← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

فإذا كانَ بمَنزلةِ الشَّهادةِ في أحَدِ الطَّرفينِ كانَ بمَنزلتِها في الطَّرفِ الآخَرِ، ومِن المُحالِ أنْ تُحَدُّ المرأةُ باللعانِ إذا نكَلَتْ ثمَّ يُحَدَّ القاذفُ حَدَّ القَذفِ وقد أقامَ البيِّنةَ على صِدقِ قَولِه، وكذلكَ إنْ جَعلْناهُ يَمينًا فإنها كما دَرأَتْ عنه الحَدَّ مِنْ طَرفِ الزوجةِ دَرأتْ عنه مِنْ طَرفِ المَقذوفِ ولا فرْقَ؛ لأنَّ به حاجةً إلى قَذفِ الزاني لِمَا أفسَدَ عليه مِنْ فِراشِه، وربُّما يَحتاجُ إلى ذِكرْه ليَستدلَّ بشَبهِ الوَلدِ له على صِدقِ قاذفِه كما استَدلَّ النبيُّ ﷺ على صِدقِ هلالٍ بشَبهِ الوَلدِ بشَريكِ بنِ سَحماءَ، فوجَبَ أنْ يُسقطَ حُكمُ قَذفِه ما أسقَطَ حُكمُ قَذفِها، وقد قالَ النبيُّ ﷺ للزوجِ: «البيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ» ولم يَقلْ: «وإلا حَدَّانِ»، هذا والمَرأةُ لم تُطالِبْ بحَدِّ القَذفِ، فإنَّ المُطالَبةَ شَرطٌ في إقامةِ الحَدِّ لا في وُجوبِه، وهذا جَوابٌ آخَرُ عن قَولِهم: «إنَّ شَريكًا لم يُطالِبْ بالحَدِّ»، فإنَّ المَرأةَ أيضًا لم تُطالِبْ به، وقد قالَ له النبيُّ ﷺ : «البيِّنةَ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ». فإنْ قيلَ: فما تَقولونَ لو قَذفَ أجنَبيةً بالزنى برَجلٍ سمَّاهُ فقالَ: «زنَى بكِ فُلانٌ، أو زَنَيتِ بهِ»؟ قيلَ: هاهُنا يَجبُ عليه حَدَّانِ؛ لأنه قاذِفٌ لكُلِّ واحِدٍ منهُما ولم يَأتِ بما يُسقِطُ مُوجَبَ قَذفِه، فوجَبَ عليه حُكمُه؛ إذ ليس هُنا بيِّنةٌ بالنسبةِ إلى أحَدِهما ولا ما يَقومُ مَقامَها (١).

стр. 11202

أما الحالةُ الثَّالثةُ: فهو أنْ لا يُقيمَ البيِّنةَ ولا يُلاعِنَ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا قذَفَ زَوجتَه برَجلٍ بعَينِه ولم يَأتِ ببيِّنةٍ ولم يُلاعِنْ فقدْ صارَ قاذفًا لاثنَينِ، وعليهِ لكُلِّ واحِدٍ منهُما حَدُّ القَذفِ، ولكُلِّ واحِدٍ منهُما المُطالَبةُ، وأيُّهما طالَبَ حُدَّ له، ومَن لم يُطالِبْ فلا يُحَدُّ له كما لو قذَفَ رَجلًا بالزنا بامرَأةٍ مُعيَّنةٍ. وبهذا قالَ جُمهورُ العُلماءِ، إلا الحَنفيةَ فقالوا: لا يُحَدُّ الزوجُ، بل يُحبَسُ حتى يُلاعِنَ، كما تقدَّمَ تَفصيلُه (١). الأثَرُ الثاني: الفُرقةُ بينَ الزَّوجَينِ ونَوعُها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وقَعَ اللِّعانُ، هل تَحصلُ الفُرقةُ بمُجرَّدِ لِعانِ الزَّوجِ وحْدَه وإنْ لم تُلاعِنِ الزوجةُ؟ أم لا تَقعُ الفُرقةُ إلا بالتِعانِهما جَميعًا فلا تَقعُ بلِعانِ الزَّوجِ وحْدَه بل لا بُدَّ مِنْ التِعانِ الزَّوجينِ جَميعًا ولا تَفتقرُ إلى حُكمِ حاكمٍ؟ أم لا تَقعُ الفُرقةُ إلا بعدَ التِعانِهما جَميعًا ولا بُدَّ مِنْ تَفريقِ الحاكِمِ؟ ثَلاثةُ أقوالٍ للفُقهاءِ. فذهَبَ الشافِعيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الفُرقةَ تَحصلُ بتَمامِ التِعانِ الزوجِ وإنْ لم تُلاعِنِ الزوجةُ، ولا يَتوقَّفُ على قَضاءِ القاضي بالتفريقِ؛ لأنَّ

стр. 11203

الفُرقةَ أمرٌ يَختصُّ بالزوجِ، ألَا تَرى أنه هو المُختصُّ بسَببِ الفُرقةِ، فلا يَقفُ وُقوعُها على فِعلِ المَرأةِ كالطلاقِ، وأنَّ حُكمَ الحاكمِ بالفُرقةِ يكونُ تَنفيذًا ولا يكونُ إيقاعًا؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للعَجلانِيِّ حين عَرضَ عليه اللعنةَ الخامِسةَ بعدَ الشهاداتِ الأربَعِ: «إنها المُوجِبةُ»؛ إبانةً عنها في وُقوعِ أحكامِ اللعانِ بها، فدَلَّ ثُبوتها بلِعانِ الزَّوجِ وحْدَه. وروَى سعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «المُتلاعِنانِ إذا تَفرَّقَا لا يَجتمعانِ أبَدًا»، وقد روَى أبو مالكٍ عن عاصِمٍ عن زرٍّ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵄ أنهُما قالا: «مَضَتِ السُّنةُ أنْ لا يَجتمعَ المُتلاعِنانِ أبدًا»، وذلكَ إشارةٌ إلى سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلمْ يَجعلْ لغَيرِهما تأثيرًا في وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما. ورَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للمُتلاعنَينِ: «حِسابُكُما على اللهِ، لا سَبيلَ لكَ عليهَا»، قالَ: يا رَسولَ اللهِ مالِي، قالَ: «لا مالَ لكَ، إنْ كُنْتَ صادقًا فهو بما استَحلَلْتَ مِنْ فَرجِها، وإنْ كُنْتَ كاذبًا فهو أبعَدُ لكَ» (١)، فكانَ قولُه: «لا سَبيلَ لكَ عليها» إخبارًا عن وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما، وليسَ بإيقاعٍ للفُرقةٍ؛ لأنَّ إيقاعَ الفُرقةِ أنْ يقولَ: «قد فَرَّقتُ بينَكُما»، فدَلَّ ما أخبَرَ به مِنْ وُقوعِ الفُرقةِ على تَقدُّمِها قبلَ خبَرِه.

стр. 11204

ويَدلُّ عليه مِنْ طَريقِ المعنَى أنها فُرقةٌ تَجرَّدتْ عن عِوضٍ، فإذا لم يَجُزْ تَفرُّدُ الزوجةِ بها جازَ أنْ يَنفردَ الزوجُ بها كالطلاقِ، ولأنه قَولٌ يَمنعُ إقرارَ الزَّوجينِ على الزوجيةِ، فوجَبَ أنْ يكونَ حُكمُ الحاكمِ فيه تَنفيذًا لا إيقاعًا، كالبيِّنةِ على الطلاقِ والإقرارِ به، ولأنَّ الأقوالَ المُؤثِّرةَ في الفُرقةِ لا يُفتقرُ إلى وُجودِها مِنْ جِهتِها كالطلاقِ، ولأنَّ اللعانَ يَمينٌ عندَنا وشَهادةٌ عندَ أبي حَنيفةَ، والحُكمُ بكُلِّ واحدٍ منهُ تَنفيذٌ وليسَ بإيقاعٍ، ولأنَّ حُكمَ التنفيذِ يَجوزُ مِنْ غيرِ طَلبٍ كالحاكمِ بشَهادةٍ أو يَمينٍ، وحُكمُ الإيقاعِ لا يَجوزُ إلا بعدَ الطَّلبِ كالفَسخِ في العُنَّةِ والإعسارِ بالنَّفقةِ، وفُرقةُ اللعانِ لا تَفتقرُ إلى طَلبٍ، فدَلَّ على اختصاصِها بالتنفيذِ دُونَ الإيقاعِ، ولأنَّ اللعانَ تَقعُ به الفُرقةُ ويَنتفي به النَّسبُ، فلمَّا اختصَّ نفيُ النَّسبِ بلعانِ الزوجِ وجَبَ أنْ يكونَ وُقوعُ الفُرقةِ بمَثابتِه؛ لأنه أحَدُ حُكمَيِ اللعانِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الفُرقةَ تَقعُ بلِعانِ الزوجينِ ولا تَقعُ بلِعانِ أحَدِهما، ولا تَفتقرُ إلى حُكمِ حاكمٍ، ويَكونُ حُكمُ الحاكِمِ بالفُرقةِ تَنفيذًا لا إيقاعًا؛ لِما رُويَ عن عمرَ ﵁ أنه قالَ: «المُتلاعِنانِ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَجتمعانِ أبدًا»، ولأنه معنًى يَقتضي التحريمَ

стр. 11205

المُؤبَّدَ، فلمْ يَقفْ على حُكمِ الحاكمِ كالرَّضاعِ، ولأنَّ الفُرقةَ لو لم تَحصلْ إلا بتَفريقِ الحاكِم لَساغَ تَركُ التفريقِ إذا كَرِهاهُ كالتفريقِ للعَيبِ والإعسارِ ولَوجَبَ أنَّ الحاكِمَ إذا لم يُفرِّقْ بينَهُما أنْ يَبقَى النكاحُ مُستمِرًّا، وقولُ النبيِّ ﷺ : «لا سَبيلَ لكَ عليها» (١) يَدلُّ على هذا، وتَفريقُه بينَهُما بمَعنى إعلامِه لهُما بحُصولِ الفُرقةِ. ولا تَقعُ الفُرقةُ بلعانِ الزوجِ وحْدَه؛ لأنَّ الشَّرعَ إنما وَردَ بالتفريقِ بينَ المُتلاعِنينِ، ولا يَكونانِ مُتلاعنَينِ بلِعانِ أحَدِهما، وإنما فرَّقَ النبيُّ ﷺ بينَهُما بعدَ تَمامِ اللعانِ منهُما، فالقولُ بوُقوعِ الفُرقةِ قبلَه تَحكُّمٌ يُخالِفُ مَدلولَ السُّنةِ وفِعلَ النبيِّ ﷺ ، ولأنَّ لفْظَ اللعانِ لا يَقتضي فُرقةً؛ فإنه إمَّا أيمانٌ على زِناها أو شَهادةٌ بذلكَ، ولولا وُرودُ الشَّرعِ بالتفريقِ بينَهُما لم يَحصلِ التفريقُ، وإنما ورَدَ الشَّرعُ به بعدَ لِعانِهما، فلا يَجوزُ تَعليقُه على بعضِه كما لم يَجُزْ تَعليقُه على بَعضِ لِعانِ الزوجِ، ولأنه فَسخٌ ثبَتَ بأيمانِ مُختلِفَينِ، فلمْ يَثبتْ بيمينِ أحَدِهما كالفَسخِ لتَحالفِ المُتبايعينِ عندَ الاختلافِ (٢).

стр. 11206

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه إذا وقَعَ اللعانُ وجَبَ التفريقُ بينَ الزَّوجينِ، إلا أنَّ الفُرقةَ لا تَقعُ بنَفسِ اللعانِ، بل لا بُدَّ مِنْ تَفريقِ الحاكمِ، حتَّى يَجوزُ طَلاقُ الزوجِ وظِهارُه وإيلاؤُه ويَجرِي التَّوارثُ بينَهُما إذا ماتَ أحَدُهما قبلَ التفريقِ؛ لِما رُويَ عن نافِعٍ عن ابن عُمرَ ﵄ «أنَّ رَجلًا لاعَنَ امرَأتَه في زَمنِ النبيِّ ﷺ وانتَفَى مِنْ وَلدِها، ففرَّقَ النبيُّ ﷺ بينَهُما وألحَقَ الوَلدَ بالمَرأةِ» (١). وعنِ ابنِ شِهابٍ أنَّ سَهْلَ بنَ سَعدٍ الساعِديَّ أخبَرَه أنَّ عُويمِرًا العَجلانِيَّ جاءَ إلى عاصِمِ بنِ عَديٍّ الأنصارِيِّ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ ، فسَألَ عاصِمٌ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فكَرهَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَسائلَ وعابَها حتى كَبُرَ على عاصمٍ ما سَمِعَ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا رجَعَ عاصمٌ إلى أهلِه جاءَ عُويمِرٌ فقالَ: يا عاصِمُ ماذا قالَ لكَ رسولُ اللهِ ﷺ ؟ فقالَ عاصمٌ: لم تَأْتِني بخَيرٍ، قد كَرِهَ رسولُ اللهِ ﷺ المَسألةَ التي سَألْتُه عنها، قالَ عُويمرٌ: واللهِ لا أنتَهي حتى أسأَلَه عنها، فأقبَلَ عُويمرٌ حتى أتَى رسولَ اللهِ ﷺ وسطَ الناسِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرَأتِه رَجلًا أيَقتلُه فتَقتلونَه أم كيفَ يَفعلُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «قد

стр. 11207

أنزَلَ اللهُ فيكَ وفي صاحِبتِكَ، فاذهَبْ فأْتِ بها»، قالَ سَهلٌ: فتَلاعَنَا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا فرَغَا قالَ عُويمرٌ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها، فطلَّقَها ثلاثًا قبلَ أنْ يَأمُرَه رسولُ اللهِ ﷺ ، قالَ ابنُ شِهابٍ: فكانَتْ تلكَ سُنةَ المُتلاعنَينِ (١). وفي هذا الخبَرِ دَلالةٌ على أنَّ اللعانَ لم يُوجِبِ الفُرقةَ؛ لقولِه: «كَذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها»؛ وذلك لأن فيه إخبارًا منه بأنه مُمسِكٌ لها بعدَ اللعانِ على ما كانَ عليهِ مِنْ النكاحِ؛ إذْ لو كانَتِ الفُرقةُ قد وقَعَتْ قبلَ ذلكَ لَاستَحالَ قولُه: «كَذَبتُ عليها إنْ أمسَكتُها» وهو غيرُ مُمسِكٍ لها، فلما أخبَرَ بعدَ اللعانِ بحَضرةِ النبيِّ ﷺ أنه مُمسِكٌ لها ولم يُنكِرْه النبيُّ ﷺ دَلَّ ذلكَ على أنَّ الفُرقةَ لم تَقعْ بنَفسِ اللعانِ؛ إذْ غيرُ جائزٍ أنْ يُقِرَّ النبيُّ ﷺ أحَدًا على الكَذبِ ولا على استِباحةِ نِكاحٍ قد بَطلَ، فثبَتَ أنَّ الفُرقةَ لم تَقعْ بنَفسِ اللعانِ. ويَدلُّ عليه أيضًا ما رُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لاعَنَ بينَ عُويمرٍ العَجلانِيِّ وبينَ امرَأتِه، فلمَّا فرَغَا مِنْ اللعانِ فرَّقَ بينَهُما ثم قالَ ﵊: «اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحَدَكُما لَكاذبٌ فهلْ منكُما تائبٌ؟ قالَ ذلكَ ثَلاثًا، فأبَيَا، ففرَّقَ بينَهُما».

стр. 11208

فدَلَّتِ الأحاديثُ على أنَّ الفُرقةَ لا تَقعُ بلعانِ الزَّوجِ ولا بلِعانِها؛ إذْ لو وقَعَتْ لَمَا احتملَ التَّفريق مِنْ رَسولِ اللهِ بعدَ وُقوعِ الفُرقةِ بينَهُما بنَفسِ اللعانِ، ولأنَّ مِلكَ النكاحِ كانَ ثابتًا قبلَ اللعانِ، والأصلُ أنَّ المِلكَ متَى ثبَتَ لإنسانٍ لا يَزولُ إلا بإزالتِه أو بخُروجِه مِنْ أنْ يكونَ مُنتَفعًا به في حقِّه لعَجزِه عن الانتِفاعِ بهِ، ولم تُوجَدِ الإزالةُ مِنْ الزوجِ؛ لأنَّ اللعانَ لا يُنبِئُ عن زَوالِ المِلكِ؛ لأنه شَهادةٌ مُؤكَّدةٌ باليَمينِ أو يَمينٌ، وكُلُّ واحدٍ منهُما لا يُنبئُ عن زَوالِ المِلكِ، ولهذا لا يَزولُ بسائرِ الشَّهاداتِ والأيمانِ، والقُدرةُ على الامتناعِ ثابتةٌ، فلا تَقعُ الفُرقةُ بنَفسِ اللعانِ. ولأنَّ اللهَ تَعالى خاطَبَ الأزواجَ باللعانِ بقَولِه : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلى آخِرِ ما ذكَرَ، فلو ثَبتَتِ الفُرقةُ بلِعانِ الزوجِ فالزوجةُ تُلاعِنُه وهي غيرُ زَوجةٍ، وهذا خِلافُ النصِّ. ولأنها فُرقةٌ لا يَثبتُ سَببُها إلا عندَ الحاكِمِ، فلم تَقعْ بينَهُما إلا بحُكمِ الحاكِمِ، كالعُنَّةِ التي لم يَثبتْ سَببُها في ضَربِ المُدةِ إلا بحُكمِ الحاكِمِ ولم تَقعِ الفُرقةُ فيها إلا بحُكمٍ، ولأنَّ اللعانَ سَببٌ يَخرجُ به القاذفُ مِنْ قَذفِه، فوجَبَ أنْ لا تَقعَ الفُرقةُ إلا بحُكمٍ كالبيِّنةِ، ولأنَّ الفُرقةَ لا تَقعُ إلا بما يَختصُّ بألفاظِها مِنْ صَريحٍ أو كِنايةٍ، وليسَ في اللعانِ صَريحٌ ولا كِنايةٌ (١).

стр. 11209

هلِ الفُرقةُ الحاصِلةُ بسَببِ اللِّعانِ فَسخٌ أم طَلاقٌ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الفُرقةِ الحاصِلةِ بسَببِ اللعانِ، هل هي فَسخٌ أم طَلاقٌ؟ وثَمرةُ ذلكَ أنَّ مَنْ يقولُ أنها فَسخٌ تأبَّدَ تَحريمُها، ومَن يقولُ أنها طَلاقٌ لم يَتأبَّدْ تَحريمُها كما سَيأتي في المَسألةِ القادِمةِ. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ وزُفرُ والحَسنُ بنُ زِيادٍ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ الفُرقةَ الحاصِلةَ بسَببِ اللعانِ فُرقةُ فَسخٍ؛ لأنها فُرقةٌ تُوجِبُ تَحريمًا مُؤبَّدًا، فكانَتْ فَسخًا كفُرقةِ الرَّضاعِ، واحتَجُّوا بقَولِ النبيِّ ﷺ : «المُتَلاعِنانِ لا يَجتمِعانِ أبدًا»، وهو نَصٌّ في البابِ، ولأنَّ اللعانَ ليسَ بصَريحٍ في الطَّلاقِ، ولو نَوى به الطلاقَ لم يكنْ طَلاقًا كسائرِ ما يَنفسخُ بهِ النكاحُ، ولأنه لو كانَ طَلاقًا لَوقَعَ بلِعانِ الزوجِ دونَ لِعانِ المرأةِ، ولو كانَ اللعانُ صَريحًا في الطلاقِ أو كِنايةً فيه لَوقَعَ بمُجرَّدِ لِعانِ الزوجِ ولم يَتوقَّفْ على لِعانِ المَرأةِ. ولأنه لو كانَ طَلاقًا فهو طَلاقٌ مِنْ مَدخولٍ بها بغيرِ عِوضٍ لم يَنوِ به الثلاثَ، فكانَ يَكونُ رَجعيًّا. ولأنَّ الطلاقَ بيَدِ الزَّوجِ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ أمسَكَ، وهذا الفَسخُ حاصِلٌ بالشرعِ وبغيرِ اختِيارِه. وإذا ثبَتَ بالسُّنةِ وأقوالِ الصَّحابةِ ودَلالةِ القُرآنِ أنَّ فُرقةَ الخُلعِ ليسَتْ

стр. 11210

بطَلاقٍ بل هي فَسخٌ -عندَ الحَنابلةِ- مع كَونِها بتَراضيهِما فكيفَ تكونُ فُرقةُ اللِّعانِ طَلاقًا؟! (١). وذهَبَ الإمامانِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الفُرقةَ الحاصِلةَ بسَببِ اللعانِ فُرقةُ طَلاقٍ، وتَكونُ فُرقةً بتَطليقةٍ بائِنةٍ، فيَزولُ مِلكُ النكاحِ وتَثبتُ حُرمةُ الاجتهادِ والتَّزويجِ ما دامَا على حالةِ اللعانِ؛ لِما رُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا لاعَنَ بينَ عُوَيمرٍ العَجلانِيُّ وبينَ امرَأتِه فقالَ عُويمرٌ: «كَذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إنْ أمسَكتُها، فهيَ طالقٌ ثلاثًا»، وفي بَعضِ الرِّواياتِ: «كَذَبتُ عليها إنْ لم أُفارِقْها، فهيَ طالقٌ ثلاثًا»، فصارَ طَلاقُ الزَّوجِ عَقيبَ اللِّعانِ سُنةَ المُتلاعنَينِ؛ لأنَّ عُويمرًا طلَّقَ زوْجَتَه ثلاثًا بعدَ اللعانِ عندَ رسولِ اللهِ، فأنفَذَها عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، فيَجبُ على كل مُلاعِنٍ أنْ يُطلِّقَ، فإذا امتَنعَ يَنوبُ القاضي مَنابَه في التفريقِ، فيكونُ طَلاقًا كما في العِنِّينِ، ولأنَّ سَببَ هذهِ الفُرقةِ قَذفُ الزوجِ؛ لأنه يُوجِبُ اللعانَ، واللعانَ يُوجِبُ التَّفريقَ، والتفريقَ يُوجِبُ الفُرقةَ، فكانَتِ الفُرقةُ بهذهِ الوسائطِ مُضافةً إلى القَذفِ السابقِ، وكلُّ فُرقةٍ تكونُ مِنْ الزوجِ

стр. 11211

أو يَكونُ فِعلُ الزوجِ سَببَها تكونُ طَلاقًا كما في العِنِّينِ والخُلعِ والإيلاءِ ونحوِ ذلكَ (١). الأثَرُ الثالثُ: التَّحريمُ المؤبَّدُ بينَهُما: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم مِنْ العُلماءِ على أنَّ الزوجَ إذا لاعَنَ زوْجتَه واستَمرَّ اللعانُ ولم يُكذِّبِ الزوجُ نفْسَه ولم تُكذِّبِ الزوجةُ نفْسَها أنها تَحرمُ عليه تَحريمًا مُؤبَّدًا فلا تَحِلُّ له؛ لقولِ سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁: «مَضَتْ السُّنةُ بعدُ في المُتَلاعنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثمَّ لا يَجتمِعانِ أبدًا» (٢). وقالَ عُمرُ ﵁: «المُتلاعِنانِ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَجتمِعانِ أبَدًا» (٣)، وعن عَليٍّ (٤) وابنِ مَسعودٍ (٥) نحوُه. قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ بنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ زَوجةَ المُلاعِنِ لا تَحِلُّ له بعدَ زَوجٍ إذا لم يُكذِّبْ نفْسَه (٦).

стр. 11212

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنه إذا لم يُكذِّبْ نفْسَه لا تَحِلُّ له، إلا أنْ يَكونَ قَولًا شاذًّا (١). ولأنه قد وقَعَ بينَهُما مِنْ التقاطُعِ والتباغُضِ والتهاتُرِ وإبطالِ حُدودِ اللهِ ما أوجَبَ أنْ لا يَجتمعَا بعدَها أبدًا، وذلكَ أنَّ الزوجيةَ مَبناها على المَودَّةِ والرحمةِ، وهؤلاءِ قد عَدِموا ذلكَ كُلَّ العَدمِ، ولا أقَلَّ مِنْ أنْ تَكونَ عُقوبَتُهما الفُرقةَ. وبالجُملةِ فالقُبحُ الذي بينَهُما غايةُ القُبحِ (٢). إذا أكذَبَ الزَّوجُ نفْسَه أو أكذَبَتِ الزَّوجةُ نفْسَها هل يَتأبَّدُ التَّحريمُ؟ أم يَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَها؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أكذَبَ الزَّوجُ نفْسَه وأُقيمَ عليه حَدُّ القَذفِ أو أكذَبَتِ الزَّوجةُ نفْسَها، هل يَتأبَّدُ التَّحريمُ؟ أم لا ويَجوزُ له أنْ يَتزوَّجَها؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنها تَحرمُ عليه باللعانِ تَحريمًا مُؤبَّدًا فلا تَحِلُّ له، وإنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ الحَدَّ ولَحقَ به الوَلدُ ولم تَرجعْ إليه أبدًا، لقَولِ سَهلِ ابنِ سَعدٍ ﵁: «مَضَتْ السُّنةُ بعدُ في المُتلاعِنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثمَّ لا يَجتمِعانِ أبَدًا» (٣).

стр. 11213

وقالَ عُمرُ ﵁: «المُتلاعِنانِ يُفرَّقُ بينَهُما ولا يَجتمِعانِ أبدًا» (١)، وعن عَليٍّ (٢) وابنِ مَسعودٍ (٣) نحوُه. ولأنه تَحريمٌ لا يَرتفعُ قبلَ الحَدِّ والتكذيبِ، فلمْ يَرتفعْ بهِما كتَحريمِ الرَّضاعِ. ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ للمُتلاعِنَينِ: «حِسابُكُما على اللَّهِ، أحَدُكُما كاذِبٌ، لا سَبيلَ لكَ عليها» (٤)، ولم يَقُلْ له: «إلا أنْ تُكذِّبَ نفْسَك»، فكانَ كالتحريمِ المُؤبَّدِ في الأمَّهاتِ ومَن ذُكرَ مَعهُنَّ، وهذا شأنُ كُلِّ تَحريمٍ مُطلَقِ التأبيدِ، ألَا تَرى أنَّ المُطلِّقَ ثَلاثًا لمَّا لم يكنْ تَحريمُه تأبيدًا أوقعَ فيه الشَّرط بنِكاحِ زَوجٍ غيرِه، ولو قالَ: «فإنْ طلَّقَها فلا تَحِلُّ لهُ» لَكانَ تَحريمًا مُطلَقًا لا تَحِلُّ له أبدًا، وقد أطلَقَ النبيُّ ﷺ التحريمَ في المُلاعَنةِ ولم يُضمِّنْه بوَقتٍ، فهو مُؤبَّدٌ، فإنْ أكذَبَ نفْسَه لَحقَ به الوَلدُ؛ لأنه حَقٌّ جحَدَه ثم عادَ إلى الإقرارِ به، وليسَ كذلكَ النكاحُ؛ لأنه حَقٌّ ثبَتَ عليه بقَولِه: «لا سَبيلَ لكَ عليها»، فلا يَتهيَّأُ له إبطالُه (٥).

стр. 11214

ومِن القِياسِ: أنه تَحريمُ عَقدٍ لا يَرتفعُ بغيرِ تَكذيبٍ وحَدٍّ، فوجَبَ أنْ لا يَرتفعَ بالتكذيبِ والحَدِّ كالمُصاهَرةِ، ولأنه لَفظٌ مَوضوعٌ للفُرقةِ، فوجَبَ أنْ لا يَرتفعَ تَحريمُه بالتكذيبِ كالطلاقِ، ولأنَّ تَحريمَ الزوجةِ يَنقسمُ أربَعةِ أقسامٍ: منها: تَحريمٌ يَرتفعُ بغيرِ عَقدٍ كالطلاقِ الرَّجعيِّ مع بَقاءِ العدَّةِ. ومنها: تَحريمٌ يَرتفعُ بعَقدٍ كالطلاقِ الرَّجعيِّ بعدَ العدَّةِ. ومنها: تَحريمٌ بعَقدٍ وإصابةِ زَوجٍ كالطلاقِ الثَّلاثِ. ومنها: تَحريمٌ مُؤبَّدٌ كتَحريمِ المُصاهرةِ والرَّضاعِ. فلمَّا لم يَكنْ تَحريمُ اللعانِ مُلحَقًا بالأقسامِ الثلاثةِ في شُروطِ الإباحةِ وجَبَ أنْ يكونَ مُلحَقًا بالرابعِ في تَأبيدِ التحريمِ (١). وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ) لابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ المُلاعنَ إذا أكذَبَ نفْسَه بعدَما تَمَّ اللعانُ أيَحِلُّ له أنْ يَنكحَها في قولِ مالكٍ؟ (قال): قالَ مالكٌ: لا تَحلُّ له أبَدًا ويُضرَبُ الحَدَّ ويَلحقُ به الوَلدُ، ابنُ وَهبٍ: وقالَ مالكٌ: السُّنةُ في المُتلاعِنينِ أنهُما لا يَتناكَحانِ أبَدًا، وإنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ

стр. 11215

الحَدَّ وأُلحقَ به الوَلدُ ولم تَرجعْ إليه امرَأتُه، قالَ مالكٌ: وتلكَ السُّنةُ عندَنا لا شكَّ فيها. قالَ ابنُ وَهبٍ: وقالَه ابنُ شِهابٍ ويَحيى بنُ سَعيدٍ ورَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ بنحوِ ذلكَ، ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني ابنُ لَهيعةَ والليثُ عن عُبيدِ اللهِ بنِ أبي جَعفرٍ عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ أنَّ التلاعُنَ هي البتَّةُ ولا يَتوارثانِ ولا يَتناكَحانِ أبَدًا، وعليها عِدةُ المُطلقةِ وإنْ كانَ لها عليهِ مَهرٌ وَجبَ عليهِ (١). وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ في «المُوطَّأِ»: السُّنةُ عندَنا أنَّ المُتلاعنَينِ لا يَتناكَحانِ أبَدًا، وإنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ الحَدَّ وأُلحقَ به الوَلدُ ولم تَرجعْ إليهِ أبَدًا، وعلى هذا السُّنةُ عندَنا التي لا شَكَّ فيها (٢). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فإذا أكمَلَ الزوجُ الشهادةَ والالتِعانَ فقدْ زالَ فِراشُ امرأتِه، ولا تَحلُّ لهُ أبدًا بحالٍ، وإنْ أكذَبَ نفْسَه لم تَعُدْ إليهِ، التعَنَتْ أو لم تَلتعِنْ، حُدَّتْ أو لم تُحَدَّ، قالَ: وإنَّما قُلتُ هذا لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «الوَلدُ للفِراشِ» وكانَتْ فِراشًا، فلمْ يَجُزْ أنْ يُنفَى الوَلدُ عن الفِراشِ إلا بأنْ يَزولَ الفِراشُ، فلا يَكونُ فِراشٌ أبدًا، وقد أخبَرَنا مالِكٌ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فرَّقَ بينَ المُتلاعنَينِ وألحَقَ الوَلدَ بالمَرأةِ» (٣).

стр. 11216

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجَ لا يَجوزُ له أنْ يَجتمعَ مع زَوجتِه مرَّةً أخرَى ما دامَا على لِعانِهما، فإذا أكذَبَ نفْسَه وأُقيمَ عليهِ حَدُّ القَذفِ جازَ له أنْ يَتزوجَها؛ لأنَّنا جَميعًا أجمَعْنا على أنه إنْ أكذَبَ نفْسَه جُلدَ الحَدَّ ولَحقَ به الولدُ، فكذلكَ يَعودُ النكاحُ حَلالًا كما عادَ الوَلدُ؛ لأنه لا فرْقَ بينَ شَيءٍ مِنْ ذلكَ، وعلى هذا يكونُ خاطِبًا مِنْ الخُطَّابِ. وأما حَديثُ الزُّهريِّ عن سَهلِ بنِ سَعدٍ الساعِديِّ بقصَّةِ مُلاعَنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ بينَ الزَّوجينِ اللذَينِ لاعَنَ بينَهُما قالَ سَهلٌ: «مَضَتْ السُّنةُ بعدُ في المُتَلاعنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثمَّ لا يَجتمِعانِ أبدًا» (١) فالجَوابُ عن هذا أنه قد يَجوزُ أنْ يَكونَ كانَ ذلكَ في المُلاعِنِ عندَما كانَ قائِمًا على القَذفِ الذي بهِ لاعَنَ زوْجتَه، وقد وجَدْنا عن الزُّهريَّ مِنْ مَذهبِه في ذلكَ أيضًا كما قد ذكَرْنا مِنْ هذا الاحتِمالِ، فإنه رُويَ عنه أنه قالَ في المُتلاعنَينِ: «لا يَتراجَعانِ أبدًا إلا أنْ يُكذِّبَ نفْسَه، فيُجلدُ الحَدَّ ويَظهرُ بَراءَتُها، فلا جُناحَ عليهِما أنْ يَتراجَعَا». ورُويَ أيضًا ذلكَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ المُلاعِنَ إذا أكذَبَ نفْسَه رُدَّتْ إليه امرَأتُه، أي: بعَقدٍ جَديدٍ.

стр. 11217

وعن حمَّادٍ عن إبراهيمَ أنه قالَ: إنْ ضُربَ بعدَ ذلكَ -يعني المُلاعِنَ- فهو خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ، يَتزوَّجُها إنْ شاءَ وشاءتْ. ولأنا قد وجَدْناهُما في البَدءِ للمَرأةِ أنْ تَطلبَ الزوجَ حتى يُلاعِنَ بينَها وبينَه اللعانَ الذي يُوجبُ الفُرقةَ بينَهُما، ووجَدْنا الزَّوجَ لو أكذَبَ نفْسَه فحُدَّ في ذلكَ ثمَّ طلَبَتِ المَرأةُ فِراقَه بقَولِه الذي كانَ منه لها لم يَكنْ لها ذلكَ، فكانَتِ العِلةُ التي لها يُلاعنُ بينَهُما اللعانَ الذي يَكونُ عنهُ الفُرقةُ بينَهُما هي ثُبوتُ الزَّوجِ على ما كانَ منهُ إلى زَوجتِه، وإنَّ ذلكَ يَزولُ بزَوالِ تلكَ العِلةِ وبإقامةِ الحَدِّ عليه فيما يَجبُ إقامتُه عليهِ، ويَثبُتانِ بعدَ ذلكَ زَوجينِ كما كانَا قبلَ ذلكَ القولِ، فكانَ مثلُ ذلكَ في القياسِ إذا فُرِّقَ بينَهُما بعدَ اللعانِ أنْ يكونَ ذلكَ الحُكمُ المانعُ أنْ يَجتمعَا قائمًا بينَهُما ما كانَ مُقيمًا على القولِ الذي كانَ يُوجبُ اللعانَ في البَدءِ حتَّى تكونَ به الفُرقةِ، وأنْ يكونَ إذا زالَ ذلكَ القولُ ووَسِعَهما أنْ يُقيمَا على ما كانَا عليهِ قبلَ ذلكَ القولِ في البَدءِ أنْ يَكونَ بعدَ الفُرقةِ أيضًا كذلكَ، وأنْ يكونَ المانعُ مِنْ الاجتِماعِ في المُستأنفِ هو الذي كانَ يُوجِبُ اللعانَ الذي يكونُ عنه ضِدُّ الاجتماعِ، وأنْ يكونَ ذلكَ المعنَى إذا زالَ زالَ ما يَمنعُهما مِنْ الاجتِماعِ. والدليلُ على جَوازِ نِكاحِهما إذا أكذَبَ نفْسَه وحُدَّ حَدَّ القَذفِ عُمومُ الآيِ المُبيحةِ لعُقودِ المُناكَحاتِ، نحوُ قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقولِه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقَولِه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].

стр. 11218

ومِن جِهةِ النظرِ أيضًا أنَّا قد بيَّنَّا أنَّ هذه الفُرقةَ مُتعلِّقةٌ بحُكمِ الحاكمِ، وكُلُّ فُرقةِ تَعلقَتْ بحُكمِ الحاكمِ فإنها لا تُوجبُ تَحريمًا مُؤبَّدًا، والدَّليلُ على ذلكَ أنَّ سائرَ الفُرَقِ التي تَتعلقُ بحُكمِ الحاكمِ لا تُوجبُ تَحريمًا مُؤبَّدًا مثلَ فُرقةِ العِنِّينِ وخيارِ الصَّغيرينِ … وكذلكَ سائرُ الفُرَقِ المُتعلقةِ بحُكمِ الحاكمِ في الأصولِ هذه سَبيلُها. ولأنَّ سَببَ هذه الفُرقةِ قَذفُ الزوجِ؛ لأنه يُوجِبُ اللعانَ، واللعانَ يُوجِبُ التفريقَ، والتفريقَ يُوجبُ الفُرقةَ، فكانَتِ الفُرقةُ بهذه الوَسائطِ مُضافةً إلى القَذفِ السابقِ، وكُلُّ فُرقةٍ تكونُ مِنْ الزوجِ أو يَكونُ فِعلُ الزَّوجِ سَببَها تكونُ طَلاقًا كما في العِنِّينِ والخُلعِ والإيلاءِ ونحوِ ذلكَ. وأمَّا الحَديثُ فلا يُمكِنُ العَملُ بحَقيقتِه؛ لِمَا ذكَرْنا أنَّ حَقيقةَ المُتفاعِلِ هو المُتشاغِلُ بالفِعلِ، ولمَّا فرَغَا مِنْ اللعانِ ما بَقيَا مُتلاعنَينِ حَقيقةً، فانصَرفَ المُرادُ إلى الحُكمِ، وهو أنْ يَكونَ حُكمُ اللِّعانِ فيهِما ثابتًا. فإذا أكذَبَ الزَّوجُ نفْسَه وحُدَّ حَدَّ القَذفِ بطَلَ حُكمُ اللِّعانِ، فلمْ يَبْقَ مُتلاعنًا حَقيقةً وحُكمًا، فجازَ اجتِماعُهما. ونَظيرُه قَولُه تعالَى في قصَّةِ أصحابِ الكهفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ [الكهف: ٢٠]، أي: ما دامُوا في مِلَّتِهم، ألَا ترَى أنهُم إذا لم يَفعلُوا يُفلِحوا، فكَذا هَذا (١).

стр. 11219

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنها تَحرمُ عليهِ باللعانِ تَحريمًا مُؤبَّدًا، فلا تَحِلُّ له وإنْ أكذَبَ نفْسَه في ظاهرِ المَذهبِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنه إذا لم يُكذبْ نفْسَه لا تَحِلُّ له، إلا أنْ يَكونَ قَولًا شاذًّا. وأما إذا أكذَبَ نفْسَه فالذي رَواهُ الجَماعةُ عن أحمَدَ أنها لا تَحلُّ له أيضًا، وجاءَتِ الأخبارُ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ مَسعودٍ ﵃ أنَّ المُتلاعنَينِ لا يَجتمِعانِ أبدًا، وبه قالَ الحسَنُ وعَطاءٌ وجابرُ بنُ زَيدٍ والنخَعيُّ والزُّهريُّ والحَكمُ ومالكٌ والثَّوريُ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وأبو يُوسفَ. وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى: إنْ أكذَبَ نفْسَه حلَّتْ له وعادَ فِراشُه بحالِه، وهي رِوايةٌ شاذَّةٌ شَذَّ بها حَنبلٌ عن أصحابِه، قالَ أبو بَكرٍ: لا نَعلمُ أحَدًا رَواها غيرَه، ويَنبغِي أنْ تُحمَلَ هذه الروايةُ على ما إذا لم يُفرِّقْ بينَهُما الحاكِمُ، فأما مع تَفريقِ الحاكِمِ بينَهُما فلا وجْهَ لبَقاءِ النكاحِ بحالِه، وقد ذكَرْنا أنَّ مَذهبَ البَتيِّ أنَّ اللعانَ لا يَتعلقُ به فُرقةٌ، وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ: إنْ أكذَبَ نفْسَه فهو خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ؛ لأنَّ فُرقةَ اللعانِ عندَهما طَلاقٌ، وقالَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ: إنْ أكذَبَ نفسَه رُدَّتْ إليه ما دامَتْ في العدَّةِ. ولنَا: ما رَوى سَهلُ بنُ سَعدٍ قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ في المُتلاعنَينِ أنْ يُفرَّقَ بينَهُما ثم لا يَجتمعانِ أبَدًا» رواهُ الجَوزَجانِيُّ في كتابه بإسنادِه، ورُوي مثلُ

стр. 11220

هذا عن الزُّهريِ ومالكٍ؛ ولأنه تَحريمُ لا يَرتفعُ قبلَ الحَدِّ والتكذيبِ، فلمْ يَرتفعْ بهِما كتَحريمِ الرَّضاعِ (١). وثَمرةُ الخِلافِ تَظهرُ فيما إذا أكذَبَ المُلاعِنُ نفْسَه بعدَما فرَّقَ القاضي بينَهُما ثم إذا أرادَ أنْ يَتزوَّجَها قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ -رحمهما الله-: له أنْ يَتزوَّجَها، وقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ وزُفرُ: ليسَ له أنْ يَتزوجَها. ثانِيًا: آثارُ اللعانِ في حَقِّ نَسبِ الوَلدِ: إذا تَمَّ اللعانُ بينَ الزوجينِ وكانَ سَببُه نَفيَ نَسبِ الوَلدِ تَرتَّبَ عليهِ انتِفاءُ نَسبِ الوَلدِ عن الزوجِ بالإجماعِ وأُلحقَ الوَلدُ بأمِّه، وذلكَ إذا تَوفَّرتِ الشُّروطُ الآتيةُ: الشَّرطُ الأولُ: أنْ لا يُكذِّبَ الزَّوجُ نفْسَه بعدَ اللعانِ: قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: إجماعُ المُسلمينَ أنَّ الزوجَ إذا أكذَبَ نفْسَه لَحقَ به الوَلدُ وجُلدَ الحَدَّ … ثمَّ قالَ: ما لا يَختلفُ فيه أهلُ العِلمِ مِنْ أنَّ الأمَّ لو قالَتْ: «ليسَ هو مِنْكَ إنما استَعرتُه» لم يَكنْ قَولُها شَيئًا إذا عرفَ أنها وَلدَتْه على فِراشِه إلا بلِعانٍ؛ لأنَّ ذلكَ حَقٌّ للوَلدِ دونَ الأمِّ، وكذلكَ لو قالَ: «هو ابنِي» وقالَتْ:

стр. 11221

«بل زنَيْتُ فهو مِنْ زِنًا» كانَ ابنَه، ألَا تَرى أنَّ حُكمَ الولدِ في النفيِ والإثباتِ إليه دُونَ أمِّه، فكذلكَ نفيُه بالتِعانِه دُونَ أمِّه (١). الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَنفيَ الوَلدَ على الفَوريَّةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا نَفَى نَسبَ الولدِ بعدَ الوِلادةِ ولاعَنَ انتَفى النَّسبُ عنه ولَحقَ بأمِّه. قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: وقدِ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه إذا نفَى ولَدَها أنه يُلاعِنُ ويلزمُ الوَلد أُمهُ ويَنتفِي نَسبُه مِنْ أبيهِ (٢). إلا أنهُم اختَلفوا في وَقتِ نَفيِ الوَلدِ، هل يَلزمُه أنْ يَنفيَه على الفَورِ بعدَ الوِلادةِ فإنْ سَكتَ حتى حصَلَتِ التَّهنئةُ لم يَجُزْ له أنْ يَنفيَه؟ أم يَجوزُ أنْ يَنفيَه ما دامَتِ المَرأةُ في مُدةِ النفاسِ؟ أم ليسَ في ذلكَ وَقتٌ مُحدَّدٌ؟ وإنْ كانَ طَريقُ نَفيِ الوَلدِ طَريقُه الاجتِهادُ وغالِبُ الظَّنِّ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ. فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنه لا وقْتَ له؛ لأنَّ هذا أمرٌ يَحتاجُ إلى التأمُّلِ، فلا بُدَّ له مِنْ زَمانِ التأملِ، وأنه يَختلفُ باختِلافِ الأشخاصِ والأحوالِ، فتَعذَّرَ التوقيتُ فيه، فيُحكَّمُ فيه العادةُ مِنْ قَبولِ التَّهنئةِ وابتياعِ آلاتِ الوِلادةِ أو مُضيِّ مُدةٍ يفعلُ ذلكَ فيها عادةً، فلا يَصحُّ نَفيُه بعدَ ذلكَ، وبهذا يَبطلُ اعتِبارُ الفَورِ؛ لأنَّ معنَى التأملِ والتَّروي لا يَحصلُ بالفورِ.

стр. 11222

وعلى هذا الغائِبُ عنِ امرأتِه إذا ولَدَتْ ولم يَعلمْ بالوِلادةِ حتى قَدِمَ أو بَلغَه الخبَرُ وهو غائِبٌ أنه له أنْ يَنفيَ عندَ أبي حَنيفةَ في مِقدارِ تَهنئةِ الولدِ وابتياعِ آلاتِ الوِلادةِ، فإذا مَضَتْ مُدةٌ قد كانَ يُمكِنُه فيها نَفيُ الولدِ وكانَ منه قَبولٌ للتهنئةِ أو ظهَرَ منه ما يَدلُّ على أنه غيرُ نافٍ له لم يَكنْ له بعدَ ذلكَ أنْ يَنفيَه عندَ أبي حَنيفةَ، وتَحديدُ الوقتِ ليسَ عليهِ دَلالةٌ، فلمْ يَثبتْ، واعتُبِرَ ما ذكَرْنا مِنْ ظُهورِ الرِّضا بالوَلدِ ونحوِه (١). وذهَبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنه إنْ نَفاهُ في مُدةِ النفاسِ -وهيَ أربَعونَ يَومًا- صَحَّ نَفيُه، وحالُ النِّفاسِ هي حالُ الوِلادةِ، فما دامَتْ على حالِ الوِلادةِ قُبِلَ نفيُه. قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: وأما تَوقيتُ نَفيِ الوَلدِ فإنَّ طَريقَه الاجتِهادُ وغالِبُ الظنِّ، فإذا مَضتْ مُدةٌ قد كانَ يُمكِنُه فيها نَفيُ الولدِ وكانَ منهُ قَبولٌ للتَّهنئةِ أو ظهَرَ منه ما يَدلُّ على أنه غيرُ نافٍ له لم يَكنْ له بعدَ ذلكَ أنْ يَنفيَه عندَ أبي حَنيفةَ، وتَحديدُ الوقتِ ليسَ عليهِ دَلالةٌ، فلمْ يَثبتْ، واعتُبِرَ ما ذكَرْنا مِنْ ظُهورِ الرِّضا بالولدِ ونحوِه. فإنْ قيلَ: لمَّا لم يَكنْ سُكوتُه في سائرِ الحُقوقٍ رضًا بإسقاطِها كانَ كذلكَ نَفيُ الوَلدِ.

стр. 11223

قيلَ له: قدِ اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ السُّكوتَ في ذلكَ إذا مَضتْ مُدةٌ مِنْ الزمانِ بمَنزلةِ الرِّضا بالقولِ، إلا أنهُم اختَلفوا فيها، وأكثَرُ مِنْ وَقَّتَ فيها أربعِينَ يَومًا، وذلكَ لا دَليلَ عليهِ، وليسَ اعتِبارُ هذهِ المُدةِ بأَولى مِنْ اعتبارِ ما هو أقَلُّ مِنها. وذهَبَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الأربَعينَ هي مُدةُ أكثرِ النفاسِ، وحالُ النِّفاسِ هي حالُ الوِلادةِ، فما دامَتْ على حالِ الوِلادةِ قُبِلَ نَفيُه، وهذا ليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ نَفيَ الوَلدِ لا تَعلُّقَ له بالنفاسِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ التَّعجيلُ لنَفيِ الحَملِ أو الوَلدِ عن الزوجِ، فلو عَلِمَ الزوجُ بالحَملِ أو الوِلادةِ فسَكتَ عن نَفيِه بعدَ عِلمِه ثم أراد أنْ يَنفيَه باللعانِ فليسَ له ذلكَ ويُحَدُّ حَدَّ القَذفِ. قالَ المالِكيةُ: الحَملُ إذا كانَ بَيِّنًا ظاهرًا بالزوجةِ وسَكتَ عنه الزوجُ مُدةً بعدَ عِلمِه به -ولا يَتقيَّدُ بزَمانٍ- ثمَّ أرادَ أنْ يَنفيَه بلِعانٍ فإنه لا يُمكَّنُ مِنْ اللعانِ؛ لأنَّ العُرفَ يُكذِّبُه؛ لأنه ليسَ لسُكوتِه وجهٌ يُحمَلُ عليهِ إلا الرِّضا؛ لأنه لو أرادَ نَفيَه لم يَسكتْ عنه، فلمَّا سَكتَ عنه وهو قادِرٌ على نَفيِه ولا

стр. 11224

عُذرَ له في سُكوتِه كانَ كاعتِرافِه به، ولَحقَ به الوَلدُ وبَقيتً زَوجةً، سَواءٌ كانَتْ مُسلمةً أو كِتابيةً، ويُحَدُّ للمُسلمةِ مُطلَقًا، طالَ سُكوتُه كالشَّهرِ أم لم يَطُلْ كاليومِ واليَومينِ، ما لم يَسكتْ لعُذرٍ، وهذا إذا ثَبتَ سُكوتُه بعدَ العِلمِ به بإقرارٍ أو بيِّنةٍ، على أنَّ عِلمَه به لا يُعلَمُ إلا مِنْ قولِه (١). وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ الجَديدِ: النفيُ لنَسبِ وَلدٍ يَكونُ على الفَورِ؛ لأنه شُرعَ لدَفعِ ضَررٍ مُحقَّقٍ، فكانَ على الفَورِ كالردِّ بالعَيبِ وخِيارِ الشُّفعةِ. وفي القَديمِ قَولانِ: أحَدُهما: يَجوزُ إلى ثَلاثةِ أيامٍ، والثَّاني: له النفيُ متَى شاءَ، ولا يَسقطُ إلا بإسقِاطِه. والمُرادُ بالنَّفيِ هُنا: أنْ يَحضرَ عندَ الحاكِمِ ويَذكرَ «أنَّ هذا الوَلدَ أو الحَملَ المَوجودَ ليسَ منِّي» معَ الشَّرائطِ المُعتبرةِ، وأما اللِّعانُ فله تَأخيرُه. ويُعذَرُ المُلاعِنُ في تأخيرِ النفيِ على قَولِ الفَورِ لعُذرٍ، كأنْ بَلغَه الخبَرُ لَيلًا فأخَّرَ حتى يُصبحَ، أو كانَ جائِعًا فأكَلَ، أو عارِيًا فلَبِسَ. فإنْ كانَ مَحبوسًا أو مَريضًا أو خائفًا ضَياعَ مالٍ أرسَلَ إلى القاضي ليَبعثَ إليه نائبًا يُلاعِنُ عندَه أو ليُعلِمَه أنه مُقيمٌ على النفيِ، فإنْ لم يَفعلْ بَطلَ حَقُّه، فإنْ تَعذَّرَ عليه الإرسالُ أشهَدَ إنْ أمكَنَه، فإنْ لم يُشهِدْ مع تَمكُّنِه منه بَطلَ حقُّه.

стр. 11225

وللغائِبُ النفيُ عندَ القاضي إنْ وَجدَه في مَوضعِه، وله مع وُجودِه التأخيرُ إلى الرُّجوعِ إنْ بادَرَ إليهِ بحَسبِ الإمكانِ مع الإشهادِ، وإلا فلا على الأصَحِّ. أما إذا لم يَكنْ عُذرٌ فإنَّ حَقَّه يَبطلُ مِنْ النفيِ في الأصَحِّ ويَلحقُه الوَلدُ. وله نَفيُ حَملٍ؛ لِما في الصَّحيحينِ أنَّ هِلالَ بنَ أميَّةَ لاعَنَ عن الحَملِ، ولأنَّ المُلاعِنَ قد يَموتُ قبلَ الوِلادةِ فيَلحقُه الوَلدُ. وله أيضًا انتظارُ وَضعِه ليُلاعِنَ على يَقينٍ، فإنَّ المُتوهَّمَ حَملًا قد يكونُ رَيحًا فيَنفشُ، بخِلافِ انتظارِ وَضعِه؛ لرَجاءِ مَوتِه، كأنْ قالَ: «عَلمْتُه وَلدًا وأخَّرْتُ رَجاءَ وَضعِه ليَنزلَ مَيتًا فأُكفَى اللِّعانَ» فإنَّ حَقَّه يَبطلُ مِنْ المَنفيِّ؛ لتَفريطِه معَ عِلمِه. ومَن أخَّرَ نفْيَ نَسبِ وَلدٍ وقالَ: «جَهلْتُ الوِلادةَ» صُدِّقَ بيَمينِه إنْ كانَ غائبًا ولم يَستفِضْ ويَنتشرْ؛ لأنَّ الظاهرَ يُوافقُه، فإنِ استَفاضَ وانتَشرَ لم يُصدَّقْ. وكذا الحاضِرُ في مُدةٍ يُمكِنُ جَهلُه بالوِلادةِ فيها كأنْ كانَا في مَحلَّتَينِ وأمكَنَ الخَفاءُ عليه؛ لاحتمالِ صِدقِه، بخِلافِ ما لا يُمكنُ كأنْ كانَا في دارٍ واحدةٍ ومضَتْ مُدةٌ يَبعدُ الخَفاءُ فيها فإنه لا يُقبلُ؛ لأنه خِلافُ الظاهرِ. ولو قالَ: «لم أُصدِّقْ مَنْ أخبَرَني بالوِلادةِ» وقد أخبَرَه مَنْ لا تُقبَلُ رِوايتُه كصَبيٍّ وفاسقٍ صُدقَ بيَمينِه، أو مَقبولُ الرِّوايةِ ولو رَقيقًا أو امرأةً لم يُقبلْ منه.

стр. 11226

ولو قيلَ لهُ تَهنئةً بوَلدٍ: «مُتِّعتَ بوَلدِكَ، أو جَعلَه اللهُ لكَ وَلدًا صالحًا» فقالَ مُجيبًا للقائلِ: «آمِينَ، أو نَعمْ» أو نحوَ ذلكَ ممَّا يَتضمَّنُ إقرارًا ك: «استَجابَ اللهُ دُعاءَكَ» تعذَّرَ عليه نَفيُه ولَحقَه الولدُ؛ لأنَّ ذلك يَتضمنُ الرِّضا به، نعمْ إنْ عُرِفَ له وَلدٌ آخَرُ وادَّعى حَمْلَ التَّهنئةِ والتأمينِ أو نحوِه عليهِ فلهُ نفيُه، إلا إنْ كانَ أشارَ إليهِ فقالَ: «نفَعَكَ اللهُ بهذا الولدِ» فقالَ: «آمِينَ» أو نحوَه فليسَ له نفيُه؛ لِما مَرَّ. وإنْ أجابَ بما لا يَتضمَّنُ الإقرارَ كأنْ قالَ للقائلِ: «جَزاكَ اللهُ خَيرًا، وباركَ اللهُ عَليكَ» فلا يَتعذَّرُ نفيُه؛ لأنَّ الظاهرَ أنه قصَدَ مُكافأةَ الدُّعاءِ بالدعاءِ. ولو قالَ بعدَ عِلمِه بالوَلدِ: «لم أعلَمْ جَوازَ اللعانِ، أو فَوريَّتَه» وهو عامِيٌّ وإنْ لم يكنْ قَريبَ العهدِ بالإسلامِ أو نشَأَ بباديةٍ بَعيدةٍ عن العُلماءِ صُدِّقَ، كنَظيرِه مِنْ خيارِ المُتعةِ، بخِلافِ ما إذا كانَ فَقيهًا (١). وأما الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ نَفى الحَملَ في التِعانِه لم يَنتَفِ عنه حتى يَنفيَه عندَ وَضعِها لهُ ويُلاعِنَ). اختَلفَ أصحابُنا فيما إذا لاعَنَ امرأتَه وهي حامِلٌ ونفَى حمْلَها في لِعانِه، فقالَ الخِرقيُّ وجَماعةٌ: لا يَنتفي الحَملُ بنَفيِه قبلَ الوَضعِ، ولا يَنتفِي

стр. 11227

حتَّى يُلاعنَها بعد الوَضعِ، ويَنتفي الوَلدُ فيهِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وجَماعةٍ مِنْ أهلِ الكُوفةِ؛ لأنَّ الحَملَ غيرُ مُستيقَنٍ، يَجوزُ أنْ يكونَ رِيحًا أو غيرَها، فيَصيرُ نفيُه مَشروطًا بوُجودِه، ولا يَجوزُ تَعليقُ اللعانِ بشَرطٍ. وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وجَماعةٌ مِنْ أهلِ الحِجازِ: يَصحُّ نفيُ الحَملِ ويَنتفي عنهُ، مُحتجِّينَ بحَديثِ هلالٍ وأنه نفَى حمْلَها فنَفاهُ عنه النبيُّ ﷺ وألحَقَه بالأولِ، ولا خَفاءَ بأنه كانَ حَملًا، ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ : «انظُرُوها فإنْ جاءَتْ به كَذا وكَذا». قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: الآثارُ الدالَّةُ على صِحةِ هذا القَولِ كَثيرةٌ. وأورَدَها. ولأنَّ الحَملَ مَظنونٌ بأمَاراتٍ تَدلُّ عليه، ولهذا ثَبتَتْ للحاملِ أحكامٌ تُخالِفُ بها الحائلَ مِنْ النفقةِ والفِطرِ في الصِّيامِ وتَركِ إقامةِ الحَدِّ عليها وتَأخيرِ القِصاصِ عنها وغيرِ ذلكَ ممَّا يَطولُ ذِكرُه، ويَصحُّ استِلحاقُ الحَملِ، فكانَ كالوَلدِ بعدَ وَضعِه، وهذا القَولُ هو الصحيحُ؛ لمُوافَقتِه ظَواهرَ الأحاديثِ، وما خالَفَ الحَديثَ لا يُعبَأُ به كائنًا ما كانَ. وقالَ أبو بَكرٍ: يَنتفي الوَلدُ بزَوالِ الفِراشِ، ولا يَحتاجُ إلى ذِكرِه في اللعانِ؛ احتِجاجًا بظاهرِ الأحاديثِ، حَيثُ لم يُنقَلْ فيها نفيُ الحَملِ ولا التعرُّضُ لنَفيِه، وقد ذكَرْنا ذلكَ، فأما مَنْ قالَ: «إنَّ الولدَ لا يَنتفي إلا بَنفيِه بعد الوضعِ» فإنه يَحتاجُ في نفيِه إلى إعادةِ اللعانِ بعدَ الوَضعِ.

стр. 11228

وقالَ أبو حَنيفةَ ومَن وافَقَه: إنْ لاعَنَها حامِلًا ثم أتَتْ بالوَلدِ لَزمَه ولم يَتمكَّنْ مِنْ نفيِه؛ لأنَّ اللعانَ لا يَكونُ إلا بينَ الزَّوجينِ، وهذه قد بانَتْ بلِعانِها في حالِ حَملِها، وهذا فيهِ إلزامُه وَلدًا ليسَ منهُ وسَدُّ بابِ الانتفاءِ مِنْ أولادِ الزِّنا واللهُ تَعالى قد جَعلَ له إلى ذلكَ طَريقًا، فلا يَجوزُ سَدُّه، وإنما تُعتبَرُ الزوجيةُ في الحالِ التي أضافَ الزنا إليها فيهِ؛ لأنَّ الولدَ الذي تَأتي به يَلحقُه إذا لم يَنْفِه، فيَحتاجُ إلى نَفيِه، وهذهِ كانتْ زَوجةً في تلكِ الحالِ، فملَكَ نَفيَ ولدِها، واللهُ أعلَمُ. فَصلٌ: وإنْ استَلحقَ الحَملَ فمنْ قالَ: «لا يَصحُّ نفيُه» قالَ: «لا يَصحُّ استِلحاقُه»، وهو المَنصوصُ عن أحمَدَ، ومَن أجازَ نفيَه قالَ: «يَصحُّ استِلحاقُه»، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه مَحكومٌ بوُجودِه؛ بدَليلِ وُجوبِ النفقةِ ووَقْفِ المِيراثِ، فصَحَّ الإقرارُ به كالمَولودِ، وإذا استَلحقَه لم يَملكْ نفْيَه بعدَ ذلكَ كما لو استَلحقَه بعدَ الوضعِ، ومَن قالَ: «لا يَصحُّ استِلحاقُه» قالَ: لو صَحَّ استِلحاقُه لَزمَه بتَركِ نفيِه كالمَولودِ، ولا يَلزمُه ذلكَ بالإجماعِ، ولأنَّ للشَّبهِ أثَرًا في الإلحاقِ؛ بدليلِ حَديثِ المُلاعنةِ، وذلكَ مُختَصٌّ بما بعدَ الوضعِ، فاختَصَّ صِحةُ الاستِلحاقِ بهِ، فعَلى هذا لو استَلحقَه ثمَّ نفاهُ بعدَ وَضعِه كانَ له ذلكَ، فأما إنْ سَكتَ عنه فلمْ يَنفِه ولم يَستلحقْه لم يَلزمْه عندَ أحَدٍ عَلِمْنا قولَه؛ لأنَّ ترْكَه يَحتملُ أنْ يكونَ لأنه لا يَتحققُّ وُجودَه إلا أنْ يُلاعنَها، فإنَّ أبا حَنيفةَ ألزَمَه الولدَ على ما أسلَفْناهُ.

стр. 11229

فَصلٌ: وإذا ولَدَتِ امرأتُه وَلدًا فسَكتَ عن نَفيِه مع إمكانِه لَزمَه نَسبُه ولم يَكنْ له نَفيُه بعدَ ذلكَ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، قالَ أبو بَكرٍ: لا يَتقدَّرُ ذلكَ بثَلاثٍ، بل هو على ما جَرَتْ به العادةُ، إنْ كانَ لَيلًا فحتى يُصبحَ ويَنتشرَ الناسُ، وإنْ كانَ جائعًا أو ظَمآنَ فحتى يَأكلَ أو يَشربَ، أو يَنامَ إنْ كانَ ناعسًا، أو يَلبسَ ثِيابَه ويُسرِجَ دابَّتَه ويَركبَ، ويُصلِّي إنْ حَضرتْه الصلاةُ، ويُحرزَ مالَه إنْ كانَ غيرَ مُحرزٍ، وأشباه ذلكَ مِنْ أشغالِه، فإنْ أخَّرَه بعدَ هذا كلِّه لم يَكنْ له نفيُه. وقالَ أبو حَنيفةَ: له تَأخيرُ نفيِه يَومًا ويَومينَ استِحسانًا؛ لأنَّ النفيَ عَقيبَ الوِلادةِ يَشقُّ، فقُدِّرَ باليَومينِ لقِلَّتِه، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَتقدرُ بمُدةِ النفاسِ؛ لأنها جارِيةٌ مَجرَى الوِلادةِ في الحُكمِ، وحُكيَ عن عطاءٍ ومُجاهدٍ أنَّ له نفيَه ما لمْ يَعترفْ به، فكانَ له نَفيُه كحالةِ الوِلادةِ. ولنَا: إنه خِيارٌ لدَفعِ ضَررٍ مُتحقِّقٍ، فكانَ على الفَورِ كخِيارِ الشُّفعةِ، وقولُ النبيِّ ﷺ : «الوَلدُ للفِراشِ» عامٌّ خرَجَ منه ما اتَّفقْنا عليهِ مع السُّنةِ الثابتةِ، فما عَداهُ يَبقى على عُمومِ الحديثِ، وما ذكَرَه أبو حَنيفةَ يَبطلُ بخِيارِ الردِّ بالعَيبِ والأخذِ بالشُّفعةِ، وتَقديرُه بمُدةِ النفاسِ تَحكُّمٌ لا دليلَ عليهِ، وما قالَه عطاءٌ يَبطلُ أيضًا بما ذكَرْناهُ، ولا يَلزمُ القِصاصُ؛ لأنه لاستِيفاءِ حَقٍّ لا لدَفعِ ضَررٍ، ولا الحَملُ؛ لأنه لم يَتحققْ ضرَرُه. إذا ثبَتَ هذا فهلْ يَتقدرُ الخِيارُ في النفيِ بمَجلسِ العِلمِ؟ أو بإمكانِ

стр. 11230

النفيِ؟ على وَجهينٍ؛ بناءٍ على المُطالَبةِ بالشُّفعةِ، فإنْ أخَّرَ نفيَه عن ذلكَ ثمَّ ادَّعى أنه لا يَعلمُ بالوِلادةِ وأمكَنَ صِدقُه بأنْ يكونَ في مَوضعٍ يَخفَى عليه ذلكَ مثلَ أنْ يَكونَ في مَحلَّةٍ أُخرى فالقولُ قولُه مع يَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ العِلمِ، وإنْ لم يُمكِنْ مثلَ أنْ يكونَ معَها في الدارِ لم يُقبَلْ؛ لأنَّ ذلك لا يَكادُ يَخفى عليهِ، وإنْ قالَ: «عَلِمتُ وِلادتَه ولم أعلَمْ أنَّ لي نفيَه، أو عَلِمتُ ذلكَ ولم أعلَمْ أنه على الفَورِ» وكانَ ممَّن يَخفى عليهِ ذلكَ كعامَّةِ الناسِ قُبلَ منه؛ لأنَّ هذا مما يَخفى عليهم، فأشبَهَ ما لو كانَ حَديثَ عهدٍ بالإسلامِ، وإنْ كانَ فَقيهًا لم يُقبلْ ذلك منهُ؛ لأنه ممَّا لا يَخفى عليهِ ذلكَ، ويَحتملُ أنْ يُقبلَ منه؛ لأنَّ الفَقيهَ يَخفى عليه كَثيرٌ مِنْ الأحكامِ، وقالَ أصحابُنا: لا يُقبَلُ ذلكَ مِنْ الفَقيهِ ويُقبلُ مِنْ الناشِئِ بباديةٍ وحَديثِ العَهدِ بالإسلامِ، وهل يُقبلُ مِنْ سائرِ العامَّةِ؟ على وَجهينِ. وإنْ كانَ له عُذرٌ يَمنعُه مِنْ الحُضورِ لنَفيِه كالمَرضِ والحَبسِ أو الاشتغالِ بحِفظِ مالٍ يَخافُ ضَيعتَه أو بمُلازَمةِ غَريمٍ يَخافُ قوَّتَه أو غَيبتَه نَظرْتَ؛ فإنْ كانَتْ مُدةُ ذلكَ قَصيرةً فأخَّرَه إلى الحُضورِ ليَزولَ عُذرُه لم يَبطلْ نفيُه؛ لأنه بمَنزلةِ مَنْ عَلِمَ ذلكَ ليلًا فأخَّرَه إلى الصبحِ، وإنْ كانَتْ تَتطاولُ فأمكَنَه التنفيذُ إلى الحاكِمِ ليَبعثَ إليه مَنْ يَستوفِي عليه اللعانَ والنفيَ فلمْ يَفعلْ سقَطَ نفيُه، فإنْ لم يُمكنْه أشهَدَ على نفسِه أنه نافٍ لوَلدِ امرأتِه، فإنْ لم يَفعلْ بَطلَ خيارُه؛ لأنه إذا لم يَقدرْ على نفيِه كانَ الإشهادُ

стр. 11231

قائِمًا مَقامَه كما يُقيمُ المَريضُ الفَيئةَ بقَولِه بَدلًا عن الفيئةِ بالجِماعِ، فإنْ قالَ: «لم أُصدِّقِ المُخبِرَ عنه» نَظرْتَ؛ فإنْ كانَ مُستفيضًا مُنتشِرًا لم يُقبلْ قَولُه، وإنْ لم يَكنْ مُستفيضًا وكانَ المُخبِرُ مَشهورَ العَدالةِ لم يُقبلْ، وإلا قُبلَ. وإنْ قالَ: «لم أعلَمْ أنَّ عليَّ ذلكَ» قُبلَ قولُه؛ لأنه ممَّا يَخفى، وإنْ عَلِمَ وهو غائبٌ فأمكَنَه السيرُ فاشتَغلَ به لم يَبطلْ خِيارُه، وإنْ أقامَ مِنْ غيرِ حاجَةٍ بطَلَ؛ لأنه أخَّرَه لغَيرِ عُذرٍ، وإنْ كانَتْ له حاجَةٌ تَمنعُه مِنْ السيرِ فهو على ما ذكَرْنا مِنْ قَبلُ. وإنْ أخَّرَ نفيَه لغيرِ عُذرٍ وقالَ: «أخَّرتُ نفيَه رَجاءَ أنْ يَموتَ فأستُرَ عليه وعَليَّ» بَطلَ خِيارُه؛ لأنه أخَّرَ نفيَه مع الإمكانِ لغيرِ عُذرٍ. فَصلٌ: فإنْ هُنِّئَ به فأمَّنَ على الدُّعاءِ لَزمَه في قَولِهم جَميعًا، وإنْ قالَ: «أحسَنَ اللهُ جَزاءَكَ، أو بارَكَ اللهُ عليكَ، أو رزَقَكَ اللهُ مِثلَه» لَزمَه الولدُ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يَلزمُه؛ لأنه جَازاهُ على قَصدِه، وإذا قالَ: «رزَقَكَ اللهُ مِثلَه» فليسَ ذلكَ إقرارًا ولا مُتضمِّنًا له. ولنا: إنَّ ذلكَ جَوابُ الرَّاضي في العادةِ، فكانَ إقرارًا كالتأمينِ على الدُّعاءِ، وإنْ سَكتَ كانَ إقرارًا، ذكَرَه أبو بَكرٍ؛ لأنَّ السُّكوتَ صُلحٌ دالٌّ على الرِّضى في حَقِّ البِكرِ وفي مَواضعَ أُخَرَ، فهاهُنا أَولى، وفي كُلِّ مَوضعٍ لَزمَه الولدُ لم يَكنْ له نفيُه بعدَ ذلكَ في قولِ جَماعةِ أهل العِلمِ، منهُم الشعبيُّ والنخَعيُّ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ومالكٌ والشافِعيُّ وابنُ

стр. 11232

المُنذرِ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ الحَسنُ: له أنْ يُلاعِنَ لنفيِه ما دامَتْ أمُّه عندَه يَصيرُ لها الوَلدُ ولو أقَرَّ به، والذي عليهِ الجُمهورُ أَولى؛ فإنه أقَرَّ به، فلمْ يَملكْ جحْدَه كما لو بانَتْ منه أمُّه، ولأنه أقَرَّ بحَقٍّ عليهِ لم يُقبَلْ منه جَحدُه كسائرِ الحُقوقِ (١). الشَّرطُ الثَّالثُ: عَدمُ الإقرارِ: يُشترطُ لنَفيِ الوَلدِ أنْ لا يُقِرَّ الزوجُ قبلَ النفيِ صَراحةً أو دَلالةً أنَّ هذا الوَلدَ منهُ، بأنْ يقولَ: «هذا وَلدِي، أو هذا الوَلدُ منِّي» أو يَقبلَ التهنئةَ بالمَولودِ ويَسكُتَ، كما تقدَّمَ في الشَّرطِ الثَّاني على الخلافِ فيهِ، فإنْ أقَرَّ أو سكَتَ عن نَفيِه مع إمكانِه ثبَتَ نَسبُه إليهِ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ كما تقدَّمَ في الشرطِ السابقِ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومنها أنْ لا يَسبقَ النفيَ عن الزوجِ ما يَكونُ إقرارًا منه بنَسبِ الولدِ لا نَصًّا ولا دَلالةً، فإنْ سبَقَ لا يُقطعُ النَّسبُ مِنْ الأبِ؛ لأنَّ النسبَ بعدَ الإقرارِ به لا يَحتملُ النفيَ بوَجهٍ؛ لأنه لمَّا أقَرَّ به فقدْ ثبَتَ نَسبُه، والنَّسبُ حَقُّ الولدِ، فلا يَملكُ الرُّجوعَ عنه بالنفيِ. فالنَصُّ: نحوُ أنْ يَقولَ: «هذا وَلدِي، أو هذا الوَلدُ منِّي». والدَلالةُ: هي أنْ يَسكتَ إذا هُنِّئَ ولا يَرُدَّ على المُهنِّئِ؛ لأنَّ العاقلَ لا

стр. 11233

يَسكتُ عندَ التهنئةِ بوَلدٍ ليسَ منه عادةً، فكانَ السكوتُ والحالةُ هذهِ اعتِرافًا بنَسبِ الولدِ، فلا يَملكُ نفيَه بعدَ الاعتِرافِ (١). وكذا إذا أقَرَّ بالولدِ بعدَ اللعانِ لَحقَه نَسبُه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ. قالَ الإمَامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ المُلاعِنَ إذا أقَرَّ بالولدِ جُلدَ الحَدَّ ولَحقَ به ووَرثَه، وابنُ الزانِيةِ عندَ جَماعةِ العُلماءِ كابنِ المُلاعَنةِ سَواءٌ، وكلٌّ فيهِ على أصلِه (٢). الشَّرطُ الرابعُ: حَياةُ الوَلدِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَلدِ المَنفيِّ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ حَيًّا وقْتَ اللعانِ؟ أم لا يُشتَرطُ ويَصحُّ اللعانُ وإنْ ماتَ الولدُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يُشتَرطُ أنْ يكونَ الوَلدُ حيًّا وقْتَ قَطعِ النَسبِ، وهو وَقتُ التفريقِ، فإنْ لم يكنْ حَيًّا لا يُقطَعُ نسبُه مِنْ الأبِ، حتى لو جاءَتْ بوَلدٍ فماتَ ثمَّ نفاهُ الزوجُ يُلاعنُ، ويَلزمُه الوَلدُ؛ لأنَّ النَّسبَ يَتقررُ بالموتِ، فلا يَحتملُ الانقطاعَ، ولكنَّه يُلاعنُ لوُجودِ القَذفِ بنَفيِ الولدِ، وانقِطاعُ النسبِ ليسَ مِنْ لَوازمِ اللعانِ. وكذلكَ إذا جاءَتْ بوَلدَينِ أحَدُهما مَيتٌ فنَفاهُما يُلاعِنُ ويَلزمُه الولَدانِ؛ لِما قُلنا.

стр. 11234

وكذلكَ إذا جاءَتْ بوَلدٍ فنَفاهُ الزَّوجُ ثم ماتَ الوَلدُ قبلَ اللعانِ يُلاعنُ الزوجُ ويَلزمُه الولدُ؛ لِما قُلنا. وكذا لو جاءَتْ بولَدينِ فنَفاهُما ثمَّ ماتَا قبلَ اللعانِ أو قُتِلا يُلاعنُ ويَلزمُه الولَدانِ؛ لأنَّ النسبَ بعدَ المَوتِ لا يَحتملُ القَطعَ، ويُلاعنُ؛ لِما قُلنا، وكذا لو نَفاهُما ثم ماتَ أحَدُهما قبلَ اللعانِ أو قُتلَ لَزمَه الولَدانِ؛ لأنَّ نسَبَ المَيتِ منهُما لا يَحتملُ القَطعُ؛ لتَقرُّرِه بالموتِ، فكذا نَسبُ الحيِّ؛ لأنهُما تَوأمانِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يُشتَرطُ لصِحةِ اللعانِ أنْ يكونَ الوَلدُ حيًّا عندَ اللعانِ، فيَجوزُ له نفيُ الولدِ مَيتًا؛ لأنَّ نَسبَه لا يَنقطعُ بالموتِ، بل يُقالُ: «ماتَ وَلدُ فُلانٍ، وهذا قبْرُ وَلدِ فُلانٍ»، فاحتاجَ إلى نفيِه بعدَ الموتِ كما في حالِ الحياةِ. قالَ الشافِعيةُ: فإنْ قيلَ: ما فائِدةُ نفيِه بعدَ موتِه؟ أجيبَ بأنَّ فائدتَه إسقاطُ مُؤنةِ تَجهيزِه. ولو ماتَ الوَلدُ بعدَ النفيِ جازَ له استِلحاقُه كما في حالِ الحياةِ، ويَستحقُّ إرثَه، ولا نَظرَ إلى تُهمتِه بذلكَ، ولو استَلحقَه ثمَّ نَفاهُ لم يَنتفِ عنه جَزمًا (٢).

стр. 11235

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ ماتَ أحَدُ التَّوأمينِ أو ماتَا معًا فلهُ أنْ يُلاعِنَ لنَفيِ نَسبِهما، وبهذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَلزمُه نَسبُ الحيِّ، ولا يُلاعِنُ إلا لنَفيِ الحَدِّ؛ لأنَّ المَيتَ لا يَصحُّ نفيُه باللِّعانِ؛ فإنَّ نَسبَه قد انقَطعَ بمَوتِه، فلا حاجةَ إلى نفيِه باللِّعانِ، كما لو ماتَتْ امرأتُه فإنَّه لا يُلاعنُها بعدَ موتِها؛ لقَطعِ النكاحِ؛ لكَونِه قد انقَطعَ، وإذا لم يَنتَفِ الميتُ لم يَنتَفِ الحيُّ؛ لأنهُما حَملٌ واحدٌ. ولنا: إنَّ المَيتَ يُنسَبُ إليهِ فيُقالُ: «ابنُ فُلانٍ» ويَلزمُه تَجهيزُه وتَكفينُه، فكانَ له نَفيُ نَسبِه وإسقاطُ مَؤونتِه كالحَيِّ، وكما لو كانَ للمَيتِ وَلدٌ (١). وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: إذا أتَتْ بولَدينِ تَوأمينِ فنَفاهُما ثمَّ ماتَ أحَدُهما قبلَ الالتِعانِ كانَ له أنْ يَلتعنَ ويَنفيَ نَسبَهما، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَصحُّ نَفيُ نَسبِ المَيتِ ويلحَقُ به، وإذا لحِقَ به نَسبُ المَيتِ لحِقَ به نَسبُ الحيِّ. فدَليلُنا: أنَّ به حاجَةً إلى نَفيِ نَسبِ المَيتِ كحاجَتِه إلى نفيِ نَسبِ الحيِّ؛ لأنَّ النَّسبَ لا يَبطلُ بالمَوتِ، يُبيِّنُ ذلكَ أنه قد يموتُ المَيتُ عن وَلدٍ فيَلحقُ بالزَّوجِ وإنْ لم يَنْفِ المَيتَ عنه، وإذا كانْ كذلكَ ثبَتَ حاجتُه إلى نَفيِ نَسبِه، فكانَ له أنْ يُلاعِنَ.

стр. 11236

مَسألةٌ: إذا نفَى الوَلدَ باللِّعانِ ثمَّ ماتَ الولدُ فاعتَرفَ به بعدَ مَوتِه، فإنْ كانَ المَيتُ تَركَ ولدًا أو وَلدَ ولدٍ لَحقَ به، فإنْ لم يَتركْ وَلدًا ولا وَلدَ ولدٍ حُدَّ ولم يلحَقْ به، وقالَ الشافِعيُّ: يلحَقُ بهِ ويستحقُّ مِيراثَه كما لو كانَ حيًّا. فدَليلُنا: أنَّ إقرارَه يَتضمَّنُ شَيئينِ: أحَدُهما: كَذبَه، وهو معنًى لا يُتهَمُ فيهِ، فضُربَ الحَدَّ، والآخَرُ: استِحقاقُ مِيراثِه منهُ مع انتفاءِ الحاجةِ إلى الإقرارِ، فلمْ يُقبلْ؛ للتُّهمةِ وانتفاءِ الحاجةِ، ويُفارِقُ ذلكَ إذا كانَ هُناكَ ولدٌ للميتِ؛ لأنَّ بهِ حاجةً إلى الإقرارِ بنَسبِه (١). حُكمُ التَّوارثِ بينَهُما: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا تَوارُثَ بينَ المُلاعِنِ وبينَ الوَلدِ الذي نفَى نَسبَه باللعانِ، فإذا ماتَ المُلاعنُ فلا يَرثُه الوَلدُ المَنفيُّ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءَ، وكذلكَ الوَلدُ المَنفيُّ باللعانِ إذا ماتَ وعندَه مالٌ لا يَرثُه المُلاعنُ الذي نَفاهُ بلا خِلافٍ، وكذا لا يَرثُه عَصَبتُه، وتَرثُه أمُّه عِنْدَ عامةِ الفُقهاءِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الرجلُ إذا لاعَنَ امرأتَه ونَفى وَلدَها وفَرَّقَ الحاكمُ بينَهُما انتفَى وَلدُها عنه وانقَطعَ تَعصيبُه مِنْ جِهةِ المُلاعِنِ فلمْ يَرثْه هوَ ولا أحَدٌ مِنْ عَصباتِه، وتَرثُ أمُّه وذَوُو الفُروضِ منُه فُروضَهم، ويَنقطعُ التَّوارثُ بينَ الزَّوجينِ، لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ في هذهِ الجُملةِ خِلافًا (٢).

стр. 11237

وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: إذا رَمَى رَجلٌ امرأتَه بالزِّنا وانتفَى مِنْ وَلدِها ولاعَنَها فإنَّ الوَلدَ يَنتفي عنه بشَرطِه، فلا يَرثُه هو ولا أحَدٌ مِنْ عَصباتِه، وتَرثُ أمُّه وذَوُو الفَرضِ منهُ فُروضَهم بلا نِزاعٍ (١). والدَّليلُ على أنها تَرثُه ما روَى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مِيراثُ ابن المُلاعَنةِ لأمِّهِ ولوَرثَتِها مِنْ بَعدِها» (٢). ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «المَرأةُ تَحوزُ ثَلاثةَ مَواريثَ: عَتيقَها ولَقيطَها والوَلدَ الذي لاعَنَتْ عليه» (٣). إلا أنهُم اختَلفوا هل تَرثُه مِيراثَ أمٍّ؟ أو ميراثَ أمٍّ وأبٍ ويَكونُ لها الفَرضُ والباقي تَعصيبًا؟ أو يَكونُ لها الفَرضُ والباقي لأقرَبِ عَصبتِها؟ على قَولينِ: أحَدُهما: أنها تَرثُه مِيراثَ أمٍّ، فتَأخذُ حَقَّها والباقِي يَكونُ لإخوَتِه لأمِّه إذا لم يَكنْ له هو عَصبةٌ بأنْ لا يَكونَ له أولادٌ، وبهذا قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على تَفصيلٍ عندَهُم؛ لِما رواهُ مالكٌ أنه بلَغَه أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبيرِ كانَ يَقولُ في وَلدِ المُلاعنةِ ووَلدِ الزِّنى: «إنه إذا ماتَ وَرثَتْه أمُّه حَقّها في كِتابِ اللهِ وإخوتُه لأمِّه

стр. 11238

حُقوقهُم، ويَرثُ البَقيةَ مَوالِي أمِّه إنْ كانتْ مَولاةً، وإنْ كانَتْ عَربيةً وَرثَتْ حقَّها ووَرثَ إخوتُه لأمِّه حُقوقَهم وكانَ ما بَقيَ للمُسلمينَ». قالَ مالكٌ: وبَلغَني عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ مثلُ ذلكَ. قالَ مالكٌ: وعلى ذلكَ أدرَكْتُ أهلَ العِلمِ ببَلدِنا. قالَ أبو عُمرَ ﵀: هذا مَذهبُ زَيدِ بنِ ثابتٍ، كانَ يُورثُ مِنْ ابنِ المُلاعنةِ كما يُورثُ مِنْ غيرِه ولا يَجعلُ عَصبةَ أمِّه عَصبةً لهُ ويَجعلُ ما فضَلَ عن أمِّه لبَيتِ مالِ المُسلمينَ، إلا أنْ يَكونَ له إخوةٌ لأمٍّ فيُعطَونَ حُقوقَهم منهُ كما لو كانَ غيرَ ابنِ المُلاعنةِ والباقي في بيتِ المالِ … وعنِ ابنِ عبَّاسٍ في ذلكَ مثلُ قولِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وبه قالَ جُمهورُ أهلِ المَدينةِ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وعُروةُ وسُليمانُ وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وابنُ شِهابٍ ورَبيعةُ وأبو الزنادِ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأصحابُهما، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه وأهلِ البَصرةِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ وأصحابَه وأهلَ البَصرةِ يَجعلونَ ذَوي الأرحامِ أَولى مِنْ بَيتِ المالِ، فيَجعلونَ ما فضَلَ عن فَرضِ أمِّه وإخوتِه رَدًّا على أمِّه وعلى إخوتِه، إلا أنْ تَكونَ الأمُّ مَولاةً فيَكونُ الفاضِلُ لمَوالِيها (١).

стр. 11239

والقَولُ الثاني: أنَّ أمَّه عَصبتُه تَرثُه ميراثَ أمٍّ وأبٍ ويَكونُ لها الفَرضُ والباقي تَعصيبًا، فإنْ لم تَكنْ فَعصَبتُها عَصبتُه، وهي رِوايةٌ عنِ الإمامِ أحمَدَ ورجَّحَها ابنُ القَيمِ؛ لِما رَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ : «جعَلَ ميراثَ ابنِ المُلاعَنةِ لأمِّه ولوَرثتِها مِنْ بَعدِها» (١). ورَواهُ مَكحولٌ عن النبيِّ ﷺ مُرسَلًا. ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «المَرأةُ تَحوزُ ثَلاثةَ مَوارِيثَ: عَتيقَها ولَقيطَها والوَلدَ الذي لاعَنَتْ عليهِ» (٢). وعن عُبيدِ اللهِ بنِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ قالَ: كتبْتُ إلى صَديقٍ لي مِنْ أهلِ المَدينةِ مِنْ بَني زُريقٍ أسألُه عن وَلدِ المُلاعنةِ لمَن قَضى بهِ رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: فكتَبَ إليَّ: إنِّي سألْتُ فأُخبِرتُ أنه قَضى به لأمِّه، وهيَ بمَنزلةِ أبيهِ وأمِّه» رَواهُنَّ أبو داودَ، ولأنها قامَتْ مَقامَ أمِّه وأبيهِ في انتِسابِه إليها، فقامَتْ مَقامَهُما في حِيازةِ مِيراثِه، ولأنَّ عَصباتِ الأمِّ أَدلَوا بها، فلمْ يَرثُوا معَها كأقاربِ الأبِ معهُ. ورُويَ «عن عَليٍّ وابنِ مَسعودٍ أنهُما كانَا يَجعلانِ أمَّه عَصبتَه فتُعطَى المالَ كلَّه، فإنْ لم يَكنْ له أمٌّ فمَالُه لعَصبتِها»، وبه قالَ الحَسنُ ومَكحولٌ، ومثلُ ذلكَ أيضًا عن الشَّعبيِّ وقَتادةَ وابنِ سِيرينَ وجابرِ بنِ زَيدٍ وعَطاءٍ

стр. 11240

والحَكمِ وحمَّادٍ وسُفيانَ الثَّوريِّ والحَسنِ بنِ صالحِ بنِ حَيٍّ وشَريكٍ ويَحيى بنِ آدمَ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ (١). قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ بعدَما ذكَرَ الآثارَ المَذكورةَ: وهذهِ الآثارُ مُوافِقةٌ لمَحضِ القياسِ؛ فإنَّ النَّسبَ في الأصلِ للأبِ، فإذا انقَطعَ مِنْ جِهتِه صارَ للأمِّ، كما أنَّ الوَلاءَ في الأصلِ لمُعتِقِ الأبِ، فإذا كانَ الأبُ رَقيقًا كانَ لمُعتِقِ الأمِّ، فلو أُعتقَ الأبُ بعدَ هذا انجَرَّ الولاءُ مِنْ مَوالي الأمِّ إليهِ ورجَعَ إلى أصلِه، وهو نَظيرُ ما إذا كذَّبَ المُلاعِنُ نفْسَه واستَلحقَ الوَلدَ رجَعَ النَّسبُ والتعصيبُ مِنْ الأمِّ وعَصبتِها إليهِ، فهذا مَحضُ القِياسُ ومُوجَبُ الأحاديثِ والآثارِ، وهو مَذهبُ حَبْرِ الأمَّةِ وعالِمِها عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ومَذهبُ إمامَيِ أهلِ الأرضِ في زَمانِهما أحمَدَ بنِ حَنبلٍ وإسحاقَ بنِ رَاهويهِ، وعليهِ يَدلُّ القرآنُ بألطفِ إيماءِ وأحسَنِه، فإنَّ اللهَ سُبحانَه جَعلَ عيسَى مِنْ ذُريةِ إبراهيمَ بوَاسطةِ مَريمَ أمِّه وهي مِنْ صَميمِ ذُريةِ إبراهيمَ، وسَيأتي مَزيدُ تَقريرٍ لهذا عندَ ذِكرِ أقضِيةِ النبيِّ ﷺ وأحكامِه في الفَرائضِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. فإنْ قيلَ: فما تَصنعونَ بقَولِه في حَديثٍ سَهلٍ الذي رَواهُ مُسلمٌ في صَحيحِه في قصَّةِ اللِّعانِ وفي آخِرِه: «ثمَّ جَرَتِ السُّنةُ أنْ يَرثَ مِنها وتَرثَ منهُ ما فَرضَ اللهُ لها»؟
следующие страницы →