مَسألةٌ: إذا نفَى الوَلدَ باللِّعانِ ثمَّ ماتَ الولدُ فاعتَرفَ به بعدَ مَوتِه، فإنْ كانَ المَيتُ تَركَ ولدًا أو وَلدَ ولدٍ لَحقَ به، فإنْ لم يَتركْ وَلدًا ولا وَلدَ ولدٍ حُدَّ ولم يلحَقْ به، وقالَ الشافِعيُّ: يلحَقُ بهِ ويستحقُّ مِيراثَه كما لو كانَ حيًّا.
فدَليلُنا: أنَّ إقرارَه يَتضمَّنُ شَيئينِ: أحَدُهما: كَذبَه، وهو معنًى لا يُتهَمُ فيهِ، فضُربَ الحَدَّ، والآخَرُ: استِحقاقُ مِيراثِه منهُ مع انتفاءِ الحاجةِ إلى الإقرارِ، فلمْ يُقبلْ؛ للتُّهمةِ وانتفاءِ الحاجةِ، ويُفارِقُ ذلكَ إذا كانَ هُناكَ ولدٌ للميتِ؛ لأنَّ بهِ حاجةً إلى الإقرارِ بنَسبِه (١).
حُكمُ التَّوارثِ بينَهُما:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا تَوارُثَ بينَ المُلاعِنِ وبينَ الوَلدِ الذي نفَى نَسبَه باللعانِ، فإذا ماتَ المُلاعنُ فلا يَرثُه الوَلدُ المَنفيُّ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءَ، وكذلكَ الوَلدُ المَنفيُّ باللعانِ إذا ماتَ وعندَه مالٌ لا يَرثُه المُلاعنُ الذي نَفاهُ بلا خِلافٍ، وكذا لا يَرثُه عَصَبتُه، وتَرثُه أمُّه عِنْدَ عامةِ الفُقهاءِ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الرجلُ إذا لاعَنَ امرأتَه ونَفى وَلدَها وفَرَّقَ الحاكمُ بينَهُما انتفَى وَلدُها عنه وانقَطعَ تَعصيبُه مِنْ جِهةِ المُلاعِنِ فلمْ يَرثْه هوَ ولا أحَدٌ مِنْ عَصباتِه، وتَرثُ أمُّه وذَوُو الفُروضِ منُه فُروضَهم، ويَنقطعُ التَّوارثُ بينَ الزَّوجينِ، لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ في هذهِ الجُملةِ خِلافًا (٢).
стр. 11237
وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: إذا رَمَى رَجلٌ امرأتَه بالزِّنا وانتفَى مِنْ وَلدِها ولاعَنَها فإنَّ الوَلدَ يَنتفي عنه بشَرطِه، فلا يَرثُه هو ولا أحَدٌ مِنْ عَصباتِه، وتَرثُ أمُّه وذَوُو الفَرضِ منهُ فُروضَهم بلا نِزاعٍ (١).
والدَّليلُ على أنها تَرثُه ما روَى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مِيراثُ ابن المُلاعَنةِ لأمِّهِ ولوَرثَتِها مِنْ بَعدِها» (٢).
ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «المَرأةُ تَحوزُ ثَلاثةَ مَواريثَ: عَتيقَها ولَقيطَها والوَلدَ الذي لاعَنَتْ عليه» (٣).
إلا أنهُم اختَلفوا هل تَرثُه مِيراثَ أمٍّ؟ أو ميراثَ أمٍّ وأبٍ ويَكونُ لها الفَرضُ والباقي تَعصيبًا؟ أو يَكونُ لها الفَرضُ والباقي لأقرَبِ عَصبتِها؟ على قَولينِ:
أحَدُهما: أنها تَرثُه مِيراثَ أمٍّ، فتَأخذُ حَقَّها والباقِي يَكونُ لإخوَتِه لأمِّه إذا لم يَكنْ له هو عَصبةٌ بأنْ لا يَكونَ له أولادٌ، وبهذا قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على تَفصيلٍ عندَهُم؛ لِما رواهُ مالكٌ أنه بلَغَه أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبيرِ كانَ يَقولُ في وَلدِ المُلاعنةِ ووَلدِ الزِّنى: «إنه إذا ماتَ وَرثَتْه أمُّه حَقّها في كِتابِ اللهِ وإخوتُه لأمِّه
стр. 11238
حُقوقهُم، ويَرثُ البَقيةَ مَوالِي أمِّه إنْ كانتْ مَولاةً، وإنْ كانَتْ عَربيةً وَرثَتْ حقَّها ووَرثَ إخوتُه لأمِّه حُقوقَهم وكانَ ما بَقيَ للمُسلمينَ».
قالَ مالكٌ: وبَلغَني عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ مثلُ ذلكَ.
قالَ مالكٌ: وعلى ذلكَ أدرَكْتُ أهلَ العِلمِ ببَلدِنا.
قالَ أبو عُمرَ ﵀: هذا مَذهبُ زَيدِ بنِ ثابتٍ، كانَ يُورثُ مِنْ ابنِ المُلاعنةِ كما يُورثُ مِنْ غيرِه ولا يَجعلُ عَصبةَ أمِّه عَصبةً لهُ ويَجعلُ ما فضَلَ عن أمِّه لبَيتِ مالِ المُسلمينَ، إلا أنْ يَكونَ له إخوةٌ لأمٍّ فيُعطَونَ حُقوقَهم منهُ كما لو كانَ غيرَ ابنِ المُلاعنةِ والباقي في بيتِ المالِ … وعنِ ابنِ عبَّاسٍ في ذلكَ مثلُ قولِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وبه قالَ جُمهورُ أهلِ المَدينةِ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وعُروةُ وسُليمانُ وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وابنُ شِهابٍ ورَبيعةُ وأبو الزنادِ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأصحابُهما، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه وأهلِ البَصرةِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ وأصحابَه وأهلَ البَصرةِ يَجعلونَ ذَوي الأرحامِ أَولى مِنْ بَيتِ المالِ، فيَجعلونَ ما فضَلَ عن فَرضِ أمِّه وإخوتِه رَدًّا على أمِّه وعلى إخوتِه، إلا أنْ تَكونَ الأمُّ مَولاةً فيَكونُ الفاضِلُ لمَوالِيها (١).
стр. 11239
والقَولُ الثاني: أنَّ أمَّه عَصبتُه تَرثُه ميراثَ أمٍّ وأبٍ ويَكونُ لها الفَرضُ والباقي تَعصيبًا، فإنْ لم تَكنْ فَعصَبتُها عَصبتُه، وهي رِوايةٌ عنِ الإمامِ أحمَدَ ورجَّحَها ابنُ القَيمِ؛ لِما رَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ : «جعَلَ ميراثَ ابنِ المُلاعَنةِ لأمِّه ولوَرثتِها مِنْ بَعدِها» (١).
ورَواهُ مَكحولٌ عن النبيِّ ﷺ مُرسَلًا.
ورَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «المَرأةُ تَحوزُ ثَلاثةَ مَوارِيثَ: عَتيقَها ولَقيطَها والوَلدَ الذي لاعَنَتْ عليهِ» (٢).
وعن عُبيدِ اللهِ بنِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ قالَ: كتبْتُ إلى صَديقٍ لي مِنْ أهلِ المَدينةِ مِنْ بَني زُريقٍ أسألُه عن وَلدِ المُلاعنةِ لمَن قَضى بهِ رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: فكتَبَ إليَّ: إنِّي سألْتُ فأُخبِرتُ أنه قَضى به لأمِّه، وهيَ بمَنزلةِ أبيهِ وأمِّه» رَواهُنَّ أبو داودَ، ولأنها قامَتْ مَقامَ أمِّه وأبيهِ في انتِسابِه إليها، فقامَتْ مَقامَهُما في حِيازةِ مِيراثِه، ولأنَّ عَصباتِ الأمِّ أَدلَوا بها، فلمْ يَرثُوا معَها كأقاربِ الأبِ معهُ.
ورُويَ «عن عَليٍّ وابنِ مَسعودٍ أنهُما كانَا يَجعلانِ أمَّه عَصبتَه فتُعطَى المالَ كلَّه، فإنْ لم يَكنْ له أمٌّ فمَالُه لعَصبتِها»، وبه قالَ الحَسنُ ومَكحولٌ، ومثلُ ذلكَ أيضًا عن الشَّعبيِّ وقَتادةَ وابنِ سِيرينَ وجابرِ بنِ زَيدٍ وعَطاءٍ
стр. 11240
والحَكمِ وحمَّادٍ وسُفيانَ الثَّوريِّ والحَسنِ بنِ صالحِ بنِ حَيٍّ وشَريكٍ ويَحيى بنِ آدمَ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ (١).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ بعدَما ذكَرَ الآثارَ المَذكورةَ: وهذهِ الآثارُ مُوافِقةٌ لمَحضِ القياسِ؛ فإنَّ النَّسبَ في الأصلِ للأبِ، فإذا انقَطعَ مِنْ جِهتِه صارَ للأمِّ، كما أنَّ الوَلاءَ في الأصلِ لمُعتِقِ الأبِ، فإذا كانَ الأبُ رَقيقًا كانَ لمُعتِقِ الأمِّ، فلو أُعتقَ الأبُ بعدَ هذا انجَرَّ الولاءُ مِنْ مَوالي الأمِّ إليهِ ورجَعَ إلى أصلِه، وهو نَظيرُ ما إذا كذَّبَ المُلاعِنُ نفْسَه واستَلحقَ الوَلدَ رجَعَ النَّسبُ والتعصيبُ مِنْ الأمِّ وعَصبتِها إليهِ، فهذا مَحضُ القِياسُ ومُوجَبُ الأحاديثِ والآثارِ، وهو مَذهبُ حَبْرِ الأمَّةِ وعالِمِها عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ومَذهبُ إمامَيِ أهلِ الأرضِ في زَمانِهما أحمَدَ بنِ حَنبلٍ وإسحاقَ بنِ رَاهويهِ، وعليهِ يَدلُّ القرآنُ بألطفِ إيماءِ وأحسَنِه، فإنَّ اللهَ سُبحانَه جَعلَ عيسَى مِنْ ذُريةِ إبراهيمَ بوَاسطةِ مَريمَ أمِّه وهي مِنْ صَميمِ ذُريةِ إبراهيمَ، وسَيأتي مَزيدُ تَقريرٍ لهذا عندَ ذِكرِ أقضِيةِ النبيِّ ﷺ وأحكامِه في الفَرائضِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
فإنْ قيلَ: فما تَصنعونَ بقَولِه في حَديثٍ سَهلٍ الذي رَواهُ مُسلمٌ في صَحيحِه في قصَّةِ اللِّعانِ وفي آخِرِه: «ثمَّ جَرَتِ السُّنةُ أنْ يَرثَ مِنها وتَرثَ منهُ ما فَرضَ اللهُ لها»؟
стр. 11241
قيلَ: نَتلقاهُ بالقَبولِ والتَّسليمِ والقَولِ بمُوجَبِه وإنْ أمكَنَ أنْ يكونَ مُدرَجًا مِنْ كَلامِ ابنِ شِهابِ وهو الظاهِرُ، فإنَّ تَعصيبَ الأمِّ لا يُسقطُ ما فرَضَ اللهُ لها مِنْ وَلدِها في كِتابِه، وغَايتُها أنْ تكونَ كالأبِ حيثُ يَجتمعُ له الفَرضُ والتَّعصيبُ، فهي تَأخذُ فرْضَها ولا بُدَّ، فإنْ فضَلَ شَيءٌ أخذَتْه بالتَّعصيبِ، وإلا فازَتْ بفَرضِها، فنَحنُ قائِلونَ بالآثارِ كلِّها في هذا البابِ بحَمدِ اللهِ وتَوفيقِه (١).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: وقد رَوَتْ أمُّ سَلمةَ «أنَّ سُبيعةَ بنتَ الحارثِ ولَدَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها بأربَعينَ ليلةً، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ بأنْ تَتزوَّجَ»، ورَوى مَنصورٌ عن إبراهيمَ عن الأسوَدِ عن أبي السَّنابلِ بنِ بَعككٍ «أنَّ سُبيعةَ بنتَ الحارثِ وضَعَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها ببِضعٍ وعِشرينَ ليلةً، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَتزوجَ»، وهذا حَديثٌ قد ورَدَ مِنْ طُرقٍ صَحيحةٍ لا مَساغَ لأحَدٍ في العُدولِ عنه مع ما عَضدَه مِنْ ظاهِرِ الكِتابِ (١).
وقالَ أبو بَكرٍ أيضًا: لم يَختلَفِ السلَفُ والخلَفُ بعدَهم أنَّ عدَّةَ المُطلَّقةِ الحامِلِ أنْ تضَعَ حمْلَها، واختَلفَ السَّلفُ في عدَّةِ الحاملِ المُتوفَّى عنها زَوجُها، فقالَ عَليٌّ وابنُ عبَّاسٍ: «تَعتدُّ الحامِلُ المُتوفَّى عنها زَوجُها آخِرَ الأجَلينِ»، وقالَ عُمرُ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عُمرَ وأبو مَسعودٍ البَدريُّ وأبو هُريرةَ: «عِدَّتُها الحَملُ، فإذا وضَعَتْ حلَّتْ للأزواجِ»، وهو قَولُ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: انقِضاءُ عدَّةِ الحَملِ بوَضعِ الحَملِ … إذا كانَتْ مُتوفَّى عنها زَوجُها عِنْدَ عامَّةِ العُلماءِ وعامَّةِ الصَّحابةِ ﵃ (٣).
стр. 11254
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ عدَّةَ الحاملِ المُتوفَّى عنها زَوجُها والمُطلَّقةِ الحاملِ أنْ تضَعَ حمْلَها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الحامِلُ التي يَتوفَّى عنها زَوجُها قالَ الجُمهورُ وجَميعُ فُقهاءِ الأمصارِ: عدَّتُها أنْ تضَعَ حمْلَها؛ مَصيرًا إلى عُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وإنْ كانَتِ الآيةُ في الطَّلاقِ، وأخذًا أيضًا بحَديثِ أمِّ سَلمةَ «أنَّ سُبيعةَ الأسلَميةَ ولَدَتْ بعدَ وَفاةِ زَوجِها بنِصفِ شَهرٍ، وفيهِ: فجَاءتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ لها: قد حَلَلْتِ فانكِحي مَنْ شِئتِ»، ورَوى مالكٌ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ عِدتَها آخِرُ الأجَلَينِ، يُريدُ أنها تَعتدُّ بأبعَدِ الأجَلينِ إما الحَملُ وإما انقِضاءُ العدَّةِ عدَّةِ المَوتِ، ورُويَ مثلُ ذلكَ عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁، والحُجةُ لهُم أنَّ ذلكَ هو الذي يَقتضيهِ الجَمعُ بينَ عُمومِ آيةِ الحَواملِ وآيةِ الوَفاةِ (٢).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: عِدَّةُ الحامِلِ المُتوفَّى عنها زَوجُها وَضعُ حَملِها عندَ جُمهورِ العُلماءِ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في شَرحِه لحَديثِ سُبيعةَ: فأخَذَ بهذا جَماهيرُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ فقالُوا: عدَّةُ المُتوفَّى عنها بوَضعِ الحَملِ، حتَّى لو وضَعَتْ بعدَ مَوتِ زَوجِها بلَحظةٍ قبلَ غُسلِه انقَضَتْ عدَّتُها وحلَّتْ في الحالِ
стр. 11255
للأزواجِ، هذا قَولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ والعُلماءِ كافَّةً، إلا رِوايةً عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وسَحنونٍ المالِكيُّ أنَّ عدَّتَها بأقصَى الأجَلَينِ وهيَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا ووَضعُ الحَملِ، وإلا ما رُويَ عن الشَّعبيِّ والحَسنِ وإبراهيمَ النخَعيِّ وحمَّادٍ أنها لا يَصحُّ زَواجُها حتى تَطهرَ مِنْ نِفاسِها.
وحُجةُ الجُمهورِ حَديثُ سُبيعةَ المَذكورِ، وهو مُخصِّصٌ لعُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومُبيِّنٌ أنَّ قولَه تَعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عامٌّ في المُطلَّقةِ والمُتوفَّى عنها وأنه على عُمومِه، قالَ الجُمهورُ: وقد تَعارَضَ عُمومُ هاتَينِ الآيتينِ، إذا تعارَضَ العُمومانِ وجَبَ الرُّجوعُ إلى مُرجِّحٍ لتَخصيصِ أحَدِهما، وقد وُجدَ هُنا حَديثُ سُبيعةَ المُخصِّصِ لأربَعةٍ أشهرٍ وعَشرًا، وأنها مَحمولةٌ على غيرِ الحامِلِ.
وأما الدَّليلُ على الشعبيِّ ومُوافِقيهِ فهو ما رَواهُ مُسلمٌ في البابِ أنها قالَتْ: «فأفتَاني النبيُّ ﷺ بأني قد حَلَلْتُ حينَ وَضَعتُ حَملي»، وهذا تَصريحٌ بانقِضاءِ العدَّةِ بنَفسِ الوَضعِ، فإنِ احتَجُّوا بقَولِه: «فلمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها» أي: طَهُرتْ منه فالجَوابُ: أنَّ هذا إخبارٌ عن وَقتِ سُؤالِها ولا حُجةَ فيه، وإنَّما الحُجةُ في قَولِ النبيِّ ﷺ أنها حَلَّتْ حينَ وَضَعتْ، ولم يُعلِّلْ بالطُّهرِ مِنْ النِّفاسِ (١).
стр. 11256
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: وإذا وجَبَتِ العدَّةُ على المُطلَّقةِ .. لم يَخلُ: إما أنْ تَكونَ حامِلًا، أو حائِلًا.
فإنْ كانَتْ حامِلًا .. لم تَنقَضِ عدَّتُها إلا بوَضعِ الحَملِ، حرَّةً كانَتْ أو أمَةً؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ولأنَّ العدَّةَ تُرادُ لبَراءةِ الرَّحمِ، وبَراءةُ الرَّحمِ تَحصلُ بوَضعِ الحَملِ، بدَليلِ قَولِه ﷺ في السَّبايَا: «لا تُوطأُ حامِلٌ حتى تضَعَ، ولا حائلٌ حتى تَحيضَ».
وإنْ كانَ الحَملُ ولَدًا واحِدًا .. لم تَنقَضِ العدَّةُ إلا بوَضعِ جَميعِه، فإنْ خرَجَ بعضُه دونَ بَعضٍ فاستَرجَعَها الزَّوجُ قبلَ انفِصالِ جَميعِه .. صحَّتْ رَجعتُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذهِ لم تضَعْ حمْلَها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا كانَتْ حامِلًا أجَلُها وَضعُ حَملِها، إلا ابنَ عبَّاسٍ ورُويَ عن عليٍّ مِنْ وَجهٍ مُنقطعٍ أنها تَعتدُّ بأقصَى الأجَلَينِ، وقالَه أبو السَّنابلِ بنُ بَعككٍ في حَياةِ النبيِّ ﷺ فرَدَّ عليه النبيُّ ﷺ قَولَه، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه رجَعَ إلى قولِ الجَماعةِ لمَّا بلَغَه حَديثُ سُبيعةَ (٢).
стр. 11257
وقالَ شَمسُ الدِّينِ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: كلُّ امرَأةٍ حاملٍ مِنْ زَوجٍ إذا فارَقَتْ زوْجَها بطَلاقٍ أو فَسخٍ أو مَوتِه حُرةً كانَتْ أو أمَةً مُسلمةً أو كافِرةً فعدَّتُها بوَضعِ الحَملِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذا إجماعُ أهلِ المَدينةِ، إلا أنه رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ وعن عَليٍّ مِنْ وَجهٍ أنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها تَعتدُّ بأطوَلِ الأجَلينِ، وقالَه أبو السَّنابلِ بنُ بَعككٍ في حَياةِ النبيِّ ﷺ فرَدَّ عليهِ النبيُّ ﷺ قولَه، وقد رُويَ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رجَعَ إلى قَولِ الجَماعةِ لمَّا بلَغَه حَديثُ سُبيعةَ، وكَرِهَ الحَسنُ والشعبيُّ أنْ تنكحَ في دمِها، وحُكيَ عن إسحاقَ وحمَّادٍ أنَّ عدَّتَها لا تَنقضِي حتى تَطهرَ، وأبَى سائرُ أهلِ العِلمِ هذا القَولَ وقالُوا: لو وضَعَتْ بعدَ ساعةٍ مِنْ وَفاةِ زَوجِها حَلَّ لها أنْ تَتزوجَ، ولكنْ لا يَطؤُها زَوجُها حتَّى تَطهرَ مِنْ نِفاسِها وتَغتسلَ؛ وذلكَ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ورُويَ عن أبيِّ ابنِ كَعبٍ قالَ: «قلتُ للنبيِّ ﷺ : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] للمُطلقةِ ثَلاثًا أو المُتوفَّى عنها زَوجُها؟ قالَ: هيَ للمُطلقةِ ثَلاثًا والمُتوفَّى عنها»، وقالَ ابنُ مَسعودٍ: «مَنْ شاءَ باهَلْتُه أو لاعَنْتُه أنَّ الآيةَ التي في سُورةِ النساءِ القُصرَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نزَلَتْ بعدَ التي في سُورةِ البقرةِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]» يعنِي أنَّ هذهِ الآيةَ هي الأخيرةُ فتُقدَّمُ على ما خالَفَها مِنْ عُمومِ الآيةِ المُتقدمةِ ويَختصُّ بها عُمومُها.
стр. 11258
ورَوى عَبدُ اللهِ بنُ الأرقَمِ «أنَّ سُبيعةَ الأسلَميةَ أخبَرَتْه أنها كانَتْ تَحتَ سعدِ بنِ خَولةَ وتُوفِّيَ عنها في حَجةِ الوداعِ وهي حامِلٌ، فلَم تَلبثْ أنْ وضَعَتْ حمْلَها بعدَ وفاتِه، فلمَّا تعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها تَجمَّلتْ للخُطَّابِ، فدخَلَ عليها أبو السَّنابلِ بنُ بَعككٍ فقالَ: ما لي أرَاكِ مُتجمِّلةً؟ لعَلَّكِ تَرجينَ النِّكاحَ؟ إنكِ واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتى تَمرَّ عليكِ أربَعةُ أشهرٍ وعَشرٌ، قالَتْ سُبيعةُ: فلما قالَ لي ذلكَ جَمَعتُ عليَّ ثِيابي حِينَ أمسَيتُ، فأتيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فسَألتُه عن ذلكَ، فأفتَاني بأني قد حَلَلتُ حينَ وَضعتُ حَملِي، وأمَرَني بالتزويجِ إنْ بدَا لي» مُتفَقٌ عليه.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ قد جاءَ مِنْ وُجوهٍ شتَّى كلُّها ثابتةٌ، إلا ما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ورُويَ عن عليٍّ مِنْ وَجهٍ مُنقطعٍ.
ولأنها مُعتدةٌ حاملٌ، فتَنقضِي عدَّتُها بوَضعِه كالمُطلَّقةِ، يُحقِّقُه أنَّ العدَّةَ إنما شُرعَتْ لمَعرفةِ بَراءتِها مِنْ الحَملِ، ووَضعُه أدَلُّ الأشياءِ على البَراءةِ منه، فوجَبَ أنْ تَنقضيَ به العدَّةُ، ولأنه لا خِلافَ في بَقاءِ العدَّةِ ببقاءِ الحَملِ، فوجَبَ أنْ تَنقضيَ به كما في حقِّ المُطلَّقةِ (١).
الحَملُ الذي تَنقضِي العدَّةُ بوَضعِه (انقِضاءُ العِدَّةِ بوَضعِ السَّقطِ):
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا أسقَطَتْ ما يُعلمْ أنه وَلدٌ وقَد استَبانَ خَلقُه فإنَّ عِدتَها تَنقضِي بذلكَ.
стр. 11259
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ عدَّةَ المَرأةِ تَنقضِي بالسَّقطِ تُسقِطُه إذا عُلمَ أنه وَلدٌ (١).
وللعُلماءِ في ذلكَ تَفصيلٌ في كلِّ مَذهبٍ، هل يُشترطُ أنْ يَستبينَ خَلقُه أم لا يُشترطُ؟
قالَ الحَنفيةُ: شَرطُ انقِضاءِ هذهِ العدَّةِ أنْ يَكونَ ما وضَعَتْ قد استَبانَ خَلقُه أو بَعضُ خَلقِه، فإنْ لم يَستبنْ رأسًا بأنْ أسقَطَتْ عَلقةً أو مُضغةً لم تَنقضِ العدَّةُ؛ لأنه إذا استبانَ خَلقُه أو بَعضُ خَلقِه فهو وَلدٌ، فقدْ وُجدَ وَضعُ الحَملِ، فتَنقضِي به العدَّةُ، وإذا لم يَستبنْ لم يُعلَمْ كَونُه وَلدًا، بل يَحتملُ أنْ يَكونَ ويَحتملُ أنْ لا يَكونَ، فيَقعُ الشكُّ في وَضعِ الحَملِ، فلا تَنقضي العدَّةُ بالشكِّ.
ولا يُقبلُ قَولُها: «ولَدْتُ» بلا بيِّنةٍ، فلو طُلبَ يَمينُها باللهِ «لقدْ أسقَطْتُ سَقطًا مُستبينَ الخَلقِ» حلفَتِ اتِّفاقًا (٢).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أسقَطَتِ المُطلَّقةُ مُضغةً أو عَلقةً فإنَّ عدَّتَها تَنقضِي به؛ لأنَّ أولَ خَلقِ الآدَميِّ مُستحيلٌ مِنْ النُّطفةِ، فوجَبَ إذا ألقَتْه أنَّ تَنقضيَ به عدَّتُها كما لو بانَ فيه تَخطيطٌ، ولأنه يَنطلقُ عليه اسمُ الحَملِ والإسقاطِ، فوجَبَ أنْ تَنقضيَ به العدَّةُ كالوَلدِ (٣).
стр. 11260
وكذا إذا كانَ دمًا مُنعقِدًا فإنَّ العدَّةَ تَنقضِي به، فإذا أشكَلَ أمرُه هل هو وَلدٌ أو دَمٌ اختُبِرَ بالماءِ الحارِّ، فإنْ كانَ دمًا انحَلَّ، وإنْ كانَ ولَدًا لا يَزيدُه ذلكَ إلا شدَّةً (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ إنْ أسقَطَتْ سَقطًا لم يَتبينْ شَيءٌ مِنْ خَلقِه أسقَطَتْه عَلقةً أو مُضغةً أو عَظمًا أو دَمًا، أتنقَضِي به العدَّةُ أم لا في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: ما أثبَتَه النساءُ مِنْ مُضغةٍ أو عَلقةٍ أو شَيءٍ يُستيقَنُ أنه وَلدٌ فإنه تَنقضِي به العدَّةُ وتَكونُ الأمَةُ به أمَّ وَلدٍ، (قلتُ): أرَأيتَ إذا طلَّقَها فقالَتْ: «قد أسقَطْتُ» وقالَ الزَّوجُ: «لم تُسقِطِي، ولِي عَليكِ الرَّجعةُ»؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: القَولُ قولُ المَرأةِ، وهذا السَّقطُ لا يَكادُ يَخفَى على النِّساءِ وجِيرانِها، ولكن قد جعَلَ مالكٌ في هذا القَولَ قولَها (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وما وَضَعتْه الحاملُ مِنْ مُضغةٍ أو عَلقةٍ فقدْ حلَّتْ به عندَ مالكٍ وأصحابِه، وهو قَولُ إبراهيمَ وغيرِه، وقالَ الشافِعيُّ وأصحابُه وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ: لا تَحلُّ إلا بوَضعِ ما يَتبيَّنُ فيه شَيءٌ مِنْ خَلقِ الإنسانِ، وهو قَولُ الحَسنِ البصريِّ وغيرِه (٣).
стр. 11261
وقالَ الشافِعيةُ: تَنقضِي العدَّةُ بوَضعِ وَلدٍ مَيتٍ قد بانَ فيه شَيءٌ مِنْ خِلقةِ الآدَميِّ مِنْ عَينٍ أو ظُفرٍ انقَضَتْ به العدَّةُ كالحيِّ؛ لإطلاقِ الآيةِ.
ولا تَنقضِي بوَضعِ عَلقةٍ، وهي مَنيٌّ يَستحيلُ في الرَّحمِ فيَصيرُ دَمًا غَليظًا، فلا تَنقضِي العدَّةُ بها؛ لأنها لا تُسمَّى حَملًا، وإنما هي دَمٌ.
وتَنقضِي العدَّةُ بوَضعِ مُضغةٍ -وهي العَلقةُ المُستحيلةُ قِطعةَ لَحمٍ، قالَ الزَّمخشريُّ: سُميَتْ بذلكَ لأنها صَغيرةٌ كقَدرِ ما يُمضَغُ- فيها صُورةُ آدَميٍّ خَفيَّةٌ على غيرِ القوابِلِ أخبَرَ بها القَوابلُ؛ لظُهورِها عندَهنَّ، كما لو كانَتْ ظاهِرةً عندَ غَيرهنَّ أيضًا بظُهورِ يَدٍ أو أصبعٍ أو ظُفرٍ أو غيرِها بصَبِّ ماءٍ حُلوٍ أو غيرِه فظَهَرتِ الصُّورةُ.
فإنْ لم يَكنْ في المُضغةِ صُورةٌ لا ظاهِرةٌ ولا خَفيةٌ أخبَرَ بها القَوابلُ ولكنْ قُلْنَ: «هيَ أصلُ آدَميٍّ، ولو بَقِيتْ لَتصوَّرتْ» انقَضتِ العدَّةُ بوَضعِها على المَذهبِ المَنصوصِ؛ لحُصولِ بَراءةِ الرَّحمِ بذلكَ؛ لأنَّ بَراءةَ الرَّحمِ تَحصلُ برُؤيةِ الدمِ، فهذا أَولى.
ولو شكَّتِ القَوابلُ في أنها أصلُ آدَميٍّ لم تَنقضِ بوَضعِها قَطعًا.
ولو اختَلفَ الزَّوجانِ فيما وضَعَتْه فالقَولُ قَولُ المَرأةِ بيَمينِها في أنها أسقَطَتْ ما تَنقضِي به العدَّةُ، سَواءٌ أكذَبَها الزوجُ أم لا؛ لأنها مُؤتمَنةٌ فيها، ولأنها تُصدَّقُ في أصلِ السَّقطِ، فكذا في صِفتِه (١).
стр. 11262
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (والحَملُ الذي تَنقضِي به العدَّةُ ما يَتبينُ فيه شَيءٌ مِنْ خَلقِ الإنسانِ، حُرةً كانَتْ أو أمَةً).
وجُملةُ ذلكَ أنَّ المَرأةَ إذا ألقَتْ بعدَ فُرقةِ زَوجِها شَيئًا لم يَخلُ مِنْ خَمسةِ أحوالٍ:
أحَدُها: أنْ تضَعَ ما بانَ فيه خَلقُ الآدَميِّ مِنْ الرَّأسِ واليدِ والرِّجلِ، فهذا تَنقضِي به العدَّةُ بلا خِلافٍ بينَهم.
قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ عدَّةَ المَرأةِ تَنقضي بالسَّقطِ إذا عُلمَ أنه وَلدٌ.
وممَّن نَحفظُ عنه ذلكَ الحَسنُ وابنُ سِيرينَ وشُريحٌ والشعبيُّ والنخَعيُّ والزُّهريُّ والثوريُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ.
قالَ الأثرَمُ: قلتُ لأبي عَبدِ اللهِ: إذا نُكِّسَ في الخَلقِ الرَّابعِ؟ يَعني تَنقضِي به العدَّةُ؟ فقالَ: إذا نُكسَ في الخَلقِ الرابعِ فليسَ فيه اختلافٌ، ولكنْ إذا تَبيَّنَ خَلقُه هذا أدَلُّ؛ وذلك لأنه إذا بانَ فيه شيءٌ مِنْ خَلقِ الآدَميِّ عُلِمَ أنه حَملٌ، فيَدخلُ في عُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
стр. 11263
الحالُ الثَّاني: ألقَتْ نُطفةً أو دَمًا لا تَدرِي هل هو ما يُخلَقُ منه الآدَميُّ أو لا؟ فهذا لا يَتعلقُ به شَيءٌ مِنْ الأحكامِ؛ لأنه لم يَثبتْ أنه وَلدٌ لا بالمُشاهَدةِ ولا بالبيِّنةِ.
الحَالُ الثالثُ: ألقَتْ مُضغةً لم تَبِنْ فيها الخِلقةُ فشَهِدَ ثِقاتٌ مِنْ القَوابلِ أنَّ فيه صُورةً خَفيةً بانَ بها أنها خِلقةُ آدَميٍّ، فهذا في حُكمِ الحالِ الأولِ؛ لأنه قد تَبيَّنَ بشَهادةِ أهلِ المَعرفةِ أنه وَلدٌ.
الحالُ الرابعُ: إذا ألقَتْ مُضغةً لا صُورةَ فيها فشَهدَ ثِقاتٌ مِنْ القَوابلِ أنه مُبتدَأُ خَلقِ آدَميٍّ، فاختُلفَ عن أحمَدَ، فنقَلَ أبو طالبٍ أنَّ عِدتَها لا تَنقضِي به ولا تَصيرُ به أمَّ وَلدٍ؛ لأنه لم يَبِنْ فيه خَلقُ آدَميٍّ، فأشبَهَ الدمَ، وقد ذكرَ هذا قَولًا للشافِعيِّ، وهو اختِيارُ أبي بَكرٍ.
ونقَلَ الأثرمُ عن أحمَدَ أنَّ عِدتَها لا تَنقضِي به، ولكنْ تَصيرُ أمَّ وَلدٍ؛ لأنه مَشكوكٌ في كَونِه وَلدًا، فلَم يُحكمْ بانقِضاءِ العدَّةِ المُتيقَّنةِ بأمرٍ مَشكوكٍ فيه، ولم يَجزْ بيعُ الأمَةِ الوالِدةِ له مع الشكِّ في رِقِّها، فيَثبتُ كَونُها أمَّ وَلدٍ احتِياطًا، ولا تَنقضِي العدَّةُ احتِياطًا، ونقَلَ حَنبلٌ أنها تَصيرُ أمَّ وَلدٍ ولم يَذكُرِ العدَّةَ، فقالَ بَعضُ أصحابِنا: على هذا تَنقضِي به العدَّةُ، وهو قَولُ الحَسنِ وظاهِرُ مَذهبِ الشافِعيِّ؛ لأنهم شَهِدوا بأنه خِلقةُ آدَميٍّ، أشبَهَ ما لو تَصوَّرَ، والصَّحيحُ أنَّ هذا ليسَ برِوايةٍ في العدَّةِ؛ لأنه لم يَذكرْها ولم يَتعرضْ لها.
стр. 11264
الحالُ الخامِسُ: أنْ تضَعَ مُضغةً لا صُورةَ فيها ولم تَشهَدِ القَوابلُ بأنها مُبتدأُ خَلقِ آدَميٍّ، فهذا لا تَنقضِي به عدَّةٌ ولا تَصيرُ به أمَّ وَلدٍ؛ لأنه لم يَثبتْ كَونُه ولَدًا ببيِّنةٍ ولا مُشاهَدةٍ، فأشبَهَ العَلقةَ، فلا تَنقضِي العدَّةُ بوَضعِ ما قبلَ المُضغةِ بحالٍ، سَواءٌ كانَ نُطفةً أو عَلقةً، وسَواءٌ قيلَ: «إنه مُبتدَأُ خَلقِ آدَميٍّ» أو لم يُقَلْ، نَصَّ عليه أحمَدُ فقالَ: أمَّا إذا كانَ عَلقةً فليسَ بشَيءٍ، إنما هيَ دَمٌ لا تَنقضِي به عدَّةٌ ولا تُعتَقُ به أمَةٌ، ولا نَعلمُ مُخالِفًا في هذا إلا الحسَنَ؛ فإنه قالَ: إذا عُلِمَ أنها حَملٌ انقضَتْ به العدَّةُ وفيهِ الغُرَّةُ، والأولُ أصَحُّ وعليهِ الجُمهورُ.
وأقَلُّ ما تَنقضِي به العدَّةُ مِنْ الحَملِ أنْ تضَعَه بعدَ ثَمانينَ يَومًا منذُ أمكَنَه وَطؤُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ خلْقَ أحَدِكم لَيُجمَعُ في بَطنِ أمِّه فيَكونُ نُطفةً أربَعينَ يَومًا، ثمَّ يَكونُ عَلقةً مثلَ ذلكَ، ثم يَكونُ مُضغةً مثلَ ذلكَ»، ولا تَنقضِي العدَّةُ بما دونَ المُضغةِ، فوجَبَ أنْ تكونَ بعدَ الثَّمانينَ، فأما بعدَ الأربَعةِ أشهُرٍ فليسَ فيه إشكالٌ؛ لأنه مُنكَّسٌ في الخَلقِ الرابعِ (١).
يَجوزُ للمُعتدةِ الزَّواجُ ولو كانَتْ في نِفاسِها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ حامِلًا ووضَعَتْ حمْلَها جازَ لها النكاحُ ولو بعدَ ساعَةٍ مِنْ وَضعِها ولو كانَتْ في الدمِ، ولا يُشترطُ لصِحةِ نِكاحِها الطُّهرُ مِنْ النفاسِ.
стр. 11265
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وكَرهَتْ طائِفةٌ للنُفساءِ أنْ تَنكحَ ما دامَتْ في الدمِ، كَرهَ ذلكَ الحَسنُ البَصريُّ والشعبيُّ وحمَّادُ.
وأباحَ سائرُ أهلِ العِلمِ النكاحَ وهي في دَمِها.
قالَ أبو بَكرٍ: وبه نَقولُ (١).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: لم يَختلفِ السَّلفُ والخلَفُ بعدَهم أنَّ عدَّةَ المُطلقةِ الحامِلِ أنْ تضَعَ حمْلَها، واختَلفَ السَّلفُ في عدَّةِ الحامِلِ المُتوفَّى عنها زَوجُها، فقالَ عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ: «تَعتدُّ الحامِلُ المُتوفَّى عنها زَوجُها آخِرَ الأجَلَينِ»، وقالَ عُمرُ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عُمرَ وأبو مَسعودٍ البَدريُّ وأبو هُريرةَ: «عِدتُها الحَملُ، فإذا وضَعَتْ حلَّتْ للأزواجِ»، وهو قَولُ فُقهاءِ الأمصارِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في شَرحِه لحَديثِ سُبيعةَ: فأخَذَ بهذا جَماهيرُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ فقالُوا: عدَّةُ المُتوفَّى عنها بوَضعِ الحَملِ، حتَّى لو وضَعَتْ بعدَ مَوتِ زَوجِها بلَحظةٍ قبلَ غُسلِه انقَضَتْ عدَّتُها وحلَّتْ في الحالِ للأزواجِ، هذا قَولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ والعُلماءِ كافَّةً، إلا رِوايةً عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وسَحنونٍ المالِكيُّ أنَّ عدَّتَها بأقصَى الأجَلَينِ وهيَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا ووَضعُ الحَملِ، وإلا ما رُويَ عن
стр. 11266
الشَّعبيِّ والحَسنِ وإبراهيمَ النخَعيِّ وحمَّادٍ أنها لا يَصحُّ زَواجُها حتى تَطهرَ مِنْ نِفاسِها.
وحُجةُ الجُمهورِ حَديثُ سُبيعةَ المَذكورِ، وهو مُخصِّصٌ لعُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومُبيِّنٌ أنَّ قولَه تَعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عامٌّ في المُطلَّقةِ والمُتوفَّى عنها وأنه على عُمومِه، قالَ الجُمهورُ: وقد تَعارَضَ عُمومُ هاتَينِ الآيتينِ، إذا تعارَضَ العُمومانِ وجَبَ الرُّجوعُ إلى مُرجِّحٍ لتَخصيصِ أحَدِهما، وقد وُجدَ هُنا حَديثُ سُبيعةَ المُخصِّصِ لأربَعةٍ أشهرٍ وعَشرًا، وأنها مَحمولةٌ على غيرِ الحامِلِ.
وأما الدَّليلُ على الشعبيِّ ومُوافِقيهِ فهو ما رَواهُ مُسلمٌ في البابِ أنها قالَتْ: «فأفتَاني النبيُّ ﷺ بأني قد حَلَلْتُ حينَ وَضَعتُ حَملي»، وهذا تَصريحٌ بانقِضاءِ العدَّةِ بنَفسِ الوَضعِ، فإنِ احتَجُّوا بقَولِه: «فلمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفاسِها» أي: طَهُرتْ منه فالجَوابُ: أنَّ هذا إخبارٌ عن وَقتِ سُؤالِها ولا حُجةَ فيه، وإنَّما الحُجةُ في قَولِ النبيِّ ﷺ أنها حَلَّتْ حينَ وَضَعتْ، ولم يُعلِّلْ بالطُّهرِ مِنْ النِّفاسِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكَرِهَ الحَسنُ والشعبيُّ أنْ تنكحَ في دمِها، وحُكيَ عن إسحاقَ وحمَّادٍ أنَّ عدَّتَها لا تَنقضِي حتى تَطهرَ، وأبَى
стр. 11267
سائرُ أهلِ العِلمِ هذا القَولَ وقالُوا: لو وضَعَتْ بعدَ ساعةٍ مِنْ وَفاةِ زَوجِها حَلَّ لها أنْ تَتزوجَ، ولكنْ لا يَطؤُها زَوجُها حتَّى تَطهرَ مِنْ نِفاسِها وتَغتسلَ؛ وذلكَ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (١).
القِسمُ الثاني: انقِضاءُ العدَّةِ بالقُروءِ (الحَيْض أو الطُّهْر):
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ مِنْ ذَواتِ الحَيضِ فإنَّ عدَّتَها ثَلاثةُ قُروءٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
ولا خِلافَ بينَ فُقهاءِ السلَفِ والخلَفِ على وُقوعِ اسمِ الأقراءِ على الطُّهرِ والحَيضِ؛ لأنَّ اللَّفظَ لَو لَم يَكنْ مُحتمِلًا لهُمَا لِمَا تأوَّلَه السَّلفُ عَليهِما؛ لأنهم أهلُ اللُّغةِ والمَعرفةِ بمَعاني الأسماءِ وما يَتصرَّفُ عَليهِ المَعاني مِنْ العِباراتِ، فلمَّا تَأوَّلَها فَريقٌ على الحَيضِ وآخرُونَ على الأطهارِ عَلِمْنا وُقوعَ الاسمِ عَليهمَا، ومِن جِهةٍ أُخرَى أنَّ هذا الاختِلافَ قَدْ كانَ شائِعًا بينَهم مُستفيضًا، ولَم يُنكِرْ واحِدٌ مِنهُم على مُخالِفيهِ في مَقالتِه، بل سوَّغَ له القَولَ فيه، فدَلَّ ذلكَ على احتِمالِ اللَّفظِ المَعنيَينِ وتَسويغِ الاجتهادِ فيه (٢).
стр. 11268
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: عدَّةُ المُطلَّقةِ إذا كانَتْ حُرةً وهي مِنْ ذَواتِ القُروءِ ثَلاثةُ قُروءٍ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ وذلك لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والقُرءُ في كَلامِ العَربِ يَقعُ على الحَيضِ والطُّهرِ جَميعًا، فهو مِنْ الأسماءِ المُشتركةِ.
قالَ أحمَدُ بنُ يَحيَى ثَعلبٌ: القُروءُ الأوقاتُ، الواحِدُ قُرءٌ، وقد يَكونُ حَيضًا وقد يَكونُ طُهرًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهُما يَأتي لوَقتٍ (١).
إلا أنَّ فُقهاءَ المَذاهبِ الأربَعةِ اختَلفُوا في الأقراءِ التي تَجبُ على المَرأةِ إذا طلقَتْ ما هيَ؟ هل هيَ الحَيضُ أم الطُّهرُ؟ وعَليهِ اختَلفُوا في الوَقتِ الذي تَبِينُ فيهِ المُطلَّقةُ مِنْ زَوجِها حتَّى لا يَكونُ لهُ عَليها رَجعةٌ.
وفائِدةُ الخِلافِ في هَذا أنَّ مَنْ يَقولُ أنَّ القُرءَ هوَ الطُّهرُ أنَّها إذا دَخلَتْ في الحَيضةِ الثَّالثةِ فَقدِ انتَهتْ عدَّتُها وحلَّتْ للأزواجِ، وهَذا مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ.
ومَن يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ -وهُم الحَنفيةُ والحَنابلةُ- فإنَّ لزَوجِها أنْ يُراجعَها ما لم تَغتسلْ مِنْ حَيضتِها الثالِثةِ، فإنِ اغتَسلَتْ انقَطعَتِ الرَّجعةُ؛ لأنه ثبَتَ لها حُكمٌ مِنْ أحكامِ الطاهِراتِ، وهو إباحةُ أداءِ الصَّلاةِ.
وبَيانُ ذلكَ فيما يَلي على قَولينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَقصودَ بالقُرءِ الحَيضُ، فإذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَه وقد دخَلَ بها فعِدتُها ثَلاثُ حِيَضٍ
стр. 11269
غيرَ الحَيضةِ التي طلَّقَها فيها إنْ طلَّقَها حائِضًا، فإذا اغتَسلَتْ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقَدِ انتَهتْ عدَّتُها وأبيحَتْ للأزواجِ.
وهذا مَرويٌّ عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأبي مُوسَى الأشعَريِّ ومُعاذِ بنِ جَبلٍ وأبي الدَّرداءِ وعُبادةَ بنِ الصامِتِ وابنِ عبَّاسٍ ﵃ وجَماعةٍ مِنْ التابعِينَ بالحِجازِ والشامِ والعِراقِ، وقَولُهم كلِّهم أنَّ المُطلَّقةَ لا تَحلُّ للأزواجِ حتَّى تَغتسلَ مِنْ الحَيضةِ الثالِثةِ.
والدَّليلُ على أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «عِدَّةُ الأمَةِ حَيضَتانِ» (١)، والأمَةُ لا تُخالِفُ الحُرةَ في جِنسِ ما تَقعُ به العدَّةُ، وإنما تُخالفُها في العَددِ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على الثَّلاثةِ وعلى الجَمعِ بقَولِه: ﴿ثَلَاثَةَ﴾ وبقَولِه: ﴿قُرُوءٍ﴾، والثلاثةُ اسمٌ لعَددٍ مَعلومٍ لا يَجوزُ إطلاقُه على ما هو أكثَرُ منه ولا أقَلُّ، وحَملُه على الأطهارِ يُؤدِّي إلى أنه أُطلِقَ على أقَلَّ وهو طُهرانِ وبَعضُ الثالثِ، وهو خُلفٌ، وكذا الجَمعُ الكامِلُ هو الثلاثةُ وهو حَقيقةٌ فيه، فكانَ أَولى.
وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ ﵁ أنَّ فاطِمةَ بنتَ أبي حُبيشٍ حدَّثَتْه أنها أتَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فشكَتْ إليه الدَّمَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ :
стр. 11270
«إنَّما ذلكَ عِرقٌ، فانظُرِي إذا أتَى قَرؤُكِ فلا تُصلِّي، فإذا مَرَّ القَرءُ فتَطهَّرِي ثمَّ صَلِّي ما بينَ القَرءِ إلى القَرءِ» (١).
وقالَ ﷺ : «المُستَحاضةُ تدَعُ الصلاةَ أيامَ أقرائِها ثمَّ تَغتسلُ وتَتوضَّأُ لكُلِّ صَلاةٍ وتَصومُ وتُصلِّي» (٢).
فجعَلَ النبيُّ ﷺ الحَيضَ قُرءًا.
وقد رَوى عَلقمةُ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنه قالَ: «كُنْتُ عندَ عُمرَ ﵁ فجاءَ رَجلٌ وامرَأةٌ فقالَ الرَّجلُ: زَوجتِي طلَّقتُها وراجَعتُها، فقالَتْ: ما يَمنعُني ما صنَعَ أنْ أقولَ ما كانَ أنه طلَّقَني وترَكَني حتَّى حِضتُ الحَيضةَ الثالِثةَ وانقَطعَ الدمُ وغلقْتُ بابي ووَضعْتُ غُسلِي وخلَعْتُ ثِيابِي، فطرَقَ البابَ فقالَ: قد راجَعتُكِ، فقالَ عُمرُ ﵁: قُلْ فيها يا ابنَ أمِّ عَبدٍ، فقلتُ: أرى أنَّ الرَّجعةَ قد صحَّتْ ما لم تَحلَّ لها الصَّلاةُ، فقالَ عُمرُ: لو قُلتَ غيرَ هذا لَم أرَهُ صَوابًا».
ورُويَ عن مَكحولٍ «أنَّ أبا بَكرٍ وعُمرَ وعَليًّا وابنَ مَسعودٍ وأبا الدَّرداءِ وعُبادةَ بنَ الصامِتِ وعبدَ اللهِ بنَ قَيسٍ الأشعَريَّ ﵃ كانُوا يَقولونَ في الرَّجلِ يُطلقُ امرَأتَه تَطليقةً أو تَطليقتينِ أنه أحَقُّ بها ما لم تَغتسِلْ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، تَرثُه ويَرثُها ما دامَتْ في العِدَّةِ».
стр. 11271
ولأنَّ إطلاقَ اسمِ القُرءِ يَنطلقُ على الحَيضِ؛ لأنها إنَّما تُسمَّى مِنْ ذَواتِ الأقراءِ إذا حاضَتْ.
ولهذا اذا طلقَتْ في أثناءِ حَيضةٍ لم تَعتدَّ بذلكَ قُرءًا؛ لأنَّ عليها أنْ تَعتدَّ بثَلاثةِ قُروءٍ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ كلَّ شَهرٍ بإزاءِ حَيضةٍ وعلَّقَ الحُكمَ بعَدمِ الحَيضِ لا بعَدمِ الطُّهرِ مِنْ الحَيضِ.
ولقَولِ النبيِّ ﷺ في سَبيِ أوطاسٍ: «لا تُوطأُ حامِلٌ حتَّى تضَعَ، ولا غَيرُ ذاتِ حَملٍ حتى تَحيضَ حَيضةً» (١).
وأيضًا فالمَقصودُ الأصليُّ مِنْ العدَّةِ إنما هو استِبراءُ الرَّحمِ وإنْ كانَ لها فَوائدُ أُخَرُ، ولشرَفِ الحُرَّةِ المَنكوحةِ وخَطرِها جعَلَ العِلمَ الدالَّ على بَراءةِ رَحمِها ثَلاثةَ أقراءٍ، فلو كانَ القُرءُ هو الطُّهرُ لم تَحصلْ بالقُرءِ الأولِ دَلالةٌ، فإنه لو جامَعَها في الطُّهرِ ثمَّ طلَّقَها ثمَّ حاضَتْ كانَ ذلكَ قُرءًا مَحسوبًا مِنْ الأقراءِ عندَ مَنْ يَقولُ: «الأقراءُ الأطهارُ»، ومَعلومٌ أنَّ هذا لم يَدلَّ على شَيءٍ، وإنما الذي يَدلُّ على البَراءةِ الحَيضُ الحاصِلُ بعدَ الطَّلاقِ، ولو طلَّقَها في طُهرٍ لم يُصِبْها فيه فإنما يعلَمُ هنا بَراءَة الرَّحمِ بالحَيضِ المَوجودِ
стр. 11272
قبلَ الطلاقِ، والعدَّةُ لا تَكونُ قبلَ الطلاقِ؛ لأنها حُكمُه، والحُكمُ لا يَسبقُ سبَبَه، فإذا كانَ الطُّهرُ المَوجودُ بعدَ الطَّلاقِ لا دَلالةَ له على البَراءةِ أصلًا لم يَجُزْ إدخالُه في العِدَدِ الدالَّةِ على بَراءةِ الرَّحمِ، وكانَ مثَلُه كمثَلِ شاهدٍ غيرِ مَقبولٍ، ولا يَجوزُ تَعليقُ الحُكمِ بشَهادةِ شاهدٍ لا شَهادةَ له، يُوضِّحُه أنَّ العدَّةَ في المَنكوحاتِ كالاستِبراءِ في المَملوكاتِ.
وقد ثبَتَ بصَريحِ السُّنةِ أنَّ الاستبراءَ بالحَيضِ لا بالطُّهرِ، فكذلكَ العدَّةُ؛ إذ لا فرْقَ بينَهُما إلا بتعدُّدِ العدَّةِ والاكتِفاءِ بالاستِبراءِ بقُرءٍ واحدٍ.
والمَقصودُ أنَّ الجُمهورَ على أنَّ عدَّةَ الاستِبراءِ حَيضةٌ لا طُهرٌ، وهذا الاستِبراءُ في حَقِّ الأمَةِ كالعدَّةِ في حَقِّ الحُرةِ.
قالُوا: بل الاعتِدادُ في حَقِّ الحُرةِ بالحَيضِ أَولى مِنْ الأمَةِ مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ الاحتِياطَ في حقِّها ثابتٌ بتَكريرِ القُرءِ ثَلاثَ استِبراءاتٍ، فهكذا يَنبغي أنْ يَكونَ الاعتِدادُ في حقِّها بالحَيضِ الذي هو أحوَطُ مِنْ الطُّهرِ، فإنها لا تَحتسبُ ببَقيةِ الحَيضةِ قُرءًا وتَحتسبُ ببَقيةِ الطُّهرِ قُرءًا.
الثَّاني: أنَّ استِبراءَ الأمَةِ فرعٌ على عدَّةِ الحُرةِ، وهي الثابتةُ بنَصِّ القُرآنِ، والاستِبراءُ إنما ثبَتَ بالسُّنةِ، فإذا كانَ قد احتاطَ له الشارعُ بأنْ جعَلَه بالحَيضِ فاستِبراءُ الحُرةِ أَولى، فعدَّةُ الحُرةِ استِبراءٌ لها، واستِبراءُ الأمَةِ عدَّةٌ لها.
وأيضًا فالأدلَّةُ والعَلاماتُ والحُدودُ والغَاياتُ إنما تَحصلُ بالأمورِ الظاهِرةِ المُتميِّزةِ عن غَيرِها، والطُّهرُ هو الأمرُ الأصليُّ، ولهذا متَى كانَ
стр. 11273
مُستمرًّا مُستصحبًا لم يَكنْ له حُكمٌ يُفرَدُ به في الشَّريعةِ، وإنما الأمرُ المُتميزُ هو الحَيضُ؛ فإنَّ المَرأةَ إذا حاضَتْ تَغيَّرتْ أحكامُها مِنْ بُلوغِها وتَحريمِ العِباداتِ عليها مِنْ الصلاةِ والصَّومِ والطَّوافِ واللُّبثِ في المَسجدِ وغيرِ ذلكَ مِنْ الأحكامِ، ثم إذا انقطَعَ الدمُ واغتسَلَتْ فلَم تَتغيرْ أحكامُها بتَجدُّدِ الطُّهرِ، لكنْ لزَوالِ المُغيِّرِ الذي هو الحَيضُ، فإنها تَعودُ بعدَ الطُّهرِ إلى ما كانَتْ عليهِ قبلَ الحَيضِ مِنْ غيرِ أنْ يُجدِّدَ لها الطهرُ حُكمًا، والقُرءُ أمرٌ يُغيِّرُ أحكامَ المَرأةِ، وهذا التَّغييرُ إنَّما يَحصلُ بالحَيضِ دُونَ الطُّهرِ، فهذا الوَجهُ دالٌّ على فَسادِ قَولِ مَنْ يَحتسبُ بالطُّهرِ الذي قبلَ الحَيضةِ قُرءًا فيما إذا طلقَتْ قبلَ أنْ تَحيضَ ثم حاضَتْ، فإنَّ مَنْ اعتَدَّ بهذا الطُّهرِ قُرءًا جعَلَ شَيئًا ليسَ له حُكمٌ في الشَّريعةِ قُرءًا مِنْ الأقراءِ، وهذا فاسِدٌ (١).
إلَّا أنَّ الحَنفيةَ قالُوا: إذا كانَتْ أيامُها في الحَيضِ عَشرةً -وهيَ أكثَرُ مُدةِ الحَيضِ عندَهم- لا تَصحُّ الرَّجعةُ، وتَحلُّ للأزواجِ بمُجردِ انقِطاعِ الدمِ مِنْ الحَيضةِ الثالِثةِ وإنْ لم تَغتسلْ؛ لأنَّ الحَيضَ لا مَزيدَ له عن العَشرةِ، فبمُجرَّدِ الانقِطاعِ خرَجَتْ عن الحَيضِ، فانقَضَتِ العدَّةُ وانقطَعَتِ الرَّجعةُ.
وإنِ انقَطعَ لأقلَّ مِنْ عَشرةِ أيامٍ لم تَنقطعِ الرَّجعةُ حتى تَغتسلَ؛ لأنَّ فيما دُونَ العَشرةِ يَحتملُ عَوْدَ الدَّمِ، فيَكونُ حَيضًا لبَقاءِ المُدةِ، فلا بدَّ مِنْ الغُسلِ.
стр. 11274
أو بلُزومِ حُكمٍ مِنْ أحكامِ الطَّاهراتِ، بأنْ يَمضيَ عليها وقتُ صَلاةٍ فتَصيرُ دَينًا في ذمَّتِها، وهي لا تَجبُ إلا على الطاهِراتِ، وهذا إذا انقَطعَ أوَّلَ الوقتِ، فإنِ انقَطعَ آخِرَ الوَقتِ يُعتبَرُ أدنَى وقتٍ تَقدرُ فيه على الاغتِسالِ والتَّحريمةِ.
أو تَتيمَّمُ وتُصلِّي فيه ولو نَفلًا إذا كانَتْ مُسافِرةً أو لعُذرٍ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: إذا تَيمَّمتْ للعُذرِ انقَطعَتِ الرَّجعةُ وإنْ لم تُصَلِّ (١).
وحُكيَ عن الإمامِ أحمَدَ ﵀ أنها في عدَّتِها ولزَوجِها رَجعتُها حتَّى يَمضِي وقتُ الصَّلاةِ التي طَهُرتْ في وَقتِها.
وعَنهُ رِوايةٌ أنها تَنقضِي عِدتُها بمُجردِ طُهرِها مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ ولا تَقفُ على الغُسلِ.
وظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ أنَّ له رَجعتَها ما لم تَغتسلْ ولو فرَّطَتْ في الغُسلِ سِنينَ، حتَّى قالَ شريكٌ القاضِي: عِشرينَ سنَةً، قالَ الزَّركشيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرقيِّ وجَماعةٍ. انتَهى؛ لأنَّ وطْءَ الزَّوجةِ في الاغتِسالِ مِنْ الحَيضِ حَرامٌ؛ لوُجودِ أثَرِ الحَيضِ الذي يَمنعُ الزَّوجَ الوَطءَ كما يَمنعُه
стр. 11275
الحَيضُ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ ذلكَ ما يَمنعُه الحَيضُ ويُوجِبَ ما أوجَبَه الحَيضُ كما قبلَ انقِطاعِ الدمِ، ولم تُبَحْ للأزواجِ قبلَ أنْ تَغتسلَ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ.
وأما بَقيةُ الأحكامِ مِنْ قَطعِ الإرثِ والطَّلاقِ واللِّعانِ والنَّفقةِ وغيرِها فتَحصلُ بانقطاعِ الدمِ (١).
القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَقصودَ بالأقراءِ في قَولِه تعالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هيَ الأطهارُ، وهيَ ما بينَ الحَيضتَينِ مِنْ الطُّهرِ يُسمَّى قُرءًا، وهذا مَرويٌّ عن داودَ بنِ عليٍّ وابنِ حَزمٍ، وهو قَولُ عائِشةَ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وعبد اللهِ بنِ عُمرَ، ورُويَ أيضًا عن ابنِ عبَّاسٍ، وبه قالَ القاسِمُ وسالمٌ وأبانُ بنُ عُثمانَ وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يسارٍ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وابنُ شِهابٍ ورَبيعةُ ويحيَى بنُ سَعيدٍ، كلُّ هَؤلاءِ يَقولونَ: «الأقراءُ الأطهارُ»، فالمُطلَّقةُ عندَهم تَحلُّ للأزواجِ وتَخرجُ مِنْ عدَّتِها بدُخولِها في الدمِ مِنْ الحَيضةِ الثالِثةِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: لا تَنقضِي حتى يَمضيَ يومٌ ولَيلةٌ.
وسَواءٌ بقيَ مِنْ الطُّهرِ الذي طلقَتْ فيه المَرأةُ يومٌ واحدٌ أو أقلُّ أو أكثَرُ أو ساعةٌ واحِدةٌ أو لَحظةٌ، فإنها تَحتسبُ به المَرأةُ قُرءًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عِدَّتهنَّ، وإنما يَكونُ مِنْ عِدتِهنَّ