فنَهاها عن ذلكَ، فكانَتْ تَخرجُ مِنْ المَدينةِ سَحَرًا فتُصبحُ في حَرثِهم فتَظلُّ فيه يَومَها ثمَّ تَدخلُ المَدينةَ إذا أمسَتْ فتَبيتُ في بَيتِها» (١).
ورَوى مالكٍ عن نافعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنه كانَ يَقولُ: «لا تَبيتُ المُتوفَّى عنها زَوجُهَا ولا المَبتوتةُ إلا في بَيتِها» (٢).
ولأنَّ الليلَ مَظنةُ الفَسادِ، فلَم يَجُزْ لها الخُروجُ فيه مِنْ غيرِ ضَرورةٍ.
ورُويَ عن مُحمدٍ أنه قالَ: لا بأسَ أنْ تَنامَ عن بَيتِها أقلَّ مِنْ نِصفِ الليلِ؛ لأنَّ البَيتوتةَ في العُرفِ عبارةٌ عن الكَونِ في البَيتِ أكثَرَ الليلِ، فما دُونَه لا يُسمَّى بَيتوتةً في العُرفِ، ومَنزلُها الذي تُؤمرُ بالسُّكونِ فيه للاعتِدادِ هو المَوضعُ الذي كانَتْ تَسكنُه قبلَ مُفارَقةِ زَوجِها وقبلَ مَوتِه، سَواءٌ كانَ الزوجُ ساكِنًا فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أضافَ البيتَ إليها بقَولِه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والبَيتُ المُضافُ إليها هو الذي تَسكنُه، وهذا في حالةِ الاختيارِ.
وأما في حالةِ الضَّرورةِ فإنِ اضطرَّتْ إلى الخُروجِ مِنْ بَيتِها -بأنْ خافَتْ سُقوطَ مَنزلِها، أو خافَتْ على مَتاعِها، أو كانَ المَنزلُ بأُجرةٍ ولا تَجدُ ما تُؤدِّيهِ في أجرَتِه في عدَّةِ الوَفاةِ، أو كانَتْ تَخافُ اللُّصوصَ، أو كانَتْ بينَ قَومٍ فسَقةٍ تَخافُ منهُم على نَفسِها- فلا بأسَ عندَ ذلكَ أنْ تَنتقلَ.
стр. 11377
وإنْ كانَ المَنزلُ لزَوجِها وقد ماتَ عنها فلهَا أنْ تَسكنَ في نَصيبِها إنْ كانَ نَصيبُها مِنْ ذلكَ ما تَكتفِي به في السُّكنَى وتَستتِرُ عن سائرِ الوَرثةِ ممَّن ليسَ بمَحرمٍ لها، وإنْ كانَ نَصيبُها لا يَكفيها أو خافَتْ على مَتاعِها منهُم فلا بأسَ أنْ تَنتقلَ، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ السُّكنَى وجَبَتْ بطَريقِ العِبادةِ حقًّا للهِ تعالَى عليها، والعِباداتُ تَسقطُ بالأعذارِ.
وقد رُويَ أنه لمَّا قُتلَ عُمرُ ﵁ نقَلَ عليٌّ ﵁ أمَّ كَلثومٍ ﵂؛ لأنها كانَتْ في دارِ الإمارةِ.
وقد رُويَ أنَّ عائِشةَ ﵂ نقَلَتْ أختَها أمَّ كَلثومٍ بنتَ أبي بَكرٍ لمَّا قُتلَ طَلحةُ ﵁، فدَلَّ ذلكَ على جَوازِ الانتقالِ للعُذرِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: وإذا كانَتْ تَقدرُ على أُجرةِ البَيتِ في عدَّةِ الوَفاةِ فلا عُذرَ ولا تَسقطُ عنها العِبادةُ، كالمُتيمِّمِ إذا قدَرَ على شِراءِ الماءِ بأنْ وجَدَ ثمَنَه وجَبَ عليهِ الشِّراءُ، وإنْ لم يَقدرْ لا يَجبُ؛ لعُذرِ العَدمِ، كذا ههُنا.
ونَصَّ الحَنفيةُ أيضًا والمالِكيةُ على أنها إذا انتَقلَتْ لعُذرٍ يَكونُ سُكناها في البَيتِ الذي انتَقلَتْ إليه بمَنزلِة كَونِها في المَنزلِ الذي انتَقلَتْ منه في حُرمةِ
стр. 11378
الخُروجِ عنه؛ لأنَّ الانتقالَ مِنْ الأولِ إليهِ كانَ لعُذرٍ، فصارَ المَنزلُ الذي انتَقلَتْ إليه كأنَّه مَنزلُها مِنْ الأصلِ، فلَزمَها المُقامُ فيه حتَّى تَنقضيَ العدَّةُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَجبُ عليها الاعتِدادُ في المَنزلِ الذي ماتَ زَوجُها وهي ساكِنةٌ به، سَواءٌ كانَ مَملوكًا لزَوجِها أو بإجارةٍ أو عارِيةً؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لفُريعةَ: «امكُثِي في بَيتِكِ»، ولم تَكنْ في بَيتٍ يَملكُه زَوجُها، وفي بَعضِ ألفاظِه: «اعتَدِّي في البَيتِ الذي أتاكِ فيه نَعيُ زَوجكِ»، وفي لَفظٍ: «اعتَدِّي حيثُ أتاكِ الخبَرُ»، فإنْ أتاها الخبَرُ في غيرِ مَسكنِها رجَعَتْ إلى مَسكنِها فاعتدَّتْ فيه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ خافَتْ هَدمًا أو غَرقًا أو عَدوًّا أو نحوَ ذلكَ، أو حوَّلَها صاحِبُ المَنزلِ لكَونِه عارِيةً رجَعَ فيها، أو بإجارةٍ انقَضَتْ مُدتُها أو منَعَها السُّكنَى تَعدِّيًا أو امتَنعَ مِنْ إجارتِه أو طلَبَ به أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ، أو لم تَجدْ ما تَكتري به، أو لم تَجدْ إلا مِنْ مالِها؛ فلَها أنْ تَنتقلَ؛ لأنها حالُ عُذرٍ، ولا يَلزمُها بذلكَ أجرُ المَسكنِ، وإنما الواجِبُ عليها فِعلُ السُّكنَى لا تَحصيلُ المَسكنِ، وإذا تَعذَّرتِ السُّكنى سقَطَتْ، ولها أنْ تَسكنَ حَيثُ شاءَتْ، ذكَرَه القاضِي.
وذكَرَ أبو الخطَّابِ أنها تَنتقلُ إلى أقرَبِ ما يُمكنُها النقلَةُ إليه، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه أقرَبُ إلى مَوضعِ الوُجودِ، فأشبَهَ مَنْ وجَبَتْ عليهِ
стр. 11379
الزكاةُ في مَوضعٍ لا يَجدُ فيه أهلُ السُّهمانِ، فإنه يَنقلُها إلى أقرَبِ مَوضعٍ يَجدُهم فيهِ.
ولنا: إنَّ الواجِبَ سقَطَ لعُذرٍ ولم يَرِدِ الشرعُ له ببَدلٍ فلا يَجبُ، كما لو سقَطَ الحجُّ للعَجزِ عنه وفَواتِ شَرطٍ، والمُعتكفِ إذا لم يَقدرْ على الاعتِكافِ في المَسجدِ.
ولأنَّ ما ذكَرَوهُ إثباتُ حُكمٍ بلا نَصٍّ ولا مَعنَى نصٍّ، فإنَّ معنَى الاعتِدادِ في بيتِها لا يُوجَدُ في السُّكنَى فيما قَرُبَ منه، ويُفارِقُ أهلَ السُّهمانِ؛ فإنَّ القصدَ نَفعُ الأقربِ، وفي نَقلِها إلى أقرَبِ مَوضعٍ يَجدُه نَفعُ الأقرَبِ، فوجَبَ لذلكَ (١).
القَولُ الثَّاني: أنه لا يَجبُ عليها لُزومُ بَيتِ زَوجِها، بل تَعتدُّ حيثُ شاءَتْ، وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمَدَ واختيارُ المُزنِيِّ مِنْ الشافِعيةِ، واختارَهُ جَماعةٌ مِنْ المُتقدِّمينَ مِنْ الصَّحابةِ وغيرِهم، منهُم عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وابنُ عبَّاسٍ وجابرٌ وعائِشةُ وجابرُ بنُ زَيدٍ، والحَسنُ وعَطاءٌ وطاوُسٌ وعِكرمةُ، وحكاهُ البَغويُّ عن أبي حَنيفةَ، وهو قَولُ داودَ الظاهِريِّ وابنِ حَزمٍ أيضًا (٢).
واستَدلُّوا أيضًا بأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بالاعتِدادِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا دُونَ تَعرُّضٍ لذِكرِ مكانٍ مُعيَّنٍ، فدَلَّ على عَدمِ اشتِراطِه.
واستَدلُّوا أيضًا بما رَواهُ الدارَقطنيُّ بسَندِه إلى عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ المُتوفَّى عنها زَوجُها أنْ تَعتدَّ حيثُ شاءَتْ» (١).
وقالُوا أيضًا: إنَّ كَثيرًا مِنْ الصَّحابةِ ﵃ قُتلَ مع النبيِّ في الجِهادِ، ولم يُعلَمْ أنه ألزَمَ نِساءَهم بالبقاءِ في بُيوتِ أزواجِهنَّ مُدةَ العدَّةِ، ولو حصَلَ ذلك لَكانَ مِنْ أظهَرِ الأشياءِ وأبيَنِها، ولَمَا خَفيَ على عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ ﵄ وغيرِهما مِنْ الصَّحابةِ، ولو كانَتْ السُّنةُ جاريةً بذلكَ لم تأتِي فُريعةُ بالاستِئذانِ، ولَمَا أَذِنَ لها ثم رَدَّها ومنَعَها مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ هذا يُفضِي إلى تَغييرِ الحُكمِ مَرَّتينِ، وهذا غيرُ مَعهودٍ في الشَّريعةِ، وأجابُوا عن أدلَّةِ الجُمهورِ بأنَّ الآيةَ لا تَشملُ المُتوفَّى عنها زَوجُها.
وإليكَ بعضَ الآثارِ التي رَواها عبدُ الرزَّاقِ في مُصنَّفِه عن الصَّحابةِ والتابعينَ، وذكَرَها ابنُ القيِّمِ في «زَاد المَعادِ»:
رَوى عبدُ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ «عن عائِشةَ ﵂ أنها كانَتْ تُفتِي المُتوفَّى عنها بالخُروجِ في عدَّتِها، وخرَجَتْ بأختِها أمِّ كُلثومٍ حينَ قُتلَ عنها طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ إلى مكَّةَ في عُمرةٍ».
стр. 11382
ومِن طَريقِ عبدِ الرزَّاقِ: أخبَرَنا ابنُ جُريجٍ أخبَرَني عَطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «إنما قالَ اللهُ تَعتدُّ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولم يَقلْ تَعتدُّ في بيتِها، فتَعتدُّ حيثُ شاءَتْ»، وهذا الحَديثُ سَمِعَه عَطاءٌ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ؛ فإنَّ عليَّ بنَ المَدينيِّ قالَ: حدَّثَنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ عن ابنِ جُريجٍ عن عَطاءٍ قالَ: سَمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يَقولُ: «قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولم يَقلْ: يَعتدِدْنَ في بُيوتِهنَّ، تَعتدُّ حيثُ شاءَتْ»، قالَ سُفيانُ: قالَه لنا ابنُ جُريجٍ كما أخبَرَنا.
وقالَ عبدُ الرزَّاقِ: حدَّثَنا ابنُ جُريجٍ أخبَرَني أبو الزُّبيرِ أنه سَمِعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: «تَعتدُّ المُتوفَّى عنها حَيثُ شاءَتْ».
وقالَ عبدُ الرزَّاقِ عن الثوريِّ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالِدٍ عن الشعبيِّ: «أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ ﵁ كانَ يُرحِّلُ المُتوفَّى عَنهنَّ في عدَّتهنَّ».
وذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ أيضًا عن مُحمدِ بنِ مُسلمٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن طاووسٍ وعَطاءٍ قالَا جَميعًا: المَبتوتةُ والمُتوفَّى عنها تَحُجَّانِ وتَعتمِرانِ وتَنتقِلانِ وتَبيتانِ.
وذكَرَ أيضًا عن ابنِ جُريجٍ عن عَطاءٍ قالَ: لا يَضرُّ المُتوفَّى عنها أينَ اعتَدَّتْ.
وقالَ ابنُ عُيينةَ عن عَمرِو بنِ دينارٍ عن عَطاءٍ وأبي الشَّعثاءِ قالَا جَميعًا: المُتوفَّى عنها تَخرجُ في عدَّتِها حيثُ شاءَتْ.
стр. 11383
وذكَرَ ابنُ أبي شَيبةَ حدَّثَنا عبدُ الوَهابِ الثقفيُّ عن حَبيبٍ المُعلِّمِ قالَ: سَألتُ عَطاءً عن المُطلَّقةِ ثَلاثًا والمُتوفَّى عنها: أتَحُجَّانِ في عدَّتِهما؟ قالَ: نَعمْ، وكانَ الحَسنُ يقولُ بمثلِ ذلكَ.
وقالَ ابنُ وَهبٍ: أخبَرَني ابنُ لَهيعةَ عن حنينِ بنِ أبي حَكيمٍ أنَّ امرَأةَ مُزاحمٍ لمَّا تُوفِّيَ عنها زَوجُها بخُناصِرةَ سَألتْ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ: أأَمكُثُ حتَّى تَنقضيَ عدَّتِي؟ فقالَ لها: بل الحَقِي بقَرارِكِ ودارِ أبيكِ فاعتدِّي فيها.
قالَ ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني يَحيَى بنُ أيُّوبَ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ الأنصاريِّ أنه قالَ في رَجلٍ تُوفِّيَ بالإسكَندريةِ ومعَه امرَأتُه وله بها دارٌ وله بالفُسطاطِ دارٌ، فقالَ: إنْ أحَبَّتْ أنْ تَعتدَّ حيثُ تُوفِّيَ زَوجُها فلْتَعتدَّ، وإنْ أحَبَّتْ أنْ تَرجعَ إلى دارِ زَوجِها وقَرارِه بالفُسطاطِ فتَعتدَّ فيها فلْتَرجعْ.
قالَ ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني عَمرُو بنُ الحارِثِ عن بُكيرِ بنِ الأشَجِّ قالَ: سَألتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ بنَ عُمرَ عن المَرأةِ يَخرجُ بها زَوجُها إلى بَلدٍ فيُتوفَّى؟ قالَ: تَعتدُّ حيثُ تُوفِّيَ عنها زَوجُها أو تَرجعُ إلى بيتِ زَوجِها حتى تَنقضيَ عدَّتُها.
وهذا مَذهبُ أهلِ الظاهِرِ كلِّهم.
ولأصحابِ هذا القَولِ حُجَّتانِ احتَجَّ بهما ابنُ عبَّاسٍ ﵄، وقد حَكَينا إحداهُما وهي: أنَّ اللهَ سُبحانَه إنما أمَرَها باعتِدادِ أربَعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ، ولم يَأمرْها بمَكانٍ مُعَينٍ.
هل يَجبُ السُّكنَى للمُتوفَّى عنها زوجُها؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المُتوفَّى عنها زَوجُها، هل يَجبُ لها السُّكنَى في مالِه أم لا يَجبُ؟
стр. 11386
فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ تكونَ حائِلًا غيرَ حاملٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُتوفَّى عنها زوجُها وكانَتْ حائِلًا غيرَ حامِلٍ هل تَجبُ لها السُّكنى أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ إلى أنه يَجبُ لها السُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٤٠]، فذكَرَ اللهُ تعالَى في هذهِ الآيةِ أحكامًا، منها: أنَّ المُتوفَّى عنها لا تَخرجُ مِنْ منزلِها، وأنَّ العدَّةَ حَولٌ، وأنَّ لها النَّفقةَ والوَصيةَ، فنُسخَتِ العدَّةُ فيما زادَ على أربَعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ بالآيةِ الأُولى، ونُسخَتِ النَّفقةُ بآيةِ المِيراثِ، وبَقيتِ السُّكنى على ظاهِرِ الآيةِ؛ بدَليلِ ما رُويَ عن فُريعةَ بنتِ مالكٍ أنها قالَتْ: «أتيتُ النبيَّ ﷺ وقلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ زَوجِي خرَجَ في طَلبِ عَبيدٍ له هَرَبوا، فلمَّا وجَدَهم .. قَتلوهُ، ولم يَتركْ لي مَنزلًا، أفأَنتقِلُ إلى أهلِي؟ فقالَ لها: نعم، ثم دَعَاها قبلَ أنْ تَخرجَ مِنْ الحُجرةِ فقالَ: اعتَدِّي في البيتِ الذي أتاكِ فيه وَفاةُ زَوجِكِ حتَّى يَبلغَ الكتابُ أجَلَه أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرًا»، ولأنها مُعتدةٌ عن نِكاحٍ صَحيحٍ، فوجَبَ لها السُّكنى كالمطلَّقةِ (١).
стр. 11387
والمالِكيةُ يَقضونَ للمُتوفَّى عنها زَوجُها بالسُّكنَى مُدةَ عِدتِها بشَرطينِ:
الأولُ: أنْ يَكونَ الزوجُ قد دخَلَ بها.
الثاني: أنْ يكونَ المَسكنُ الذي هي ساكِنةٌ فيه وقتَ مَوتِه للمَيتِ بمِلكٍ أو مَنفعةٍ مُؤقتةٍ أو إجارةٍ، وقد نقَدَ كِراءَه قبلَ مَوتِه، ولو نقَدَ البعضَ فلَها السُّكنى بقَدرِه فقطْ، وحُكمُها في الباقي حُكمُ مَنْ لم يُنقَدْ، وهذا كلُّه إذا ماتَ وهيَ في عِصمتِه.
وأما إنْ ماتَ وهي مُطلقةٌ بائنةٌ مُستحِقةُ السُّكنى فهيَ ثابتٌ لها على كلِّ حالٍ، سَواءٌ كانَ المَسكنُ له أو نقَدَ كِراءَه أم لا؛ لأنها مطلَّقةٌ فالسُّكنَى لها بلا شَرطٍ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ -وهو اختيارُ المُزنِيِّ- والحَنابلةُ -وهو قَولُ عليٍّ وابن عبَّاسٍ وعائِشةَ- إلى أنه لا يَجبُ لها السُّكنى إذا كانَتْ حائِلًا غيرَ حامِلٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى إنما جعَلَ للزَّوجةِ ثُمنَ التَّركةِ أو رُبعَها، وجعَلَ باقيها لسائرِ الوَرثةِ، والمَسكنُ مِنْ التَّركةِ، فوجَبَ أنْ لا يُستحَقَّ منه أكثَرُ مِنْ ذلكَ، ولأنها بائنٌ مِنْ زَوجِها، فأشبهَتِ المُطلَّقةَ ثلاثًا.
ولقَولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فذكَرَ العدَّةَ ولم يَذكُرِ السُّكنى، ولو كانَتْ
стр. 11388
واجِبةً .. لَذكَرَها، ولأنها لا تَجبُ لها النَّفقةُ بالإجماعِ، فلَم تَجبْ لها السُّكنَى كما لو وَطئَها بشُبهةٍ (١).
الحالَةُ الثانيةُ: أنْ تكونَ حامِلًا:
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ لها السُّكنى.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَجبُ لها السُّكنى.
للأدلَّةِ السابِقةِ، فالخِلافُ فيها كالخِلافِ في المَسألةِ السابقةِ، إلا عندَ الحَنابلةِ؛ فإنَّ عندَهم في الحامِلِ رِوايتانِ، وأما الحائِلُ فقَولًا واحدًا لا سُكنَى لها (٢).
النَّفقةُ على المتَوفَّى عنها زَوجُها:
المُتوفَّى عنها زَوجُها إما أنْ تكونَ حائِلًا غيرَ حامِلٍ، وإما أنْ تكونَ حامِلًا:
أولاً: أنْ تكونَ حائِلاً غيرَ حامِلٍ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا لم تَكنْ حامِلًا أنه لا نَفقةَ لها.
стр. 11389
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأما المُتوفَّى عنها زَوجُها فلا نَفقةَ لها بالإجماعِ (١).
ثانِيًا: أنْ تكونَ حامِلاً:
وأما النَّفقةُ على المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا كانَتْ حامِلًا فقدِ اختَلفُوا فيها، وعامَّةُ الفُقهاءِ على عَدمِ الوُجوبِ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختَلفُوا في وُجوبِ نَفقةِ الحامِلِ المُتوفَّى عنها زَوجُها.
فقالَتْ طائفةٌ: لا نَفقةَ لها، كذلكَ قالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ المُسيبِ وعَطاءٌ والحَسنُ وعِكرمةُ وعبدُ المَلكِ بنُ يَعلى ويَحيَى الأنصاريُّ ورَبيعةُ ومالكٌ وأحمَدُ وإسحاقُ، وحَكَى أبو يُوسفَ ذلكَ عن أصحابِ الرأيِ.
وفيه قَولٌ ثانٍ: وهو أنَّ لها النَّفقةَ مِنْ جَميعِ المالِ، روينَا هذا القولَ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ، وبه قالَ ابنُ عُمرَ وشُريحٌ وابنُ سِيرينَ والشعبيُّ وأبو العاليةِ والنخَعيُّ وخلاسُ بنُ عَمرٍو وحمَّادُ بن أبي سُليمانَ وأيوبُ السِّختيانِيُّ وسُفيانُ الثوريُّ وأبو عُبيدٍ.
قالَ أبو بَكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لأنهُم أجمَعُوا على أنَّ نَفقةَ كلِّ مَنْ كانَ يُجبَرُ على نَفقتِه وهو حَيٌّ -مثلَ أولادِه الأطفالِ وزَوجاتِه ووالِدَيهِ- يَسقطُ عنهُ، فكذلكَ يَسقطُ عنه نَفقةُ الحامِلِ مِنْ أزواجِه (٢).
стр. 11390
ثانيًا: مَكانُ العِدَّةِ للمُطلَّقةِ:
المُطلَّقةُ إما أنْ تكونَ مُطلَّقةً رَجعيةً، وإما أنْ تكونَ مُطلَّقةً طَلاقًا بائنًا أو ثَلاثًا.
والكَلامُ هُنا سيَكونُ عن حُكمِ وُجوبِ السُّكنَى والنَّفقةِ لها، ثمَّ نعقبُهُ بمَكانِ العدَّةِ، وهل لها أنْ تَعتدَّ حيثُ شاءَتْ؟ أم يَلزمُها أنْ تَعتدَّ في مَكانٍ مُعَينٍ؟
السُّكنى والنَّفقةُ للمُطلقةِ الرَّجعيةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُطلقةَ الرَّجعيةَ لها النَّفقةُ والسُّكنى؛ لأنها زَوجةٌ ومِلكُ النكاحِ قائمٌ، فكانَ الحالُ بعدَ الطلاقِ كالحالِ قبلَه.
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ للمُعتدَّةِ الرَّجعيةِ النَّفقةُ والسُّكنى، وكذلكَ الحامِلِ؛ لقَولِه تعالَى في الرَّجعياتِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الآيَة، ولقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (١).
السُّكنى والنَّفقةُ للمُطلَّقةِ ثَلاثًا أو بائِنًا:
المَرأةُ المُطلَّقةُ طلاقًا بائنًا لا تَخلُو مِنْ حالتَينِ: إما أنْ تَكونَ حامِلًا أو غيرَ حامِلٍ:
بإجماعِ أهلِ العِلمِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي بَعضِ أخبارِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «لا نَفقةَ لكِ إلا أنْ تَكوني حامِلًا»، ولأنَّ الحَملَ وَلدُه، فيَلزمُه الإنفاقُ عليهِ، ولا يُمكنُه النَّفقةُ عليه إلا بالإنفاقِ عليها، فوجَبَ كما وجَبَتْ أُجرةُ الرَّضاعِ (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ المطلَّقةُ الثَّلاثُ أو البائنُ حائِلاً غيرَ حامِلٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المطلَّقةِ البائنِ أو الثَّلاثِ إذا طلَّقَها زَوجُها هل يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى في حالِ عدَّتِها؟ أم تَجبُ النَّفقةُ فقط؟ أم تَجبُ السُّكنَى؟ أم لا يَجبُ لها شَيءٌ مُطلَقًا؟
والكَلامُ هُنا سيَكونُ في مَوضعينِ:
الموضِعُ الأولُ: هل تَجبُ للمُطلَّقةِ الثَّلاثِ السُّكنى:
اختَلفَ الفُقهاءُ في البائِنِ والمُطلَّقةِ ثَلاثًا هل تَجبُ لها السُّكنى أم لا؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَبتوتةَ والمطلَّقةَ ثَلاثًا ليسَ لها سُكنى؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ قالَ: دخَلْتُ على فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فسَألتُها عن قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ عليها، فقالَتْ: «طلَّقَها زَوجُها البتَّةَ فقالَتْ: فخاصَمتُه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في السُّكنى والنَّفقةِ، قالَتْ: فلَم يَجعَلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً، وأمَرَني أنْ أعتَدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ» (٢).
стр. 11393
وفي رِوايةٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ عن النبيِّ ﷺ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا قالَ: «ليسَ لها سُكنَى ولا نَفقةٌ» (١).
وعن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (٢).
ورَوى عامرٌ أنه قالَ: «قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : انظُرِي يا ابنَةَ آلِ
стр. 11394
قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ، ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فقدْ أنكَرَ عليها عُمرُ وقالَ: «ما كُنَّا لِنَدَعَ كتابَ ربِّنا وسُنةَ نَبيِّنا لقَولِ امرأةٍ لا نَدرِي أصَدقَتْ أم كذَبَتْ»، وقالَ عُروةُ: «لقدْ عابَتْ عائِشةُ ذلكَ أشَدَّ العيبِ، وقالَ: إنها كانَتْ في مَكانٍ وَحشٍ فخِيفَ على ناحِيتِها»، وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ: تلكَ امرَأةٌ فتَنَتِ الناسَ، إنها كانَتْ لَسِنةً فوُضعَتْ على يَديِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ الأعمَى.
قُلنا: أما مُخالَفةُ الكتابِ فإنَّ فاطِمةَ لمَّا أنكَرُوا عليها قالَتْ: «بَيني وبَينَكُم كتابُ اللهِ، قالَ تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، فأيُّ أمرٍ يُحدِثُ بعدَ الثَّلاثِ؟! فكيفَ تَقولونَ: «لا نَفقةَ لها إذا لم تَكنْ حامِلًا»، فعَلامَ تَحبسونَها؟ فكيفَ تُحبَسُ امرأةٌ بغيرِ نَفقةٍ؟!
وأما قَولُهم: «إنَّ عُمرَ قالَ: «لا نَدعُ كِتابَ ربِّنا»» فقدْ أنكَرَ أحمَدُ هذا القولَ عن عُمرَ، قالَ: ولكنَّه قالَ: «لا نُجيزُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ»، وهذا مُجمَلٌ على خِلافِه، وقد أخَذْنا بخبَرِ فُريعةَ وهي امرأةٌ، وبرِوايةِ عائِشةَ وأزواجِ رَسولِ اللهِ ﷺ في كَثيرٍ مِنْ الأحكامِ، وصارَ أهلُ العِلمِ إلى خبَرِ
стр. 11395
فاطِمةَ هذا في كَثيرٍ مِنْ الأحكامِ، مثلَ سُقوطِ نَفقةِ المَبتوتةِ إذا لم تَكنْ حامِلًا، ونَظرِ المَرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطبةِ الرَّجلِ على خِطبةِ أخيه إذا لم تَكنْ سكَنَتْ إلى الأولِ.
وأما تَأويلُ مَنْ تأوَّلَ حَديثَها فليسَ بشَيءٍ؛ فإنها تُخالِفُهم في ذلكَ وهي أعلَمُ بحالِها، ولم يَتفِقِ المُتأوِّلونَ على شَيءٍ، وقد رُدَّ على مَنْ رَدَّ عليها، فقالَ مَيمونُ بنُ مَهرانَ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: تلكَ امرأةٌ فتَنَتِ الناسَ، لَئِنْ كانَتْ إنما أخَذَتْ بما أفتاها رَسولُ اللهِ ﷺ ما فتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لنا في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوةٌ حَسنةٌ، مع أنها أحرَمُ الناسِ عليهِ ليسَ له عليها رَجعةٌ ولا بينَهُما ميراثٌ، وقولُ عائِشةَ: «إنها كانَتْ في مَكانٍ وَحِشٍ» لا يَصحُّ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ بغيرِ ذلكَ فقالَ: «يا ابنةَ آلِ قَيسٍ إنما السُّكنَى والنَّفقةُ ما كانَ لزَوجِكِ عليكِ الرَّجعةُ» هكذا رَواهُ الحُميديُّ والأثرَمُ.
ولأنه لو صَحَّ ما قالَتْه عائِشةُ أو غيرُها مِنْ التأويلِ ما احتاجَ عُمرُ في رَدِّه إلى أنْ يَعتذرَ بأنه قَولُ امرأةٍ، ثم فاطِمةُ صاحبةُ القِصةِ وهي أعرَفُ بنَفسِها وبحالِها، وقد أنكَرَتْ على مَنْ أنكَرَ عليها، ورَدَّتْ على مَنْ رَدَّ خبَرَها أو تأوَّلَه بخِلافِ ظاهِرِه، فيَجبُ تَقديمُ قولِها؛ لمَعرفتِها بنَفسِها ومُوافقتِها ظاهِرَ الخبَرِ كما في سائرِ ما هذا سَبيلُه (١).
стр. 11396
وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولهذا لمَّا رَأى عُمرُ ﵁ أنَّ المَبتوتةَ لها السُّكنى والنَّفقةُ فظَنَّ أنَّ القُرآنَ يَدلُّ عليه نازَعَه أكثَرُ الصَّحابةِ، فمنهُم مَنْ قالَ: «لها السُّكنى فقطْ»، ومنهُم مَنْ قالَ: «لا نَفقةَ لها ولا سُكنَى»، وكانَ مِنْ هَؤلاءِ ابنُ عبَّاسٍ وجابرُ وفاطِمةُ بنتُ قَيسٍ وهي التي رَوَتْ عن النبيِّ أنه قالَ: «ليسَ لكِ نَفقةٌ ولا سُكنَى»، فلمَّا احتَجُّوا عليها بحُجةِ عُمرَ وهي قولُه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] قالَتْ هي وغيرُها مِنْ الصَّحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ وغيرِهما: «هذا في الرَّجعيةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١] فأيُّ أمرٍ يُحدِثُ بعدَ الثَّلاثِ»، وفُقهاءُ الحَديثِ كأحمَدَ بنِ حَنبلٍ في ظاهرِ مَذهبِه وغيرِه مِنْ فُقهاءِ الحَديثِ مع فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ للبائنِ وللمُطلَّقةِ ثَلاثًا السُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فكانَ على عُمومِه في الزَّوجاتِ والمُطلَّقاتِ وإنْ كانَ بالمُطلَّقاتِ أخَصَّ؛ لأنَّ ما قبلَها وبعدَها دَليلٌ عليهِ، ولأنها مُعتدةٌ عن طَلاقٍ، فكانَ لها السُّكنى كالرَّجعيةِ.
ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لفُريعةَ بنتِ مالِكٍ -وهي أختُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ- حينَ أخبَرَتْه أنَّ زوْجَها قُتلَ ولم يَتركْها في مَسكنٍ يَملكُه:
стр. 11397
«امكُثِي في بَيتِكِ حتى يَبلغَ الكتابُ أجَلَه»، فلمَّا أوجَبَ السُّكنى لها في عدَّةِ الوَفاةِ فأَولَى أنْ تَجبَ لها في عدَّةِ الطلاقِ، ولأنها مُعتدةٌ مِنْ طَلاقٍ فوجَبَ لها السُّكنى كالرَّجعيةِ.
وأجابوا عن حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ بأنَّ كِبارَ الصَّحابةِ كعُمرَ ﵁ أنكَرَ عليها هذا في جَماعةِ الصَّحابةِ، فرَوى مُسلمٌ عن أبي إسحاقَ قالَ: كنتُ مع الأسوَدِ بنِ يَزيدَ جالسًا في المَسجدِ الأعظَمِ ومَعَنا الشَّعبيُّ، فحدَّثَ الشَّعبيُّ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَجعلْ لها سُكنَى ولا نَفقةً، ثمَّ أخَذَ الأسوَدُ كفًّا مِنْ حصًى فحصَبَه به فقالَ: ويلَكَ تُحدِّثُ بمِثلِ هذا؟! قالَ عُمرُ: لا نَتركُ كِتابَ اللهِ وسُنةَ نَبيِّنا ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لا نَدري لعَلَّها حَفظَتْ أو نَسيَتْ، لها السُّكنى والنَّفقةُ، قالَ اللهُ : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] (١).
وعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٢).
стр. 11398
وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (١).
قالوا: فهذا عُمرُ ﵁ قد أنكَرَ حَديثَ فاطِمةَ هذا ولم يَقبلْه، وقد أنكَرَه عليها أيضًا أُسامةُ بنُ زَيدٍ، فعَن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قالَ: كانت فاطِمةُ بنتُ قَيسٍ تُحدِّثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ لها: «اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، وكانَ مُحمدُ بنُ أُسامةَ بنِ زَيدٍ يَقولُ: كانَ أُسامةُ إذا ذكَرَتْ فاطِمةُ مِنْ ذلكَ شَيئًا رَماها بِما كانَ في يدِه (٢).
فهذا أُسامةُ بنُ زَيدٍ قد أنكَرَ مِنْ ذلكَ أيضًا ما أنكَرَه عُمرُ ﵁، وقد أنكَرَتْ ذلكَ أيضًا عائِشةُ ﵂، فعَن يَحيَى بنِ سَعيدٍ قالَ: سَمعتُ القاسمَ بنَ مُحمدٍ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ يَذكُرانِ أنَّ يَحيَى بنَ سَعيدِ بنِ العاصِ طلَّقَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحَكمِ، فانتَقَلَها عبدُ الرَّحمنِ بنُ الحَكمِ، فأرسَلَتْ عائِشةُ إلى مَروانَ وهو أميرُ المَدينةِ أنِ اتَّقِ اللهَ واردُدِ المَرأةَ إلى بَيتِها، فقالَ مَروانُ في حَديثِ سُليمانَ: إنَّ عبدَ الرَّحمنِ غَلَبَني، وقالَ في حَديثِ القاسِمِ: أمَا بلَغَكَ حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقالَتْ عائِشةُ: لا يضُرُّك أنْ لا تَذكرَ حَديثَ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، تَعني أنَّ تلكَ كانَ لها قِصةٌ أُخرجَتْ لها، فقالَ مَروانُ: إنْ كانَ بِك الشرُّ فحَسبُك ما بينَ هَذينِ مِنْ الشرِّ.
стр. 11399
يَعني: أنَّني أخرَجْتُها لأجلِ الشرِّ الذي أُخرجَتْ فاطِمةُ مِنْ أجْلِه.
وعن عبد الرَّحمنِ بن القاسِمِ عن أبيه قالَ: قالَتْ عائِشةُ: «ما لفاطِمةَ مِنْ خبَرٍ في أنْ تَذكرَ هذا الحَديثَ»، يعني قَولَها: «لا نَفقةَ ولا سُكنَى».
فهذهِ عائِشةُ ﵂ لم ترَ العَملَ بحَديثِ فاطِمةَ أيضًا.
وقد صرَفَ ذلكَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ إلى معنًى آخَرَ، فعَن عَمرِو بنِ مَيمونٍ عن أبيه قالَ: قلتُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: أينَ تَعتدُّ المُطلَّقةُ ثَلاثًا؟ فقالَ: في بَيتِها، فقلتُ له: أليسَ قد أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ؟ فقالَ: تلكَ المَرأةُ فَتنَتِ الناسَ واستَطالَتْ على أحمائِها بلِسانِها، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ وكانَ رَجلًا مَكفوفَ البَصرِ.
وعن ابنِ شِهابٍ قالَ: حدَّثَني أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أخبَرَتْه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اعتَدِّي في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، فأنكَرَ الناسُ عليها ما كانَتْ تُحدِّثُ بهِ مِنْ خُروجِها قبلَ أنْ تَحِلَّ.
فهذا أبو سَلمةَ يُخبِرُ أيْضًا أنَّ الناسَ قد كانُوا أنكَرُوا ذلكَ على فاطِمةَ وفيهِم أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ومَن لَحِقَ بهم مِنْ التَّابعينَ، فقدْ أنكَرَ عُمرُ وأُسامةُ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ مع مَنْ سَمَّيْنا معهُم في حَديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ هذا ولم يَعملُوا به، وذلكَ مِنْ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ بحَضرةِ
стр. 11400
أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلَم يُنكِرْه عليهِ مِنهم مُنكِرٌ، فدَلَّ تَركُهم النَّكيرَ في ذلكَ عليه أنَّ مَذهبَهُم فيه كمَذهبِه (١).
الموضِعُ الثاني: هل تَجبُ للمُطلَّقةِ الثَّلاثِ النَّفقةُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُطلَّقةِ البائِنةِ والثَّلاثِ هل تَجبُ لها النَّفقةُ في مُدةِ العدَّةِ أم لا تَجبُ لها النَّفقةُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي قِراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ وَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ»، ولا اختِلافَ بينَ القِراءتَينِ، لكنَّ إحداهُما تَفسيرُ الأخرَى، كقَولِه : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ «أَيْمَانَهُمَا»، وليسَ ذلكَ اختِلافَ القَراءةِ، بل قِراءتُه تَفسيرُ القِراءةِ الظاهرةِ، كذا هذا.
ولأنَّ الأمرَ بالإسكانِ أمرٌ بالإنفاقِ؛ لأنها إذا كانَتْ مَحبوسةً مَمنوعةً عن الخُروجِ لا تَقدرُ على اكتِسابِ النَّفقةِ، فلو لم تَكنْ نَفقتُها على الزَّوجِ
стр. 11401
ولا مالَ لها لَهلكَتْ أو ضاقَ الأمرُ عليها وعَسُرَ، وهذا لا يَجوزُ، وقَولُه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما قبلَ الطلاقِ وبعدَه في العدَّةِ، ولأن النَّفقةَ إنما وجَبَتْ قبلَ الطَّلاقِ؛ لكَونِها مَحبوسةً عن الخُروجِ والبُروزِ لحَقِّ الزوجِ، وقد بَقيَ ذلكَ الاحتباسُ بعدَ الطلاقِ في حالةِ العدَّةِ، وتَأبَّدَ بانضِمامِ حَقِّ الشَّرعِ إليه؛ لأنَّ الحَبسَ قبلَ الطلاقِ كانَ حَقًّا للزَّوجِ على الخُلوصِ، وبعدَ الطَّلاقِ تَعلَّقَ به حقُّ الشرعِ، حتَّى لا يُباحُ لها الخُروجُ وإنْ أَذِنَ الزَّوجُ لها بالخُروجِ، فلمَّا وجَبَتْ به النَّفقةُ قبلَ التأكُّدِ فلَأنْ تَجبَ بعدَ التأكُّدِ أَولى.
وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ففيها أمرٌ بالإنفاقِ على الحامِلِ، وإنه لا يَنفي وُجوبَ الإنفاقِ على غيرِ الحامِلِ، ولا يُوجِبُه أيضًا، فيَكونُ مَسكوتًا مَوقوفًا على قيامِ الدَّليلِ، وقد قامَ دَليلُ الوُجوبِ وهو ما ذكَرْنا.
وأما حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقدْ رَدَّه عُمرُ ﵁، فعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (١).
стр. 11402
وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (١).
ثمَّ قد قيلَ في تَأويلِه أنها كانَتْ تَبذُو على أحمائِها -أي: تَفحشُ عليهِم باللِّسانِ، مِنْ قَولِهم: بَذوتُ على فُلانٍ، أي: فَحشتُ عليهِ- أي: كانَتْ تُطيلُ لِسانَها عليهِم بالفُحشِ، فنقَلَها رَسولُ اللهِ إلى بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، ولم يَجعلْ لها نَفقةً ولا سُكنَى؛ لأنها صارَتْ كالناشِزةِ إذا كانَ سَببُ الخُروجِ منها، وهكذا نَقولُ فيمَن خرَجَتْ مِنْ بيتِ زَوجِها في عدَّتِها، أو كانَ منها سَببٌ أوجَبَ الخُروجَ أنها لا تَستحقُّ النَّفقةَ ما دامَتْ في بَيتِ غيرِ الزَّوجِ، وقيلَ: إنَّ زوْجَها كانَ غائبًا فلَم يَقْضِ لها بالنَّفقةِ والسُّكنى على الزوجِ لغَيبتِه؛ إذ لا يَجوزُ القَضاءُ على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ.
ولأنَّ النَّفقة تَجبُ بالاحتِباسِ، وقد بَقيَ بعدَ الطَّلاقِ الثلاثِ والبائنِ، فتَبقَى النَّفقةُ، وسَواءٌ كانَتِ المُعتدةُ عن طَلاقٍ كَبيرةً أو صَغيرةً، مُسلمةً أو كِتابيةً؛ لأنَّ ما ذكَرْنا مِنْ الدَّلائلِ لا يُوجبُ الفَصلَ (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا والبائنةَ لا نَفقةَ لها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
стр. 11403
[الطلاق: ٦]، فخَصَّ الحاملَ بالأمرِ بالإنفاقِ عليها، فلو وجَبَ الإنفاقُ على غيرِ الحامِلِ لَبطَلَ التَّخصيصُ، فدلَّ ذلك على أنها إنْ كانَتْ حائلًا لا نَفقةَ لها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ نَفقةَ المَبتوتةِ مَشروطةً بالحَملِ، فدَلَّ على سُقوطِها بعَدمِ الحَملِ.
ولأنَّ النَّفقةَ لو كانَتْ تَجبُ كما تَجبُ السُّكنى لَمَا كانَ لاختِصاصِ النَّفقةِ للحاملِ معنًى، فلمَّا وقَعَ الاختِصاصُ وجَبَ أنه لا نَفقةَ للمَرأةِ إذا لم تكنْ حامِلًا.
ولأنَّ اللهَ لمَّا ذكَرَ السُّكنى أطلَقَها لكُلِّ مُطلَّقةٍ، فلمَّا ذكَرَ النَّفقة قيَّدَها بالحَملِ، فدَلَّ على أنَّ المُطلَّقةَ البائنَ لا نَفقةَ لها.
ولِما رَواهُ مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ قالَ: دخَلْتُ على فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فسَألتُها عن قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ عليها، فقالَتْ: «طلَّقَها زَوجُها البتَّةَ فقالَتْ: فخاصَمتُه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في السُّكنى والنَّفقةِ، قالَتْ: فلَم يَجعَلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً، وأمَرَني أنْ أعتَدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ» (١).
وفي رِوايةٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ عن النبيِّ ﷺ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا قالَ: «ليسَ لها سُكنَى ولا نَفقةٌ» (٢).
стр. 11404
وعن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: «أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (١).
ورَوى عامرٌ أنه قالَ: «قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : انظُرِي يا ابنَةَ آلِ قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ، ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (٢).
стр. 11405
ولأنها زوجةٌ بانَتْ، فوجَبَ أنْ تَسقطَ النَّفقةُ بزَوالِها كالمُتوفَّى عنها زَوجُها، ولأنه بائنٌ، فوجَبَ أنْ تَسقطَ نَفقتُها كغيرِ المَدخولِ بها، ولأنَّ النَّفقةَ في مُقابلةِ التَّمكينِ، فإذا زالَ التَّمكينُ سقَطَتِ النَّفقةُ، ولأنه يَملكُ الاستمتاعَ بزَوجتِه كما يَملكُ رِقَّ أمَتِه، فلمَّا سقَطَتْ نَفقةُ الأمَةِ بزَوالِ مِلكِه عن رِقِّها وجَبَ أنْ تَسقطَ نَفقةُ الزَّوجةِ بزَوالِ مِلكِه عن الاستِمتاعِ بها (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في سُكنَى المَبتوتةِ ونَفقتِها إذا لم تَكنْ حامِلًا على ثَلاثةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّ لها السُّكنى والنَّفقةَ، وهو قَولُ الكُوفيِّينَ.
والقَولُ الثاني: أنه لا سُكنَى لها ولا نَفقةَ، وهو قَولُ أحمَدَ وداودَ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وجَماعةٍ.
الثالِثُ: أنَّ لها السُّكنى ولا نَفقةَ لها، وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وجَماعةٍ.
وسَببُ اختِلافِهم: اختِلافُ الرِّوايةِ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، ومُعارَضةُ ظاهِرِ الكِتابِ له، فاستَدلَّ مَنْ لم يُوجِبْ لها نَفقةً ولا سُكنَى بما
стр. 11406
رُويَ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنها قالَتْ: «طلَّقَني زَوجِي ثَلاثًا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فلَم يَجعلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً» خرَّجَه مُسلمٌ، وفي بَعضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنما السُّكنى والنَّفقةُ لمَن لزَوجِها عليها الرَّجعةُ»، وهذا قَولٌ مَرويٌّ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ.
وأما الذينَ أوجَبُوا لها السُّكنى دونَ النَّفقةِ فإنهُم احتَجُّوا بما رَواهُ مالكٌ في مُوطَّئِه مِنْ حَديثِ فاطِمةَ المَذكورةِ، وفيه: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ، وأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، ولم يَذكرْ فيها إسقاطَ السُّكنى، فبَقيَ على عُمومِه في قولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وعلَّلُوا أمْرَه ﵊ بأنْ تَعتدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ بأنه كانَ في لِسانِها بَذاءٌ.
وأما الذينَ أوجَبُوا لها السُّكنى والنَّفقةَ فصارُوا إلى وُجوبِ السُّكنى لها بعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وصارُوا إلى وُجوبِ النَّفقةِ لها لكَونِ النَّفقةِ تابِعةً لوُجوبِ الإسكانِ في الرَّجعيةِ وفي الحاملِ وفي نَفسِ الزَّوجيةِ.
وبالجُملةِ فحَيثُما وجَبَتِ السُّكنى في الشرعِ وجَبَتِ النَّفقةُ، ورُويَ عن عُمرَ أنه قالَ في حَديثِ فاطِمةَ هذا: «لا نَدَعُ كتابَ نَبيِّنا وسُنتَه لقَولِ امرأةٍ» يُريدُ قولَه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الآيَة.
стр. 11407
ولأنَّ المَعروفَ مِنْ سُنتِه ﵊ أنه أوجَبَ النَّفقةَ حيثُ تَجبُ السُّكنى، فلذلكَ الأَولى في هَذهِ المَسألةِ إما أنْ يقالَ: إنَّ لها الأمرَينِ جَميعًا؛ مَصيرًا إلى ظاهِرِ الكتابِ والمُعروفِ مِنْ السُّنةِ، وإما أنْ يُخصَّصَ هذا العُمومُ بحَديثِ فاطِمةَ المَذكورِ.
وأما التَّفريقُ بينَ إيجابِ النَّفقةِ والسُّكنى فعَسيرٌ، ووَجهُ عُسرِه ضَعفُ دَليلِه (١).
مَكانُ عدَّةِ المطلَّقةِ:
المُطلَّقةُ إما أنْ تكونَ مُطلَّقةً رَجعيةً، وإما أنْ تَكونَ مطلَّقةً طلاقًا بائنًا:
أولاً: مَكانُ عِدَّةِ المطلَّقةِ الرَّجعيةِ، وحُكمُ خُروجِها لَيلاً أو نَهارًا:
المُطلقةُ طَلاقًا رَجعيًّا لا يَجوزُ لها الخُروجُ مِنْ بيتِها، قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ المطلَّقةَ طَلاقًا يَملكُ فيه زَوجُها رَجعَتَها أنها لا تَنتقلُ مِنْ بيتِها (٢).
وتَقدَّمَ في كِتابِ الرَّجعةِ ما يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَراهُ مِنْ الرَّجعيةِ في زَمنِ عدَّتِها.
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في مِقدارِ ما يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَطَّلعَ عليه مِنْ المُطلقةِ الرَّجعيةِ ما دامَتْ في العدَّةِ:
стр. 11408
فقالَ مالِكٌ: لا يَخلُو معَها ولا يَدخلُ عليها إلا بإذنِها، ولا يَنظرُ إلى شَعرِها، ولا بأسَ أنْ يَأكلَ معَها إذا كانَ معَهُما غيرُهما.
وحكَى ابنُ القاسِمِ أنه رجَعَ عن إباحةِ الأكلِ معَها.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا بأسَ أنْ تَتزيَّنَ الرَّجعيةُ لزَوجِها وتَتطيَّبَ له وتَتشوَّفَ وتُبدِي الَبنانَ والكُحلَ، وبه قالَ الثوريُّ وأبو يُوسفَ والأوزاعيُّ، وكلُّهم قالُوا: لا يَدخلُ عليها إلا أنْ تَعلمَ بدُخولِه بقَولٍ أو حَركةٍ مِنْ تَنحنُحٍ أو خَفقِ نَعلٍ (١).
إلا أنَّ الشافِعيةَ قالُوا: إنْ كانَتْ في طَلاقٍ رَجعيٍّ فمَوضعُها غيرُ مُتعيِّنٍ، وهو إلى خِيارِ الزَّوجِ في إسكانِها حيثُ شاءَ مِنْ المَواضعِ المَأمونةِ؛ لأنه سُكنَى زَوجيةٍ يستَحقُّ معَ النَّفقةِ، فأشبَهَتْ حالَها قبلَ الطَّلاقِ وقد كانَ مُخيَّرًا في نَقلِها، كذلكَ بعدَه، وتكونُ هذهِ السُّكنى مِنْ حُقوقِ الآدميِّينَ (٢).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: فإنْ كانَ الطلاقُ رَجعيًّا .. وجَبَ عليهِ نَفقتُها وإسكانُها حيثُ يَختارُ؛ لأنها في مَعانِي الزَّوجاتِ؛ بدَليلِ أنه يَلحقُها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه ويَتوارثانِ، فكانَتْ في مَعاني الزَّوجاتِ في النَّفقةِ والسُّكنى، ولأنَّ النَّفقةَ والسُّكنى يَجِبانِ في مُقابلةِ الاستمتاعِ، والزَّوجُ مُتمكِّنٌ مِنْ الاستمتاعِ بها متَى شاءَ بعدَ الرَّجعةِ، وإنما حرمَتْ عليه لعارِضٍ، فهوَ كما لو أحرَمَ أو أحرَمَتْ، قالَ أصحابُنا: وهو إجماعٌ أيضًا (٣).
стр. 11409
ثانيًا: مَكانُ عدَّةِ المطلَّقةِ البائنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مَكانِ عدَّةِ المُطلَّقةِ، وهل لها أنْ تَعتدَّ حيثُ شاءَتْ؟ أم يَلزمُها أنْ تَعتدَّ في مَكانٍ مُعيَّنٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُطلَّقةَ تَعتدُّ في المَكانِ الذي كانَتْ فيه، سَواءٌ كانَ مِلكًا أو إجارةً أو إعارةً، ولا يَجوزُ لها الخُروجُ منه مِنْ غيرِ عُذرٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
ورَوى الإمامُ مالِكٌ عن نافعٍ «أنَّ بِنتَ سَعيدِ بنِ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفيلٍ كانَتْ تحتَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ عُثمانَ بنِ عفَّانِ، فطلَّقَها البتَّةَ، فانتَقلَتْ، فأنكَرَ ذلكَ عليها عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ.
قالَ أبو عُمرَ ﵀: أما حَديثُه عن نافعٍ «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ أنكَرَ على ابنةِ سَعيدِ بنِ زَيدٍ انتِقالَها مِنْ بَيتِها حينَ طلَّقَها عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ عُثمانَ» فهو مَذهبُه ومَذهبُ أبيه عُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ مَسعودٍ وعائِشةَ وأكثَرِ الصَّحابةِ وجُمهورِ الفُقهاءِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١].
وأجمَعُوا أنَّ المُطلَّقةَ طَلاقًا يَملكُ فيه زَوجُها رَجعتَها أنها لا تَنتقلُ مِنْ بَيتِها.
стр. 11410
وإنما اختَلفُوا في المَبتوتةِ … وجُمهورُ العُلماءِ بالمَدينةِ وسائرِ الحِجازِ والعِراقِ يَقولونَ: لا تَعتدُّ إلا في بَيتِها (١).
وإذا أرادَ الزوجُ نقْلَها عنه إلى غَيرِه أو طلَبَتْ أنْ تَنتقلَ هي أو اتَّفقَا على ذلكَ مِنْ غيرِ عُذرٍ لم يَجُزْ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى نهَى الأزواجَ عن إخراجِهنَّ، ونَهاهنَّ عن الخُروجِ مِنْ بُيوتهنَّ، وأرادَ به بُيوتَ سُكناهنَّ (٢).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وإنْ كانَتِ العدَّةُ مِنْ طَلاقٍ بائنٍ فمَوضعُها مُتعيِّنٌ لا يَجوزُ نقلُها منه لغيرِ مُوجبٍ، وهي التي يَجعلُها مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى لتَحصينِ الماءِ وحِفظِ النَّسبِ، وإذا كانَ كذلكَ فالمَوضعُ المُعيَّنُ لسُكناها هو المَسكنُ الذي طلَّقَها فيه؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]،
стр. 11411
يعني: مِنْ بُيوتِ أزواجِهنَّ، وإضافتُها إليهِنَّ لاستِحقاقِهنَّ سُكناها (١).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: ولا يَجوزُ للمُعتدَّةِ أنْ تَخرجَ مِنْ مَسكنِها الذي وجبَتْ عليها فيه العِدةُ مِنْ غيرِ عُذرٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، ولحَديثِ فُريعةَ بنتِ مالكٍ أنها قالَتْ: أفأرجِعُ إلى أهلِي وأعتَدُّ عندَهُم؟ فقالَ لها النبيُّ ﷺ : «اعتَدِّي في البيتِ الذي أتاكِ فيه وَفاةُ زَوجِكِ حتَّى يَبلغَ الكِتابُ أجَلَه أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا».
وإنْ وجَبَ عليها حَقٌّ فإنْ أمكَنَ استيفاءُ ذلكَ منها مِنْ غيرِ أنْ تَخرجَ مثلَ أنْ كانَ عليها دَينٌ، أو في يَدِها غَصبٌ أو عارِيةٌ أو وَديعةٌ تَعترفُ بذلكَ .. فإنَّ صاحِبَ الحقِّ يَمضِي إليها ويَأخذُ منها حَقَّه، ولا تُكلَّفُ الخُروجَ لذلكَ؛ لأنه لا حاجةَ بها إلى الخُروجِ، وإنْ كانَ حقًّا لا يُمكنُ استيفاؤُه إلا بإخراجِها كحَدِّ القَذفِ أو القِصاصِ أو القَطعِ في السَّرقةِ، أو اليَمينِ في الدَّعوَى، فإنْ كانَتِ المَرأةُ (بَرِزةً) -وهيَ التي تَخرجُ في حَوائجِها وتَلقَى الرِّجالَ- فإنَّ الحاكِمَ يَستدعِيها ويَستوفِي منها الحَقَّ، وإنْ كانَتْ (غيرَ بَرزةٍ) -وهيَ التي لا تَخرجُ في حَوائجِها- .. فإنَّ الحاكِمَ يَبعثُ إليها مَنْ يَستوفِي منها الحَقَّ في بيتِها (٢).
стр. 11412
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ المُعتدةَ البائنَ تَعتدُّ حَيثُ شاءَتْ مِنْ بَلدِها في مَكانٍ مَأمونٍ، ولا يَتعينُ المَوضعُ الذي تَسكنُه في الطلاقِ؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (١).
ورَوى عامرٌ أنه قالَ: قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «انظُرِي يا ابنَةَ آلِ قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا
стр. 11413
لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ، ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسَواءٌ قُلنا: «لها السُّكنى» أو لم نَقُلْ، بل يَتخيرُ الزَّوجُ بينَ إقرارِها في المَوضعِ الذي طلَّقَها فيه وبينَ نَقلِها إلى مَسكنِ مثلِها، والمُستحبُّ إقرارُها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، ولأنَّ فيه خُروجًا مِنْ الخِلافِ، فإنَّ الذينَ ذكَرْنا عنهُم أنَّ لها السُّكنى يَرَونَ وُجوبَ الاعتدادِ عليها في مَنزلِها.
فإنْ كانَتْ في بيتٍ يَملكُ الزَّوجُ سُكناهُ ويَصلحُ لمِثلِها اعتَدَّتْ فيه، فإنْ ضاقَ عنهُما انتَقلَ عنها وترَكَه لها؛ لأنه يُستحبُّ سُكناها في المَوضعِ الذي طلَّقَها فيه، وإنِ اتَّسعَ المَوضعُ لهُمَا وفي الدارِ مَوضعٌ لها مُنفردٌ كالحُجرةِ أو عُلوِّ الدارِ أو سَفلِها وبينَهُما بابٌ مُغلقٌ سكَنَتْ فيه وسكَنَ الزَّوجُ في الباقي؛ لأنهُما كالحُجرتَينِ المُتجاورتَينِ، وإنْ لم يَكنْ بينَهُما بابٌ مُغلقٌ لكنْ لها مَوضعٌ تَتستَّرُ فيه بحَيثُ لا يَراها ومعَها مَحرمٌ تَتحفظُ به جازَ؛ لأنَّ مع المَحرمِ يُؤمَنُ الفسادُ، ويُكرهُ في الجُملةِ؛ لأنه لا يُؤمنُ النَّظرُ، وإنْ لم يَكنْ معَها مَحرمٌ لم يَجُزْ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَخلُونَّ رَجلٌ بامرأةٍ ليسَتْ له بمَحرمٍ، فإنَّ ثالثَهُما الشَّيطانُ».
стр. 11414
وإنِ امتَنعَ مِنْ إسكانِها وكانَتْ ممَّن لها عليه السُّكنى أجبَرَه الحاكِمُ، فإنْ كانَ الحاكِمُ مَعدومًا رجَعَتْ على الزَّوجِ، وإن كانَ الحاكِمُ مَوجودًا فهل تَرجعُ؟ على رِوايتَينِ:
وإنْ كانَ الزوجُ حاضِرًا ولم يَمنعْها مِنْ المَسكنِ فاكتَرَتْ لنَفسِها مَوضعًا أو سكَنَتْ في مَوضعٍ تَملكُه لم تَرجعْ بالأجرةِ؛ لأنها تَبرعَتْ بذلكَ، فلَم تَرجعْ به على أحَدٍ.
وإنْ عجَزَ الزوجُ عن إسكانِها لعُسرتِه أو غَيبتِه أو امتَنعَ مِنْ ذلكَ مع قُدرتِه سكَنَتْ حيثُ شاءَتْ، وكذلكَ المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا لم يُسكنْها وَرثتُه؛ لأنه إنما تَلزمُها السُّكنى في مَنزلِه لتَحصينِ مائِه، فإذا لم تَفعلْ لم يَلزمْها ذلكَ (١).
خُروجُ المعتدَّةِ الرَّجعيةِ والبائنِ مِنْ مَنزلِها للحَاجةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُعتدَّةِ البائنِ، هل يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ نهارًا أو ليلًا لِحاجَتِها أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للمَرأةِ الرَّجعيةِ ولا المَبتوتةِ أنْ تَخرجَ مِنْ بَيتِها لَيلًا ولا نهارًا في عدَّتِها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، ولأنَّ نفقَتَها واجبةٌ على الزَّوجِ، فلا حاجةَ لها إلى الخُروجِ كالزَّوجةِ، حتى لو اختَلعَتْ على أنْ لا نَفقةَ لها قيلَ: تَخرجُ
стр. 11415
نَهارًا لمَعاشِها، وقيلَ: لا، وهو الأصَحُّ؛ لأنها اختارَتْ إسقاطَ نَفقتِها، فلا يُؤثرُ في إبطالِ حقِّ المُختلعةِ عليها على أنْ لا سُكنَى لها لا يَجوزُ لها الخُروجُ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: فإنْ كانَتْ مُعتدةً مِنْ نكاحٍ صَحيحٍ وهي حُرةٌ مُطلَّقةٌ بالغةٌ عاقِلةٌ مُسلمةٌ والحالُ حالُ الاختيارِ فإنها لا تَخرجُ ليلًا ولا نَهارًا، سواءٌ كانَ الطلاقُ ثَلاثًا أو بائنًا أو رَجعيًّا.
أما في الطَّلاقِ الرَّجعيِّ فلقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قيلَ في تأويلِ قولِه : ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: إلا أنْ تَزنِيَ، فتَخرجُ لإقامةِ الحَدِّ عليها، وقيلَ: الفاحِشةُ هي الخُروجُ نَفسُه، أي: إلا أنْ يَخرجْنَ فيَكونُ خُروجُهنَّ فاحِشةً، نهَى اللهُ تعالَى الأزواجَ عن الإخراجِ والمُعتدَّاتِ عن الخُروجِ.
وقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، والأمرُ بالإسكانِ نَهيٌ عن الإخراجِ والخُروجِ، ولأنها زَوجتُه بعدَ الطلاقِ الرجعيِّ؛ لقِيامِ مِلكِ النكاحِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، فلا يُباحُ لها الخُروجُ كما قبلَ الطَّلاقِ، إلا أنَّ بعدَ الطَّلاقِ لا يُباحُ لها الخُروجُ وإنْ أَذِنَ لها بالخُروجِ، بخِلافِ ما قبلَ الطلاقِ؛ لأنَّ حُرمةَ الخُروجِ بعدَ الطلاقِ لمَكانِ العدَّةِ، وفي العدَّةِ حقُّ اللهِ تعالَى، فلا يَملكُ إبطالَه، بخِلافِ ما قبلَ الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحُرمةَ ثمَّةَ لحقِّ الزوجِ خاصَّةً،