← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.

стр. 11131

وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فأمَّا الصبيُّ والمَجنونُ فلا يَصحُّ لِعانُهما؛ لأنه قَولٌ يُوجِبُ الفُرقةَ، فلم يَصحَّ مِنْ الصبيِّ والمَجنونِ كالطلاقِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَ أحَدُ الزوجينِ غيرَ مُكلَّفٍ فلا لِعانَ بينَهما؛ لأنه قَولٌ تَحصلُ بهِ الفُرقةُ، ولا يَصحُّ مِنْ غَيرِ مُكلَّفٍ كالطلاقِ، أو يَمينٌ، فلا تَصحُّ مِنْ غَيرِ المُكلَّفِ كسائرِ الأيمانِ. ولا يَخلُو غيرُ المُكلَّفِ مِنْ أنْ يكونَ الزوجَ أو الزوجةَ أو هُما. فإنْ كانَ الزوجَ فله حالانِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ طِفلًا، والثاني: أنْ يَكونَ بالِغًا زائِلَ العَقلِ. فإنْ كانَ طِفلًا لم يَصحَّ مِنهُ القَذفُ ولا يَلزمُه بهِ حَدٌّ؛ لأنَّ القلَمَ مَرفوعٌ عنه وقَولَه غيرُ مُعتبَرٍ، وإنْ أتَتِ امرَأتُه بولَدٍ نظَرْنا؛ فإنْ كانَ لدُونِ عَشرِ سِنينَ لم يَلحقْه الوَلدُ ويكونُ مَنفِيًّا عنه؛ لأنَّ العِلمَ يُحيطُ بهِ بأنه ليسَ منه، فإنَّ اللهَ لم يُجْرِ العادةَ بأنْ يُولَدَ له لدُونِ ذلكَ، فيَنتفِي عنه كما لو أتَتْ به المرَأةُ لدُونِ ستَّةِ أشهُرٍ منذُ تَزوُّجِها. وإنْ كانَ ابنَ عَشرٍ فصاعِدًا فقالَ أبو بَكرٍ: لا يُلحَقُ بهِ إلا بعدَ البُلوغِ أيضًا؛ لأنَّ الولدَ لا يُخلَقُ إلا مِنْ ماءِ الرَّجلِ والمَرأةِ، ولو أنزَلَ لَبَلغَ، وقالَ ابنُ حامِدٍ: يُلحَقُ به، قالَ القاضي: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ، وهذا مَذهبُ

стр. 11132

الشافعيِّ؛ لأنَّ الولدَ يُلحَقُ بالإمكانِ وإنْ خالَفَ الظاهرَ، ولهذا لو أتَتْ بوَلدٍ لستَّةِ أشهُرٍ مِنْ حينِ العَقدِ لَحِقَ بالزوجِ وإنْ كانَ خِلافَ الظاهرِ. وكذلك يُلحَقُ به إذا أتَتْ بهِ لأربَعِ سِنينَ، مع نُدرَتِه، وليسَ له نَفيُه في الحالِ حتى يَتحقَّقَ بُلوغُه بأحَدِ أسبابِ البُلوغِ فله نفْيُ الوَلدِ واستِلحاقُه. فإنْ قيلَ: فإذا أَلحقْتُم به الولدَ فقدْ حَكمْتُم ببُلوغِه، فهَلَّا سَمعْتُم نفْيَه ولِعانَه؟ قُلنا: إلحاقُ الوَلدِ يَكفي فيه الإمكانُ، والبُلوغُ لا يَثبتُ إلا بسَببٍ ظاهِرٍ، ولأنَّ إلحاقَ الوَلدِ بهِ حقٌّ عليهِ، واللِّعانُ حقٌّ لهُ، فلم يَثبتْ معَ الشَّكِّ. فإنْ قيلَ: فإنْ لم يَكنْ بالِغًا انتَفَى عنه الوَلدُ، وإنْ كانَ بالِغًا انتفَى عنه اللِّعانُ. قُلنا: إلا أنه لا يَجوزُ أنْ يَبتدِئَ اليَمينَ مع الشَّكِّ في صحَّتِها، فسقَطَتْ للشَّكِّ فِيها. الثاني: إنْ كانَ زائِلَ العَقلِ لجُنونٍ فلا حُكمَ لقَذفِه؛ لأنَّ القلَمَ عنه مَرفوعٌ أيضًا، وإنْ أتَتِ امرَأتُه بوَلدٍ فنَسبُه لاحِقٌ به؛ لإمكانِهِ، ولا سَبيلَ إلى نفْيِه مع زَوالِ عَقلِه، فإذا عقَلَ فله نفيُ الولدِ حِينئذٍ واستِلحاقُه، وإنِ ادَّعَى أنه كانَ ذاهِبَ العَقلِ حينَ قَذفه وأنكَرْتَ ذلك ولأحَدِهما بيَّنةٌ بما قالَ ثبَتَ قَولُه، وإنْ لم يَكنْ لواحِدٍ منهُما بيَّنةٌ ولم يَكنْ له حالةٌ عُلِمَ فيها زَوالُ عَقلِه فالقَولُ قَولُها مع يَمينِها؛ لأنَّ الأصلَ والظاهرَ الصِّحةُ والسَّلامةُ، وإنْ عُرفَتْ له

стр. 11133

حالةُ جُنونٍ ولم تُعرَفُ له حالةُ إفاقةٍ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه، وإنْ عُرفَتْ له حالةُ جُنونٍ وحالةُ إفاقةٍ ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: القَولُ قَولُها، قالَ القاضي: هذا قِياسُ قولِ أصحابِنا في المَلفوفِ إذا ضرَبَه فقَدَّه ثمَّ ادَّعَى أنه كانَ مَيتًا وقالَ الوليُّ: «كانَ حيًّا». والوَجهُ الثاني: أنَّ القَولَ قَولُه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذمَّتِه مِنْ الحَدِّ، فلا يَجبُ بالشَّكِّ، ولأنَّ الحَدَّ يَسقطُ بالشُّبهةِ. ولا يُشبِهُ هذا المَلفوفَ؛ لأنَّ المَلفوفَ قد عُلِمَ أنه كانَ حيًّا ولم يُعلَمْ منه ضِدُّ ذلك، فنَظيرُه في مَسألتِنا أنه يُعرَفُ له حالةُ إفاقةٍ ولا يُعلَمُ منه ضِدُّها، وفي مَسألتِنا قد تَقدَّمَ له حالةُ جُنونٍ، فيَجوزُ أنْ تَكونَ قدِ استَمرَّتْ إلى حينِ قَذفِه (١). ثمَّ قالَ ﵀: وأمَّا إنْ كانَتِ الزوجةُ غيرَ مُكلَّفةٍ فقذَفَها الزوجُ نظَرْنا؛ فإنْ كانَتْ طِفلةً لا يُجامَعُ مِثلُها فلا حَدَّ على قاذِفِها؛ لأنه قَولٌ يُتيقَّنُ كَذبُه فيه وبَراءةُ عِرضِها منه، فلَم يَجبْ بهِ حدٌّ كما لو قالَ: «أهلُ الدُّنيا زُناةٌ»، ولكنَّه يُعزَّرُ للسَّبِّ لا للقَذفِ، فلا يَحتاجُ في التَّعزيرِ إلى مُطالَبةٍ؛ لأنه مَشروعٌ لتَأديبِه، وللإمامِ فِعلُه إذا رأى ذلكَ، فإنْ كانَتْ يُجامَعُ مِثلُها كابنةِ تِسعِ سِنينَ فعليهِ الحَدُّ (٢)، وليسَ لوَليِّها ولا لها المُطالَبةُ بهِ حتى تَبلغَ، فإذا بلَغَتْ

стр. 11134

فطالَبَتْ فلها الحَدُّ، وله إسقاطُه باللِّعانِ، وليسَ له لِعانُها قبْلَ البُلوغِ؛ لأنَّ اللِّعانَ يُرادُ لإسقاطِ الحَدِّ أو نَفيِ الوَلدِ، ولا حَدَّ عليه قبلَ بُلوغِها ولا وَلدَ فيَنفيَه، فإنْ أتَتْ بوَلدٍ حُكِمَ ببُلوغِها؛ لأنَّ الحَمْلَ أحَدُ أسبابِ البُلوغِ، ولأنه لا يكونُ إلا مِنْ نُطفتِها، فمِن ضَرورتِه إنزالُها وهو مِنْ أسبابِ بُلوغِها، وإنْ قذَفَ امرَأتَه المَجنونة بزِنًا أضافَه إلى حالِ إفاقتِها أو قذَفَها وهي عاقِلةٌ ثمَّ حَنثَ لم يَكنْ لها المُطالَبةُ ولا لوَليِّها قبلَ إفاقتِها؛ لأنَّ هذا طَريقُه التَّشفِّي، فلا يَنوبُ عنه الوَليُّ فيه كالقِصاصِ، فإذا أفاقَتْ فلها المُطالَبةُ بالحَدِّ، وللزوجِ إسقاطُه باللِّعانِ، فإنْ أرادَ لِعانَها في حالِ جُنونِها ولا ولَدَ يَنفيهِ لم يكنْ له ذلك؛ لعَدمِ الحاجةِ إليهِ؛ لأنه لم يَتوجَّهْ عليهِ حَدٌّ فيُسقطَه ولا نَسبٌ فيَنفيَه، وإنْ كانَ هناكَ ولَدٌ يُريدُ نفْيَه فالذي يَقتضيه المَذهبُ أنه لا يُلاعِنُ ويَلحقُه الوَلدُ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يَنتفي باللِّعانِ مِنْ الزوجينِ، وهذهِ لا يَصحُّ مِنها لِعانٌ، وقد نَصَّ أحمَدُ في الخَرْساءِ أنَّ زوْجَها لا يُلاعِنُ، فهذه أَولى، وقالَ الخِرَقيُّ في العاقِلةِ: لا يُعرَضُ له حتى تُطالِبَه زَوجتُه، وهذا قَولُ أصحابِ الرأيِ؛ لأنها أحَدُ الزوجَينِ، فلَم يُشرَعِ اللِّعانُ معَ جُنونِه كالزوجِ، ولأنَّ لِعانَ الزوجِ وَحدهُ لا يَنتفِي به الوَلدُ، فلا فائِدةَ في مَشروعيَّتِه، وقالَ القاضِي: له أنْ يُلاعِنَ لنَفيِ الوَلدِ؛ لأنه مُحتاجٌ إلى نَفيِه، فشُرعَ له طَريقٌ إلى نَفيِه، وقالَ الشافعيُّ: له أنْ يُلاعِنَ، وظاهِرُ مَذهبِه أنَّ له لِعانَها مع عدَمِ الوَلدِ؛ لدُخولِه في عُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، ولأنه

стр. 11135

زَوجٌ مُكلَّفٌ قاذِفٌ لامرَأتِه التي يُولَدُ لمِثلِها، فكانَ له أنْ يُلاعِنَها كما لو كانَتْ عاقِلةً (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ قذَفَ زَوجتُه الصغيرةَ فإنْ كانَتْ لا يُوطَأُ مِثلُها كابنةِ سَبعِ سِنينَ فما دُونَها .. لم يَصحَّ قَذفُه؛ لأنَّ القَذفَ إنما يَصحُّ إذا احتُملَ أنْ يكونَ فيهِ صادِقًا أو كاذبًا، وابنةُ سَبعِ سِنينَ يعلمُ يَقينًا أنها لا تُوطَأُ وأنه كاذِبٌ، ويَجبُ عليه التَّعزيرُ للكَذبِ، وليسَ له أنْ يُلاعِنَ لإسقاطِ هذا التَّعزيرِ؛ لأنَّا نَتحقَّقُ كَذِبَه، فلا مَعنًى للِعانِه. وقالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: لا يُقامُ عليه التعزيرُ إلا بعدَ بُلوغِها؛ لأنه لا يَصحُّ مُطالَبتُها به، ولا يَنوبُ عنها الوَليُّ في المُطالَبةِ. وإنْ كانَتْ صَغيرةً يُوطَأُ مِثلُها كابنَةِ تِسعِ سِنينَ فما زادَ .. صَحَّ قَذفُه؛ لأنَّ ما قالَه يَحتملُ الصِّدقَ والكَذبَ، ولا يَجبُ عليه الحدُّ بقَذفِها؛ لأنها ليسَتْ بمُحصَنةٍ، وإنَّما يَجبُ عليه التَّعزيرُ، وهَل للزوجِ أنْ يُلاعِنَ لإسقاطِ التَّعزيرِ؟ فيهِ وجهانِ: أحَدُهما: مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: ليسَ له أنْ يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللِّعانَ يُرادُ لنَفيِ النَّسبِ أو لإسقاطِ ما وجَبَ عليه مِنْ الحَدِّ أو التَّعزيرِ بقَذفِها، وذلكَ لا يَجبُ قبلَ مُطالَبتِها. والثاني: قالَ أبو إسحاقَ: له أنْ يُلاعِنَ لإسقاطِ ما وجَبَ عليه مِنْ

стр. 11136

التعزيرِ في الظاهرِ وإنْ لم يُطالَبْ بهِ، كما يَجوزُ له أنْ يُقدِّمَ ما وجَبَ عليه مِنْ الدَّينِ المُؤجَّلِ قبلَ حُلولِه (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا رمَى زَوجتَه الصغيرةَ بالزِّنا بأنْ قالَ: «رَأيتُها تَزني» والحالُ أنَّ مِثلَها يُوطَأُ فإنه يُلاعِنُ دونَها وتَبقَى له زَوجةً؛ لأنه لاعَنَ لنَفيِ الحَدِّ عَنْ نفسِه، فإنْ حَملَتْ فلا يُلحَقُ به ولاعَنَتْ وفُرِّقَ بينَهُما، فإنْ نكَلَتْ حُدَّتْ حدَّ البِكرِ وبَقيَتْ زَوجةً، وإنَّما حُدَّتْ حَدَّ البِكرِ لعَدمِ الجَزمِ ببُلوغِها قبلَ الزِّنا حتى يُحصِنَها النكاحُ. وأمَّا إذا كانَتْ لا تُوطَأُ فإنَّ زوْجَها لا حَدَّ عليه ولا لِعانَ؛ لأنَّ قذْفَه إياها لم يُلحِقْ به مَعرَّةً (٢). الشَّرطُ الرَّابعُ: أنْ يَكونَا مُسلمَينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في اللِّعانِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ بينَ زَوجَينِ مُسلمَينِ؟ أم يَصحُّ بينَ مُسلِمٍ وكتابيَّةٍ أو بينَ غيرِ المُسلمينَ إذا تَرافَعُوا إلينا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَصحُّ اللِّعانُ إلا بينَ مُسلمينِ، لأنَّ اللِّعانَ شَهاداتٌ مُؤكَّدةٌ بالأيمانِ مَقرونةٌ باللَّعنِ وبالغَضبِ، وأنه في جانَبِ الزوجِ قائِمٌ مَقامَ حَدِّ القَذفِ، وفي جانبِها قائِمٌ مَقامَ حَدِّ الزِّنا، فكلُّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ واليَمينِ كانَ مِنْ أهلِ اللِّعانِ، ومَن لا فَلا.

стр. 11137

لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، والاستِدلالُ بالآيةِ الكَريمةِ مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: أنه تَعالى سَمَّى الذينَ يَرمونَ أزواجَهُم شُهداءَ؛ لأنه استَثناهُم مِنْ الشُّهداءِ بقَولِه تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، والمُستَثنَى مِنْ جِنسِ المُستَثنَى منه. والثاني: أنه سَمَّى اللِّعانَ شَهادةً نَصًّا بقَولِه : ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، والخَامِسةُ أي: الشهادةُ الخامِسةُ، وقالَ تَعالى في جانِبها: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، والخامِسة: أي الشهادةُ الخامِسةُ، إلا أنه تَعالى سمَّاهُ شَهادةً باللَّهِ تأكِيدًا للشهادةِ باليَمينِ، فقَولُه: «أشهَدُ» يَكونُ شَهادةً، وقَولُه: «باللَّهِ» يَكونُ يَمينًا، قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وهذا مَذهبُنا، أنه شَهاداتٌ مُؤكَّدةٌ بالأيمانِ، وهو أَولَى مِمَّا قالَه المُخالِفُ؛ لأنه عَملٌ باللَّفظَينِ في مَعنيَينِ، وفيما قالَه حمَلَ اللَّفظَينِ على مَعنًى واحِدٍ، فكانَ ما قُلناهُ أَولَى. والدليلُ عَلى أنه شَهادةٌ أنه شرَطَ فيه لفْظَ الشَّهادةِ وحَضرةَ الحاكِمِ. وأمَّا قَولُه: «لو كانَ شَهادةً لَكانَ في حقِّ المَرأةِ على النِّصفِ مِنْ شَهادةِ الرَّجلِ» فنَقولُ: هو شَهادةٌ مُؤكَّدةٌ باليَمينِ، فيُراعَى فيهِ مَعنَى الشهادةِ ومَعنَى اليَمينِ، وقدْ راعَينَا مَعنَى الشهادةِ فيه باشتِراطِ لَفظةِ الشهادةِ، فيُراعَى مَعنى اليَمينِ بالتَّسويةِ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ في العَددِ عَملًا بالشَّبَهَينِ جَميعًا، ولا

стр. 11138

حُجَّةَ له في الحَديثِ؛ لأنه رُويَ في بَعضِ الرِّواياتِ: «لولا ما مَضَى مِنْ الشَّهاداتِ»، وهذا حُجَّةٌ عليهِ حيثُ سمَّاهُ شَهادةً، ثمَّ نَقولُ بمُوجَبِه أنه يَمينٌ، لكنَّ هذا لا يَنفِي أنْ يكونَ شَهادةً، فهو شَهادةٌ مُؤكَّدةٌ باليَمينِ، واللَّهُ تَعالى المُوفِّقُ (١). ثمَّ قالَ ﵀: وأمَّا الإسلامُ فالكافِرُ ليسَ مِنْ أهلِ الشَّهادةِ على المُسلِمِ وإنْ كانَ المُسلِمُ مِنْ أهلِ الشهادةِ على الكافرِ، وإذا كانَا كافرَينِ فالكافِرُ وإنْ كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ على الكافِرِ فلَيسَ مِنْ أهلِ اليَمينِ باللَّهِ تَعالى؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ حُكمِها وهو الكفَّارةُ، ولهذا لم يَصحَّ ظِهارُ الذِّميِّ عندَنا، واللِّعانُ عندَنا شَهاداتٌ مُؤكَّدةٌ بالأيمانِ، فمَن لا يَكونُ مِنْ أهلِ اليَمينِ لا يَكونُ مِنْ أهلِ اللِّعانِ (٢). واحتَجُّوا أيضًا بمَا رُويَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «أربَعةٌ لا لِعانَ بينَهُم وبينَ أزواجِهِم: لا لِعانَ بينَ المُسلِمِ والكافِرةِ، والعَبدِ والحُرَّةِ، والحُرِّ والأمَةِ، والكافرِ والمُسلِمةِ» (٣).

стр. 11139

وصُورتُه: الكافِرُ أسلَمَتْ زوجَتُه فقبْلَ أنْ يُعرَضَ الإسلامُ على زوجِها قذَفَها بالزِّنا (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ -على تَفصيلٍ عندَهم يأتِي- والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ اللِّعانَ يَمينٌ وليسَ شَهادةً، فيَصحُّ بيْنَ كلِّ زوجَينِ، سَواءٌ كانَا مُسلمَينِ أم كافرَينِ، أو كانَ الزوجُ مُسلمًا والزوجةُ كِتابيةً. والدَّليلُ على أنَّ اللِّعانَ يَمينٌ وليسَ شَهادةً ما رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ في زَوجةِ هِلالَ بنِ أُميَّةَ حينَ جاءَتْ بوَلدِها على النَّعتِ المَكروهِ: «لَولا الأيمانُ لَكانَ لي ولَها شَأنٌ» (٢)، فسَمَّى اللِّعانَ يَمينًا، ولأنه لا يَجوزُ أنْ يَشهدَ الإنسانُ لنَفسِه وإنْ جازَ أنْ يَحلفَ لها، وكلُّ واحِدٍ مِنْ الزوجَينِ يُلاعِنُ عن حقٍّ لنَفسِه، فثبَتَ أنه يَمينٌ وليسَ بشَهادةٍ، ولأنه لو كانَ شهادةً لَمَا لَزمَ تَكرارُه أربعًا؛ لأنَّ الشهادةَ لا تكرَّرَ والأَيمانَ قد تَكرَّرُ، ولأنَّ الشهادةَ لا يَتضمَّنُها لَعنٌ ولا غَضبٌ، ولأنَّ المَرأةَ لا تُساوِي الرجلَ في الشهادةِ وتُساوِيه في الأَيمانِ، وهي في اللِّعانِ مُساوِيةٌ للرَّجلِ، فثبَتَ أنه يَمينٌ، ولأنَّ لفْظَ اللِّعانِ أنْ يَقولَ: «أشهَدُ باللهِ»، ولا خِلافَ أنَّ قولَ الإنسانِ في غَيرِ اللِّعانِ: «أشهَدُ باللهِ» أنه يَمينٌ، فكذلكَ في اللِّعانِ.

стр. 11140

والدَّليلُ على أنه يَصحُّ مِنْ الكافِرينَ عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولم يُفرِّقْ، ولأنَّ كلَّ زَوجٍ صحَّ طلاقُهُ صَحَّ لِعانُه كالحُرِّ المُسلِمِ، ولأنَّ كلَّ ما خرَجَ به الزوجُ مِنْ قَذفِه إذا كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ خرَجَ به مِنْ القَذفِ إنْ لم يَكنْ معه أهلُ الشهادةِ كالبيِّنةِ، ولأنَّ ما وَقعَتْ بهِ الفُرقةُ بينَ الزوجينِ المُسلمَينِ وَقعَتْ بهِ الفُرقةُ بينَ الكافرَينِ والمَملوكَينِ كالطلاقِ، ولأنَّ اللِّعانَ لدَرءِ العُقوبةِ الواجِبةِ بالقَذفِ ونَفيِ النَّسبِ، والكافِرُ كالمُسلمِ في هذا. ولأنَّ الزوجَ يَحتاجُ إلى نَفيِ الوَلدِ، فيُشرَعُ له طَريقًا إلى نَفيِه، كما لو كانَتِ امرَأتُه ممَّن يُحَدُّ بقَذفِها (١). إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَصحُّ اللِّعانُ إذا كانَ بينَ مُسلمٍ وزَوجتِه اليَهوديةِ أو النَّصرانيةِ، لكنَّ لِعانَه لنَفيِ الحَملِ أو الوَلدِ لا للرَّميِ؛ لأنَّ الكِتابيةَ تُلاعِنُ لدَفعِ العارِ عنها، وإنْ لم تلتعنِ الكِتابيةُ لم تُحَدَّ، بل تُؤدَّبُ، وبَقيَتْ زَوجةً، وإنْ نكَلَ هو أُدِّبَ أيضًا ولم يُحَدَّ، وإنِ التَعنَا وَقعَتِ الفُرقةُ. أمَّا إذا كانَ الزوجانِ كافرَينِ فإنه لا يَصحُّ منهُما اللِّعانُ، نعَمْ إنْ جاؤوا إلَينا ورَضوا بأحكامِنا حكَمْنا بينَهُم بحُكمِ المَسلمينَ، فيَتلاعَنانِ،

стр. 11141

ويَلزمُها الجَلدُ إذا نكَلَتْ؛ لفَسادِ أَنكحَتِهم، وإنْ نكَلَ هو لَزمَه الحَدُّ اتِّفاقًا (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا صِفةُ المُتلاعنَينِ فإنَّ قَومًا قالوا: يَجوزُ اللِّعانُ بينَ كلِّ زوجَينِ، حُرَّينِ كانَا أو عبدَينِ، أو أحَدُهما حُرٌّ والآخَرُ عَبدٌ، مُحدودَينِ كانَا أو عَدلَينِ أو أحَدُهما، مُسلمَينِ كانَا أو كانَ الزوجُ مُسلِمًا والزوجةُ كِتابيةً، ولا لِعانَ بينَ كافرَينِ إلا أنْ يَترافَعَا إلَينا، وممَّن قالَ بهذا القَولِ مالِكٌ والشافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: لا لِعانَ إلا بينَ مُسلمَينِ حُرَّينِ عَدلَينِ، وبالجُملةِ فاللِّعانُ عندَهم إنَّما يَجوزُ لِمَنْ كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ. وحُجَّةُ أصحابِ القَولِ الأوَّلِ عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، ولَم يَشتَرطْ في ذلكَ شَرطًا. ومُعتمَدُ الحَنفيةِ أنَّ اللِّعانَ شَهادةٌ، فيُشتَرطُ فيها ما يُشترطُ في الشهادةِ؛ إذْ قد سمَّاهُم اللهُ شُهداءَ لقَولِه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، ويَقولونَ: إنه لا يَكونُ لِعانٌ إلا بينَ مَنْ يَجبُ عليه الحَدُّ في القَذفِ الواقِعِ بينَهُما.

стр. 11142

وقدِ اتَّفقُوا على أنَّ العبْدَ لا يُحَدُّ بقَذفِه، وكذلكَ الكافِرُ، فشَبَّهُوا مَنْ يَجبُ عليه اللِّعانُ بمَن يَجبُ في قَذفِه الحَدُّ؛ إذْ كانَ اللِّعانُ إنَّما وُضِعَ لدَرءِ الحَدِّ معَ نَفيِ النَّسبِ، وربَّما احتَجُّوا بما رَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدَّه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا لِعانَ بينَ أربَعةٍ: العَبدَينِ، والكافِرَينِ» (١). والجُمهورُ يَرَونَ أنه يَمينٌ وإنْ كانَ يُسمَّى شَهادةً، فإنَّ أحَدًا لا يَشهدُ لنَفسِه، وأمَّا أنَّ الشهادةَ قد يُعبَّرُ عنها باليَمينِ فذلكَ بيِّنٌ في قَولِه تَعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا﴾ [المنافقون: ١] الآية، ثمَّ قالَ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] (٢). الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَا عَدلَينِ غيرَ مَحدودَينِ في قَذفٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُتلاعنَينِ، هل يُشترطُ فيهِما العَدالةُ فلا يَصحُّ بينَ فاسِقَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ؟ أم يَصحُّ بينَ كلِّ زوجَينِ ولو كانَا فاسِقَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ أو كانَ أحَدُهما كذلكَ؟ على نَفسِ الخِلافِ السابقِ في لِعانِ الكافِرِ، وسَببُ الخِلافِ: هلِ اللِّعانُ

стр. 11143

شَهادةٌ مُؤكَّدةٌ بالأَيمانِ مَقرونةٌ باللَّعنِ والغَضبِ، فكُلُّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ واليَمينِ كانَ مِنْ أهلِ اللِّعانِ، ومَن لا فَلا؟ أم أنَّ اللِّعانَ أَيمانٌ بلَفظِ الشهادةِ مَقرونةٌ باللَّعنِ والغضَبِ؟ فعليهِ كلُّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ اليَمينِ فهو مِنْ أهلِ اللِّعانِ، سَواءٌ كانَ مِنْ أهلِ الشهادةِ أو لم يَكنْ. فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ اللِّعانُ بينَ زَوجَينِ عَدلَينِ، فلا يَصحُّ بينَ فاسِقَينِ ولا بينَ مَحدودَينِ في قَذفٍ أو كانَ أحَدُهما كذلك؛ لأنَّ المَحدودَ في قَذفٍ لا شَهادةَ له؛ لأنَّ اللهَ تَعالى رَدَّ شَهادتُه على التَّأبيدِ. ولأنَّ كلَّ قَذفٍ لا يُوجِبُ الحَدَّ لو كانَ القاذِفُ أجنَبيًّا لا يُوجِبُ اللعانَ إذا كانَ القاذِفُ زَوجًا؛ لأنَّ اللعانَ مُوجبُ القذفِ في حَقِّ الزوجِ، كما أنَّ الحَدَّ مُوجبُ القَذفِ في الأجنَبيِّ، وقَذفُ واحِدٍ ممَّن ذكَرْنا لا يُوجِبُ الحَدَّ لو كانَ أجنَبيًّا، فإذا كانَ زَوجًا لا يُوجِبُ اللعانَ. ولأنَّ اللهَ تَعالى سَمَّى الذينَ يَرمونَ أزواجَهُم شُهداءَ في آيةِ اللعانِ، واستَثناهُم مِنْ الشُّهداءِ المَذكورينَ في آيةِ القَذفِ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، ولم يَدخلْ واحِدٌ مِمَّنْ ذكَرْنا، واللعانُ شَهادةٌ، فلا يَجوزُ إذا كانَا كذلك أو أحَدُهما كذلكَ (١).

стр. 11144

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وذكَرَ القاضِي في «المُجرَّد» أنَّ مَنْ لا يَجبُ الحَدُّ بقَذفِها -وهيَ الأمَةُ والذمِّيةُ والمَحدودةُ في الزِّنا- لزَوجِها لِعانُها لنَفيِ الوَلدِ خاصَّةً، وليسَ له لِعانُها لإسقاطِ القَذفِ والتعزيرِ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَجبُ، واللعانُ إنَّما يُشرعُ لإسقاطِ حَدٍّ أو نَفيِ ولَدٍ، فإذا لم يَكنْ واحدٌ مِنهُما لم يُشرَعِ اللِّعانِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَصحُّ اللِّعانُ بينَ كلِّ زوجَينِ، سَواءٌ كانَا مُسلمَينِ أو كافرَينِ، أو أحَدُهما مُسلِمًا والآخَرُ كافِرًا، وسَواءٌ كانَا عَدلَينِ أو فاسِقَينِ أو مَحدودَينِ في قَذفٍ، أو كانَ أحَدُهما كذلكَ؛ لعُمومِ قَولِه تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولَم يُفرِّقْ، ولأنَّ كلَّ زَوجٍ صحَّ طَلاقُه صحَّ لِعانُه. ولأنَّ اللعانَ لدَرءِ العُقوبةِ الواجِبةِ بالقَذفِ ونَفيِ النَّسبِ، والعَدلُ والفاسِقٌ في هذا سَواءٌ. ولأنَّ الزوجَ يَحتاجُ إلى نَفيِ الوَلدِ، فيُشرَعُ بهِ طَريقًا إلى نَفيِه، كما لو كانَتِ امرَأتُه مِمَّنْ يُحَدُّ بقَذفِها (٢).

стр. 11145

الشَّرطُ السادِسُ: النُّطقُ (لِعانُ الأخرَسِ والأعمَى): أجمَعَ أهلُ العلمِ على صحَّةِ لِعانِ الأعمَى. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقَد أجمَعُوا أنَّ الأعمَى يُلاعِنُ ولا تَصحُّ منه الرُّؤيةُ، وإنَّما يَصحُّ لِعانُه مِنْ حَيثُ وَطؤُه لزَوجتِه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعوا على جَوازِ لِعانِ الأعمَى (٢). إلا أنهمُ اختَلفُوا في لِعانِ الأخرَسِ، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَصحُّ اللِّعانُ مِنْ الأخرَسِ وقَذفُه إذا عَقلَ الإشارةَ وفَهِمَ الكِتابةَ وعَلِمَ ما يَقولُه وفَهِمَ منه غيرُه ما عندَه بالإشارةِ أو الكتابةِ؛ لأنهُما في حَقِّه كالنُّطقِ مِنْ الناطقِ، وليسَ كالشهادةِ منه؛ لضَرورتِه إليهِ دونَها؛ لأنَّ الناطقِينَ يَقومونَ بها، ولأنَّ المُغلَّبَ في اللِّعانِ مَعنَى اليَمينِ دونَ الشهادةِ، وتُجزِئُ إحداهُما وإنْ قدَرَ على الأُخرى، ويُكرِّرُ كتْبَ كَلمةِ الشهادةِ أربعًا، ولو كتَبَها مرَّةً وأشارَ إليها أربَعًا جازَ وهو جَمعٌ بينَ الإشارةِ والكِتابةِ.

стр. 11146

وكذلك الخَرساءُ تُلاعِنُ أيضًا؛ لأنَّ إشارةَ الأخرَسِ إذا فُهِمتْ قامَتْ مَقامَ النُّطقِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]، يَعنِي مَريمَ، فعَرفُوا بإشارتِها ما يَعرفونَه مِنْ نُطقِها، وبقَولِه تَعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، أي إيماءً وإشارةً، فلولا أنه يُفهَمُ مِنها ما يُفهَمُ مِنْ النَّطقِ لم يَقُلْ تَعالى: ألا تُكلِّمَهم إلا رَمزًا، فجعَلَ الرَّمزَ كَلامًا، وأيضًا فإنَّ النبيَّ ﷺ كبَّرَ للصَّلاةِ وذكَرَ أنه لم يَغتسلْ فأشارَ إليهِم أنِ اثبُتُوا مَكانَكُم، وكذلك أشارَ إلى أبي بَكرٍ في الصلاةِ، والأحادِيثُ في هذا أكثَرُ مِنْ أنْ تُحصَى، فصحَّ أنه يُعقلُ مِنْ الإشارةِ ما يُعقَلُ مِنْ النُّطقِ. وقد تكونُ الإشارةُ في كَثيرٍ مِنْ أبوابِ الفِقهِ أقوَى مِنْ الكَلامِ، مثلَ قولِه ﵊: «بُعِثتُ أنَا والساعةِ كَهاتَينِ»، وفي إجماعِ العُقولِ على أنَّ العِيانَ أقوَى مِنْ الخبَرِ دَليلٌ أنَّ الإشارةَ قَدْ تكونُ في بَعضِ المَواضعِ أقوَى مِنْ الكَلامِ. ولأنه لمَّا صحَّ طَلاقُه وبيعُه وسائِرُ الأحكامِ فيَنبغِي أنْ يكونَ القَذفُ مثلَ ذلكَ. ويَترتَّبُ على لِعانِ الأخرَسِ أوِ الخَرساءِ ما يَترتَّبُ على لِعانِ الناطقِ مِنْ أحكامٍ، كسُقوطِ الحَدِّ ونَفيِ النَّسبِ وغيرِ ذلكَ. ولو لاعَنَ الأخرَسُ بالإشارةِ أو الكِتابةِ ثمَّ انطَلقَ لِسانُه فتكلَّمَ فأنكَرَ القَذفَ واللِّعانَ أو قالَ: «لم أُرِدِ القَذفَ أو اللعانَ بإشارتِي» فقالَ الشافِعيةُ

стр. 11147

والحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يُقبَلُ منه إنكارُه للقَذفِ؛ لأنَّ إشارتَه أَثبتَتْ حَقًّا لغَيرِه، ويُقبَلُ منه إنكارُه للعانِ فيما عليهِ لا فيما له، فيَلزمُه الحَدُّ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، وإلا فالتَّعزيرُ، ويَلحقُه النَّسبُ، ولا تَعودُ الزوجيةُ؛ لأنها حُرِّمتْ باللِّعانِ على التَّأبيدِ. وله أنْ يُلاعِنَ حِينئذٍ لسُقوطِ الحَدِّ، وكذا يُلاعِنُ لنَفيِ الولدِ إنْ لم يَفُتْ زَمنُه، ولا تَرتفعُ الفُرقةُ والتَّحريمُ المُؤبَّدُ. ولو قذَفَ ناطقٌ ثمَّ خَرسَ ورُجيَ نُطقُه إلى ثَلاثةِ أيَّامٍ انتُظرَ نُطقُه فيها، وإلا بأنْ لَم يُرْجَ نُطقُه أو رُجيَ إلى أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ لاعَنَ بالإشارةِ ولا يُنتظرُ نُطقُه؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بالمَقذوفةِ (١). وقالَ المالِكيةُ: لو لاعَنَ الأخرَسُ ثمَّ انطَلقَ لِسانُه ولو بالقُربِ لم يُعَدْ عليه، ولو انطَلقَ لِسانُه بعدَ لِعانِه ولو بالقُربِ فقالَ: «لم أُرِدْ ذلكَ» لم يُقبَلْ منه (٢).

стр. 11148

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَصحُّ قَذفُه ولا لِعانُه، فإذا قذَفَ الأخرَسُ امرَأتَه بإشارةٍ لم يُحَدَّ ولم يُلاعِنْ، وكذلك لو قذَفَ بكِتابٍ؛ لأنَّ الأخرَسَ لا شَهادةَ له؛ لأنه لا يَتأتَّى منه لَفظةُ الشهادةِ، ولأنَّ القَذفَ منه لا يكونُ إلا بالإشارةِ، والقَذفُ بالإشارةِ يَكونُ في مَعنَى القَذفِ بالكِتابةِ، وإنه لا يُوجِبُ اللِّعانَ كما لا يُوجِبُ الحَدَّ (١). ولأنَّ هذه المَسألةَ مَبنيَّةٌ على أصلٍ، وهو أنَّ صحَّةَ القَذفِ تَتعلَّقُ بصَريحِ الزِّنا دونَ مَعناهُ، ألَا ترَى أنَّ مَنْ قذَفَ آخَرَ فقالَ له: «قد وَطِئتَ وَطئًا حَرامًا، ووَطِئتَ بلا شُبهةً» لم يكنْ قاذفًا، فإنْ أتَى بمَعنَى الزِّنا كانَ قاذِفًا، فبانَ أنَّ المُعتبَرَ في هذا البابِ صَريحُ اللَّفظِ، وهذا المَعنَى لا يَحصلُ مِنْ الأخرَسِ ضَرورةً، فلم يَكنْ قاذِفًا، ولا يَتميَّزُ بالإشارةِ الزِّنا مِنْ الوَطءِ الحلالِ والشُّبهةِ، وأيضًا فإنَّ إشارَتَه لمَّا تَضمَّنتْ وجهَينِ لم يَجُزْ إيجابُ الحَدِّ بها كالكِنايةِ والتَّعريضِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الأخرسُ والخَرساءُ فإنْ كانَا غيرَ مَعلومَيِ الإشارةِ والكِتابةِ فهُما كالمَجنونَينِ فيما ذكَرْناه؛ لأنه لا يُتصوَّرُ مِنهُما لِعانٌ، ولا يُعلَمُ مِنْ الزوجِ قَذفٌ ولا مِنْ المَرأةِ مُطالَبةٌ. وإنْ كانَا مَعلومَيِ الإشارةِ والكِتابةِ فقدْ قالَ أحمَدُ: إذا كانَتِ المَرأةُ

стр. 11149

خَرساءَ لم تُلاعِنْ؛ لأنه لا تُعلَمُ مُطالَبتُها، وحَكاهُ ابنُ المُنذِرِ عن أحمَدَ وأبي عُبيدٍ وأصحابِ الرأيِ، وكذلكَ يَنبغي أنْ يكونَ في الأُخرى؛ وذلكَ لأنَّ اللِّعانَ لَفظٌ يَفتقرُ إلى الشهادةِ، فلم يَصحَّ مِنْ الأخرَسِ كالشهادةِ الحَقيقيةِ، ولأنَّ الحَدَّ يُدرَأُ بالشُّبهاتِ، والشهادةُ لنَسبِه صَريحةٌ كالنُّطقِ، فلا يَخلو مِنْ احتمالٍ وتَردُّدٍ، فلا يَجبُ الحَدُّ بها كما لا يَجبُ على أجنَبيٍّ بشَهادتِه. وقالَ القاضِي وأبو الخطَّابِ: هو كالناطقِ في قَذفِه ولِعانِه، وهو مَذهبُ الشافعيِّ؛ لأنه يَصحُّ طَلاقُه، فصَحَّ قَذفُه ولِعانُه كالنَّاطقِ، ويُفارِقُ الشهادةَ؛ لأنه يُمكِنُ حُصولُها مِنْ غيرِه، فلَم تَدْعُ الحاجةُ إلى الأخرَسِ، وفي اللعانِ لا يَحصلُ إلا منه، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى قَبولِه مِنهُ كالطلاقِ. والأوَّلُ أحسَنُ؛ لأنَّ مُوجَبَ القَذفِ وُجوبُ الحَدِّ، وهو يُدرأُ بالشُّبهاتِ، ومَقصودُ اللِّعانِ الأصليُّ نَفيُ النَّسبِ، وهو يَثبتُ بالإمكانِ معَ ظُهورِ انتِفائِه، فلا يَنبغِي أنْ يُشرَعَ ما يَنفِيه ولا ما يُوجِبُ الحدَّ معَ الشُّبهةِ العَظيمةِ، ولذلكَ لم تُقبَلْ شَهادتُه، وقَولُهم: «إنَّ الشهادةَ تُحصلُ مِنْ غيرِه» قُلنا: قد لا تَحصلُ إلا منه؛ لاختِصاصِه برُؤيةِ المَشهودِ له أو إسماعِه إياهُ (١).

стр. 11150

وأمَّا الشُّروطُ الخاصَّةُ بالقاذِفِ حتَّى يَثبُتَ اللِّعانُ: عَدمُ إقامةِ البينةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجِ إذا قذَفَ زَوجتَه بالزِّنا وأتَى ببيَّنةٍ، هل يَصحُّ منهُ اللِّعانُ؟ أم أنه لا يَصحُّ اللِّعانُ إلا إذا عجَزَ عن إقامةِ البيَّنةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ اللِّعانَ لا يَصحُّ إلا إذا عَدمَ القاذفُ إقامةَ البيِّنةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى شرَطَ ذلك في آيةِ اللِّعانِ بقَولِه : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] الآيَة، حتى لو أقامَ أربعةً مِنْ الشُّهودِ على المَرأةِ بالزِّنَا لا يَثبتُ اللِّعانُ ويُقامُ عليها حَدُّ الزِّنا؛ لأنه قد ظهَرَ زِناها بشَهادةِ الشُّهودِ، ولو شَهدَ أربَعةٌ أحدُهُم الزوجُ فإنْ لم يَكنْ مِنْ الزوجِ قَذفٌ قبلَ ذلكَ تُقبَلُ شَهادتُهم ويُقامُ عليها الحَدُّ؛ لأنَّ شَهادتَه بالقَبولِ أَولى مِنْ شَهادةِ الأجنَبيِّ؛ لأنها أبعَدُ مِنْ التُّهمةِ؛ إذِ العادةُ أنَّ الرجلَ يَستُرُ على امرَأتِه ما يَلحقُه به شَينٌ، فلَم يَكنْ مُتهَمًا في شَهادتِه فتُقبلُ، كشَهادةِ الوالدِ على وَلدِه. وإنْ كانَ الزوجُ قذَفَها أوَّلًا ثمَّ جاءَ بثَلاثةٍ سِواهُ فشَهدوا فهُم قَذَفةٌ يُحَدُّونَ وعلى الزوجِ اللعانُ؛ لأنه لمَّا سبَقَ منه القَذفُ فقدْ وجَبَ عليهِ اللِّعانُ، فهو بشَهادتِه جُعلَ دافِعًا للضَّررِ عن نَفسِه، فلا تُقبَلُ شَهادتُه، والزِّنا لا يَثبتُ بشَهادةِ ثَلاثةٍ، فصاروا قَذفةً فيُحَدُّونَ حَدَّ القَذفِ، ويلَاعَنُ الزوجُ لقَذفِ زَوجتِه.

стр. 11151

فإنْ جاءَ هو وثَلاثةٌ شَهدوا أنها قد زَنَتْ فلم يُعدَّلُوا فلا حَدَّ عليها؛ لأنَّ زِناها لم يَثبتْ إلا بشَهادةِ الفُسَّاقِ، ولا حَدَّ عليهِم؛ لأنَّ الفاسِقَ مِنْ أهلِ الشهادةِ، ألَا ترَى أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالتوقيفِ في بَيانِه؟ فقدْ وُجدَ إتْيانُ أربعةِ شُهداءَ، فكيفَ يَجبُ عليهمُ الحَدُّ؟ ولا لِعانَ على الزوجِ؛ لأنه شاهِدٌ وليسَ بقاذِفٍ، فإنْ شَهدُوا معه ثلاثةٌ عُمْيٌ حُدَّ وحُدُّوا، أيْ يُلاعَنُ الزوجُ ويُحَدُّونَ حَدَّ القَذفِ؛ لأنَّ العُمْيانَ لا شَهادةَ لهم قَطعًا، فلَم يَكنْ قَولُهم حُجَّةً أصلًا، فكانُوا قَذَفةً فيُحَدُّونَ حَدَّ القَذفِ، ويُلاعنُ الزوجُ؛ لأنَّ قذْفَ الزوجِ يُوجِبُ اللعانَ إذا لم يأْتِ بأربعةِ شُهداءَ، ولم يأْتِ بهم (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ امرَأتَه بالزِّنا وأقامَ البيِّنةَ على زِناها بأنْ أتَى بأربعةِ شُهودٍ يَشهَدونَ على زِناها فإنه مُخيَّرٌ بينَ لِعانِها وبينَ إقامةِ البيِّنةِ؛ لأنهما بيِّنتانِ فكانَتْ له الخِيَرةُ في إقامةِ أيَّتِهما شاءَ، كمَن له بِدَينٍ شاهِدانِ وشاهِدٌ وامرَأتانِ، ولأنَّ كلَّ واحِدةٍ منهما يَحصلُ بها ما لا يَحصلُ بالأُخرى، فإنه يَحصلُ باللِّعانِ نَفيُ النَّسبِ الباطلِ، ولا يَحصلُ ذلكَ بالبيِّنةِ، ويَحصلُ بالبيِّنةِ ثُبوتُ زِناها وإقامةُ الحَدِّ عليها، ولا يَحصلُ باللعانِ، فإنْ لاعَنَها ونفَى ولَدَها ثمَّ أرادَ إقامةَ البيِّنةِ فله ذلكَ، فإذا أقامَهَا ثبَتَ مُوجَبُ اللِّعانِ ومُوجَبُ البيِّنةِ، وإنْ أقامَ البيِّنةَ أوَّلًا ثبَتَ الزِّنا ومُوجَبُه ولم يَنتَفِ عنه الولدُ، فإنه لا يَلزمُ مِنْ الزِّنا كَونُ الولدِ منه، وإنْ أرادَ لِعانَها

стр. 11152

بعدَ ذلكَ وليسَ بينَهُما ولدٌ يُريدُ نفْيَه لم يَكنْ له ذلك؛ لأنَّ الحَدَّ قد انتَفَى عنه بإقامةِ البيِّنةِ، فلا حاجةَ إلَيهِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ بينَهما ولدٌ يُريدُ نفْيَه فعلى قَولِ القاضِي له أنْ يُلاعِنَ (١). وقالَ أيضًا: فإنْ أرادَ الزوجُ اللِّعانَ مِنْ غَيرِ مُطالَبةٍ نظَرْنَا، فإنْ لَم يَكنْ هُناكَ نسَبٌ يُريدُ نفْيَه لم يَكنْ له أنْ يُلاعِنَ، وكذلك كلُّ مَوضعٍ سقَطَ فيهِ الحَدُّ، مثلَ أنْ أقامَ البيِّنةَ بزِناها أو أبرَأتْه مِنْ قَذفِها أو حَدٍّ لها ثمَّ أرادَ لِعانَها ولا نسَبَ هناكَ يُنفَى، فإنه لا يُشرَعُ اللعانُ، وهذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، ولا نَعلمُ فيهِ مُخالِفًا، إلا بعضَ أصحابِ الشافعيِّ قالوا: له المُلاعَنةُ لإزالةِ الفِراشِ، والصحيحُ عندَهُم مِثلُ قَولِ الجَماعةِ؛ لأنَّ إزالةَ الفِراشِ مُمكِنُة بالطلاقِ، والتحريمُ المُؤبَّدُ ليسَ بمَقصودٍ يُشرَعُ اللِّعانُ مِنْ أجْلِه، وإنما حصَلَ ذلك ضِمنًا. فأمَّا إنْ كانَ هناكَ ولدٌ يُريدُ نفْيَه فقالَ القاضِي: له أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه، وهذا مَذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ لمَّا قذَفَ امرَأتَه وأتَى النبيَّ ﷺ فأخبَرَه أرسَلَ إليها فلاعَنَ بينَهُما ولم تَكنْ طالَبتْه، ولأنه مُحتاجٌ إلى نفيِه فشُرعَ له طَريقٌ إليه كما لو طالَبتْه، ولأنَّ نفيَ النَّسبِ الباطلِ حَقٌّ له، فلا يَسقطُ برِضاها به كما لو طالَبَتْ باللِّعانِ ورَضِيتْ بالوَلدِ. ويَحتملُ أنْ لا يُشرَعَ اللعانُ هاهُنا، كما لو قذَفَها فصَدَّقتْه، وهو قَولُ

стр. 11153

أصحابِ الرأيِ؛ لأنه أحَدُ مُوجَبَي القَذفِ، فلا يُشرَعُ مع عَدمِ المُطالَبةِ كالحَدِّ (١). وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: وللزوجِ أنْ يُلاعِنَ وإنْ قدَرَ على إقامَةِ البيِّنةِ، خِلافًا لقَومٍ؛ لأنَّ اللِّعانَ يُستفادُ بهِ ما لا يُستفادُ بالبيِّنةِ مِنْ نَفيِ الولَدِ وزَوالِ الفِراشِ، والحاجةُ داعِيةٌ إليه مع وُجودِ البيِّنةِ كما تَدعُو إليه معَ عَدمِها، فجازَ في الحالَينِ (٢). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإنْ قذَفَ زَوجتَه وأقامَ عليها أربعةَ شُهودٍ بزِناها .. سقَطَ عنه حَدُّ القَذفِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، فدَلَّ على أنه إذا أتَى بأربعةِ شُهداءَ .. لم يُجلَدْ. فإنْ لم يَكنْ هناكَ وَلدٌ يَلحقُه مِنها .. لم يَكنْ له أنْ يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللِّعانَ لدَرءِ الحَدِّ أو لنَفيِ النَّسبِ، وليسَ هناكَ واحِدٌ مِنهُما. وإنْ كانَ هُناكَ ولدٌ يَلحقُه مِنها .. فله أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه؛ لأنه لا يَنتفِي عنه بالبيِّنةِ، فإنْ كانَ ولدًا مُنفصِلًا .. فله أنْ يُلاعِنَ، وإنْ كانَ حَمْلًا .. فله أنْ يَصبِرَ باللعانِ إلى أنْ تَضعَ، وهل له أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه قبلَ الوَضعِ؟ على الطريقَينِ في التي قبْلَها.

стр. 11154

وإنْ قذَفَ زَوجتَه بالزِّنا فأَقرَّتْ بهِ .. لم يَجبْ عليه حَدُّ القَذفِ، فإنْ كانَ هناكَ ولدٌ يَلحقُه مِنها .. فإنه لا يَنتفِي عنه بإقرارِها بالزِّنا، وله أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه، فإنْ كانَ مُنفصِلًا .. فله أنْ يُلاعِنَ لأجْلِه، وإنْ كانَ حَمْلًا .. فهل له أنْ يُلاعِنَ لنَفيهِ قبلَ انفِصالِه؟ أيضًا على الطريقَينِ (١). الشُّروطُ التي تَرجعُ إلى الزَّوجةِ: يُشترطُ لوُجوبِ اللِّعانِ وصحَّتِه ثَلاثةُ شُروطٍ تَرجِعُ إلى الزوجةِ. الشَّرطُ الأولُ: إنكارُ الزَّوجةِ وُجودَ الزِّنا منها: نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ مِنْ شَرطِ وُجوبِ اللِّعانِ إنكارُ الزوجةِ وُجودَ الزنا مِنها، حتى لو أقرَّتْ بذلكَ لا يَجبُ اللِّعانُ ويَلزمُها حَدُّ الزِّنا، وهو الجَلدُ إنْ كانَتْ غيْرَ مُحصَنةٍ، والرَّجمُ إنْ كانَتْ مُحصَنةً؛ لظُهورِ زِناها بإقرارِها (٢). وقالَ المالِكيةُ: إذا قذَفَها بالزِّنَا فصدَّقَتْه حُدَّتْ ولم يَلزمْهُ حَدُّ القَذفِ، فإنْ كانَ هُناكَ نَسبٌ يَنفِيه لاعَنَ؛ لأنه مُحتاجٌ إلى اللِّعانِ لدَفعِ النَّسبِ بعدَ تَصديقِها كحاجتِه إليهِ قبْلَه، فكانَ له اللِّعانُ في الحالَينِ، وإنْ لم يَكنْ نَسبٌ لم يُلاعِنْ (٣).

стр. 11155

ومَذهبُ الشافِعيةِ في المُصَدِّقةِ على الزِّنا المُعتَرِفةِ به أنه لا يَخلو أنْ تُصدِّقَ الزوجَ قبلَ لِعانِه أو بعدَه، فإنَّ صَدَّقَتْه بعدَ لِعانِه ثَبتَتْ أحكامُ اللعانِ به مِنْ وُقوعِ الفُرقةِ وتَحريمِ التَّأبيدِ ونَفيِ النَّسبِ، وليسَ لإقرارِها بالزِّنا بعدَ لِعانِ الزوجِ تأثيرٌ إلا في مَنعِها مِنْ الالتِعانِ بعدَه؛ لأنَّ لِعانَها لإسقاطِ حَدِّ الزِّنا عَنها بلِعانِ الزوجِ، والمُقِرَّةُ بالزِّنا يُوجَبُ الحَدُّ عليها بالإقرارِ ولا يَسقطُ عنها باللِّعانِ، فإنْ رَجعَتْ عنِ الإقرارِ صارَ الحَدُّ واجبًا عليها باللعانِ دونَ الإقرارِ؛ لأنَّ الرُّجوعَ في الإقرارِ بالزِّنا مَقبولٌ في سُقوطِ الحَدِّ، وجازَ لَها أنْ تُلاعِنَ لإسقاطِ الحَدِّ الواجبِ عليها بلِعانِ الزوجِ. فأمَّا إنْ صَدَّقَتْه على الزِّنا قبلَ لِعانِه أو في تَضاعيفِه فقَدْ سقَطَ حَدُّ القَذفِ عنِ الزوجِ بتَصديقِه، فإنْ كانَ له وَلدٌ يُريدُ نفيَه فله أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه؛ لأنه كما جازَ له أنْ يَنفيَ وَلدَ المُكذِّبةِ الظاهِرةِ العِفَّةِ فلَأنْ يَنفيَ وَلدَ المُصدِّقةِ الظاهِرةِ الفُجورِ أَولَى، وإنْ لمْ يَكنْ لها وَلدٌ ففي جَوازِ لعانِه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَجوزُ أنْ يُلاعِنَ؛ لأنَّ اللعانَ مَوضوعٌ لسُقوطِ الحَدِّ ونَفيِ النَّسبِ، وقدْ سقَطَ عنه الحَدُّ بتَصديقِها وعَدمِ الولدِ الذي يَحتاجُ إلى نَفيِه. والوَجهُ الثاني: يَجوزُ أنْ يُلاعِنَ لوُقوعِ الفُرقةِ وتأبيدِ التَّحريمِ، وليسَ للزوجةِ أنْ تُلاعِنَ بعدَ لِعانِه ما أقامَتْ على الإقرارِ بالزنا، فإنْ رَجعَتْ عنه لاعَنَتْ (١).

стр. 11156

وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ اللعانِ أنْ تُكذِّبَه الزوجةُ ويَستمِرَّ ذلك إلى انقِضاءِ اللِّعانِ. فإنْ صدَّقَتْه الزوجةُ فيما رَماها به مِنْ الزنا مرَّةً أو مِرارًا أو سَكتَتْ أو عَفَتْ عنه أو ثبَتَ زِناها بأربعةٍ سِواهُ أو قذَفَ خَرْساءَ أو ناطِقةً فخرَسَتْ أو صَمَّاءَ ولم تُفهَمْ إشارتُها لَحقُه النَّسبُ؛ لأنَّ الوَلدَ للفِراشِ، وإنما يَنتفِي عنه باللعانِ ولم يُوجَدْ شَرطُه، ولا حَدَّ؛ لتَصديقِها إياه أو عَدمِ الطَّلبِ، ولا لِعانَ؛ لأنَّ اللعانَ كالبيِّنةِ إنما يُقامُ مع الإنكارِ. وإنْ كانَ إقرارُهَا دونَ الأربَعِ مرَّاتٍ فلا حَدَّ عليها، أو كانَ إقرارُها أربَعَ مرَّاتٍ ثمَّ رَجعَتْ فلا حَدَّ عَليها؛ لأنَّ الرُّجوعَ عنِ الإقرارِ بالحَدِّ مَقبولٌ، وإنْ كانَ تَصديقُها قبلَ لِعانِه فلا لِعانَ بينَهُما للحَدِّ؛ لتَصديقِها إياه، ولا لنَفيِ النَّسبِ؛ لأنَّ نفْيَ الوَلدِ إنما يَكونُ بلِعانِهما معًا وقد تَعذَّرَ مِنهما. وإنْ كانَ تَصديقُها بعدَ لِعانَه لم تُلاعنْ هي؛ لإقرارِها. وإنْ ماتَ أحَدُ الزوجَينِ قبلَ اللِّعانِ أو في أثناءِ لِعانِ أحَدِهما أو ماتَ أحَدُهما قبلَ لِعانِها وَرثَه صاحِبُه؛ لأنَّ الفُرقةَ لا تَحصلُ إلا بكَمالِ اللِّعانِ، ولَحِقَ الزوجَ نسَبُ الوَلدِ؛ لأنَّ النكاحَ إنَّما يَقطعُه اللعانُ كالطلاقِ، ولا لِعانَ؛ لأنَّ شرْطَه مُطالَبةُ الزوجةِ وقد تَعذَّرَ ذلكَ بالمَوتِ، لكنْ إنْ كانَتْ قَدْ طالَبَتْ في حَياتِها فإنَّ أولياءَها يَقومونَ في الطَّلبِ بحَدِّ القَذفِ

стр. 11157

مَقامَها؛ لأنه يُورَثُ عنها إذَنْ، فإنْ طُولِبَ بالحَدِّ فله إسقاطُه باللِّعانِ كما لو كانَتْ حيَّةً (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الرَّجلُ إذا قذَفَ امرَأتَه فصدَّقَتْه وأقرَّتْ بالزِّنا مرَّةً أو مرَّتينِ أو ثَلاثًا لم يَجبْ عَليها الحَدُّ؛ لأنه لا يَثبتُ إلا بإقرارِ أربَعِ مرَّاتٍ على ما يُذكَرُ في الحُدودِ، ثمَّ إنْ كانَ تَصديقُها له قبلَ لِعانِه فلا لِعانَ بينَهُما؛ لأنَّ اللِّعانَ كالبيِّنةِ إنما يُقامُ مع الإنكارِ، وإنْ كانَ بعدَ لِعانِه لم تُلاعِنْ هي؛ لأنها لا تَحلِفُ مع الإقرارِ، وحُكمُها حُكمُ ما لو امتَنعَتْ مِنْ غيرِ إقرارٍ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافعيُّ: إنْ صدَّقَتْه قبلَ لِعانِه فعَليها الحَدُّ، وليسَ له أنْ يُلاعِنَ إلا أنْ يَكونَ ثَمَّ نَسبٌ يَنفيهِ، فيُلاعِنُ وحْدَه ويَنتفِي النَّسبُ بمُجرَّدِ لِعانِه، فإنْ كانَ بعدَ لِعانِه فقَدِ انتَفَى النَّسبُ ولَزمَها الحَدُّ؛ بِناءً على أنَّ النَّسبَ يَنتفي بمُجرَّدِ لِعانِه، وتَقعُ الفُرقةُ ويَجبُ الحَدُّ، فإنَّ الحَدَّ يَجبُ بإقرارِ مرَّةٍ، وهذهِ الأصولُ قد مَضى أكثَرُها. ولو أَقرَّتْ أربَعًا وجَبَ الحَدُّ، ولا لِعانَ بينَهُما إذا لم يَكنْ ثَمَّ نَسبٌ يُنفَى، وإنْ رَجعَتْ سقَطَ الحَدُّ عنها بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، وبه يَقولُ الشافعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، فإنَّ الرُّجوعَ عنِ الإقرارِ بالحَدِّ مَقبولٌ، وليس له أنْ يُلاعِنَ للحَدِّ، فإنه لم يَجبْ عليهِ؛ لتَصديقِها إيَّاه، وإنْ أرادَ لِعانَها لنَفيِ نَسبٍ فظاهرُ قَولِ الخِرقيِّ أنه ليسَ له ذلكَ في جَميعِ هذهِ الصُّوَرِ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ.

стр. 11158

وقالَ الشافعيُّ: له لِعانُها لنَفيِ النَّسبِ فيها كلِّها؛ لأنها لو كانَتْ عَفيفةً صالِحةً فكذَّبَتْه ملَكَ نفْيَ ولَدِها، فإذا كانَتْ فاجِرةً فصدَّقَتْه فلَأنْ يَملكَ نفيَ ولَدِها أَولى. ووَجهُ الأولِ أنَّ نفيَ الوَلدِ إنَّما يَكونُ بلِعانِهما معًا، وقد تَعذَّرَ اللعانُ مِنهُما، ولأنها لا تُستحلَفُ على نَفيِ ما تُقِرُّ بهِ، فتَعذَّرَ نفيُ الوَلدِ لتَعذُّرِ سَببِه، كما لو ماتَ بعدَ القَذفِ وقبلَ اللِّعانِ (١). الشَّرطُ الثَّاني (الخاصُّ بالزَّوجةِ): أنْ تَكونَ عَفيفةً: نَصَّ الحَنفيةُ -وهو مُقتضَى كلامِ الفُقهاءِ كما سَيأتي في حَدِّ القَذفِ- على أنه يُشترطُ لصِحةِ اللِّعانِ عفَّةُ الزوجةِ عن الزِّنا، فإنْ لم تَكنْ عَفيفةً لا يَجبُ اللِّعانُ بقَذفِها، كما لا يَجبُ الحَدُّ في قَذفِ الأجنَبيةِ إذا لم تَكنْ عَفيفةً؛ لأنه إذا لم تَكنْ عَفيفةً فقدْ صَدَّقتْه بفِعلِها، فصارَ كما لو صدَّقَتْه بقَولِها. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وعلى هذا قالوا في المَرأةِ إذا وُطِئتْ بشُبهةٍ ثمَّ قذَفَها زَوجُها أنه لا يَجبُ عليه اللعانُ، ولو قذَفَها أجنَبيٌّ لا يَجبُ عليه الحَدُّ؛ لأنها وُطِئتْ وَطئًا حَرامًا فذهَبَتْ عِفَّتُها، ثمَّ رجَعَ أبو يُوسفَ وقالَ: يَجبُ بقَذفِها الحَدُّ واللِّعانُ؛ لأنَّ هذا وَطءٌ يَتعلَّقُ به ثُبوتُ النَّسبِ ووُجوبُ المَهرِ، فكانَ كالمَوجودِ في النكاحِ، فلا يُزيلُ العفَّةَ عنِ الزنا.

стр. 11159

والجَوابُ: أنَّ الوَطءَ حَرامٌ؛ لعَدمِ النكاحِ، إنَّما المَوجودُ شُبهةُ النكاحِ، فكانَ يَنبغي أنْ يَجبَ الحَدُّ عليها، إلا أنه سقَطَ للشُّبهةِ، فلَأنْ يَسقطَ الحَدُّ واللِّعانُ عنِ القاذِفِ لِمكانِ الحَقيقةِ أَولى (١). الشَّرطُ الثالِثُ لوُجوبِ اللِّعانِ: طَلبُ المرأةِ ذلكَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا قذَفَ زَوجتَه فإنه يُشترطُ لصحَّةِ اللعانِ طَلبُ الزوجةِ، فلا يتعرَّضُ له بإقامةِ الحَدِّ عليه، ولا طَلبُ اللعانِ منه حتى تَطلبَ زَوجتُه ذلك، فإنَّ ذلك حَقُّ لها؛ لأنه باللعانِ يَندفِعُ عارُ الزنا عنها، فلا بُدَّ مِنْ طَلبِها كسائِرِ الحُقوقِ (٢). قالَ الكاسانِيُّ ﵀: والأفضلُ للمَرأةِ أنْ تَتركَ الخُصومةَ والمُطالَبةَ؛ لِما فيها مِنْ إشاعةِ الفاحِشةِ، وكذا تَركُها مِنْ بابِ الفَضلِ والإكرامِ، وقدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فإنْ لم تَتركْ وخاصَمَتْه إلى القاضي يُستحسَنُ للقاضي أنْ يَدعوَهُما إلى التَّركِ فيَقولَ لها: «اترُكِي وأَعرِضِي عن هذا»؛ لأنه دُعاءٌ إلى سَتْرِ الفاحِشةِ، وأنه مَندوبٌ إليهِ، فإنْ

стр. 11160

تَركَتْ وانصَرفَتْ ثمَّ بَدا لها أنْ تُخاصِمَه فلها ذلك وإنْ تَقادَمَ العَهدُ؛ لأنَّ ذلك حَقُّها، وحَقُّ العَبدِ لا يَسقطُ بالتَّقادُمِ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في مَسألتَينِ: المسألةُ الأُولى: إذا طلَبَتِ اللِّعانَ وامتَنعَ الزَّوجُ منهُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَا لَو قذَفَ الزوجُ زَوجتَه بالزِّنا وطلَبَتِ اللِّعانَ وامتَنعَ ولم يُلاعِنْ، هل يُحَدُّ حَدَّ القَذفِ؟ أم يُحبَسُ حتى يُلاعِنَ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه وجَبَ عليه اللِّعانُ، وللمَرأةِ أنْ تُخاصِمَه إلى الحاكِمِ وتُطالبَه باللِّعانِ، وإذا طالَبَتْه يُجبِرُه عليه، ولو امتَنعَ يُحبَسُ؛ لامتِناعِه عنِ الواجِبِ عليه كالمُمتَنعِ مِنْ قَضاءِ الدَّينِ، فيُحبَسُ حتى يُلاعِنَ أو يُكذِّبَ نفسَه (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه بالزِّنا وطلَبَتِ الزوجةُ اللِّعانَ وامتَنعَ أُقيمَ عليه حَدُّ القَذفِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، والتَّعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصَنةٍ، وحُكمَ بفِسقِه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، وهذا عامٌّ في الأزواجِ وغيرِ الأزواجِ، ولأنها حُرَّةٌ

стр. 11161

عَفيفةٌ قذَفَها مَنْ لم يُحقِّقْ قذْفَها، فوجَبَ أنْ يُحَدَّ لها، أصلُه الأجنَبيةُ. وخَصَّ الأزواجَ بأنْ جعَلَ لِعانَهم يَقومُ مَقامِ شَهادةِ أربَعةٍ غَيرِهم؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة. وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَه عندَ النبيِّ ﷺ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ … » (١)، ولأنه قاذِفٌ يَلزمُه الحَدُّ إذا لم يَأتِ بالبيِّنةِ المَشروعةِ كالأجنَبيِّ (٢). وستَأتي المَسألةُ بالتَّفصيلِ بأوسَعَ مِنْ ذلكَ. المسألةُ الثَّانيةُ: إذا أرادَ الزَّوجُ اللعانَ دُونَ طَلبِها: الزوجةُ إذا لم تَطلُبِ اللِّعانَ مِنْ زَوجِها بعدَ أنْ قذَفَها وأرادَ الزوجُ أنْ يُقيمَ اللِّعانَ فهذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:

стр. 11162

الحَالةُ الأُولى: أنْ لا يَكونَ هُناكَ نَسبٌ يُريدُ أنْ يَنفيَه: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجِ إذا قذَفَ زَوجتَه ولم تَطلُبِ اللِّعانَ ولم يَكنْ هُناكَ وَلدٌ ليَنفيَه، هل له أنْ يُلاعِنَ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنه إذا لم يَكنْ هُناكَ نسَبٌ يُريدُ نفْيَه لم يَكنْ له أنْ يُلاعِنَ، وكذلكَ كلُّ مَوضعٍ سقَطَ فيه الحَدُّ مثلَ أنْ أقامَ البيِّنةَ بزِناها أو أبرَأتْه مِنْ قَذفِها أو حَدٍّ لها ثمَّ أرادَ لِعانَها ولا نسَبَ هناكَ يُنفَى فإنه لا يُشرَعُ اللعانُ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، ولا نَعلمُ فيهِ مُخالِفًا، إلا بعضَ أصحابِ الشافعيِّ قالوا: له المُلاعَنةُ لإزالةِ الفِراشِ، والصحيحُ عندَهم مِثلُ قَولِ الجَماعةِ؛ لأنَّ إزالةَ الفِراشِ مُمكِنةٌ بالطلاقِ، والتحريمُ المُؤبَّدُ ليسَ بمَقصودٍ يُشرَعُ اللِّعانُ مِنْ أجلِه، وإنَّما حصَلَ ذلك ضِمنًا (١). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وإنْ لم يَكنْ هناكَ وَلدٌ يُريدُ نفْيَه لم يَكنْ له أنْ يُلاعِنَ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لعَدمِ الحاجةِ إليهِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّ له أنْ يُلاعِنَ؛ لأنه يَستفيدُ بهِ قطْعَ النكاحِ والفُرقةَ المُؤبَّدةَ ودفْعَ عارِ الكَذبِ وإثباتَ حدِّ الزنا (٣).

стр. 11163

الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ هُناكَ نَسبٌ يُريدُ أنْ يَنفيَه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ له وَلدٌ يُريدُ أنْ يَنفيَه، هل له أنْ يُلاعِنَ وإنْ لم تَطلُبِ الزوجةُ؟ أم ليسَ له أنْ يُلاعِنَ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ له أنْ يُلاعِنَ لنَفيهِ؛ لأنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ لمَّا قذَفَ امرَأتَه وأتَى النبيَّ ﷺ فأخبَرَه أرسَلَ إليها فلاعَنَ بينَهُما ولم تَكنْ طالَبَتْه، ولأنه مُحتاجٌ إلى نَفيِه، فشُرعَ له طَريقٌ إليه كما لو طالَبتْه، ولأنَّ نفيَ النَّسبِ الباطلِ حقٌّ له، فلا يَسقطُ برِضاها بهِ، كما لو طالَبَتْ باللِّعانِ ورَضِيتْ بالوَلدِ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في احتِمالٍ ذكَرَه ابنُ قُدامَةَ وحَكاهُ عَنْ أصحابِ الرأيِ إلى أنه لا يُشرَعُ اللعانُ هاهُنا كما لو قذَفَها فصدَّقَتْه؛ لأنه أحَدُ مُوجبَيِ القَذفِ، فلا يُشرعُ معَ عَدمِ المُطالَبةِ كالحَدِّ (٢).

стр. 11164

الرُّكنُ الثَّالثُ: سَببُ اللِّعانِ (القَذفُ): نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ سبَبَ اللِّعانِ هو قَذفُ الزوجِ زَوجتَه بالزِّنا أو نَفيُ الوَلدِ (١). القَذفُ لُغةً: الرَّميُ بالشَّيءِ. وشَرعًا عرَّفَه الحَنفيةُ والحَنابلةُ ب: الرَّمي بالزِّنا (٢)، وزادَ الشافِعيةُ: في مَعرِضِ التَّعيِيرِ أو نَفيِ وَلدٍ (٣). قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، والمُرادُ الرَّميُ بالزِّنا بالإجماعِ (٤). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: القَذفُ هو الرَّميُ بالزِّنا، وهو مُحرَّمٌ بإجماعِ الأمَّةِ، والأصلُ في تَحريمِه الكِتابُ والسُّنةُ (٥)، وسَيأتي بَيانُ ذلكَ في حَدِّ القَذفِ إنْ شاءَ اللهُ. فإذا قذَفَ الزوجُ زَوجتَه المُحصَنةَ بالزنا ولم يَأتِ بأربَعةِ شُهداءَ أو لم تُصدِّقْه الزوجةُ وجَبَ عليه اللِّعانُ، وللمَرأةِ أنْ تُطالبَه بذلكَ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ.

стр. 11165

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا إذا رَماها بالزِّنا ولم يُلاعِنْ، هل يَجبُ عليه الحَدُّ أم لا؟ وكذا إذا رَمَاها وأَبَتِ المَرأةُ اللِّعانَ، هل يُقامُ عليها الحَدُّ أم لا؟ وبَيانُ ذلكَ في مَسألتَينِ: المسألةُ الأُولى: هل يَجبُ على الزَّوجِ الحَدُّ إذا قذَفَ زوْجَتَه أم لا؟ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه ولاعَنَ أنه لا شَيءَ عليه كما تَقدَّمَ. إلا أنهمُ اختَلفوا فيما لو قذَفَ زَوجتَه ولَم يُلاعِنْ، هلْ يُحَدُّ حَدَّ القَذفِ؟ أم يُحبَسُ حتى يُلاعِنَ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه وجَبَ عليه اللِّعانُ، وللمَرأةِ أنْ تُخاصِمَه إلى الحاكِمِ وتُطالبَه باللِّعانِ، وإذا طالَبَتْه يُجبِرُه عليه، ولو امتَنعَ يُحبَسُ لامتِناعِه عنِ الواجِبِ عليه كالمُمتنِعِ مِنْ قَضاءِ الدَّينِ، فيُحبَسُ حتى يُلاعِنَ أو يُكذِّبَ نفسَه، وكذا إذا التَعَنَ الرَّجلُ تُجبَرُ المَرأةُ عَلى اللِّعانِ، ولو امتَنعَتْ تُحبَسُ حتى تُلاعِنَ أو تُقِرَّ بالزنا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، أي: فلْيَشهَدْ أحَدُهم أربَعَ شَهاداتٍ باللَّهِ، جعَلَ مُوجَبَ قَذفِ الزَّوجَاتِ اللِّعانَ، فمَن أوجَبَ الحَدَّ فقدْ خالَفَ النصَّ، ولأنَّ الحَدَّ إنما يَجبُ لظُهورِ كَذبِه في القَذفِ، وبالامتِناعِ مِنْ اللعانِ لا يَظهرُ كِذبُه؛

стр. 11166

إذْ ليسَ كلُّ مَنْ امتَنعَ مِنْ الشهادةِ أو اليَمينِ يَظهرُ كَذبُه فيه، بلْ يُحتمَلُ أنه امتَنعَ منه صَونًا لنَفسِه عنِ اللَّعنِ والغَضبِ، والحَدُّ لا يَجبُ معَ الشبهةِ، فكيفَ يَجبُ مع الاحتِمالِ؟! ولأنَّ الاحتِمالَ مِنْ اليَمينِ بَدلٌ وإباحةٌ، والإباحةُ لا تَجرِي في الحُدودِ، فإنَّ مَنْ أباحَ للحاكمِ أنْ يُقِيمَ عليه الحَدَّ لا يَجوزُ له أنْ يُقِيمَ. وأمَّا آيَةُ القَذفِ فقدْ قيلَ أنَّ مُوجَبَ القَذفِ في الابتِداءِ كانَ هو الحَدَّ في الأجنَبياتِ والزوجاتِ جَميعًا، ثمَّ نُسخَ في الزوجاتِ وجُعلَ مُوجَبُ قَذفِهنَّ اللِّعانَ بآيةِ اللِّعانِ. والدليلُ عليه ما رُويَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ أنه قالَ: كُنَّا جُلوسًا في المَسجدِ لَيلةَ الجُمعةِ، فجاءَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: «يا رَسولَ اللهِ أرَأيتُم الرَّجلَ يَجدُ مع امرَأتِه رَجلًا، فإنْ قتَلَه قَتلتموهُ، وإنْ تَكلَّمَ به جَلدتُموهُ، وإنْ أمسَكَ أمسَكَ على غَيظٍ، ثمَّ جعَلَ يَقولُ: اللَّهمَّ افتَحْ، فنزَلَتْ آيةُ اللِّعَانِ»، دلَّ قَولُه: «وإنْ تَكلَّمَ به جَلَدتُموهُ» على أنَّ مُوجَبَ قَذفِ الزوجةِ كانَ الحَدَّ قبلَ نُزولِ آيةِ اللعانِ، ثمَّ نُسخَ في الزوجاتِ بآيةِ اللعانِ، فيَنسخُ الخاصُّ المُتأخِّرُ العامَّ المُتقدِّمَ بقَدرِه. وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ دفْعَ العَذابِ يَقتضي تَوجُّهَ العَذابِ لا وُجوبَه؛ لأنه حِينئذٍ يَكونُ رَفعًا لا دَفعًا، على أنه يُحتملُ أنْ يكونَ المُرادُ مِنْ العَذابِ هو الحَبسُ؛ إذِ الحَبسُ

стр. 11167

يُسمَّى عَذابًا، قالَ اللهُ تَعالى في قِصةِ الهُدهدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١]، قيلَ في التَّفسيرِ: «لَأحبسَنَّه»، وهذا لأنَّ العَذابَ يُنبئُ عن مَعنَى المَنعِ في اللُّغةِ، يقالُ: «أَعْذَبَ» أي: منَعَ، و «أَعْذَبَ» أي امتَنعَ، يُستعملُ لازِمًا ومُتعدِّيًا، ومَعنى المَنعِ يُوجدُ في الحَبسِ، وهذا هو مَذهبُنا أنها إذا امتَنعَتْ مِنْ اللِّعانِ تُحبَسُ حتى تُلاعِنَ أو تُقِرَّ بالزنا فيدرأُ عنها العَذابَ وهو الحَبسُ باللِّعانِ، فإذنْ قُلنا بمُوجَبِ الآيةِ الكريمةِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه بالزِّنا لَزمَ الزوجَ ما يَلزمُ بقَذفِ أجنَبيةٍ، فيَجبُ عليهِ حدُّ القَذفِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصَنةٍ، وحُكمَ بفِسقِه. فإنْ طُولِبَ بالحَدِّ أو التعزيرِ فله أنْ يُسقطَ ذلكَ عَنْ نفسِه بإقامةِ البيِّنةِ على الزِّنا، وله أنْ يُسقطَ ذلكَ باللعانِ، أو أنْ تُصدِّقَه المَرأةُ على ذلك، فإنْ لاعَنَ فلا حَدَّ عليه، وإنْ لَم يَأتِ ببيِّنةٍ أو لم تُصدِّقْه المَرأةُ ولم يُلاعِنْ فيُقامُ عليه حَدُّ القَذفِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصَنةٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، وهذا عامٌّ في الأزواجِ وغيرِ الأزواجِ، ولأنها حُرَّةٌ عَفيفةٌ قذَفَها مَنْ لم يُحقِّقْ قذْفَها، فوجَبَ أنْ يُحَدَّ لها، أصلُه الأجنَبيةُ.

стр. 11168

وخَصَّ الأزواجَ بأنْ جعَلَ لِعانَهم يَقومُ مَقامَ شهادةِ أربعةٍ غَيرِهم بقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية. وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَهُ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «البَيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إذا رَأى أحَدُنا على امرَأتِه رَجلًا يَنطلِقُ يَلتمِسُ البَيِّنةَ، فجعَلَ النبيُّ ﷺ يَقولُ: «البَيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ»، فقالَ هِلالٌ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ إني لَصادِقٌ فلَيُنزِلَنَّ اللهُ ما يُبَرِّئُ ظَهرِي مِنْ الحَدِّ، فنزَلَ جِبريلُ وأنزَلَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فقَرأَ حتى بلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩]، فانصَرفَ النبيُّ ﷺ فأرسَلَ إليها فجاءَ هِلالٌ فشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يقولُ: «إنَّ اللهَ يَعلمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنكُما تائِبٌ؟» ثمَّ قامَتْ فشَهدَتْ، فلمَّا كانَتْ عندَ الخامِسةِ وَقَّفُوها وقالوا: إنها مُوجِبةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فتَلكَّأَتْ ونكَصَتْ حتى ظنَنَّا أنها تَرجِعُ، ثمَّ قالَتْ: لا أَفضَحُ قَومِي سائرَ اليومِ، فمَضَتْ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «أَبصِرُوها، فإنْ جاءَتْ به أَكحَلَ العَينَينِ سابِغَ الإليتَينِ خَدلَّجَ الساقَينِ فهو لشَريكِ بنِ سَحماءَ»، فجاءَتْ بهِ كذلكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «لولا ما مَضى مِنْ كِتابِ اللهِ لَكانَ لي ولَها شَأنٌ» (١).

стр. 11169

والشاهدُ قَولُ النبيِّ ﷺ : «البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، ولأنه قاذِفٌ يَلزمُه الحَدُّ لو أكذَبَ نفسَه، فلَزمَه إذا لم يَأتِ بالبيِّنةِ المَشروعةِ كالأجنَبيِّ. فأمَّا إنْ قذَفَ غيرَها كالكِتابيةِ والأمَةِ والمَجنونةِ والطِّفلةِ فإنه يَجبُ عليه التعزيرُ بذلكَ؛ لأنه أدخَلَ عَليهنَّ المَعرَّةَ بالقَذفِ، ولا يُحَدُّ لهنَّ حَدًّا كامِلًا؛ لنُقصانهنَّ بذلك، ولا يَتعلَّقُ به فِسقٌ ولا رَدُّ شَهادةٍ؛ لأنه لا يُوجِبُ الحَدَّ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ القاضي: وليسَ له إسقاطُ هذا التَّعزيرِ باللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ إمَّا لنَفيِ النَّسبِ أو لدَرءِ الحَدِّ، وليسَ هاهُنا واحِدٌ منهُما. وقالَ الشافعيُّ: له إسقاطُه باللِّعانِ؛ لأنه إذا مَلكَ إسقاطَ الحَدِّ الكامِلِ باللِّعانِ فإسقاطُ ما دونَه أَولَى. وللقاضي أنْ يَقولَ: لا يَلزمُ مِنْ مَشروعيَّتِه لدَفعِ الحَدِّ الذي يَعظمُ ضَررُه مَشروعيَّتُه لدَفعِ ما يَقلُّ ضَررُه، كما لو قذَفَ طِفلةً لا يُتصوَّرُ وَطؤُها فإنه يُعزَّرُ تَعزيرَ السَّبِّ والأذَى، وليس له إسقاطُه باللِّعانِ، كذا هاهُنا. وأمَّا إنْ كانَ لأحدِ هؤلاءِ ولَدٌ يُريدُ نفيَه فقالَ القاضي: له أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه، وهذا قولُ الشافعيِّ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ في الأمَةِ والكِتابيةِ، سواءٌ كانَ لهُما ولَدٌ أو لم يَكنْ (١).

стр. 11170

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الفَصلُ الرابعُ في حُكمِ نُكولِ أحدِهِما أو رُجوعِه. فأمَّا إذا نكَلَ الزوجُ فقالَ الجُمهورُ: إنه يُحَدُّ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنه لا يُحَدُّ ويُحبَسُ. وحُجَّةُ الجُمهورِ عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآيَة، وهذا عامٌّ في الأجنَبيِّ والزوجِ، وقدْ جعَلَ الالتِعانَ للزوجِ مَقامَ الشُّهودِ، فوجَبَ إذا نكَلَ أنْ يَكونَ بمَنزلةِ مَنْ قذَفَ ولم يَكنْ له شُهودٌ، أعنِي أنه يُحَدُّ، وما جاءَ أيضًا مِنْ حَديثِ ابنِ عُمرَ وغَيرِه في قصَّةِ العَجلانِيِّ مِنْ قَولِه ﵊: «إنْ قَتَلتُ قُتِلتُ، وإنْ نَطقتُ جُلِدتُ، وإنْ سَكتُّ سَكتُّ على غَيظِ». واحتَجَّ الفَريقُ الثاني بأنَّ آيةَ اللِّعانِ لم تَتضمَّنْ إيجابَ الحَدِّ عليه عندَ النُّكولِ، والتعريضُ لإيجابِه زِيادةً في النصِّ، والزِّيادةُ عندَهم نَسخٌ، والنَّسخُ لا يَجوزُ بالقِياسِ ولا بأخبارِ الآحادِ، قالوا: وأيضًا لو وجَبَ الحَدُّ لم يَنفعْه الالتِعانُ ولا كانَ له تأثيرٌ في إسقاطِه؛ لأنَّ الالتِعانَ يَمينٌ، فلم يَسقطْ به الحَدُّ عنِ الأجنَبيِّ، فكذلكَ الزوجُ.
следующие страницы →