إذْ ليسَ كلُّ مَنْ امتَنعَ مِنْ الشهادةِ أو اليَمينِ يَظهرُ كَذبُه فيه، بلْ يُحتمَلُ أنه امتَنعَ منه صَونًا لنَفسِه عنِ اللَّعنِ والغَضبِ، والحَدُّ لا يَجبُ معَ الشبهةِ، فكيفَ يَجبُ مع الاحتِمالِ؟!
ولأنَّ الاحتِمالَ مِنْ اليَمينِ بَدلٌ وإباحةٌ، والإباحةُ لا تَجرِي في الحُدودِ، فإنَّ مَنْ أباحَ للحاكمِ أنْ يُقِيمَ عليه الحَدَّ لا يَجوزُ له أنْ يُقِيمَ.
وأمَّا آيَةُ القَذفِ فقدْ قيلَ أنَّ مُوجَبَ القَذفِ في الابتِداءِ كانَ هو الحَدَّ في الأجنَبياتِ والزوجاتِ جَميعًا، ثمَّ نُسخَ في الزوجاتِ وجُعلَ مُوجَبُ قَذفِهنَّ اللِّعانَ بآيةِ اللِّعانِ.
والدليلُ عليه ما رُويَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ أنه قالَ: كُنَّا جُلوسًا في المَسجدِ لَيلةَ الجُمعةِ، فجاءَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: «يا رَسولَ اللهِ أرَأيتُم الرَّجلَ يَجدُ مع امرَأتِه رَجلًا، فإنْ قتَلَه قَتلتموهُ، وإنْ تَكلَّمَ به جَلدتُموهُ، وإنْ أمسَكَ أمسَكَ على غَيظٍ، ثمَّ جعَلَ يَقولُ: اللَّهمَّ افتَحْ، فنزَلَتْ آيةُ اللِّعَانِ»، دلَّ قَولُه: «وإنْ تَكلَّمَ به جَلَدتُموهُ» على أنَّ مُوجَبَ قَذفِ الزوجةِ كانَ الحَدَّ قبلَ نُزولِ آيةِ اللعانِ، ثمَّ نُسخَ في الزوجاتِ بآيةِ اللعانِ، فيَنسخُ الخاصُّ المُتأخِّرُ العامَّ المُتقدِّمَ بقَدرِه.
وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ دفْعَ العَذابِ يَقتضي تَوجُّهَ العَذابِ لا وُجوبَه؛ لأنه حِينئذٍ يَكونُ رَفعًا لا دَفعًا، على أنه يُحتملُ أنْ يكونَ المُرادُ مِنْ العَذابِ هو الحَبسُ؛ إذِ الحَبسُ
стр. 11167
يُسمَّى عَذابًا، قالَ اللهُ تَعالى في قِصةِ الهُدهدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١]، قيلَ في التَّفسيرِ: «لَأحبسَنَّه»، وهذا لأنَّ العَذابَ يُنبئُ عن مَعنَى المَنعِ في اللُّغةِ، يقالُ: «أَعْذَبَ» أي: منَعَ، و «أَعْذَبَ» أي امتَنعَ، يُستعملُ لازِمًا ومُتعدِّيًا، ومَعنى المَنعِ يُوجدُ في الحَبسِ، وهذا هو مَذهبُنا أنها إذا امتَنعَتْ مِنْ اللِّعانِ تُحبَسُ حتى تُلاعِنَ أو تُقِرَّ بالزنا فيدرأُ عنها العَذابَ وهو الحَبسُ باللِّعانِ، فإذنْ قُلنا بمُوجَبِ الآيةِ الكريمةِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه بالزِّنا لَزمَ الزوجَ ما يَلزمُ بقَذفِ أجنَبيةٍ، فيَجبُ عليهِ حدُّ القَذفِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصَنةٍ، وحُكمَ بفِسقِه.
فإنْ طُولِبَ بالحَدِّ أو التعزيرِ فله أنْ يُسقطَ ذلكَ عَنْ نفسِه بإقامةِ البيِّنةِ على الزِّنا، وله أنْ يُسقطَ ذلكَ باللعانِ، أو أنْ تُصدِّقَه المَرأةُ على ذلك، فإنْ لاعَنَ فلا حَدَّ عليه، وإنْ لَم يَأتِ ببيِّنةٍ أو لم تُصدِّقْه المَرأةُ ولم يُلاعِنْ فيُقامُ عليه حَدُّ القَذفِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، والتعزيرُ إنْ كانَتْ غيرَ مُحصَنةٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، وهذا عامٌّ في الأزواجِ وغيرِ الأزواجِ، ولأنها حُرَّةٌ عَفيفةٌ قذَفَها مَنْ لم يُحقِّقْ قذْفَها، فوجَبَ أنْ يُحَدَّ لها، أصلُه الأجنَبيةُ.
стр. 11168
وخَصَّ الأزواجَ بأنْ جعَلَ لِعانَهم يَقومُ مَقامَ شهادةِ أربعةٍ غَيرِهم بقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية.
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَهُ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «البَيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إذا رَأى أحَدُنا على امرَأتِه رَجلًا يَنطلِقُ يَلتمِسُ البَيِّنةَ، فجعَلَ النبيُّ ﷺ يَقولُ: «البَيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ»، فقالَ هِلالٌ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ إني لَصادِقٌ فلَيُنزِلَنَّ اللهُ ما يُبَرِّئُ ظَهرِي مِنْ الحَدِّ، فنزَلَ جِبريلُ وأنزَلَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فقَرأَ حتى بلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩]، فانصَرفَ النبيُّ ﷺ فأرسَلَ إليها فجاءَ هِلالٌ فشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يقولُ: «إنَّ اللهَ يَعلمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنكُما تائِبٌ؟» ثمَّ قامَتْ فشَهدَتْ، فلمَّا كانَتْ عندَ الخامِسةِ وَقَّفُوها وقالوا: إنها مُوجِبةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فتَلكَّأَتْ ونكَصَتْ حتى ظنَنَّا أنها تَرجِعُ، ثمَّ قالَتْ: لا أَفضَحُ قَومِي سائرَ اليومِ، فمَضَتْ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «أَبصِرُوها، فإنْ جاءَتْ به أَكحَلَ العَينَينِ سابِغَ الإليتَينِ خَدلَّجَ الساقَينِ فهو لشَريكِ بنِ سَحماءَ»، فجاءَتْ بهِ كذلكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «لولا ما مَضى مِنْ كِتابِ اللهِ لَكانَ لي ولَها شَأنٌ» (١).
стр. 11169
والشاهدُ قَولُ النبيِّ ﷺ : «البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، ولأنه قاذِفٌ يَلزمُه الحَدُّ لو أكذَبَ نفسَه، فلَزمَه إذا لم يَأتِ بالبيِّنةِ المَشروعةِ كالأجنَبيِّ.
فأمَّا إنْ قذَفَ غيرَها كالكِتابيةِ والأمَةِ والمَجنونةِ والطِّفلةِ فإنه يَجبُ عليه التعزيرُ بذلكَ؛ لأنه أدخَلَ عَليهنَّ المَعرَّةَ بالقَذفِ، ولا يُحَدُّ لهنَّ حَدًّا كامِلًا؛ لنُقصانهنَّ بذلك، ولا يَتعلَّقُ به فِسقٌ ولا رَدُّ شَهادةٍ؛ لأنه لا يُوجِبُ الحَدَّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ القاضي: وليسَ له إسقاطُ هذا التَّعزيرِ باللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ إمَّا لنَفيِ النَّسبِ أو لدَرءِ الحَدِّ، وليسَ هاهُنا واحِدٌ منهُما.
وقالَ الشافعيُّ: له إسقاطُه باللِّعانِ؛ لأنه إذا مَلكَ إسقاطَ الحَدِّ الكامِلِ باللِّعانِ فإسقاطُ ما دونَه أَولَى.
وللقاضي أنْ يَقولَ: لا يَلزمُ مِنْ مَشروعيَّتِه لدَفعِ الحَدِّ الذي يَعظمُ ضَررُه مَشروعيَّتُه لدَفعِ ما يَقلُّ ضَررُه، كما لو قذَفَ طِفلةً لا يُتصوَّرُ وَطؤُها فإنه يُعزَّرُ تَعزيرَ السَّبِّ والأذَى، وليس له إسقاطُه باللِّعانِ، كذا هاهُنا.
وأمَّا إنْ كانَ لأحدِ هؤلاءِ ولَدٌ يُريدُ نفيَه فقالَ القاضي: له أنْ يُلاعِنَ لنَفيِه، وهذا قولُ الشافعيِّ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ في الأمَةِ والكِتابيةِ، سواءٌ كانَ لهُما ولَدٌ أو لم يَكنْ (١).
стр. 11170
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الفَصلُ الرابعُ في حُكمِ نُكولِ أحدِهِما أو رُجوعِه.
فأمَّا إذا نكَلَ الزوجُ فقالَ الجُمهورُ: إنه يُحَدُّ، وقالَ أبو حَنيفةَ: إنه لا يُحَدُّ ويُحبَسُ.
وحُجَّةُ الجُمهورِ عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآيَة، وهذا عامٌّ في الأجنَبيِّ والزوجِ، وقدْ جعَلَ الالتِعانَ للزوجِ مَقامَ الشُّهودِ، فوجَبَ إذا نكَلَ أنْ يَكونَ بمَنزلةِ مَنْ قذَفَ ولم يَكنْ له شُهودٌ، أعنِي أنه يُحَدُّ، وما جاءَ أيضًا مِنْ حَديثِ ابنِ عُمرَ وغَيرِه في قصَّةِ العَجلانِيِّ مِنْ قَولِه ﵊: «إنْ قَتَلتُ قُتِلتُ، وإنْ نَطقتُ جُلِدتُ، وإنْ سَكتُّ سَكتُّ على غَيظِ».
واحتَجَّ الفَريقُ الثاني بأنَّ آيةَ اللِّعانِ لم تَتضمَّنْ إيجابَ الحَدِّ عليه عندَ النُّكولِ، والتعريضُ لإيجابِه زِيادةً في النصِّ، والزِّيادةُ عندَهم نَسخٌ، والنَّسخُ لا يَجوزُ بالقِياسِ ولا بأخبارِ الآحادِ، قالوا: وأيضًا لو وجَبَ الحَدُّ لم يَنفعْه الالتِعانُ ولا كانَ له تأثيرٌ في إسقاطِه؛ لأنَّ الالتِعانَ يَمينٌ، فلم يَسقطْ به الحَدُّ عنِ الأجنَبيِّ، فكذلكَ الزوجُ.
стр. 11171
والحَقُّ أنَّ الالتعانَ يَمينٌ مَخصوصةٌ، فوجَبَ أنْ يكونَ لها حُكمٌ مَخصوصٌ، وقَد نُصَّ على المرأةِ أنَّ اليَمينَ يَدرأُ عنها العَذابَ، فالكَلامُ فيما هو العَذابُ الذي يَندرئُ عنها باليَمينُ، وللاشتِراكِ الذي في اسمِ العَذابِ اختَلفوا أيضًا في الواجِبِ عليها إذا نكَلَتْ، فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمَدُ والجُمهورُ: إنها تُحَدُّ، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا نكلَتْ وجَبَ عليها الحَبسُ حتى تُلاعِنَ، وحُجَّتُه قَولُه ﵊: «لا يَحِلُّ دمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو قَتلُ نفسٍ بغَيرِ نفسٍ»، وأيضًا فإنَّ سفْكَ الدَّمِ بالنُّكولِ حُكمٌ تَردُّه الأصولُ، فإنه إذا كانَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجبونَ غُرمَ المالِ بالنُّكولِ فكانَ بالحَريِّ أنْ لا يَجبَ بذلكَ سَفكُ الدِّماءِ.
وبالجُملةِ فقاعِدةُ (الدِّماءُ مَبناها في الشرعِ على أنها لا تُراقُ إلا بالبيِّنةِ العادِلةِ أو بالاعتِرافِ)، ومِن الواجِبِ ألَّا تُخصَّصَ هذهِ القاعِدةُ بالاسمِ المُشتَركِ، فأبو حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ أَولَى بالصوابِ إنْ شاءَ اللهُ.
وقدِ اعتَرفَ أبو المَعالِي في كِتابِه «البُرهان» بقوَّةِ أبي حَنيفةَ في هذه المَسألةِ، وهو شافِعيٌّ.
واتَّفقوا على أنه إذا أكذَبَ نفسَه حُدَّ وأُلحقَ به الوَلدُ إنْ كانَ نفَى ولدًا (١).
стр. 11172
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فإنْ قيلَ: فلو نكَلَ الزوجُ عنِ اللِّعانِ بعدَ قذفِه فما حُكمُ نُكولِه؟
قُلنا: يُحَدُّ حَدَّ القَذفِ عندَ جُمهورِ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ، وهو قَولُ الشافعيِّ ومالكٍ وأحمَدَ وأصحابِهم، وخالَفَ في ذلكَ أبو حَنيفةَ وقالَ: يُحبَسُ حتى يُلاعِنَ أو تُقِرَّ الزوجةُ، وهذا الخِلافُ مَبنيٌّ على أنَّ مُوجَبَ قَذفِ الزوجِ لامرَأتِه هل هو الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ وله إسقاطُه باللِّعانِ؟ أو مُوجَبُه اللِّعانُ نفسُه؟ فالأوَّلُ قولُ الجُمهورِ، والثاني قَولُ أبي حَنيفةَ.
واحتَجُّوا عليه بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وبقَولِه ﷺ لهِلالِ بنِ أُميَّةَ: «البيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، وبقَولِه له: «عَذابُ الدُّنيا أهوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرةِ»، وهذا قالَه لهِلالِ بنِ أُميَّةَ قبلَ شُروعِه في اللِّعانِ، فلو لم يَجبِ الحَدُّ بقَذفِه لم يَكنْ لهذا مَعنًى، وبأنه قَذفُ حُرَّةٍ عَفيفةٍ يَجري بينَه وبينَها القَودُ، فحُدَّ بقَذفِها كالأجنَبيِّ، وبأنه لو لاعَنَها ثمَّ أكذَبَ نفسَه بعدَ لِعانَها لَوجَبَ عليه الحَدُّ، فدلَّ على أنَّ قذْفَه سَببٌ لوُجوبِ الحَدِّ عليه، وله إسقاطُه باللِّعانِ؛ إذْ لو لم يَكنْ سَببًا لَمَا وجَبَ بإكذابِه نفسَه بعدَ اللعانِ.
وأبو حَنيفةَ يَقولُ: قَذفُه لها دَعوى تُوجِبُ أحَدَ أمرَينِ: إمَّا لِعانُه وإما إقرارُها، فإذا لم يُلاعِنْ حُبسَ حتى يُلاعِنَ، إلا أنْ تُقِرَّ فيَزولُ مُوجبُ الدَّعوى، وهذا بخِلافِ قَذفِ الأجنَبيِّ؛ فإنه لا حَقُّ له عندَ المَقذوفةِ، فكانَ
стр. 11173
قاذِفًا مَحضًا، والجُمهورُ يَقولونَ: بل قَذفُه جِنايةٌ منه على عِرضِها، فكانَ مُوجَبُها الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ، ولمَّا كانَ فيها شائِبةُ الدَّعوى عليها بإتلافِها لحَقِّه وخِيانتِها فيهِ ملَكَ إسقاطَ ما يُوجِبُه القَذفُ مِنْ الحَدِّ بلِعانِه، فإذا لم يُلاعِنْ مع قُدرتِه على اللِّعانِ وتَمكُّنِه منه عَمِلَ مُقتضَى القَذفِ عمَلَه واستَقلَّ بإيجابِ الحَدِّ؛ إذْ لا مُعارِضَ له، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
المسألةُ الثَّانيةُ: حُكمُ الزَّوجةِ إذا نكَلَتْ عن اللِّعانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجةِ إذا قذَفَها زَوجُها بالزنا أو نفَيِ الولَدِ ولاعَنَ ثمَّ نكلَتْ هي عنِ اللِّعانِ، هل يُقامُ عليها الحَدُّ؟ أم تُحبَسُ؟ أم يُخلَّى سَبيلُها؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا لاعَنَ وجَبَ على الزوجةِ اللِّعانُ بالنَّصِّ، فإنِ امتَنعَتْ حبَسَها الحاكمُ حتى تُلاعِنَ أو تُصدِّقَه، فلا حاجةَ إلى اللعانِ، ولا يَجبُ عليها حَدُّ الزنا؛ لأنَّ مِنْ شَرطِه أنْ تُقِرَّ بهِ أربَعَ مرَّاتٍ، وإنْ صدَّقَتْه عندَ الحاكمِ أربَعَ مرَّاتٍ لا تُحَدُّ أيضًا؛ لأنَّ التَّصديقَ ليسَ بإقرارٍ قَصدًا، فلا يُعتبَرُ في حقِّ وُجوبِ الحَدِّ ويُعتبَرُ في دَرئِه ليَندفعَ به اللعانُ ولا يَجبَ به الحَدُّ، ولو صدَّقَتْه في نَفيِ الولَدِ فلا حَدَّ ولا لِعانَ وهو ولَدُهما؛ لأنهُما لا يَملكانِ إبطالَ حقِّه قَصدًا، والنَّسبُ إنَّما يَنتفِي باللعانِ، ولم يُوجَدْ (٢).
стр. 11174
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الزوجَ إذا لاعَنَ وامتَنعَتِ الزوجةُ فإنها تُحَدُّ حَدَّ الزنا، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فعَلى الحُرَّةِ المُسلمةِ والكِتابيةِ حَدُّ الزنا إنْ لَم تُلاعِنْ، فإنْ كانَتْ بِكرًا فجَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ، وإنْ كانَتْ مُحصَنةً فالرَّجمُ … وهذا شَرحُ مَذهبِنا في وُجوبِ حَدِّ الزِّنا على الزوجةِ بلِعانِ الزوجِ ما لم تُلاعِنْ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: الواجِبُ عليها اللعانُ دونَ الحَدِّ، فإنِ امتَنعَتْ عنِ اللعانِ حُبسَتْ حتى تُلاعِنَ، ولم تُحَدَّ؛ استِدلالًا برِوايةِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَحِلُّ دمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلا بإحدَى ثلاثِ خِصالٍ: كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو قَتلٌ بغَيرِ نفسٍ»، فمنَعَ هذا الخبَرُ مِنْ قَتلِها بغَيرِ هذهِ الثلاثِ خِصالٍ، ووُجوبُ الحَدِّ عليها بلِعانِ الزوجِ مُفضٍ إلى قَتلِها إنْ كانَتْ مُحصَنةً، وفيه إثباتُ ما نفاهُ الخبَرُ، ولأنه قَولٌ لا يَجبُ بهِ الحَدُّ على غَيرِ الزوجةِ، فوجَبَ أنْ لا يَجبَ به حَدٌّ على الزوجةِ كالأيمانِ طَردًا والشهادةِ عَكسًا، قالوا: ولأنَّ اللِّعانَ عندَ الشافعيِّ يَمينٌ، وهو لا يَحكمُ بالنُّكولِ عليها، وفي حَدِّها إنِ امتَنعَتْ مِنْ اللِّعانِ حُكمٌ عليها بالنُّكولِ، وهذا تَناقضٌ في القَولِ.
стр. 11175
ودَليلُنا: قَولُه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، وذِكرُ العَذابِ بالألِفِ واللَّامِ يُوجِبُ حمْلَه على جِنسٍ أو مَعهودٍ، فلم يَجُزْ حَملُه على جِنسِ العَذابِ؛ لأنه لا يَجبُ، فوجَبَ حَملُه على المَعهودِ وهو الحَدُّ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
فإنْ قيلَ: فالجِنسُ مَعهودٌ في عَذابِ مَنْ امتَنعَ مِنْ الحُقوقِ.
قُلنا: لا يَصحُّ حَملُه على الجِنسِ مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الجِنسَ لم يُسَمَّ في عُرفِ الشرعِ عَذابًا، وقد سُمِّيَ الحَدُّ عَذابًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] يَعنِي الحَدَّ، فكانَ حَملُه على عُرفِ الشَّرعِ أَولى.
والثاني: أنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ لِعانَها يَدرأُ عنها العَذابَ الواجِبَ بلِعانِ الزوجِ، والحبسُ لم يَجبْ بلِعانِ الزوجِ، وإنَّما وجَبَ بامتِناعِها، فلم يَجُزْ حَملُه عليه، ولأنَّ ما خرَجَ بهِ الزوجُ مِنْ قَذفِه جازَ أنْ يَجبَ بهِ الحَدُّ على زَوجتِه كالبيِّنةِ، ولأنَّ ما ثبَتَ ببيِّنةِ الزوجِ ثبَتَ بلِعانِه كالحَبسِ، ولأنها أحَدُ الزوجَينِ، فوجَبَ أنْ يُدرأَ بلِعانِها الحَدُّ كالزوجِ، ولأنَّ مَنْ حلَفَ على شَيءٍ استُفيدَ صِدقُه فيه كالمُتلاعنَينِ، ولأنَّ لِعانَ الزوجِ يَتضمَّنُ إثباتَ الزنا ونفيَ الوَلدِ، فلمَّا تَعلقَ بلِعانِه نَفيُ الولدِ وجَبَ أنْ يَتعلقَ به ثُبوتُ الزنا؛ لأنه أحَدُ مَقصودَيِ اللعانِ، وثُبوتُ الزنا منها يُوجِبُ الحَدَّ عليها.
стр. 11176
وأمَّا الجَوابُ عنِ استِدلالِه بالخبَرِ فنَحنُ نَقولُ بمُوجَبِه؛ لأنه تَضمَّنَ قتْلَها بزِناها بعدَ إحصانِها، وبذلك تُقتَلُ لا بغيرِه، وأمَّا قَولُه: «إنَّ ما لا يَجبُ بهِ الحَدُّ على غَيرِ الزوجةِ لا يَجبُ بهِ الحَدُّ على الزوجةِ» فلا يَجوزُ أنْ يُعتبَرَ في اللعانِ حُكمُ الزوجةِ بغَيرِها؛ لاختِصاصِ اللعانِ بالأزواجِ، ثمَّ المَعنى في الأَيمانِ مُبايَنتُها للِّعانِ في نَفيِ النَّسبِ، فتُبايِنُها في وُجوبِ الحَدِّ، وأمَّا قَولُهم: «إنَّ حَدَّها حُكمٌ عليها بالنُّكولِ الذي لا يَراهُ الشافعيُّ» فليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّنا نَحُدُّها بلِعانِ الزوجِ لا بنُكولِها عنِ اللعانِ؛ لأنَّ لِعانَها يُسقطُ عنها الحَدَّ بعدَ وُجوبِه (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: وإنَّما قُلنا: «إنَّ الحَدَّ يَنتقلُ إلى المَرأةِ» لِمَا ذكَرْناهُ؛ لأنَّ اللِّعانَ كالبيِّنةِ، ويَدلُّ عليه قَولُه تَعالى عَقِيبَ ذِكرِ لِعانِ الزوجِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] يَعنِي نَفيَ الحَدِّ؛ لأنه مَعروفٌ، فإذا ثبَتَ هذا فلَها أنْ تُخلِّصَ نفسَها بالالتِعانِ، فإنِ التَعنَتْ سقَطَ الحَدُّ عنها، وإنْ نَكلَتْ حُدَّتْ، إمَّا بالرَّجمِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، أو بالجَلدِ إنْ كانَتْ بكرًا، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا حَدَّ عليها.
ودَليلُنا: قَولُه تَعالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] الآيَة، فذكَرَ لِعانَ الزوجِ ثمَّ عَقبَه بالإخبارِ عمَّا يُسقطُ عنها العَذابَ المُتوجِّهَ عليها بلِعانِه وهو أنْ يلتَعِنَ، فدَلَّ أنَّ الحَدَّ قد لَزمَها بلِعانِه، وأنَّ لها
стр. 11177
التَّخلصَ منه بأنْ تَلتعِنَ، ولأنه مَعنًى يُسمَعُ في تَحقيقِ القَذفِ، فجازَ أنْ يجبَ بهِ الحَدُّ كالبيِّنةِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلفوا أيضًا في الواجِبِ عليها إذا نكلَتْ:
فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمَدُ والجُمهورُ: إنها تُحَدُّ، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا نكلَتْ وجَبَ عليها الحَبسُ حتى تُلاعِنَ، وحُجَّتُه قَولُه ﵊: «لا يَحِلُّ دمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو قَتلُ نَفسٍ بغَيرِ نفسٍ»، وأيضًا فإنَّ سفْكَ الدَّمِ بالنُّكولِ حُكمٌ تَردُّه الأصولُ، فإنه إذا كانَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَ غُرمَ المالِ بالنُّكولِ فكانَ بالحَريِّ أنْ لا يَجبَ بذلكَ سَفكُ الدِّماءِ.
وبالجُملةِ فقَاعدِةُ (الدِّماءُ مَبناها في الشرعِ على أنها لا تُراقُ إلا بالبيِّنةِ العادِلةِ أو بالاعتِرافِ)، ومِن الواجِبِ ألا تُخصَّصَ هذه القاعِدةُ بالاسمِ المُشتَركِ، فأبو حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ أَولَى بالصوابِ إنْ شاءَ اللهُ.
وقدِ اعتَرفَ أبو المَعالي في كِتابِه «البُرهان» بقوَّةِ أبي حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ، وهو شافِعيٌّ (٢).
стр. 11178
وأمَّا الحَنابلةُ فعِندَهم ثَلاثُ رِواياتٍ في المَذهبِ، المُعتمَدُ منها أنه إذا نكَلَتِ الزوجةُ عنِ اللِّعانِ فلا حَدَّ عليها؛ لأنَّ زِناهَا لم يَثبُتْ، فإنه لو ثبَتَ زِناها بلِعانِ الزوجِ لم يُسمَعْ لِعانُها، كما لو قامَتْ به البيِّنةُ، ولا يَثبتُ بنُكولِها؛ لأنَّ الحَدَّ لا يُقضَى فيه بالنُّكولِ؛ لأنه يُدرَأُ بالشُّبهاتِ، والشبهةُ مُتمكِّنةٌ منه، ولكنْ تُحبَسُ حتى تَلتعنَ أو تُقرَّ.
قالَ أحمدُ: أُجبِرُها على اللِّعانِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، فإنْ لم تَشهدْ وجَبَ أنْ لا يُدرأَ عنها العَذابُ.
ولا يَسقطُ النَّسبُ إلا بالتِعانِهما جَميعًا؛ لأنَّ الفِراشَ قائمٌ والولدَ للفِراشِ.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أنه يُخلَّى سَبيلُها، وهو اختِيارُ أبي بكرٍ؛ لأنه لم يَثبتْ عليها ما يُوجِبُ الحَدَّ، فيُخلَّى سَبيلُها، كما لو لم تَكمُلِ البيِّنةُ، وإنْ صدَّقَتْه فيما قذَفَها به لم يَلزمْها الحَدُّ حتى تُقِرَّ أربَعَ مرَّاتٍ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَثبتُ بدُونِ إقرارِ أربَعٍ، وحُكمُها حُكمُ ما لو نكلَتْ، ولا لِعانَ بينَهُما؛ لأنَّ اللعانَ إنما يَكونُ مع إنكارِها، ولا يُستحلَفُ إنسانٌ على نَفيِ ما يُقِرُّ بهِ.
стр. 11179
ويَلحقُه الوَلدُ؛ لأنَّ نُكولَ الزوجةِ بمَنزلةِ إقرارِها، وعُلِمَ منه أنه لا حَدَّ؛ لأنَّ زِناها لم يَثبُتْ، فإنه لو ثبَتَ زِناها بلِعانِ الزوجِ لم يُسمَعْ لِعانُها، كما لو قامَتْ بهِ البيِّنةُ، ولا يَثبتُ بنُكولِها؛ لأنَّ الحَدَّ يُدرأُ بالشبهةِ، وهي مُتمكِّنةٌ منه، ويُؤيِّدُه قَولُ عُمرَ: «الرَّجمُ على مَنْ زنَى وقد أُحصِنَ إذا كانَ بيِّنةٌ أو كانَ الحَملُ أو الاعتِرافُ»، فلم يَذكُرِ اللِّعانَ، قالَ أحمَدُ: فإنْ أبَتْ أنْ تَلتعنَ بعدَ التِعانِ الزوجِ أجبَرْتُها على اللعانِ، وهِبْتُ أنْ أَحكُمَ عليها بالرَّجمِ؛ لأنها لو أقرَّتْ بلِسانِها لم أرجُمْها إذا رَجعَتْ، فكيفَ إذا أبَتِ اللِّعانَ؟!
وفي قَولٍ ثالِثٍ قالَ بهِ الجَوزجانِيُّ وأبو الفَرجِ والشيخُ تَقيُّ الدِّينِ: تُحَدُّ، قالَ في «الفُروعِ»: وهو قَويٌّ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (١).
стр. 11180
الرُّكنُ الرَّابعُ: الصِّيغةُ أو اللَّفظُ:
الكَلامُ في هذا الرُّكنِ عن بَيانِ صِفةٍ اللِّعانِ والصيغةِ التي يَأتي بها:
صِفةُ اللِّعانِ:
الأصلُ في صِفةِ اللِّعانِ هو ما جاءَ في كِتابِ اللهِ في قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩].
وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هِلالَ بنَ أُميَّةَ قذَفَ امرَأتَه عندَ النبيِّ ﷺ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «البَيِّنةَ أو حَدٌّ في ظَهرِكَ»، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إذا رَأى أحَدُنا على امرَأتِه رَجلًا يَنطلِقُ يَلتمِسُ البَيِّنةَ، فجعَلَ النبيُّ ﷺ يَقولُ: «البَيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ»، فقالَ هِلالٌ: والذي بعَثَكَ بالحَقِّ إني لَصادِقٌ فلَيُنزِلَنَّ اللهُ ما يُبَرِّئُ ظَهرِي مِنْ الحَدِّ، فنزَلَ جِبريلُ وأنزَلَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فقَرأَ حتى بلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٩]، فانصَرفَ النبيُّ ﷺ فأرسَلَ إليها فجاءَ هِلالٌ فشَهِدَ والنبيُّ ﷺ يقولُ: «إنَّ اللهَ يَعلمُ أنَّ أحَدَكُما كاذِبٌ، فهل مِنكُما تائِبٌ؟» ثمَّ قامَتْ فشَهدَتْ، فلمَّا كانَتْ عندَ الخامِسةِ وَقَّفُوها وقالوا: إنها مُوجِبةٌ، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: فتَلكَّأَتْ ونكَصَتْ
الخامِسةُ قيلَ لهُ: يا هِلالُ اتَّقِ اللهَ فإنَّ عَذابَ الدُّنيا أهوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرةِ وإنَّ هذهِ المُوجِبةُ التي تُوجِبُ عليكَ العَذابَ، فقالَ: واللهِ لا يُعذِّبُني اللهُ عَليها كما لم يَجلدْني عَليها، فشَهدَ الخامِسةَ أنَّ لَعنةَ اللهِ عليه إنْ كانَ مِنْ الكاذبِينَ، ثمَّ قيلَ لها: اشهَدِي، فشَهدَتْ أربَعَ شَهاداتٍ باللَّهِ إنه لَمِن الكاذبِينَ، فلمَّا كانَتِ الخامِسةُ قيلَ لها: اتَّقي اللهَ فإنَّ عَذابَ الدُّنيا أهوَنُ مِنْ عَذابِ الآخِرةِ وإنَّ هذهِ المُوجِبةُ التي تُوجِبُ عليكِ العَذابَ، فتَلكَّأتْ ساعَةً ثمَّ قالَتْ: واللهِ لا أَفضَحُ قَومي، فشَهدَتِ الخامِسةَ أنَّ غضَبَ اللهِ عَليها إنْ كانَ مِنْ الصادقِينَ، ففرَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهُما، وقَضَى أنْ لا يُدْعى ولَدُها لأبٍ ولا تُرمَى ولا يُرمَى ولَدُها، ومَن رَماها أو رَمَى ولَدَها فعليهِ الحَدُّ، وقَضَى أنْ لا بَيتَ لها عليه ولا قُوتَ مِنْ أجْلِ أنهُما يَتفرَّقانِ مِنْ غَيرِ طَلاقٍ ولا مُتوفَّى عنها، وقالَ: «إنْ جاءَتْ بهِ أُصَيهِبَ أُرَيصِحَ أُثيبِجَ حَمْشَ الساقَينِ فهو لهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ بهِ أَوْرَقَ جَعدًا جُمالِيًّا خَدلَّجَ الساقَينِ سابِغَ الإليتَينِ فهو للذي رُميَتْ به»، فجاءَتْ بهِ أورَقَ جَعدًا جُمالِيًّا خَدلَّجَ الساقَينِ سابِغَ الإليتَينِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لولا الأيمانُ لَكانَ لي ولها شَأنٌ»، قالَ عِكرمةُ: فكانَ بعدَ ذلكَ أمِيرًا على مِصرٍ وما يُدعَى لأبٍ (١).
стр. 11183
إلا أنَّ العُلماءَ عندَهم بَعضُ الخِلافِ في هذهِ الصِّيغةِ، وكلُّه خِلافٌ مُتقارِبٌ، وبَيانُه فيما يلي:
صِفةُ اللِّعانِ عندَ الحَنفيةِ: ما ذُكرَ في كِتابِ اللهِ تَعالى، وهو أنْ يَبتدئَ القاضي بالزوجِ، فيَشهدُ أربَعَ شَهاداتٍ باللَّهِ، فيَقولُ في كلِّ مرَّةٍ: «أشهَدُ باللَّهِ أني لَمِن الصادقِينَ فيما رَميتُها به مِنْ الزِّنا»، ويَقولُ في الخامِسةِ: «لَعنةُ اللهِ عليه إنْ كانَ مِنْ الكاذبِينَ فيما رَمَيتُكِ به مِنْ الزنا»، وإنْ كانَ القَذفُ بوَلدٍ يَقولُ: «فيما رَمَيتُكِ به مِنْ نَفيِ الولَدِ»، وإنْ كانَ بهما يقولُ: «فيما رَميتُكِ به مِنْ الزنا ومِن نفيِ الوَلدِ»، ويُشيرُ إليها في جَميعِ ذلك؛ لزَوالِ الاحتِمالِ؛ لأنه قدْ يَقصدُ غيرَها بذلكَ.
ثمَّ تَشهدُ المَرأةُ أربَعَ شَهاداتٍ باللَّهِ، تَقولُ في كُلِّ مَرَّةٍ: «أشهَدُ باللَّهِ أنه لَمِن الكاذِبينَ فيما رَمَاني به مِنْ الزنا»، وتَقولُ في الخامِسةِ: «أنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إنْ كانَ مِنْ الصادِقِينَ فيما رَمَاني به مِنْ الزنا»، وفي نَفيِ الوَلدِ تَذكرُه.
وإنما ذُكرَ الغَضَبُ في جانِبِها لأنَّ النساءَ يَستَعملنَ اللَّعنَ كثيرًا، فيكونُ ذِكرُ الغَضبِ أدعَى لهنَّ إلى الصِّدقِ.
ثمَّ اللَّعنُ يَتوقَّفُ على لَفظِ الشهادةِ، حتى لو قالَ: «أَحلِفُ باللَّهِ أني لَمِن الصادِقِينَ» أو قالَتْ هي ذلك لم يَصحَّ اللعانُ (١).
стр. 11184
وصِفةُ اللِّعانِ عندَ المالِكيةِ: أنْ يقولَ في كُلِّ مرَّةٍ مِنْ الأربعِ: «أشهَدُ باللهِ لَرَأيتُها تَزني» إذا لاعَنَ لرُؤيةِ الزنا، أو: «أشهَدُ باللهِ ما هذا الحَملُ منِّي» إذا كانَ لِعانُه لنَفيِ الحَملِ، ثمَّ يَقولُ بعدَ الرابعةِ: «لَعنةُ اللهِ عليه إنْ كانَ مِنْ الكاذِبينَ».
وشَهدَتِ المَرأةُ لرَدِّ أيمانِه بأنْ تقولَ أربعًا: «أشهَدُ باللهِ ما رَآنِي أزنِي»، أو تَقولَ في رَدِّها لحَلِفِه في نَفيِ الحَملِ: «ما زَنَيتُ»، وتقولُ في الخامِسةِ: «غَضِبَ اللهُ عليها إنْ كانَ زَوجُها مِنْ الصادِقِينَ».
ووجَبَ شَرطُ لَفظِ «أشهَدُ» في حَقِّ الرجلِ والمَرأةِ و «اللَّعنُ» في حقِّ الرجلِ و «الغَضبُ» في حَقِّ المَرأةِ، فلا يُجزئُ غيرُها مِمَّا رادَفَها أو أبدَلَ اللَّعنَ بِالغَضَبِ أو عكسُه (١).
وصِفةُ اللِّعانِ عندَ الشافِعيةِ: أنْ يَقولَ الزوجُ أربَعَ مرَّاتٍ: «أشهَدُ باللهِ إني لَمِن الصادِقِينَ فيما رَمَيتُ به هذه -أي: زَوجَتَه- مِنْ الزنا» إذا كانَتْ حاضِرةً، فإنْ غابَتْ عن البَلدِ أو مَجلسِ اللعانِ سَمَّاها ورفَعَ نَسَبَها بما
стр. 11185
يُميِّزُها عن غيرِها؛ دَفعًا للاشتِباهِ، ويَقولُ في الخامِسةِ: «أنَّ لَعنةَ اللهِ عليه إنْ كانَ مِنْ الكاذِبِينَ فيما رَماها به مِنْ الزنا».
وإنْ كانَ ثَمَّ وَلدٌ يَنفيهِ عنه يَذكرُه في كُلٍّ مِنْ الكَلِماتِ الخَمسِ؛ ليَنتفيَ عنه، ويَقولُ في كُلٍّ منها: «وإنَّ الوَلدَ الذي وَلدَتْه -إنْ كانَ غائبًا-، أو هذا الوَلدُ -إنْ كانَ حاضِرًا- مِنْ زِنًا وليسَ هو منِّي»؛ لأنَّ كلَّ مَرَّةٍ بمَنزلةِ شاهدٍ، فلو أغفَلَ ذِكرَ الوَلدِ في بَعضِ الكلماتِ احتاجَ إلى إعادةِ اللعانِ لنَفيِه.
ثمَّ تَقولُ هي: «أشهَدُ باللهِ إنه لَمِن الكاذِبِينَ فيما رَماني به مِنْ الزنا»، والخامِسة: «أنَّ غَضَبَ اللهِ عليَّ إنْ كانَ الزوجُ مِنْ الصادِقِينَ فيه»، وتُشيرُ إليهِ في الحُضورِ وتُميِّزُه في الغِيبةِ كما في جانبِه في الشَّهاداتِ الخَمسِ.
ولو أبدَلَ لَفظَ شَهادةٍ بحَلِفٍ ونحوِه، أو غَضَبٍ بلَعنٍ ونحوِه، أو عَكسُه، أو ذكَرَ الغَضبَ واللَّعنَ قبلَ تَمامِ الشهاداتِ؛ لم يَصحَّ في الأصَحِّ؛ لأنَّ المُراعَى هُنا اللَّفظُ ونَظمُ القُرآنِ (١).
وصِفةُ اللِّعانِ عندَ الحَنابلةِ: أنْ يَقولَ الزوجُ أربَعَ مرَّاتٍ: «أشهَدُ باللهِ إني لَمِن الصادِقِينَ فيما رَميتُها به مِنْ الزنا»، ويُشيرُ إليها إنْ كانَتْ حاضِرةً،
стр. 11186
ومع غَيبتِها يُسمِّيها أو يَنسبُها بما تَميَّزُ بهِ فيَقولَ: «امرَأتي فُلانةُ بنتُ فُلانٍ» ويَرفعُ في نَسبِها حتَّى يَنفيَ المُشارَكةَ بينَها وبينَ غيرِها.
ثُمَّ يَزيدُ في الخامِسةِ: «وأنَّ لَعنةَ اللهِ عليهِ إنْ كانَ مِنْ الكاذِبينَ».
ثمَّ تَقولُ الزوجةُ أربعًا: «أشهَدُ باللهِ إنه لَمِن الكاذِبِينَ فيما رَماني به مِنْ الزنا»، ثمَّ تَزيدُ في الخامِسةِ: «وأنَّ غَضَبَ اللهِ عليها إنْ كانَ مِنْ الصادِقِينَ»؛ للآياتِ والأحادِيثِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأما صِفةُ اللعانِ فمُتقارِبةٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، وليسَ بينَهم في ذلكَ كَبيرُ خِلافٍ، وذلكَ على ظاهِرِ ما تقتضيهِ ألفاظُ الآيةِ، فيَحلفُ الزوجُ «أربعَ شَهاداتٍ باللهِ لقدْ رَأيتُها تَزني، وأنَّ ذلكَ الحَملَ ليس منِّي»، ويقولُ في الخامِسةِ: «لعنةُ اللهِ عليهِ إنْ كانَ مِنْ الكاذِبينَ»، ثم تَشهدُ هي أربَعَ شَهاداتٍ بنَقيضِ ما شَهدَ هو به، ثم تُخمِّسُ بالغَضبِ، هذا كلُّه مُتفَقٌ عليه (٢).
ويُشتَرطُ لها شُروطٌ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَأتيَ بهذهِ الألفاظِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه إنْ أتَى بهذهِ الألفاظِ صَحَّ اللعانُ.
стр. 11187
إلا أنهُم اختَلفوا في مَوضعَينِ:
الموضِعُ الأولُ: لو أبدلَ مَكانَ اللَّعنِ الغضَبَ ومَكانَ الغَضبِ اللَّعنةَ:
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ تَبديلُ اللعنِ مَكانَ الغَضبِ ولا الغَضبِ مَكانَ اللعنِ؛ اتِّباعًا للنَّصِّ في ذلك، فيَتعينُ لَفظُ اللعنِ في خامِسةِ الرجلِ؛ لأنه مُبعِدٌ لأهلِه ولوَلدِه، فناسَبَه ذلك؛ لأنَّ اللعنَ مَعناهُ البُعدُ، ويَتعينُ لَفظُ الغَضبِ في خامسةِ المرأةِ؛ لأنها مُغضبةٌ لزَوجِها ولأهلِها ولرَبِّها، فناسَبَها ذلكَ، فلا يُجزئُ لو أبدَلَ الرجلُ اللَّعنةَ بالغَضبِ أو المَرأةُ الغَضبَ باللعنةِ، ولأنَّ الغَضبَ أغلَظُ، ولهذا خُصَّتِ المَرأةُ به؛ لأنَّ المَرأةَ بزِناها أقبَحُ وإثمُها بفِعلِ الزنا أعظَمُ مِنْ إثمِه بالقَذفِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه يَصحُّ؛ نَظرًا للمعنَى (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفَ النَّاسُ هلْ يَجوزُ أنْ يُبدلَ مكانَ اللَّعنةِ الغضَبَ ومَكانَ الغَضبِ اللعنةَ ومَكانَ «أشهَدُ» «أُقسِمُ» ومَكانَ قولِه «باللهِ»
стр. 11188
غيرَه مِنْ أسمائِه؟ والجُمهورُ على أنه لا يَجوزُ مِنْ ذلكَ إلا ما نُصَّ عليهِ مِنْ هذهِ الألفاظِ، أصلُه عَددُ الشهاداتِ (١).
الموضِعُ الثاني: لو أبدلَ لفْظَ «أشهَدُ» بلَفظٍ مِنْ ألفاظِ اليَمينِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ لَفظُ «أشهَدُ» في اللِّعانِ، فإنْ أبدَلَ لَفظةَ «أشهَدُ» بلفظٍ مِنْ ألفاظِ اليَمينِ فقالَ: «أحلِفُ، أو أُقسِمُ، أو أُولِي» لم يُعتَدَّ به؛ لأنَّ ما اعتُبِرَ فيه لَفظُ الشهادةِ لم يَقُمْ غيرُه مَقامَه كالشهاداتِ في الحُقوقِ، ولأنَّ اللعانَ يُقصدُ فيه التَّغليظُ، واعتِبارُ لَفظِ الشهاداتِ أبلَغُ في التغليظِ، فلمْ يَجُزْ تَركُه، ولهذا لم يَجُزْ أنْ يُقسمَ باللهِ مِنْ غيرِ كَلمةٍ تَقومُ مَقامَ «أشهَدُ» (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه يُعتَدُّ به؛ لأنه أتَى بالمَعنى، أشبَهَ ما قبْلَه (٣).
стр. 11189
الشَّرطُ الثاني: التَّرتيبُ، بأنْ يَبدأَ الزَّوجُ باللِّعانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ أنْ يَبدأَ الزوجُ باللعانِ قبلَ الزوجةِ؟ أم يَجوزُ أنْ تَبدأَ الزوجةُ قبلَ الزوجِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ لصِحةِ اللعانِ أنْ يَبدأَ الزَّوجُ باللعانِ، فإذا لاعنَتِ المَرأةُ قبلَ الزوجِ لم يُعتَدَّ بذلكَ؛ لأنه أُتِيَ باللعانِ على غيرِ ما ورَدَ بهِ القُرآنُ والسُّنةُ، فلمْ يَصحَّ كما لو اقتصرَ على لَفظةٍ واحدةٍ، قالَ تعالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، وهذا يَقتضي أنْ يكونَ العَذابُ قد وجَبَ عليها بلِعانِ الزوجِ حتى تَدرَأَه باللعانِ؛ لأنَّ لِعانَ الرجلِ بيِّنتُه لإثباتِ زِناها ونَفيِ ولدِها ولعانَ المرأةِ للإنكارِ، فقُدِّمتْ بيِّنةُ الإثباتِ كتَقديمِ الشُّهودِ على الأيمانِ، ولأنَّ لِعانَ المَرأةِ لدَرءِ العَذابِ عنها، ولا يَتوجَّهُ عليها ذلكَ إلا بلِعانِ الرجلِ، فإذا قَدَّمتْ لِعانَها على لِعانِه فقدْ قَدَّمتْه على وقتِه، فلمْ يَصحَّ كما لو قَدَّمتْه على القَذفِ (١).
стр. 11190
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ القاضي لو أخطَأَ فبَدأَ بالمَرأةِ ثمَّ بالرجلِ فإنه يَنبغي له أنْ يُعيدَ اللِّعانَ على المرأةِ؛ لأنها شَهادةٌ، وإنما يَبدأُ بشَهادةِ المُدَّعي ثمَّ بشَهادةِ المُدَّعى عليه بطَريقِ الدَّفعِ، فلهذا يَبدأُ بالرَّجلِ، فإنْ أخطَأَ يَجبُ الاستِدراكُ بالإعادةِ.
فإنْ لم يُعِدْ لِعانَهُما حتى فَرَّقَ بينَهُما نفَذَتِ الفُرقةُ؛ لأنه قَضاءٌ في مَوضعِ الاجتِهادِ، فإنه عندَ بَعضِهم اللعانُ أَيمانٌ، وفي التَّحالفِ يَجوزُ تَقديمُ يَمينِ أيِّهما كانَ، ولأنَّ اللعانَ قد وُجدَ منهُما جَميعًا، فأشبَهَ ما لو رتِّبتْ (١).
الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَكونَ اللِّعانُ عندَ الحاكِمِ أو نائِبِه:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ اللعانَ لا يَكونُ إلا عِنْدَ السُّلطانِ أو نائبِه.
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: التَّلاعُنُ لا يكونُ إلا عندَ السُّلطانِ أو عندَ مَنْ استَخلفَه مِنْ الحُكَّامِ، وهذا إجماعٌ مِنْ العُلماءِ (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعوا على أنَّ شرْطَ صِحتِه أنْ يَكونَ بحُكمِ حاكِمٍ (٣).
стр. 11191
الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يَسبقَ اللِّعانَ قَذفٌ:
نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ -وهو مُقتضَى كَلامِ سائرِ الفُقهاءِ- على أنه يُشترطُ أنْ يَسبقَ اللِّعانَ قَذفٌ، وهو الرَّميُ بالزنا على جِهةِ التَّعييرِ أو نَفيِ وَلدٍ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ اللِّعانَ بعدَ القَذفِ، ولأنه حُجةٌ ضَروريةٌ لدَفعِ الحَدِّ أو نَفيِ الوَلدِ، ولا ضَرورةَ قبلَ ذلكَ (١).
الشَّرطُ الخامِسُ: حُضورُ جَماعةٍ للِّعانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في اللعانِ، هل يَجبُ حُضورُ جَماعةٍ فيه؟ أم يُستحَبُّ ولا يَجبُ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه يَجبُ حُضورُ جَماعةٍ للِّعانِ أقَلُّهم أربَعةٌ؛ لأنَّ اللعانَ شَعيرةٌ مِنْ شَعائرِ الإسلامِ وخصلةٌ مِنْ خِصالِه؛ لأنَّ الكفَّارَ لا لِعانَ بينَهُم، وأقَلُّ ما تَظهرُ به تلكَ الشَّعيرةُ أربَعةٌ مِنْ العُدولِ، لا لاحتِمالِ نُكولٍ أو إقرارٍ؛ لأنَّ ذلكَ يَثبتُ باثنَينِ، وهَؤلاءُ الأربَعةُ مِنْ أشرافِ الناسِ لا مِنْ أراذِلِهم (٢).
стр. 11192
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنه يُسَنُّ حُضورُ جَماعةٍ أقَلُّهم أربَعةٌ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]، والعَذابُ هو الحَدُّ، فكذلكَ اللعانُ؛ لتَعلُّقِه به؛ لأنَّ بيِّنةَ الزنا الذي شُرعَ اللعانُ مِنْ أجْلِ الرَّميِ به أربَعةٌ.
ولأنَّ اللعانَ رَواهُ أحداثُ الصَّحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وسَهلِ ابنِ سَعدٍ السَّاعديِّ ﵃، ولا يَحضرُ مِنْ الأحداثِ في مَجلسِ الحُكمِ والقَضاءِ إلا معَ أضعافِهم مِنْ ذَوِي الأسنانِ، وليَكونَ اجتِماعُ الناسِ فيه أزجَرَ وأردَعَ، وليَكونوا حُجةً إنْ تَناكَرَ المُتلاعِنانِ (١).
تَغليظُ اللِّعانِ في الأزمانِ والأماكِنِ:
وأما تَغليظَ اللعانِ في الأزمانِ والأماكِنِ والقِيامَ فليسَ بواجبٍ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ.
قالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: وليسَ بواجِبٍ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه في الأوقاتِ والأماكنِ المُعظَّمةِ (٢).
стр. 11193
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُستحبُّ أنْ يَتلاعنَا قِيامًا، فيَبدأُ الزوجُ فيَلتعنُ وهو قائمٌ، فإذا فَرغَ قامَتِ المَرأةُ فالتَعنتْ وهي قائِمةٌ؛ لِما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ لهِلالِ بنِ أُميَّةَ: «قُمْ فاشهَدْ أربَعَ شَهاداتٍ»، ولأنه إذا قامَ شاهَدَه الناسُ فكانَ أبلَغَ في شُهرتِه، فاستُحبَّ كَثرةُ الجَمعِ، وليسَ ذلكَ واجِبًا، وبهذا كلِّه قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ولا أعلَمُ فيهِ مُخالِفًا.
فَصلٌ: قالَ القاضِي: ولا يُستحبُّ التَّغليظُ في اللعانِ بمَكانٍ ولا زَمانٍ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أطلَقَ الأمرَ بذلكَ ولم يُقيِّدْه بزَمانٍ ولا مَكانٍ، فلا يَجوزُ تَقييدُه إلا بدَليلٍ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ الرَّجلَ بإحضارِ امرأتِه ولم يَخُصَّه بزَمنٍ، ولو خَصَّه بذلك لَنُقلَ ولم يُهمَلْ.
وقالَ أبو الخطَّابِ: يُستحبُّ أنْ يَتلاعنَا في الأزمانِ والأماكنِ التي تُعظَّمُ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، إلا أنَّ عندَه في التغليظِ بالمَكانِ قَولينِ:
أحَدُهما: أنَّ التغليظَ به مُستحبٌّ كالزَّمانِ.
والثاني: أنه واجِبٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لاعَنَ عندَ المِنبَرِ، فكانَ فِعلُه بَيانًا للعانِ، ومعنَى التَّغليظِ بالمَكانِ أنهُما إذا كانَا بمَكةَ لاعَنَ بينَهُما بينَ الرُّكنِ والمَقامِ؛ فإنه أشرَفُ البِقاعِ، وإنْ كانَا في المَدينةِ فعندَ مِنبَرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وفي بَيتِ المَقدسِ عندَ الصَّخرةِ، وفي سائِرِ البُلدانِ في جَوامعِها.
стр. 11194
وأمَّا الزَّمانُ فبَعدَ العَصرِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وأجمَعَ المُفسِّرونَ على أنَّ المُرادَ بالصَّلاةِ صَلاةُ العَصرِ، قالَ أبو الخطَّابِ: في مَوضعٍ أو بينَ الأذانَينِ؛ لأنَّ الدُّعاءَ بينَهُما لا يُرَدُّ.
والصَّحيحُ الأولُ، ولو استُحبَّ ذلكَ لفَعلَه النبيُّ ﷺ ، ولو فعَلَه لَنُقلَ ولم يَسُغْ له تَركُه وإهمالُه.
وأما قَولُهم: «إنَّ النبيَّ ﷺ لاعَنَ بينَهُما عندَ المِنبَرِ» فليسَ هذا في شَيءٍ مِنْ الأحاديثِ المَشهورةِ، وإنْ ثبَتَ هذا فيَحتملُ أنه كانَ بحُكمِ الاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَجلسَه كانَ عندَه فلاعَنَ بينَهُما في مَجلسِه.
فإنْ كانَ اللِّعانُ بينَ كافرَينِ فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في اللِّعانِ بينَ المُسلمينَ، ويَحتملُ أنْ يُغلَّظَ في المَكانِ؛ لقولِه في «الأيمانِ»: «وإنْ كانَ لهُم مَواضعُ يُعظِّمونَها ويَتوقَّونَ أنْ يَحلفُوا فيها كاذِبينَ حُلِّفوا فيها»، فعَلى هذا يُلاعَنُ بينَهُما في مَواضعِهم اللاتِي يُعظِّمونَها، النَّصرانِيُّ في الكَنيسةِ، واليَهوديُّ في البَيعةِ، والمَجوسيُّ في بَيتِ النارِ، وإنْ لم يَكنْ لهم مَواضِعُ يُعظِّمونَها حَلَّفهم الحاكِمُ في مَجلسِه؛ لتَعذُّرِ التغليظِ بالمَكانِ.
وإنْ كانَتِ المُسلمةُ حائِضًا وقُلنَا: «إنَّ اللِّعانَ بينَهُما يَكونُ في المَسجدِ» وقفَتْ على بابِه ولم تَدخلْه؛ لأنَّ ذلكَ أقرَبُ المَواضعِ إليهِ (١).
стр. 11195
فصل في الآثارِ المتَرتِّبةِ على اللِّعانِ
أولاً: الآثارُ المتَرتِّبةُ على اللِّعانِ في حَقِّ الزَّوجينِ:
إذا تَمَّ اللعانُ بينَ الزَّوجينِ بشُروطِه تَرتَّبَ على ذلكَ آثارٌ في حَقِّهما، مِنْ هذهِ الآثارِ ما يلي:
الأثَرُ الأولُ: انتِفاءُ الحَدِّ عن الزَّوجينِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ اللعانَ إذا تَمَّ بينَ الزَّوجينِ بشُروطِه سقَطَ الحَدُّ الذي أوجَبَه القَذفُ عنهُما أو التَّعزيرُ، قالَ المِرداويُّ ﵀: بلا نِزاعٍ (١).
هل يُقامُ عليهِ حَدُّ القَذفِ إذا رَماها برَجلٍ بعَينِه وسَمَّاهُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا قَذفَ زَوجتَه برَجلٍ سَمَّاهُ بأنْ قالَ: «زنَتْ بفُلانٍ الفُلانِيِّ»، هل يُقامُ عليهِ حَدُّ القَذفِ أم لا؟
стр. 11196
إذا قَذفَ زَوجتَه برَجلٍ سمَّاهُ فلا يَخلو ذلكَ مِنْ ثَلاثةِ أحوالٍ:
أحَدُهما: أنْ يُقيمَ البيِّنةَ، والثاني: أنْ يَلتعِنَ، والثالِثُ: أنْ لا يَفعلَ واحِدًا منهُما.
فأمَّا الحالُ الأُولى: وهو أنْ يُقيمَ البيِّنةَ عليهِما:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه برَجلٍ سمَّاهُ وأقامَ على ذلكَ البيِّنةَ فقدْ سقَطَ عنهُ حَدُّ القَذفِ لهُما ووجَبَ حَدُّ الزِّنا عليهِما؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيَة، فدَلَّ على أنه إذا أتَى بأربَعةِ شُهداءَ .. لم يُجلدْ، قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا مُتفَقٌ عليه، فإنْ أرادَ أنْ يُلاعِنَ بعدَ إقامةِ البيِّنةِ على الزِّنا جازَ ليَرفعَ به الفِراشَ ويَنفيَ به النَّسبَ؛ لأنه لمَّا جازَ اللعانُ فيما لم يَثبتْ مِنْ الزنا كانَ فيما ثبَتَ أجوَزَ (١).
أما الحالُ الثَّانيةُ: وهو أنْ يَلتعِنَ ويَذكرَه في لِعانِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا قَذفَ زَوجتَه برَجلٍ سَمَّاه ولاعَنَ زَوجتَه، هل يَسقطُ عنه حَدُّ القَذفِ للذي سمَّاه أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَسقطُ حَدُّ القَذفِ عنه إنْ ذكَرَه وسَمَّاه في لِعانِه بأنْ قالَ: «أشهَدُ باللهِ إني لَمِن الصادقِينَ فيما رَمَيتُ بهِ هذهِ
стр. 11197
مِنْ الزنا بفُلانٍ»؛ لأنَّ اللهَ لم يَجعلْ على مَنْ رَمَى زَوجتَه بالزنى إلا حَدًّا واحِدًا بقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] ولم يُفرِّقْ بينَ مَنْ ذكَرَ رَجلًا بعَينِه وبينَ مَنْ لم يَذكرْ، ولأنَّ هِلالَ بنَ أميَّةَ قذَفَ زَوجتَه بشَريكِ بنِ سَحماءَ فلمْ يَحُدَّه النبيُّ ﷺ له ولا عَزَّرَه، ولو وجَبَ الحَدُّ عليه لَأعلَمَ شَريكًا به ليَستوفيَه إنْ شاءَ، ولأنَّ اللعانَ بيِّنةٌ في أحَدِ الطَّرفينِ، فكانَ بيِّنةً في الطرفِ الآخَرِ كالشهادةِ، ولأنَّ به حاجَةً إلى قَذفِ الزاني؛ لِمَا أفسَدَ عليه مِنْ فِراشِه، وربُّما يَحتاجُ إلى ذِكرِه ليَستدلَّ بشَبهِ الوَلدِ بالمَقذوفِ على صِدقِ قاذفِه كما استَدلَّ النبيُّ ﷺ على صِدقِ هِلالٍ بشبَهِ الولدِ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فوجَبَ أنْ يُسقطَ حُكمُ قَذفِه ما أسقَطَ حُكمُ قَذفِها؛ قِياسًا له عليها.
ووجَبَ به حَدُّ الزنا على الزوجةِ إذا لم تُلاعِنْ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ، ولم يَجبْ به حَدُّ الزنا على الرجلِ المُسمَّى معَها اتفاقًا، إلا أنْ تكونَ هناكَ بينةٌ أو يُقِرَّ بالزنا.
قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ وابنُ عبدِ البرِّ: ولا يَختلفونَ أنَّ مَنْ قَذفَ امرأتَه برَجلٍ فلاعَنَ لم يُحَدَّ الرجلُ (١).
فإنْ قيلَ: فلِم لا يَتساويانِ في وُجوبِ الحَدِّ عليهِما باللعانِ كما استَويَا في وُجوبِ الحَدِّ عليهِما بالبيِّنةِ؟
стр. 11198
قيلَ: لوُقوعِ الفَرقِ بينَهُما مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ البيِّنةَ عامَّةٌ في حُقوقِ الأزواجِ والأجانِبِ واللِّعانَ خاصٌّ في حُقوقِ الأزواجِ دُونَ الأجانبِ.
والثاني: أنه لمَّا كانَ للزَّوجةِ إسقاطُه بلِعانِها جازَ أنْ يَجبَ عليها، ولمَّا لم يَكنْ للأجنَبيِّ إسقاطُه بلِعانِه لم يَجُزْ أنْ يَجبَ عليه.
وأما إذا قَذفَها برَجلٍ سمَّاه إلا أنه لم يَذكرْه في لعانِه فيُحَدُّ له إذا لم يُسَمِّه في لِعانِه على الصحيحِ عندَ الشافِعيةِ لأمرَينِ:
أحَدُهما: أنَّ مَنْ لم يُسَمَّ في اللعانِ لم يَسقطْ حَقُّه باللعانِ كالزَّوجةِ والولدِ.
والثاني: أنه لمَّا لم يَسقطْ قَذفُ الأجنَبيِّ بعَفوِ الزوجةِ لم يَسقطِ اللعانُ منها، وخرَجَ عن أنْ يَكونَ فيه تَبعًا لها، فعَلى هذا يكونُ ذِكرُ الأجنَبيِّ في اللعانِ شَرطًا في سُقوطِ قَذفِه.
فعلى هذا إذا أرادَ إسقاطَ حَدِّه استَأنفَ اللِّعانَ وذكَرَه وأعادَ ذِكرَ الزوجةِ.
والقَولُ الثاني للشافِعيةِ وهو مَذهبُ الحَنابلةِ أنه لا حَدَّ عليهِ، سَواءٌ ذكَرَه في لِعانِه أو لم يَذكرْه، ولا حَدَّ عليه لأمرَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الأجنَبيَّ في اللِّعانِ تَبعٌ للزوجةِ؛ لأنَّ اللعانَ لا يَصحُّ معه لو أُفردَ بالقذفِ، فإذا سَقطَ حَدُّ الزوجةِ باللعانِ سَقطَ حَدُّ مِنْ تَبعَها فيه.
стр. 11199
والثَّاني: أنه قَذفٌ بفِعلٍ واحدٍ، فإذا تَحققَّ باللعانِ فِعلُه مِنْ أحَدِهما تَحققَ مِنْ الآخَرِ؛ لأنَّ الزنا لا يَكونُ إلا مِنْ زانيَينِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والمالِكيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه برَجلٍ سمَّاه فإنه يُلاعِنُ زَوجتَه ويُحَدُّ للرجلِ حَدَّ القذفِ إنْ طَلبَه ولا يَسقطُ بلِعانِها عنه، سَواءٌ ذكَرَه في لعانِه أو لم يَذكرْه؛ لأنه قذَفَ شَخصينِ يُحَدُّ قاذِفُهما، فتَخلصُه مِنْ قَذفِ واحدٍ لا يُسقطُ حَدَّ الآخَرِ، أصلُه إذا قذَفَه بأجنَبيةٍ.
ولأنَّ اللهَ وضَعَ الحَدَّ في قَذفِ الأجنَبيِّ والزَّوجةِ مُطلَقَينِ ثمَّ خَصَّ الزوجةِ بالخَلاصِ باللعانِ وبَقيَ الأجنَبيُّ على مُطلَقِ الآيةِ.
وإنما لم يُحَدَّ هِلالٌ لمَّا قذَفَ امرأتَه بشَريكِ بنِ سَحماءَ؛ لأنه لم يَطلبْه، وحَدُّ القَذفِ لا يُقيمُه الإمامُ إلا بعدَ المُطالَبةِ (٢).
стр. 11200
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: والذينَ أسقَطُوا حُكمَ قَذفِ الأجنَبيِّ باللعانِ حُجَّتُهم ظاهرةٌ وقَويةٌ جِدًّا؛ فإنه ﷺ لم يَحُدَّ الزوجَ بشَريكِ بنِ سَحماءَ وقد سَمَّاه صَريحًا، وأجابَ الآخَرونَ عن هذا بجَوابينِ:
أحَدُهما: أنَّ المَقذوفَ كانَ يَهوديًّا، ولا يَجبُ الحَدُّ بقَذفِ الكافرِ.
والثاني: أنه لم يُطالِبْ به، وحَدُّ القَذفِ إنما يُقامُ بعدَ المُطالَبةِ.
وأجابَ الآخَرونَ عن هذَينِ الجَوابينِ وقالوا: قَولُ مَنْ قالَ: «إنه يَهوديٌّ» باطلٌ؛ فإنه شَريكُ بنُ عَبدةَ وأمُّه سَحماءُ، وهو حَليفُ الأنصارِ، وهو أخو البَراءِ بنِ مالكٍ لأمِّه، قالَ عبدُ العَزيزِ بنُ بَزيزةَ في شَرحِه لأحكامِ عبدِ الحَقِّ: قد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في شَريكِ بنِ سَحماءَ المَقذوفِ، فقيلَ: «إنه كانَ يَهوديًّا» وهو باطِلٌ، والصَّحيحُ أنه شَريكُ بنُ عَبدةَ حَليفُ الأنصارِ، وهو أخو البَراءِ بنِ مالكٍ لأمِّه؟
وأما الجَوابُ الثاني فهو يَنقلبُ حجَّةً عليكُم؛ لأنه لمَّا استَقرَّ عندَه أنه لا حَقَّ له في هذا القَذفِ لم يُطالِبْ به ولم يَتعرَّضْ له، وإلا كيفَ يَسكتُ عن بَراءةِ عِرضِه وله طَريقٌ إلى إظهارِها بحَدِّ قاذفِه؟ والقَومُ كانوا أشَدَّ حَميَّةً وأنَفةً مِنْ ذلكَ، وقد تَقدَّمَ أنَّ اللعانَ أُقيمَ مَقامَ البيِّنةِ للحاجةِ وجُعلَ بَدلًا مِنْ الشُّهودِ الأربَعةِ، ولهذا كانَ الصَّحيحُ أنه يَوجِبُ الحَدَّ عليها إذا نكَلَتْ،
стр. 11201
فإذا كانَ بمَنزلةِ الشَّهادةِ في أحَدِ الطَّرفينِ كانَ بمَنزلتِها في الطَّرفِ الآخَرِ، ومِن المُحالِ أنْ تُحَدُّ المرأةُ باللعانِ إذا نكَلَتْ ثمَّ يُحَدَّ القاذفُ حَدَّ القَذفِ وقد أقامَ البيِّنةَ على صِدقِ قَولِه، وكذلكَ إنْ جَعلْناهُ يَمينًا فإنها كما دَرأَتْ عنه الحَدَّ مِنْ طَرفِ الزوجةِ دَرأتْ عنه مِنْ طَرفِ المَقذوفِ ولا فرْقَ؛ لأنَّ به حاجةً إلى قَذفِ الزاني لِمَا أفسَدَ عليه مِنْ فِراشِه، وربُّما يَحتاجُ إلى ذِكرْه ليَستدلَّ بشَبهِ الوَلدِ له على صِدقِ قاذفِه كما استَدلَّ النبيُّ ﷺ على صِدقِ هلالٍ بشَبهِ الوَلدِ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فوجَبَ أنْ يُسقطَ حُكمُ قَذفِه ما أسقَطَ حُكمُ قَذفِها، وقد قالَ النبيُّ ﷺ للزوجِ: «البيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ» ولم يَقلْ: «وإلا حَدَّانِ»، هذا والمَرأةُ لم تُطالِبْ بحَدِّ القَذفِ، فإنَّ المُطالَبةَ شَرطٌ في إقامةِ الحَدِّ لا في وُجوبِه، وهذا جَوابٌ آخَرُ عن قَولِهم: «إنَّ شَريكًا لم يُطالِبْ بالحَدِّ»، فإنَّ المَرأةَ أيضًا لم تُطالِبْ به، وقد قالَ له النبيُّ ﷺ : «البيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ».
فإنْ قيلَ: فما تَقولونَ لو قَذفَ أجنَبيةً بالزنى برَجلٍ سمَّاهُ فقالَ: «زنَى بكِ فُلانٌ، أو زَنَيتِ بهِ»؟
قيلَ: هاهُنا يَجبُ عليه حَدَّانِ؛ لأنه قاذِفٌ لكُلِّ واحِدٍ منهُما ولم يَأتِ بما يُسقِطُ مُوجَبَ قَذفِه، فوجَبَ عليه حُكمُه؛ إذ ليس هُنا بيِّنةٌ بالنسبةِ إلى أحَدِهما ولا ما يَقومُ مَقامَها (١).
стр. 11202
أما الحالةُ الثَّالثةُ: فهو أنْ لا يُقيمَ البيِّنةَ ولا يُلاعِنَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه برَجلٍ بعَينِه ولم يَأتِ ببيِّنةٍ ولم يُلاعِنْ فقدْ صارَ قاذفًا لاثنَينِ، وعليهِ لكُلِّ واحِدٍ منهُما حَدُّ القَذفِ، ولكُلِّ واحِدٍ منهُما المُطالَبةُ، وأيُّهما طالَبَ حُدَّ له، ومَن لم يُطالِبْ فلا يُحَدُّ له كما لو قذَفَ رَجلًا بالزنا بامرَأةٍ مُعيَّنةٍ.
وبهذا قالَ جُمهورُ العُلماءِ، إلا الحَنفيةَ فقالوا: لا يُحَدُّ الزوجُ، بل يُحبَسُ حتى يُلاعِنَ، كما تقدَّمَ تَفصيلُه (١).
الأثَرُ الثاني: الفُرقةُ بينَ الزَّوجَينِ ونَوعُها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وقَعَ اللِّعانُ، هل تَحصلُ الفُرقةُ بمُجرَّدِ لِعانِ الزَّوجِ وحْدَه وإنْ لم تُلاعِنِ الزوجةُ؟
أم لا تَقعُ الفُرقةُ إلا بالتِعانِهما جَميعًا فلا تَقعُ بلِعانِ الزَّوجِ وحْدَه بل لا بُدَّ مِنْ التِعانِ الزَّوجينِ جَميعًا ولا تَفتقرُ إلى حُكمِ حاكمٍ؟
أم لا تَقعُ الفُرقةُ إلا بعدَ التِعانِهما جَميعًا ولا بُدَّ مِنْ تَفريقِ الحاكِمِ؟ ثَلاثةُ أقوالٍ للفُقهاءِ.
فذهَبَ الشافِعيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الفُرقةَ تَحصلُ بتَمامِ التِعانِ الزوجِ وإنْ لم تُلاعِنِ الزوجةُ، ولا يَتوقَّفُ على قَضاءِ القاضي بالتفريقِ؛ لأنَّ
стр. 11203
الفُرقةَ أمرٌ يَختصُّ بالزوجِ، ألَا تَرى أنه هو المُختصُّ بسَببِ الفُرقةِ، فلا يَقفُ وُقوعُها على فِعلِ المَرأةِ كالطلاقِ، وأنَّ حُكمَ الحاكمِ بالفُرقةِ يكونُ تَنفيذًا ولا يكونُ إيقاعًا؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للعَجلانِيِّ حين عَرضَ عليه اللعنةَ الخامِسةَ بعدَ الشهاداتِ الأربَعِ: «إنها المُوجِبةُ»؛ إبانةً عنها في وُقوعِ أحكامِ اللعانِ بها، فدَلَّ ثُبوتها بلِعانِ الزَّوجِ وحْدَه.
وروَى سعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «المُتلاعِنانِ إذا تَفرَّقَا لا يَجتمعانِ أبَدًا»، وقد روَى أبو مالكٍ عن عاصِمٍ عن زرٍّ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵄ أنهُما قالا: «مَضَتِ السُّنةُ أنْ لا يَجتمعَ المُتلاعِنانِ أبدًا»، وذلكَ إشارةٌ إلى سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلمْ يَجعلْ لغَيرِهما تأثيرًا في وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما.
ورَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للمُتلاعنَينِ: «حِسابُكُما على اللهِ، لا سَبيلَ لكَ عليهَا»، قالَ: يا رَسولَ اللهِ مالِي، قالَ: «لا مالَ لكَ، إنْ كُنْتَ صادقًا فهو بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، وإنْ كُنْتَ كاذبًا فهو أبعَدُ لكَ» (١)، فكانَ قولُه: «لا سَبيلَ لكَ عليها» إخبارًا عن وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما، وليسَ بإيقاعٍ للفُرقةٍ؛ لأنَّ إيقاعَ الفُرقةِ أنْ يقولَ: «قد فَرَّقتُ بينَكُما»، فدَلَّ ما أخبَرَ به مِنْ وُقوعِ الفُرقةِ على تَقدُّمِها قبلَ خبَرِه.
стр. 11204
ويَدلُّ عليه مِنْ طَريقِ المعنَى أنها فُرقةٌ تَجرَّدتْ عن عِوضٍ، فإذا لم يَجُزْ تَفرُّدُ الزوجةِ بها جازَ أنْ يَنفردَ الزوجُ بها كالطلاقِ، ولأنه قَولٌ يَمنعُ إقرارَ الزَّوجينِ على الزوجيةِ، فوجَبَ أنْ يكونَ حُكمُ الحاكمِ فيه تَنفيذًا لا إيقاعًا، كالبيِّنةِ على الطلاقِ والإقرارِ به، ولأنَّ الأقوالَ المُؤثِّرةَ في الفُرقةِ لا يُفتقرُ إلى وُجودِها مِنْ جِهتِها كالطلاقِ، ولأنَّ اللعانَ يَمينٌ عندَنا وشَهادةٌ عندَ أبي حَنيفةَ، والحُكمُ بكُلِّ واحدٍ منهُ تَنفيذٌ وليسَ بإيقاعٍ، ولأنَّ حُكمَ التنفيذِ يَجوزُ مِنْ غيرِ طَلبٍ كالحاكمِ بشَهادةٍ أو يَمينٍ، وحُكمُ الإيقاعِ لا يَجوزُ إلا بعدَ الطَّلبِ كالفَسخِ في العُنَّةِ والإعسارِ بالنَّفقةِ، وفُرقةُ اللعانِ لا تَفتقرُ إلى طَلبٍ، فدَلَّ على اختصاصِها بالتنفيذِ دُونَ الإيقاعِ، ولأنَّ اللعانَ تَقعُ به الفُرقةُ ويَنتفي به النَّسبُ، فلمَّا اختصَّ نفيُ النَّسبِ بلعانِ الزوجِ وجَبَ أنْ يكونَ وُقوعُ الفُرقةِ بمَثابتِه؛ لأنه أحَدُ حُكمَيِ اللعانِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الفُرقةَ تَقعُ بلِعانِ الزوجينِ ولا تَقعُ بلِعانِ أحَدِهما، ولا تَفتقرُ إلى حُكمِ حاكمٍ، ويَكونُ حُكمُ الحاكِمِ بالفُرقةِ تَنفيذًا لا إيقاعًا؛ لِما رُويَ عن عمرَ ﵁ أنه قالَ: «المُتلاعِنانِ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَجتمعانِ أبدًا»، ولأنه معنًى يَقتضي التحريمَ
стр. 11205
المُؤبَّدَ، فلمْ يَقفْ على حُكمِ الحاكمِ كالرَّضاعِ، ولأنَّ الفُرقةَ لو لم تَحصلْ إلا بتَفريقِ الحاكِم لَساغَ تَركُ التفريقِ إذا كَرِهاهُ كالتفريقِ للعَيبِ والإعسارِ ولَوجَبَ أنَّ الحاكِمَ إذا لم يُفرِّقْ بينَهُما أنْ يَبقَى النكاحُ مُستمِرًّا، وقولُ النبيِّ ﷺ : «لا سَبيلَ لكَ عليها» (١) يَدلُّ على هذا، وتَفريقُه بينَهُما بمَعنى إعلامِه لهُما بحُصولِ الفُرقةِ.
ولا تَقعُ الفُرقةُ بلعانِ الزوجِ وحْدَه؛ لأنَّ الشَّرعَ إنما وَردَ بالتفريقِ بينَ المُتلاعِنينِ، ولا يَكونانِ مُتلاعنَينِ بلِعانِ أحَدِهما، وإنما فرَّقَ النبيُّ ﷺ بينَهُما بعدَ تَمامِ اللعانِ منهُما، فالقولُ بوُقوعِ الفُرقةِ قبلَه تَحكُّمٌ يُخالِفُ مَدلولَ السُّنةِ وفِعلَ النبيِّ ﷺ ، ولأنَّ لفْظَ اللعانِ لا يَقتضي فُرقةً؛ فإنه إمَّا أيمانٌ على زِناها أو شَهادةٌ بذلكَ، ولولا وُرودُ الشَّرعِ بالتفريقِ بينَهُما لم يَحصلِ التفريقُ، وإنما ورَدَ الشَّرعُ به بعدَ لِعانِهما، فلا يَجوزُ تَعليقُه على بعضِه كما لم يَجُزْ تَعليقُه على بَعضِ لِعانِ الزوجِ، ولأنه فَسخٌ ثبَتَ بأيمانِ مُختلِفَينِ، فلمْ يَثبتْ بيمينِ أحَدِهما كالفَسخِ لتَحالفِ المُتبايعينِ عندَ الاختلافِ (٢).