← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فإن خرَج منه بدُونِ عُذرٍ لَزِمهُ القَضاءُ وعليه الإثمُ والعِقابُ على تَركِه، وإن خرَج منه لِعُذرٍ، لَزِمهُ القَضاءُ (١). وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ مَنْ خرَج مِنْ النَّفلِ بعُذرٍ، فلا قَضاءَ عليه، ومَن خرَج بغيرِ عُذرٍ، فعَلَيه القَضاء (٢). وذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّه إذا شرعَ في النَّفلِ لم يَلزمهُ المُضِيُّ فيه، ولا يجبُ عليه القَضاءُ إذا لم يُتمَّه؛ لأنَّ النَّفلَ لمَّا شُرِعَ غيرَ لَازمٍ قبلَ الشُّروعِ وجبَ أن يَبقَى كذلك بعدَ الشُّروعِ؛ لأنَّ حَقيقةَ الشَّيءِ لا تَتغَيَّرُ بالشُّروعِ، ألَا تَرَى أنَّه بعدَ الشُّروعِ نَفلٌ، كما كانَ قبلَه، ولهذا يَتأدَّى بِنيَّةِ النَّفلِ، ولو أتَمَّه كانَ مُؤدِّيًا لِلنَّفلِ مُسقِطًا لِلوُجوبِ. إلا أنَّهم صَرَّحوا بكَراهةِ الخُروجِ من النَّفلِ غيرَ الحَجِّ والعُمرةِ بلا عُذرٍ لِظَاهِرِ قولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، ولِلخُروجِ مِنْ خِلافِ مَنْ أوجَبَ إتمامَه. قالَ السُّيوطيُّ ﵀: ليس لنا نَفلٌ مُطلَقٌ يُستحبُّ قَضاؤُه إلا مَنْ شرعَ في نَفلِ صَلاةٍ أو صَومٍ، ثم أفسَدَه؛ فإنَّه يُستحبُّ له قَضاؤُه (٣).

стр. 1157

وذَهب الحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ شرعَ في النَّفلِ يُستحبُّ له البَقاءُ فيه، وإن خرَج منه لا إثم عليه، ولا يجبُ عليه القَضاءُ، إلا أنَّه يُستحبُّ قَضاؤُه لِلخُروجِ مِنْ الخِلافِ. إلا أنَّه قد رُويَ عن الإمامِ أحمدَ ما يدلُّ على أنَّ الصَّلاةَ تَلزَمُ بالشُّروعِ، فإنَّ الأثرَم قالَ: قُلتُ لِأبي عَبد اللهِ: الرَّجلُ يُصبِحُ صائِمًا مُتطوِّعًا، أيَكونُ بالخِيارِ، والرَّجلُ يَدخلُ في الصَّلاةِ له أن يَقطعَها؟ فقالَ: الصَّلاةُ أشَدُّ، أمَّا الصَّلاةُ فلا يَقطعها، قيلَ له: فإن قطعَها قَضاها؟ قالَ: إن قَضاها فليس فيه اختِلافٌ، ومالَ أبو إسحاقَ الجَوزَجَانِيُّ إلى هذا القولِ، وقالَ: الصَّلاةُ ذاتُ إحرامٍ وإحلالٍ، فلزِمت بالشُّروعِ فيها كالحَجِّ (١). الأفضَلُ في عددِ الرَّكعاتِ في صَلاةِ التَّطوُّعِ: ذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ وصَلاةَ النَّهارِ مَثنَى مَثنَى، يُسلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ منهما، وهو قولُ أبي يُوسفَ، ومُحمَّدِ بنِ الحَسنِ من الحَنفيَّةِ في صَلاةِ اللَّيلِ. وذلك لِما رُويَ عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «صَلاةُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ مَثنَى مَثنَى» (٢). ولمَا رُويَ عن ابنِ عمرَ أيضًا قالَ: «حَفِظتُ من النَّبيِّ ﷺ

стр. 1158

عَشرَ رَكعاتٍ: رَكعتَينِ قبلَ الظُّهرِ، وَرَكعتَينِ بعدَها، وَرَكعتَينِ بعدَ المَغربِ في بَيتِه، وَرَكعتَينِ بعدَ العِشاءِ في بَيتِه، وَرَكعتَينِ قبلَ صَلاةِ الصُّبحِ، كانَت سَاعَةً لَا يُدخَلُ على النَّبيِّ ﷺ فيها» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قد ثَبت في كَونِ صَلاةِ النَّهارِ رَكعتَينِ ما لا يُحصَى مِنْ الأحاديثِ، وهي مَشهورةٌ في الصَّحيحِ، كحَديثِ: «رَكعتَينِ قبلَ الظُّهرِ، وَرَكعتَينِ بعدَه، وَكَذَا قبلَ العَصرِ، وَبعدَ المَغربِ وَالعِشاءِ». وَحَديثِ رَكعتَيِ الضُّحَى وتَحيَّةِ المَسجدِ ورَكعتَي الاستِخارةِ، ورَكعتَينِ إذا قَدِمَ مِنْ سَفرٍ، ورَكعتَينِ بعدَ الوُضوءِ، وغيرِ ذلك. اه (٢). ولأنَّ صَلاةَ رَكعتَينِ رَكعتَينِ أبعَدُ مِنْ السَّهوِ، وأشبَه بصَلاةِ اللَّيلِ وتَطوُّعاتِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ الصَّحيحَ مِنْ تَطوُّعاتِه رَكعَتانِ. إلا أنَّ الحَنابِلةَ قالوا: إن تطوَّعَ بأربَعٍ في النَّهارِ فلا بَأسَ (٣). وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ ﵀: إلى أنَّ الأفضَلَ في صَلاةِ اللَّيلِ والنَّهارِ أن تَكُونَ أربَعًا أربَعًا. ووافَقَه صاحِباهُ في صَلاةِ النَّهارِ دونَ اللَّيلِ. قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ أفضَلِ التَّطوُّعِ، فأمَّا في النَّهارِ فأربَعٌ أربَعٌ في قولِ أصحابِنا … وأمَّا في اللَّيلِ فأربَعٌ أربَعٌ في قولِ أبي حَنيفَةَ،

стр. 1159

وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ مَثنَى مَثنَى، وهو قولُ الشافِعيِّ (١). وقالَ الإمامُ الطَّحاوِيُّ ﵀: ذَهب قَومٌ إلى أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثنَى مَثنَى، ويسلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ، واحتَجوا بهذه الآثارِ، وخالَفَهم في ذلك آخَرونَ، فقالوا: أمَّا صَلاةُ النَّهارِ، فإن شِئتَ تُصَلِّي بتَكبيرةٍ مَثنَى مَثنَى تُسَلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ، وإن شِئتَ أربَعًا، وكَرِهُوا أن يَزيدَ على ذلك شَيئًا، واختَلَفوا في صَلاةِ اللَّيلِ، فقالَ بَعضُهُم: إن شِئتَ صلَّيتَ بتَكبيرةٍ رَكعتَينِ، وإن شِئتَ أربَعًا، وإن شِئتَ سِتًّا، وإن شِئتَ ثَمانيًا، وكَرِهُوا أن يَزيدَ على ذلك شَيئًا، وممَّن قالَ بذلكَ أبو حَنيفَةَ ﵀. وقالَ بَعضُهُم: صَلاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، ويسلِّمُ في كلِّ رَكعتَينِ، وممَّن قالَ بذلكَ أبو يُوسفَ ﵀، وأمَّا مَا ذكَرنا في صَلاةِ النَّهارِ فهو قولُ أبي حَنيفَةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ، ﵏ (٢). واحتَجَّ أبو حَنيفةَ ﵀ بما رَواهُ عَبد اللهِ بنُ شَقيقٍ، قالَ: سألتُ عائِشةَ ﵂ عن صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في التَّطوُّعِ، فقالَت: «كانَ يُصلِّي قبلَ الظُّهرِ أَربَعًا في بَيتِي … » الحَديثَ (٣). وعن عائِشةَ ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي الضُّحَى أَربَعًا، وَيَزِيدُ ما شَاءَ اللهُ» (٤).

стр. 1160

وعنِ ابنِ عمرَ ﵄: «أَنَّه كانَ يُصلِّي بِاللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، وَيُصلِّي بِالنَّهَارِ أَربَعًا أَربَعًا، ثم يسلِّمُ» (١). وحَديثُ أبي أيُّوبَ ﵁ عن الرَّسولِ ﷺ قالَ: «أَربَعُ رَكَعاتٍ قبلَ الظُّهرِ لا تَسلِيمَ فيهنَّ، يُفتَحُ لَهنَّ أَبوَابُ السَّمَاءِ» (٢). وحُجَّتُه في صَلاةِ اللَّيلِ حَديثُ عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: «كانَ ﷺ يُصلِّي (في اللَّيلِ) أَربَعًا، فلا تَسأَل عن حُسنِهنَّ وَطُولِهنَّ، ثم يُصلِّي أَربَعًا فلا تَسأَل عن حُسنِهنَّ وَطُولِهنَّ، ثم يُصلِّي ثَلاثا» (٣). وكَلِمةُ: «كانَ»، عِبارةٌ عن العادةِ والمُواظَبةِ، وما كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُواظِبُ إلا على أفضَلِ الأعمالِ وأحَبِّها إلى اللهِ (٤). إلا أنَّ الإمامَ الطَّحاويَّ ﵀ من الحَنفيَّةِ قد أخذَ بقولِ الجُمهورِ في أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، وعلَّق على الحَديثِ السابقِ بأنَّه قد رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّه كانَ يُسلِّمُ بينَ كلِّ اثنَتَينِ منهُنَّ، وهذا البابُ إنَّما يُؤخَذُ من جِهةِ التَّوقيفِ والاتِّباعِ لمَا فعلَ رَسولُ اللهِ ﷺ وأمرَ به، وفعلَه أصحابُه مِنْ بَعدِه، فلم نَجِد عنه مِنْ فِعلِه ولا مِنْ قولِه أنَّه أباحَ

стр. 1161

أن يُصلَّى في اللَّيلِ بتَكبيرةٍ أكثرَ مِنْ رَكعتَينِ، وبذلك نَأخُذُ، وهو أصحُّ القولَينِ عندَنا في ذلك (١). التَّحَوُّلُ من المَكانِ للتَّطوُّعِ بعدَ الفَرضِ: ذَهب الفُقهاءُ إلى أنَّ الأفضلَ لِلمُتنفِّلِ أن يُصلِّيَ في بَيتِه، فإن لم يُصلِّ في بَيتِه وأرادَ التَّنفُّلَ في المَسجدِ فإن كانَ إمامًا فإنَّه يُستحبُّ له أن يَتحوَّلَ من مَكانِه بالاتِّفاقِ، ويُكرَهُ له أن يَتنَفَّلَ في مَكانِه؛ وذلكَ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا يُصلِّ الإِمَامُ في المَوضِعِ الذي صلَّى فيه حتى يَتَحَوَّلَ» (٢). وقالَ علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁: «لا يَتطوَّعُ الإِمَامُ في المَكانِ الذي أَمَّ فيه القَومَ حتى يَتَحَوَّلَ أو يَفصِلَ بِكلَامٍ» (٣). إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا كَرِهَ له -أي: الإمامِ- التَّنفُّلَ بعدَ الجمُعةِ في المَسجدِ مُطلَقًا، ولو في غيرِ مَكانِه. واختَلَفوا فيما لو كانَ غيرَ إمامٍ؛ هل يَتحوَّلُ ويُصلِّي النَّفلَ في مَكانٍ غيرِ الذي صلَّى به الفَرضَ أو لا؟ فذَهب الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ إلى أنَّه بالخِيارِ، إن شاءَ تَحوَّلَ وإن شاءَ صلَّى في مَكانِه، ولا يُكرَهُ له إن صلَّى في مَكانِه. وذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ والشافِعيُّ إلى أنَّه يُستحبُّ له التَّحوُّلُ أيضًا، كالإمامِ.

стр. 1162

قال الشافِعيَّةُ: وذلك لِتَكثيرِ مَواضِعِ سُجودِه، فإن لم يَنتَقِل إلى مَوضِعٍ آخرَ يَنبَغِي أن يَفصِلَ بينَ الفَريضةِ والنَّافِلةِ بكَلامِ إنسانٍ. واحتَجوا على ذلك بما رُويَ عن السَّائِبِ بنِ يَزيدَ أنَّه قالَ: «صلَّيتُ مع مُعاوِيةَ الجمُعَةَ في المَقصُورَةِ، فلمَّا سلَّم الإِمَامُ قُمتُ في مُقامِي فَصلَّيتُ، فلمَّا دخلَ أَرسَل إلَيَّ فقالَ: لَا تَعُد لمَا فَعَلتَ، إذا صلَّيتَ الجمُعَةَ فلا تَصلهَا بِصَلاةٍ حتى تَكلَّمَ أو تَخرُجَ؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَمرَنَا بِذلك، أَلَّا تُوصَلَ صَلاةٌ بِصَلاةٍ حتى نَتَكلَّمَ أو نَخرُجَ» (١). وبقولِه ﷺ : «أَيَعجِزُ أحَدُكُم أَنْ يَتَقدَّم أو يَتَأَخرَ أو عن يَمِينِه أو عن شِمَالِه في الصَّلاةِ؛ يَعني: في السُّبحَةِ» (٢). الجَماعةُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ: الجَماعةُ سُنَّةٌ في صَلاةِ العِيدَينِ، قالَ النَّوويُّ: وهذا مُجمَعٌ عليه (٣). وهي واجِبةٌ عندَ الحَنفيَّةِ، وفَرضُ كِفايةٍ عندَ الحَنابِلةِ، وسُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ

стр. 1163

عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ، كما سَيأتي في بابِ صَلاةِ العِيدَينِ إن شاءَ اللهُ. واتَّفق الفُقهاءُ أيضًا على أنَّ الجَماعةَ سُنَّةٌ في الكُسوفِ والخُسوفِ، وكذلكَ في صَلاةِ الاستِسقاءِ، إلا عندَ أبي حَنيفَةَ ﵀؛ فإنَّه لا جَماعةَ فيها عندَه؛ لأنَّه لا صَلاةَ فيها، -وسَيَأتي ذلك مُفصَّلًا إن شاءَ اللهُ تَعالَى- وكذلك تُسَنُّ الجَماعةُ في صَلاةِ التَّراويحِ؛ لِإجماعِ الصَّحابةِ، وإجماعِ أهلِ الأمصارِ على ذلك. والجَماعةُ في صَلاةِ الوِترِ سُنَّةٌ في شَهرِ رَمضانَ عندَ الحَنابِلةِ، ومُستحبَّةٌ عندَ الشافِعيَّةِ، وهو أحَدُ القولَينِ عندَ الحَنفيَّةِ. أمَّا في غيرِ رَمضانَ فسَيأتِي بَيانُه في صَلاةِ الوِترِ إن شاءَ اللهُ تَعالَى (١). أمَّا ما عدا ما ذُكر من الصَّلواتِ فالأصلُ فيه أن يُصلَّى على انفِرادٍ، لكِن لو صُلِّيَ جَماعةً جازَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَ الأمرَينِ كِلَيهِما، وكانَ أكثرُ تَطوُّعِه مُنفرِدًا. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: يَجوزُ التَّطوُّعُ جَماعةً وفُرادَى؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَ الأمرَينِ كِلَيهِما، وكانَ أكثرُ تَطوُّعِه مُنفرِدًا، وصلَّى

стр. 1164

بحُذَيفةَ مرَّةً، وبأنَسٍ وأُمِّهِ واليَتيمِ مرَّةً، وأَمَّ أصحابَه في بَيتِ عِتبانَ مرَّةً، وأَمَّهُم في لَيالي رَمضانَ ثَلاثَةً. وكلُّها أحادِيثُ جِيادٌ (١). ولكنَّ المالِكِيَّةَ قيَّدُوا الجَوازَ بما إذا كانَتِ الجَمَاعةُ قَليلةً، وكانَ المَكانُ غيرَ مُشتَهَرٍ، فإِن كَثُرَ العددُ كُرِهَتِ الجَماعةُ، وكذلكَ تُكرَهُ الجَماعةُ لو كانَت قَليلَةً وَالمَكانُ مُشتهَرًا. فقد رَوى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ أنَّه لا بَأسَ بأن يُؤَمَّ النَّفَرُ في النَّافِلةِ، فأمَّا أن يَكونَ مُشتهَرًا أو يُجمعَ له النَّاسُ فلَا. قالَ الحافِظُ في «الفَتحِ»: وهذا بَناهُ على قاعِدَتِه في سَدِّ الذَّرائعِ؛ لمَا يُخشَى من أن يَظُنَّ مَنْ لا عِلمَ له أنَّ ذلك فَريضةٌ، واستَثنَى ابنُ حَبيبٍ مِنْ أصحابهِ قِيامَ رَمضانَ؛ لِاشتِهارِ ذلك مِنْ فِعلِ الصَّحابةِ ومَن بعدَهم ﵃ (٢). أمَّا الحَنفيَّةُ فإنَّهم يَرَونَ أنَّ الجَماعةَ في النَّفلِ في غيرِ رَمضانَ مَكروهةٌ. قالَ ابنُ نُجَيمٍ ﵀: ولو صَلوا الوِترَ جَماعةً في غيرِ رَمضانَ فهو صَحيحٌ مَكروهٌ، كالتَّطوُّعِ في غيرِ رَمضانَ بجَماعةٍ، وقيَّده في الكافي بأن يَكونَ على سَبيلِ التَّدَاعِي، أما لو اقتَدَى واحدٌ بواحدٍ، أو اثنانِ بواحدٍ، فلا يُكرَهُ، وإذا اقتَدَى ثَلاثةٌ بواحدٍ اختَلَفوا فيه، وإنِ اقتَدَى أربَعةٌ بواحدٍ كُرِهَ اتِّفاقًا (٣).

стр. 1165

أمَّا شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀ فقد قالَ: صَلاةُ التَّطوُّعِ في جَماعةٍ على نَوعَينِ: أحَدُهُما: ما تُسَنُّ له الجَماعةُ الرَّاتبَةُ، كالكُسوفِ والاستِسقاءِ وقِيامِ رَمضانَ؛ فهذا يُفعَلُ في الجَماعةِ دائِمًا، كما مَضَت به السُّنةُ. والآخَرُ: ما لا تُسَنُّ له الجَماعةُ الرَّاتبةُ، كقِيامِ اللَّيلِ والسُّننِ الرَّواتِبِ وصَلاةِ الضُّحَى وتَحيَّةِ المَسجدِ ونحوِ ذلك، فهذا إذا فُعِلَ جَماعةً أحيانًا جازَ، وأمَّا الجَماعةُ الرَّاتبةُ في ذلك فغيرُ مَشروعةٍ، بل بِدعةٌ مَكروهةٌ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ والصَّحابةَ والتَّابِعينَ لم يَكونوا يَعتادونَ الاجتِماعَ لِلرَّواتِبِ على ما دونَ هذا، والنَّبيُّ إنَّما تطوَّعَ في ذلك في جَماعةٍ قَليلةٍ أحيانًا، فإنَّه كانَ يَقومُ اللَّيلَ وَحدَه، لكِن لمَّا باتَ ابنُ عبَّاسٍ عندَهُ صلَّى معه، وفي لَيلةٍ أُخرَى صلَّى معه حُذَيفةُ، وفي لَيلةٍ أُخرى صلَّى ابنُ مَسعودٍ، وكذلكَ صلَّى عندَ عِتبانَ بنِ مالِكٍ الأنصاريِّ في مَكانٍ يَتَّخِذُهُ مُصلًّى معهُ، وكَذلكَ صلَّى بأنَسٍ وأُمِّهِ واليَتيمِ. وعامَّةُ تَطوُّعاتِه ﷺ إنَّما كانَ يُصلِّيهَا مُفرِدًا، وهذا الذي ذكَرناهُ في التَّطوُّعاتِ المَسنونةِ، فأمَّا إنشاءُ صَلاةٍ بعددٍ مُقدَّرٍ وقِراءةٍ مُقدَّرةٍ في وَقتٍ مُعَيَّنٍ تُصلَّى جَماعةً رَاتِبةً، كصَلاةِ الرَّغائِبِ في أوَّلِ جمُعةٍ من رَجبٍ، والألفيَّةِ في أوَّلِ رَجبٍ، وأمثالِ ذلكَ، فهذا غيرُ مَشروعٍ باتِّفاقِ أئِمَّةِ الإسلامِ، كما نصَّ على ذلك العُلماءُ المُعتبَرونَ، ولا يُنْشِئُ مِثلُ هذا إلا جاهِلٌ مُبتَدِعٌ، وفَتحُ مِثلِ هذا البابِ يُوجِبُ تَغييرَ شَرائِعِ الإسلامِ، وأخذَ نَصيبٍ من حالِ الذينَ شَرَعوا مِنْ الدِّينِ ما لم يَأذَن بهِ اللهُ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 1166

الجَهرُ والإسرارُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُسنُّ الجَهرُ في صَلواتِ العِيدِ والاستِسقاءِ والتَّراويحِ وخُسوفِ القَمَرِ. واختَلَفُوا في كُسُوفِ الشَّمسِ، هل يُسنُّ الإسرارُ به أوِ الجَهرُ؟ فذَهب الأئمَّةُ الثَّلاثَةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى سُنِّيةِ الإسرارِ بها. وذَهب الإمامُ أحمدُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ من الحَنفيَّةِ وابنُ خُزَيمةَ وابنُ المُنذرِ وغيرُهما من مُحَدِّثِي الشافِعيَّةِ وابنُ العَربيِّ من المالِكيَّةِ إلى أنَّه يُسنُّ الجَهرُ فيها (١). أمَّا نَوافِلُ النَّهارِ المُطلَقَةُ وكذلك السُّننُ الرَّاتبةُ فيُسنُّ فيها الإسرارُ بلا خِلافٍ (٢). أمَّا نَوافِلُ اللَّيلِ فيَرى المالِكيَّةُ وصاحِبُ التَّتمَّةِ منَ الشافِعيَّةِ سُنِّيةَ الجَهرِ فيها (٣).

стр. 1167

وقالَ القاضي حُسَينٌ وصاحِبٌ «التَّهذيبِ» من الشافِعيَّةِ: يَتوَسَّطُ بينَ الجَهرِ والإِسرارِ، هذا إذا لم يُشوِّش على نائِمٍ أو مُصَلٍّ أو نحوِه، وإلا فالسُّنَّةُ الإسرارُ (١). أمَّا الحَنفيَّةُ فقالوا: إن المُتنَفِّلَ المُنفرِدَ يَتخيَّرُ بينَ الجَهرِ والإخفاءِ في نَفلِ اللَّيلِ؛ لأنَّ النَّوافِلَ أتباعُ الفَرائِضِ؛ لكَونِها مُكمِّلاتٍ لها فيُخيَّرُ فيها كما يُخيَّرُ في الفَرائِضِ. وإن كانَ إمامًا جهرَ؛ لمَا ذُكر مِنْ أنَّها أتباعُ الفَرائِضِ، ولهذا يُخفِي في نَوافِلِ النَّهارِ، ولو كانَ إمامًا. ثم اختَلَفوا في حَدِّ الجَهرِ والإخفاءِ؛ فقالَ الهِندوانيُّ: الجَهرُ أن يُسمِعَ غيرَه، والمُخافَتَةُ أن يُسمِعَ نَفسَه، وقالَ الكَرخِيُّ: الجَهرُ أن يُسمِعَ نَفسَه تَصحيحَ الحُروفِ؛ لأنَّ القِراءةَ فِعلُ اللِّسانِ دونَ الصِّماخِ. قالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: والأَوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّ مُجرَّدَ حَركةِ اللِّسانِ لا تُسَمَّى قِراءةً بدُونِ الصَّوتِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: إنَّ المُتطوِّعَ لَيلًا يُراعِي المَصلَحةَ، فإن كانَ الجَهرُ أنشَطَ في القِراءةِ أو بحَضرَتِه مَنْ يَستَمِعُ قِراءَتَه أو يَنتَفِعُ بها؛ فالجَهرُ أفضَلُ؛ لمَا يَترتَّبُ عليه من هذه المَصالِحِ. وإن كانَ بقُربِه مَنْ يَتهجَّدُ أو يَستَضِرُّ برَفعِ صَوتِه من نائِمٍ أو غيرِه، أو خافَ رِياءً فالإسرارُ أفضَلُ؛ دَفعًا لتلك المَفسَدَةِ (٣).

стр. 1168

القُعودُ والوُقوفُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ: أجمعَ العُلماءُ على جَوازِ التَّطوُّعِ قاعِدًا معَ القُدرةِ على القِيامِ؛ لأنَّ التَّطوُّعَ خَيرٌ دائِمٌ، فلو ألزَمنَاهُ القِيامَ يَتعَذَّرُ عليه إدامةُ هذا الخَيرِ (١)، ولأنَّ كَثيرًا من النَّاسِ يَشُقُّ عليهِم طُولَ القِيامِ، فلو وجبَ في التَّطوُّعِ لَتُرِكَ أكثرُه، فسَامَحَ الشَّارِعُ في تَركِ القِيامِ فيه؛ تَرغيبًا في تَكثِيرِه، كما سامَحَ في فِعلِه على الرَّاحِلَةِ في السَّفرِ (٢). والدَّليلُ على ذلك قولُه ﷺ : «صَلَاةُ القاعِدِ على النِّصفِ من صَلَاةِ القائِمِ» (٣). قالَ النَّوويُّ ﵀: هذا الحَديثُ مَحمولٌ على صَلاةِ النَّفلِ قاعِدًا مع القُدرةِ على القيامِ، فهذا له نِصفُ ثَوابِ القائِمِ، وأمَّا إذا صلَّى النَّفلَ قاعِدًا لِعَجزِه عن القِيامِ فلا يَنقُصُ ثَوابُه، بل يَكونُ كَثَوابِه قائمًا (٤). وقد رَوَت عائِشةُ ﵂: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصلِّي جالسًا، فَيَقرأُ وهو جَالِسٌ، فإذا بَقيَ من قِراءَتِه قَدرُ ما يكونُ ثَلاثينَ أو

стр. 1169

أَربَعِينَ آيَةً قام فَقرأَ وهو قائِمٌ، ثم رَكَعَ، ثم سجدَ، ثم يَفعلُ في الرَّكعَةِ الثَّانيَةِ مثلَ ذلكَ» (١). وقد رُويَ من طَريقٍ آخرَ ما يُفيدُ التَّخييرَ في الرُّكوعِ والسُّجودِ بينَ القِيامِ والقُعودِ، حيثُ فعلَ الرَّسولُ ﷺ الأمرَينِ جَميعًا، كما زادَت عائِشةُ: أنَّها لم تَرَ رَسولَ اللهِ ﷺ يُصلِّي صَلاةَ اللَّيلِ قاعِدًا قَطُّ حتى أسَنَّ، فكانَ يَقرأُ قاعِدًا حتى إذا أرادَ أن يَركَعَ قامَ فقرأَ نَحوًا مِنْ ثَلاثِينَ آيةً أو أربَعينَ آيةً ثم رَكَعَ (٢). وعنها: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصلِّي لَيلًا طَوِيلًا قائِمًا، وَلَيلًا طَوِيلًا قاعِدًا، وكان إذا قرأَ وهو قائِمٌ رَكع وَسَجد، وهو قائِمٌ، وإذا قرأَ قاعِدًا رَكع وسَجد وهو قاعِدٌ» (٣). ولو افتَتحَ التَّطوُّعَ قائِمًا ثم أرادَ أن يَقعُدَ، أو افتَتحَهُ قاعِدًا ثم أرادَ أن يَقومَ، جازَ ذلك عندَ أبي حَنيفَةَ؛ استِحسانًا، وعندَ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ؛ لأنَّه مُتَبرِّعٌ، وهو مُخيَّرٌ بينَ القيامِ والقُعودِ في الابتِداءِ، فكَذَا بعدَ الشُّروعِ؛ لأنَّه مُتَبرِّعٌ أيضًا. ولِلأحاديثِ السابقةِ عن عائِشةَ في هذا. وذَهب أبو يُوسفَ ومُحمدٌ من الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له ذلكَ. قالَ الكاسانِيُّ: وهو القِياسُ؛ لأنَّ الشُّروعَ مُلزِمٌ، كالنَّذرِ، ولو نَذَرَ أن يُصلِّيَ رَكعتَينِ قائِمًا لا يُجوزُ له القُعودُ من غيرِ عُذرٍ؛ فكَذا إذا شرعَ قائِمًا.

стр. 1170

ولِأبي حَنيفَةَ ﵀ أنَّه مُتَبَرِّعٌ، وهو مُخيَّرٌ بينَ القِيامِ والقُعودِ في الابتِداءِ؛ فكَذا بعدَ الشُّروعِ؛ لكَونِه مُتَبَرِّعًا أيضًا. وأمَّا قولُهما إنَّ الشُّروعَ مُلزِمٌ؛ فنَقولُ: إنَّ الشُّروعَ ليس بمُلزِمٍ وَضعًا، وإنَّما يَلزمُ لِضَرورةِ صِيانةِ ما انعَقدَ عِبادةً عن البُطلانِ، وما انعَقدَ يتعلَّقُ بَقاؤُهُ عِبادةً بوُجودِ أصلِ ما بَقيَ من الصَّلاةِ لا بوُجودِ وَصفِ ما بَقيَ، فإنَّ التَّطوُّعَ قاعِدًا جائِزٌ في الجُملةِ؛ فلم يَلزم تَحصيلُ وَصفِ القِيامِ فيما بَقيَ؛ لأنَّ لُزومَ ما بَقيَ لِأجلِ الضَّرورَةِ، ولا ضَرورةَ في حقِّ وَصفِ القِيامِ، ولهذا لا يَلزمُه أكثرُ من رَكعتَينِ؛ لِاستِغناءِ المُؤدَّى عن الزِّيادةِ، بخِلافِ النَّذرِ؛ فإنَّه مَوضوعٌ لِلإيجابِ شَرعًا، فإذا أُوجِبَ مع الوَصفِ وجبَ كذلكَ (١). وقد نُقِلَ عن أبي حَنيفَةَ عدمُ جَوازِ صَلاةِ سُنَّةِ الفَجرِ والتَّراويحِ قاعِدًا، لأنَّ كُلًّا مِنهُما سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ (٢). صَلاةُ النَّافِلةِ نائِمًا -أي: مُضطَجِعًا -: رَوى البُخاريُّ وغيرُه عن أبي بُريدةَ قالَ: حدَّثنِي عِمرَانُ بنُ حُصَينٍ، وكان مَبسُورًا، قال: سَأَلتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن صَلاةِ الرَّجلِ قاعِدًا، فقالَ: «إن صلَّى قائِمًا فَهو أَفضَلُ، وَمَنْ صلَّى قاعِدًا فلَه نِصفُ أَجرِ

стр. 1171

القائِمِ، وَمَنْ صلَّى نَائِمًا -أي: مُضطَجِعًا- فلَه نِصفُ أَجرِ القاعِدِ». وقُلنا فيما مَضَى: إنَّ العُلماءَ أجمَعُوا على جَوازِ صَلاةِ الرَّجلِ قاعِدًا مع قُدرَتِه على القِيامِ، إلا أنَّهم ههُنا لا يَرَونَ جَوازَ ذلك؛ فقد قالَ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: ولا نَعلمُ الصَّلاةَ نائِمًا تَسوغُ إلا في الفَرضِ حالةَ العَجزِ عن القُعودِ، ولا أعلَمُ جَوازَها في النَّافِلةِ في فِقهِنا (١). وقد حَكى ابنُ نُجَيمٍ في البَحرِ عن شَرحِ المَشارِقِ بنَفيِ جَوازِه نائِمًا فقالَ: وردَ في بعضِ رِواياتِه: «ومَن صلَّى نائِمًا -أي: مُضطَجِعًا- فله نِصفُ أجرِ القاعِدِ»، ولا يُمكِنُ حَملُه على النَّفلِ مع القُدرةِ؛ إذ لا يَصحُّ مُضطَجِعًا، اللَّهمَّ إلا أن يُحكمَ بشُذوذِ هذه الرِّوايةِ (٢). وقالَ الطَّحَاويُّ في «شَرحِ المُشكِلِ»: تأمَّلنَا قولَه ﷺ : «مَنْ صلَّى نائِمًا فلهُ نِصفُ أجرِ المُصلِّي قاعِدًا»، فوَجَدنا المُصلِّي قاعِدًا الذي لا يَستَطيعُ الرُّكوعَ والسُّجودَ في قُعودِه ليس له أن يُصلِّيَ نائِمًا على جَنبَيهِ، فعَقَلنا بذلكَ أنَّه لم يُرِد بما في هذا الحَديثِ مِنْ هذا المعنَى مَنْ يُصلِّي نائِمًا وهو يُطِيقُ الصَّلاةَ قاعِدًا، يَركَعُ فيها ويَسجُدُ فيها، فكانَ مَنْ يُصلِّي قاعِدًا ممَّن لا يَستَطيعُ السُّجودَ إلا بالإيماءِ؛ له أن يُصلِّيَ على جَنبِه يُومِئُ بالرُّكوعِ والسُّجودِ، فعَقَلنَا بذلكَ أنَّه النَّائِمُ المَكتوبُ له بصَلاتِه كذلكَ نِصفُ أجرِ القاعِدِ؛ لأنَّه كانَ قادِرًا أن يُصلِّيَ قاعِدًا يُؤمِئُ في قُعودِه بالرُّكوعِ والسُّجودِ، فصلَّى نائِمًا يُومِئُ بالرُّكوعِ والسُّجودِ اختِيارًا منه لذلكَ على صَلاتِه قاعِدًا

стр. 1172

يُومِئُ بالرُّكوعِ والسُّجودِ، فاستَحَقَّ بذلكَ نِصفَ أجرِ القاعِدِ، لا ما فوقَه من أجرِه، واللهَ نَسألُه التَّوفيقَ (١). وقالَ ابنُ عابِدِينَ ﵀: والصَّلاةُ نائِمًا لا تَصحُّ عندَنا بلا عُذرٍ (٢). وقالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: وجُمهورُ أهلِ العِلمِ لا يُجيزونَ النَّافِلةَ مُضطَجِعًا (٣). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: وصَلاةُ المُضطَجِعِ على النِّصفِ مِنْ صَلاةِ القاعِدِ: المُرادُ به المَعذورُ، كما في الحَديثِ أنَّه خرَج وقد أصابَهم وَعَكٌ وهُم يُصَلُّونَ قُعودًا، فقال ذلك، ولم يُجَوِّز أحَدٌ من السَّلفِ صَلاةَ التَّطوُّعِ مُضطَجِعًا من غيرِ عُذرٍ، ولا يُعرَفُ أنَّ أحَدًا من السَّلفِ فعلَ ذلكَ، وجَوازُهُ وَجهٌ في مَذهبِ الشافِعيِّ وأحمدَ، ولا يُعرَفُ لِصاحِبِه سَلفُ صِدقٍ، مع أنَّ هذه المَسألةَ ممَّا تَعُمُّ بها البَلوَى، فلو كانَ يَجوزُ لِكلِّ مُسلِمٍ أن يُصلِّيَ التَّطوُّعَ على جَنبِه وهو صَحيحٌ لا مرَضَ به، كما يَجوزُ أن يُصلِّيَ التَّطوُّعَ قاعِدًا، وعلى الرَّاحِلَةِ، لَكانَ هذا ممَّا قد بيَّنه الرَّسولُ ﷺ لأُمَّتِه، وكانَ الصَّحابةُ يَعلمُونَ ذلكَ، ثم مع قُوَّةِ الدَّاعِي إلى الخَيرِ لا بدَّ أن يَفعلَ ذلك بَعضُهُم، فلمَّا لم يَفعلهُ أحَدٌ منهم دلَّ على أنَّه لم يكن مَشروعًا عندَهم (٤).

стр. 1173

وقالَ في مَوضِعٍ آخرَ: ولا يَجوزُ التَّطوُّعُ مُضطَجِعًا لغيرِ عُذرٍ، وهو قولُ جُمهورِ العُلماءِ (١). وقالَ: وقد طَرَدَ ذلك طائِفةٌ من أصحابِ أحمدَ وغيرِه، وجَوَّزُوا التَّطوُّعَ مُضطَجِعًا لِمَنْ هو صَحيحٌ، وهو قَولٌ مُحدَثٌ بِدعةٌ (٢). وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ ﵀: لا أحفَظُ عن أحدٍ من أهلِ العِلمِ أنَّه رَخَّصَ في صَلاةِ التَّطوُّعِ نائِمًا كما رَخَّصوا فيها قاعِدًا، فإن صحَّت هذه اللَّفظَةُ عن النَّبيِّ ﷺ ولم تكُن من بعضِ الرُّواةِ مُدرَجةً في الحَديثِ قِياسًا على صَلاةِ القاعِدِ، أو اعتِبارًا بصَلاةِ المَريضِ مُضطَجِعًا؛ قالَ: ولا أعلَمُ أنِّي سَمِعتُ نائِمًا إلا في هذا الحَديثِ (٣). وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأمَّا قولُه: «مَنْ صلَّى نَائِمًا فلَه نِصفُ أَجرِ القاعِدِ»؛ فلا يَصحُّ مَعناهُ عندَ العُلماءِ؛ لأنَّهم مُجمِعُونَ أنَّ النَّافِلةَ لا يُصلِّيهَا القادِرُ على القِيامِ إيماءً (٤). وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: «مَنْ صلَّى نَائِمًا فلَه نِصفُ أَجرِ القاعِدِ»؛ فهذا إنَّما هو في المَعذورِ، وإلا فغيرُ المَعذُورِ ليس له من الأجرِ شَيءٌ إذا كانَتِ الصَّلاةُ فَرضًا، وإن كانَت نَفلًا لم يَجُز له التَّطوُّعُ على جَنبٍ؛ فإنَّه لم يَفعلهُ رَسولُ اللهِ ﷺ يَومًا من الدَّهرِ، ولا أحَدٌ من الصَّحابةِ أَلبتَّةَ، مع

стр. 1174

شِدَّةِ حِرصِهِم على أنواعِ العِباداتِ، وفِعلِ كلِّ خَيرٍ، ولهذا جُمهورُ الأمَّةِ يَمنَعُ منه، ولا تَجوزُ الصَّلاةُ على جَنبٍ إلا لِمَنْ لا يَستَطيعُ القُعودَ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ لِعِمرانَ: «صَلِّ قائِمًا؛ فَإِنْ لم تَستَطِع فَقاعِدًا، فَإِنْ لم تَستَطِع فعلَى جَنبٍ»، وعِمرانُ بنُ حُصَينٍ هو راوِي الحَديثَينِ، وهو الذي سألَ عنها النَّبيَّ ﷺ (١). وقالَ في «بَدائِعِ الفَوائدِ»: قولُه: «ومَن صلَّى نَائِمًا»، فإنَّه يدلُّ على جَوازِ التَّطوُّعِ لِلمُضطَجِعِ، وهو خِلافُ قولِ الأئمَّةِ الأربَعةِ مع كَونِه وَجهًا في مَذهبِ أحمدَ والشافِعيِّ (٢). وقالَ أيضًا: وقالَ ابنُ عَبد البرِّ: أجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ التَّنفُّلُ مُضطَجِعًا. قُلتُ: في التِّرمذِيِّ جَوازُه عن الحَسنِ البَصريِّ، ورَوى التِّرمذيُّ بإسنادِه عن الحَسنِ قالَ: «إن شاءَ صلَّى صَلاةَ التَّطوُّعِ جالسًا وقائِمًا ومُضطَجِعًا»، واللهٌ أعلَمُ (٣). أمَّا الوَجهانِ اللَّذانِ هُما في مَذهبِ الشافِعيِّ وأحمدَ فقالَ النَّوويُّ ﵀ في «شَرحِ مُسلِمٍ»: والأصحُّ عندَنا جَوازُ التَّنفُّلِ مُضطَجِعًا لِلقادِرِ على القِيامِ والقُعودِ لِلحَديثِ الصَّحيحِ في البُخاريِّ: «ومَن صلَّى نَائِمًا فلَه نِصفُ أَجرِ القاعِدِ»، وإذا صلَّى مُضطَجِعًا فعلى يَمينِه، فإن كانَ على يَسارِه

стр. 1175

جازَ، وهو خِلافُ الأفضَلِ، فإنِ استَلقَى مع إمكانِ الاضطِجاعِ لم يَصحَّ. قيلَ: الأفضَلُ أن يَكونَ مُستَلقِيًا، وأنَّه إذا اضطَجَعَ لا يَصحُّ. والصَّوابُ الأوَّلُ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ في «المَجموعِ»: المُرادُ بالنَّائِمِ المُضطَجِعُ، ولو تنَفَّلَ مُضطَجِعًا بالإيماءِ بالرَّأسِ مع قُدرَتِه على القيامِ والقُعودِ فوَجهانِ: أحدُهُما: لا تَصحُّ صَلاتُه؛ لأنَّه يُذهِبُ صُورَتَها بغيرِ عُذرٍ، وهذا أرجَحُهُما عندَ إمامِ الحَرمَينِ. والآخَرُ: وهو الصَّحيحُ: صحَّتُها؛ لحَديثِ عِمرانَ (٢). وقالَ العينِيُّ: وقالَ شَيخُنا زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: أمَّا نَفيُ الخطَّابِيِّ وابنِ بطَّالٍ لِلخِلافِ -كما سبقَ- في صحَّةِ التَّطوُّعِ مُضطَجعًا لِلقادِرِ فمَردُودٌ؛ فإنَّ في مَذهبِنا وجهَينِ: الأصحُّ منهما الصِّحَّةُ. وعندَ المالِكيَّةِ فيهِ ثَلاثةُ أوجُهٍ، حَكاها القاضِي عِياضٌ في: «الإكمالِ»، أحَدُها: الجَوازُ مُطلَقًا في الاضطِرارِ والاختيارِ، لِلصَّحِيحِ والمَريضِ؛ لِظاهِرِ الحَديثِ، وهو الذي صَدَّرَ به القاضِي كَلامَه. والثاني: مَنعُه مُطلَقًا لهما؛ إذ ليسا في هَيئَةِ الصَّلاةِ. والثالِثُ: إجازَتُه لِعدمِ قُوَّةِ المَريضِ فقط، وقد رَوى التِّرمذيُّ بإسنادِه عن الحَسنِ البَصريِّ جَوازَه. فقالَ: «إن شاءَ الرَّجلُ صلَّى صَلاةَ التَّطوُّعِ

стр. 1176

قائِمًا أو جالسًا أو مُضطَجِعًا»، فكَيفَ يُدَّعَى مع هذا الخِلافِ القَديمِ والحَديثِ الاتِّفاقُ؟ (١). وقالَ المِرداوِيُّ من الحَنابِلةِ في «الإنصافِ»: ظاهرُ كَلامِ المُصَنِّفِ أنَّ صَلاةَ المُضطَجِعِ لا تَصحُّ، وهو الصَّحيحُ من المَذهبِ. قالَ المَجدُ في شَرحِهِ -وتبِعه في مَجمَعِ البَحرَينِ الزَّركَشيُّ-: ظاهرُ قولِ أصحابِنا المَنعُ، وقدَّمه في الفُروعِ والرِّعايةِ. قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: جَوَّزهُ طائِفةٌ قَليلةٌ، ونقلَ ابنُ هانئٍ: يَصحُّ، فيَكونُ على النِّصفِ من صَلاةِ القاعِدِ، واختارَهُ بَعضُ الأصحابِ. قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: وهو قَولٌ شاذٌّ لا يُعرَفُ له أصلٌ في السَّلفِ. قالَ المَجدُ: وهو مَذهبٌ حَسَنٌ، وجزمَ به في نَظمِ نِهايةِ ابنِ رَزينٍ وأطلَقَهُما ابنُ تَميمٍ والفائِقُ. وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: لا يَجوزُ التَّطوُّعُ مُضطَجِعًا لغيرِ عُذرٍ، وجزمَ به في الرِّعايتَينِ والإفاداتِ، وجعلَ محَل الخِلافِ في الرِّعايةِ الكُبرى في غيرِ المَعذورِ، وأغلَبُ مَنْ ذكرَ المَسألةَ أطلَقَ (٢). حكمُ سُجودِ السَّهوِ في صَلاةِ التَّطوُّعِ: ذَهب الأئمَّةُ الأربَعةُ إلى أنَّ السَّهوَ في التَّطوُّعِ كالسَّهوِ في الفَريضةِ يُشرعُ له سُجودُ السَّهوِ.

стр. 1177

والحُجَّةُ في ذلك قولُه ﷺ : «إِنَّ أَحدَكُم إذا قامَ يُصلِّي جَاءَهُ الشَّيطَانُ فلبَّس عليه حتى لَا يَدرِيَ كَمْ صلَّى، فإذا وجدَ ذلك أحَدُكُم فَليَسجُد سَجدتَينِ وهو جَالِسٌ». فقولُه: «قامَ يُصلِّي» تَدخلُ فيه جَميعُ الصَّلواتِ، فَرضُها ونَفلُها؛ فهو عامٌّ في كلِّ ما يُسمَّى صَلاةً (١). وقد رَوى ابنُ أبي شَيبةَ بسَنَدِه عن أبي عَقيلٍ أنَّه سمِع سَعيدَ بنَ المُسَيَّبِ يَقولُ: «سَجدَتَا السَّهوِ في النَّوافِلِ كَسَجدَتَيِ السَّهوِ في المَكتُوبَةِ» (٢) (٣). حكمُ قَضاءِ السُّننِ: اختَلفَ العُلماءُ في مَشروعيَّةِ قَضاءِ السُّننِ الرَّاتبةِ على أقوالٍ: أحَدُها: يُستحبُّ قَضاؤُها مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ الفَواتُ لِعُذرٍ أو لغيرِ عُذرٍ، وإلى هذا ذَهب الشافِعيُّ في الجَديدِ وأحمدُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ. والقولُ الثاني: أنَّها لا تُقضَى، وهو قولُ أبي حَنيفَةَ ومالِكٍ وأبي يُوسفَ في أشهَرِ الرِّوايَتَينِ عنه وهو قولُ الشافِعيِّ في القَديمِ ورِوايةٌ عن أحمدَ، والمَشهورُ عن مالِكٍ قَضاءُ رَكعتَيِ الفَجرِ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ. والقولُ الثالِثُ: التَّفرقَةُ بينَ ما هوَ مُستقِلٌّ بنَفسهِ، كالعِيدِ والضُّحَى

стр. 1178

فيُقضَى، وبينَ ما هو تابِعٌ لِغَيرهِ، كَرَواتِبِ الفَرائِضِ؛ فلا يُقضَى، وهو أحَدُ الأقوالِ عن الشافِعيِّ. والقولُ الرَّابعُ: إن شاءَ قَضاهَا وإن شاءَ لم يَقضِها، على التَّخييرِ، وهو مَرويٌّ عن أصحابِ الرَّأيِ ومالِكٍ (١). حكمُ قَضاءِ الفَوائتِ في أوقاتِ النَّهيِ: اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في حُكمِ قَضاءِ الفَوائتِ في أوقاتِ النَّهيِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: القولُ الأوَّلُ: أنَّه يَجوزُ قَضاءُ الفَريضةِ أو سُنَّةٍ سَببِيَّةٍ في أوقاتِ النَّهيِ، وأنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ في تلكَ السَّاعاتِ إنَّما عن النَّوافلِ المُبتَدَأةِ والتَّطوُّعِ، وهذا مَذهبُ الإمامِ الشافِعيِّ وأصحابِه وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَهَا شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فجِماعُ نَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ واللهُ أعلَمُ- عن الصَّلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، وبعدَما تَبدو حتى تَبرُزَ، وعنِ الصَّلاةِ بعدَ العَصرِ حتى تَغرُبَ الشَّمسُ، وبعدَ مَغِيبِ بعضِها حتى يَغيبَ كلُّها، وعنِ الصَّلاةِ نِصفَ النَّهارِ حتى تَزولَ الشَّمسُ إلَّا يومَ

стр. 1179

الجمُعةِ؛ لَيسَت على كلِّ صَلاةٍ لزِمتِ المُصلِّي بوَجهٍ منَ الوُجوهِ، أو تَكونُ الصَّلاةُ مُؤكَّدَةً فأُمر بها، وإن لم تكُن فَرضًا، أو صَلاةً كانَ الرَّجلُ يُصلِّيها فأغفلَها؛ إذا كانَت واحدةً من هذه الصَّلواتِ صُلِّيَت في هذه الأوقاتِ بالدِّلالةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، ثم إجماعِ النَّاسِ في الصَّلاةِ على الجَنائِزِ بعدَ الصُّبحِ والعَصرِ. فإن قالَ قائِلٌ: فأينَ الدِّلالةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قيلَ: قولُه: «مَنْ نَسيَ صَلاةً أو نَامَ عنها فَليُصلِّهَا إذَا ذكرَهَا» (١). فإنَّ اللهَ تَعالَى يَقولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وأمرُه ألَّا يُمنَعَ أحَدٌ طافَ بالبَيتِ وصلَّى أيَّ ساعةٍ شاءَ، وصلَّى المُسلِمونَ على جَنائِزِهِم بعدَ الصُّبحِ والعَصرِ. وفيما رَوَت أُمُّ سَلمةَ مِنْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في بَيتِها رَكعتَينِ بعدَ العَصرِ، كانَ يُصلِّيهِما بعدَ الظُّهرِ، فشُغِلَ عنهما. قالَ: ورَوى قَيسٌ جَدُّ يَحيَى بنِ سَعيدٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رآهُ يُصلِّي رَكعتَينِ بعدَ الصُّبحِ، فسألَه، فأخبَرَهُ بأنَّهما رَكعَتا الفَجرِ، فأقَرَّه (٢)؛ لأنَّ رَكعتَيِ الفَجرِ مُؤكَّدَتانِ مَأمورٌ بهما؛ فلا يَجوزُ أن يَكونَ نَهيُه عن الصَّلاةِ في السَّاعاتِ التي نَهى عنها على ما وَصَفتُ مِنْ صَلاةٍ لا تَلزَمُ، فأمَّا كلُّ صَلاةٍ

стр. 1180

كانَ يُصلِّيها صاحِبُها فأغفلَها أو شُغِلَ عنها، وكلُّ صَلاةٍ أُكِّدَت، وإن لم تكُن فَرضًا كَركعتَيِ الفَجرِ والكُسوفِ فَيَكونُ نَهيُ النَّبيِّ ﷺ فيما سِوَى هذا ثابِتًا (١). وقالَ أيضًا فيما نقلَه عنه ابنُ عَبد البرِّ ﵀: النَّهيُ عن الصَّلاةِ في تلكَ السَّاعاتِ إنَّما هو عن النَّوافِلِ المُبتدأةِ، والتَّطوُّعِ، وأمَّا عن صَلاةِ الفَريضةِ أو السُّنةِ فلا؛ لحَديثِ قَيسٍ في رَكعتَيِ الفَجرِ، وحَديثِ أُمِّ سَلمةَ، في قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ الرَّكعتَينِ اللَّتَينِ تُصلَّيانِ بعدَ الظُّهرِ بعدَ العَصرِ (٢). وقالَ الإمامُ الماوَردِيُّ ﵀: «وأمَّا تَخصيصُ بعضِ الصَّلاةِ بالنَّهيِ؛ فهيَ صَلاةُ نافِلةٍ ابتَدَأَ بها المُصلِّي مِنْ غيرِ سَببٍ، فأمَّا ذَواتُ الأسبابِ من الصَّلواتِ المَفروضاتِ والمَسنُوناتِ، فيَجوزُ فِعلُها في جَميعِ هذه الأوقاتِ، كالفائِتةِ والوِترِ ورَكعتَيِ الفَجرِ، وتَحيَّةِ المَسجدِ، وصَلاةِ الجمُعةِ، والعِيدَينِ والاستِسقاءِ» (٣). القولُ الثاني: المَنعُ مِنْ صَلاةِ النَّوافِلِ مُطلَقًا بعدَ صَلاةِ الفَجرِ والعَصرِ إلا الجَنائِزَ؛ لِإقامةِ الدَّليلِ عليها على ألا يُتَحرَّى الطُّلوعُ والغُروبُ، وهذا مَذهبُ الإمامِ مالِكٍ وأصحابِه وأحمدَ في المَشهورِ عنهُ.

стр. 1181

قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: أمَّا الصَّلاةُ بعدَ الصُّبحِ، إذا كانَت نافِلةً أو سُنَّةً، ولم تكُن قَضاءَ فَرضٍ فلا تَجوزُ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن الصَّلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، وبعدَ العَصرِ حتى تَغرُبَ الشَّمسُ (١)؛ نَهيًا مُطلَقًا، إلا أنَّه مَوقوفٌ على كلِّ ما عَدا الفَرضِ منَ الصَّلاةِ؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَدرَكَ رَكعَةً مِنْ الصُّبحِ قبلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمسُ، أَوْ مَنْ أَدرَكَ رَكعَةً مِنْ العَصرِ قبلَ أَنْ تَغرُبَ الشَّمسُ، فقدَ أَدرَكَ» (٢). يَعني: الوقتَ. وممَّن قالَ بهذا: مالِكُ بنُ أنَسٍ وأصحابُه، وإليهِ ذَهب أحمدُ بنُ حَنبَلٍ وإسحاقُ بنُ رَاهَوَيهِ. قالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ وإسحاقُ: لا يُصلَّى بعدَ العَصرِ إلا صَلاةٌ فائِتةٌ أو صَلاةُ جَنازةٍ، ومَذهبُ مالِكٍ في ذلك هو مَذهبُ عمرَ بنِ الخطَّابِ، وأبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، وأبي هُريرةَ، وهُم رَوَوا عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نَهى عن الصَّلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، وعنِ الصَّلاةِ بعدَ العَصرِ حتى تَغرُبَ الشَّمسُ، وهُم أعلَمُ بما رَوَوا. وحَسبُكَ ضَربُ عمرَ على ذلك بالدِّرَّةِ، ولا يَكونُ ذلك إلَّا عن بَصيرةٍ. وكذلك ابنُ عبَّاسٍ روى الحَديثَ في ذلك عن عمرَ، عن النَّبيِّ ﵇ قالَ بهِ على ظاهِره وعُمومِه (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا قَضاءُ السُّننِ في سائرِ أوقاتِ النَّهيِ وفِعلُ

стр. 1182

غيرِها مِنْ الصَّلواتِ التي لها سَببٌ كتَحِيَّةِ المَسجدِ وصَلاةِ الكُسوفِ وسُجودِ التِّلاوَةِ؛ فالمَشهورُ في المَذهبِ أنَّه لا يَجوزُ، ذكرَه الخرقِيُّ في سُجودِ التِّلاوةِ وصَلاةِ الكُسوفِ. وقالَ القاضي: في ذلك رِوايَتانِ: أصحُّهُما: أنَّه لا يَجوزُ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ؛ لعُمومِ النَّهيِ. والأُخرَى: يَجوزُ، وهو قولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا دخلَ أحَدُكُمُ المَسجدَ فلا يَجلِس حتى يَركَعَ رَكعتَينِ» (١). مُتفقٌ عليه، وقالَ في الكُسوفِ: «فإذا رَأَيتُمُوهَا فَصَلُّوا»، وهذا خاصٌّ في هذه الصَّلواتِ، فيُقدَّمُ النَّهيُ العامُّ في الصَّلاةِ كلِّها، ولأنَّها صَلاةٌ ذاتُ سَببٍ فأشبَهَت ما ثَبت جَوازُه. ولنا: أنَّ النَّهيَ لِلتَّحريمِ، والأمرَ لِلنَّدبِ، وتَركُ المُحَرمِ أَولَى من فِعلِ المَندوبِ، وقولُهمُ: الأمرُ خاصٌّ في الصَّلاةِ. قُلنا: ولكنَّه عامٌّ في الوقتِ، والنَّهيُ خاصٌّ فيه؛ فيُقدَّمُ. ولا يَصحُّ القِياسُ على القَضاءِ بعدَ العَصرِ؛ لأنَّ حُكمَ النَّهيِ فيه أخَفُّ؛ لمَا ذكَرنا، ولا على قَضاءِ الوِترِ بعدَ طُلوعِ الفَجرِ لذلكَ، ولأنَّه وقتٌ له، بدَليلِ حَديثِ أبي بَصرةَ، ولا على صَلاةِ الجَنازةِ؛ لأنَّها فَرضُ كِفايةٍ، ويُخافُ على المَيِّتِ، ولا على رَكعتَيِ الطَّوَافِ؛ لأنَّهما تابِعَتانِ لمَا لا يُمنَعُ فيه النَّهيُ، مع أنَّنَا قد ذكَرنا أنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا يُصلَّى على الجِنازةِ في

стр. 1183

الأوقاتِ الثَّلاثةِ التي في حَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ، وكذلكَ لا يَنبَغِي أن يَركَعَ لِلطَّوافِ فيها، وألا يُعيدَ فيها جَماعةً، وإذا مُنِعَت هذه الصَّلواتُ المُؤكَّدَةُ فيها، فغيرُها أَولَى بالمَنعِ، واللهُ أعلَمُ (١). أمَّا تَخصيصُ صَلاةِ الجِنازةِ من بَينِ الصَّلواتِ فلِلإجماعِ على جَوازِها. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: والصَّلاةُ على الجِنازةِ بعدَ الفَجرِ وبعدَ العَصرِ، قالَ ابنُ المُنذرِ: إجماعُ المُسلِمينَ في الصَّلاةِ على الجِنازةِ بعدَ الفَجرِ وبعدَ العَصرِ، وتلكَ الأنواعُ الثَّلاثةُ لم يختلِف فيها قولُ أحمدَ أنَّها تُفعَلُ في أوقاتِ النَّهيِ؛ لأنَّ فيها أحادِيثَ خاصَّةً تَدلُّ على جَوازِها في وقتِ النَّهيِ؛ فلهذا استَثنَوها واستَثنَوُا الجِنازةَ في الوقتَينِ؛ لِإجماعِ المُسلِمِينَ. وأما سائِرُ ذَواتِ الأسبابِ مثلَ تَحيَّةِ المَسجدِ وسُجودِ التِّلاوةِ وصَلاةِ الكُسوفِ، ومِثلَ رَكعتَيِ الطَّوافِ في الأوقاتِ الثَّلاثَةِ، ومِثلَ الصَّلاةِ على الجِنازةِ في الأوقاتِ الثَّلاثَةِ؛ فاختَلفَ كَلامُه فيها، والمَشهورُ عنه النَّهيُ، وهو اختِيارُ كَثيرٍ من أصحابِه، كالخرقِيِّ والقاضِي وغيرِهِما، وهو مَذهبُ مالِكٍ وأبي حَنيفَةَ. لكنَّ أبا حَنيفَةَ يُجَوِّزُ السُّجودَ بعدَ الفَجرِ والعَصرِ. وهُناكَ رِوايةٌ: يَجوزُ جَميعِ ذَواتِ الأسبابِ، وهي اختِيارُ أبي الخطَّابِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وهو الرَّاجحُ في هذا البابِ؛ لوُجوهٍ (٢). ثم ذكرَها ﵀.

стр. 1184

القولُ الثالِثُ: لا يُصلَّى شَيءٌ مِنْ الصَّلواتِ كلِّها فَرضًا أو نَفلًا عندَ طُلوعِ الشَّمسِ، ولا بعدَ الصُّبحِ، ولا بعدَ العَصرِ، ولا عندَ الغُروبِ، ولا عندَ الاستِواءِ، إلا عَصرَ يَومِه، وهذا قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه. قال الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: اعلَم بأنَّ الأوقاتَ التي تُكرَهُ فيها الصَّلاةُ خَمسةٌ، ثَلاثَةٌ منها لا يُصلَّى فيها جِنسُ الصَّلواتِ: عندَ طُلوعِ الشَّمسِ إلى أن تَبيَضَّ، وعندَ غُروبِها، إلا عَصرَ يَومِه؛ فإنَّه يُؤدِّيها عندَ الغُروبِ. والأصلُ فيه حَديثُ عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ وهو: «ثَلاث سَاعاتٍ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَنهانَا أَنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو أَنْ نَقبُرَ فيهنَّ مَوتَانَا: حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بازِغَةً حتى ترتفِعَ، وَحينَ يَقومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ حتى تَمِيلَ الشَّمسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ لِلغُروبِ حتى تَغرُبَ» (١). وحَديثُ الصَّنابَحِيِّ ﵁ وهو أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إِنَّ الشَّمسَ تَطلُعُ وَمعَهَا قَرنُ الشَّيطَانِ؛ فإذا ارتَفَعَت فارَقَها، ثم إذا استَوَت قارَنَها، فإذا زَالَتْ فَارَقَها، فإذا دَنَت لِلغُروبِ قارَنَها، فإذا غرَبت فَارَقَها، وَنَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ في تلك السَّاعاتِ» (٢). وحدَيثُ عَمرِو بنِ عَبسَةَ ﵁ وهو قولُه: يا نَبِيَّ اللهِ، أَخبِرنِي عمَّا علَّمكَ اللهُ وَأَجهَلُه، أَخبِرنِي عن الصَّلاةِ. قالَ: «صَلِّ صَلاةَ الصُّبحِ ثم أَقصِر

стр. 1185

عن الصَّلاةِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ حتى ترتفِعَ؛ فإنَّها تَطلُعُ حين تَطلُعُ بينَ قَرنَي شَيطَانٍ، وَحينَئذٍ يَسجُدُ لها الكُفَّارُ، ثم صَلِّ؛ فإنَّ الصَّلاةَ مَشهُودَةٌ مَحضُورَةٌ حتى يَستَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمحِ، ثم أَقصِر عن الصَّلاةِ؛ فإنَّ حينَئذٍ تُسجَرُ جَهَنَّمُ، فإذا أَقبَلَ الفَيءُ فَصَلِّ فإنَّ الصَّلاةَ مَشهُودَةٌ مَحضُورَةٌ حتى تُصَلِّيَ العَصرَ، ثم أَقصِر عن الصَّلاةِ حتى تَغرُبَ الشَّمسُ؛ فإنَّها تَغرُبُ بينَ قَرنَي شَيطَانٍ، وَحينَئذٍ يَسجُدُ لها الكُفَّارُ» (١). ثم قالَ: وفي هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ لا تُؤدَّى الفَرائضُ عندَنا (٢). مَنْ كانَ في نافِلةٍ وأُقِيمَت صَلاةُ الفَريضةِ: مَنْ كانَ قدِ ابتَدَأَ بالتَّطوُّعِ قبلَ الإقامةِ ثم أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فإنَّ أكثرَ العُلماءِ على أنَّه يُتمُّ الصَّلاةَ ما لم يَخشَ فَواتَ الجَماعةِ، وإليكَ أقوالُهم. قالَ الإمامُ الكاسانيُّ الحَنَفيُّ ﵀: وأمَّا إذا دخلَ المَسجدَ، وشرعَ في الصَّلاةِ، ثم أخذَ المُؤذِّنُ في الإقامةِ، فهذا على وجهَينِ: إمَّا أن يَشرَعَ في التَّطوُّعِ، وإمَّا أن يَشرَعَ في الفَرضِ، فإن شرعَ في التَّطوُّعِ، ثم أُقيمَتِ الصَّلاةُ، أتَمَّ الشَّفعَ الذي هو فيه، ولا يَزيدُ عليه، أمَّا إتمامُ الشَّفعِ، فلأنَّ صَونَه عن البُطلانِ واجِبٌ، وقد أمكَنَه ذلك، ولا يَزيدُ عليه؛ لأنَّه لا يَلزمُه بالشُّروعِ في

стр. 1186

التَّطوُّعِ زِيادةٌ على الشَّفعِ، فكانَتِ الزِّيادةُ عليه كابتِداءِ تَطوُّعٍ آخرَ، وقد ذكَرنا أنَّ ابتِداءَ التَّطوُّعِ في المَسجدِ بعدَ الإقامةِ مَكروهٌ (١). وجاءَ في «المُدَوَّنَةِ الكُبرَى»: وقالَ مالِكٌ في الرَّجلِ يَفتَتِحُ الصَّلاةَ نافِلةً فتُقامُ عليه الصَّلاةُ المَكتوبةُ قبلَ أن يَركَعَ هو شَيئًا، قالَ: إن كانَ ممَّن يَخِفُّ عليه الرَّكعَتانِ مثلَ الرَّجلِ الخَفيفِ يقدِرُ أن يَقرأَ فيهما بأُمِّ القُرآنِ وَحدَها كلَّ رَكعةٍ، ويُدرِكَ الإمامَ، رَأيتُ أن يَفعلَ، وإن كانَ رَجلًا ثَقيلًا لا يَستَطيعُ أن يُخفِّفَ رَأيتُ أن يَقطعَ بسَلامٍ ويَدخُلَ في الصَّلاةِ. (قالَ) -أي: ابنُ القاسِمِ-: فقُلتُ لِمالِكٍ: ما هذا الذي وَسَّعتَ له في أن يُصلِّيَ الرَّكعتَينِ، ثم يُصلِّيَ معَ الإمامِ؟ أهو على أن يُدرِكَ الإمامَ قبلَ أن يَفتَتحَ الصَّلاةَ أم يُدرِكَه قبلَ أن يَركَعَ؟ قالَ: بل يُدرِكُه قبلَ أن يَركَعَ، (قُلتُ) -أي: سُحنونُ-: فهل عليه في قولِ مالِكٍ قَضاءُ ما قطعَ؟ قالَ: لم يَقُل لنا قَطُّ أنَّ عليه القَضاءَ. (قالَ): ولا يَكونُ عليه القَضاءُ؛ لأنَّه لمَ يَقطعها مُتعمِّدًا، بل جاءَ ما قطعَها عليه، ويَكونُ قَطعُه بسَلامٍ، فإن لم يَقطعها بسَلامٍ أعادَ الصَّلاةَ (٢). وتَفصِيلُ مَذهبِ المالِكيَّةِ على النحوِ الآتي: يَحرمُ على المُكلَفِ ابتِداءُ صَلاةٍ، فَرضًا أو نَفلًا بجَماعةٍ بعدَ الإقامةِ لِلإمامِ الرَّاتبِ. فإن أُقِيمَت صَلاةُ الرَّاتبِ بمَسجدٍ قطعَ المُصلِّي صَلاتَه إذا كانَ بالمَسجدِ أو في رَحبَتِه، ودخلَ معَ الإمامِ، سَواءٌ كانَت صَلاتُه التي يُصلِّيها نافِلةً أو

стр. 1187

فَرضًا، وسَواءٌ كانَت عَينَ المُقامَةِ أو غيرَها، وسَواءٌ عَقَدَ رَكعةً أو لا؛ بسَلامٍ أو مُنافٍ، ككَلامٍ ونيَّةِ إبطالٍ. بشَرطِ أن يَخشَى بإتمامِ الصَّلاةِ التي هو فيها فَواتَ رَكعةٍ معَ الإمامِ من الصَّلاةِ المُقامةِ. فإن لم يَخشَ فَواتَ رَكعةٍ فلا يَخلُو إمَّا أن يَكونَ في نافِلةٍ أو فَريضةٍ غيرِ المُقامَةِ، أو فَريضةٍ هي المُقامَةُ، فإن كانَ في نافِلةٍ أو في فَريضةٍ غيرِ المُقامَةِ أتَمَّ صَلاتَه، سَواءٌ عَقد رَكعةً أو لا. وإن كانَ في فَريضةٍ هي المُقامَةُ نَفسُها فإن عَقد رَكعةً قبلَ أن تُقامَ عليه الصَّلاةُ شفَعها برَكعةٍ أُخرَى وسلَّم ودخلَ معَ الإمامِ، وإن كانَ في الثَّانيةِ أكمَلَها، وإن كانَ في الثَّالثةِ قبلَ كَمالِها بسُجودِها رَجعَ لِلجُلوسِ فيتشهَّدَ ويسلِّمَ، بشَرطِ أن تَكونَ الصَّلاةُ المُقامَةُ ظُهرًا أو عَصرًا أو عِشاءً، فإن كانَت صُبحًا أو مَغربًا قطعَ صَلاتَه ودخلَ معَ الإمامِ، سَواءٌ عَقد رَكعةً أو لا، كمَا يَقطعُ صَلاتَه إذا لم يَعقِد رَكعةً، سَواءٌ كانَتِ المُقامَةُ صُبحًا أو مَغربًا أو غيرَهما. وإن عَقَدَ الرَّكعَةَ الثَّانيةَ مِنْ صَلاةِ المَغربِ أو الرَّكعةَ الثَّالثةَ مِنْ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ؛ أتَى برَكعةٍ ثالِثةٍ؛ لِتَمامِ صَلاةِ المَغربِ وبرَكعةٍ رابِعةٍ؛ لِتَمامِ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ، ويَكونُ هذا الإكمالُ بِنيَّةِ الفَرضِ، وكذلك إذا عَقد الرَّكعةَ الثَّالثةَ من الصُّبحِ، فيَكونُ إتمامُها بِنيَّةِ الفَرضِ، ثم بعدَ هذا الإكمالِ يَدخلُ معَ الإمامِ إلَّا إذا أكمَلَ المَغربَ فلا يَدخلُ معَ الإمامِ، ويَخرُجُ وُجوبًا من المَسجدِ.

стр. 1188

وإذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ بمَسجدٍ لِإمامِه الرَّاتبِ على مُحصِّلٍ لِفَضلِ الجَماعةِ، وهو في المَسجدِ أو رَحبَتِه خرَج منه وُجوبًا، ومِثلُه مَنْ صلَّى المَغربَ أو العِشاءَ وأوتَرَ، وإن لم يكن مُحَصِّلًا فَضلَ الجَماعةِ أو لم يُصلِّها أصلًا؛ فإنَّها تلزَمُه إذا كانَ مُحصِّلًا لِشُروطِ الصَّلاةِ، ولم يكن إمامًا لِمَسجدٍ آخرَ. وإذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ في المَسجدِ وكانَ المُكلَفُ يُصلِّيها في خارِجِ المَسجدِ أو أُقِيمَت في خارِجِ المَسجدِ وكانَ هو يُصلِّيها في المَسجدِ أتَمَّها وُجوبًا في الحالتَينِ. يُكرَهُ إطالةُ الرُّكوعِ أكثرَ من المُعتادِ لِداخِلٍ معه في الصَّلاةِ، إلَّا لِضَرورةٍ، كَأن خَشِيَ فَسادَ صَلاتِه أو تَفويتَ الجَماعةِ عليه؛ بأن كانَت تلك الرَّكعةُ هي الأخيرةَ؛ لأنَّ عدمَ الإطالةِ تُفوِّتُ على المَأمومِ ثَوابَ الجَماعةِ، أمَّا التَّطويلُ في القِراءةِ، لِأجلِ إدراكِ الدَّاخِلِ فلا يُكرَهُ (١). وقالَ الشَّيرازيُّ في المُهذَّبِ: وإن دخلَ في صَلاةِ نافِلةٍ ثم أُقِيمَتِ الجَماعةُ فإن لم يَخشَ فَواتَ الجَماعةِ أتَمَّ النَّافِلةَ، ثم دخلَ في الجَماعةِ، وإن خَشِيَ فَواتَ الجَماعةِ قطعَ النَّافِلةَ؛ لأنَّ الجَماعةَ أفضَلُ (٢). قالَ النَّوويُّ ﵀: هذه المَسألةُ مَشهورةٌ عندَ الأصحابِ على التَّفصيلِ الذي ذكرَه المُصنِّفُ، ومُرادُه بقولِه: خَشِيَ فَواتَ الجَماعةِ: أن تَفوتَ كلُّها،

стр. 1189

بأن يُسلِّمَ مِنْ صَلاتِه، هكذا صرَّح به الشَّيخُ أبو حامِدٍ والشَّيخُ نَصرٌ وآخَرونَ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا إن أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وهو في النَّافِلةِ ولم يَخشَ فَواتَ الجَماعةِ أتَمَّها ولم يَقطعها؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وإن خَشِيَ فَواتَ الجَماعةِ فعلى رِوايتَينِ: إحدَاهُما: يُتمُّها لذلك. والأُخرى: يَقطعُها؛ لأنَّ ما يُدرِكُه من الجَماعةِ أعظَمُ أجرًا وأكثرُ ثَوابًا ممَّا يَفوتُه بقَطعِ النَّافِلَةِ؛ لأنَّ صَلاةَ الجَماعةِ تَزيدُ على صَلاةِ الرَّجلِ وَحدَهُ سَبعًا وعِشرينَ دَرجةً (٢). استِقبالُ القِبلةِ في صَلاةِ النَّافلةِ على الدَّابَّةِ: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ استِقبالِ القِبلةِ في صَلاةِ النَّافلةِ على الرَّاحلةِ على قولَينِ: القولُ الأوَّلُ: أنَّه يجبُ عليه ذلك، وهو إحدَى الرِّوايَتَينِ عن الشافِعيِّ وأحمدَ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ القاضي حُسَينٌ: نصَّ الشافِعيُّ ﵀ في مَوضعٍ على وُجوبِ الاستِقبالِ، وفي مَوضِعٍ: أنَّه لا يجبُ (٣).

стр. 1190

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ في المُبدِعِ: وإن أمكَنَه (أي: الرَّاكبُ) افتِتاحُ الصَّلاةِ (أي: بالإحرامِ) إلى القِبلةِ بالدَّابَّةِ أو بنَفسِه، كراكِبِ راحِلةٍ مُنفرِدةٍ تُطيعُه، فهَل يَلزمُه ذلكَ؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: يَلزمُه بلا مَشقَّةٍ، جزمَ به في الوَجيزِ، ونقلَه واختَارَه الأكثرُ، وذكرَه أبُو المَعالي؛ لمَا رَوى أنَسٌ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا سَافَر فأرَادَ أَنْ يَتطوَّعَ استَقبَلَ بِنَاقَتِه القِبلَةَ، فَكبَّر ثم صلَّى حيثُ وَجَّهَهُ رِكابُه»، رَوَاه أحمدُ وأبو داودَ (١). وهذا لَفظُه، وهو حَديثٌ حَسَنٌ، ولأنَّه أمكَنَه ابتِداءُ الصَّلاةِ إلى القِبلةِ، فلزِمه، وكراكِبِ السَّفينةِ. والأُخرى: لا يَلزمُه، اختارَه أبو بَكرٍ ورجَّحه في المُغنِي وغيرِه؛ لمَا فيه مِنْ المَشقَّةِ؛ ولحَديثِ ابنِ عمرَ، ولأنَّه جُزءٌ مِنْ الصَّلاةِ أشبَهَ سائِرَها ويُحمَلُ الخَبرُ الأوَّلُ على الاستِحبابِ (٢). وقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: إذا تطوَّعَ الرَّجلُ على راحِلَتِه يُعجِبُنِي أن يَستقبِلَ القِبلةَ بالتَّكبيرِ على حَديثِ أنَسٍ (٣). القولُ الآخَرُ: أنَّه لا يجبُ استِقبالُ القِبلةِ لِمَنْ تنَفَّلَ على راحِلَتِه وإنَّما يُستحبُّ، وهو قولُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيِّ وأحمدَ في إحدى الرِّوايَتَينِ عنهما.

стр. 1191

قال ابنُ عابدِينَ ﵀: لا يُشترَطُ استِقبالُ القِبلةِ في الابتِداءِ؛ لأنَّه لمَّا جازَتِ الصَّلاةُ إلى غيرِ جِهةِ الكَعبةِ، جازَ الافتِتاحُ إلى غيرِ جِهَتِها. اه (١). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: قالَ الحَسنُ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يُصَلُّونَ على دَوابِّهِم حيثُما كانَت وُجوهُهُم، وبه قالَ طاوُسٌ وعَطاءٌ، وهو قولُ مالِكٍ وسُفيانَ الثَّوريِّ والأوزاعيِّ والشافِعيِّ وأحمدَ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرَّأيِ، غيرَ أنَّ أحمدَ وأبا ثَورٍ كانا يَستَحبَّانِ لِلمُصلِّي في السَّفرِ على الدَّابَّةِ أن يَستَقبِلَ القِبلَةَ بالتَّكبيرِ؛ لحَديثِ أنَسٍ (٢). وقالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ صَلاةِ النَّافِلةِ على الدَّابَّةِ حيثُ تَوجَّهَت برِكابِها في السَّفرِ، وقد ذكَرنا حَديثَ جابرٍ قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي أينَما كانَ وَجهُه على الدَّابَّةِ. وعنِ الحَسنِ قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يُصَلُّونَ في أسفارِهِم على دَوابِّهم أينَما كانَت وُجوهُهم. وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ كلِهم في تَطوُّعِ المُسافرِ على دَابَّتِه، حيثُ تَوجَّهَت بِه لِلقِبلَةِ وغيرِها، يُومِئُ إيماءً يَجعلُ السُّجودَ أخفَضَ من الرُّكوعِ، ويتشهَّدُ ويسلِّمُ، وهو جالِسٌ على دَابَّتِه وفي مَحَلِّه، إلَّا أنَّ بينَهم جَماعةً يَستَحبُّونَ أن يَفتتِحَ المُصلِّي صَلاتَه على القِبلَةِ في تَطوُّعِه على دَابَّتِه مُحرِمًا بها، وهو مُستَقبِلٌ القِبلةَ، ثم لا يُبالِي حيثُ تَوجَّهت بِه.

стр. 1192

ومنهُم مَنْ لم يَستَحبَّ ذلك، وقالَ: كمَا يَجوزُ له أن يَكونَ في سائرِ صَلاتِه إلى غيرِ القِبلةِ عامِدًا وهو عالِمٌ بذلك، فكَذلكَ افتِتاحُه لها، وإلى هذا ذَهب مالِكٌ وأصحابُه. وذَهب الشافِعيُّ وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ وأبو ثَورٍ إلى القولِ الأوَّلِ، واحتَجَّ بَعضُهم بحَديثِ أنَسٍ السابقِ. وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ وأبو ثَورٍ: هَكذا يَنبَغِي لِمَنْ يَتنفَّلُ على راحِلَتِه في السَّفرِ. وكانَ عَبد اللهِ بنُ عمرَ يَقولُ في قولِه تَعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. إنَّها نزلَت في صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في سَفرِه التَّطوُّعَ على الرَّاحِلةِ، وهوَ تَأويلٌ حَسَنٌ تُعَضِّدُه السُّنةُ (١). وما ذكرَه ابنُ عَبد البرِّ عن الشافِعيِّ وأحمدَ هو إحدَى الرِّوايَتَينِ عنهُما كمَا تَقدَّم، إلَّا أنَّ هناكَ تَفصيلًا عندَهم. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وحاصِلُ ما ذكرَهُ الأصحابُ أنَّ المُتنفِّلَ الرَّاكبَ في السَّفرِ إذا لم يُمكِنه الرُّكوعُ والسُّجودُ والاستِقبالُ في جَميعِ صَلاتِه بأن كانَ على سَرجٍ وَقَتبٍ ونحوِهِما، ففي وُجوبِ استِقبالِه القِبلةَ عندَ الإحرامِ أربَعةُ أوجُهٍ: أصحُّها: إن سَهلَ وجبَ، وإلَّا فلا، فالسَّهلُ أن تَكونَ الدَّابَّةُ واقِفةً وأمكَنَ انحِرافُه عليها أو تَحريفُها، أو كانَت سائِرةً وبيَدِه زِمامُها؛ فهيَ سَهلةٌ. وغيرُ السَّهلةِ أن تَكونَ مُقَطَّرةً أو صَعبةً.

стр. 1193

والثَّاني: لا يجبُ الاستِقبالُ مُطلَقًا، وصحَّحه المُصَنِّفُ -أي: الشِّيرازيُّ- وشَيخُه القاضِي أبُو الطَّيِّبِ. والثَّالثُ: يجبُ مُطلَقًا، فإن تَعَذَّرَ لم تَصحَّ صَلاتُه. الرَّابعُ: إن كانَتِ الدَّابَّةُ عندَ الإحرامِ مُتوَجِّهَةً إلى القِبلةِ أو طَريقِه أحرَم كما هو، وإن كانَت إلى غيرِها لم يَصحَّ الإحرامُ إلَّا إلى القِبلةِ، وقالَ القاضِي حُسَينٌ: نَصَّ الشافِعيُّ ﵀ في مَوضِعٍ على وُجوبِ الاستِقبالِ، وفي مَوضِعٍ: أنَّه لا يجبُ، فقيلَ: قولَانِ، وقيلَ: حالانِ، ويُفرَّقُ بينَ السَّهلِ وغيرِه، والاعتِبارُ في الاستِقبالِ بالرَّاكبِ دونَ الدَّابَّةِ، فلوِ استَقبَلَ هو عندَ الإحرامِ والدَّابَّةُ مُنحرِفةٌ أو مُستَدِيرةٌ أجزَأَهُ بِلا خِلافٍ، وعَكسُه: لا يَصحُّ إذا شَرَطنَا الاستِقبالَ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإن أمكَنَ افتِتاحُها إلى القِبلةِ كرَاكبِ راحِلةٍ مُنفَردةٍ تُطِيعُه، فهل يَلزمُه افتِتاحُها إلى القِبلةِ؟ يُخرَّجُ فيه رِوايتَانِ: إحداهُما: يَلزمُه لمَا رَوى أنَسٌ … الحَديثَ، ولأنَّه أمكَنَه ابتِداءُ الصَّلاةِ إلى القِبلَةِ، فلزِمه ذلكَ، كالصَّلاةِ كلِّها. والأُخرى: لا يَلزمُه؛ لأنَّه جُزءٌ مِنْ أجزاءِ الصَّلاةِ، أشبَهَ سائِرَ أجزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخلُو من مَشقَّةٍ، فسقطَ، وخَبرُ النَّبيِّ ﷺ يُحمَلُ على الفَضيلةِ والنَّدبِ (٢).

стр. 1194

وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وكانَ مِنْ هَديِه ﷺ صَلاةُ التَّطوُّعِ على راحِلَتِه حيثُ تَوَجَّهَت بِه، يُومِئُ إيماءً برَأسِه في رُكوعِه وسُجودِه، وسُجودُهُ أخفَضُ مِنْ رُكوعِه، ورَوى أحمدُ وأبو داودَ عنه مِنْ حَديثِ أنَسٍ أنَّه كانَ يَستَقبِلُ القِبلةَ عندَ تَكبيرةِ الافتِتاحِ، ثم يُصلِّي سائِرَ الصَّلواتِ حينَ تَوجَّهت بِه. ثم قالَ ﵀: «وفِي هذا الحَديثِ نَظرٌ: وسائِرُ مَنْ وَصَفَ صَلاتَه ﷺ على رَاحِلَتِه أطلَقُوا أنَّه كانَ يُصلِّي عليها قِبَلَ أيِّ جِهةٍ تَوَجَّهَت به، ولم يَستَثنُوا من ذلك تَكبيرةَ الإحرامِ ولا غيرَها، كعامِرِ بنِ رَبيعةَ (١)، وعَبد اللهِ بنِ عمرَ (٢)، وجابرِ بنِ عَبد الله (٣)، وأحاديثُهم أصحُّ من حَديثِ أنَسٍ هذا، واللهُ أعلَمُ» (٤). المُسافِرُ سَفرًا لا تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ: هل له أن يَتنفَّلَ على راحِلَتِه ودَابَّتِه أو لا؟ وهل له أن يُصلِّيَ على الرَّاحِلةِ في الحَضرِ أو لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسافرِ سَفرًا لا يَقصُرُ فيه الصَّلاةَ، هل له أن يَتنَفَّلَ على راحِلَتِه أو لا؟ على قولَينِ:

стр. 1195

الأوَّلُ: وهو قولُ الإمامِ مالِكٍ وأصحابِه أنَّه لا يَتطوَّعُ على الرَّاحِلةِ إلَّا في سَفرٍ يَقصُرُ في مِثلِه الصَّلاةَ. وحُجَّتُهم في ذلك أنَّ الأسفارَ التي حَكى ابنُ عمرَ وغيرُه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه صلَّى فيها على راحِلَتِه تَطوُّعًا كانَت ممَّا تُقصَرُ فيها الصَّلاةُ، فكَأنَّ الرُّخصةَ خرَجتَ على ذلك؛ فلا يَنبَغِي أن تَتَعَدَّى؛ لأنَّه شَيءٌ وقعَ به البَيانُ؛ كَأنَّه قالَ: إذا سافَرتُم مثلَ سَفرِي هذا فافعَلُوا بفِعلِي هذا. القولُ الآخَرُ: وهو قولُ جُمهورِ العُلماءِ أبي حَنيفَةَ والشافِعيِّ وأحمدَ وأصحابِهم: أنَّه يَجوزُ التَّطوُّعُ على الرَّاحِلةِ في خارِجِ المِصرِ في كلِّ سَفرٍ، وسَواءٌ كانَ ممَّا تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ أو لا. وحُجَّتُهم في هذا أنَّ الآثارَ في هذا البابِ ليس في شَيءٍ منها تَخصيصُ سَفرٍ، فكلُّ سَفرٍ جائِزٌ ذلك فيه، إلَّا أن يَخُصَّ شَيئًا من الأسفارِ ممَّا يجبُ التَّسليمُ لَه (١). أمَّا الصَّلاةُ في الحَضرِ -المِصرِ- على الرَّاحِلةِ: فقالَ أبو يُوسفَ: يُصلِّي في المِصرِ على الدَّابَّةِ أيضًا بالإيماءِ، وهو قولُ أبي سَعيدٍ الإِصطَخرِيِّ من الشافِعيَّةِ وأحَدُ القولَينِ في مَذهبِ الإمامِ أحمدَ (٢). قالَ النَّوويُّ ﵀: في تنَفُّلِ الحاضِرِ أربَعةُ أوجُهٍ: الصَّحيحُ المَنصوصُ
следующие страницы →