← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.

стр. 11271

ولأنَّ إطلاقَ اسمِ القُرءِ يَنطلقُ على الحَيضِ؛ لأنها إنَّما تُسمَّى مِنْ ذَواتِ الأقراءِ إذا حاضَتْ. ولهذا اذا طلقَتْ في أثناءِ حَيضةٍ لم تَعتدَّ بذلكَ قُرءًا؛ لأنَّ عليها أنْ تَعتدَّ بثَلاثةِ قُروءٍ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعَلَ كلَّ شَهرٍ بإزاءِ حَيضةٍ وعلَّقَ الحُكمَ بعَدمِ الحَيضِ لا بعَدمِ الطُّهرِ مِنْ الحَيضِ. ولقَولِ النبيِّ ﷺ في سَبيِ أوطاسٍ: «لا تُوطأُ حامِلٌ حتَّى تضَعَ، ولا غَيرُ ذاتِ حَملٍ حتى تَحيضَ حَيضةً» (١). وأيضًا فالمَقصودُ الأصليُّ مِنْ العدَّةِ إنما هو استِبراءُ الرَّحمِ وإنْ كانَ لها فَوائدُ أُخَرُ، ولشرَفِ الحُرَّةِ المَنكوحةِ وخَطرِها جعَلَ العِلمَ الدالَّ على بَراءةِ رَحمِها ثَلاثةَ أقراءٍ، فلو كانَ القُرءُ هو الطُّهرُ لم تَحصلْ بالقُرءِ الأولِ دَلالةٌ، فإنه لو جامَعَها في الطُّهرِ ثمَّ طلَّقَها ثمَّ حاضَتْ كانَ ذلكَ قُرءًا مَحسوبًا مِنْ الأقراءِ عندَ مَنْ يَقولُ: «الأقراءُ الأطهارُ»، ومَعلومٌ أنَّ هذا لم يَدلَّ على شَيءٍ، وإنما الذي يَدلُّ على البَراءةِ الحَيضُ الحاصِلُ بعدَ الطَّلاقِ، ولو طلَّقَها في طُهرٍ لم يُصِبْها فيه فإنما يعلَمُ هنا بَراءَة الرَّحمِ بالحَيضِ المَوجودِ

стр. 11272

قبلَ الطلاقِ، والعدَّةُ لا تَكونُ قبلَ الطلاقِ؛ لأنها حُكمُه، والحُكمُ لا يَسبقُ سبَبَه، فإذا كانَ الطُّهرُ المَوجودُ بعدَ الطَّلاقِ لا دَلالةَ له على البَراءةِ أصلًا لم يَجُزْ إدخالُه في العِدَدِ الدالَّةِ على بَراءةِ الرَّحمِ، وكانَ مثَلُه كمثَلِ شاهدٍ غيرِ مَقبولٍ، ولا يَجوزُ تَعليقُ الحُكمِ بشَهادةِ شاهدٍ لا شَهادةَ له، يُوضِّحُه أنَّ العدَّةَ في المَنكوحاتِ كالاستِبراءِ في المَملوكاتِ. وقد ثبَتَ بصَريحِ السُّنةِ أنَّ الاستبراءَ بالحَيضِ لا بالطُّهرِ، فكذلكَ العدَّةُ؛ إذ لا فرْقَ بينَهُما إلا بتعدُّدِ العدَّةِ والاكتِفاءِ بالاستِبراءِ بقُرءٍ واحدٍ. والمَقصودُ أنَّ الجُمهورَ على أنَّ عدَّةَ الاستِبراءِ حَيضةٌ لا طُهرٌ، وهذا الاستِبراءُ في حَقِّ الأمَةِ كالعدَّةِ في حَقِّ الحُرةِ. قالُوا: بل الاعتِدادُ في حَقِّ الحُرةِ بالحَيضِ أَولى مِنْ الأمَةِ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ الاحتِياطَ في حقِّها ثابتٌ بتَكريرِ القُرءِ ثَلاثَ استِبراءاتٍ، فهكذا يَنبغي أنْ يَكونَ الاعتِدادُ في حقِّها بالحَيضِ الذي هو أحوَطُ مِنْ الطُّهرِ، فإنها لا تَحتسبُ ببَقيةِ الحَيضةِ قُرءًا وتَحتسبُ ببَقيةِ الطُّهرِ قُرءًا. الثَّاني: أنَّ استِبراءَ الأمَةِ فرعٌ على عدَّةِ الحُرةِ، وهي الثابتةُ بنَصِّ القُرآنِ، والاستِبراءُ إنما ثبَتَ بالسُّنةِ، فإذا كانَ قد احتاطَ له الشارعُ بأنْ جعَلَه بالحَيضِ فاستِبراءُ الحُرةِ أَولى، فعدَّةُ الحُرةِ استِبراءٌ لها، واستِبراءُ الأمَةِ عدَّةٌ لها. وأيضًا فالأدلَّةُ والعَلاماتُ والحُدودُ والغَاياتُ إنما تَحصلُ بالأمورِ الظاهِرةِ المُتميِّزةِ عن غَيرِها، والطُّهرُ هو الأمرُ الأصليُّ، ولهذا متَى كانَ

стр. 11273

مُستمرًّا مُستصحبًا لم يَكنْ له حُكمٌ يُفرَدُ به في الشَّريعةِ، وإنما الأمرُ المُتميزُ هو الحَيضُ؛ فإنَّ المَرأةَ إذا حاضَتْ تَغيَّرتْ أحكامُها مِنْ بُلوغِها وتَحريمِ العِباداتِ عليها مِنْ الصلاةِ والصَّومِ والطَّوافِ واللُّبثِ في المَسجدِ وغيرِ ذلكَ مِنْ الأحكامِ، ثم إذا انقطَعَ الدمُ واغتسَلَتْ فلَم تَتغيرْ أحكامُها بتَجدُّدِ الطُّهرِ، لكنْ لزَوالِ المُغيِّرِ الذي هو الحَيضُ، فإنها تَعودُ بعدَ الطُّهرِ إلى ما كانَتْ عليهِ قبلَ الحَيضِ مِنْ غيرِ أنْ يُجدِّدَ لها الطهرُ حُكمًا، والقُرءُ أمرٌ يُغيِّرُ أحكامَ المَرأةِ، وهذا التَّغييرُ إنَّما يَحصلُ بالحَيضِ دُونَ الطُّهرِ، فهذا الوَجهُ دالٌّ على فَسادِ قَولِ مَنْ يَحتسبُ بالطُّهرِ الذي قبلَ الحَيضةِ قُرءًا فيما إذا طلقَتْ قبلَ أنْ تَحيضَ ثم حاضَتْ، فإنَّ مَنْ اعتَدَّ بهذا الطُّهرِ قُرءًا جعَلَ شَيئًا ليسَ له حُكمٌ في الشَّريعةِ قُرءًا مِنْ الأقراءِ، وهذا فاسِدٌ (١). إلَّا أنَّ الحَنفيةَ قالُوا: إذا كانَتْ أيامُها في الحَيضِ عَشرةً -وهيَ أكثَرُ مُدةِ الحَيضِ عندَهم- لا تَصحُّ الرَّجعةُ، وتَحلُّ للأزواجِ بمُجردِ انقِطاعِ الدمِ مِنْ الحَيضةِ الثالِثةِ وإنْ لم تَغتسلْ؛ لأنَّ الحَيضَ لا مَزيدَ له عن العَشرةِ، فبمُجرَّدِ الانقِطاعِ خرَجَتْ عن الحَيضِ، فانقَضَتِ العدَّةُ وانقطَعَتِ الرَّجعةُ. وإنِ انقَطعَ لأقلَّ مِنْ عَشرةِ أيامٍ لم تَنقطعِ الرَّجعةُ حتى تَغتسلَ؛ لأنَّ فيما دُونَ العَشرةِ يَحتملُ عَوْدَ الدَّمِ، فيَكونُ حَيضًا لبَقاءِ المُدةِ، فلا بدَّ مِنْ الغُسلِ.

стр. 11274

أو بلُزومِ حُكمٍ مِنْ أحكامِ الطَّاهراتِ، بأنْ يَمضيَ عليها وقتُ صَلاةٍ فتَصيرُ دَينًا في ذمَّتِها، وهي لا تَجبُ إلا على الطاهِراتِ، وهذا إذا انقَطعَ أوَّلَ الوقتِ، فإنِ انقَطعَ آخِرَ الوَقتِ يُعتبَرُ أدنَى وقتٍ تَقدرُ فيه على الاغتِسالِ والتَّحريمةِ. أو تَتيمَّمُ وتُصلِّي فيه ولو نَفلًا إذا كانَتْ مُسافِرةً أو لعُذرٍ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: إذا تَيمَّمتْ للعُذرِ انقَطعَتِ الرَّجعةُ وإنْ لم تُصَلِّ (١). وحُكيَ عن الإمامِ أحمَدَ ﵀ أنها في عدَّتِها ولزَوجِها رَجعتُها حتَّى يَمضِي وقتُ الصَّلاةِ التي طَهُرتْ في وَقتِها. وعَنهُ رِوايةٌ أنها تَنقضِي عِدتُها بمُجردِ طُهرِها مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ ولا تَقفُ على الغُسلِ. وظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابلةِ أنَّ له رَجعتَها ما لم تَغتسلْ ولو فرَّطَتْ في الغُسلِ سِنينَ، حتَّى قالَ شريكٌ القاضِي: عِشرينَ سنَةً، قالَ الزَّركشيُّ: وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرقيِّ وجَماعةٍ. انتَهى؛ لأنَّ وطْءَ الزَّوجةِ في الاغتِسالِ مِنْ الحَيضِ حَرامٌ؛ لوُجودِ أثَرِ الحَيضِ الذي يَمنعُ الزَّوجَ الوَطءَ كما يَمنعُه

стр. 11275

الحَيضُ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ ذلكَ ما يَمنعُه الحَيضُ ويُوجِبَ ما أوجَبَه الحَيضُ كما قبلَ انقِطاعِ الدمِ، ولم تُبَحْ للأزواجِ قبلَ أنْ تَغتسلَ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ. وأما بَقيةُ الأحكامِ مِنْ قَطعِ الإرثِ والطَّلاقِ واللِّعانِ والنَّفقةِ وغيرِها فتَحصلُ بانقطاعِ الدمِ (١). القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَقصودَ بالأقراءِ في قَولِه تعالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هيَ الأطهارُ، وهيَ ما بينَ الحَيضتَينِ مِنْ الطُّهرِ يُسمَّى قُرءًا، وهذا مَرويٌّ عن داودَ بنِ عليٍّ وابنِ حَزمٍ، وهو قَولُ عائِشةَ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وعبد اللهِ بنِ عُمرَ، ورُويَ أيضًا عن ابنِ عبَّاسٍ، وبه قالَ القاسِمُ وسالمٌ وأبانُ بنُ عُثمانَ وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ وسُليمانُ بنُ يسارٍ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وابنُ شِهابٍ ورَبيعةُ ويحيَى بنُ سَعيدٍ، كلُّ هَؤلاءِ يَقولونَ: «الأقراءُ الأطهارُ»، فالمُطلَّقةُ عندَهم تَحلُّ للأزواجِ وتَخرجُ مِنْ عدَّتِها بدُخولِها في الدمِ مِنْ الحَيضةِ الثالِثةِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: لا تَنقضِي حتى يَمضيَ يومٌ ولَيلةٌ. وسَواءٌ بقيَ مِنْ الطُّهرِ الذي طلقَتْ فيه المَرأةُ يومٌ واحدٌ أو أقلُّ أو أكثَرُ أو ساعةٌ واحِدةٌ أو لَحظةٌ، فإنها تَحتسبُ به المَرأةُ قُرءًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في عِدَّتهنَّ، وإنما يَكونُ مِنْ عِدتِهنَّ

стр. 11276

إذا احتسبَ به، ولأنَّ الطَّلاقَ إنما جُعلَ في الطُّهرِ دونَ الحَيضِ كَيلَا يُضرَّ بها فتَطولَ عدَّتُها، ولو لم يُحتسبْ بَقيةُ الطُّهرِ قُرءًا لم تَقتصِرْ عدَّتُها بالطَّلاقِ فيه. ولأنَّ المُبتغَى مِنْ الطُّهرِ دُخولُ الدمِ عليه، وهو الذي يُنبئُ عن سَلامةِ الرَّحمِ، وليسَتِ استِدامةُ الطُّهرِ بشَيءٍ. ولأنَّ النبيَّ ﷺ أَذِنَ في طَلاقِ الطاهِرِ مِنْ غيرِ جِماعٍ، ولم يَقلْ أوَلَ الطُّهرِ ولا آخِرَه كما في حَديثِ ابنِ عُمرَ عن النبيِّ ﵇ في قَولِه: «إذا طَهُرتْ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ أمسَكَ»، فلَم يَخُصَّ أولَ الطُّهرِ مِنْ آخِرِه، ولو كانَ بينَهُما فَرقٌ لَبيَّنَه؛ لأنه المُبيِّنُ عن اللهِ مُرادَه، وقد بلَّغَ وما كتَمَ ﷺ . والدَّليلُ عليه أنَّ هذا المَعروفُ مِنْ لِسانِ العَربِ، قالُوا: وإنما هو جَمعُ الرَّحمِ الدَّمَ لا طهورُه، ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته وقرأت القرآن أي ضممت بعضه إلى بعض بلسانك والدليلُ على أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ أيضًا حَديثُ ابنِ عُمرَ ﵄، وذلكَ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أمَرَه أنْ يطلِّقَ زَوجتَه في الطُّهرِ وجعَلَ العدَّةَ بقَولِه ﷺ : «فتِلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ»، ونهاهُ أنْ يطلِّقَ في الحَيضِ وأخرَجَه مِنْ أنْ يَكونَ عدَّةً ثبَتَ أنَّ الأقراءَ الأطهارُ.

стр. 11277

ولأنَّ الأحاديثَ عن الصَّحابةِ القائِلينَ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ أسانِيدُها صِحاحٌ، رَوى حَديثَ عائِشةَ ابنُ شِهابٍ عن عُروةَ وغيرِه عن عائِشةَ ﵂: «أنَّ الأَقراءَ الأَطهارُ». وحَديث زَيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ أنه قالَ: «إذا دخلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرِئَتْ منه وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها». وحَديثُ ابنِ عُمرَ رواه مالِكٌ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «إذا طلَّقَ امرَأتَه فدخَلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرئَتْ منهُ وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها»، وابنُ عُمرَ رَوى الحَديثَ عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «فتِلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ»، وله عرَضَتِ القِصةُ إذْ طلَّقَ امرَأتَه حائِضًا، وهو أعلَمُ بهذا، ومعه زَيدُ بنُ ثابتٍ وعائِشةُ وجُمهورُ التابعِينَ بالمَدينةِ، ومعهُ دَليلٌ حَديثُ النبيِّ ﷺ وهوَ الحُجَّةُ القاطِعةُ عندَ التَّنازعِ في مِثلِ هذا. ولأنَّ الصحابةَ ﵃ قدِ اختَلفُوا في هذهِ المَسألةِ، فيَنبغِي أنْ يُقدَّمَ قولُ عائِشةَ وابنِ عمُرَ؛ لأنَّ عائِشةَ أعرَفُ بحالِ الحَيضِ؛ لِمَا تَختصُّ بهِ مِنْ حالِ النِّساءِ وقُربِها مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وكذلكَ ابنُ عمَرَ؛ لأنه قد عرَفَ الطلاقَ في الحَيضِ وما أصابَه فيهِ، فهو أعلَمُ به مِنْ غَيرِه. وقد أجمَعُوا على أنَّ الطلاقَ للعدَّةِ أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غيرِ جِماعٍ لا حائِضًا، وأجمَعوا على أنَّ كلَّ مُعتدَّةٍ مِنْ طَلاقٍ أو وَفاةٍ تُحسَبُ عدَّتُها مِنْ

стр. 11278

ساعةِ طلاقِها أو وَفاةِ زَوجِها، وذلكَ دليلٌ على أنَّ الأقراءَ الأطهارُ لا الحيضُ؛ لأنَّ القائِلينَ بأنها الحيضُ يَقولونَ: «إنها لا تَعتدُّ إلا بالحَيضةِ المُقبلةِ بعدَ الطُّهرِ الذي طلقَتْ فيه»، فجَعَلوا عليها ثَلاثةَ قُروءٍ وشيئًا آخَرَ، وذلكَ خِلافُ الكِتابِ والسُّنةِ ويُلزِمُهم أنْ يَقولوا: «إنها قبلَ الحَيضةِ في غيرِ عدَّةٍ»، وحَسبُكَ بهذا خِلافًا لظاهرِ قَولِ اللهِ : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ولقولِ النبيِّ ﷺ : «فتلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ». وعليه: إذا طلَّقَها وهي طاهِرٌ انقَضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ على الصَّحيحِ، وفي قَولٍ عِنْدَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ: يُشترطُ يومٌ ولَيلةٌ بعدَ الطَّعنِ -أي الدُّخولِ- في الحَيضةِ الثالثةِ -لأنَّ هذا أقلُّ الحَيضِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ- إذ لا يَتحققُ كَونُه دمَ حَيضٍ إلا بذلكَ. وإنْ طلَّقَها وهي حائِضٌ -وإنْ لم يَبْقَ مِنْ زَمنِ الحَيضِ شيءٌ- فتَنقضي عدَّتُها بالطَّعنِ في حَيضةٍ رابعةٍ؛ إذْ ما بَقيَ مِنْ الحَيضِ لا يُحسَبُ قُرءًا قَطعًا (١).

стр. 11279

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قُلنَا: «القُروءُ الأطهارُ» فطلَّقَها وهي طاهِرُ انقضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وإنْ طلَّقَها حائِضًا انقضَتْ عدَّتُها برُؤيةِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الرابعةِ، وهذا قَولُ زَيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ والقاسمِ بنِ مُحمدٍ وسالِمِ بنِ عبدِ اللهِ وأبانَ بنِ عُثمانَ ومالِكٍ وأبي ثَورٍ، وهو ظاهِرُ مَذهبِ الشافعيِّ، وحُكيَ عنه قَولٌ آخَرُ: لا تَنقضِي العدَّةُ حتَّى يَمضيَ زَمنُ الدَّمِ يومٌ وليلةٌ؛ لجَوازِ أنْ يكونَ الدَّمُ دمَ فَسادٍ، فلا نَحكمُ بانقِضاءِ العدَّةِ حتى يَزولَ الاحتِمالُ، وحكَى القاضي هذا احتِمالًا في مَذهبِنا أيضًا. ولنَا: إنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ العدَّةَ ثلاثةَ قُروءٍ، فالزِّيادةُ عليها مُخالَفةٌ للنَّصِ، فلا يُعوَّلُ عليه، ولأنه قَولُ مَنْ سمَّيْنا مِنْ الصَّحابةِ، رَواهُ الأثرَمُ عنهُم بإسنادِه، ولفظُ حَديثِ زَيدِ بنِ ثابتٍ: «إذا دخَلَتْ في الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ فقدْ بَرئَتْ منه وبَرئَ منها ولا تَرثُه ولا يَرثُها»، وقَولُهم: «إنَّ الدَّمَ يَكونُ دمَ فَسادِ» قُلنا: قد حُكِمَ بكَونِه حَيضًا في تَركِ الصلاةِ وتَحريمِها على الزوجِ وسائِرِ أحكامِ الحَيضِ، فكذلكَ في انقِضاءِ العدَّةِ، ثمَّ إنْ كانَ التوقُّفُ عَنْ الحُكمِ بانقِضاءِ العدَّةِ للاحتِمالِ؛ فإذا تَبيَّنَ أنه حَيضٌ عَلِمْنا أنَّ العدَّةَ قد انقضَتْ حينَ رأَتِ الدَّمَ، كما لو قالَ لها: «إنْ حِضتِ فأنتِ طالقٌ» اختَلفَ

стр. 11280

القائلونُ بهذا القَولِ؛ فمِنهم مَنْ قالَ: اليومُ واللَّيلةُ مِنْ العدَّةِ؛ لأنه دَمٌ تَكملُ به العدَّةُ، فكانَ منها كالذي في أثناءِ الأطهارِ، ومِنهم منَ قالَ: ليسَ مِنها، إنَّما يَتبيَّنُ بهِ انقِضاؤُها، ولأننا لو جَعلْناهُ مِنها أوجَبْنا الزِّيادةَ على ثلاثةِ قُروءٍ، ولكنَّنا نَمنعُها مِنْ النكاحِ حتى يَمضيَ يومٌ ولَيلةٌ، ولو راجَعَها زَوجُها فيها لم تَصحَّ الرجعةُ، وهذا أصَحُّ الوَجهَينِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا مِنْ هذهِ الآيةِ في الأقراءِ ما هي؟ فقالَ قَومٌ: هيَ الأطهارُ، أعني: الأزمِنةَ التي بينَ الزَّمنَينِ، وقالَ قَومٌ: هيَ الدَّمُ نفسُه. وممَّن قالَ: «إنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ» أمَّا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ فمالكٌ والشافعيُّ وجُمهورُ أهلِ المَدينةِ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ، وأمَّا مِنْ الصَّحابةِ فابنُ عُمرَ وزَيدُ بنُ ثابتٍ وعائشةُ. وممَّن قالَ: «إنَّ الأقراءَ هي الحيضُ» أمَّا مِنْ فُقهاءِ الأمصارِ فأبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وابنُ أبي لَيلى وجَماعةٌ، وأمَّا مِنْ الصحابةِ فعَليٌّ وعُمرُ ابنُ الخطَّابِ وابنُ مَسعودٍ وأبو موسَى الأشعَريُّ. وحكَى الأثرَمُ عن أحمدَ أنه قالَ: الأكابِرُ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَقولونُ: الأقراءُ هي الحيضُ، وحكَى أيضًا عن الشعبيِّ أنه قَولُ أحَدَ عشَرَ أو اثنَي عشَرَ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ .

стр. 11281

وأمَّا أحمَدُ بنُ حَنبلٍ فاختَلفَتِ الرِّوايةُ عنه، فرُويَ عنه أنه كانَ يقولُ: إنها الأطهارُ على قَولِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ، ثمَّ توقَّفْتُ الآنَ مِنْ أجْلِ قَولِ ابنِ مَسعودٍ وعَليٍّ هو أنها الحيضُ. والفَرقُ بينَ المَذهبَينِ هو أنَّ مَنْ رَأى أنها الأطهارُ رَأى أنها إذا دخَلَتِ الرَّجعيةُ عندَه في الحَيضةِ الثالثةِ لم يَكنْ للزوجِ عليها رَجعةٌ وحلَّتْ للأزواجِ، ومَن رأى أنها الحيضُ لم تَحِلَّ عندَه حتى تَنقضيَ الحيضةُ الثالثةُ. وسَببُ الخِلافِ: اشتِراكُ اسمِ القُرءِ؛ فإنه يُقالُ في كلامِ العرَبِ على حدٍّ سَواءٍ على الدَّمِ وعلى الأطهارِ، وقد رامَ كِلا الفَريقَينِ أنْ يدلَّ أنَّ اسمَ القُرءِ في الآيةِ ظاهِرٌ في المعنَى الذي يَراهُ، فالذينَ قالوا: «إنها الأطهارُ» قالُوا: إنَّ هذا الجَمعَ خاصٌّ بالقُرءِ الذي هوَ الطُّهرُ؛ وذلكَ أنَّ القُرءَ الذي هو الحَيضُ يُجمَعُ على أقراءٍ لا على قُروءٍ، وحكَوا ذلكَ عن ابنِ الأنباريِّ، وأيضًا فإنهم قالوا: إنَّ الحَيضةَ مُؤنَّثةٌ والطُهرَ مُذكَّرٌ، فلو كانَ القُرءُ الذي يُرادُ بهِ الحيضُ لَمَا ثبَتَ في جَمعِه الهاءُ؛ لأنَّ الهاءَ لا تَثبتُ في جَمعِ المُؤنَّثِ فيما دُونَ العَشرةِ، وقالوا أيضًا: إنَّ الاشتِقاقَ يَدلُّ على ذلكَ؛ لأنَّ القُرءَ مُشتَقٌّ مِنْ قرَّأْتُ الماءَ في الحَوضِ أي: جمَّعْتَه، فزَمانُ اجتِماعِ الدَّمِ هو زَمانُ الطُّهرِ، فهذا هو أقوَى ما تَمسَّكَ به الفريقُ الأولُ مِنْ ظاهِرِ الآيةِ. وأمَّا ما تَمسَّكَ بهِ الفَريقُ الثاني مِنْ ظاهِرِ الآيَةِ فإنهم قالوا: إنَّ قولَه تَعالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ظاهِرٌ في تَمامِ كلِّ قُرءٍ مِنها؛ لأنه ليسَ يَنطلِقُ اسمُ القُرءِ على بعضِه إلا تَجوُّزًا، وإذا وُصفَتِ الأقراءُ بأنها هي الأطهارُ أمكَنَ أنْ تكونَ

стр. 11282

العدَّةُ عِندَهم بقُرأَينِ وبَعضِ قُرءٍ؛ لأنها عندَهم تعتَدُّ بالطُّهرِ الذي تُطلَّقُ فيه وإنْ مضَى أكثَرُه، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلا يَنطلقُ عليها اسمُ الثلاثةِ إلا تَجوُّزًا، واسمُ الثلاثةِ ظاهِرٌ في كَمالِ كلِّ قُرءٍ منها، وذلكَ لا يتَّفقُ إلا بأنْ تكونَ الأقراءُ هي الحيضَ؛ لأنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على أنها إنْ طلِّقَتْ في حَيضةٍ أنها لا تعتَدُّ بها. ولكلِّ واحِدٍ مِنْ الفَريقَينِ احتِجاجاتٌ مُتساوِيةٌ مِنْ جِهةِ لفظِ القُرءِ، والذي رَضِيَه الحُذَّاقُ أنَّ الآيةَ مُجمَلةٌ في ذلكَ، وأنَّ الدليلَ يَنبغي أنْ يُطلبَ مِنْ جهةٍ أُخرى، فمِن أقوَى ما تمسَّكَ بهِ مَنْ رأى أنَّ الأقراءَ هي الأطهارُ حديثُ ابنِ عُمرَ المُتقدِّمِ وقولُه ﷺ : «مُرْهُ فلْيُراجِعْها حتى تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ ثم تَحيضَ ثم تَطهُرَ، ثم يُطلِّقُها إنْ شاءَ قبلَ أنْ يمَسَّها، فتلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ»، قالُوا: وإجماعُهم على أنَّ طلاقَ السُّنةِ لا يَكونُ إلا في طُهرٍ لم تُمَسَّ فيهِ، وقَولُه ﵊: «فتِلكَ العدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ» دليلٌ واضِحٌ على أنَّ العدَّةَ هي الأطهارُ؛ لكَي يكونَ الطلاقُ مُتَّصِلًا بالعدَّةِ. ويُمكنُ أنْ يُتأوَّلَ قَولُه: «فتِلكَ العدَّةُ» أي: فتِلكَ مدَّةُ استِقبالِ العدَّةِ؛ لئلَّا يَتبعَّضَ القُرءُ بالطلاقِ في الحَيضِ. وأقوَى ما تَمسَّكَ بهِ الفَريقُ الثاني أنَّ العدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لبَراءةِ الرَّحمِ، وبَراءتُها إنَّما تَكونُ بالحَيضِ لا بالأطهارِ، ولذلكَ كانَ عدَّةُ مَنْ ارتَفعَ

стр. 11283

الحَيضُ عنها بالأيَّامِ، فالحَيضُ هو سَببُ العدَّةِ بالأقراءِ، فوجَبَ أنْ تكونَ الأقراءُ هيَ الحيضَ. واحتَجَّ مَنْ قالَ الأقرَاءُ هي الأطهارُ بأنَّ المُعتبَرَ في بَراءةِ الرَّحمِ هو النَّقلةُ مِنْ الطُّهرِ إلى الحَيضِ لا انقِضاء الحيضِ، فلا معنَى لاعتِبارِ الحَيضةِ الأخيرةِ، وإذا كانَ ذلكَ فالثلاثُ المُعتبَرُ فيهنَّ التَّمامُ -أعني: المُشتَرَطَ- هي الأطهارُ التي بينَ الحيضتَينِ، ولِكلَا الفَريقَينِ احتِجاجاتٌ طَويلةٌ. ومذهَبُ الحَنفيةِ أظهَرُ مِنْ جِهةِ المَعنى، وحُجَّتُهم مِنْ جِهةِ المَسموعِ مُتساوِيةٍ أو قَريبٌ مِنْ مُتساويةٍ، ولم يَختلفِ القائِلونَ أنَّ العدَّةَ هي الأطهارُ أنها تَنقضِي بدُخولِها في الحَيضةِ الثالثةِ. واختَلفَ الذينَ قالوا: إنها الحَيضُ: فقيلَ: تَنقضي بانقِطاعِ الدَّمِ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وبهِ قالَ الأوزاعيُّ. وقيلَ: حِينَ تَغتسِلُ مِنْ الحَيضةِ الثالثةِ، وبهِ قالَ مِنْ الصحابةِ عُمرُ بنُ الخطَّاب وعليٌّ وابنُ مَسعودٍ، ومِن الفُقهاءِ الثَّوريُّ وإسحاقُ بنُ عُبيدٍ. وقيلَ: حتى يَمضيَ وَقتُ الصلاةِ التي طَهُرتْ في وَقتِها. وقيلَ: إنَّ للزوجِ عليها الرجعةَ وإنْ فرَّطَتْ في الغُسلِ عِشرينَ سَنةً، حُكيَ هذا عَنْ شريكٍ. وقد قيلَ: تَنقضِي بدُخولِها في الحَيضةِ الثالثةِ، وهو أيضًا شاذٌّ (١).

стр. 11284

العِدَّةُ على القَولِ بأنَّ القُرءَ هو الحَيضُ: ومَن يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ -وهُم الحَنفيةُ والحَنابلةُ- فإنَّ لزَوجِها أنْ يُراجعَها ما لم تَغتسلْ مِنْ حَيضتِها الثالِثةِ، فإنِ اغتَسلَتِ انقطَعَتِ الرَّجعةُ؛ لأنه ثبَتَ لها حُكمٌ مِنْ أحكامِ الطاهِراتِ، وهو إباحَةُ أداءِ الصَّلاةِ. العِدَّةُ على القَولِ بأنَّ القُرءَ هو الطُّهرُ: مَنْ يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الطُّهرُ فإنها إذا دخَلَتْ في الحَيضةِ الثالثةِ فقدِ انتهَتْ عِدتُها وحلَّتْ للأزواجِ، وهذا مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ ورِوايةٌ للحَنابلةِ. وقد تَقدَّمَ ذلكَ بالتَّفصيلِ في المَسألةِ السَّابقةِ على تَفصيلٍ بينَهُم قد بيَّناهُ. هل تُحسَبُ الحَيضةُ التي طلقَتْ فيها مِنْ العِدَّةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا طلقَتْ في الحَيضِ أنَّ هَذهِ الحَيضةَ لا تُحسَبُ مِنْ عدَّتِها. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الحَيضةُ التي طلَّقَ فيها لا تُحسبُ مِنْ عدَّتِها بغَيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بثَلاثةِ قُروءٍ، فتَناولَ ثَلاثةً كامِلةً، والتي طلَّقَ فيها لم يَبْقَ منها ما تَتمُّ به مع اثنتَينِ ثَلاثةٌ كامِلةٌ، فلا يُعتدُّ بها، ولأنَّ الطَّلاقَ إنما حَرُمَ في الحيضِ لِما فيه مِنْ تَطويلِ العدَّةِ عليها، فلو احتسبَتْ بتلكَ الحَيضةِ قرءًا كانَ أقصَرَ لعِدتِها وأنفَعَ لها، فلَم يَكنْ مُحرمًا، ومَن قالَ: «القُروءُ الأطهارُ» احتسَبَ لها بالطُّهرِ الذي طلَّقَها فيه

стр. 11285

قُرءًا، فلو طلَّقَها وقد بَقيَ مِنْ قُرئِها لَحظةٌ حسَبَها قُرءًا، وهذا قَولُ كلِّ مَنْ قالَ: «القُروءُ الأطهارُ» إلا الزُّهريَّ وحْدَه قالَ: تَعتدُّ بثَلاثةِ قُروءٍ سِوى الطُّهرِ الذي طلَّقَها فيه، وحُكيَ عن أبي عُبيدٍ أنه إنْ كانَ جامَعَها في الطُّهرِ لم يَحتسبْ ببَقيَّتِه؛ لأنه زَمنٌ حُرِّمَ فيه الطلاقُ، فلَم يحتَسبْ به مِنْ العدَّةِ كزَمنِ الحَيضِ. ولنا: إنَّ الطلاقَ حُرِّمَ في زَمنِ الحَيضِ دَفعًا لضَررِ تَطويلِ العدَّةِ عليها، فلَو لم يحتَسبْ ببَقيةِ الطُّهرِ قُرءًا كانَ الطلاقُ في الطُّهرِ أضَرَّ بها وأطوَلَ عليها، وما ذُكرَ عن أبي عُبيدٍ لا يَصحُّ؛ لأنَّ تَحريمَ الطلاقِ في الحَيضِ لكَونِها لا تَحتسبُ ببَقيَّتِه، فلا يَجوزُ أنْ تُجعلَ العِلةَ في عَدمِ الاحتِسابِ تَحريمَ الطَّلاقِ فتَصيرَ العِلةُ مَعلولًا، وإنما تَحريمُ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الذي أصابَها فيه لكَونِها مُرتابةً ولكَونِه لا يَأمنُ النَّدمَ بظُهورِ حَملِها. فأما إنِ انقضَتْ حُروفُ الطَّلاقِ مع انقِضاءِ الطُّهرِ فإنَّ الطلاقَ يقَعُ في أولِ الحَيضةِ ويَكونُ مُحرَّمًا، ولا تَحتسبُ بتلكَ الحَيضةِ مِنْ عدَّتِها، وتَحتاجُ أنْ تَعتدَّ بثَلاثِ حِيَضٍ بعدَها، أو ثَلاثةِ أطهارٍ على الرِّوايةِ الأخرَى، ولو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ في آخِرِ طُهرِكِ، أو في آخِرِ جُزءٍ مِنْ طُهرِكِ» أو انقضَتْ حُروفُ الإيقاعِ ولم يَبْقَ مِنْ الطُّهرِ إلا زَمنُ الوُقوعِ فإنها لا تَحتسبُ بالطُّهرِ الذي وقَعَ فيه الطلاقُ؛ لأنَّ العدَّةَ لا تَكونُ إلا بعدَ وُقوعِ الطَّلاقِ، وليسَ بعدَه طُهرٌ تَعتدُّ به، ولا يَجوزُ الاعتِدادُ بما قبلَه ولا بِما قارَبَه.

стр. 11286

ومَن جعَلَ القُرءَ الحَيضَ اعتَدَّ لها بالحَيضةِ التي تَلي الطلاقَ؛ لأنها حَيضةً كامِلةٌ لم يَقعْ فيها طَلاقٌ، فوجَبَ أنْ تَعتدَّ بها قرءًا. وإنِ اختَلفَا فقالَ الزَّوجُ: «وقَعَ الطَّلاقُ في أولِ الحَيضِ» وقالَتْ: «بل في آخِرِ الطُّهرِ»، أو قالَ: «انقَضَتْ حُروفُ الطلاقِ مع انقِضاءِ الطُّهرِ» وقالَتْ: «بل قد بَقيَ منه بَقيةٌ» فالقَولُ قولُها؛ لأنَّ قولَها مَقبولٌ في الحَيضِ وفي انقِضاءِ العدَّةِ (١). عِدَّةُ المُطلَّقةِ النُّفساءِ: المَرأةُ إذا طلَّقَها زَوجُها وهيَ نُفساءُ فإنها لا تَعتدُّ بهذا النِّفاسِ، سَواءٌ على قَولِ الذي يَقولُ أنَّ القُرءَ هو الحَيضُ أو الطُّهرُ، بل تَستأنفُ ثَلاثةَ قُروءٍ بعدَ انقِضاءِ نِفاسِها. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ ممَّن يَقولُ: «إنَّ الأقراءَ الأطهارُ» ومَن يَقولُ: «إنَّ الأقراءَ الحيضُ» أنَّ المُطلقةَ وهي نُفساءُ لا تَعتدُّ بدَمِ النفاسِ حتَّى تَستأنفَ ثَلاثةَ قُروءٍ، رُويَ هذا القولُ عن زَيدِ بنِ ثابتٍ والحَسنِ وعَطاءٍ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ والزُّهريِّ، وبه قالَ أبو عُبيدٍ وذكَرَ أنه قَولُ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ جَميعًا. قالَ: لأنَّ النفاسَ ليسَ مِنْ القُروءِ، ولا يَلزمُه اسمُها (٢).

стр. 11287

عِدَّةُ المرأةِ التي ارتَفعَ حَيضُها أو تَباعَدَ حَيضُها (والمُرتابةِ): المَرأةُ إذا كانَتْ تَحيضُ ثم ارتَفعَ حَيضُها فهذا لا يَخلُو مِنْ حَالاتٍ: إما أنْ تَكونَ قد حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم ارتَفعَ، أو يَكونَ قد ارتَفعَ حَيضُها أو تَباعَدَ، وهذا لا يَخلُو: إما أنْ تَعرفَ سبَبَ ارتِفاعَ الحَيضِ، وإما أنْ لا تَعرفَ. الحالَةُ الأُولى: أنْ تَكونَ حاضَتْ حَيضةً أو حَيضَتينِ ثم ارتَفعَ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ تطلقُ فتَحيضُ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم تَرتفعُ حَيضتُها، ما الذي يَجبُ عليها؟ هل تَنتظرُ الحيضَ وإنْ طالَتِ المُدةُ؟ أو تَدخلُ في سِنِّ اليَأسِ؟ أم تَمكثُ تِسعةَ أشهُرٍ مُدةَ الحَملِ ثمَّ ثَلاثةَ أشهُرٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ وأشهَبُ وابنُ العَربيِّ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّ المَرأةَ التي ارتَفعَ حَيضتُها مِنْ غيرِ حَملٍ ولا يأسٍ ولم يَتبينْ لها ذلكَ فانقِضاءُ عدَّتِها في الطلاقِ وسائِرِ وُجوهِ الفُرَقِ بالحَيضِ أبدًا؛ لأنها مِنْ ذواتِ الأقراءِ إلا أنه ارتَفعَ حَيضُها لعارِضٍ، فلا تَنقضِي عِدتُها حتى تَحيضَ ثَلاثَ حِيَضٍ أو حتَّى تَدخلَ في حَدِّ الإياسِ وهو السِّنُّ التي لا تَحيضُ في مِثلِه مِثلُها مِنْ النساءِ فتَستأنفَ عدَّةَ الآيِسةِ ثَلاثةَ أشهُرٍ. ولأنها إذا كانَتْ عادَتُها وهي شابَّةٌ أنها تَحيضُ في كلِّ سَنةٍ مرَّةً فهذهِ غيرُ مُرتابٍ في إياسِها، بل قد تَيقَّنَ أنها مِنْ ذَواتِ الحيضِ، فكَيفَ يَجوزُ أنْ تكونَ عِدتُها سَنةً مع العِلمِ بأنها غيرُ آيِسةٍ وأنها مِنْ ذواتِ الحيضِ؟! وتَراخِي ما بينَ الحَيضتَينِ مِنْ المُدةِ لا يُخرجُها مِنْ أنْ تكونَ مِنْ ذَواتِ الحيضِ،

стр. 11288

فالموجِبُ عليها عدَّةَ الشُّهورِ مُخالِفٌ للكِتابِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ عدَّةَ ذَواتِ الأقراءِ الحيضُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولم يُفرِّقْ بينَ مَنْ طالَتْ مُدةُ حَيضتِها أو قَصُرتْ. ولِما رَواهُ الأعمَشُ ومَنصورٌ عن إبراهيمَ عن عَلقمةَ بنِ قَيسٍ أنه طلَّقَ امرَأتَه تَطليقةً أو تَطليقتَينِ ثم حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم ارتَفعَ حَيضُها سَبعةَ عشَرَ شَهرًا أو ثَمانيةَ عشَرَ شَهرًا ثم ماتَتْ، فجاءَ إلى ابنِ مَسعودٍ ﵁ فسَألَه فقالَ: «حبَسَ اللهُ عليكَ مِيراثَها، فورَّثَه مِنها» (١) (٢). وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المَرأةَ إذا حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم ارتَفعَ حَيضُها لا تَدرِي ما رفَعَه لم تَنقَضِ عِدتُها إلا بعدَ سَنةٍ بعدَ انقِطاعِ الحَيضِ تِسعةَ أشهُرٍ تَتربَّصُ فيها ليُعلَمَ بَراءتُها مِنْ الحَملِ؛ لأنها غالِبُ مُدتِه، ثم تَعتدُّ بعدَ ذلكَ ثَلاثةَ أشهُرٍ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: هذا قَضاءُ عُمرَ بينَ المُهاجرينِ والأنصارِ لا يُنكِرُه مُنكِرٌ عَلِمْناه فصارَ إجماعًا. فإنْ حاضَتْ قبلَ انقِضاءِ السَّنةِ ولو بلَحظةٍ لَزمَها الانتقالُ إلى القُروءِ؛ لأنها الأصلُ، فبطَلَ حُكمُ البَدلِ كالمُتيمِّمِ إذا رَأَى الماءَ، وإنْ عادَ الحَيضُ

стр. 11289

بعدَ انقِضاءِ السَّنةِ وتَزوجَها لم تَعُدْ إلى الأقراءِ؛ لأنَّنا حَكَمْنا بانقِضاءِ عدَّتِها وصِحةِ نِكاحِها، فلَم تَبطلْ كما لو حاضَتِ الصَّغيرةُ بعدَ اعتِدادِها وتَزوُّجِها. وذلكَ لِما رَواهُ الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ وعن يَزيدَ ابنِ عَبدِ اللهِ بنِ قُسيطٍ اللَّيثيِّ عن سَعيدِ بن المُسيبِ أنه قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «أيُّما امرَأةٍ طُلِّقتْ فحاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثمَّ رفَعَتْها حيضَتُها فإنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ بانَ بها حَملٌ فذَلكَ، وإلا اعتَدَّتْ بعدَ التِّسعةِ الأشهُرِ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثمَّ حلَّتْ» (١). قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: الأمرُ عِندَنا في المُطلَّقةِ التي تَرفعُها حَيضتُها حينَ يُطلِّقُها زَوجُها أنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ لم تَحِضْ فيهنَّ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحَيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثانيةَ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثالِثةَ كانَتْ قد استَكملَتْ عدَّةَ الحَيضِ، فإنْ لم تَحِضْ استَقبلَتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثم حلَّتْ، ولزَوجِها عليها في ذلكَ الرَّجعةُ قبلَ أنْ تَحِلَّ، إلا أنْ يَكونَ قد بَتَّ طَلاقَها (٢).

стр. 11290

وحُجةُ مالكٍ أنَّ المُرتابةَ تَعتدُّ بالأشهُرِ؛ لأنَّ في ذلكَ يَظهرُ حَملُها على كلِّ حالٍ، فلا يُمكنُ أنْ يَستمرَّ الحَملُ في الشَّهرِ التاسعِ، فإذا استُوقِنَ أنْ لا حمْلَ في هَذهِ المُدةِ قيلَ: قد عَلِمْنا أنكِ لسْتِ مُرتابةً ولا مِنْ ذَواتِ الأقراءِ، فاستَأنِفي ثَلاثةَ أشهُرٍ كما قالَ اللهُ تعالَى فيمَن لَسْنَ مِنْ ذَواتِ الأقراءِ؛ قياسًا على أنَّ العدَّةِ بالشُّهورِ لصِغَرٍ إذا حاضَتْ قبلَ تَمامِ الثلاثةِ الأشهُرٍ عُلِمَ أنها مِنْ ذَواتِ الأقراءِ، فقيلَ لها: استَأنِفي الأقراءَ (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعرفُ له -أي لعُمرَ- مُخالِفًا، قالَ ابنُ المُنذِرِ: قضَى به عُمرُ بينَ المُهاجرينَ والأنصارِ ولم يُنكِرْه مُنكِرٌ. وقالَ الأثرَمُ: سَمعتُ أبا عَبدِ اللهِ يُسألُ عن الرَّجلِ يُطلِّقُ امرَأتَه فتَحيضُ حَيضةً ثم يَرتفعُ حَيضُها، قالَ: أذهَبُ إلى حَديثِ عُمرَ إذا رُفعَتْ حَيضتُها فلَم تَدْرِ ممَّا ارتفَعَتْ فإنها تَنتظرُ سَنةً، قيلَ له: فحاضَتْ دونَ السَّنةِ؟ فقالَ: تَرجعُ إلى الحَيضةِ، قيلَ له: فإنِ ارتفَعَتْ حَيضتُها أيضًا لا تَدرِي ممَّا ارتفَعَتْ؟ قالَ: تَقعدُ سَنةً أخرَى، وهذا قَولُ كلِّ مِنْ وافَقَنا في المَسألةِ الأُولى؛ وذلكَ لأنها لمَّا ارتفَعَتْ حَيضتُها حصَلتْ مُرتابةً، فوجَبَ أنْ تَنتقلَ إلى الاعتِدادِ بسَنةٍ كما لو ارتَفعَ حَيضُها حينَ طلَّقَها، ووجَبَ عليها سَنةٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ العدَّةَ لا تَنبنِي على عدَّةٍ أُخرَى، ولذلكَ لو حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم يَئِسَت انتقَلتْ إلى ثلاثةِ أشهُرٍ (٢).

стр. 11291

وقالَ: إنْ حاضَتْ بعدَ السَّنةِ وقبلَ تزوُّجِها ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: لا عدَّةَ عليها كَذلكَ. والثَّاني: عليها العدَّةُ؛ لأنها مِنْ ذَواتِ القُروءِ وقد قدَرَتْ على المُبدَلِ قبلَ تَعلُّقِ حقِّ الزوجِ بها، فلَزمَها العَودُ كما لو حاضَتْ في السَّنةِ (١). الحالَةُ الثانيةُ: أنْ يَرتفعَ حَيضُها مِنْ وَقتِ طلَّقَها زَوجُها: إذا طلقَتِ المَرأةُ مِنْ زَوجِها ثم ارتَفعَ حَيضُها فهذا لا يَخلُو مِنْ ضَربينِ: إما أنْ تَعلمَ سبَبَ رَفعِ حَيضِها أو لا تَعلمَ. الضَّربُ الأولُ: أنْ تَعلمَ سبَبَ رَفعِ حَيضِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ إذا طلقَتْ فارتَفعَ حَيضُها لعارِضٍ مِنْ مَرضٍ أو رَضاعٍ أو غيرِه: فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا طلقَتْ ثم ارتَفعَ حيضُها لعارِضٍ مِنْ مَرضٍ أو رَضاعٍ أو نِفاسٍ فإنها تَصبِرُ حتى تَحيضَ فتَعتدَّ بالأقراءِ وإنْ طالَتِ المُدةُ، أو تَيأسُ بأنْ تَصلَ إلى سِنِّ اليَأسِ فتَعتدُّ حِينئذٍ بالأشهُرِ، ولا يُبالَى بطُولِ مُدةِ الانتظارِ؛ لِما رَوى الشافِعيُّ بإسنادِه: «أنَّ حبَّانَ بنَ مُنقذٍ طلَّقَ امرَأتَه طَلقةً واحِدةً وكانَتْ لها منه ابنةٌ تُرضِعُها، فتَباعَدَ حَيضُها، فمَرضَ حبَّانُ بنُ مُنقذٍ، فقيلَ له: إنْ مِتَّ .. وَرثتْكَ، فمضَى إلى عُثمانَ وعندَه عليٌّ وزَيدُ بنُ ثَابتٍ، فسألَه عن ذلكَ فقالَ عُثمانُ لعَليٍّ وزَيدٍ:

стр. 11292

ما تَرَيانِ في ذلكَ؟ فقالا: نَرى أنها إنْ ماتَتْ .. وَرِثَها، وإنْ ماتَ .. وَرثَتْه؛ لأنها ليسَتْ مِنْ القَواعدِ اللائِي يَئِسْنَ مِنْ المَحيضِ، ولا مِنْ الأبكارِ اللائِي لم يَبلغْنَ المَحيضَ، فرجَعَ حبَّانُ إلى أهلِه، فانتَزعَ ابنتَه، فعادَ إليها الحَيضُ، فحاضَتْ حَيضتَينِ وماتَ حبَّانُ قبلَ انقِضاءِ الثالثةِ، فورَّثَها عُثمانُ» (١)، ولا مُخالفَ لهُم فدلَّ على أنه إجماعٌ. ورَوى الأثرمُ بإسنادِه عن مُحمدِ بنِ يَحيى بنِ حبَّانَ «أنه كانَتْ عندَ جَدِّه امرَأتانِ هاشِميةٌ وأنصاريةٌ فطلَّقَ الأنصارِيةَ وهي مُرضعٌ فمرَّتْ بها سَنةٌ ثم هلَكَ ولم تَحضْ، فقالَتِ الأنصاريةُ: لَم أَحِضْ، فاختَصَموا إلى عُثمانَ ﵁، فقَضَى لها بالمِيراثِ، فلامَتِ الهاشِميةُ عُثمانَ فقالَ: هذا عَملُ ابنِ عمَّكِ هو أشارَ عَلينا بهذا، يَعني عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁» (٢) (٣). وأما المالِكيةُ فقالُوا: إنِ ارتَفعَ حَيضُها بسَببِ الإرضاعِ فإنها تَعتدُّ بالأقراءِ، ولا تَنتقلُ عنها إلى السَّنةِ ما دامَتْ تُرضعُ، طالَ أو قَصُرَ، فإنِ انقَطعَ

стр. 11293

الرَّضاعُ اعتَدتْ بالأقراءِ، فإنْ لم تَحِضْ حتى أتَتْ عليها سَنةٌ مِنْ يَومِ قطعَتِ الرَّضاعَ حلَّتْ. وإنْ مَرَّ بها وَقتُ حَيضتِها فلَم تَحِضْ وليسَ بها عُذرٌ يَمنعُ مِنْ الحَيضِ مِنْ مَرضٍ أو رَضاعٍ فالمَشهورُ في المَذهبِ أنها لا تَحلُّ حتَّى تَحيضَ أو يَمرَّ بها تِسعةُ أشهُرٍ في الوفاءِ؛ لأنَّ ارتِفاعَ الحَيضِ مِنْ غيرِ سَببٍ رِيبةٌ. واختُلفَ إذا ارتَفعَ حَيضُها بمَرضٍ، فقالَ ابنُ القاسِمِ ورواهُ عن مالِكٍ: إنه رِيبةٌ كالصَّحيحةِ، فتَتربَّصُ في الوَفاةِ تِسعةَ أشهُرٍ، وفي الطَّلاقِ سَنةً؛ تِسعةَ أشهُرٍ استِبراءً وثَلاثةً عدَّةً، بخِلافِ الرَّضاعِ. وقالَ أشهَبُ: ارتِفاعُه به كارتِفاعِه بالرَّضاعِ، لا يَكونُ ارتفاعُ الحَيضِ معَه رِيبةً في الوَفاةِ ولا في الطلاقِ، فتَحلُّ في الوَفاةِ بأربَعةِ أشهُرٍ وعَشرًا، وتَعتدُّ في الطَّلاقِ بالأقراءِ وإنْ تَباعَدتْ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إنْ كانَ قد ارتَفعَ حَيضُها بمَرضٍ أو رَضاعٍ فإنها تَتربصُ حتى يَزولَ العارِضُ وتَحيضَ باتِّفاقِ العُلماءِ، وإنْ كانَ ارتَفعَ حَيضُها لا تَدرِي ما رفَعَه فهذهِ في أصَحِّ قَوليِ العُلماءِ على ما قالَ عُمرُ تَمكثُ سَنةً ثم تزوَّجُ، وهو مَذهبُ أحمَدَ المَعروفُ في مَذهبِه وقَولٌ للشافِعيِّ (٢).

стр. 11294

وقالَ المِرداويُّ ﵀: وعَنه -أي الإمامِ أحمَدَ-: تَعتدُّ سَنةً كمَن ارتَفعَ حَيضُها لا تَدرِي ما رفَعَه (١). الضَّربُ الثاني: أنْ لا تَعلمَ سبَبَ رَفعِ حَيضِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ إذا كانَتْ ممَّن تَحيضُ ثم انقَطعَ حَيضُها وارتَفعَ أو تَباعدَ لغيرِ سَببٍ: فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنها تَنتظرُ حتى تَحيضَ فتَعتدَّ بالأقراءِ، أو تَيأسَ فتَعتدَّ بالأشهُرِ بعدَ سنِّ اليأسِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجعلِ الاعتِدادَ بالأشهُرِ إلا للتي لم تَحضْ والآيِسةِ بقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وهذهِ ليسَتْ واحِدةً منهُما، فدَلَّ على أنه لا يَجوزُ لغيرِ الآيِسةِ والصَّغيرةِ أنْ تَعتدَّ بالشُّهورِ، وهذهِ غيرُ آيِسةٍ قبلَ أنْ تَمضيَ عليها مُدةُ الإياسِ (٢).

стр. 11295

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ -وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنها تَمكثُ حتى تَعلمَ بَراءةَ رَحمِها ثم تَعتدُّ بالشُّهورِ وذلكَ سَنةٌ تَمكثُ تِسعةَ أشهُرٍ غالِبَ مُدةِ الحَملِ لتَعرفَ فَراغَ الرَّحمِ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ الحَملَ لا يَمكثُ في البَطنِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ العدَّةَ تُرادُ لبَراءةِ الرَّحمِ، فإذا عُلِمَ بَراءتُه فلا معنَى للتربُّصِ، ولأنَّا لو قُلنا: «تَقعدُ إلى الإياسِ» لَأضَرَّ ذلكَ بها في مَنعِها مِنْ النكاحِ، وأضَرَّ بالزَّوجِ في وُجوبِ النَّفقةِ والسُّكنَى عليه، فوجَبَ إزالَتُه. ثمَّ تَعتدُّ بعدَه بثَلاثةِ أشهُرٍ عندَهم جَميعًا -إلا قَولًا لبَعضِ الشافِعيةِ أفتَى به البارَزليُّ- أنَّ الثلاثةَ أشهُرٍ تكونُ مِنْ التِّسعةِ لدَفعِ الضَّررِ عن النِّساءِ؛ لا سيِّما الشَّبابِ، قالَ الأزرَقُ: ويَجوزُ تَقليدُه؛ لعِظَمِ المَشقةِ في الصبر إلى اليَأسِ، ولغَلبةِ الظنِّ ببَراءةِ الرحمِ (١). وذلكَ لِما رَواهُ الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ وعن يَزيدَ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ قُسيطٍ اللَّيثيِّ عن سَعيدِ بن المُسيبِ أنه قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «أيُّما امرَأةٍ طُلِّقتْ فحاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثمَّ رفَعَتْها حيضَتُها فإنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ بانَ بها حَملٌ فذَلكَ، وإلا اعتَدَّتْ بعدَ التِّسعةِ الأشهُرِ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثمَّ حلَّتْ» (٢).

стр. 11296

قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: الأمرُ عِندَنا في المُطلَّقةِ التي تَرفعُها حَيضتُها حينَ يُطلِّقُها زَوجُها أنها تَنتظرُ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ لم تَحِضْ فيهنَّ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحَيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثانيةَ قبلَ أنْ تَستكملَ الأشهُرَ الثَّلاثةَ استَقبلَتِ الحيضَ، فإنْ مرَّتْ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتَدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتِ الثالِثةَ كانَتْ قد استَكملَتْ عدَّةَ الحَيضِ، فإنْ لم تَحِضْ استَقبلَتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ ثم حلَّتْ، ولزَوجِها عليها في ذلكَ الرَّجعةُ قبلَ أنْ تَحِلَّ، إلا أنْ يَكونَ قد بَتَّ طَلاقَها (١). وقالَ الإمامُ البَيهقيُّ ﵀: وقد عابَ الشافِعيُّ في القَديمِ على مَنْ خالَفَه وقالَ: كانَ يَقضِي به أميرُ المَؤمنينَ عُمرُ بينَ المُهاجرينَ والأنصارِ رَضيَ اللهُ تعالَى عنهُم، ولم يُنكَرْ عليه، فكيفَ تَجوزُ مُخالَفتُه. وفي قَولٍ ثالِثٍ للشافِعيةِ: تَتربصُ أربَعَ سِنينَ؛ لأنها أكثَرُ مُدةِ الحَملِ، ثم تَعتدُّ بالأشهُرِ تَعبدًا (٢).

стр. 11297

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن امرَأةٍ شابَتْ لم تَبلغْ سنَّ الإياسِ وكانَتْ عادَتُها أنْ تَحيضَ، فشَربَتْ دَواءً فانقَطعَ عنها الدمُ واستَمرَّ انقِطاعُه، ثم طلَّقَها زَوجُها وهيَ على هذهِ الحالةِ، فهل تَكونُ عدَّتُها مِنْ حينِ الطَّلاقِ بالشُّهورِ؟ أو تَتربصُ حتَّى تَبلغَ سنَّ الآيِساتِ؟ فأجابَ: الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، إنْ كانَتْ تَعلمُ أنَّ الدمَ لا يَأتي فيما بعدُ فعدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ كانَ يُمكنُ أنْ يَعودَ الدمُ ويُمكنُ أنْ لا يَعودَ فإنها تَتربصُ بعد سَنةٍ ثم تتزوَّجُ كما قضَى به عُمرُ بنُ الخطَّابِ في المَرأةِ يَرتفعُ حَيضُها لا تَدري ما رفَعَه فإنها تَتربصُ سَنةً، وهذا مَذهبُ الجُمهورِ كمَالكٍ والشافِعيِّ، ومَن قالَ: «إنها تَدخلُ في سنِّ الآيِساتِ» فهذا قَولٌ ضَعيفٌ جِدًّا مع ما فيهِ مِنْ الضررِ الذي لا تَأتي الشَّريعةُ بمِثلِه أو تُمنَعُ مِنْ النكاحِ وقْتَ حاجتِها إليهِ ويُؤذنُ لها فيه حينَ لا تَحتاجُ إليهِ (١). وقالَ: هذا الذي ذكَرْناهُ هو أحسَنُ قَوليِ الفُقهاءِ وأسهَلُهما، وبه قضَى عُمرُ وغَيرُه، وأما على القَولِ الآخَرِ فهذهِ المُستريبةُ تَبقَى في عدَّةٍ حتى تَطعنَ في سنِّ الإياسِ فتَبقَى على قَولِهم تَمامَ خَمسينَ أو سِتينَ سَنةً لا تتزوَّجُ، ولكنْ في هذا عُسرٌ وحَرجٌ في الدِّينِ وتَضييعُ مَصالحِ المُسلمينَ (٢).

стр. 11298

الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَتباعدَ حَيضُها لغيرِ عارضٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ ممَّن تَحيضُ إلا أنه يَتباعدُ ما بينَ حَيضتَيها لغيرِ عارضٍ مِنْ مَر ضٍ أو رَضاعٍ أو غيرِه لم تَنقَضِ عدَّتُها حتى تَحيضَ ثَلاثَ حِيَضٍ وإنْ طالَتْ؛ لأنَّ هذهِ لم يَرتفعْ حَيضُها ولم تَتأخرْ عن عادتِها، فهيَ مِنْ ذَواتِ القُروءِ باقيةٌ على عادتِها، فأشبَهَتْ مَنْ لم يَتباعدْ حَيضُها؛ قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ في هذا مُخالِفًا (١). حتى أنَّ المالِكيةَ قالُوا: المَرأةُ إذا كانَتْ عادَتُها أنَّ القُرءَ لا يَأتيها إلا في كلِّ سَنةٍ أو أكثَرَ منها مَرةً واحِدةً فإنها لا تَعتدُّ إلا بالأقراءِ، ولا تَخرجُ بذلكَ عن كَونِها مِنْ أهلِ الأقراءِ، فتَنتظرُ العادةَ على عادتِها، خِلافًا لطاوُسٍ القائلِ باكتِفائِها بثَلاثةِ أشهُرٍ ولا تَنتظرُ الحيضَ. ومثلُ السَّنةِ الخَمسُ سَنواتٍ، فمَن عادتُها أنْ يَأتيَها الحيضُ في كلَّ خَمسِ سَنواتٍ مرَّةً فإنها تَنتظرُ، فإنْ جاءَ وقتُ مَجيئِه وهو الخَمسُ سِنينَ ولم يَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثانيةِ، فإنْ جاءَ وقتُ المَجيءِ ولم تَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثالثةِ، فإنْ لم تَجِئْ أو جاءَتْ حلَّتْ.

стр. 11299

واختَلفوا فيما لو كانَ مِنْ عادَتِها أنْ يَأتيَها الحيضُ في كلِّ عَشرِ سِنينَ مثلًا مرَّةً، فقيلَ: هي كالتي قبلَها كمَن يَأتيها الحَيضُ كلَّ سَنةٍ مرةً أو كلَّ خَمسِ سِنينَ مَرةً، فمَن عادتُها أنْ يَأتيَها الحيضُ في كلِّ عَشرِ سِنينَ مرةً فإنها تَنظرُه، فإنْ جاءَ وقتُ مَجيئِه وهو العَشرُ سِنينَ ولم يَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثانيةِ، فإنْ جاءَ وقتُ المَجيءِ ولم تَجِئْ حلَّتْ، وإنْ جاءَ انتظَرتْ وقتَ مَجيءِ الثالثةِ، فإنْ لم تَجِئْ أو جاءَتْ حلَّتْ. وقيلَ: أنها تَعتدُّ بسَنةٍ بَيضاءَ مِنْ يومِ طَلاقِها؛ قياسًا على مَنْ يَأتيها في عُمرِها مرَّةً. وقيلَ: تَعتدُّ بثَلاثةِ أشهُرٍ كالآيِسةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما التي تُطلَّقُ فلا تَحيضُ وهي في سِنِّ الحَيضِ وليسَ هناكَ رِيبةُ حَملٍ ولا سَببٌ مِنْ رَضاعٍ ولا مَرضٍ فإنها تَنتظرُ عند مالكٍ تِسعةَ أشهُرٍ، فإنْ لم تَحِضْ فيهنَّ اعتَدتْ بثَلاثةِ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الثلاثةَ الأشهُرَ اعتبَرَتِ الحَيضَ واستَقبلتِ انتِظارَه، فإنْ مَرَّ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ الثانيةَ اعتدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ حاضَتْ قبلَ أنْ تَستكملَ الثلاثةَ أشهُرٍ مِنْ العامِ الثاني انتَظرَتِ الحَيضةَ الثالثةَ، فإنْ مرَّ بها تِسعةُ أشهُرٍ قبلَ أنْ تَحيضَ اعتدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، فإنْ

стр. 11300

حاضَتِ الثالِثةَ في الثلاثةِ الأشهُرِ كانَتْ قد استَكملَتْ عدَّةَ الحَيضِ وتمَّتْ عدَّتُها، ولزَوجِها عليها الرَّجعةُ ما لم تَحِلَّ. واختُلفَ عن مالِكٍ متى تَعتدُّ بالتسعةِ أشهُرٍ؟ فقيلَ: مِنْ يَومِ طلقَتْ، وهو قَولُه في «المُوطَّأ»، ورَوى ابنُ القاسِمِ عنه: مِنْ يَومِ رَفعِها حَيضتَها. وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيَّ والجُمهورُ في التي تَرتفعُ حَيضتُها وهي لا تَيأسُ منها في المُستأنَفِ: إنها تَبقى أبدًا تَنتظرُ حتى تَدخلَ في السنِّ الذي تَيأسُ فيه مِنْ المَحيضِ، وحِينئذٍ تَعتدُّ بالأشهُرِ وتَحيضُ قبلَ ذلك. وقولُ مالكٍ مَرويٌّ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ عبَّاسٍ. وقولُ الجُمهورِ قَولُ ابنِ مَسعودٍ وزَيدٍ. وعُمدةُ مالِكٍ عن طَريقِ المَعنى هو أنَّ المَقصودَ بالعدَّةِ إنما هو ما يَقعُ به بَراءةُ الرَّحمِ ظنًّا غالبًا؛ بدَليلِ أنه قد تَحيضُ الحامِلُ، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فعدَّةُ الحَملِ كافيةٌ في العِلمِ ببَراءةِ الرَّحمِ، بل هي قاطِعةٌ على ذلكَ، ثم تَعتدُّ بثَلاثةِ أشهُرٍ عدَّةَ اليائِسةِ. فإنْ حاضَتْ قبلَ تَمامِ السَّنةِ حُكمَ لها بحُكمِ ذَواتِ الحَيضِ واحتَسبَتْ بذلكَ القُرءِ، ثم تَنتظرُ القُرءَ الثاني أو السَّنةَ إلى أنْ يَمضيَ لها ثَلاثةُ أقراءٍ. وأما الجُمهورُ فصارُوا إلى ظاهِرِ قولِه تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، والتي هي مِنْ أهلِ الحَيضِ ليسَتْ بيائِسةٍ، وهذا الرأيُ فيه عُسرٌ وحَرجٌ، ولو قيلَ: «إنها تَعتدُّ

стр. 11301

بثَلاثةِ أشهُرٍ» لَكانَ جَيدًا إذا فُهمَ مِنْ اليائِسةِ التي لا يُقطعُ بانقِطاعِ حَيضتِها. وكانَ قَولُه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ راجِعًا إلى الحُكمِ لا إلى الحَيضِ على ما تأوَّلَه مالِكٌ عليهِ، فكأنَّ مالِكًا لم يُطابقْ مَذهبُه تأويلَه الآيةَ؛ فإنه فَهِمَ مِنْ اليائِسةِ هُنا مَنْ تُقطَعُ على أنها ليسَتْ مِنْ أهلِ الحَيضِ، وهذا لا يَكونُ إلا مِنْ قِبَلِ السنِّ، ولذلكَ جعَلَ قولَه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ راجِعًا إلى الحُكمِ لا إلى الحَيضِ، أي: إنْ شكَكْتُم في حُكمِهنَّ، ثم قالَ في التي تَبقَى تِسعةَ أشهُرٍ لا تَحيضُ وهي في سَنِّ مَنْ تَحيضُ: إنها تَعتدُّ بالأشهُرِ. وأما إسماعيلُ وابنُ بُكيرٍ مِنْ أصحابِه فذَهَبوا إلى أنَّ الرِّيبةَ هاهُنا في الحَيضِ، وأنَّ اليائِسَ في كَلامِ العَربِ هو ما لم يُحكَمْ عليهِ بما يَئِسَ منه بالقَطعِ، فطابَقُوا تأويلَ الآيةِ مَذهبَهم الذي هو مَذهبُ مالِكٍ، ونِعمَ ما فَعلُوا؛ لأنه إنْ فُهمَ هاهُنا مِنْ اليائِسِ القطعُ فقدْ يَجبُ أنْ تَنتظرَ الدمَ وتَعتدَّ به حتى تَكونَ في هذا السنِّ، أعني سِنَّ اليائسِ، وإنْ فُهمَ مِنْ اليائسِ ما لا يُقطعُ بذلكَ فقدْ يَجبُ أنْ تَعتدَّ التي انقطَعَ دَمُها عن العادةِ وهي في سِنِّ مَنْ تَحيضُ بالأشهُرِ، وهو قياسُ قَولِ أهلِ الظاهرِ؛ لأنَّ اليائِسةَ في الطَّرفينِ ليسَ هي عندَهم مِنْ أهلِ العدَّةِ لا بالأقراءِ ولا بالشُّهورِ. أما الفَرقُ في ذلكَ بينَ ما قبلَ التِّسعةِ وما بعدَها فاستِحسانٌ. وأما التي ارتَفعَتْ حَيضتُها لسبَبٍ مَعلومٍ مثلَ رَضاعٍ أو مَرضٍ فإنَّ المَشهورَ عندَ مالكٍ أنها تَنتظرُ الحيضَ، قَصُرَ الزَّمانُ أم طالَ.

стр. 11302

وقد قيلَ: إنَّ المَريضةَ مثلُ التي تَرتفعُ حَيضتُها لغيرِ سَببٍ. وأما المُستحاضةُ فعدَّتُها عندَ مالكٍ سَنةٌ إذا لم تُميِّزْ بينَ الدمَينِ، فإنْ ميَّزتْ بين الدمَينِ فعَنه رِوايتانِ: إحداهُما: أنَّ عدَّتَها السَّنةُ. والأخرَى: أنها تَعملُ على التَّمييزِ فتَعتدُّ بالأقراءِ. وقالَ أبو حَنيفةَ: عدَّتُها الأقراءُ إنْ تَميَّزتْ لها، وإنْ لم تَتميَّزْ لها فثَلاثةُ أشهُرٍ. وقالَ الشافِعيُّ: عدَّتُها بالتَّمييزِ إذا انفصَلَ عنها الدمُ، فيَكونُ الأحمَرُ القاني مِنْ الحَيضةِ، ويكونُ الأصفَرُ مِنْ أيامِ الطُّهرِ، فإنْ طَبقَ عليها الدمُ اعتدَّتْ بعَددِ أيامِ حَيضتِها في صحَّتِها. وإنما ذهَبَ مالِكٌ إلى بَقاءِ السَّنةِ لأنه جعَلَها مثلَ التي لا تَحيضُ وهي مِنْ أهلِ الحَيضِ، والشافِعيُّ إنما ذهَبَ في العارِفةِ أيامَها أنها تَعملُ على مَعرفتِها؛ قِياسًا على الصَّلاةِ؛ لقَولِه ﷺ للمُستحاضةِ: «اترُكِي الصلاةَ أيامَ أقرائِكِ، فإذا ذهَبَ عنكِ قَدرُها فاغسِلي الدمَ»، وإنما اعتبَرَ التمييزَ لقَولِه ﷺ لفاطِمةَ بنتِ حُبيشٍ: «إذا كانَ دمُ الحَيضِ فإنه دمٌ أسوَدُ يُعرفُ، فإذا كانَ ذلكَ فأمسِكِي عن الصلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فتَوضَّئي وصلِّي فإنما هو عِرقٌ» خرَّجَه أبو داودَ، وإنما ذهَبَ مَنْ ذهَبَ إلى عدَّتِها بالشُّهورِ إذا اختَلطَ عليها الدمُ لأنه مَعلومٌ في الأغلَبِ أنها في كلِّ شَهرٍ تَحيضُ، وقد جعَلَ اللهُ العدَّةَ بالشُّهورِ عندَ ارتفاعِ الحَيضِ، وخَفاؤُه كارتِفاعِه.

стр. 11303

وأما المُسترابةُ -أعني التي تَجدُ حِسًّا في بَطنِها تَظنُّ به أنه حَملٌ- فإنها تَمكثُ أكثَرَ مدَّةِ الحَملِ، وقد اختُلفَ فيه، فقيلَ في المَذهبِ: أربَعُ سِنينَ، وقيلَ: خَمسُ سِنينَ، وقالَ أهلُ الظاهرِ: تِسعةُ أشهُرٍ (١). أخذُ دَواءٍ لجَلبِ الحَيضِ: نَصَّ أكثرُ الفُقهاءِ على أنه يَجوزُ للمَرأةِ أخذُ دَواءٍ لجَلبِ الحَيضِ وأنه تَنقضِي به العدَّةُ. فقدْ صرَّحَ الحَنفيةُ بأنه إذا شَربَتِ المَرأةُ دواءً فنزَلَ الدمُ في أيامِ الحَيضِ فإنه حيضٌ وتَنقضي به العدَّةُ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: المُرضعُ التي لا تَرَى الدمَ في مُدةِ إرضاعِها لا تَنقضِي عدَّتُها إلا بالحَيضِ. وقالَ في «السِّراج»: سُئلَ بعضُ المَشايخِ عن المُرضعةِ إذا لم تَرَ حَيضًا فعالجَتْه حتَّى رأتْ صُفرةً في أيامِ الحَيضِ؟ قالَ: هو حَيضٌ تَنقضِي به العدَّةُ. اه (٢). وأما الإمامُ مالكٌ ﵀ فقدْ كَرهَ أنْ تَشربَ المَرأةُ دواءً لتأخيرِ الحَيضِ.

стр. 11304

قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إنما كَرِهَه مَخافةَ أنْ تُدخلَ على نَفسِها ضَررًا بذلكَ في جِسمِها. أما إذا شَربَتِ المَرأةُ دَواءً لأجْلِ تَعجيلِ الطُّهرِ مِنْ الحَيضِ -كما لو كانَ عادَتُها أنْ يَأتيَها الدمُ ثَمانيةَ أيامٍ فاستَعملَتْه بعد إتيانِه ثَلاثةَ أيامٍ فانقَطعَ- فإنه يُحكَمُ لها بالطهارةِ. وأما إنْ شَربَتْ دواءً لأجْلِ تَعجيلِ نُزولِ الحَيضِ قبلَ وَقتِه فقدْ صرَّحَ المالِكيةُ بأنَّ النازلَ غيرُ حَيضٍ وأنها طاهرٌ، ولا تَنقضِي به العدَّةُ ولا تَحلُّ للزَّواجِ، وتُصلِّي وتَصومُ؛ لاحتِمالِ كَونِه غيرَ حَيضٍ، وتَقضِي الصومَ دونَ الصَّلاةِ احتِياطًا؛ لاحتِمالِ أنه حيضٌ (١). أما الشافِعيةُ فالظاهِرُ عندَهم الجَوازُ -واللهُ أعلَمُ-، فقدْ قالَ النَّوويُّ ﵀: ولو شَربَتْ دواءً للحَيضِ فحاضَتْ لم يَلزمْها القضاءُ، أي قَضاءُ الصَّلواتِ، وكذلكَ لو شَربَتْ دَواءً وألقَتْ جَنينًا ونفَسَتْ لم يَجبِ القَضاءُ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ ترْكَ الصلاةِ في حقِّ الحائضِ والنُّفساءِ عَزيمةٌ (٢). فدَلَّ كَلامُه ﵀ على أنه لا يَحرمُ عليها شُربُ دَواءٍ لجَلبِ الحَيضِ.

стр. 11305

ونَصَّ الحَنابلةُ على أنه يَجوزُ للمَرأةِ شُربُ دَواءٍ مُباحٍ لقَطعِ الحَيضِ مُطلقًا مع أمنِ الضَّررِ، وقالَ القاضِي: لا يُباحُ إلا بإذنِ الزَّوجِ كالعَزلِ؛ لأنَّ له حقًا في الوَلدِ، قالَ في «الإنصافِ»: وهو الصَّوابُ، قالَ في «الفُروع»: ويُؤيِّدُه قَولُ أحمَدَ في بَعضِ جَوابِه: والزَّوجةُ تَستأذنُ زوْجَها. وقالَ: وفِعلُ الرَّجلِ ذلكَ بها -أي إسقاؤُه إيَّاها دَواءً مُباحًا يَقطعُ الحَيضَ- مِنْ غيرِ عِلمِها يَتوجَّهُ تَحريمُه؛ لإسقاطِ حقِّها مُطلَقًا مِنْ النَّسلِ المَقصودِ. ويَجوزُ للمَرأةِ أيضًا شُربُ دَواءٍ مُباحٍ لحُصولِ الحَيضِ، إلا أنْ يَكونَ لها غَرضٌ مُحرَّمٌ شَرعًا كفِطرِ رَمضانَ فلا يَجوزُ (١). وسُئلُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن مُرضعٍ استَبطأَتِ الحيضَ فتَداوَتْ لمَجيءِ الحَيضِ فحاضَتْ ثَلاثَ حِيَضٍ وكانَتْ مُطلَّقةً، فهل تَنقضِي عدَّتُها أم لا؟ فأجابَ: نَعم، إذا أتَى الحَيضُ المَعروفُ لذلكَ اعتدَّتْ به، كما أنها لو شَربَتْ دَواءً قطَعَ الحَيضَ أو باعَدَ بينَه كانَ ذلكَ طُهرًا، وكما لو جاعَتْ أو تَعبَتْ أو أتَتْ غيرَ ذلكَ مِنْ الأسبابِ التي تُسخنُ طبْعَها وتُثيرُ الدمَ فحاضَتْ بذلكَ، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 11306

القِسمُ الثالِثُ: انقِضاءُ العدَّةِ بالشُّهورِ: انقِضاءُ العدَّةِ بالأشهُرِ تَجبُ في حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: في الطَّلاقِ لمَن لا تَحيضُ لصِغَرٍ أو يَأسٍ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا طلقَتْ أو فارقَتْ زوْجَها بسَببِ فَسخِ للنكاحِ وكانَتْ صَغيرةً لا تَحيضُ أو كَبيرةً قد يَئسَتْ مِنْ المَحيضِ أنَّ عدَّتَها ثَلاثةُ أشهُرٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أي: فعدَّتُهنَّ كذلكَ، ولأنَّ الأشهُرَ هُنا بَدلٌ عن الأقراءِ، والأصلُ مُقدَّرٌ بثَلاثةٍ، فكذلكَ البَدلُ. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ عدَّةَ اليائِسةِ مِنْ المَحيضِ لكِبَرٍ ثَلاثةُ أشهُرٍ، وأنَّ عدَّةَ التي لم تَحِضْ لصِغَرٍ ثَلاثةُ أشهُرٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ كانَتْ مِنْ الآيِساتِ أو ممَّن لم يَحضْنَ فعدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ). أجمَعَ أهلُ العِلمِ على هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَه في كِتابِه بقَولِه سُبحانَه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] (٢).

стр. 11307

الحالةُ الثانِيةُ: عدَّةُ المتوفَّى عنها زَوجُها غيرُ الحاملِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا تُوفِّيَ عنها زَوجُها وهيَ غَيرُ حامِلٍ أنَّ عدَّتَها أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ عدَّةَ المَرأةِ الحُرةِ المُسلمةِ التي ليسَتْ بحامِلٍ مِنْ وَفاةِ زَوجِها أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا، مَدخولًا بها أو غيرُ مَدخولٍ بها، صَغيرةً لم تَبلغْ أو كَبيرةً قد بلَغَتْ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: إنَّ المُسلمينَ اتَّفقُوا على أنَّ عدَّةَ الحُرةِ مِنْ زَوجِها الحُرِّ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ عدَّةَ الحُرةِ المُسلمةِ غيرِ ذاتِ الحَملِ مِنْ وَفاةِ زَوجِها أربَعةُ أشهرٍ وعَشرٌ، مَدخولًا بها أو غيرُ مَدخولٍ بها، سَواءٌ كانَتْ كَبيرةً بالِغةً أو صَغيرةً لم تَبلغْ؛ وذلكَ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقالَ النبيُّ ﷺ : «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» مُتفَقٌ عليه …

стр. 11308

إذا ثبَتَ هذا فإنه لا يُعتبَرُ وُجودُ الحَيضِ في عدَّةِ الوفاةِ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، وحُكيَ عن مالكٍ أنها إذا كانَتْ مَدخولًا بها وجَبَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ فيها حَيضةٌ، واتِّباعُ الكِتابِ والسُّنةِ أَولى، ولأنه لو اعتُبِرَ الحيضُ في حقِّها لَاعتبِرَ ثلاثةَ قَروءٍ كالمُطلقةِ، وهذا الخِلافُ يَختصُّ بذاتِ القُرءِ، فأما الآيِسةُ والصغيرةُ فلا خِلافَ فيها … والعَشرُ المُعتبَرةُ في العدَّةِ هي عَشرُ لَيالٍ بأيامِها، فتَجبُ عَشرةُ أيامٍ مع اللَّيالي، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وابنُ المُنذِرِ وأصحابُ الرأيِ. وقالَ الأوزاعيُّ: يَجبُ عَشرُ لَيالٍ وتسعةُ أيامٍ؛ لأنَّ العَشرَ تُستعملُ في اللَّيالي دونَ الأيامِ، وإنما دخَلَتِ الأيامُ اللَّاتي في أثناءِ اللَّيالي تَبعًا. قُلنَا: العَربُ تُغلِّبُ اسمَ التأنيثِ في العَددِ، خاصَّةً على المُذكَّرِ، فتُطلِقُ لفْظَ الليالي وتُريدُ اللَّياليَ بأيامِها، كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠] يُريدُ أيامَها؛ بدَليلِ أنه قالَ في مَوضعٍ آخَرَ: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] يُريدُ بلَياليها، ولو نذَرَ اعتِكافَ العَشرِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ لَزمَه اللَّيالي والأيامُ، ويَقولُ القائلُ: «سِرْنا عَشرًا» يُريدُ اللَّياليَ بأيامِها، فلَم يَجُزْ نقلُها عن العدَّةِ إلى الإباحةِ بالشكِّ (١).

стр. 11309

وإنما تَجبُ عليها العدَّةُ لإظهارِ الحُزنِ بفَوتِ نِعمةِ النكاحِ؛ إذ النكاحُ كانَ نِعمةٌ عَظيمةٌ في حقِّها؛ فإنَّ الزوجَ كانَ سبَبَ صِيانتِها وعَفافِها وإيفائِها بالنَّفقةِ والكِسوةِ والمَسكنِ، فوجَبَتْ عليها العدَّةُ إظهارًا للحُزنِ بفَوتِ النعمةِ وتَعريفًا لقَدرِها. وشَرطُ وُجوبِها النكاحُ الصَّحيحُ فقطْ، فتَجبُ هذهِ العدَّةُ على المُتوفَّى عنها زَوجُها، سواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، وسَواءٌ كانَتْ ممَّن تَحيضُ أو ممَّن لا تَحيضُ؛ لعُمومِ قَولِه : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولِما ذكَرْنا أنها تَجبُ إظهارًا للحُزنِ بفَوتِ نِعمةِ النِّكاحِ وقد وُجدَ، وإنَّما شرَطْنا النكاحَ الصَّحيحَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَها على الأزواجِ، ولا يَصيرُ زَوجًا حَقيقةً إلا بالنكاحِ الصحيحِ، وسَواءٌ كانَتْ مُسلمةً أو كِتابيةً تحتَ مُسلمٍ؛ لعُمومِ النصِّ، ولوُجودِ المعنَى الذي وجَبَتْ له (١). عِدَّةُ المستَحاضةِ: قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في عدَّةِ المُستحاضةِ، فقالَتْ طائفةٌ: تَعتدُّ بالأقراءِ، كذلك قالَ الحَسنُ البَصريُّ والزُّهريُّ والنخَعيُّ والثوريُّ. وقالَ عِكرمةُ وقَتادُة: عدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وبه قالَ الشافعيُّ.

стр. 11310

وفيه قَولٌ ثالثٌ: وهو أنَّ عدَّتَها سَنةٌ، هذا قولُ ابنِ المُسيبِ ومالكٍ. وبه قولٌ رابعٌ: وهو أنها إنْ كانَتْ أقراؤُها مُستقيمةً فأقراؤُها، فإذا اختَلطَ عليها فعدَّتُها سَنةٌ، هذا قولُ أحمَدَ وإسحاقَ. وفيه قَولٌ خامِسٌ: وهو أنَّ عدَّتَها الأقراءُ إذا كانَتْ أيامُها مَعلومةً، فإنْ كانَتْ أيامُها مَجهولةً فعدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، هذا قولُ أبي عُبيدٍ. قالَ أبو بَكرٍ: إنْ كانَتْ عالِمةً بأقرائِها فعدَّتُها الأقراءُ لا شكَّ فيهِ، وإنْ كانَتْ غيرَ عالِمةٍ بأيامِها وعَلِمتْ أنها كانَتْ تَحيضُ في كلِّ شَهرٍ حَيضةً فعدَّتُها تَنقضي حينَ تَمضِي ثلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ شكَّتْ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ تَربَّصتْ حتى تَستيقنَ أنَّ الأقراءَ الثلاثَ قد انقضَتْ، ثم تَحلُّ للأزواجِ (١). وقالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في عدَّةِ المُستحاضةِ. فقالَ مالكٌ: عدَّةُ المُستحاضةِ سَنةٌ، الحرَّةُ والأمَةُ في ذلك سَواءٌ، وهو قَولُ الليثِ، قالَ الليثُ: عدَّةُ المُطلقةِ والمُستحاضةِ المتوفَّى عنها سَنةٌ إذا كانَتْ مُستحاضةً. وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: عدَّةُ المُستحاضةِ وغيرِها سَواءٌ، ثلاثُ حِيَضٍ إنْ كانتِ الأقراءُ مَعروفًا مَوضعُها، وإلا فهيَ كالآيسةِ.
следующие страницы →