← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

امرَأتُه حتَّى يأتِيَ زَوجُها»، ورَوى الحكَمُ وحمَّادٌ عن عليٍّ: «لا تَتزوجُ امرَأةُ المَفقودِ حتى يأتِيَ مَوتُه أو طَلاقُه»، لأنه شَكٌّ في زَوالِ الزَّوجيةِ، فلَم تَثبتْ به الفُرقةُ كما لو كانَ ظاهِرُ غَيبتِه السلامةَ. ولنَا: ما رَوى الأثرمُ والجَوزجانِيُّ بإسنادِهما عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ قالَ: «فُقدَ رَجلٌ في عَهدِ عُمرَ، فجاءَتِ امرَأتُه إلى عُمرَ فذكَرتْ ذلكَ له فقالَ: انطَلقِي فتَربَّصِي أربَعَ سِنينَ، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: انطَلقِي فاعتَدِّي أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: أينَ وليُّ هذا الرجلِ؟ فجاءَ الوليُّ، فقالَ: طلِّقْها، ففعَلَ، فقالَ لها عُمرُ: انطَلقِي فتَزوَّجي مَنْ شِئتِ، فتزوَّجتْ ثم جاءَ زَوجُها الأولُ، فقالَ عُمرُ: أينَ كنتَ؟ فقالَ: يا أميرَ المُؤمنينَ استَهوتْني الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدرِي في أيِّ أَرضِ اللهِ كُنتُ، كُنْتُ عندَ قَومٍ يَستعبِدونَني حتَّى اغتَزاهُم منهُم قَومٌ مُسلمونَ فكُنتُ فيما غَنِموهُ، فقالُوا لي: أنتَ رَجلٌ مِنْ الإنسِ وهؤلاءِ مِنْ الجِنِّ فما لَكَ وما لهُم؟ فأخبَرتُهم خبَرِي فقالُوا: بأيِّ أرضِ اللهِ تُحبُّ أنْ تُصبحَ؟ قلتُ: المَدينةُ هي أَرضِي، فأصبَحتُ وأنا أنظُرُ إلى الحَرَّةِ، فخيَّرَه عُمرُ إنْ شاءَ امرَأتَه وإنْ شاءَ الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ وقالَ: قد حَبلَتْ، لا حاجَةَ لي فيها»، قالَ أحمَدُ: يُروَى عن عُمرَ مِنْ ثَلاثةِ وُجوهٍ، ولم يُعرَفْ في الصَّحابةِ له مُخالِفٌ. ورَوى الجَوزجانِيُّ وغيرُه بإسنادِهم عن عليٍّ في امرَأةِ المَفقودِ: «تَعتدُّ أربَعَ سِنينَ ثم يُطلِّقُها وَليُّ زَوجِها وتَعتدُّ بعدَ ذلكَ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، فإنْ جاءَ زَوجُها المَفقودُ بعد ذلكَ خُيِّرَ بينَ الصَّداقِ وبينَ امرَأتِه»، وقَضَى به

стр. 11342

عُثمانُ أيضًا، وقَضَى به ابنُ الزُّبيرِ في مَولاةٍ لهم، وهذه قَضايَا انتَشرَتْ في الصَّحابةِ فلَم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا. فأما الحَديثُ الذي رَوَوهُ عن النبيِّ ﷺ فلَم يَثبتْ ولم يَذكُرْه أصحابُ السُّننِ. وما رَوَوهُ عن عليٍّ فيَرويهِ الحَكمُ وحمَّادٌ مُرسَلًا، والمُسندُ عنه مِثلُ قَولِنا، ثم يُحملُ ما رَوَوهُ على المَفقودِ الذي ظاهِرُ غَيبتِه السلامةُ؛ جَمعًا بينَه وبينَ ما روينَاهُ، وقَولُهم: «إنه شَكٌّ في زوالِ الزَّوجيةِ» مَمنوعٌ؛ فإنَّ الشكَّ ما تَساوَى فيه الأمرانِ، والظاهِرُ في مَسألتِنا هَلاكُه (١). قالَ ابنُ قُدامةَ: وهل يُعتبَرُ أنْ يُطلِّقَها وليُّ زَوجِها ثم تَعتدُّ بعدَ ذلكَ بثَلاثةِ قُروءٍ؟ فيه رِوايتانِ: إحداهُما: يُعتبَرُ ذلكَ؛ لأنه في حَديثِ عُمرَ الذي روينَاهُ، وقد قالَ أحمَدُ: هو أحسَنُها، وذُكرَ في حَديثِ عليٍّ أنه يُطلِّقُها وليُّ زَوجِها. والثانية: لا يُعتبَرُ ذلكَ، كذلك قالَ ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ، وهو القِياسُ؛ فإنَّ وليَّ الرَّجلِ لا وِلايةَ له في طَلاقِ امرَأتِه. ولأننا حَكَمْنا عليها بعدَّةِ الوَفاةِ، فلا يَجبُ عليها مع ذلكَ عدَّةُ الطَّلاقِ كما لو تَيقَّنتْ وَفاتَه، ولأنه وُجدَ دَليلُ هَلاكِه على وَجهٍ أباحَ لها التَّزويجَ وأوجَبَ عليها عدَّةَ الوَفاةِ، فأشبَهَ ما لو شَهدَ به شاهِدانِ (٢).

стр. 11343

إلا أنَّ المالِكيةَ قد قَسَّموا المَفقودَ إلى خَمسةِ أقسامٍ، وجَعَلوا لكلِّ واحِدٍ منهُم حُكمًا: ١ - مَفقودٌ في بلادِ الإسلامِ في غيرِ زَمنِ الوَباءِ. ٢ - ومَفقودٌ في بلادِ الإسلامِ في زَمنِ الوَباءِ. ٣ - ومَفقودٌ في مُقاتَلةٍ بينَ أهلِ الإسلامِ بَعضِهم مع بَعضٍ. ٤ - ومَفقودٌ في أرضِ الشِّركِ. ٥ - ومَفقودٌ في مُقاتَلةٍ بَينَ المُسلمينَ والكفَّارِ. القِسمُ الأولُ: المَفقودُ في أرضِ الإسلامِ: تَعتدُّ زَوجةُ المَفقودِ في أرضِ الإسلامِ عدَّةَ وَفاةٍ على ما تَقدَّمَ، ابتِداؤُها بعدَ الأجَلِ -وهو أربَعةُ أعوامٍ- إنْ رَفعَتْ أمْرَها للحاكِمِ أو نائِبِه أو جَماعةِ المُسلمينَ إنْ لم يَكنْ حاكِمٌ إذا دامَتْ نَفقتُها مِنْ مالِه بأنْ ترَكَ لها ما تُنفِقُ على نَفسِها منه، وإلَّا بأنْ لم يَتركْ لها ما تُنفقُ على نَفسِها منه فلَها التَّطليقُ عليهِ لعَدمِ النَّفقةِ بشَرطِه المَعلومِ في مَحلِّه، وهذا إنْ لم تَخْشَ العَنَتَ، وإلا فتُطلقُ عليهِ للضَّررِ، فهي أَولَى مِنْ مَعدومةِ النَّفقةِ. فإذا رفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكِمِ فيُؤجِّلُ أربَعةَ أعوامٍ لعلَّه أنْ يَظهرَ خبَرُه بعدَ العَجزِ عن خبَرِه بالبَحثِ عنه في الأماكِنِ التي يُظَنُّ ذَهابُه إليها. فإذا تمَّ الأجَلُ وهو أربَعةُ أعوامٍ بعدَ العَجزِ عن طَلبِه دخَلَتْ في عدَّةِ وَفاةٍ، ولا تَحتاجُ إلى نيَّةِ دُخُلٍ فيها ولا إذنٍ مِنْ الحاكِمِ، ولها الرُّجوعُ إلى التمسُّكِ بزَوجِها قبلَ الشُّروعِ فيها؛ لفَرضِ حَياتِه عِندَها.

стр. 11344

وليسَ لها بعدَ الشُّروعِ في العدَّةِ الرُّجوعُ إلى عِصمةِ زَوجِها، والبَقاءُ عليها؛ لفَرضِ مَوتِه عندَها بالشُّروعِ فيها. ولا نَفقةَ لها في عدَّتِها، بل تَسقطُ عن زَوجِها؛ لفَرضِها موتَه بشُروعِها فيها. ولا بدَّ مِنْ تَقديرِ طَلاقٍ بالشُّروعِ في العدَّةِ يُفيتُها على الأولِ خَشيةَ أنْ يَكونَ حَيًّا، ويَتحقَّقُ وُقوعُ الطلاقِ بدُخولِ الزوجِ الثاني عليها، حتى لو جاءَ الأولُ قبلَ دُخولِ الثاني كانَ أحَقَّ بها، وبعدَ الدُّخولِ بانَتْ مِنْ الأولِ وتأخُذُ منه جَميعَ المَهرِ، وإنْ لم يَكنْ قد دخَلَ بها فتَحلُّ للأولِ المَفقودِ إنْ جاءَ بعِصمةٍ جَديدةٍ بعدَ الثاني، بأنْ طلَّقَها الثاني أو ماتَ عنها إنْ كانَ الأولُ -أي المَفقودُ- طلَّقَها اثنتَينِ قبلَ دخولِ الثاني بها، أي: وإنْ وَطئَها الثاني وَطئًا يُحِلُّ المَبتوتةَ. فإنْ جاءَ المَفقودُ بعدَ عَقدِ الثاني عليها أو تَبيَّنَ حَياتُه أو مَوتُه فكَذاتِ الوَليَّينِ يُزوِّجُها كلُّ منهُما بزَوجٍ، فتَفوتُ عليه إنْ تَلذَّذَ بها الثاني غيرَ عالِمٍ بمَجيئِه أو حَياتِه، أو بكَونها في عدَّةِ وَفاةِ الأولِ، فإنْ تَلذَّذَ بها عالِمًا بواحدٍ مِنْ هذهِ الأمورِ فهي للمَفقودِ. وفائِدةُ كَونِها للمَفقودِ في الثالثِ فَسخُ نِكاحِها مِنْ الثاني وتَأبيدُ حُرمتِها على الثاني وإرثُها للأولِ، وذلكَ في أحوالٍ أربَعةٍ: أنْ يَموتَ في العدَّةِ، أو بعدَها ولم يَعقدِ الثاني، أو عقَدَ ولم يَدخلْ، أو دخَلَ عالِمًا.

стр. 11345

وأمَّا إنْ نُعيَ إليها زَوجُها بأنْ أُخبِرَتْ بمَوتِ زَوجِها الغائِبِ فاعتَدَّتْ وتَزوَّجتْ، ثمَّ قَدِمَ زَوجُها أو تَبيَّنَ حَياتُه فلا تَفوتُ عليه بدُخولِ الثاني غيرَ عالِمٍ ولو ولَدَتِ الأولادَ مِنْ الثاني أو حكَمَ بمَوتِه حاكِمٌ. القِسمُ الثاني: المَفقودُ في دارِ الحَربِ: زَوجةُ الأسِيرِ وزَوجةُ مَفقودِ أرضِ الشِّركِ -وكذا المَشكوكِ في فَقدِه هل فُقدَ بأرضِ الإسلامِ أو الكُفرِ- تَبقَى مدَّةَ التَّعميرِ، ولا تُمكَّنُ مِنْ ضَربِ الأجَلِ وهو أربَعةُ أعوامٍ، بل تَبقى إلى انقِضاءِ تَعميرِه، وهذا إنْ دامَتْ نَفقتُهما، وإلا بأنْ لم تَدُمْ نَفقتُها فلهُمَا التَّطليقُ كما لو خَشيَتَا الزِّنا فإنَّ لهُما التَّطليقَ ولو كانَتْ نَفقتُهما دائمةً. والتَّعميرُ سَبعونَ سَنةً مِنْ يَومِ وُلدَ، فيُورثُ مالُه وتَعتدُّ زَوجتُه عدَّةَ وفاةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «أعمارُ أمَّتِي ما بينَ السِّتينَ إلى السَّبعينَ، وأَقلُّهم مَنْ يَجوزُ ذلكَ» (١). القِسمُ الثالِثُ: المَفقودُ في مُعتَرَكٍ بينَ المُسلمينَ بَعضِهم بَعضًا: تَعتدُّ زَوجةُ المَفقودِ بسَببِ القِتالِ الحاصِلِ لأجْلِ الفِتنِ بينَ المُسلمينَ بَعضِهم بَعضًا مِنْ حينِ فَراغِ القِتالِ؛ لأنه الأحوَطُ؛ إذْ يُحتملُ مَوتُه آخِرَ القِتالِ، ويُحمَلُ أمرُ مَنْ فُقدَ في ذلكَ القِتالِ على المَوتِ وسَواءٌ قَرُبَتِ الدارُ أو بَعُدَتْ إذا شَهدَتِ البيِّنةُ العادِلةُ أنه حضَرَ المُعتركَ.

стр. 11346

أمَّا لو شَهدَتِ البيِّنةُ أنه خرَجَ مع الجَيشِ فقط فتكونُ زَوجتَه كالمَفقودِ في بلادِ المُسلمينَ ويجرِي فيه ما مَرَّ. ووُرثَ مالُه مِنْ حينِ الشُّروعِ في العدَّةِ بعدَ انفِصالِ الصَّفينِ. القِسمُ الرابعُ: المَفقودُ بينَ صفَّيِ المُسلمينَ والكُفارِ: تَعتدَّ زَوجةُ المَفقودِ بينَ صَفَّيِ المُسلمينَ والكُفارِ عدَّةَ وَفاةٍ بعدَ سَنةٍ بعدَ النَّظرِ في شَأنِه بالسُّؤالِ والتَّفتيشِ حتى يَغلبَ على الظَّنِّ عَدمُ حَياتِه، ويُورثُ مالُه حِينئذٍ. القِسمُ الخامِسُ: المَفقودُ زمَنَ الطاعُونِ والوَباءِ: وتَعتدُّ في المَفقودِ زمَنَ الطاعونِ والوَباءِ بعدَ ذَهابِه، ووُرثَ مالُه؛ لغَلبةِ الظَّنِّ بمَوتِه، ولا يُضربُ له أجَلُ المَفقودِ (١). إذا تَزوَّجتْ زَوجةُ المفقُودِ بعدَ انقِضاءِ عِدَّتِها ثمَّ ظهَرَ زَوجُها الأولُ: زَوجةُ المَفقودِ إذا تَربَّصَتِ المدَّةَ المذكورةَ ثم قَدِمَ زَوجُها قبلَ أنْ تَتزوَّجَ فهي زَوجتُه والنكاحُ بحالِه، نَصَّ على هذا المالِكيةُ والحَنابلةُ، قالَ الزرقانِيُّ: بلا نِزاعٍ، وأَولى إنْ أدرَكَها في العدَّةِ (٢).

стр. 11347

فأما إنْ قَدِمَ بعدَ أنْ تَزوَّجتْ فلا يَخلُو مِنْ حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يَقدُمَ زَوجُها قبلَ أنْ يَدخلَ بها الزَّوجُ الثاني: إذا قَدِمَ زَوجُها المَفقودُ بعدَ أنْ عقَدَ عليها الزوجُ الثاني لكنْ لم يَدخلْ بها فهِي للزَّوجِ الأولِ تُرَدُّ إليه، ولا شَيءَ على الثاني، وهذا مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ في «المُدوَّنة» وغيرِها والحَنابلةِ، فتَكونُ زوجةَ الأولِ؛ لأنَّ النكاحَ إنما صَحَّ في الظاهِرِ دونَ الباطنِ، فإذا قَدِمَ تَبيَّنَّا أنَّ النكاحَ كانَ باطِلًا؛ لأنه صادَفَ امرَأةً ذاتَ زَوجٍ، فكانَ باطِلًا كما لو شَهِدتْ بيِّنةٌ بمَوتِه، وليسَ عليه صَداقٌ؛ لأنه نكاحٌ فاسِدٌ لم يَتصلْ به دُخولٌ، وتَعودُ إلى الزوجِ بالعَقدِ الأولِ كما لو لم تَتزوَّجْ (١). وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ -كما في «المُوطَّأ» - إلى أنها تَفوتُ بمُجردِ عَقدِ الثاني، رَوى الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بن المُسيبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ قالَ: «أيُّما امرَأةٍ فقَدَتْ زوْجَها فلَم تَدرِ أينَ هو فإنها تَنتظرُ أربَعَ سِنينَ ثمَّ تَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا ثمَّ تَحِلُّ» (٢).

стр. 11348

قالَ مالِكٌ ﵀: وإنْ تَزوَّجتْ بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها فدخَلَ بها زَوجُها أو لم يَدخلْ بها فلا سَبيلَ لزَوجِها الأولِ إليها، قالَ مالكٌ: وذلكَ الأمرُ عندَنا (١). قالَ الزرقانِيُّ ﵀: فالعَقدُ بمُجرَّدِه يُفيتُها، ثم رجَعَ مالكٌ عن هذا قبلَ موتِه بعامٍ وقالَ: لا يُفيتُها على الأولِ إلا دُخولُ الثاني غيرَ عالِمٍ بحَياتِه كذاتِ الوَليَّينِ، وأخَذَ به ابنُ القاسِمِ وأشهَبُ. قالَ في «الكافي»: وهو الأصَحُّ مِنْ طَريقِ الأثَرِ؛ لأنها مَسألةٌ قلَّدْنا فيها عُمرَ، وليسَتْ مَسألةَ نَظرٍ (٢). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَقدمَ زَوجُها بعدَ أنْ يَدخلَ بها الزَّوجُ الثَّاني: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَربَّصتْ زَوجةُ المَفقودِ مُدةَ التَّربصِ ثم تَزوَّجتْ ودخَلَ بها زَوجُها الثاني، هل يُخيَّرُ الزوجُ الأولُ بينَ أخذِها فتَكونُ زَوجتَه بالعَقدِ الأولِ، وبينَ أخذِ صَداقِها وتَكونُ زَوجةَ الثاني؟ أم لا سَبيلَ للأولِ عليها وهي للثاني بدُونِ تَخييرٍ؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ زَوجةَ المَفقودِ إذا تَربَّصتْ ودخَلَتْ في العدَّةِ ثم تَزوَّجتْ بعدَ ذلكَ ودخَلَ بها الزَّوجُ الثاني وتَلذَّذْ بها غيرَ عالِمٍ بمَجيئِه أو بحَياتِه فإنها تَفوتُ على الأولِ ولاتَخيير. قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وإنْ تَزوَّجتْ بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها فدخَلَ بها زَوجُها أو لم يَدخلْ بها فلا سَبيلَ لزَوجِها الأولِ إليها، قالَ مالكٌ: وذلكَ

стр. 11349

الأمرُ عندَنا، وإنْ أدرَكَها زَوجُها قبلَ أنْ تَتزوَّجَ فهو أحَقُّ بها، قالَ مالكٌ: وأدرَكتُ الناسَ يُنكِرونَ الذي قالَ بعضُ الناسِ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنه قالَ: «يُخيَّرُ زَوجُها الأولُ إذا جاءَ في صَداقِها أو في امرَأتِه»، قالَ مالِكٌ: وبلَغَني أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ قالَ في المَرأةِ يُطلِّقُها زَوجُها وهو غائِبٌ عنها ثمَّ يُراجِعُها فلا يَبلغُها رَجعتُه وقد بلَغَها طَلاقُه إيَّاها فتَزوَّجتْ أنه إنْ دخَلَ بها زَوجُها الآخَرُ أو لم يَدخلْ بها فلا سَبيلَ لزَوجِها الأولِ الذي كانَ طلَّقَها إليها، قالَ مالكٌ: وهذا أحَبُّ ما سَمعتُ إليَّ في هذا وفي المَفقودِ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ زوْجَها الأولَ يُخيَّرُ بينَ أخَذِها فتَكونُ زَوجتَه بالعَقدِ الأولِ، وبينَ أخذِ صَداقِها وتَكونُ زوجةَ الثاني. لِما رَواهُ عبدُ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن ابنِ المُسيبِ «أنَّ عُمرَ وعُثمانَ قضَيَا في المَفقودِ أنَّ امرَأتَه تَتربَّصُ أربَعَ سِنينَ وأربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا بعدَ ذلكَ ثم تزوَّجُ، فإنْ جاءَ زَوجُها الأولُ خُيِّرَ بينَ الصَّداقِ وبينَ امرأتِه» (٢). وقالَ عبيدُ بنُ عُميرٍ: «فُقدَ رَجلٌ في عَهدِ عُمرَ، فجاءَتِ امرأتُه إلى عُمرَ فذكَرَتْ ذلك له فقالَ: انطَلقِي فتَربَّصِي أربَعَ سنينَ، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: انطَلقِي فاعتَدِّي أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ففعَلَتْ ثم أتَتْه فقالَ: أينَ وليُّ هذا

стр. 11350

الرَّجلِ؟ فجاءَ وليُّه، فقالَ: طلِّقْها، ففعَلَ فقالَ عُمرُ: انطَلقِي فتَزوَّجي مَنْ شَئتِ، فتزوَّجَتْ، ثم جاءَ زَوجُها الأولُ، فقالَ له عُمرَ: أينَ كُنتَ؟ فقالَ: استَهوتْني الشَّياطينُ، فواللهِ ما أدرِي في أيِّ أرضٍ، كُنْتُ عندَ قومٍ يَستعبِدونَني حتَّى غَزاهُم قومٌ مُسلمونَ، فكُنتُ فيمَن غَنِموهُ، فقالُوا لي: أنتَ رَجلٌ مِنْ الإنسِ وهَؤلاءُ الجِنُّ، فما لَكَ وما لهُم؟ فأخبَرتُهم خبَرِي، فقالُوا: بأيةِ أرضِ اللهِ تُحبُّ أنْ تُصبحَ؟ قلتُ: بالمَدينةِ هيَ أرضِي، فأصبَحتُ وأنا أنظُرُ إلى الحَرَّةِ -وزادَ البَيهقيُّ في قِصتِه قالَ: -فأما اللَّيلُ فلا يُحدِّثوني، وأما النَّهارُ فإعصارُ رِيحٍ أتبعها إلى آخِرِه، فخيَّرَه عُمرُ، إنْ شاءَ امرَأتَه وإنْ شاءَ الصَّداقَ، فاختارَ الصَّداقَ» (١). وقَضَى به ابنُ الزُّبيرِ في مَولاةٍ لهُم، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصرِهم فكانَ إجماعًا. فعَلى هذا إنْ أمسَكَها الأولُ فهي زَوجتُه بالعَقدِ الأولِ، والمَنصوصُ عن أحمَدَ أنه لا يَحتاجُ الثاني إلى طَلاقٍ؛ لأنَّ نِكاحَه كانَ باطِلًا في الباطنِ. وقالَ القاضِي: قِياسُ قَولِه أنه يَحتاجُ إلى طَلاقٍ؛ لأنَّ هذا نِكاحٌ مُختلَفٌ في صِحتِه، فكانَ مأمورًا بالطَّلاقِ ليُقطعَ حُكمُ العَقدِ الثاني كسائرِ الأنكِحةِ الفاسِدةِ، ويَجبُ على الأولِ اعتِزالُها حتى تَقضيَ عدَّتَها مِنْ الثاني. وإنْ لم يَختَرْها الأولُ فإنها تَكونُ مع الثاني، ولم يَذكُروا لها عَقدًا

стр. 11351

جَديدًا، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنه يَجبُ أنْ يَستأنفَ لها عَقدًا؛ لأنَّنا تبيَّنَّا بُطلانَ عَقدِه بمَجيءِ الأولِ، ويُحمَلُ قولُ الصحابةِ على هذا؛ لقِيامِ الدَّليلِ عليهِ، فإنَّ زَوجةَ الإنسانِ لا تَصيرُ زَوجةً لغَيرِه بمُجرَّدِ تَركِه لها، وقالَ أبو الخطَّابِ: القِياسُ أنَّنا إنْ حكَمْنا بالفُرقةِ ظاهِرًا وباطنًا فهي امرَأةُ الثاني، ولا خِيارَ للأولِ؛ لأنها بانَتْ منه بفُرقةِ الحاكمِ، فأشبَهَ ما لو فسَخَ نِكاحِها لعُسرتِه، وإنْ لم نَحكمْ بفُرقتِه باطنًا فهيَ امرأةُ الأولِ ولا خِيارَ له. ومتَى اختارَ الأولُ ترْكَها فإنه يَرجعُ على الثَّاني بصَداقِها؛ لقَضاءِ الصَّحابةِ بذلكَ، ولأنه حالَ بينَه وبينَها بعَقدِه عليها ودُخولِه بها، واختُلفَ عن أحمَدَ فيما يَرجعُ به، فرُويَ عنه أنه يَرجعُ بالصَّداقِ الذي أصدَقَها هو، وهوَ اختيارُ أبي بَكرٍ وقَولُ الحسَنِ والزُّهريِّ وقَتادةَ، وعليِّ بنِ المَدِيني؛ لقَضاءِ عليٍّ وعُثمانَ أنه يُخيَّرُ بينَها وبينَ الصَّداقِ الذي ساقَ هو، ولأنه أتلَفَ عليه المُعوَّضَ، فرجَعَ عليه بالعِوضِ كشُهودِ الطلاقِ إذا رَجَعوا عن الشهادةِ. فعَلى هذا إنْ كانَ لم يَدفعْ إليها الصَّداقَ لم يَرجعْ بشَيءٍ، وإنْ كانَ قد دفَعَ بعضَه رجَعَ بما دفَعَ، ويُحتملُ أنْ يَرجعَ عليه بالصَّداقِ وتَرجعَ المَرأةُ بما بَقيَ عليهِ مِنْ صَداقِها. وعن أحمَدَ أنه يَرجعُ عليهِ بالمَهرِ الذي أصدَقَها الثاني؛ لأنَّ إتلافَ البُضعِ مِنْ جِهتِه، والرُّجوعُ عليه بقِيمتِه، والبُضعُ لا يَتقومُ إلا على زَوجٍ أو مَنْ جَرَى مَجراهُ، فيَجبُ الرجوعُ عليه بالمُسمَّى الثاني دونَ الأولِ، وهل

стр. 11352

يَرجعُ الزوجُ الثاني على الزَّوجةِ بما أُخذَ منه؟ فيه رِوايتانِ، ذكَرَ ذلكَ أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ: إحداهُما: يَرجعُ به؛ لأنها غَرامةٌ لَزمَتِ الزوجَ بسَببِ وَطئِه لها، فرجَعَ بها كالمَغرورِ. والثانيةُ: لا يَرجعُ بها، وهو أظهَرُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم يَقضُوا بالرُّجوعِ، فإنَّ سَعيدَ بنَ المُسيبِ رَوى «أنَّ عُمرَ وعُثمانَ قضَيَا في المَرأةِ التي لا تَدرِي ما مَهلكُ زَوجِها أنْ تَتربَّصَ أربَعَ سِنينَ ثم تَعتدَّ عدَّةَ المُتوفَّى عنها زَوجُها أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا ثم تزوَّجُ إنْ بَدا لها، فإنْ جاءَ زَوجُها خُيِّرَ إما امرَأتَه وإما الصَّداقَ، فإنِ اختارَ الصَّداقَ فالصَّداقُ على زَوجِها الآخَرِ، وتَثبتُ عندَه، وإنِ اختارَ امرَأتَه عُزلَتْ عن زَوجِها الآخَرِ حتى تَنقضيَ عدَّتُها، وإنْ قَدِمَ زَوجُها وقد تُوفِّيَ زَوجُها الآخَرُ ورثَتْ واعتدَّتْ عدَّةَ المُتوفَّى عنها، وتَرجعُ إلى الأولِ» رَواهُ الجَوزجانِيُّ. ولأنَّ المَرأةَ لا تَغريرَ منها، فلم يَرجعْ عليها بشَيءٍ كغَيرِها، فإنْ قُلنَا: «يَرجعُ عليها» فإنْ كانَ قد دفَعَ إليها الصَّداقَ رجَعَ به، وإنْ كانَ لم يَدفعْه إليها دفَعَه إلى الأولِ ولم يَرجعْ عليها بشَيءٍ، وإنْ كانَ قد دفَعَ بعضَه رجَعَ بما دفَعَ، وإنْ قُلنَا: «لا يَرجعُ عليها» وكانَ قد دفَعَ إليها الصَّداقَ لم يَرجعْ به، وإنْ لم يَكنْ دفَعَه إليها لَزمَه دَفعُه، ويَدفعُ إلى الأولِ صَداقًا آخَرَ (١).

стр. 11353

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: بَاب تَخيِير المَفقودِ عندَ قُدومِه بينَ امرَأتِه وبينَ صَداقِها إنْ قَدِمَ بعدَ النكاحِ. واختَلفُوا في المَفقودِ يَقدمُ وقد نكحَتِ امرَأتُه. فقالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: يُخيَّرُ بينَ زَوجتِه وبينَ أنْ يَأخذَ صَداقَها، ورُويَ ذلكَ عن عُثمانَ وعليٍّ، وبه قالَ عَطاءٌ والحَسنُ وخلاسُ بنُ عَمرٍو والنخَعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ. وفي قَولِ الثوريِّ والشافعيِّ وأهلِ الكُوفةِ: هي زَوجةُ الأولِ. وفيهِ قَولٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الزَّوجَ الأولَ لا حَقَّ له فيها، ولا يُخيَّرُ إذا جاءَ وقد تَزوَّجتْ، هذا قَولُ مالكٍ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والصَّوابُ في امرأةِ المَفقودِ مَذهبُ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وغيرِه مِنْ الصَّحابةِ، وهو أنها تَتربَّصُ أربَعَ سِنينَ ثم تَعتدُّ للوَفاةِ، ويَجوزُ لها أنْ تَتزوجَ بعدَ ذلكَ، وهي زَوجةُ الثَّاني ظاهِرًا وباطِنًا، ثمَّ إذا قَدِمَ زَوجُها الأولُ بعدَ تَزوُّجِها خُيِّرَ بينَ امرأتِه وبينَ مَهرِها، ولا فرْقَ بينَ ما قبلَ الدخولِ وبعدَه، وهو ظاهِرُ مَذهبِ أحمَدَ، وعلى الأصَحِّ: لا يُعتبَرُ الحاكمُ، فلو مَضتِ المُدةُ والعِدةُ تزوَّجَتْ بلا حُكمٍ … وبالجُملةِ كلُّ صُورةٍ فُرِّقَ فيها بينَ الرَّجلِ وامرأتِه بسَببٍ يُوجبُ الفُرقةَ ثم تَبيَّنَ انتفاءُ ذلكَ السَّببِ فهو شَبيهُ المَفقودِ، والتَّخييرُ فيه بينَ المَرأةِ والمَهرِ هو أعدَلُ الأقوالِ (٢).

стр. 11354

وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: حُكمُ عُمرَ في امرأةِ المَفقودِ يُوافقُ القياسَ: وممَّا ظُنَّ أنه على خِلافِ القِياسِ ما حكَمَ به الخُلفاءُ الراشِدونَ في امرَأةِ المَفقودِ، فإنه قد ثبَتَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنه أجَّلَ امرَأتَه أربَعَ سِنينَ وأمَرَها أنْ تَتزوَّجَ، فقَدِمَ المَفقودُ بعدَ ذلكَ فخَيَّرَه عُمرُ بينَ امرأتِه وبينَ مَهرِها، فذهَبَ الإمامُ أحمَدُ إلى ذلكَ وقالَ: ما أدرِي مَنْ ذهَبَ إلى غيرِ ذلكَ إلى أيِّ شَيءٍ يَذهبُ؟! وقالَ أبو داودَ في مَسائلِه: سَمعتُ أحمَدَ وقيلَ له: في نَفسِكَ شَيءٌ مِنْ المَفقودِ؟ فقالَ: ما في نَفسِي منه شَيءٌ، هذا خَمسةٌ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ أمَرُوها أنْ تَتربَّصَ، قالَ أحمَدُ: مِنْ ضِيقِ عِلمِ الرَّجلِ أنْ لا يَتكلَّمَ في امرأةِ المَفقودِ. وقد قالَ بَعضُ المُتأخِّرينَ مِنْ أصحابِ أحمَدَ: إنَّ مَذهبَ عُمرَ في المَفقودِ يُخالِفُ القِياسَ، والقياسُ أنها زَوجةُ القادمِ بكلِّ حالٍ، إلا أنْ نَقولَ: «الفُرقةُ تَنفذُ ظاهرًا وباطنًا» فتَكونُ زَوجةَ الثاني بكُلِّ حالٍ. وغَلا بَعضُ المُخالِفينَ لعُمرَ في ذلك فقالُوا: لو حكَمَ حاكمٌ بقَولِ عُمرَ في ذلكَ لَنُقضَ حُكمُه لبُعدِه عن القياسِ. وطائِفةٌ ثالثةٌ أخَذَتْ ببَعضِ قَولِ عُمرَ وتَرَكوا بعضَه فقالُوا: إذا تَزوَّجتْ ودخَلَ بها الثَّاني فهيَ زَوجتُه ولا تُرَدُّ إلى الأولِ، وإنْ لم يَدخلْ بها رُدَّتْ إلى الأولِ. قالَ شَيخُنا: مَنْ خالَفَ عُمرَ لم يَهتدِ إلى ما اهتَدَى إليه عُمرُ، ولم يَكنْ له

стр. 11355

مِنْ الخِبرةِ بالقِياسِ الصَّحيحِ مثلُ خِبرةِ عُمرَ، وهذا إنما يَتبيَّنُ بأصلٍ وهو وَقفُ العُقودِ إذا تَصرَّفَ الرَّجلُ في حَقِّ الغَيرِ بغيرِ إذنِه هل يَقعُ تَصرُّفُه مَردودًا أو مَوقوفًا على إجازَتِه؟ على قَولينِ مَشهورَينِ هُما رِوايتانِ عن أحمَدَ: إحداهُما: أنها تَقفُ على الإجازةِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ. والثانيةُ: أنها لا تَقفُ، وهو أشهَرُ قَولَي الشافِعيِّ، وهذا في النكاحِ والبَيعِ والإجارةِ، وظاهِرُ مَذهبِ أحمَدَ التَّفصيلُ، وهو أنَّ المُتصرِّفَ إذا كانَ مَعذورًا لعَدمِ تَمكُّنِه مِنْ الاستِئذانِ وكانَ به حاجةٌ إلى التصرُّفِ وقَفَ العَقدُ على الإجازةِ بلا نِزاعٍ عندَه، وإنْ أمكَنَه الاستِئذانُ أو لم تَكنْ به حاجةٌ إلى التصرُّفِ ففيهِ النِّزاعُ، فالأولُ مثلُ مَنْ عندَه أموالٌ لا يَعرفُ أصحابَها كالغُصوبِ والعَوارِي ونَحوِها، فإذا تعذَّرَ عليه مَعرفةُ أربابِ الأموالِ ويَئسَ منها فإنَّ مَذهبَ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ أنه يَتصدَّقُ بها عنهُم، فإنْ ظَهَروا بعدَ ذلكَ كانوا مُخيَّرينَ بينَ الإمضاءِ وبينَ التَّضمينِ، وهذا ممَّا جاءَتْ به السُّنةُ في اللُّقطةِ؛ فإنَّ المُلتقِطَ يَأخذُها بعدَ التعريفِ ويَتصرفُ فيها، ثم إنْ جاءَ صاحِبُها كانَ مُخيَّرًا بينَ إمضاءِ تَصرُّفِه وبينَ المُطالبةِ بها، فهو تَصرُّفٌ مَوقوفٌ لمَّا تَعذَّرَ الاستئذانُ ودَعَتِ الحاجةُ إلى التصرفِ، وكذلك المُوصِي بما زادَ على الثُّلثِ وَصيتُه مَوقوفةٌ على الإجازةِ عندَ الأكثَرينَ، وإنما يُخيَّرونَ بعدَ الموتِ، فالمَفقودُ المُنقطِعُ خبَرُه إنْ قيلَ: «إنَّ امرَأتَه تبقَى إلى أنْ يُعلَمَ خبَرَه» بَقيَتْ لا أيِّمًا ولا ذاتَ زَوجٍ إلى أنْ تَبقَى مِنْ القَواعدِ أو تَموتَ، والشَّريعةُ لا تَأتي بمثلِ هذا، فلمَّا أُجِّلتْ أربَعَ سِنينَ ولم يُكشفْ خبَرُه حُكِمَ بمَوتِه ظاهرًا.

стр. 11356

وأكثَرُ. الجَوابُ الثَّاني: تَأويلُ حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ على أنَّه تزوَّجَها في الحرَمِ وهو حَلالٌ، ويقالُ لمَن هو في الحَرمِ: «مُحرِمٌ» وإنْ كانَ حَلالًا، وهي لغةٌ شائِعةٌ مَعروفةٌ، ومنهُ البيتُ المَشهورُ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا … ...................................... أي: في حَرمِ المَدينةِ. والثالثُ: أنه تَعارَضَ القولُ والفعلُ، والصَّحيحُ حِينئذٍ عندَ الأصوليِّينَ تَرجيحُ القولِ؛ لأنه يَتعدَّى إلى الغيرِ، والفعلُ قد يكونُ مَقصورًا عليه. والرابعُ: جَوابُ جَماعةٍ مِنْ أصحابنا أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ له أنْ يتزوَّجَ في حالِ الإحرامِ، وهو ممَّا خُصَّ به دُونَ الأمَّةِ، وهذا أصَحُّ الوجهَينِ عندَ أصحابنا، والوجهُ الثَّاني: أنه حَرامٌ في حَقِّه كغيرِه، وليسَ مِنْ الخَصائصِ. وأمَّا قولُه ﷺ : «ولا يُنكِحُ» فمَعناهُ: لا يُزوِّجُ امرأةً بوِلايةٍ ولا وَكالةٍ، قالَ العلماءُ: سبَبَه أنه لمَّا مُنعَ في مدَّةِ الإحرامِ مِنْ العَقدِ لنَفسِه صارَ كالمرأةِ، فلا يَعقدُ لنَفسِه ولا لغيرِه، وظاهِرُ هذا العُمومِ أنه لا فرْقَ بينَ أنْ يزوِّجَ بوِلايةٍ خاصَّةٍ كالأبِ والأخِ والعَمِّ ونحوِهم، أو بوِلايةٍ عامَّةٍ وهو السُّلطانُ والقاضي ونائبُه، وهذا هو الصَّحيحُ عندَنا، وبه قالَ جُمهورُ أصحابِنا، وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَجوزُ أنْ يزوِّجَ المُحرِمُ بالولايةِ العامَّةِ؛ لأنها يُستفادُ بها ما لا يُستفادُ بالخاصَّةِ، ولهذا يَجوزُ للمُسلمِ تَزويجُ الذمِّيةِ بالوِلايةِ العامَّةِ دونَ

стр. 11357

وقيلَ: عليهِما المُسمَّى، وهو مَذهبُ مالكٍ، وهو أشهَرُ في نَصِّ أحمَدَ، وقد نَصَّ على ذلك فيما إذا أفسدَ نِكَاح امرَأتِه برَضاعٍ أنه يَرجعُ بالمُسمَّى، والكِتابُ والسُّنةُ يَدلَّانِ على هذا القَولِ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠] ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، وهذا هوَ المُسمَّى دونَ مَهرِ المِثلِ؛ ولذلكَ أمَرَ النبيُّ ﷺ زوْجَ المُختلِعةِ أنْ يَأخذَ ما أعطاها دونَ مَهرِ المِثلِ، وهو سُبحانَه إنما يَأمرُ في المُعاوَضاتِ المُطلَقةِ بالعَدلِ. فحُكمُ أميرِ المُؤمنينَ في المَفقودِ يَنبنِي على هذا الأصلِ، والقولُ بوَقفِ العُقودِ عندَ الحاجةِ مُتفَقٌ عليه بينَ الصَّحابةِ، ثبَتَ ذلكَ عنهم في قَضايا مُتعدِّدةٍ، ولم يُعلَمْ أنَّ أحَدًا منهُم أنكَرَ ذلكَ، مثلَ قَضيةِ ابنِ مَسعودٍ في تَصدُّقِه عن سَيدِ الجاريةِ التي ابتاعَها بالثَّمنِ الذي كانَ له عليهِ في الذمَّةِ لمَّا تعذَّرتْ عليه مَعرفتُه، وكتَصدُّقِ الغالِّ بالمالِ المَغلولِ مِنْ الغَنيمةِ لمَّا تعذَّرَ قَسْمُه بينَ الجَيشِ، وإقرارِ مُعاويةَ له على ذلكَ وتَصويبِه له، وغيرِ ذلكَ مِنْ القَضايا، مَع أنَّ القولَ بوَقفِ العُقودِ مُطلَقًا هو الأظهَرُ في الحُجةِ، وهو قَولُ الجُمهورِ، وليسَ في ذلكَ ضَررٌ أصلًا، بل هو إصلاحٌ بلا إفسادٍ، فإنَّ الرَّجلَ قد يَرى أنْ يَشتريَ لغَيرِه أو يَبيعَ له أو يُؤجِّرَ له أو يَستأجرَ له ثم يُشاوِرُه، فإنْ رَضيَ وإلا لم يَحصلْ له ما يَضرُّه، وكذلكَ في تَزويجِ وَليتِه ونحوِ ذلكَ، وأما مع الحاجةِ فالقولُ به لا بُدَّ منه، فمَسألةُ المَفقودِ هي ممَّا يُوقَفُ فيها تَفريقُ الإمامِ على إذنِ الزوجِ إذا جاءَ كما يَقفُ تَصرُّفُ المُلتقِطِ على إذنِ المالكِ

стр. 11358

إذا جاءَ، والقَولُ برَدِّ المَهرِ إلى الزوجِ بخُروجِ بضُعِ امرأتِه عن مِلكِه. ولكنْ تَنازَعوا في المَهرِ الذي يَرجعُ به، هل هوَ ما أعطاها هوَ؟ أو ما أعطاها الثَّاني؟ وفيه رِوايتانِ عن أحمَدَ: إحداهُما: يَرجعُ بما مهَرَها الثَّاني؛ لأنها هيَ التي أخَذَتْه، والصَّوابُ أنه إنَّما يَرجعُ بما مهَرَها هو؛ فإنه الذي يَستحقُّه، وأما المَهرُ الذي أصدَقَها الثاني فلا حَقَّ له فيهِ. وإذا ضَمِنَ الثاني للأولِ المَهرَ فهلْ يَرجعُ به عليها؟ فيه رِوايتانِ عن أحمَدَ: إحداهُما: يَرجعُ؛ لأنها هي التي أخَذَتْه، والثاني قد أعطاهَا المَهرَ الذي عليهِ، فلا يَضمنُ مَهرَينِ، بخِلافِ المَرأةِ فإنها لمَّا اختارَتْ فِراقَ الزَّوجِ الأولِ ونِكاحَ الثاني فعَليها أنْ تَرُدَّ المَهرَ؛ لأنَّ الفُرقةَ جاءَتْ مِنْ جِهتِها. والثانيةُ: لا يَرجعُ؛ لأنَّ المَرأةَ تَستحقُّ المَهرَ بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها، والأولُ يَستحقُّ المَهرَ بخُروجِ البُضعِ عن مِلكِه، فكانَ على الثاني، وهذا المَأثورُ عن عُمرَ في مَسألةِ المَفقودِ، وهو عندَ طائِفةٍ مِنْ الفُقهاءِ مِنْ أبعَدِ الأقوالِ عن القياسِ، حتى قالَ بعضُ الأئمَّةِ: «لو حكَمَ به حاكِمٌ نُقضَ حُكمُه»، وهو مع هذا أصَحُّ الأقوالِ وأحرَاها في القياسِ، وكلُّ قَولٍ قيلَ سِواهُ فهو خَطأٌ، فمَن قالَ: «إنها تُعادُ إلى الأولِ بكلِّ حالٍ» أو «تَكونُ مع الثانِي بكُلِّ حالٍ» فكِلَا القَولينِ خَطأٌ؛ إذ كَيفَ تُعادُ إلى الأولِ وهو لا يَختارُها ولا يُريدُها، وقد فرقَ بينَه وبينَها تَفريقًا سائغًا في الشَّرعِ، وأجازَ هو ذلكَ التَّفريقِ، فإنه وإنْ تَبيَّنَ للأمامِ أنَّ الأمرَ بخِلافِ ما اعتَقدَه فالحَقُّ في ذلك للزوجِ، فإذا أجازَ ما فعَلَه الإمامُ زالَ المَحذورُ.

стр. 11359

وأما كَونُها زَوجةً الثاني بكلِّ حالٍ مع ظُهورِ زَوجِها وتَبيَّنَ أنَّ الأمرَ بخِلافِ ما فعَلَ الإمامُ فهو خَطأٌ أيضًا؛ فإنه مُسلِمٌ لم يُفارِقِ امرأتَه، وإنما فُرِّقَ بينَهما بسَببٍ ظهَرَ أنه لم يَكنْ كذلكَ، وهو يَطلبُ امرأتَه، فكيفَ يُحالُ بينَه وبينَها وهو لو طلَبَ مالَه أو بدَلَه رُدَّ إليهِ، فكيفَ لا تُردُّ إليه امرأتُه، وأهلُه أعَزُّ عليه مِنْ مالِه؟! وإنْ قيلَ: «حَقُّ الثاني تَعلَّقَ بها» قيلَ: حَقُّه سابقٌ على حَقِّ الثاني، وقد ظهَرَ انتقاضُ السَّببِ الذي به استَحقَّ الثاني أنْ تَكونَ زَوجةً له، وما المُوجبُ لمُراعاةِ حقِّ الثاني دونَ الأولِ؟ فالصَّوابُ ما قَضَى به أميرُ المُؤمنينَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁، ولهذا تَعجَّبَ أحمَدُ ممَّن خالَفَه، فإذا ظهَرَ صِحةُ ما قالَه الصَّحابةُ ﵃ وصوابُه في مثلِ هذهِ المُشكلاتِ التي خالَفَهم فيها مثلُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ فلَأنْ يكونَ الصَّوابُ معَهُم فيما وافَقَهم هؤلاءِ بطَريقِ الأَولى (١).

стр. 11360

تَحوُّلُ العِدَّةِ أو انتِقالُها: العِدَّةُ إما أنْ تكونَ بوَضعِ الحَملِ أو بالأقراءِ أو بالأشهُرِ كما تَقدَّمَ، وقد تَنتقلُ المَرأةُ مِنْ حالةٍ إلى أُخرى كما يلي: الحالَةُ الأُولى: إذا حاضَتْ قبلَ انقِضاءِ الأشهُرِ فإنها تَنتقلُ إلى العِدَّةِ بالقُرءِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ الصَّغيرةَ والآيِسةَ إذا اعتَدَّتْ بالأشهُرِ ثم حاضَتْ قبلَ انقِضاءِ الشُّهورِ الثلاثةِ بيَومٍ أو أقَلِّ مِنْ يَومٍ أنه يَجبُ عليها أنْ تَستأنفَ العدَّةَ بالحيضِ. أما الآيِسةُ فلأنَّا بالعَودِ عَلِمْنا أنها غيرُ آيسةٍ وأنَّ عدَّتَها الحيضُ، وصارَتْ كالمُمتدِ طُهرُها، فتَستأنفُ. وأما الصَّغيرةُ فلأنَّ الجَمعَ في عدَّةٍ واحِدةٍ بينَ الحَيضِ والأشهُرِ مُمتنِعٌ؛ لِما فيه مِنْ الجَمعِ بين البَدلِ والمُبدَلِ، ولأنه لم يَرِدْ به أثرٌ ولم يَقُلْ به بَشرٌ، وقد تَعذَّرَ الاعتدادُ بالأشهُرِ، فتَعيَّنَ الحيضُ. أو نَقولُ: الأشهُرُ خَلَفٌ عن الحَيضِ، وقد قَدِرتْ على الأصلِ قبلَ حُصولِ المَقصودِ بالخَلفِ، فيَجبُ عليها كالمُتيمِّمِ إذا وجَدَ الماءَ في صَلاتِه (١). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الصَّبيةَ أو البالغَ المُطلَّقةَ التي لم تَحِضْ إنْ حاضَتْ قبلَ انقِضاءِ

стр. 11361

الشُّهورِ الثلاثةِ بيَومٍ أو أقلِّ مِنْ يَومٍ أنَّ عليها استئنافَ العدَّةِ بالحَيضِ، وممَّن حَفِظْنا ذلكَ عنه سَعيدُ بنُ المُسيبِ والزُّهريُّ ومالِكٌ وأهلُ المَدينةِ والشَّعبيُّ والنخَعيُّ وسُفيانُ الثوريُّ وأصحابُ الرأيِ مِنْ أهلِ الكُوفةِ والحَسنِ البَصريِّ وقَتادةَ ومَن تَبِعَهما مِنْ أهلِ البَصرةِ ومُجاهدٌ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو عُبيدٍ (١). إذا حاضَتْ بعدَ انقِضاءِ عدَّتِها بالأشهُرِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المَرأةَ إذا اعتَدتْ بالأشهُرِ ثمَّ حاضَتْ بعدَ انقِضاءِ الأشهُرِ فإنه لا يَلزمُها استِئنافُ العدَّةِ بالأقراءِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنِ انقَضَتْ عدَّتُها بالشُّهورِ ثم حاضَتْ بعدَها ولو بلَحظةٍ لم يَلزمْها استِئنافُ العدَّةِ؛ لأنه معنًى حدَثَ بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ، كالتي حاضَتْ بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ بزَمنٍ طَويلٍ، ولا يُمكنُ مَنعُ هذا الأصلِ؛ لأنه لو صَحَّ مَنعُه لم يَحصلْ لمَن لم تَحضْ الاعتِدادُ بالشُّهورِ بحالٍ (٢). الحالَةُ الثانيةُ: الانتِقالُ مِنْ الحَيضِ إلى الأشهُرِ: المَرأةُ إذا اعتدَّتْ بالحيضِ بأنْ حاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثمَّ يَئِستْ مِنْ المَحيضِ فإنها تَستقبلُ العدَّةَ ثَلاثةَ أشهُرٍ؛ لأنَّ العدَّةَ لا تُلفَّقُ مِنْ جِنسينِ، وقد تَعذَّرَ إتمامُها بالحَيضِ، فوجَبَ استئنافها بالأشهُرِ (٣).

стр. 11362

قالَ الإمامُ أبو بَكرِ بنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ لو كانَتْ مِنْ أهلِ الحيضِ فحاضَتْ حَيضةً أو حَيضتَينِ ثم صارَتْ مِنْ المُوئساتِ استَأنفَتِ الشُّهورَ (١). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه وهي ممَّن تَحيضُ فاعتدَّتْ حَيضةً ثم يَئِستْ مِنْ المَحيضِ ابتَدأتْ ثَلاثةَ أشهُرٍ، كما لو طلقَتْ وهي ممَّن لا يَحيضُ مِنْ صِغرٍ فاعتدَّتْ شَهرًا ثمَّ رَأتِ الحيضَ أنها تَبتدئُ ثَلاثةَ قُروءٍ بإجماعٍ، إلا الحسَنَ بنَ صالحٍ فإنه قالَ: تَعتدُّ بتلكَ الحَيضةِ شَهرًا ثم تَعتدُّ شَهرينِ آخَرينِ وقد حلَّتْ (٢). الحالةُ الثالِثةُ: تَحوُّلُ المعتَدَّةِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلاقِ إلى عدَّةِ الوَفاةِ: الرَّجلُ إذا طلَّقَ زوْجَتَه ثم ماتَ وهي في العدَّةِ فلا يَخلُو ذلكَ مِنْ ضَربَينِ: الضَّربُ الأولُ: أنْ يُطلِّقَها طَلاقًا رَجعيًّا ثم يَموتُ وهي في العدَّةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزوجَ إذا طلَّقَ زوجَتَه طَلاقًا رَجعيًّا ثم اعتدَّتْ وفي أثناءِ العدَّةِ ماتَ الزَّوجُ فإنها تَنتقلُ إلى عدَّةِ الوفاءِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرةً إذا لم تَكنْ حامِلًا، سَواءٌ طلَّقَها في حالةِ المَرضِ أو الصِّحةِ، وانهَدمَتْ عدَّةُ الطلاقِ، وعليها أنْ تَستأنفَ عدَّةَ الوفاةِ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ لأنها زوجَتُه بعدَ الطَّلاقِ؛ إذ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ لا يُوجِبُ زَوالَ الزوجيةِ، ومَوتُ الزوجِ يُوجبُ على زَوجتِه عدَّةَ الوَفاةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] كما لو ماتَ قبلَ الطَّلاقِ.

стр. 11363

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَه طَلاقًا يَملكُ رَجعتَها ثم تُوفِّيَ قبلَ انقِضاءِ العدَّةِ أنَّ عليها عدَّةَ الوفاءِ وتَرثُه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا ماتَ زَوجُ الرَّجعيةِ استَأنفَتْ عدَّةَ الوفاةِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا بلا خِلافٍ، وقالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على ذلكَ؛ وذلكَ لأنَّ الرَّجعيةَ زَوجةٌ يَلحقُها طَلاقُه ويَنالُها ميراثُه، فاعتَدَّتْ للوفاةِ كغيرِ المُطلقةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وإجماعُ الجَميعِ مِنْ العُلماءِ أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوْجَه طلاقًا يَملكُ فيه الرَّجعةَ وتُوفِّيَ قبلَ انقِضاءِ عدَّةِ الطلاقِ فعَلى زَوجِه استِئنافُ عدَّةِ الوفاةِ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زَوجتَه طَلاقًا يَملكُ رَجعتَها ثم تُوفِّيَ قبلَ انقِضاءِ العدَّةِ أنَّ عليها عدَّةَ الوفاةِ وتَرثُه (٤). الضَّربُ الثَّاني: أنْ يَكونَ الطلاقُ بائنًا: إذا طلَّقَ الزَّوجُ زَوجتَه طَلاقًا بائنًا أو ثلاثًا ثم ماتَ وهي في العدَّةِ فلا يَخلُو ذلكَ مِنْ أحَدِ صُورتَينِ:

стр. 11364

الصُّورةُ الأُولى: أنْ يُطلِّقَها وهو صَحيحٌ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزوجَ إذا طلَّقَ زَوجتَه طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا فإنْ لم تَرِثْ بأنْ طلَّقَها في حالَةِ الصِّحةِ لا تَنتقلُ عدَّتُها إلى عدَّةِ الوَفاةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ عدَّةَ الوَفاةِ على الزَّوجاتِ بقَولِه : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقد زالَتِ الزَّوجيةُ بالإبانةِ والثَّلاثِ، فتَعذَّرَ إيجابُ عدَّةِ الوَفاةِ، فبَقيَتْ عدَّةُ الطلاقِ على حالِها (١). الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يُطلِّقَها بائِنًا أو ثَلاثًا وهو مَريضٌ ثم يَموتُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلَّقَ الزَّوجُ زَوجتَه طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا في مَرضِ المَوتِ فاعتَدَّتْ ثم ماتَ وهي في العدَّةِ، هل تَنتقلُ إلى عدَّةِ الوَفاةِ أم لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وابنُ المُنذِرِ إلى أنها لا تَنتقلُ إلى عدَّةِ الوَفاةِ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ عدَّةَ المُطلَّقاتِ الأقراءَ، ولأنهُم قد أجمَعُوا على أنَّ المُطلَّقةَ بثَلاثٍ لو ماتَتْ لم يَرثْها المُطلِّقُ؛ وذلك لأنها غَيرُ زَوجةٍ، وإذا كانَتْ غيرَ زَوجةٍ له فهو غيرُ زَوجٍ لها؛ لأنَّ الشرعَ إنما أوجَبَ عدَّةَ الوَفاةِ على الزَّوجاتِ، وقد بطَلَتِ الزَّوجيةُ بالطَّلاقِ البائنِ، إلا أنَّا أبقَيْناها في حَقِّ الإرثِ خاصَّةً لتُهمةِ الفِرارِ، فمَن ادَّعَى بَقاءَها في حَقِّ وُجوبِ عدَّةِ الوفاةِ فعَليهِ الدَّليلُ، ولأنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقَولهُ:

стр. 11365

﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ولأنها مَبتوتةٌ في المَرضِ كالمَبتوتةِ في الصِّحةِ، ولأنَّ مرَضَ الزوجِ لا تَأثيرَ له في زِيادةِ العدِّةِ ولا نُقصانِها، لا في حَقِّ المَرأةِ ولا الزَّوجِ، بدَليلِ أنها لو خرَجَتْ مِنْ العدَّةِ قبلَ مَوتِه لم يَلزمْها عدَّةٌ أُخرى، ولو طلَّقَها وهي مَريضةٌ لم يَجبْ عليها مِنْ العدَّةِ إلا ما يَجبُ على الصَّحيحةِ، فكذلكَ إذا ماتَ عنها وهيَ في العدَّةِ (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والحَنابلةُ إلى أنه لو طلَّقَها في مَرضِ المَوتِ ثَلاثًا ثم ماتَ قبلَ أنْ تَنقضيَ العدَّةُ فورثَتْ فإنها تَعتدُّ أطوَلَ الأجَلينِ مِنْ عِدةِ الوَفاةِ أو ثَلاثةِ قُروءٍ، فتعتَدَّ بأربَعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ فيها ثَلاثُ حِيضٍ، حتى أنها لو لم تَرَ في مُدةِ الأربَعةِ أشهُرٍ والعَشرِ ثَلاثَ حِيَضٍ تَستكملُ بعد ذلكَ، وكذلكَ كلُّ مُعتدةٍ ورثَتْ كامرأةِ المُرتدِّ بأنِ ارتَدَّ زَوجُها بعدَما دخَلَ بها ووجَبَتْ عليها العدَّةُ ثم ماتَ أو قتَلَ ووَرثتْه؛ لأنها وارِثةٌ له، فيَجبُ عليها عدَّةُ الوفاةِ كالرَّجعيةِ، وتَلزمُها عدَّةُ الطلاقِ؛ لأنَّ النكاحَ لمَّا بَقيَ في حَقِّ الإرثِ فلَأنْ يَبقَى في حقِّ وُجوبِ العدَّةِ أَولى؛ لأنَّ العدَّةَ يُحتاطُ في إيجابِها، فكانَ قيامُ النكاحِ مِنْ وَجهٍ كافيًا لوُجوبِ العدَّةِ احتياطًا، فيَجبُ عليها الاعتِدادُ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا فيها ثَلاثُ حِيَضٍ.

стр. 11366

وإنْ ماتَ المَريضُ المُطلِّقُ بعدَ انقضاءِ عدَّتِها بالحيضِ أو بالشُّهورِ أو بوَضعِ الحَملِ أو كانَ طَلاقُه قبلَ الدُّخولِ فليسَ عليها عدَّةٌ لمَوتِه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [لقمان: ٤٩]، وقالَ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقالَ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] (١). انتِهاءُ العِدَّةِ بانتِهاءِ المدَّةِ (إذا لم تَعلَمِ المرأةُ بطَلاقِها أو بوَفاةِ زَوجِها إلا بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ): اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا لم تَعلَمِ الزَّوجةُ بمَوتِ زَوجِها أو بطَلاقِه لها إلا بعدَ انتِهاءِ العدَّةِ أو بعدَ فَترةٍ، هل تَعتدُّ مِنْ جَديدٍ أم لا؟ فذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ مِنْ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ -وبه قالَ ابنُ مَسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وعَطاءٌ وجابرُ بنُ زيدٍ، وهو قَولُ فُقهاءِ الأمصارِ- إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا لم تَعلمْ بمَوتِ زَوجِها إلا بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ فليسَ عليها عدَّةٌ، وكانَتْ عِدتُها مُنقضِيةً، ولا يَلزمُها شَيءٌ منها؛ لأنَّ العدَّةَ تَبدأُ مِنْ حينِ الوَفاةِ وليسَ مِنْ حِينِ العِلمِ بالوَفاةِ؛ لأنَّ سبَبَ وُجوبِ العدِّةِ الطَّلاقُ أو الوَفاةُ، فيُعتبَرُ ابتداؤُها مِنْ وَقتِ وُجودِ السَّببِ، فإنْ لم تَعلمْ بالطَّلاقِ أو الوَفاةِ حتى مَضتْ مُدةُ العدَّةِ فقدِ انقَضتْ عدَّتُها.

стр. 11367

وإذا كانَ غائبًا فأتاها مَوتُه لمُدةٍ تَنقضِي بها العدَّةُ فلا عدَّةَ، وإذا شكَّتْ في العدَّةِ اعتدَّتْ مِنْ الوَقتِ الذي تَستيقنُ فيه بمَوتِه. وذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ -وهو قَولُ عليٍّ والحَسنِ البَصريِّ وخلاسِ بنِ عَمرٍو ورَبيعةَ- إلى أنَّ الزوجةَ إذا طلَّقَها زَوجُها ولم تَعلمْ إلا بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ فلا عدَّةَ عليها؛ لأنَّ العِبرةَ بوَقتِ الطَّلاقِ وليسَ بوَقتِ العِلمِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ سَببٌ لوُجوبِ العدَّةِ، ولأنَّ الصَّغيرةَ تَعتدُّ مع عَدمِ قَصدِها. وإذا كانَ غائبًا فأتاها طَلاقُه لمُدةٍ تَنقضِي بها العدَّةُ فلا عدَّةَ، وإذا شَكَّتْ في العدَّةِ اعتدَّتْ مِنْ الوَقتِ الذي تَستيقنُ فيه. إلا أنَّ المالِكيةَ قالُوا: وإذا بلَغَها مَوتُ زَوجِها فعِدتُها مِنْ يَومِ ماتَ، فإنْ لم يَبلغْها ذلكَ حتى انقَضتْ عدَّتُها فلا إحدادَ عليها وقد حلَّتْ، وكذلكَ إنْ طلقَتْ وهو غائِبٌ فعِدتُها مِنْ يَومِ طلَّقَ إذا أقامَتْ على الطَّلاقِ بيِّنةً، وإنْ لم تَكنْ على ذلكَ بيِّنةٌ إلا أنه لمَّا قَدِمَ قالَ: «كنتُ طلَّقتُها» فالعدَّةُ مِنْ يَومِ إقرارِه، ولا رَجعةَ له في ذلكَ فيما دونَ الثلاثِ إذا تمَّتِ العدَّةُ مِنْ يَومِ دَعواهُ، وتَرثُه في العدَّةِ مِنْ يَومِ دَعواهُ المُؤتنفةِ؛ لأنها في عدَّتِها، ولا يَرثُها؛ لانقِضاءِ عدَّتِها بإقرارِه، إلا إذا قامَتْ بيِّنةٌ فتَعتدُّ مِنْ الوَقتِ الذي ذكَرَتْه البيِّنةُ، وهذا في الطَّلاقِ الرَّجعيِّ. أما البائنُ فلا يَتوارثانُ بحالٍ، ولا يَرجعُ عليها بما أنفَقَتْ مِنْ مالِه بعدَ طَلاقِه قبلَ عِلمِها؛ لأنه قد فرَّطَ (١).

стр. 11368

ورُويَ عن الإمامِ أحمَدَ أنه إنْ قامَتْ بذلك بَينةٌ فالحُكمُ كذلكَ في المَوتِ والطَّلاقِ، وإنْ لم تكنْ هُناكَ بَينةٌ فعدَّتُها مِنْ يَومِ يأتِيها الخبَرُ. قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: اللهُ تعالَى نَصَّ على وُجوبِ العدَّةِ بالمَوتِ والطَّلاقِ بقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] كما قالَ تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فأوجَبَ العدَّةَ فيهما بالمَوتِ وبالطَّلاقِ، فواجِبٌ أنْ تكونَ العدَّةُ فيهِما مِنْ يَومِ المَوتِ والطَّلاقِ، ولمَّا اتَّفقُوا على أنَّ عدَّةَ المُطلقةِ مِنْ يَومِ طلَّقَ ولم يَعتبِروا وقْتَ بُلوغِ الخبَرِ كذلكَ عدَّةُ الوَفاةِ؛ لأنهُما جَميعًا سبَبَا وُجوبِ العدَّةِ. وأيضًا فإنَّ العدَّةَ ليسَتْ هي فِعلَها فيُعتبَرَ فيها عِلمُها، وإنما هي مُضيُّ الأوقاتِ، ولا فرْقَ بينَ عِلمِها بذلكَ وبينَ جَهلِها به. وأيضًا لمَّا كانَتِ العدَّةُ مُوجَبةً عن المَوتِ كالميراثِ، وإنما يُعتبَرُ في المِيراثِ وقتُ الوفاةِ لا وَقتُ بُلوغِ خبَرِها، وجَبَ أنْ تكونَ كذلكَ العدَّةُ، وأنْ لا يَختلفَ فيها حُكمُ العِلمِ والجَهلِ كما لا يَختلفُ في الميراثِ. وأيضًا فإنَّ أكثَرَ ما في العِلمِ أنْ تَجتنبَ ما تَجتنبُه المُعتدَّةُ مِنْ الخُروجِ والزِّينةِ إذا عَلِمتْ، فإذا لم تَعلمْ فتَركُ اجتنابِ ما يَلزمُ اجتِنابُه في العدَّةِ لم يَكنْ مانعًا مِنْ انقِضاءِ العدَّةِ؛ لأنها لو كانَتْ عالِمةً بالمَوتِ فلَم تَجتنبِ

стр. 11369

الخُروجَ والزينةَ لم يُؤثرْ ذلكَ في انقِضاءِ العدَّةِ، فكَذلكَ إذا لم تَعلمْ به (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا طلَّقَها زَوجُها أو ماتَ عنها وهو ناءٍ عنها فعدَّتُها مِنْ يَومِ ماتَ أو طلَّقَ إذا صَحَّ ذلكَ عندَها وإنْ لم تَجتنبْ ما تَجتنبُه المُعتدةُ). هذا هو المَشهورُ في المَذهبِ، وأنه متى ماتَ زوجُها أو طلَّقَها فعِدتُها مِنْ يَومِ مَوتِه وطَلاقِه. وقالَ أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبي عبدِ اللهِ أعلَمُه أنَّ العدَّةَ تَجبُ مِنْ حِينِ المَوتِ والطَّلاقِ، إلا ما رَواهُ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، وهذا قولُ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ ومَسروقٍ وعطاءٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ وابنِ سِيرينَ ومُجاهدٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ وعِكرمةَ وطاوسٍ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ وأبي قِلابةَ وأبي العاليةِ والنخَعيِّ ونافعٍ ومالكٍ والثَّوريِ والشافِعيِّ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ. وعن أحمَدَ: إنْ قامَتْ بذلكَ بيِّنةٌ فكمَا ذكَرَه، وإلا فعدَّتُها مِنْ يَومِ يأتيها الخبَرُ، ورُويَ ذلكَ عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ وعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ. ويُروىَ عن عَليٍّ والحَسنِ وقَتادةَ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وخلاسِ بنِ عَمرٍو أنَّ عدَّتَها مِنْ يَومِ يأتيها الخبَرُ؛ لأنَّ العدَّةَ اجتنابُ أشياءَ وما اجتَنَبتْها. ولنا: إنها لو كانَتْ حامِلًا فوضَعَتْ حمْلَها غيرَ عالِمةٍ بفُرقةِ زوجِها لَانقضَتْ عدَّتُها، فكذلكَ سائرُ أنواعِ العِدَدِ، ولأنه زَمانٌ عَقيبَ المَوتِ أو

стр. 11370

الطَّلاقِ، فوجَبَ أنْ تَعتدَّ به كما لو كانَ حاضِرًا، ولأنَّ القَصدَ غيرُ مُعتبَرٍ في العدَّةِ؛ بدَليلِ أنَّ الصَّغيرةَ والمَجنونةَ تَنقضي عدَّتُهما مِنْ غيرِ قَصدٍ، ولم يُعدَمْ هاهُنا إلا القَصدُ، وسَواءٌ في هذا اجتَنبَتْ ما تَجنبتُه المُعتدَّاتُ أو لم تَجتنبْه، فإنَّ الإحدادَ الواجِبَ ليسَ بشَرطٍ في العدَّةِ، فلو تَركَتْه قَصدًا أو عن غَيرِ قَصدٍ لَانقضَتْ عدَّتُها؛ فإنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقالَ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وقالَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وفي اشتِراطِ الإحدادِ مُخالَفةُ هذه النُّصوصِ، فوجَبَ ألا يُشترطَ (١). وانقضاءُ العدَّةِ يَختلفُ باختِلافِ نَوعِها، فإنْ كانَتِ المَرأةُ حاملًا فإنَّ عدَّتَها تَنتهي بوَضعِ الحَملِ كلِّه، وإذا كانَتِ العدَّةُ بالقُروءِ فإنها تَنتهي بثَلاثةِ قُروءٍ، وإذا كانَتِ العدَّةُ بالأشهُرِ فإنها تُحسبُ مِنْ وَقتِ الفُرقةِ أو الوَفاةِ حتَّى تَنتهي بمُضيِّ ثَلاثةِ أشهُرٍ أو أربَعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ. وبيَّنَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀ ما تَنقضِي به العِدَّةُ فقالَ: انقِضاءُ العدَّةِ نَوعانِ: الأولُ بالقَولِ، والثَّاني بالفِعلِ. أما القَولُ: فهوَ إخبارُ المُعتدةِ بانقِضاءِ العدَّةِ في مُدةٍ يحتَملُ الانقِضاءُ في مثلِها، فإنْ كانَتْ حُرةً مِنْ ذَواتِ الأشهُرِ فإنها لا تُصدَّقُ في أقلِّ مِنْ ثَلاثةِ أشهُرٍ في عدَّةِ الطَّلاقِ أو أربَعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ في عدَّةِ الوَفاةِ، وإنْ كانَتْ حُرةً مِنْ ذَواتِ الأقراءِ ومُعتدةً مِنْ وَفاةٍ فإنها لا تُصدَّقُ في أقلِّ مِنْ أربَعةِ أشهُرٍ

стр. 11371

وعَشرٍ، أو مُعتدةً مِنْ طَلاقٍ فإنْ أخبَرتْ بانقِضاءِ عدَّتِها في مُدةٍ تَنقضِي في مثلِها العدَّةُ يُقبَلُ قَولُها، وإنْ أخبَرتْ في مُدةٍ لا تَنقضي في مثلِها العدَّةُ لا يُقبَلُ قَولُها؛ لأنَّ قولَ الأمينِ إنما يُقبَلُ فيما لا يُكذِّبُه الظاهِرُ، والظاهِرُ هُنا يُكذِّبُها، فلا يُقبَلُ قَولُها إلا إذا فسَّرَتْ مع يَمينِها، فيُقبَلُ قولُها مع هذا التَّفسيرِ؛ لأنَّ الظاهِرَ لا يُكذِّبُها مع التفسيرِ، وأقلُّ ما تُصدَّقُ فيه المُعتدةُ بالأقراءِ عندَ أبي حَنيفةَ ستُّونَ يومًا، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ تِسعةٌ وثَلاثونَ يومًا. وأما الفِعلُ: فيَتمثَّلُ في أنْ تَتزوجَ بزَوجٍ آخَرَ بعدَ مُضيِّ مُدةٍ تَنقضِي في مثلِها العدَّةُ، حتى لو قالَتْ: «لم تَنقَضِ عدَّتِي» لم تُصدَّقْ، لا في حَقِّ الزَّوجِ الأولِ ولا في حَقِّ الزوجِ الثاني، ونكاحُ الزَّوجِ الثاني جائزٌ؛ لأنَّ إقدامَها على التزوُّجِ بعدَ مُضيِّ مُدةٍ يحتَملُ الانقِضاءَ في مثلِها دَليلٌ على الانقِضاءِ (١).

стр. 11372

مَكانُ العدَّةِ: المَرأةُ المُعتدةُ إما أنْ تَكونَ مُعتدةً مِنْ وَفاةٍ أو طَلاقٍ، والطَّلاقُ إما رَجعيٌّ وإما بائنٌ، وفي كلِّ واحِدةٍ منهُنَّ تَفصيلٌ، وإنْ كانَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ أنها تَعتدُّ في بيتِ الزَّوجيةِ، وبَيانُ ذلكَ فيما يَلي: أولاً: مَكانُ العدَّةِ للمُتوفَّى عنها زَوجُها: اختَلفَ الفُقهاءُ في مَكانِ العدَّةِ للمُتوفَّى عنها زَوجُها، هل يَجبُ عليها أنْ تَعتدَّ في بَيتِ الزَّوجِ ولا يَجوزُ لها أن تَخرجَ منه إلا لضَرورةٍ؟ أم يَجوزُ لها أنْ تَعتدَّ في أيِّ مَوضعٍ شاءَتْ؟ على قَولينِ: القَولُ الأولُ: أنه يَجبُ عليها لُزومُ بَيتِ زَوجِها الذي تُوفِّيَ عنها وهي فيه، وإليهِ ذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ مِنْ الأئمَّةِ الأربَعةِ وغيرِهم. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو قَولُ عُمرَ وعُثمانَ ﵄، ورُويَ ذلكَ عن ابنِ عُمرَ وابنِ مَسعودٍ وأمِّ سَلمةَ، وبه يَقولُ مالِكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وإسحاقُ، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وبه يَقولُ جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ بالحِجازِ والشامِ والعِراقِ ومِصرَ (١). واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١].

стр. 11373

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ عندَ هذهِ الآيةِ: فكانَتْ هذهِ الآيةُ في المُطلَّقاتِ، وكانَتِ المُعتدَّاتُ مِنْ الوَفاةِ مُعتدَّاتٍ كعدَّةِ المطلَّقةِ، فاحتملَتْ أنْ تكونَ في فَرضِ السُّكنَى للمُطلَّقاتِ ومَنعِ إخراجِهنَّ تَدلُّ على أنَّ في مثلِ مَعناهُنَّ في السُّكنَى ومَنعُ الإخراجِ المُتوفَّى عنهُنَّ؛ لأنهُنَّ في مَعناهنَّ في العدَّةِ. قالَ: ودلَّتْ سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ على أنَّ على المُتوفَّى عنها أنْ تَمكثَ في بَيتِها حتى يَبلغَ الكِتابُ أجَلَه. واحتَملَ أنْ يَكونَ ذلكَ على المُطلَّقاتِ دُونَ المُتوفَّى عنهُنَّ (١). ولحَديثِ سَعدِ بنِ إسحاقَ عن كَعبِ بنِ عُجرةَ عن عمَّتِه زَينبَ بنتِ كَعبٍ عن فُريعةَ بنتِ مالكٍ ﵂ قالَتْ: «خرَجَ زَوجِي في طَلبِ أعلاجٍ له، فأدرَكَهُم بطَرَفِ القَدُومِ، فقَتَلوهُ، فجاءَ نَعيُ زَوجِي وأنا في دارٍ مِنْ دُورِ الأنصارِ شاسِعةٍ عن دارِ أهلِي، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنه جاءَ نَعيُ زَوجِي وأنا في دارٍ شاسِعةٍ عن دارِ أهلِي ودارِ إخوَتي، ولمْ يَدعْ مالًا يُنْفِقُ عليَّ، ولا مالًا وَرثتُه، ولا دارًا يَملِكُها، فإنْ رَأيتَ أنْ تَأذنَ لي فألحَقَ بدارِ أهلِي ودارِ إخوَتي، فإنه أحَبُّ إليَّ وأجمَعُ لي في بعضِ أمرِي، قالَ: فافعَلِي إنْ شِئتِ، قالَتْ: فخرَجْتُ قَريرةً عَينِي لِما قَضى اللَّهُ لي على لِسانِ رَسولِه ﷺ ، حتى إذا كُنْتُ في المَسجدِ، أو في بَعضِ الحُجرةِ

стр. 11374

دَعانِي فقالَ: كيفَ زَعَمتِ؟ قالَت: فقَصَصتُ عليه، فقالَ: امكُثِي في بَيتِكِ الذي جاءَ فيه نَعيُ زَوجِكِ حتى يَبلغَ الكِتابُ أجَلَه، قالَتْ: فاعتَدَدتُ فيه أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، قالَتْ: فأرسَلَ إليَّ عُثمانُ فأخبَرْتُه فأخَذَ به» (١). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وحَديثُ سَعدِ بنِ إسحاقَ هذا مَشهورٌ عندَ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ مَعمولٌ به عندَهُم تَلقَّوهُ بالقَبولِ وأفتَوا به، وإليه ذهَبَ مالكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والليثُ ابنُ سَعدٍ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ، كلُّهم يَقولُ: إنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها تَعتدُّ في بيتِها الذي كانَتْ تَسكنُه، وسَواءٌ كانَ لها أو لزَوجِها، ولا تَبيتُ إلا فيه حتَّى تَنقضيَ عِدتُها، ولها أنْ تَخرجَ نَهارَها في حَوائجِها. وهو قَولُ عُمرَ وعُثمانَ وابنِ مَسعودٍ وأمِّ سَلمةَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ عُمرَ. وبه قالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وابنُ شِهابٍ (٢). ونَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يَجوزُ لها الخُروجُ نَهارًا لحَوائجِها، وبَعضِ الليلِ عندَ الحَنفيةِ في قَولٍ والشافِعيةِ، ولا تَبيتُ في غيرِ مَنزلِها؛ لأنها تَحتاجُ إلى الخُروجِ بالنهارِ لاكتِسابِ ما تُنفقُه؛ لأنه لا نَفقةَ لها مِنْ الزَّوجِ المُتوفَّى، بل نَفقتُها عليها،

стр. 11375

فتَحتاجُ إلى الخُروجِ لتَحصيلِ النَّفقةِ، ولا تَخرجُ باللَّيلِ؛ لعَدمِ الحاجةِ إلى الخُروجِ بالليلِ. وإذا خرَجَتْ بالنهارِ في حَوائجِها لا تَبيتُ عن مَنزلِها الذي تَعتدُّ فيهِ، والأصلُ فيه حَديثُ فُريعةَ السابقِ. وهذا الحَديثُ أفادَنَا حُكمَينِ: إباحَةَ الخُروجِ بالنَّهارِ وحُرمةَ الانتقالِ حَيثُ لم يُنكِرْ خُروجَها ومنعَها مِنْ الانتقالِ، فدَلَّ على جَوازِ الخُروجِ بالنهارِ مِنْ غيرِ انتقالٍ. ورَوى مُجاهدٌ قالَ: استَشهدَ رِجالٌ يومَ أحُدٍ، فجاءَ نِساؤُهم رَسولَ اللهِ ﷺ وقُلْنَ: يا رَسولَ اللهِ نَستَوحشُ باللَّيلِ فنَبيتُ عندَ إحدانا، حتَّى إذا أصبَحْنا بادَرْنَا بُيوتَنا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «تَحدَّثنَ عندَ إحداكُنَّ ما بدَا لكُنَّ، فإذا أردْتُنَّ النومَ فلْتَأتِ كلُّ امرأةٍ إلى بَيتِها» (١). ورَوى عَلقمةُ «أنَّ نِسوةً مِنْ هَمدانَ نُعيَ إليهنَّ أزواجُهنَّ، فسَألْنَ ابنَ مَسعودٍ ﵁ فقُلنَ: إنَّا نَستوحشُ، فأمَرَهنَّ أنْ يَجتمِعْنَ بالنهارِ، فإذا كانَ بالليلِ فلْتَرُحْ كلُّ امرأةٍ إلى بيتِها». ورَوى مالكٌ في «المُوطَّأ» عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ أنه بلَغَه «أنَّ السَّائبَ بنَ خبَّابٍ تُوفِّيَ، وإنَّ امرَأتَه جاءَتْ إلى عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ فذكَرَتْ له وَفاةَ زَوجِها، وذكَرَتْ له حَرثًا لهُم بقَناةَ، وسَألَتْه هل يَصلحُ لها أنْ تَبيتَ فيهِ؟

стр. 11376

فنَهاها عن ذلكَ، فكانَتْ تَخرجُ مِنْ المَدينةِ سَحَرًا فتُصبحُ في حَرثِهم فتَظلُّ فيه يَومَها ثمَّ تَدخلُ المَدينةَ إذا أمسَتْ فتَبيتُ في بَيتِها» (١). ورَوى مالكٍ عن نافعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنه كانَ يَقولُ: «لا تَبيتُ المُتوفَّى عنها زَوجُهَا ولا المَبتوتةُ إلا في بَيتِها» (٢). ولأنَّ الليلَ مَظنةُ الفَسادِ، فلَم يَجُزْ لها الخُروجُ فيه مِنْ غيرِ ضَرورةٍ. ورُويَ عن مُحمدٍ أنه قالَ: لا بأسَ أنْ تَنامَ عن بَيتِها أقلَّ مِنْ نِصفِ الليلِ؛ لأنَّ البَيتوتةَ في العُرفِ عبارةٌ عن الكَونِ في البَيتِ أكثَرَ الليلِ، فما دُونَه لا يُسمَّى بَيتوتةً في العُرفِ، ومَنزلُها الذي تُؤمرُ بالسُّكونِ فيه للاعتِدادِ هو المَوضعُ الذي كانَتْ تَسكنُه قبلَ مُفارَقةِ زَوجِها وقبلَ مَوتِه، سَواءٌ كانَ الزوجُ ساكِنًا فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أضافَ البيتَ إليها بقَولِه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والبَيتُ المُضافُ إليها هو الذي تَسكنُه، وهذا في حالةِ الاختيارِ. وأما في حالةِ الضَّرورةِ فإنِ اضطرَّتْ إلى الخُروجِ مِنْ بَيتِها -بأنْ خافَتْ سُقوطَ مَنزلِها، أو خافَتْ على مَتاعِها، أو كانَ المَنزلُ بأُجرةٍ ولا تَجدُ ما تُؤدِّيهِ في أجرَتِه في عدَّةِ الوَفاةِ، أو كانَتْ تَخافُ اللُّصوصَ، أو كانَتْ بينَ قَومٍ فسَقةٍ تَخافُ منهُم على نَفسِها- فلا بأسَ عندَ ذلكَ أنْ تَنتقلَ.

стр. 11377

وإنْ كانَ المَنزلُ لزَوجِها وقد ماتَ عنها فلهَا أنْ تَسكنَ في نَصيبِها إنْ كانَ نَصيبُها مِنْ ذلكَ ما تَكتفِي به في السُّكنَى وتَستتِرُ عن سائرِ الوَرثةِ ممَّن ليسَ بمَحرمٍ لها، وإنْ كانَ نَصيبُها لا يَكفيها أو خافَتْ على مَتاعِها منهُم فلا بأسَ أنْ تَنتقلَ، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ السُّكنَى وجَبَتْ بطَريقِ العِبادةِ حقًّا للهِ تعالَى عليها، والعِباداتُ تَسقطُ بالأعذارِ. وقد رُويَ أنه لمَّا قُتلَ عُمرُ ﵁ نقَلَ عليٌّ ﵁ أمَّ كَلثومٍ ﵂؛ لأنها كانَتْ في دارِ الإمارةِ. وقد رُويَ أنَّ عائِشةَ ﵂ نقَلَتْ أختَها أمَّ كَلثومٍ بنتَ أبي بَكرٍ لمَّا قُتلَ طَلحةُ ﵁، فدَلَّ ذلكَ على جَوازِ الانتقالِ للعُذرِ (١). قالَ الحَنفيةُ: وإذا كانَتْ تَقدرُ على أُجرةِ البَيتِ في عدَّةِ الوَفاةِ فلا عُذرَ ولا تَسقطُ عنها العِبادةُ، كالمُتيمِّمِ إذا قدَرَ على شِراءِ الماءِ بأنْ وجَدَ ثمَنَه وجَبَ عليهِ الشِّراءُ، وإنْ لم يَقدرْ لا يَجبُ؛ لعُذرِ العَدمِ، كذا ههُنا. ونَصَّ الحَنفيةُ أيضًا والمالِكيةُ على أنها إذا انتَقلَتْ لعُذرٍ يَكونُ سُكناها في البَيتِ الذي انتَقلَتْ إليه بمَنزلِة كَونِها في المَنزلِ الذي انتَقلَتْ منه في حُرمةِ

стр. 11378

الخُروجِ عنه؛ لأنَّ الانتقالَ مِنْ الأولِ إليهِ كانَ لعُذرٍ، فصارَ المَنزلُ الذي انتَقلَتْ إليه كأنَّه مَنزلُها مِنْ الأصلِ، فلَزمَها المُقامُ فيه حتَّى تَنقضيَ العدَّةُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: يَجبُ عليها الاعتِدادُ في المَنزلِ الذي ماتَ زَوجُها وهي ساكِنةٌ به، سَواءٌ كانَ مَملوكًا لزَوجِها أو بإجارةٍ أو عارِيةً؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لفُريعةَ: «امكُثِي في بَيتِكِ»، ولم تَكنْ في بَيتٍ يَملكُه زَوجُها، وفي بَعضِ ألفاظِه: «اعتَدِّي في البَيتِ الذي أتاكِ فيه نَعيُ زَوجكِ»، وفي لَفظٍ: «اعتَدِّي حيثُ أتاكِ الخبَرُ»، فإنْ أتاها الخبَرُ في غيرِ مَسكنِها رجَعَتْ إلى مَسكنِها فاعتدَّتْ فيه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ خافَتْ هَدمًا أو غَرقًا أو عَدوًّا أو نحوَ ذلكَ، أو حوَّلَها صاحِبُ المَنزلِ لكَونِه عارِيةً رجَعَ فيها، أو بإجارةٍ انقَضَتْ مُدتُها أو منَعَها السُّكنَى تَعدِّيًا أو امتَنعَ مِنْ إجارتِه أو طلَبَ به أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ، أو لم تَجدْ ما تَكتري به، أو لم تَجدْ إلا مِنْ مالِها؛ فلَها أنْ تَنتقلَ؛ لأنها حالُ عُذرٍ، ولا يَلزمُها بذلكَ أجرُ المَسكنِ، وإنما الواجِبُ عليها فِعلُ السُّكنَى لا تَحصيلُ المَسكنِ، وإذا تَعذَّرتِ السُّكنى سقَطَتْ، ولها أنْ تَسكنَ حَيثُ شاءَتْ، ذكَرَه القاضِي. وذكَرَ أبو الخطَّابِ أنها تَنتقلُ إلى أقرَبِ ما يُمكنُها النقلَةُ إليه، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه أقرَبُ إلى مَوضعِ الوُجودِ، فأشبَهَ مَنْ وجَبَتْ عليهِ

стр. 11379

الزكاةُ في مَوضعٍ لا يَجدُ فيه أهلُ السُّهمانِ، فإنه يَنقلُها إلى أقرَبِ مَوضعٍ يَجدُهم فيهِ. ولنا: إنَّ الواجِبَ سقَطَ لعُذرٍ ولم يَرِدِ الشرعُ له ببَدلٍ فلا يَجبُ، كما لو سقَطَ الحجُّ للعَجزِ عنه وفَواتِ شَرطٍ، والمُعتكفِ إذا لم يَقدرْ على الاعتِكافِ في المَسجدِ. ولأنَّ ما ذكَرَوهُ إثباتُ حُكمٍ بلا نَصٍّ ولا مَعنَى نصٍّ، فإنَّ معنَى الاعتِدادِ في بيتِها لا يُوجَدُ في السُّكنَى فيما قَرُبَ منه، ويُفارِقُ أهلَ السُّهمانِ؛ فإنَّ القصدَ نَفعُ الأقربِ، وفي نَقلِها إلى أقرَبِ مَوضعٍ يَجدُه نَفعُ الأقرَبِ، فوجَبَ لذلكَ (١). القَولُ الثَّاني: أنه لا يَجبُ عليها لُزومُ بَيتِ زَوجِها، بل تَعتدُّ حيثُ شاءَتْ، وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمَدَ واختيارُ المُزنِيِّ مِنْ الشافِعيةِ، واختارَهُ جَماعةٌ مِنْ المُتقدِّمينَ مِنْ الصَّحابةِ وغيرِهم، منهُم عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وابنُ عبَّاسٍ وجابرٌ وعائِشةُ وجابرُ بنُ زَيدٍ، والحَسنُ وعَطاءٌ وطاوُسٌ وعِكرمةُ، وحكاهُ البَغويُّ عن أبي حَنيفةَ، وهو قَولُ داودَ الظاهِريِّ وابنِ حَزمٍ أيضًا (٢).

стр. 11380

واستَدلُّوا بقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٤٠]. قالَ مُجاهدٌ ﵀: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾. قالَ: كانَتْ هذه العدَّةُ، تَعتدُّ عندَ أهلِ زَوجِها واجبًا، فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٤٠]، قالَ: جعَلَ اللهُ لها تَمامَ السَّنةِ سَبعةَ أشهُرٍ وعِشرينَ لَيلةً وَصيةً، إنْ شاءَتْ سَكنَتْ في وَصيتِها، وإنْ شاءَتْ خرَجَتْ، وهو قَولُه تعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فالعدَّةُ كما هي واجِبةٌ عليها. وقالَ عَطاءٌ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ: نسَخَتْ هذهِ الآيةُ عدَّتَها عندَ أهلِها، فتَعتدُّ حَيثُ شاءَتْ، وقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قالَ عَطاءٌ: إنْ شاءَتِ اعتَدَّتْ عندَ أهلِها وسكَنَتْ في وَصيتِها، وإنْ شاءَتْ خرَجَتْ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾، قالَ عَطاءٌ: ثم جاءَ المِيراثُ فنسخَ السُّكنى، فتَعتدُّ حيثُ شاءَتْ (١). ووَجهُ الدَّلالةِ أنَّ خُروجَهنَّ لا حرَجَ فيه.
следующие страницы →