← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.

стр. 11306

القِسمُ الثالِثُ: انقِضاءُ العدَّةِ بالشُّهورِ: انقِضاءُ العدَّةِ بالأشهُرِ تَجبُ في حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: في الطَّلاقِ لمَن لا تَحيضُ لصِغَرٍ أو يَأسٍ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ إذا طلقَتْ أو فارقَتْ زوْجَها بسَببِ فَسخِ للنكاحِ وكانَتْ صَغيرةً لا تَحيضُ أو كَبيرةً قد يَئسَتْ مِنْ المَحيضِ أنَّ عدَّتَها ثَلاثةُ أشهُرٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أي: فعدَّتُهنَّ كذلكَ، ولأنَّ الأشهُرَ هُنا بَدلٌ عن الأقراءِ، والأصلُ مُقدَّرٌ بثَلاثةٍ، فكذلكَ البَدلُ. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ عدَّةَ اليائِسةِ مِنْ المَحيضِ لكِبَرٍ ثَلاثةُ أشهُرٍ، وأنَّ عدَّةَ التي لم تَحِضْ لصِغَرٍ ثَلاثةُ أشهُرٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ كانَتْ مِنْ الآيِساتِ أو ممَّن لم يَحضْنَ فعدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ). أجمَعَ أهلُ العِلمِ على هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَه في كِتابِه بقَولِه سُبحانَه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] (٢).

стр. 11307

الحالةُ الثانِيةُ: عدَّةُ المتوفَّى عنها زَوجُها غيرُ الحاملِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا تُوفِّيَ عنها زَوجُها وهيَ غَيرُ حامِلٍ أنَّ عدَّتَها أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ عدَّةَ المَرأةِ الحُرةِ المُسلمةِ التي ليسَتْ بحامِلٍ مِنْ وَفاةِ زَوجِها أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا، مَدخولًا بها أو غيرُ مَدخولٍ بها، صَغيرةً لم تَبلغْ أو كَبيرةً قد بلَغَتْ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: إنَّ المُسلمينَ اتَّفقُوا على أنَّ عدَّةَ الحُرةِ مِنْ زَوجِها الحُرِّ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ عدَّةَ الحُرةِ المُسلمةِ غيرِ ذاتِ الحَملِ مِنْ وَفاةِ زَوجِها أربَعةُ أشهرٍ وعَشرٌ، مَدخولًا بها أو غيرُ مَدخولٍ بها، سَواءٌ كانَتْ كَبيرةً بالِغةً أو صَغيرةً لم تَبلغْ؛ وذلكَ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقالَ النبيُّ ﷺ : «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» مُتفَقٌ عليه …

стр. 11308

إذا ثبَتَ هذا فإنه لا يُعتبَرُ وُجودُ الحَيضِ في عدَّةِ الوفاةِ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، وحُكيَ عن مالكٍ أنها إذا كانَتْ مَدخولًا بها وجَبَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ فيها حَيضةٌ، واتِّباعُ الكِتابِ والسُّنةِ أَولى، ولأنه لو اعتُبِرَ الحيضُ في حقِّها لَاعتبِرَ ثلاثةَ قَروءٍ كالمُطلقةِ، وهذا الخِلافُ يَختصُّ بذاتِ القُرءِ، فأما الآيِسةُ والصغيرةُ فلا خِلافَ فيها … والعَشرُ المُعتبَرةُ في العدَّةِ هي عَشرُ لَيالٍ بأيامِها، فتَجبُ عَشرةُ أيامٍ مع اللَّيالي، وبهذا قالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأبو عُبيدٍ وابنُ المُنذِرِ وأصحابُ الرأيِ. وقالَ الأوزاعيُّ: يَجبُ عَشرُ لَيالٍ وتسعةُ أيامٍ؛ لأنَّ العَشرَ تُستعملُ في اللَّيالي دونَ الأيامِ، وإنما دخَلَتِ الأيامُ اللَّاتي في أثناءِ اللَّيالي تَبعًا. قُلنَا: العَربُ تُغلِّبُ اسمَ التأنيثِ في العَددِ، خاصَّةً على المُذكَّرِ، فتُطلِقُ لفْظَ الليالي وتُريدُ اللَّياليَ بأيامِها، كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠] يُريدُ أيامَها؛ بدَليلِ أنه قالَ في مَوضعٍ آخَرَ: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] يُريدُ بلَياليها، ولو نذَرَ اعتِكافَ العَشرِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ لَزمَه اللَّيالي والأيامُ، ويَقولُ القائلُ: «سِرْنا عَشرًا» يُريدُ اللَّياليَ بأيامِها، فلَم يَجُزْ نقلُها عن العدَّةِ إلى الإباحةِ بالشكِّ (١).

стр. 11309

وإنما تَجبُ عليها العدَّةُ لإظهارِ الحُزنِ بفَوتِ نِعمةِ النكاحِ؛ إذ النكاحُ كانَ نِعمةٌ عَظيمةٌ في حقِّها؛ فإنَّ الزوجَ كانَ سبَبَ صِيانتِها وعَفافِها وإيفائِها بالنَّفقةِ والكِسوةِ والمَسكنِ، فوجَبَتْ عليها العدَّةُ إظهارًا للحُزنِ بفَوتِ النعمةِ وتَعريفًا لقَدرِها. وشَرطُ وُجوبِها النكاحُ الصَّحيحُ فقطْ، فتَجبُ هذهِ العدَّةُ على المُتوفَّى عنها زَوجُها، سواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، وسَواءٌ كانَتْ ممَّن تَحيضُ أو ممَّن لا تَحيضُ؛ لعُمومِ قَولِه : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولِما ذكَرْنا أنها تَجبُ إظهارًا للحُزنِ بفَوتِ نِعمةِ النِّكاحِ وقد وُجدَ، وإنَّما شرَطْنا النكاحَ الصَّحيحَ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَها على الأزواجِ، ولا يَصيرُ زَوجًا حَقيقةً إلا بالنكاحِ الصحيحِ، وسَواءٌ كانَتْ مُسلمةً أو كِتابيةً تحتَ مُسلمٍ؛ لعُمومِ النصِّ، ولوُجودِ المعنَى الذي وجَبَتْ له (١). عِدَّةُ المستَحاضةِ: قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في عدَّةِ المُستحاضةِ، فقالَتْ طائفةٌ: تَعتدُّ بالأقراءِ، كذلك قالَ الحَسنُ البَصريُّ والزُّهريُّ والنخَعيُّ والثوريُّ. وقالَ عِكرمةُ وقَتادُة: عدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وبه قالَ الشافعيُّ.

стр. 11310

وفيه قَولٌ ثالثٌ: وهو أنَّ عدَّتَها سَنةٌ، هذا قولُ ابنِ المُسيبِ ومالكٍ. وبه قولٌ رابعٌ: وهو أنها إنْ كانَتْ أقراؤُها مُستقيمةً فأقراؤُها، فإذا اختَلطَ عليها فعدَّتُها سَنةٌ، هذا قولُ أحمَدَ وإسحاقَ. وفيه قَولٌ خامِسٌ: وهو أنَّ عدَّتَها الأقراءُ إذا كانَتْ أيامُها مَعلومةً، فإنْ كانَتْ أيامُها مَجهولةً فعدَّتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، هذا قولُ أبي عُبيدٍ. قالَ أبو بَكرٍ: إنْ كانَتْ عالِمةً بأقرائِها فعدَّتُها الأقراءُ لا شكَّ فيهِ، وإنْ كانَتْ غيرَ عالِمةٍ بأيامِها وعَلِمتْ أنها كانَتْ تَحيضُ في كلِّ شَهرٍ حَيضةً فعدَّتُها تَنقضي حينَ تَمضِي ثلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ شكَّتْ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ تَربَّصتْ حتى تَستيقنَ أنَّ الأقراءَ الثلاثَ قد انقضَتْ، ثم تَحلُّ للأزواجِ (١). وقالَ الإمامُ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في عدَّةِ المُستحاضةِ. فقالَ مالكٌ: عدَّةُ المُستحاضةِ سَنةٌ، الحرَّةُ والأمَةُ في ذلك سَواءٌ، وهو قَولُ الليثِ، قالَ الليثُ: عدَّةُ المُطلقةِ والمُستحاضةِ المتوفَّى عنها سَنةٌ إذا كانَتْ مُستحاضةً. وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: عدَّةُ المُستحاضةِ وغيرِها سَواءٌ، ثلاثُ حِيَضٍ إنْ كانتِ الأقراءُ مَعروفًا مَوضعُها، وإلا فهيَ كالآيسةِ.

стр. 11311

وقالَ الشافِعيُّ: إذا طَبقَ عليها الدمُ فإنْ كانَ دَمُها يَنفصلُ فيَكونُ في أيامٍ أحمَرَ قانيًا مُحتدمًا كَثيرًا أو فيما بعدُ رَقيقًا قَليلًا فحَيضُها أيامُ الدمِ المُحتدمِ الكَثيرِ، وطُهرُها أيامُ الدمِ الرَّقيقِ المائلِ إلى الصُّفرةِ. وإنْ كانَ دَمُها مُشتبهًا كلُّه كانَ حَيضتُها بقَدرِ عَددِ أيامِ حَيضِها فيما مَضَى قبلَ الاستِحاضةِ. وإنْ بَدَتْ مُستحاضةً أو قيسَتْ أيامُ حَيضتِها ذكَرَتِ الصلاةَ يومًا وليلةً واستَقبلَ عليها الحَيضُ مِنْ أولِ هِلالٍ يَأتي عليها بعدَ وُقوعِ الطلاقِ، فإذا هَلَّ هِلالُ الشهرِ الرابعِ انقضَتْ عدَّتُها. وقالَ الحَسنُ البَصريُّ والزُّهريُّ وجابرُ بنُ زَيدٍ وعَطاءٌ والحَكمُ وإبراهيمُ وحمَّادٌ: تَعتدُّ المُستحاضةُ بالأقراءِ. وقالَ طاوسٌ وعِكرمةُ: تَعتدُّ بالشُّهورِ، وبه قالَ قَتادةُ. وقالَ أحمَد وإسحاقُ في المُستحاضةِ: إنْ كانَتْ أقراؤُها مَعلومةً مُستقيمةً فعِدتُها أقراؤُها، وإنْ اختلَطَتْ عليها فعِدتُها سَنةٌ. قالَ أبو عُبيدٍ: إذا جَهلَتْ أقراءَها فعِدتُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ عَلِمتْها اعتدَّتْ بها قالَ أبو عُمرَ: أما إذا كانَتْ أقراؤُها مَعلومةً فهيَ مِنْ ذواتِ الأقراءِ. فعِندَ جابرٍ أنْ تَعتدَّ بالشُهورِ، أليسَتْ عليها حَيضتُها وعَلِمتْ أنها تَحيضُ في كلِّ شَهرٍ مرَّةً اعتدَّتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ.

стр. 11312

وكذلكَ إنْ عَلِمتْ أنها ممَّن تَحيضُ لمدَّةٍ مَعلومةٍ اعتدَّتْ بأقرائِها وإنْ تَباعَدتْ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: عدَّةُ المُستحاضةِ لا تَخلُو: إما أنْ يَكونَ لها حَيضٌ مَحكومٌ به بعادَةٍ أو تَمييزٍ، أو لا تَكونَ كذلكَ. فإنْ كانَ لها حَيضٌ مَحكومٌ به بذلكَ فحُكمُها فيه حُكمُ غيرِ المُستحاضةِ إذا مرَّتْ لها ثَلاثةُ قُروءٍ فقدِ انقَضتْ عدَّتُها، قالَ أحمَدُ: المُستحاضةُ تَعتدُّ أيامَ أقرائِها التي كانَتْ تَعرفُ، وإنْ عَلِمتْ أنَّ لها في كلِّ شَهرٍ حَيضةً ولم تَعلمْ مَوضعِها فعدَّتُها ثلاثةُ أشهُرٍ، وإنْ شكَّتْ في شَيءٍ تربَّصَتْ حتى تَستيقنَ أنَّ القُروءَ الثلاثَ قد انقَضتْ. وإنْ كانَتْ مُبتدأةً لا تَمييزَ لها أو ناسِيةً لا تَعرفُ لها وَقتًا ولا تَمييزًا فعَن أحمَدَ رِوايتانِ: إحداهُما: أنَّ عدَّتَها ثَلاثةُ أشهُرٍ، وهو قَولُ عِكرمةَ وقَتادةَ وأبي عُبيدٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ حمْنَةَ بنتَ جَحشٍ أنْ تَجلسَ في كلِّ شَهرٍ ستَّةَ أيامٍ أو سَبعةً، فجعَلَ لها حَيضةً في كلِّ شَهرٍ تَتركُ فيها الصلاةَ والصيامَ ويَثبتُ فيها سائرُ أحكامِ الحَيضِ، فيَجبُ أنْ تَنقضيَ به العدَّةُ؛ لأنَّ ذلك مِنْ أحكامِ الحيضِ.

стр. 11313

والرِّوايةُ الثانيةُ: تَعتدُّ سَنةً، بمَنزلةِ مَنْ رُفعَتْ حَيضتُها لا تَدرِي ما رفَعَها، قالَ أحمَدُ: إذا كانَتْ قد اختَلطَتْ ولم تَعلمْ إقبالَ الدمِ وإدبارَه اعتدَّتْ سَنةً؛ لحَديثِ عُمرَ؛ لأنَّ به يَتبينُ الحَملُ، وهو قَولُ مالكٍ وإسحاقَ؛ لأنها لم تَتيقنْ لها حَيضًا مع أنها مِنْ ذَواتِ القُروءِ، فكانَتْ عِدتُها سَنةً كالتي ارتَفعَ حيضُها. وعلى الرِّوايةُ الأُولى يَنبغي أنْ يقالَ: إنَّنا متَى حكَمْنا بأنَّ حيضَها سَبعةُ أيامٍ مِنْ كلِّ شَهرٍ فمَضَى لها شَهرانَ بالهِلالِ وسَبعةُ أيامٍ مِنْ أولِ الثالثِ فقَدِ انقَضتْ عِدتُها، وإنْ قُلنَا: «القُروءُ الأطهارُ» فطلَّقَها في آخِرِ شَهرٍ ثم مَرَّ لها شَهرانِ وهَلَّ الثالثُ انقَضتْ عِدتُها، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ (١). عِدَّةُ المُختلِعةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في عدَّةِ المُختلِعةِ، هل هي كعدَّةِ المُطلَّقةِ ثَلاثةُ قُروءٍ؟ أم عدَّتُها حَيضةٌ واحِدةٌ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ كعدَّةِ المطلَّقةِ؛ فإنْ كانَتْ ممَّن تَحيضُ فعدَّتُها ثلاثةُ قُروءٍ، وإنْ كانَتْ مِنْ اليائِساتِ فثلاثةُ أشهُرٍ، وكذا كلُّ فُرقةٍ بينَ زوجَينِ فعدَّتُها عدَّةُ الطلاقِ، سواءٌ كانَتْ بخُلعٍ أو لِعانٍ أو رَضاعٍ أو فَسخٍ بعَيبٍ أو إعسارٍ أو إعتاقٍ أو اختِلافِ دِينٍ أو غَيرِه في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛

стр. 11314

لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنها فُرقةٌ بعدَ الدُّخولِ في الحَياةِ، فكانَتْ ثَلاثةَ قُروءٍ كغَيرِ الخُلعِ (١). قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: واختَلفَ أهلُ العلمِ في عدَّةِ المُختلِعةِ؛ فقالَ أكثَرُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ وغَيرِهم: إنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ عدَّةُ المُطلَّقةِ ثَلاثُ حِيَضٍ، وهو قَولُ سُفيانَ الثوريِّ وأهلِ الكوفةِ، وبه يَقولُ أحمَدُ وإسحاقُ، وقالَ بَعضُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ وغَيرِهم: إنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ حَيضةٌ، قالَ إسحاقُ: وإنْ ذهَبَ ذاهِبٌ إلى هذا فهو مَذهبٌ قَويٌّ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يَقولونَ: عدَّةُ المُختلِعةِ عدَّةُ المطلَّقةِ، منهُم سَعيدُ بنُ المُسيبِ وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ وعُروةُ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ والحسَنُ والشعبيُّ والنخَعيُّ والزُّهريُّ وقَتادةُ وخلاسُ بنُ عَمرٍو وأبو عِياضٍ ومالكٌ واللَّيثُ والأوزاعيُّ والشافعيُّ (٣). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ -وهو مَرويٌّ عن عُثمانَ بنِ عفانَ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبانَ بنِ عُثمانَ- وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ وابنُ تَيميةَ وابنُ

стр. 11315

القيِّمِ إلى أنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ حَيضةٌ؛ لِما رَوى ابنُ عبَّاسٍ ﵄ «أنَّ امرَأةَ ثابِتِ بن قَيسٍ اختلَعتْ منه فجعَلَ النبيُّ ﷺ عدَّتَها حَيضةً» (١). وعن مُحمدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ الرُّبيِّعَ بنتَ مُعوِّذِ بنِ عَفراءَ أخبَرتْه «أنَّ ثابتَ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ ضرَبَ امرَأتَه فكسَرَ يدَها وهيَ جَميلةُ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ أبَيٍّ، فأتَى أخوها يَشتكيهِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى ثابتٍ فقالَ له: «خُذْ الذي لها عليكَ وخَلِّ سَبيلَها، قالَ: نعَم، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تترَبَّصَ حَيضةً واحِدةً فتَلحقَ بأهلِها» (٢). وعن سُليمانَ بنِ يَسارٍ عَنِ الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذِ بنِ عَفراءَ «أنها اختلَعَتْ على عَهدِ النبيِّ ﷺ فأمَرَها النبيُّ ﷺ أو أُمِرتْ- أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ» (٣). وعن عُبادةَ بنِ الوَليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصامتِ عنْ رُبيِّعَ بنتِ مُعوِّذٍ قالَ: قُلتُ لها: حَدِّثيني حَديثَكِ، قالتْ: «اختَلعْتُ مِنْ زَوجِي ثمَّ جِئتُ عُثمانَ فَسألتُه: ماذا عليَّ مِنْ العدَّةِ؟ فقالَ: لا عِدَّةَ عليكِ إلا أنْ تَكوني حدِيثةَ عَهدٍ بهِ فتَمكُثِي حتى تَحيضي حَيضةً، قالَ: وأنا مُتبِعٌ في ذلكَ قَضاءَ رَسولِ اللهِ

стр. 11316

ﷺ في مَريمَ المَغاليةِ، كانَتْ تحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ فاختَلعَتْ منهُ» (١). وعَن مالِكٍ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «عدَّةُ المُختلِعةِ حَيضةٌ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقد اختَلفَ الناسُ في عدَّةِ المُختلِعةِ؛ فذهَبَ إسحاقُ وأحمَدُ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ عنه دَليلًا أنها تَعتدُّ بحَيضةٍ واحِدةٍ، وهو مَذهبُ عُثمانَ بنِ عفَّانَ وعَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، وقَد حكَى إجماعَ الصحابةِ ولا يُعلَمُ لهُما مُخالِفٌ، وقدْ دلَّتْ عليهِ سنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ الصَّحيحةُ دَلالةً صَريحةً، وعُذرُ مَنْ خالَفَها أنها لم تَبلغْه أو لم تَصحَّ عندَه أو ظَنَّ الإجماعَ على خِلافِ مُوجبِها، وهذا القَولُ هو الراجحُ في الأثَرِ والنَّظرِ، أمَّا رُجحانُه أثَرًا فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يأمُرِ المختلِعةَ قطُّ أنْ تَعتدَّ بثَلاثِ حِيضٍ، بل قَدْ رَوى أهلُ السُّننِ عنهُ مِنْ حديثِ الرُّبيعِ بنتِ مُعوِّذٍ «أنَّ ثابتَ بنَ قَيسٍ ضرَبَ امرأتَه فكسَرَ يَدَها وهي جَميلةُ بنتُ عَبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ، فأتى أخُوها يَشتكِي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى ثابِتٍ فقالَ: خُذِ الذي لها عليكَ وخَلِّ سَبيلَها، قالَ: نعمْ، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَتربَّصَ حَيضةً واحِدةً وتَلحقَ بأهلِها»، وذكَرَ أبو داودَ والنسائيُّ مِنْ حَديثِ ابن عبَّاسٍ: «أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ

стр. 11317

قَيسٍ اختَلعَتْ مِنْ زَوجِها فأمَرَها النبيُّ ﷺ أو أُمرَتْ أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ»، قالَ التِّرمذيُّ: الصَّحيحُ أنها أُمرَتْ أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ، وهذهِ الأحادِيثُ لها طُرقٌ يُصدِّقُ بعضُها بعضًا، وأُعِلَّ الحَديثُ بعِلَّتينِ: إحداهُما: إرسالُه، والثانيةُ: أنَّ الصَّحيحَ فيهِ «أُمِرتْ» بحَذفِ الفاعِلِ، والعِلَّتانِ غيرُ مؤثِّرتَينِ، فإنه قد رُويَ مِنْ وُجوهٍ متَّصِلةٍ، ولا تَعارضَ بينَ «أُمرَتْ» و «أمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ »؛ إذْ مِنْ المُحالِ أنْ يَكونَ الآمِرُ لها بذلكَ غيرَ رَسولِ اللهِ ﷺ في حَياتِه، وإذا كانَ الحَديثُ قد رُويَ بلَفظٍ مُحتمَلٍ ولَفظٍ صَريحٍ يُفسِّرُ المُحتمَلَ ويبيِّنُه فكيفَ يُجعلُ المُحتمَلُ معارِضًا للمُفسِّرِ بل مُقدَّمًا عليه؟! ثمَّ يَكفي في ذلكَ فَتاوَى أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ أبو جَعفرٍ النحَّاسُ في كِتابِ «النَّاسِخ والمَنسُوخ»: هو إجماعٌ مِنْ الصحابةِ. وأمَّا اقتِضاءُ النَّظرِ له: فإنَّ المُختلِعةَ لم تَبْقَ لزَوجِها عليها عدَّةٌ، وقَد ملَكَتْ نفسَها وصارَتْ أحَقَّ ببُضعِها، فلها أنْ تتزوَّجَ بعدَ بَراءةِ رَحمِها، فصارَتِ العدَّةُ في حقِّها بمُجرَّدِ بَراءةِ الرَّحمِ، وقد رَأيْنا الشَّريعةَ جاءَتْ في هذا النَّوعِ بحَيضةٍ واحِدةٍ كما جاءَتْ بذلكَ في المَسبيَّةِ والمَملوكةِ بعَقدِ مُعاوَضةٍ أو تَبرعٍ والمُهاجِرةِ مِنْ دارِ الحَربِ، ولا رَيبَ أنها جاءَتْ بثَلاثةِ أقراءٍ في الرَّجعيةِ. والمُختلِعةُ فَرعٌ مُتردِّدٌ بينَ هَذينِ الأصلَينِ، فيَنبغِي إلحاقُها بأشبَهِهما بها، فنَظرْنا فإذا هي بذَواتِ الحَيضةِ أشبَهُ.

стр. 11318

[تَقسيمُ النِّساءِ بالنَّسبةِ إلى العدَّة:] وممَّا يُبيِّنُ حِكمةَ الشَّريعةِ في ذلكَ أنَّ الشارعَ قسَّمَ النِّساءَ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: المُفارَقةُ قبلَ الدُّخولِ، فلا عدَّةَ عَليها ولا رَجعةَ لزَوجِها فيها. الثَّاني: المُفارَقةُ بعدَ الدُّخولِ إذا كانَ لزَوجِها عليها رَجعةٌ، فجعَلَ عدَّتَها ثَلاثةَ قُروءٍ، ولم يَذكرْ سُبحانَه العدَّةَ بثَلاثةِ قروءٍ إلا في هذا القسمِ كما هُو مصرَّحٌ به في القُرآنِ في قَولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكذا في سُورةِ الطلاقِ لمَّا ذكَرَ الاعتِدادَ بالأشهُرِ الثلاثةِ في حقِّ مَنْ إذا بلغَتْ أجَلَها خُيِّرَ زَوجُها بينَ إمساكٍ بمَعروفٍ أو مُفارَقتِها بإحسانٍ، وهيَ الرَّجعيةُ قَطعًا، فلَم يَذكرِ الأقراءَ أو بدَلَها في حقِّ بائنٍ ألبتَّةَ. القِسمُ الثالثُ: مَنْ بانَتْ عن زَوجِها وانقطَعَ حقُّه عنها بسَبيٍ أو هِجرةٍ أو خُلعٍ، فجعَلَ عدَّتَها حَيضةً للاستِبراءِ، ولم يَجعلْها ثَلاثًا؛ إذْ لا رَجعةَ للزوجِ، وهذا في غايةِ الظُّهورِ والمناسَبةِ، وأمَّا الزَّانيةُ والمَوطوءةُ بشُبهةٍ فمُوجَبُ الدليلِ أنها تُستبْرَأُ بحَيضةٍ فقطْ، ونصَّ عليهِ أحمَدُ في الزَّانيةِ، واختارَهُ شَيخُنا في المَوطوءةِ بشُبهةٍ، وهو الرَّاجحُ، وقياسُهُما على المُطلَّقةِ الرَّجعيةِ مِنْ أبعَدِ القِياسِ وأفسَدِه (١).

стр. 11319

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في عدَّةِ المُختلِعةِ، فقالَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ وابنُ عُمرَ: عدَّتُها حَيضةٌ، وبه قالَ أبانُ بنُ عثمانَ وإسحاقُ بنُ رَاهويهِ. وفيهِ قَولٌ ثانٍ: وهو أنَّ عدَّتَها عدَّةُ المطلَّقةِ، روينَا هذا القَولَ عن عَليِّ ابنِ أبي طالِبٍ، وبهِ قالَ ابنُ المُسيبِ وسُليمانُ بنُ يسارٍ والحسَنُ والشعبيُّ وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ وأبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ والنخَعيُّ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والزُّهريُّ وقَتادةُ وخلاسُ بنُ عمرٍو وأبو عياضٍ ومالِكٌ واللَّيثُ بنُ سعدٍ والأوزاعيُّ والثوريُّ والشافعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ. قالَ أبو بَكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لحَديثٍ روينَاهُ عن النبيِّ ﷺ «أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اختَلعَتْ منهُ، فجعَلَ النبيُّ ﷺ عدَّتَها حيضةً»، ولقَولِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ وابنِ عُمرَ، ولا يَثبتُ حَديثُ عليٍّ (١). عِدَّةُ الزانيةِ لغَيرِ الزاني بها: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ الزانيةِ هل عليها عِدَّةٌ أو استِبراءٌ؟ أم ليسَ عليها عدَّةٌ ويَجوزُ لها أنْ تتزوَّجَ ممَّن زَنَى بها أو غيرِه؟

стр. 11320

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا عدَّةَ على الزانيةِ ويَجوزُ لها أنْ تتزوَّجَ؛ إذ لا حُرمةَ لماءِ الزِّنا، ويَحلُّ وَطؤُها وتَستحقُّ النَّفقةَ عندَ الحَنفيةِ، ويَجوزُ العَقدُ عليها حتى لو كانَتْ حامِلًا، إلا أنه لا يَدخلُ بها حتى تضَعَ حمْلَها عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ عَقدُ النكاحُ على المَزنِيّ بها حتَّى تُستبرأَ مِنْ الزنا، ولا على الحامِلِ مِنْ الزِّنا، ولو كانَ هو الزَّاني بها؛ لقَولِه : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فعَمَّ، ولأنها حامِلٌ، فحَرُمَ عليه نِكاحُها كسائرِ الحَواملِ (٢).

стр. 11321

قالَ المالِكيةُ: الرجلُ إذا زنَى بالمَرأةِ ثم أرادَ نِكاحَها فذلكَ جائزٌ له بعدَ أنْ يَستبرئَها عن مائِه الفاسِدِ، وإنْ عقَدَ النكاحَ قبلَ أنْ يَستبرئَها فهو كالناكِحِ في العدَّةِ، ولا تَحلُّ له أبدًا إنْ كانَ وَطؤُه في ذلكَ. قالَ مالِكٌ: وإذا تزوَّجَ امرأةً حُرةً فدخَلَ بها فجاءَتْ بوَلدٍ بعدَ شَهرٍ أنه لا يَنكحُها أبدًا؛ لأنه وَطأَها في عدَّةٍ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أما حُجةُ مالكٍ فإنه قاسَ استِبراءَ الرَّحمِ مِنْ الزِّنى بثلاثِ حِيَضٍ في الحُرةِ على حُكمِ النكاحِ الفاسدِ المَفسوخِ؛ لأنَّ حُكمَ النكاحِ الفاسدِ عندَ الجَميعِ كالنكاحِ الصَّحيحِ في العدَّةِ، فكذلكَ الزِّنى؛ لأنه لا يَستبرئُ رَحِمَ غيرِه في حرَّةٍ بأقلَّ مِنْ ثلاثِ حِيَضٍ قياسًا على العدَّةِ (١). وقالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: ورَأى مالِكٌ أنَّ ماءَ الزِّنا وإنْ كانَ لا حُرمةَ له فماءُ النكاحِ له حُرمةٌ، ومِن حُرمتِه ألا يُصَبَّ على ماءِ السِّفاحِ فيُخلطَ الحَرامُ بالحَلالِ ويُمزجَ ماءُ المَهانةِ بماءِ العزَّةِ، فكانَ نَظرُ مالكٍ أشَدَّ مِنْ نَظرِ سائرِ فُقهاءِ الأمصارِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: المَرأةُ إذا زنَتْ لم يَحلَّ نكاحُها إلا إذا استُبرئَتْ بالأقراءِ أو الشُّهورِ عندَ عَدمِ القُرءِ، فيَلزمُها العدَّةُ ويَحرمُ نكاحُها فيها؛ لأنها في

стр. 11322

الأصلِ لمَعرفةِ بَراءةِ الرَّحمِ، ولأنها قبلَ العدَّةِ يُحتملُ أنْ تَكونَ حامِلًا فيَكونَ نِكاحُها باطِلًا، فلَم يَصحَّ كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ، ولأنه إذا لم يَصحَّ نكاحُ الحامِلِ فغيرُها أَولى؛ لأنَّ وطْءَ الحاملِ لا يُفضِي إلى اشتباهِ النَّسبِ، ولأنه وَطءٌ في القُبلِ، فأوجَبَ العدَّةَ كوَطءِ الشُّبهةِ (١). إلا أنَّ الإمامَ ابنَ قُدامةَ ﵀ قالَ: وكلُّ مُعتدةٍ مِنْ غيرِ النكاحِ الصَّحيحِ كالزانيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ فقياسُ المَذهبِ تَحريمُ نِكاحِها على الواطئِ وغَيرِه. والأَولى حِلُّ نِكاحُها لمَن هي مُعتدةٌ منه إنْ كانَ يَلحقُه نَسبُ وَلدِها؛ لأنَّ العدَّةَ لحِفظِ مائِه وصِيانِة نَسبِه، ولا يُصانُ ماؤُه المُحترمُ عن مائِه المُحترمِ، ولا يُحفظُ نَسبُه عنه، ولذلكَ أُبيحَ للمُختلعةِ نِكاحُ مَنْ خالَعَها، ومَن لا يَلحقُه نَسبُ وَلدِها كالزانيةِ لا يَحلُّ له نِكاحُها؛ لأنَّ نِكاحَها يُفضي إلى اشتباهِ النَّسبِ، فالواطئُ كغَيرِه في أنَّ الولَدَ لا يلحَقُ نَسبُه بواحِدٍ منهُما (٢). وأما إنِ استُبرئَتِ الزانيةُ ولم تَكنْ حامِلًا فقَدِ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَجوزُ لها أنْ تَتزوجَ.

стр. 11323

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: وقد أجمَعَ أهلُ الفَتوَى مِنْ الأمصارِ على أنه لا يَحرمُ على الزاني تَزوُّجُ مَنْ زَنَى بها (١). وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ النكاحِ. عِدَّةُ الموطُوءةِ بشُبهةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في عدَّةِ المَوطوءةِ لشُبهةٍ -كأنْ زُفَّتْ إلى غيرِ زَوجِها، والمَوجودةِ لَيلًا على فِراشِه- هل عدَّتُها مثلُ المُعتدةِ مِنْ نكاحٍ صَحيحٍ؟ أم تُستبرأُ بحَيضةٍ واحدةٍ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَوطوءةَ بشُبهةِ النكاحِ -بأنْ زُفَّتْ إليه غيرُ امرَأتِه فوَطئَها- فإنه يَجبُ عليها العدَّةُ كالمَوطوءةِ في نكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ الشُّبهةَ تُقامُ مَقامَ الحقيقةِ في مَوضعِ الاحتياطِ، وإيجابُ العدَّةِ مِنْ بابِ الاحتياطِ. ويَحرمُ على زَوجِها الأولِ أنْ يَطأَها؛ لأنها عدَّةٌ قُدِّمتْ على حقِّ الزَّوجِ، فمُنعَ مِنْ الوَطءِ قبلَ انقِضائِها، لا الاستِمتاع؛ لأنَّ تَحريمَها لعارِضٍ يَختصُّ بالفَرجِ، فأُبيحَ الاستِمتاعُ منها بما دُونَه كالحيضِ (٢).

стр. 11324

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والمَوطوءةُ بشُبهةٍ تَعتدُّ عدَّةَ المطلَّقةِ، وكذلكَ المَوطوءةُ في نِكاحٍ فاسدٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّ وَطءَ الشُّبهةِ في النكاحِ الفاسدِ في شُغلِ الرحمِ ولُحقوقِ النسبِ كالوَطءِ في النكاحِ الصَّحيحِ، فكانَ مِثلَه فيما تَحصلُ به البَراءةُ، وإنْ وُطئَتِ المزوَّجةُ بشُبهةٍ لم يَحلَّ لزَوجِها وَطؤُها قبلَ انقِضاءِ عدَّتِها؛ كَيلَا يُفضيَ إلى اختلاطِ المياهِ واشتباهِ الأنسابِ، وله الاستمتاعُ منها بما دُونَ الفَرجِ في أحَدِ الوَجهينِ؛ لأنها زَوجةٌ حَرُمَ وَطؤُها لعارِضٍ مُختصٍّ بالفرجِ، فأُبيحَ الاستمتاعُ منها بما دُونَه كالحائضِ (١). قالَ الحَنفيةُ: وللمَوطوءةِ بشُبهةٍ أنْ تُقيمَ مع زَوجِها الأولِ، ونَفقتُها وسُكناها على زَوجِها الأولِ؛ لأنَّ النكاحَ بينَهُما قائمٌ، إنما حَرُمَ الوَطءُ، وليسَ لها أنْ تَخرجَ إلا بإذنِ زَوجِها الأولِ، فإنْ أَذِنَ لها فلها أنْ تَخرجَ وإنْ لم تَنقَضِ عدَّتُها، وهذا إذا لم تَكنْ راضِيةً بالوَطءِ، أما إذا كانَتْ راضيةً عالِمةً فلا نَفقةَ لها. وقُيِّدَ الوطءُ بشُبهةٍ لأنه لو تَزوَّجَ امرأةَ الغيرِ عالِمًا بذلكَ ودخَلَ بها لا تَجبُ العدَّةُ عليها، حتى لا يَحرمُ على الزَّوجِ وَطؤُها، وبه يُفتَى؛ لأنه زنًا والمَزنِيُّ بها لا تَحرمُ على زوجِها (٢).

стр. 11325

وقالَ المالِكيةُ: الحُرةُ إذا وُطئَتْ بزنًا أو وُطئَتْ بشُبهةٍ إما غلَطًا أو بنكاحٍ فاسِدٍ مُجمَعٍ عليه كمُحرَّمِ نَسبٍ أو رَضاعٍ أو لا أو غابَ عليها غاصِبٌ ثم خلَصَتْ منه فإنه يَجبُ عليها في هذه الأمورِ أنْ تَمكثَ قدْرَ عدَّتِها على تَفصيلِها السابقِ، فإنْ كانَتْ مِنْ ذَواتِ الحيضِ فإنها تَمكثُ ثَلاثةَ أقراءٍ استبراءً لا عدَّةً، أو ثَلاثةَ أشهُرٍ إنْ كانَتْ صَغيرةً أو يائِسةً، أو سَنةً إنْ تأخَّرَ حيضُها بلا سَببٍ أو كانَتْ مُستحاضةً ولم تميِّزْ أو مَريضةً، ولا يُعتبَرُ قولُ المَرأةِ: «إنَّ الغاصِبَ ومَن معَه لم يَطَآني»، ولا تُصدقُ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ ولو وافَقَها على ذلكَ الغاصِبُ ومَن معَه؛ لأنَّ الاستبراءَ لحقِّ اللهِ … ولا يَجوزُ للزوجِ أنْ يطَأَ زَوجتَه في مُدةِ استِبرائِها، إلا أنْ تَكونَ ظاهِرةَ الحَملِ، ومثلُه الاستِمتاعُ كما في سَماعِ ابنِ القاسمِ، ولا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَعقدَ على تلكَ المَرأةِ في زَمنِ استبرائِها ممَّا ذُكرَ، سَواءٌ كانَ العاقدُ زوْجَها الذي فسَخَ نِكاحَه منها، أو كانَ العاقِدُ أجنَبيًّا (١). وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ وُطئَتِ امرَأةٌ بشُبهةٍ .. وجبَتْ عليها العدَّةُ؛ لأنَّ الوطءَ في الشُّبهةِ كالوطءِ في النكاحِ في النَّسبِ، فكانَ كوَطءِ النكاحِ في إيجابِ العدَّةِ. فإنْ كانَتْ حرَّةً .. اعتَدَّتْ بعدَّةِ الطلاقِ (٢).

стр. 11326

وذهَبَ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ إلى أنَّ المَوطوءةَ بشُبهةٍ تُستبرأُ بحَيضةٍ واحِدةٍ، قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأما الزانيَةُ والمَوطوءةُ بشُبهةٍ فمُوجَبُ الدليلِ أنها تُستبرأُ بحَيضةٍ فقطْ، ونَصَّ عليهِ أحمَدُ في الزانيةِ، واختارَهُ شَيخُنا في المَوطوءةِ بشُبهةٍ، وهو الراجِحُ، وقياسُهُما على المطلَّقةِ الرَّجعيةِ مِنْ أبعَدِ القياسِ وأفسَدِه (١). عِدَّةُ مَنْ استَدخلَتْ مَنيًّا إلى فَرجِها: نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ على أنَّ المَرأةَ إذا استَدخلَتْ مَنيًّا في فَرجِها تَظنُّه مَنيَّ زَوجِها وجَبَتِ العدَّةُ عليها كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ. قالَ الشافِعيةُ: إذا استَدخلَتِ المَرأةُ مَنيَّ مَنْ تَظنُّه زوْجَها وجَبَتِ العدَّةُ عليها كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: وفي كُتبِ الشافِعيةِ: «إذا أدخَلَتْ مَنيًّا فرْجَها ظنَّتْه مَنيَّ زَوجٍ أو سَيدٍ وجَبَتِ العدَّةُ عليها كالمَوطوءةِ بشُبهةٍ»، ولم أرَهُ لأصحابِنا، والقواعِدُ لا تَأباهُ؛ لأنَّ وُجوبَها لتُعرفَ بَراءةُ الرَّحمِ كما سَيأتي في الحُدودِ، ووُجوبُها بسَببِ أنَّ الشُّبهةَ تُقامُ مَقامَ الحَقيقةِ في مَوضعِ الاحتياطِ، وإيجابُ العدَّةِ مِنْ بابِ الاحتياطِ، ولا حِدادَ عليها في هذه العدَّةِ (٣).

стр. 11327

عِدَّةُ زَوجةِ الأسيرِ: زَوجةُ الأسيرِ ليسَ لها أنْ تَتزوجَ ولا تَعتدَّ حتى تَعلمَ يَقينَ وَفاتِه. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ زَوجةَ الأسيرِ لا تَنكحُ حتى تَعلمَ يَقينَ وَفاتِه، وهذا قَولُ النخَعيِّ والزُّهريِّ ويَحيَى الأنصاريِّ ومَكحولٍ والشافِعيِّ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وأصحابِ الرأيِ (١). عِدَّةُ زَوجةِ المفقُودِ ومَن في حُكمِه: المَفقودُ: هو مَنْ انقَطعَ خبَرَه مع إمكانِ الكَشفِ عنه، فيَخرجُ الأسيرُ؛ لأنه لم يَنقطعْ خبَرُه، ويَخرجُ المَحبوسُ الذي لا يُستطاعُ الكَشفُ عنه (٢). إذا غابَ الرَّجلُ عن امرَأتِه لم يَخلُ مِنْ حالَينِ: أحَدُهما: أنْ تكونَ غَيبةً غيرَ مُنقطِعةٍ يُعرفُ خبَرُه ويَأتي كِتابُه، فهذا ليسَ لامرَأتِه أنْ تَتزوجَ في قولِ أهلِ العِلمِ أجمَعينَ، إلا أنْ يَتعذرَ الإنفاقُ عليها مِنْ مالِه فلَها أنْ تَطلبَ فسْخَ النكاحِ فيُفسخُ نِكاحُه (٣). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: أنْ يَكونَ مُتَّصلَ الأخبارِ مَعلومَ الحَياةَ، فنِكاحُ زَوجتِه مُحالٌ وإنْ طالَتْ غَيبتُه، وسواءٌ ترَكَ لها مالًا أم لا، وليسَ لها أنْ تَتزوجَ غيرَه، وهذا مُتفَقٌ عليه (٤).

стр. 11328

الحالُ الثاني: أنْ يُفقدَ ويَنقطعَ خبَرُه ولا يُعلَمَ له مَوضعٌ، فهذا يَنقسمُ قِسمينِ: أحَدُهما: أنْ يكونَ ظاهِرُ غَيبتِه السلامةَ كسَفرِ التِّجارةِ في غيرِ مَهلكةٍ وطَلبِ العلمِ والسِّياحةِ: فهذا لا يَخلُو مِنْ ضَربينِ: الضَّربُ الأولُ: أنْ لا يَكونَ له مالٌ تُنفِقُ منه: إذا فُقدُ الزوجُ وكانَ فقيرًا أو لم يَتركْ لزَوجتِه مالًا تُنفقُ منه فيَجوزُ لها فَسخُ النكاحِ لعَدمِ النَّفقة عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ على تَفصيلٍ عندَهم سَيأتي في كِتابِ النَّفقةِ. الضَّربُ الثاني: أنْ يَكونَ له مالٌ تُنفقُ منه: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا غابَ غَيبةً ظاهِرُها السلامةُ -كمَن سافَرَ لتِجارةٍ في غَيرِ مَهلكةٍ أو لطَلبِ العلمِ أو السِّياحةِ- وانقَطعَ خبَرُه ولا يُعرَفُ أحَيٌّ هو أم مَيتٌ؟ هل تَبقى الزَّوجيةُ كما هي؟ أم تَزولُ الزَّوجيةُ بعدَ مُدةٍ مُعيَّنةٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ لزَوجتِه أنْ تَتزوجَ غيرَه، وأنَّ الزَّوجيةَ باقيةٌ حتى تَتيقنَ مَوتَه أو طَلاقَه أو تَمضيَ مُدةٌ لا يَعيشُ مثلُه إلى مثلِها، وهي عندَ الحَنابلةِ تِسعونَ سَنةً مِنْ يَومِ وُلدَ؛ لأنَّ الظاهرَ أنه لا يَعيشُ أكثَرَ منها (١)؛ لِما رواهُ الدَّارقطنيُّ عن

стр. 11329

المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ مرفوعًا: «امرأةُ المَفقودِ امرَأتُه حتَّى يَأتيَها البَيانُ» (١)، وهو نَصٌّ إنْ ثبَتَ، ولأنَّ مَنْ جُهلَ مَوتُه لم يُحكمُ بوَفاتِه كمَن غابَ أقلَّ مِنْ أربعِ سِنينَ، ولأنه لمَّا جَرَى عليه حُكمُ الحياةِ في مالِه مع الجَهلِ بحَياتِه جَرَى عليه حُكمُ الحياةِ في زَوجاتِه كما يَجرِي عليه حُكمُ الحَياةِ في أمَّهاتِ أولادِه، ولأنه لو غابَتِ الزوجةُ حتى خَفِيَ خبَرُها لم يَجُزْ أنْ يُحكمَ بمَوتِها في إباحةِ أختِها لزوجِها ونكاحِ أربَعٍ سِواها، كذلكَ غَيبةُ الزوجِ، ولأنه لمَّا جَرَى عليهِ في غَيبتِه حُكمُ طَلاقِه وظِهارِه جرَى عليها حُكمُ الزوجيةِ في تَحريمِها على غيرِه. ولِما رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قال: «ليسَ الذي قالَ عُمرُ ﵁ بشَيءٍ، يعني في امرَأةِ المَفقودِ هِي امرَأةُ الغائبِ حتَّى يَأتيَها يَقينُ مَوتِه أو طَلاقُها، ولها الصَّداقُ مِنْ هذا بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها ونِكاحُه باطِلٌ» (٢). وقالَ البَيهقيُّ: وروينَا عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عن عَليٍّ ﵁ قالَ: «هي امرَأةُ الأولِ، دخَلَ بها الآخَرُ أو لم يَدخلْ بها»، وهو قولُ النخَعيِّ والحَكمِ ابنِ عُتيبةَ وغَيرِهما (٣).

стр. 11330

ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، وهُنَّ ذواتُ الأزواجِ، ولأنه لم يَثبتْ مَوتُ الزَّوجِ ولا عَلِمْنا موته في الظاهِرِ، فلا يَجوزُ أنْ تَتزوجَ كما كانَ قبلَ أربعِ سِنينَ. ولأنَّ كلَّ حالةٍ لا تحكمُ بانتقالِ مالِ المَفقودِ إلى الوَرثةِ لا يُباحُ لامرَأتِه أنْ تَتزوجَ، أصلُه إذا مَضَى أقلُّ مِنْ أربعِ سِنينَ. ولأنها لا تَرثُ مع ارتِفاعِ المَوانعِ، ولا يُحكمُ بوُجوبِ عدَّةِ الوَفاةِ عليها، كما لو انقَضَى أربعُ سِنينَ. ولأنَّ الفُرقةَ على ضَربينِ: فُرقةٌ بالطَّلاقِ وفُرقةٌ بالوَفاةِ، فإذا كانَتِ الفُرقةُ بالطلاقِ لا يُحكمُ بها إلا بعدَ ثُبوتِ الطلاقِ فالفُرقةُ بالوَفاةِ مثلِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنها تَتربصُ أربَعَ سِنينَ ثم تَعتدُّ عدَّةَ الوَفاةِ وتَحلُّ للأزواجِ؛ لأنه إذا جازَ الفَسخُ لتَعذُّرِ الوطءِ بالعُنةِ وتعذُّرِ النَّفقةِ بالإعسارِ فلَأنْ يَجوزَ هاهُنا لتعذُّرِ الجَميعِ أَولى.

стр. 11331

ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وفي حَبسِها عليه في هذهِ الحالِ إضرارٌ وعُدوانٌ. وبه قالَ عُمرُ وابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ في الصَّحابةِ؛ لِما رُويَ عن عُمرَ أنه قالَ: «تَربَّصُ امرَأةُ المَفقودِ أربَعَ سِنينَ ثمَّ تَعتدُّ عدَّةَ المُتوفَّى عنها زوجُها وتَزوَّجُ إنْ شاءَتْ» (١). ورَواهُ الإمامُ مالكٌ عن يحيَى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ عُمرَ ابنَ الخطَّابِ ﵁ قال: «أيُّما امرَأةٍ فقَدَتْ زوْجَها فلَم تَدرِ أينَ هو فإنها تَنتظرُ أربَعَ سِنينَ ثمَّ تَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا ثمَّ تَحلُّ» (٢). وقالَ عبيدُ بنُ عُميرٍ: «فُقدَ رَجلٌ في عَهدِ عُمرَ، فجاءَتِ امرأتُه إلى عُمرَ فذكَرَتْ ذلك له فقالَ: انطَلقِي فتَربَّصِي أربَعَ سنينَ، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: انطَلقِي فاعتَدِّي أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: أينَ وليُّ هذا الرَّجلِ؟ فجاءَ وليُّه، فقالَ: طلِّقْها، ففعَلَ فقالَ عُمرُ: انطَلقِي فتَزوَّجي مَنْ شَئتِ، فتزوَّجَتْ، ثم جاءَ زَوجُها الأولُ، فقالَ له عُمرَ: أينَ كُنتَ؟ فقالَ: استَهوتْني الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدرِي في أيِّ أرضٍ كُنْتُ، كُنْتُ عندَ قومٍ يَستعبِدونَني حتَّى غَزاهُم قومٌ مُسلمونَ، فكُنتُ فيمَن غَنِموهُ، فقالُوا لي: أنتَ رَجلٌ مِنْ الإنسِ وهَؤلاءُ الجِنُّ، فما لَكَ وما لهُم؟ فأخبَرتُهم خبَرِي، فقالُوا:

стр. 11332

بأيةِ أرضِ اللهِ تُحبُّ أنْ تُصبحَ؟ قلتُ: بالمَدينةِ هيَ أرضِي، فأصبَحتُ وأنا أنظُرُ إلى الحَرَّةِ -وزادَ البَيهقيُّ في قِصتِه قالَ: -فأما اللَّيلُ فلا يُحدِّثوني، وأما النَّهارُ فإعصارُ رِيحٍ أتبعهَا إلى آخِرِه، فخيَّرَه عُمرُ، إنْ شاءَ امرَأتَه وإنْ شاءَ الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ» (١). وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعُثمانَ بنَ عفَّانَ قالَا في امرَأةِ المَفقودِ: «تَربَّصُ أربَعَ سِنينَ وتَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (٢). وعن جابرِ بنِ زَيدٍ قالَ: «تَذاكَرَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ امرَأةَ المَفقودِ، فقالَا جَميعًا: تَربَّصُ أربَعَ سِنينَ ثمَّ يُطلِّقُها وليُّ زوجِها ثم تَربَّصُ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ثم تَذاكَرَا النَّفقةَ فقالَ ابنُ عُمرَ: لها النَّفقةُ في مالِه لحَبسِها نفسَها في سَببِه، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ليسَ كَذلكَ، إذًا تُجحِفُ بالوَرثةِ، ولكنَّها تَأخذُ عليه في مالِه، فإنْ قَدِمَ فذلكَ لها عليهِ في مالِه، وإلَّا فلا شيءَ لها» (٣). ولأنَّ الفَسخَ لمَّا استُحقَّ بالعُنةِ -وهو فَقدُ الاستِمتاعِ مع القُدرةِ على النَّفقةِ- واستُحقَّ بالإعسارِ -وهو فَقدُ النَّفقةِ مع القُدرةِ على

стр. 11333

الاستمتاع- فلَأنْ تُستحقَّ بغَيبةِ المَفقودِ -وهو جامعٌ بينَ فَقدِ الاستِمتاعِ وفَقدِ النَّفقةِ- أَولى (١). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم مُعارَضةُ استِصحابِ الحالِ للقياسِ؛ وذلك أنَّ استِصحابَ الحالِ يُوجِبُ أنْ لا تَنحلَّ عِصمةٌ إلا بمَوتٍ أو طَلاقٍ حتى يَدلَّ الدليلُ على غيرِ ذلكَ. وأما القياسُ فهو تَشبيهُ الضَّررِ اللاحِقِ لها مِنْ غَيبتِه بالإيلاءِ والعُنةِ، فيَكونُ لها الخيارُ كما يَكونُ في هذَينِ (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ومِن أشكَلِ ما أشكَلَ على الفُقهاءِ مِنْ أحكامِ الخُلفاءِ الراشِدينَ امرَأةُ المَفقودِ، فإنه قد ثبَتَ عن عُمرَ ابنِ الخطَّابِ أنه لمَّا أجَّلَ امرَأتَه أربَعَ سِنينَ وأمَرَها أنْ تَتزوجَ بعدَ ذلكَ ثم قَدِمَ المَفقودُ خيَّرَه عُمرُ بينَ امرَأتِه وبينَ مَهرِها، وهذا ممَّا اتَّبعَه فيه الإمامُ أحمَدُ وغيرُه. وأما طائِفةٌ مِنْ مُتأخِّرِي أصحابِه فقالُوا: هذا يُخالِفُ القِياسَ، والقياسُ

стр. 11334

أنها باقيةٌ على نِكاحِ الأولِ، إلا أنْ نَقولَ: «الفُرقةُ تَنفذُ ظاهِرًا وباطِنًا» فهي زَوجةُ الثاني، والأولُ قولُ الشافِعيِّ، والثاني قولُ مالكٍ. وآخَرونَ أسرَفُوا في إنكارِ هذا حتى قالُوا: لو حكَمَ حاكِمٌ بقَولِ عُمرَ لَنُقضَ حُكمُه؛ لبُعدِه عن القياسِ. وآخَرونَ أخَذُوا ببَعضِ قولِ عُمرَ وتَرَكوا بعضَه فقالُوا: إذا تَزوَّجتْ فهيَ زَوجةُ الثاني، وإذا دخَلَ بها الثاني فهيَ زَوجتُه، ولا تُرَدُّ إلى الأولِ. ومَن خالَفَ عُمرَ لم يَهتدِ إلى ما اهتَدَى إليه عُمرُ، ولم يَكنْ له مِنْ الخِبرةِ بالقِياسِ الصَّحيحِ مثلُ خِبرةِ عُمرَ؛ فإنَّ هذا مَبنيٌّ على أصلٍ وهو وَقفُ العُقودِ (١). القِسمُ الثاني: أنْ تَكونَ غَيبتُه ظاهِرُها الهَلاكُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو غابَ الزَّوجُ غَيبةً ظاهِرُها الهَلاكِ، كالذي يُفقَدُ بينَ الصفَّينِ في القِتالِ بينَ المُسلمينَ بعضِهم لبَعضٍ أو بينَ المُسلمينَ والكفَّارِ، أو كالذي يُفقدُ مِنْ بينِ أهلِه لَيلًا أو نهارًا أو يَخرجُ إلى الصلاةِ فلا يَرجعُ، أو يَمضِي إلى مكانٍ قَريبٍ ليَقضيَ حاجتَه ويَرجعَ فلا يَظهرُ له خبَرٌ، أو يَنكسرُ بهم مَركبٌ فيَغرقُ بعضُ رِفقتِه، أو يُفقدُ في مَهلكةٍ كبَريَّةِ الحِجازِ ونحوِها، هل تَتربَّصُ زَوجتُه أربَعَ سِنينَ أكثَرَ مدَّةِ الحَملِ ثمَّ تَعتدُّ للوَفاةِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا وتَحلُّ للأزواجِ؟ أم تَنتظرُ إلى أنْ تَتيقَّنَ موتَه أو طَلاقَه أو يَبلغَ مِنْ العُمرِ ما لا يَعيشُ مثلُه إلى هذا العُمرِ؟

стр. 11335

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ إلى أنه لا يَجوزُ لزَوجتِه أنْ تَتزوَّجَ غيرَه، وأنَّ الزَّوجيةَ باقيةٌ حتى تَتيقنَ موتَه أو طَلاقَه، وزادَ الحَنفيةُ: أو تَمضيَ مُدةٌ لا يَعيشُ مثلُه إلى مثلِها؛ لاختِلافِ الأعمارِ باختِلافِ الأزمانِ، وفي قَولٍ: مائةً وعِشرينَ سَنةً، وقيلَ: مِائةً، وقيلَ: تِسعينَ. لِما رَواهُ الدارَقطنيُّ عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ مَرفوعًا: «امَرأةُ المَفقودِ امرأتُه حتَّى يأتيَها البَيانُ» (١)، وهو نَصٌّ إنْ ثبَتَ. قالَ عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁ في امرَأةِ المَفقودِ: «امرَأةٌ ابتُليَتْ، فلْتَصبِرْ، فلا تَنكحْ حتى يَأتيَها يَقينُ مَوتِه» (٢). وفي لَفظٍ: «هي امرَأةٌ ابتُليَتْ، فلْتَصبِرْ حتى يَأتيَها موتٌ أو طلاقٌ» (٣). ولأنَّ مَنْ جُهلَ مَوتُه لم يُحكمْ بوَفاتِه كمَن غابَ أقلَّ مِنْ أربَعِ سِنينَ، ولأنه لمَّا جَرَى عليه حُكمُ الحَياةِ في مالِه مع الجَهلِ بحَياتِه جَرى عليه حُكمُ الحَياةِ في زَوجاتِه كما يَجرِي عليه حُكمُ الحَياةِ في أمَّهاتِ أولادِه، ولأنه لو غابَتِ الزوجةُ حتى خَفِيَ خبَرُها لم يَجُزْ أنْ يُحكمَ بمَوتِها في إباحةِ أختِها لزوجِها ونكاحِ أربَعٍ سِواها، كذلكَ غَيبةُ الزوجِ، ولأنه لمَّا جَرَى عليهِ في غَيبتِه حُكمُ طَلاقِه وظِهارِه جرَى عليها حُكمُ الزوجيةِ في تَحريمِها على غيرِه.

стр. 11336

ولِما رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قال: «ليسَ الذي قالَ عُمرُ ﵁ بشَيءٍ، يعني في امرَأةِ المَفقودِ هِي امرَأةُ الغائبِ حتَّى يَأتيَها يَقينُ مَوتِه أو طَلاقُها، ولها الصَّداقُ مِنْ هذا بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها ونِكاحُه باطِلٌ». وقالَ البَيهقيُّ: وروينَا عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عن عَليٍّ ﵁ قالَ: «هي امرَأةُ الأولِ، دخَلَ بها الآخَرُ أو لم يَدخلْ بها»، وهو قولُ النخَعيِّ والحَكمِ ابنِ عُتيبةَ وغَيرِهما (١). ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، وهُنَّ ذواتُ الأزواجِ، ولأنه لم يَثبتْ مَوتُ الزَّوجِ ولا عَلِمْنا موته في الظاهِرِ، فلا يَجوزُ أنْ تَتزوجَ كما كانَ قبلَ أربعِ سِنينَ. ولأنَّ كلَّ حالةٍ لا تحكمُ بانتقالِ مالِ المَفقودِ إلى الوَرثةِ لا يُباحُ لامرَأتِه أنْ تَتزوجَ، أصلُه إذا مَضَى أقلُّ مِنْ أربعِ سِنينَ. ولأنها لا تَرثُ مع ارتِفاعِ المَوانعِ، ولا يُحكمُ بوُجوبِ عدَّةِ الوَفاةِ عليها، كما لو انقَضَى أربعُ سِنينَ. ولأنَّ الفُرقةَ على ضَربينِ: فُرقةٌ بالطَّلاقِ وفُرقةٌ بالوَفاةِ، فإذا كانَتِ الفُرقةُ بالطلاقِ لا يُحكمُ بها إلا بعدَ ثُبوتِ الطلاقِ فالفُرقةُ بالوَفاةِ مثلِه (٢).

стр. 11337

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَرأةَ المَفقودُ زَوجُها الغائِبُ في مَوضعٍ يَغلبُ على ظاهِرِه الهَلاكُ تَتربَّصُ أربَعَ سِنينَ أكثَرَ مدَّةِ الحَملِ ثم تَعتدُّ للوَفاةِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا وتَحلُّ للأزواجِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وفي حَبسِها عليه في هذهِ الحالِ إضرارٌ وعُدوانٌ. وبه قالَ عُمرُ وابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ في الصَّحابةِ؛ لِما رُويَ عن عُمرَ أنه قالَ: «تَربَّصُ امرَأةُ المَفقودِ أربَعَ سِنينَ ثمَّ تَعتدُّ عدَّةَ المُتوفَّى عنها زوجُها وتَزوَّجُ إنْ شاءَتْ» (١). ورَواهُ الإمامُ مالكٌ عن يحيَى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قال: «أيُّما امرَأةٍ فقَدَتْ زوْجَها فلَم تَدرِ أينَ هو فإنها تَنتظرُ أربَعَ سِنينَ ثمَّ تَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا ثمَّ تَحلُّ» (٢). وقالَ عبيدُ بنُ عُميرٍ: «فُقدَ رَجلٌ في عَهدِ عُمرَ، فجاءَتِ امرأتُه إلى عُمرَ فذكَرَتْ ذلك له فقالَ: انطَلقِي فتَربَّصِي أربَعَ سنينَ، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ:

стр. 11338

انطَلقِي فاعتَدِّي أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: أينَ وليُّ هذا الرَّجلِ؟ فجاءَ وليُّه، فقالَ: طلِّقْها، ففعَلَ فقالَ عُمرُ: انطَلقِي فتَزوَّجي مَنْ شَئتِ، فتزوَّجَتْ، ثم جاءَ زَوجُها الأولُ، فقالَ له عُمرَ: أينَ كُنتَ؟ فقالَ: استَهوتْني الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدرِي في أيِّ أرضٍ، كُنْتُ عندَ قومٍ يَستعبِدونَني حتَّى غَزاهُم قومٌ مُسلمونَ، فكُنتُ فيمَن غَنِموهُ، فقالُوا لي: أنتَ رَجلٌ مِنْ الإنسِ وهَؤلاءُ الجِنُّ، فما لَكَ وما لهُم؟ فأخبَرتُهم خبَرِي، فقالُوا: بأيةِ أرضِ اللهِ تُحبُّ أنْ تُصبحَ؟ قلتُ: بالمَدينةِ هيَ أرضِي، فأصبَحتُ وأنا أنظُرُ إلى الحَرَّةِ -وزادَ البَيهقيُّ في قِصتِه قالَ: -فأما اللَّيلُ فلا يُحدِّثوني، وأما النَّهارُ فإعصارُ رِيحٍ أتبعها إلى آخِرِه، فخيَّرَه عُمرُ، إنْ شاءَ امرَأتَه وإنْ شاءَ الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ» (١). وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعُثمانَ بنَ عفَّانَ قالَا في امرَأةِ المَفقودِ: «تَربَّصُ أربَعَ سِنينَ وتَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (٢). وعن جابرِ بنِ زَيدٍ قالَ: «تَذاكَرَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ امرَأةَ المَفقودِ، فقالَا جَميعًا: تَربَّصُ أربَعَ سِنينَ ثمَّ يُطلِّقُها وليُّ زوجِها ثم تَربَّصُ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ثم تَذاكَرَا النَّفقةَ فقالَ ابنُ عُمرَ: لها النَّفقةُ في مالِه لحَبسِها نفسَها في سَببِه، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ليسَ كَذلكَ، إذًا تُجحِفُ بالوَرثةِ، ولكنَّها

стр. 11339

تَأخذُ عليه في مالِه، فإنْ قَدِمَ فذلكَ لها عليهِ في مالِه، وإلَّا فلا شيءَ لها» (١). ولأنَّ الفَسخَ لمَّا استُحقَّ بالعُنةِ -وهو فَقدُ الاستِمتاعِ مع القُدرةِ على النَّفقةِ- واستُحقَّ بالإعسارِ -وهو فَقدُ النَّفقةِ مع القُدرةِ على الاستمتاع- فلَأنْ تُستحقَّ بغَيبةِ المَفقودِ -وهو جامعٌ بينَ فَقدِ الاستِمتاعِ وفَقدِ النَّفقةِ- أَولى (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ الأثرَمُ: قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: تَذهبُ إلى حَديثِ عُمرَ؟ قالَ: هو أحسَنُها، يُروَى عن عُمرَ مِنْ ثَمانيةِ وُجوهٍ، ثم قالَ: زَعَموا أنَّ عُمرَ رجَعَ عن هذا، هَؤلاءِ الكذَّابينَ، قلتُ: فرُويَ مِنْ وَجهٍ ضَعيفٍ أنَّ عُمرَ قالَ بخِلافِ هذا، قالَ: لا، إلا أنْ يَكونَ إنسانٌ يَكذبُ، وقُلتُ له مرَّةً: إنَّ إنسانًا قالَ لي: إنَّ أبا عَبدِ اللهِ قد ترَكَ قولَه في المَفقودِ بعدَكَ، فضَحِكَ ثم قالَ: مَنْ ترَكَ هذا القولَ أيَّ شَيءٍ يَقولُ؟! وهذا قَولُ عُمرَ وعُثمانَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، قالَ أحمَدُ: خَمسةٌ مِنْ

стр. 11340

أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وبه قالَ عَطاءٌ وعُمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ والحَسنُ والزُّهريُّ وقَتادةُ واللَّيثُ وعليُّ بنُ المَدِيني وعبدُ العَزيزِ بنُ أبي سَلمةَ، وبه يَقولُ مالِكٌ والشافِعيُّ في القَديمِ، إلا أنَّ مالكًا قالَ: ليسَ في انتِظارِ مَنْ يُفقدُ في القِتالِ وَقتٌ، وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ في امرَأةِ المَفقودِ بينَ الصفَّينِ: تَتربَّصُ سَنةً؛ لأنَّ غلَبةَ هَلاكِه هاهُنا أكثَرُ مِنْ غَلبةِ غيرِه؛ لوُجودِ سَببِه. وقد نُقلَ عن أحمَدَ أنه قالَ: «كنتُ أقولُ: إذا تَربَّصتْ أربعَ سِنينَ ثم اعتدَّتْ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا تزوَّجتْ، وقد ارتَبتُ فيها وهِبتُ الجَوابَ فيها لمَّا اختَلفَ الناسُ فيها، فكَأنِّي أُحبُّ السَّلامةَ»، وهذا تَوقُّفٌ يَحتملُ الرُّجوعَ عمَّا قالَه وتَتربَّص أبَدًا، ويَحتملُ التورُّعَ ويَكونُ المَذهبُ ما قالَه أولًا. قالَ القاضِي: أكثَرُ أصحابِنا على أنَّ المَذهبَ رِوايةٌ واحِدةٌ، وعندِي أنَّ المَسألةَ على رِوايتينِ، وقالَ أبو بَكرٍ: الذي أقولُ به إنْ صَحَّ الاختِلافُ في المَسألةِ أنْ لا يُحكمَ بحُكمٍ ثانٍ إلا بدَليلٍ على الانتقالِ، وإنْ ثبَتَ الإجماعُ فالحُكمُ فيه على ما نَصَّ عليهِ، وظاهرُ المَذهبِ على ما حَكَيناهُ مِنْ رِوايةٍ أولًا، نقَلَه عن أحمَدَ الجَماعةُ، وقد أنكَرَ أحمَدُ رِوايةَ مَنْ رَوى عنه الرُّجوعَ على ما حَكَيناهُ مِنْ رِوايةِ الأثرمِ. وقالَ أبو قِلابةَ والنخَعيُّ والثوريُّ وابنُ أبي ليلَى وابنُ شُبرمةَ وأصحابُ الرأيِ والشافِعيُّ في الجَديدِ: لا تَتزوَّجُ امرأةُ المَفقودِ حتى يَتبينَ مَوتُه أو فراقُه؛ لِما رَوى المُغيرةُ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «امرَأةُ المَفقودِ

стр. 11341

امرَأتُه حتَّى يأتِيَ زَوجُها»، ورَوى الحكَمُ وحمَّادٌ عن عليٍّ: «لا تَتزوجُ امرَأةُ المَفقودِ حتى يأتِيَ مَوتُه أو طَلاقُه»، لأنه شَكٌّ في زَوالِ الزَّوجيةِ، فلَم تَثبتْ به الفُرقةُ كما لو كانَ ظاهِرُ غَيبتِه السلامةَ. ولنَا: ما رَوى الأثرمُ والجَوزجانِيُّ بإسنادِهما عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ قالَ: «فُقدَ رَجلٌ في عَهدِ عُمرَ، فجاءَتِ امرَأتُه إلى عُمرَ فذكَرتْ ذلكَ له فقالَ: انطَلقِي فتَربَّصِي أربَعَ سِنينَ، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: انطَلقِي فاعتَدِّي أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: أينَ وليُّ هذا الرجلِ؟ فجاءَ الوليُّ، فقالَ: طلِّقْها، ففعَلَ، فقالَ لها عُمرُ: انطَلقِي فتَزوَّجي مَنْ شِئتِ، فتزوَّجتْ ثم جاءَ زَوجُها الأولُ، فقالَ عُمرُ: أينَ كنتَ؟ فقالَ: يا أميرَ المُؤمنينَ استَهوتْني الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدرِي في أيِّ أَرضِ اللهِ كُنتُ، كُنْتُ عندَ قَومٍ يَستعبِدونَني حتَّى اغتَزاهُم منهُم قَومٌ مُسلمونَ فكُنتُ فيما غَنِموهُ، فقالُوا لي: أنتَ رَجلٌ مِنْ الإنسِ وهؤلاءِ مِنْ الجِنِّ فما لَكَ وما لهُم؟ فأخبَرتُهم خبَرِي فقالُوا: بأيِّ أرضِ اللهِ تُحبُّ أنْ تُصبحَ؟ قلتُ: المَدينةُ هي أَرضِي، فأصبَحتُ وأنا أنظُرُ إلى الحَرَّةِ، فخيَّرَه عُمرُ إنْ شاءَ امرَأتَه وإنْ شاءَ الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ وقالَ: قد حَبلَتْ، لا حاجَةَ لي فيها»، قالَ أحمَدُ: يُروَى عن عُمرَ مِنْ ثَلاثةِ وُجوهٍ، ولم يُعرَفْ في الصَّحابةِ له مُخالِفٌ. ورَوى الجَوزجانِيُّ وغيرُه بإسنادِهم عن عليٍّ في امرَأةِ المَفقودِ: «تَعتدُّ أربَعَ سِنينَ ثم يُطلِّقُها وَليُّ زَوجِها وتَعتدُّ بعدَ ذلكَ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، فإنْ جاءَ زَوجُها المَفقودُ بعد ذلكَ خُيِّرَ بينَ الصَّداقِ وبينَ امرَأتِه»، وقَضَى به

стр. 11342

عُثمانُ أيضًا، وقَضَى به ابنُ الزُّبيرِ في مَولاةٍ لهم، وهذه قَضايَا انتَشرَتْ في الصَّحابةِ فلَم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا. فأما الحَديثُ الذي رَوَوهُ عن النبيِّ ﷺ فلَم يَثبتْ ولم يَذكُرْه أصحابُ السُّننِ. وما رَوَوهُ عن عليٍّ فيَرويهِ الحَكمُ وحمَّادٌ مُرسَلًا، والمُسندُ عنه مِثلُ قَولِنا، ثم يُحملُ ما رَوَوهُ على المَفقودِ الذي ظاهِرُ غَيبتِه السلامةُ؛ جَمعًا بينَه وبينَ ما روينَاهُ، وقَولُهم: «إنه شَكٌّ في زوالِ الزَّوجيةِ» مَمنوعٌ؛ فإنَّ الشكَّ ما تَساوَى فيه الأمرانِ، والظاهِرُ في مَسألتِنا هَلاكُه (١). قالَ ابنُ قُدامةَ: وهل يُعتبَرُ أنْ يُطلِّقَها وليُّ زَوجِها ثم تَعتدُّ بعدَ ذلكَ بثَلاثةِ قُروءٍ؟ فيه رِوايتانِ: إحداهُما: يُعتبَرُ ذلكَ؛ لأنه في حَديثِ عُمرَ الذي روينَاهُ، وقد قالَ أحمَدُ: هو أحسَنُها، وذُكرَ في حَديثِ عليٍّ أنه يُطلِّقُها وليُّ زَوجِها. والثانية: لا يُعتبَرُ ذلكَ، كذلك قالَ ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ، وهو القِياسُ؛ فإنَّ وليَّ الرَّجلِ لا وِلايةَ له في طَلاقِ امرَأتِه. ولأننا حَكَمْنا عليها بعدَّةِ الوَفاةِ، فلا يَجبُ عليها مع ذلكَ عدَّةُ الطَّلاقِ كما لو تَيقَّنتْ وَفاتَه، ولأنه وُجدَ دَليلُ هَلاكِه على وَجهٍ أباحَ لها التَّزويجَ وأوجَبَ عليها عدَّةَ الوَفاةِ، فأشبَهَ ما لو شَهدَ به شاهِدانِ (٢).

стр. 11343

إلا أنَّ المالِكيةَ قد قَسَّموا المَفقودَ إلى خَمسةِ أقسامٍ، وجَعَلوا لكلِّ واحِدٍ منهُم حُكمًا: ١ - مَفقودٌ في بلادِ الإسلامِ في غيرِ زَمنِ الوَباءِ. ٢ - ومَفقودٌ في بلادِ الإسلامِ في زَمنِ الوَباءِ. ٣ - ومَفقودٌ في مُقاتَلةٍ بينَ أهلِ الإسلامِ بَعضِهم مع بَعضٍ. ٤ - ومَفقودٌ في أرضِ الشِّركِ. ٥ - ومَفقودٌ في مُقاتَلةٍ بَينَ المُسلمينَ والكفَّارِ. القِسمُ الأولُ: المَفقودُ في أرضِ الإسلامِ: تَعتدُّ زَوجةُ المَفقودِ في أرضِ الإسلامِ عدَّةَ وَفاةٍ على ما تَقدَّمَ، ابتِداؤُها بعدَ الأجَلِ -وهو أربَعةُ أعوامٍ- إنْ رَفعَتْ أمْرَها للحاكِمِ أو نائِبِه أو جَماعةِ المُسلمينَ إنْ لم يَكنْ حاكِمٌ إذا دامَتْ نَفقتُها مِنْ مالِه بأنْ ترَكَ لها ما تُنفِقُ على نَفسِها منه، وإلَّا بأنْ لم يَتركْ لها ما تُنفقُ على نَفسِها منه فلَها التَّطليقُ عليهِ لعَدمِ النَّفقةِ بشَرطِه المَعلومِ في مَحلِّه، وهذا إنْ لم تَخْشَ العَنَتَ، وإلا فتُطلقُ عليهِ للضَّررِ، فهي أَولَى مِنْ مَعدومةِ النَّفقةِ. فإذا رفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكِمِ فيُؤجِّلُ أربَعةَ أعوامٍ لعلَّه أنْ يَظهرَ خبَرُه بعدَ العَجزِ عن خبَرِه بالبَحثِ عنه في الأماكِنِ التي يُظَنُّ ذَهابُه إليها. فإذا تمَّ الأجَلُ وهو أربَعةُ أعوامٍ بعدَ العَجزِ عن طَلبِه دخَلَتْ في عدَّةِ وَفاةٍ، ولا تَحتاجُ إلى نيَّةِ دُخُلٍ فيها ولا إذنٍ مِنْ الحاكِمِ، ولها الرُّجوعُ إلى التمسُّكِ بزَوجِها قبلَ الشُّروعِ فيها؛ لفَرضِ حَياتِه عِندَها.

стр. 11344

وليسَ لها بعدَ الشُّروعِ في العدَّةِ الرُّجوعُ إلى عِصمةِ زَوجِها، والبَقاءُ عليها؛ لفَرضِ مَوتِه عندَها بالشُّروعِ فيها. ولا نَفقةَ لها في عدَّتِها، بل تَسقطُ عن زَوجِها؛ لفَرضِها موتَه بشُروعِها فيها. ولا بدَّ مِنْ تَقديرِ طَلاقٍ بالشُّروعِ في العدَّةِ يُفيتُها على الأولِ خَشيةَ أنْ يَكونَ حَيًّا، ويَتحقَّقُ وُقوعُ الطلاقِ بدُخولِ الزوجِ الثاني عليها، حتى لو جاءَ الأولُ قبلَ دُخولِ الثاني كانَ أحَقَّ بها، وبعدَ الدُّخولِ بانَتْ مِنْ الأولِ وتأخُذُ منه جَميعَ المَهرِ، وإنْ لم يَكنْ قد دخَلَ بها فتَحلُّ للأولِ المَفقودِ إنْ جاءَ بعِصمةٍ جَديدةٍ بعدَ الثاني، بأنْ طلَّقَها الثاني أو ماتَ عنها إنْ كانَ الأولُ -أي المَفقودُ- طلَّقَها اثنتَينِ قبلَ دخولِ الثاني بها، أي: وإنْ وَطئَها الثاني وَطئًا يُحِلُّ المَبتوتةَ. فإنْ جاءَ المَفقودُ بعدَ عَقدِ الثاني عليها أو تَبيَّنَ حَياتُه أو مَوتُه فكَذاتِ الوَليَّينِ يُزوِّجُها كلُّ منهُما بزَوجٍ، فتَفوتُ عليه إنْ تَلذَّذَ بها الثاني غيرَ عالِمٍ بمَجيئِه أو حَياتِه، أو بكَونها في عدَّةِ وَفاةِ الأولِ، فإنْ تَلذَّذَ بها عالِمًا بواحدٍ مِنْ هذهِ الأمورِ فهي للمَفقودِ. وفائِدةُ كَونِها للمَفقودِ في الثالثِ فَسخُ نِكاحِها مِنْ الثاني وتَأبيدُ حُرمتِها على الثاني وإرثُها للأولِ، وذلكَ في أحوالٍ أربَعةٍ: أنْ يَموتَ في العدَّةِ، أو بعدَها ولم يَعقدِ الثاني، أو عقَدَ ولم يَدخلْ، أو دخَلَ عالِمًا.

стр. 11345

وأمَّا إنْ نُعيَ إليها زَوجُها بأنْ أُخبِرَتْ بمَوتِ زَوجِها الغائِبِ فاعتَدَّتْ وتَزوَّجتْ، ثمَّ قَدِمَ زَوجُها أو تَبيَّنَ حَياتُه فلا تَفوتُ عليه بدُخولِ الثاني غيرَ عالِمٍ ولو ولَدَتِ الأولادَ مِنْ الثاني أو حكَمَ بمَوتِه حاكِمٌ. القِسمُ الثاني: المَفقودُ في دارِ الحَربِ: زَوجةُ الأسِيرِ وزَوجةُ مَفقودِ أرضِ الشِّركِ -وكذا المَشكوكِ في فَقدِه هل فُقدَ بأرضِ الإسلامِ أو الكُفرِ- تَبقَى مدَّةَ التَّعميرِ، ولا تُمكَّنُ مِنْ ضَربِ الأجَلِ وهو أربَعةُ أعوامٍ، بل تَبقى إلى انقِضاءِ تَعميرِه، وهذا إنْ دامَتْ نَفقتُهما، وإلا بأنْ لم تَدُمْ نَفقتُها فلهُمَا التَّطليقُ كما لو خَشيَتَا الزِّنا فإنَّ لهُما التَّطليقَ ولو كانَتْ نَفقتُهما دائمةً. والتَّعميرُ سَبعونَ سَنةً مِنْ يَومِ وُلدَ، فيُورثُ مالُه وتَعتدُّ زَوجتُه عدَّةَ وفاةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «أعمارُ أمَّتِي ما بينَ السِّتينَ إلى السَّبعينَ، وأَقلُّهم مَنْ يَجوزُ ذلكَ» (١). القِسمُ الثالِثُ: المَفقودُ في مُعتَرَكٍ بينَ المُسلمينَ بَعضِهم بَعضًا: تَعتدُّ زَوجةُ المَفقودِ بسَببِ القِتالِ الحاصِلِ لأجْلِ الفِتنِ بينَ المُسلمينَ بَعضِهم بَعضًا مِنْ حينِ فَراغِ القِتالِ؛ لأنه الأحوَطُ؛ إذْ يُحتملُ مَوتُه آخِرَ القِتالِ، ويُحمَلُ أمرُ مَنْ فُقدَ في ذلكَ القِتالِ على المَوتِ وسَواءٌ قَرُبَتِ الدارُ أو بَعُدَتْ إذا شَهدَتِ البيِّنةُ العادِلةُ أنه حضَرَ المُعتركَ.
следующие страницы →