَهم: إذا كُنْتُمْ مُحدِثينَ. هذا كَلامُ القاضِي ﵀. وأجمَعَت الأُمةُ على تَحريمِ الصَّلاةِ بغَيرِ طَهارةٍ من ماءٍ أو تُرابٍ ولا فَرقَ بينَ الصَّلاةِ المَفروضةِ والنافِلةِ وسُجودِ التِّلاوةِ وسُجودِ الشُّكرِ وصَلاةِ الجِنازةِ إلا ما حَكى عن الشَّعبيِّ ومُحمدِ بنِ جَريرٍ الطَّبريِّ من قَولِهما: تَجوزُ صَلاةُ الجِنازةِ بغيرِ طَهارةٍ، وهذا مَذهبٌ باطِلٌ وأجمَعَ العُلماءُ على خِلافِه. ولو صلَّى مُحدِثًا مُتعمِّدًا بلا عُذرٍ أثِمَ ولا يَكفرُ عندَنا وعندَ الجَماهيرِ، وحَكى عن أبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه يَكفرُ لتَلاعبِه، ودَليلُنا أنَّ الكُفرَ للاعتِقادِ، وهذا المُصلِّي اعتِقادُه صَحيحٌ، وهذا كلُّه إذا لم يَكنْ للمُصلِّي مُحدِثًا عُذرٌ (١).

стр. 174

فصل في بَيانُ أنواعِ الطَّهارةِ أمَّا بَيانُ أَنواعِها: فالطَّهارةُ في الأصلِ نَوعانِ: طَهارةٌ من الحَدثِ، وتُسمَّى طَهارةً حُكميةً. وطَهارةٌ من الخَبثِ وتُسمَّى طَهارةً حَقيقيةً (١). فالحَدثُ هو: الحالةُ الناقِضةُ للطَّهارةِ شَرعًا، بمَعنى أنَّ الحَدثَ إنْ صادَفَ طَهارةً نقَضَها، وإنْ لم يُصادِفْ طَهارةً فمِن شأنِه أنْ يَكونَ كذلك حتى يَجوزَ أنْ يَجتمعَ على الشَّخصِ أَحداثٌ (٢). ويَنقسمُ الحَدثُ إلى قِسمَينِ، هُما: حَدثٌ أكبَرُ، ومنه الغُسلُ، وحَدثٌ أصغَرُ، ومنه الوُضوءُ، ويُبدلُ منهما -أي: من الغُسلِ والوُضوءِ- عندَ تَعذُّرِهما التَّيممُ. وأمَّا النَّجسُ: (ويُعبَّرُ عنه بالخَبثِ أيضًا) فهو عِبارةٌ عن النَّجاسةِ القائِمةِ بالشَّخصِ أو الثَّوبِ أو المَكانِ، قالَ تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦].

стр. 175

وقالَ تَعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]. وقالَ تَعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقالَ ﵊: «اغسِلي عَنكِ الدَّمَ وصَلِّي» (١). والطَّهارةُ من ذلك كلِّه شَرطٌ من شُروطِ صِحةِ الصَّلاةِ بالإِجماعِ، كما حَكاهُ النَّوويُّ (٢).

стр. 176

فصل في أَقسامُ المياهِ الماءُ: جِسمٌ لَطيفٌ سَيالٌ به حَياةُ كلِّ نامٍ (١). ويُمكنُ تَقسيمُ المياهِ باعتِبارِ وَصفِها إلى أربَعةِ أَقسامٍ، هذه الأَقسامُ هي: ماءٌ مُطلَقٌ، وماءٌ مُستعمَلٌ، وماءٌ مُسخَّنٌ، وماءٌ مُختلِطٌ، والمُختلِطُ إمَّا أنْ يَكونَ مُختلِطًا بطاهِرٍ وإمَّا أنْ يَكونَ مُختلِطًا بنَجسٍ. أولاً: الماءُ المُطلَقُ: الماءُ المُطلَقُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ هو: ما صدَقَ عليه اسمُ ماءٍ بلا قَيدٍ لازِمٍ فيُقالُ: هذا ماءٌ، وشرِبتُ ماءً، وخلَقَ اللهُ الماءَ رَحمةً للعالَمينَ، ونَحوَ ذلك؛ لكَونِه إمَّا باقيًا على أصلِ خِلقتِه، وإمَّا مُتغيرًا، بما هو ضَروريٌّ له كالجارِي على الكِبريتِ وغيرِه، ممَّا يُلازمُ الماءَ في مَقرِّه، وإِضافتُه في نَحوِ ماءِ البَحرِ وماءِ البِئرِ، وإنْ كانَت قَيدًا إلا أنَّها غيرُ مُحتاجٍ إليها (٢).

стр. 177

وقيلَ: الماءُ المُطلَقُ هو الباقي على أصلِ خِلقتِه (١)، ولم تُخالِطْه نَجاسةٌ، ولم يَغلِبْ عليه شَيءٌ طاهِرٌ (٢). وقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الماءَ المُطلَقَ طاهِرٌ في ذاتِه مُطهِّرٌ لغيرِه (٣). وعبَّرَ الفُقهاءُ عن هذا النَّوعِ من الماءِ بالطَّهورِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في المُرادِ بالطَّهورِ. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه الطاهِرُ المُطهِّرُ. قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: قالَ أهلُ اللُّغةِ: الطَّهورُ هو العامِلُ للطَّهارةِ في غيرِه، كما يُقالُ: قَتولٌ، وقالَ ثَعلبٌ: الطَّهورُ: الطاهِرُ في نَفسِه المُطهِّرُ لغيرِه، وهذا ممَّا لم يُخالِفْ فيه إلا بعضُ أَصحابِ أبي حَنيفةَ، فقالوا: الطَّهورُ هو الطاهِرُ، على سَبيلِ المُبالَغةِ (٤). وقالَ النَّوويُّ ﵀: والطَّهورُ عندَنا هو المُطهِّرُ، وبه قالَ أحمدُ بنُ

стр. 178

حَنبَلٍ، وحَكاه بعضُ أَصحابِنا عن مالِكٍ، وحَكوْا عن بعضِ أَصحابِ أبي حَنيفةَ، وبَعضِ أهلِ اللُّغةِ أنَّ الطَّهورَ هو الطاهِرُ (١). واستدَلَّ الجُمهورُ بما يَلي: أولًا: أنَّ لَفظةَ «طَهورٌ» جاءَت في لِسانِ الشَّرعِ للمُطهِّرُ، ومِن هذا قَولُه تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]. قالَ القُرطبيُّ ﵀: قَولُه تَعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ يُتطهَّرُ به، كما يُقالُ: وَضوءُ الماءِ، الذي يُتوضَّأُ به، وكلُّ طَهورٍ طاهِرُ، وليسَ كلُّ طاهِرٍ طَهورًا، فالطَّهورُ (بفَتحِ الطَّاءِ) الاسمُ، وكذلك الوَضوءُ والوَقودُ، وبالضَّمِّ المَصدرُ، وهذا هو المَعروفُ في اللُّغةِ، قالَه ابنُ الأَنباريِّ، فبيَّنَ أنَّ الماءَ المُنزلَ من السَّماءِ طاهِرٌ في نَفسِه مُطهِّرٌ لغيرِه؛ فإنَّ الطَّهورَ بِناءُ مُبالَغةٍ في طاهِرٍ، وهذه المُبالَغةُ اقتَضَت أنْ يَكونَ طاهِرًا مُطهِّرًا، وإلى هذا ذهَبَ الجُمهورُ. وقيلَ: إنَّ «طَهورًا» بمَعنى: طاهِرًا، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وتعلَّقَ بقَولِه تَعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. يعني طاهرًا. وقالَ القُرطبيُّ أيضًا: أجمَعَت الأُمةُ لُغةً وشَريعةً على أنَّ وَصفَ «طَهورًا» يَختصُّ بالماءِ فلا يَتعدَّى إلى سائِرِ المائِعاتِ، وهي طاهِرةٌ، فكانَ اقتِصارُهم بذلك على الماءَ أدَلُّ دَليلٍ على أنَّ الطَّهورَ هو المُطهِّرُ (٢).

стр. 179

ثانيًا: قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «هو الطَّهورُ مَاؤُه» (١). ومَعلومٌ أنَّهم: سأَلوا عن تَطهيرِ ماءِ البَحرِ لا عن طَهارتِه، ولولا أنَّهم يَفهَمونَ من الطَّهورِ المُطهِّرُ لم يَحصُلِ الجَوابُ (٢). ثالِثًا: قَولُه ﷺ : «جُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا» (٣). قالَ النَّوويُّ: المُرادُ: مُطهِّرةً، وبكَونِها مُطهِّرةً اختَصَّت هذه الأُمةُ لا بكَونِها طاهِرةً (٤). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: «وطَهورًا» استُدِلَّ به على أنَّ الطَّهورَ هو المُطهِّرُ لغيرِه؛ لأنَّ الطَّهورَ لو كانَ المُرادُ به الطاهِرَ لم تَثبُتِ الخُصوصيةُ، والحَديثُ إنَّما سِيقَ لإثباتِها. وقد رَوى ابنُ المُنذرِ وابنُ الجارودِ بإِسنادٍ صَحيحٍ عن أنسٍ مَرفوعًا: «جُعِلَت لي كُلُّ أرضٍ طَيِّبةٍ مَسجدًا وطَهورًا». ومَعنى «طَيِّبةٍ»: طاهِرةٍ، فلو كانَ مَعنى «طَهورًا»: طاهِرًا، للزِمَ تَحصيلُ الحاصِلِ (٥).

стр. 180

وتَحصيلُ الحاصِلِ بالنِّسبةِ له ﷺ مُحالٌ، فتعيَّنَ أنْ يَكونَ المُرادُ به المُطهِّرَ لغيرِه. واستدَلَّ الحَنفيةُ على أنَّ الطَّهورَ هو الطاهِرُ بما يأتي: أولًا: بقَولِه تَعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. ومَعلومٌ أنَّ أهلَ الجَنةِ لا يَحتاجونَ إلى التَّطهيرِ من حَدثٍ ولا نَجسٍ، فعُلمَ أنَّ المُرادَ بالطَّهورِ هو الطاهِرُ (١). ثانيًا: قَولُ جَريرٍ في وَصفِ النِّساءِ: عِذابِ الثَّنايا رِيقُهنَّ طَهورُ والرِّيقُ لا يُتطهَّرُ به، وإنَّما أرادَ به الطاهِرَ (٢). قالَ النَّوويُّ ﵀: أجابَ أَصحابُنا عن قَولِه تَعالى: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، بأنَّه «تَعالى» وصَفَه بأعلى الصِّفاتِ، وهي: التَّطهيرُ، وكذا قَولُ جَريرٍ حُجةٌ لنا؛ لأنَّه قصَدَ تَفضيلَهنَّ على سائِرِ النِّساءِ، فوَصَف رِيقَهنَّ بأنَّه مُطهِّرٌ يُتطهَّرُ به لكَمالِهنَّ وطِيبِ رِيقِهنَّ، وامتِيازِه على غيرِه، ولا يَصحُّ حَملُه على ظاهِرِه؛ فإنَّه لا مَزيةَ لهُنَّ في ذلك؛ فإنَّ كلَّ النِّساءِ رِيقُهنَّ طاهِرٌ، بل البَقرُ والغَنمُ وكلُّ حَيوانٍ غيرِ الكَلبِ والخِنزيرِ (٣).
следующие страницы →