← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.

стр. 11411

يعني: مِنْ بُيوتِ أزواجِهنَّ، وإضافتُها إليهِنَّ لاستِحقاقِهنَّ سُكناها (١). وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: ولا يَجوزُ للمُعتدَّةِ أنْ تَخرجَ مِنْ مَسكنِها الذي وجبَتْ عليها فيه العِدةُ مِنْ غيرِ عُذرٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، ولحَديثِ فُريعةَ بنتِ مالكٍ أنها قالَتْ: أفأرجِعُ إلى أهلِي وأعتَدُّ عندَهُم؟ فقالَ لها النبيُّ ﷺ : «اعتَدِّي في البيتِ الذي أتاكِ فيه وَفاةُ زَوجِكِ حتَّى يَبلغَ الكِتابُ أجَلَه أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا». وإنْ وجَبَ عليها حَقٌّ فإنْ أمكَنَ استيفاءُ ذلكَ منها مِنْ غيرِ أنْ تَخرجَ مثلَ أنْ كانَ عليها دَينٌ، أو في يَدِها غَصبٌ أو عارِيةٌ أو وَديعةٌ تَعترفُ بذلكَ .. فإنَّ صاحِبَ الحقِّ يَمضِي إليها ويَأخذُ منها حَقَّه، ولا تُكلَّفُ الخُروجَ لذلكَ؛ لأنه لا حاجةَ بها إلى الخُروجِ، وإنْ كانَ حقًّا لا يُمكنُ استيفاؤُه إلا بإخراجِها كحَدِّ القَذفِ أو القِصاصِ أو القَطعِ في السَّرقةِ، أو اليَمينِ في الدَّعوَى، فإنْ كانَتِ المَرأةُ (بَرِزةً) -وهيَ التي تَخرجُ في حَوائجِها وتَلقَى الرِّجالَ- فإنَّ الحاكِمَ يَستدعِيها ويَستوفِي منها الحَقَّ، وإنْ كانَتْ (غيرَ بَرزةٍ) -وهيَ التي لا تَخرجُ في حَوائجِها- .. فإنَّ الحاكِمَ يَبعثُ إليها مَنْ يَستوفِي منها الحَقَّ في بيتِها (٢).

стр. 11412

وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ المُعتدةَ البائنَ تَعتدُّ حَيثُ شاءَتْ مِنْ بَلدِها في مَكانٍ مَأمونٍ، ولا يَتعينُ المَوضعُ الذي تَسكنُه في الطلاقِ؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (١). ورَوى عامرٌ أنه قالَ: قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «انظُرِي يا ابنَةَ آلِ قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا

стр. 11413

لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ، ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسَواءٌ قُلنا: «لها السُّكنى» أو لم نَقُلْ، بل يَتخيرُ الزَّوجُ بينَ إقرارِها في المَوضعِ الذي طلَّقَها فيه وبينَ نَقلِها إلى مَسكنِ مثلِها، والمُستحبُّ إقرارُها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، ولأنَّ فيه خُروجًا مِنْ الخِلافِ، فإنَّ الذينَ ذكَرْنا عنهُم أنَّ لها السُّكنى يَرَونَ وُجوبَ الاعتدادِ عليها في مَنزلِها. فإنْ كانَتْ في بيتٍ يَملكُ الزَّوجُ سُكناهُ ويَصلحُ لمِثلِها اعتَدَّتْ فيه، فإنْ ضاقَ عنهُما انتَقلَ عنها وترَكَه لها؛ لأنه يُستحبُّ سُكناها في المَوضعِ الذي طلَّقَها فيه، وإنِ اتَّسعَ المَوضعُ لهُمَا وفي الدارِ مَوضعٌ لها مُنفردٌ كالحُجرةِ أو عُلوِّ الدارِ أو سَفلِها وبينَهُما بابٌ مُغلقٌ سكَنَتْ فيه وسكَنَ الزَّوجُ في الباقي؛ لأنهُما كالحُجرتَينِ المُتجاورتَينِ، وإنْ لم يَكنْ بينَهُما بابٌ مُغلقٌ لكنْ لها مَوضعٌ تَتستَّرُ فيه بحَيثُ لا يَراها ومعَها مَحرمٌ تَتحفظُ به جازَ؛ لأنَّ مع المَحرمِ يُؤمَنُ الفسادُ، ويُكرهُ في الجُملةِ؛ لأنه لا يُؤمنُ النَّظرُ، وإنْ لم يَكنْ معَها مَحرمٌ لم يَجُزْ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَخلُونَّ رَجلٌ بامرأةٍ ليسَتْ له بمَحرمٍ، فإنَّ ثالثَهُما الشَّيطانُ».

стр. 11414

وإنِ امتَنعَ مِنْ إسكانِها وكانَتْ ممَّن لها عليه السُّكنى أجبَرَه الحاكِمُ، فإنْ كانَ الحاكِمُ مَعدومًا رجَعَتْ على الزَّوجِ، وإن كانَ الحاكِمُ مَوجودًا فهل تَرجعُ؟ على رِوايتَينِ: وإنْ كانَ الزوجُ حاضِرًا ولم يَمنعْها مِنْ المَسكنِ فاكتَرَتْ لنَفسِها مَوضعًا أو سكَنَتْ في مَوضعٍ تَملكُه لم تَرجعْ بالأجرةِ؛ لأنها تَبرعَتْ بذلكَ، فلَم تَرجعْ به على أحَدٍ. وإنْ عجَزَ الزوجُ عن إسكانِها لعُسرتِه أو غَيبتِه أو امتَنعَ مِنْ ذلكَ مع قُدرتِه سكَنَتْ حيثُ شاءَتْ، وكذلكَ المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا لم يُسكنْها وَرثتُه؛ لأنه إنما تَلزمُها السُّكنى في مَنزلِه لتَحصينِ مائِه، فإذا لم تَفعلْ لم يَلزمْها ذلكَ (١). خُروجُ المعتدَّةِ الرَّجعيةِ والبائنِ مِنْ مَنزلِها للحَاجةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُعتدَّةِ البائنِ، هل يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ نهارًا أو ليلًا لِحاجَتِها أم لا يَجوزُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للمَرأةِ الرَّجعيةِ ولا المَبتوتةِ أنْ تَخرجَ مِنْ بَيتِها لَيلًا ولا نهارًا في عدَّتِها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، ولأنَّ نفقَتَها واجبةٌ على الزَّوجِ، فلا حاجةَ لها إلى الخُروجِ كالزَّوجةِ، حتى لو اختَلعَتْ على أنْ لا نَفقةَ لها قيلَ: تَخرجُ

стр. 11415

نَهارًا لمَعاشِها، وقيلَ: لا، وهو الأصَحُّ؛ لأنها اختارَتْ إسقاطَ نَفقتِها، فلا يُؤثرُ في إبطالِ حقِّ المُختلعةِ عليها على أنْ لا سُكنَى لها لا يَجوزُ لها الخُروجُ. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: فإنْ كانَتْ مُعتدةً مِنْ نكاحٍ صَحيحٍ وهي حُرةٌ مُطلَّقةٌ بالغةٌ عاقِلةٌ مُسلمةٌ والحالُ حالُ الاختيارِ فإنها لا تَخرجُ ليلًا ولا نَهارًا، سواءٌ كانَ الطلاقُ ثَلاثًا أو بائنًا أو رَجعيًّا. أما في الطَّلاقِ الرَّجعيِّ فلقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قيلَ في تأويلِ قولِه : ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: إلا أنْ تَزنِيَ، فتَخرجُ لإقامةِ الحَدِّ عليها، وقيلَ: الفاحِشةُ هي الخُروجُ نَفسُه، أي: إلا أنْ يَخرجْنَ فيَكونُ خُروجُهنَّ فاحِشةً، نهَى اللهُ تعالَى الأزواجَ عن الإخراجِ والمُعتدَّاتِ عن الخُروجِ. وقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، والأمرُ بالإسكانِ نَهيٌ عن الإخراجِ والخُروجِ، ولأنها زَوجتُه بعدَ الطلاقِ الرجعيِّ؛ لقِيامِ مِلكِ النكاحِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، فلا يُباحُ لها الخُروجُ كما قبلَ الطَّلاقِ، إلا أنَّ بعدَ الطَّلاقِ لا يُباحُ لها الخُروجُ وإنْ أَذِنَ لها بالخُروجِ، بخِلافِ ما قبلَ الطلاقِ؛ لأنَّ حُرمةَ الخُروجِ بعدَ الطلاقِ لمَكانِ العدَّةِ، وفي العدَّةِ حقُّ اللهِ تعالَى، فلا يَملكُ إبطالَه، بخِلافِ ما قبلَ الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحُرمةَ ثمَّةَ لحقِّ الزوجِ خاصَّةً،

стр. 11416

فيَملكُ إبطالَ حقِّ نفسِه بالإذنِ بالخُروجِ، ولأنَّ الزوجَ يَحتاجُ إلى تَحصينِ مائِه، والمنعُ مِنْ الخُروجِ طَريقُ التحصينِ للماءِ؛ لأنَّ الخُروجَ يُريبُ الزوجَ أنه وَطئَها غيرُه، فيَشتبُه النَّسبُ إذا حَبلَتْ. وأما في الطلاقِ الثَّلاثِ أو البائنِ فلعُمومِ النَّهيِ ومَساسِ الحاجةِ إلى تَحصينِ الماءِ على ما بَينَّا. وأما المُتوفَّى عنها زَوجُها فلا تَخرجُ لَيلًا، ولا بأسَ بأنْ تَخرجَ نَهارًا في حَوائجِها؛ لأنها تَحتاجُ إلى الخُروجِ بالنهارِ لاكتِسابِ ما تُنفقُه؛ لأنه لا نَفقةَ لها مِنْ الزوجِ المُتوفَّى، بل نَفقتُها عليها، فتَحتاجُ إلى الخُروجِ لتَحصيلِ النَّفقةِ، ولا تَخرجُ بالليلِ؛ لعَدمِ الحاجةِ إلى الخُروجِ بالليلِ، بخِلافِ المطلَّقةِ؛ فإنَّ نَفقتَها على الزوجِ، فلا تَحتاجُ إلى الخُروجِ، حتى لو اختَلعَتْ بنَفقةِ عدَّتِها بعضُ مَشايخِنا قالُوا: يُباحُ لها الخُروجُ بالنهارِ للاكتِسابِ؛ لأنها بمَعنى المُتوفَّى عنها زَوجُها. وبَعضُهم قالُوا: لا يُباحُ لها الخُروجُ؛ لأنها هي التي أبطَلَتِ النَّفقةَ باختيارِها، والنَّفقةُ حَقٌّ لها، فتَقدرُ على إبطالِه، فأما لُزومُ البَيتِ فحقٌّ عليها، فلا تَملكُ إبطالَه … ومَنزلُها الذي تُؤمرُ بالسُّكونِ فيه للاعتِدادِ هو المَوضعُ الذي كانَتْ تَسكنُه قبلَ مُفارَقةِ زوجِها وقبلَ موتِه، سواءٌ كانَ الزوجُ ساكِنًا فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أضافَ البيتَ إليها بقَولِه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ

стр. 11417

بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والبَيتُ المُضافُ إليها هو الذي تَسكنُه، ولهذا قالَ أصحابُنا: إنها إذا زارَتْ أهلَها فطلَّقَها زوجُها كانَ عليها أنْ تَعودَ إلى مَنزلِها الذي كانَتْ تَسكنُ فيه فتَعتدَّ ثمَّةَ؛ لأنَّ ذلكَ هو المَوضعُ الذي يُضافُ إليها وإنْ كانَتْ هيَ في غيرِه، وهذا في حالةِ الاختيارِ. وأما في حالةِ الضَّرورةِ فإنِ اضطرَّتْ إلى الخُروجِ مِنْ بَيتِها بأنْ خافَتْ سُقوطَ مَنزلِها أو خافَتْ على مَتاعِها … فلا بأسَ عندَ ذلكَ أنْ تَنتقلَ (١). ومَذهبُ الشافِعيةِ قَريبٌ مِنْ مَذهبِ الحَنفيةِ إذا كانَ الطلاقُ رَجعيًّا؛ إلا أنهُم قالُوا: لا يَجوزُ لها الخروجُ إلا بإذنِه أو ضَرورةً؛ لأنَّ كِفايتَها واجِبةٌ عليه (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ للمُعتدةِ البائنِ (وكذا الرَّجعيةِ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ) الخُروجُ نَهارًا لحاجَتِها كشِراءِ طَعامٍ وبَيعٍ غَزلٍ ونَحوِه؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن أبي الزُّبيرِ أنه سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: طُلِّقتْ خالَتي فأرادَتْ أنْ تَجدَّ نخْلَها، فزجَرَها رَجلٌ أنْ تَخرجَ، فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: «بلَى، فجُدِّي نخلَكِ، فإنكِ عَسى أنْ تَصدَّقي أو تَفعلي مَعروفًا» (٣).

стр. 11418

قالَ الإمامُ القرطُبيُّ ﵀: ففي هذا الحَديثِ دَليلٌ لمالِكٍ والشافِعيِّ وابنِ حَنبلٍ والليثِ على قَولِهم: إنَّ المُعتدةَ تَخرجُ بالنهارِ في حَوائجِها، وإنما تَلزمُ مَنزلَها بالليلِ، وسَواءٌ عندَ مالكٍ كانتْ رَجعيةً أو بائنةً، وقالَ الشافِعيُّ في الرَّجعيةِ: لا تَخرجُ لَيلًا ولا نهارًا، وإنما تَخرجُ نَهارًا المَبتوتةُ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا الحَديثُ دَليلٌ لخُروجِ المُعتدةِ البائنِ للحاجَةِ، ومَذهبُ مالِكٍ والثَّوريِّ والليثِ والشافِعيِّ وأحمَدَ وآخَرينَ جَوازُ خُروجِها في النهارِ للحاجةِ، وكذلكَ عندَ هَؤلاءِ يَجوزُ لها الخُروجُ في عدَّةِ الوَفاةِ، ووافَقَهُم أبو حَنيفةَ في عدَّةِ الوفاةِ، وقالَ في البائنِ: لا تَخرجُ لَيلًا ولا نَهارًا (٢). وقالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: فيهِ -أي هذا الحَدِيث- حُجةٌ لمالِكٍ واللَّيثِ في جَوازِ خُروجِ المُعتدةِ نَهارًا، وإنما يَلزمُها لُزومُ مَنزلِها بالليلِ، وسَواءٌ عندَ مالِكٍ الرَّجعيةُ والمَبتوتةُ، وقد احتَجَّ أبو داودَ بهذا الحَديثِ على خُروجِها نَهارًا كقَولِنا، ووَجهُ دَلالتِه أنَّ الجُذاذَ إنما يَكونُ نَهارًا عُرفًا وشَرعًا؛ لأنه ﷺ نهَى عن جُذاذِ اللَّيلِ، ولأنَّ نَخلَ الأنصارِ ليسَتْ مِنْ البَعيدِ بحَيثُ يُحتاجُ إلى المَبيتِ فيها إذا خرَجَتْ نَهارًا (٣).

стр. 11419

وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: قُلتُ: أرَأيتَ المُطلَّقةَ تَطليقةً يَملكُ زَوجُها فيها الرَّجعةَ أو مَبتوتةً، أيَكونُ لها أنْ تَخرجَ بالنهارِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: نَعمْ، تَخرجُ بالنَّهارِ وتَذهبُ وتَجيءُ ولا تَبيتُ إلا ببَيتِها الذي كانَتْ تَسكنُه حينَ طلقَتْ، قلتُ: فالمُطلَّقاتُ المَبتوتاتُ وغيرُ المَبتوتاتِ والمُتوفَّى عَنهنَّ أزواجُهنَّ في الخُروجِ بالنهارِ والمَبيتِ بالليلِ عندَ مالِكٍ سَواءٌ؟ قالَ: نعمْ. حدَّثَني سَحنونٌ عن ابنِ وَهبٍ عن اللَّيثِ عن سَعدٍ وأسامةَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ أنه كانَ يَقولُ: «إذا طلقَتِ المَرأةُ ألبتَّةَ فإنها تأتِي المَسجدَ والحَقُّ هو لها ولا تَبيتُ إلا ببَيتِها حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها». حدَّثَني سَحنونٌ عن ابنِ وَهبٍ عن أبي الزُّبيرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ خالتَه أخبَرَتْه أنها طلقَتْ فأرادَتْ أنْ تَجذَّ نخلَها، فزجَرَها رِجالٌ عن أنْ تَخرجَ، فأتَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «بلَى، تَجذِّي نخلَكِ فإنكِ عسَى أنْ تَتصدَّقي وتَفعلِي مَعروفًا»، وقالَتْ عائِشةُ: «تَخرجُ ولا تَبيتُ إلا ببَيتِها»، وقالَ القاسِمُ: تَخرجُ إلى المَسجدِ (١). واختَلفوا هل يَجوزُ لها الخُروجُ ليلًا أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه يَجوزُ لها الخُروجُ لَيلًا إلى دارِ جارةٍ لغَزْلٍ وحَديثٍ ونَحوِهما، بشَرطِ أنْ تَرجعَ وتَبيتَ في بَيتِها؛ لِما رَوى مُجاهدٌ قالَ: استُشهِدَ رِجالٌ يومَ أحُدٍ، فجاءَ نساؤُهم رَسولَ اللهِ ﷺ وقُلْنَ: يا

стр. 11420

رَسولَ اللهِ نَستوحشَ باللَّيلِ فنَبيتُ عندَ إحدانا، حتَّى إذا أصبَحْنا بادَرْنا بُيوتَنا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «تَحدَّثنَ عندَ إحداكُنَّ ما بَدَا لكُنَّ، فإذا أرَدتُنَّ النومَ فلْتَأتِ كلُّ امرأةٍ إلى بيتِها» (١). ولأنَّ عدَّةَ الوَفاةِ أغلَظُ، فإذا جازَ في عدَّةِ الوَفاةِ فالبائنُ بذلكَ أَولى (٢). وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ للمُعتدَّةِ أنْ تَخرجَ لَيلًا ولو لحاجَةٍ؛ لِما رَوى مُجاهدٌ قالَ: استُشهِدَ رِجالٌ يومَ أحُدٍ، فجاءَ نساؤُهم رَسولَ اللهِ ﷺ وقُلْنَ: يا رَسولَ اللهِ نَستوحشَ باللَّيلِ فنَبيتُ عندَ إحدانا، حتَّى إذا أصبَحْنا بادَرْنا بُيوتَنا، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «تَحدَّثنَ عندَ إحداكُنَّ ما بَدَا لكُنَّ، فإذا أرَدتُنَّ النومَ فلْتَأتِ كلُّ امرأةٍ إلى بيتِها» (٣). ورَوى عَلقمةُ «أنَّ نِسوةً مِنْ همدانَ نُعيَ إليهِنَّ أزواجُهنَّ، فسَألْنَ ابنَ مَسعودٍ ﵁ فقُلنَ: إنا نَستوحشُ، فأمَرَهنَّ أنْ يَجتمِعْنَ بالنهارِ، فإذا كانَ بالليلِ فلَترحْ كلُّ امرأةٍ إلى بَيتِها». ولأنَّ الليلَ مَظنةُ الفَسادِ، بل تَخرجُ لَيلًا لضَرورةٍ كانهدامِ المَنزلِ (٤).

стр. 11421

وأما المالِكيةُ فقالُوا: يَجوزُ للمُعتدةِ مِنْ وَفاةٍ أو طَلاقٍ أنْ تَخرجَ في قَضاءِ حَوائجِها طَرفَي النهارِ، وهُمَا مِنْ قُبيلِ الفَجرِ بقَليلٍ ومِن الغُروبِ للعِشاءِ، وأحرَى نَهارًا، حتَّى يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ للعُرسِ، ولا تَبيتُ إلا في بيتِها. وفي «المُدوَّنة»: لها التَّصرفُ نَهارًا والخُروجُ سَحرًا قُربَ الفجرِ، وتَرجعُ ما بينَهُما وبينَ العِشاءِ الأخيرةِ. اللَّخميُّ: قولُ مالكٍ لا بأسَ بخُروجِها قبلَ الفجرِ. وقالَ أبو عُمرَ: تَخرجُ إلى المَسجدِ. وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ للمُعتدَّاتِ المُتَجاوراتِ: «تَحدَّثنَ عندَ إحداكُنَّ ما بَدَا لكُنَّ، فإذا أرَدتُنَّ النومَ فلْتَأتِ كلُّ امرأةٍ إلى بيتِها» (١). ابنُ الموَّازِ: يَعني -واللهُ أعلَمُ- أنْ يَقُمْنَ إلى وَقتِ نيامِ الناسِ. قالَ مالكٌ: ولا أحِبُّ كَونَها عندَ أمِّها النهارَ كلَّه. وقالَ مالِكٌ أيضًا: لها أنْ تَحضرَ العُرسَ، ولكنْ لا تَتهيَّأُ فيه بما لا تَلبسُه الحادُّ (٢).

стр. 11422

فصل في الإحْدَادِ الإحْدَادُ لغةً: مَأخوذٌ مِنْ الحَدِّ، وهو المَنعُ. والإحدادُ في الاصطِلاحِ: امتِناعُ المَرأةِ عن الزِّينةِ كلِّها مِنْ اللِّباسِ والطِّيبِ والحُليِّ والكُحلِ وكلِّ ما كانَ مِنْ دَواعِي الجِماعِ ما دامَتْ في عدَّتِها؛ إظهارًا للحُزنِ؛ لأنَّ الزِّينةَ داعِيةٌ إلى الأزواجِ، فنُهيَتْ عن ذلكَ قَطعًا للذَّرائعِ وحِمايةً لحُرماتِ اللهِ أنْ تُنتهَكَ. وسُمِّيَ إحدادًا لِما فيه مِنْ الامتناعِ، كما سُمِّيَ الحَديدُ حَديدًا لأنه يمتنعُ به (١). حُكمُ الإحدادِ ومَشروعيتُه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإحدادَ واجِبٌ على المَرأةِ التي تُوفِّيَ عنها زَوجُها مِنْ نِكاحٍ صَحيحٍ ولو مِنْ غيرِ دُخولٍ بالزَّوجةِ؛ لِما رواهُ الشَّيخانِ عن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أخبَرَتْه قالَتْ: دخَلْتُ على أمِّ

стр. 11423

حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ فقالَتْ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» ثمَّ دخَلْتُ على زينبَ بنتِ جَحشٍ حينَ تُوفِّيَ أخُوها، فدَعَتْ بطِيبٍ فمَسَّتْ ثمَّ قالَتْ: ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ، غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ على المِنبَرِ: «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (١). مَنْ يَجبُ عَليهنَّ الإحدادُ ومَن لا يَجبُ عَليهنَّ: الإحدادُ لا يَجبُ إلا على المَرأةِ المُعتدَّةِ، والمُعتدَّاتُ ثَلاثٌ: مُعتدةٌ يَجبُ الإحدادُ عليها بالإجماعِ، ومُعتدةٌ لا يَجبُ الإحدادُ عليها بالإجماعِ، ومُعتدةٌ مُختلَفٌ في وُجوبِ الإحدادِ عَليها. أولاً: المعتدَّةُ التي يَجبُ عليها الإحدادُ إجماعًا (المرأةُ المتوفَّى عنها زَوجُها): أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ المُتوفَّى عنها زَوجُها في نِكاحٍ صَحيحٍ أنه يَجبُ عليها الإحدادُ، سَواءٌ تُوفِّيَ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، والدَّليلُ عليهِ قَولُ النبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (٢).

стр. 11424

وعن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أنها أخبَرَتْه هذه الأحادِيثَ الثلاثةَ، قالَتْ زَينبُ: دَخَلتُ على أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ حينَ تُوفِّيَ أبُوها أبو سُفيانَ بنُ حَربٍ، فدَعَتْ أمُّ حَبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفرةٌ خَلوقٌ أو غَيرُه، فدهَنَتْ منه جارِيةً ثمَّ مسَّتْ بعَارِضَيها ثمَّ قالَتْ: واللهِ ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَحلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثَلاثِ لَيالٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا»، قالت زَينَبُ فَ دخَلْتُ على زينبَ بنتِ جَحشٍ حينَ تُوفِّيَ أخُوها، فدَعَتْ بطِيبٍ فمَسَّتْ ثمَّ قالَتْ: ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ، غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ على المِنبَرِ: «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا». قالَتْ زَينبُ: وسَمعتُ أمَّ سَلمةَ تَقولُ: «جاءَتْ امرَأةٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي تُوفِّيَ عنها زَوجُها وقد اشتَكَتْ عَينَها أفَتكحُلُها؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا»، -مَرَّتينِ أو ثَلاثًا كلَّ ذلكَ يَقولُ: لا-، ثمَّ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنما هيَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهِليةِ تَرمِي بالبَعْرةِ على رَأسِ الحَولِ»، قالَ حُميدٌ: فقلتُ لزَينبَ: وما تَرمِي بالبَعْرةِ على رَأسِ الحَولِ؟ فقالَتْ زَينبُ: كانَتِ المَرأةُ إذا تُوفِّيَ عنها زَوجُها دخَلَتْ حفْشًا ولَبسَتْ شَرَّ ثِيابِها ولم تَمسَّ طِيبًا حتى تَمرَّ بها سَنةٌ، ثمَّ تُؤتَى بدابَّةٍ حِمارٍ أو شاةٍ أو طائِرٍ فتَفتَضُّ بهِ، فقَلَّما

стр. 11425

تَفتَضُّ بشَيءٍ إلا ماتَ، ثمَّ تَخرجُ فتُعطَى بَعرةً فتَرمِي ثمَّ تُراجِعُ بَعدُ ما شاءَتْ مِنْ طِيبٍ أو غَيرِه، سُئلَ مالِكٌ: ما تَفتضُّ بهِ؟ قالَ: تَمسحُ به جِلدَها» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيهِ دَليلٌ على وُجوبِ الإحدادِ على المُعتدةِ مِنْ وَفاةِ زَوجِها، وهو مُجمَعٌ عليه في الجُملةِ (٢). وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: إحدادُ المُتوفَّى عنها زَوجُها. رُويَ عن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ أنَّ عليها اجتِنابَ الزَّينةِ والطِّيبِ، منهُم عائِشةُ وأمُّ سَلمةَ وابنُ عُمرَ وغيرُهم، ومِن التابعِينَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وحَكاهُ عن فُقهاءِ المَدينةِ، وهو قَولُ أصحابِنا وسائرِ فُقهاءِ الأمصارِ، لا خِلافَ بينَهُم فيه (٣). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: المُتوفَّى عنها زَوجُها يَجبُ الإحدادُ عليها، قالَ جَميعُ الفُقهاءِ، إلا ما حُكيَ عن الحَسنِ البَصريِّ والشعبيِّ أنَّ الإحدادَ غيرُ واجِبٍ عليها (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: والإحدادُ واجِبٌ بالسُّنةِ المُجتمَعِ عليها، وقد شَذَّ الحَسنُ عنها وحْدَه، فهو مَحجوجٌ بها (٥).

стр. 11426

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها يَلزمُها الإحدادُ (١). وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: المُعتدَّةُ التي يَجبُ عليها الإحدادُ قَولًا واحدًا هي المُتوفَّى عنها زَوجُها، وهو قَولُ كافَّةِ العُلماءِ، إلا الحسَنَ البَصريَّ فإنه قالَ: لا يَجبُ عليها الإحدادُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الإحدادُ لا نَعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في وُجوبِه على المُتوفَّى عنها زَوجُها، إلا عن الحَسنِ فإنه قالَ: «لا يَجبُ الإحدادُ»، وهو قَولٌ شَذَّ به عن أهلِ العِلمِ وخالَفَ به السُّنةَ، فلا يُعرَّجُ عليه (٣). ثانيًا: المعتَدَّةُ التي لا يَجبُ الإحدادُ عليها (المطلَّقةُ الرَّجعيةُ): اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم على أنَّ الزَّوجةَ الرَّجعيةَ لا يَجبُ عليها الإحدادُ؛ لأنها زَوجةٌ تَجرِي عليها أحكامُ الزَّوجاتِ، والزوجةُ لا إحدادَ عَليها، ولأنه يَجبُ إظهارًا للمُصيبةِ على فَوتِ نِعمةِ النكاحِ، والنكاحُ بعدَ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ غيرُ فائِتٍ، بل هو قائمٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ، فلا يَجبُ الحِدادُ.

стр. 11427

قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ ﵀: وأجمَعُوا أنه لا يَجبُ الإحدادُ على المُطلَّقةِ طَلاقًا رَجعيًّا (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعُوا أنْ لا إحدادَ على المُطلَّقةِ الرَّجعيةِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعُوا على أنه لا إحدادَ … على الزَّوجةِ الرَّجعيةِ (٣). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: ولا يَجبُ الإحدادُ على … الرَّجعيةِ اتِّفاقًا (٤). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا إحدادَ على الرَّجعيةِ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لأنها في حُكمِ الزَّوجاتِ، لها أنْ تَتزيَّنَ لزَوجِها وتَستشرفَ له ليَرغبَ فيها وتنفقَ عندَه كما تَفعلُ في صُلبِ النكاحِ (٥). وهل يُستحَبُّ لها الإحدادُ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنه يُستحبُّ لها؛ ليَظهرَ بالإحدادِ أسفٌ عليهِ فيَحنُو عليها ويَرغبَ في مُراجعتِها.

стр. 11428

وعندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ والشافِعيةِ في وَجهٍ: لا يُستحبُّ لها، وتُندَبُ إلى التصنُّعِ له بالزِّينةِ ليَميلَ إليها فيَرغبَ في مُراجعتِها، ولتَحسُنَ في عَينِ الزوجِ فيُراجِعَها (١). الإحدادُ على المطلَّقةِ قبلَ الدُّخولِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا إحدادَ على المطلَّقةِ قبلَ الدُّخولِ. قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: المطلَّقةُ قبلَ الدُّخولِ فلا إحدادَ عليها اتِّفاقًا (٢). الإحدادُ في النِّكاحِ الفاسِدِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا إحدادَ في النكاحِ الفاسِدِ؛ لأنَّ النكاحَ الفاسِدَ ليسَ بنِعمةٍ في الدِّينِ؛ لأنه مَعصيةٌ، ومِن المُحالِ إيجابُ إظهارِ المُصيبةِ على فَواتِ المَعصيةِ، بل الواجِبُ إظهارُ السُّرورِ والفَرحِ على فَواتِها (٣).

стр. 11429

ثالثًا: المعتدَّةُ المختَلَفُ في وُجوبِ الإحدادِ عليها (المطلَّقةُ البائِنُ): اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المطلَّقةِ طلاقًا بائِنًا، هل يَجبُ عليها الإحدادُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجبُ عليها الإحدادُ، ولا يَجبُ الإحدادُ إلا على المَرأةِ المُتوفَّى عنها زَوجُها، ولا إحدادَ على مُطلَّقةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على ميِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (١). فأخبَرَ أنَّ الإحدادَ هو على المُتوفَّى، والمُطلِّقُ حَيٌّ، فلا إحدادَ على امرأتِه. ولأنَّ الحِدادَ في المَنصوصِ عليهِ إنما وجَبَ لحَقِّ الزَّوجِ تَأسُّفًا على ما فاتِها مِنْ حُسنِ العِشرةِ وإدامةِ الصُّحبةِ إلى وَقتِ المَوتِ، وهذا المَعنى لم يُوجَدْ في المطلَّقةِ؛ لأنَّ الزوجَ أوحَشَها بالفُرقةِ وقطَعَ الوصلةَ باختيارٍ ولم يَمُتْ عنها، فلا يَلزمُها التأسُّفُ. ولأنها مُعتدَّةٌ عن غيرِ وَفاةٍ، فلَم يَجبْ عليها الإحدادُ كالرَّجعيةِ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ، ولأنَّ الإحدادَ في عدَّةِ الوفاةِ لإظهارِ الأسَفِ على فِراقِ زَوجِها ومَوتِه، فأما الطلاقُ فإنه فارَقَها باختيارِ نَفسِه وقطَعَ نِكاحَها، فلا مَعنى لتَكليفِها الحُزنَ عليه، ولأنَّ المُتوفَّى عنها لو أتَتْ بوَلدٍ لَحِقَ الزوجَ،

стр. 11430

وليسَ له مَنْ يَنفيهِ، فاحتيطَ عليها بالإحدادِ لئلَّا يلحَقَ بالمَيتِ مَنْ ليسَ منه، بخِلافِ المُطلَّقةِ فإنَّ زوْجَها باقٍ، فهو يَحتاطُ عليها بنفسِه ويَنفي ولَدَها إذا كانَ مِنْ غَيرِه … وقالَ الحَنابلةُ: إنه مُباحٌ ولا يُسَنُّ، وقالَ الشافِعيةُ: يُسنُّ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الإحدادَ يَجبُ على المطلَّقةِ البائنِ مِنْ خُلعٍ أو ثَلاثٍ؛ لأنَّ الحِدادَ إنما وجَبَ على المُتوفَّى عنها زَوجُها لفَواتِ النكاحِ الذي هو نِعمةٌ في الدِّينِ خاصَّةً في حَقِها؛ لِما فيه مِنْ قَضاءِ شَهوتِها وعفَّتِها عن الحَرامِ وصِيانةِ نفسِها عن الهَلاكِ بدُرورِ النَّفقةِ، وقد انقَطعَ ذلكَ كلُّه بالمَوتِ، فلَزمَها الإحدادُ إظهارًا للمُصيبةِ والحُزنِ، وقد وُجدَ هذا المَعنى في المُطلقةِ الثَّلاثِ والمُبانةِ، فيَلزمُها الإحدادُ إظهارًا للتأسُّفِ على فَواتِ نِعمةِ النكاحِ الذي هو سَببٌ لصَونِها وكِفايةِ مُؤنتِها، والإبانةُ أقطَعُ لها مِنْ المَوتِ (٢).

стр. 11431

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فإنْ قيلَ: فهل يَجبُ على المُعتدَّةِ مِنْ طَلاقٍ أو وَطءِ شُبهةٍ أو زِنًى أو استِبراءٍ إحدادٌ؟ قُلنا: هذا هو الحُكمُ الخامِسُ الذي دلَّتْ عليه السُّنةُ أنه لا إحدادَ على واحِدةٍ مِنْ هَؤلاءِ؛ لأنَّ السُّنةَ أثبتَتْ ونفَتْ فخصَّتْ بالإحدادِ الواجِبِ الزَّوجاتِ وبالجائزِ غيرَهنَّ على الأمواتِ خاصَّةً، وما عَداهُما فهو داخِلٌ في حُكمِ التَّحريمِ على الأمواتِ، فمِن أينَ لكُم دخولُه في الإحدادِ على المطلَّقةِ البائنِ؟! وقد قالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه والإمامُ أحمَدُ في إحدَى الرِّوايتينِ عنه اختارَها الخِرقيُّ: إنَّ البائنَ يَجبُ عليها الإحدادُ، وهذا مَحضُ القِياسِ؛ لأنها مُعتدةٌ بائنٌ مِنْ نِكاحٍ، فلَزمَها الإحدادُ كالمُتوفَّى عنها؛ لأنهُما اشتَركَا في العدَّةِ واختَلفَا في سَببِها، ولأنَّ العدَّةَ تُحرِّمُ النكاحَ، فحَرَّمتْ دَواعيهِ. قالُوا: ولا ريبَ أنَّ الإحدادَ مَعقولُ المَعنى، وهو أنَّ إظهارَ الزِّينةِ والطِّيبِ والحُليِّ ممَّا يَدعُو المَرأةَ إلى الرجالِ ويَدعُو الرجالَ إليها، فلا يُؤمَنُ أنْ تَكذبَ في انقضاءِ عِدتِها استِعجالًا لذلكَ، فمُنعَتْ مِنْ دَواعي ذلكَ وسُدَّتْ إليه الذَّريعةُ، هذا مع أنَّ الكَذبَ في عدَّةِ الوفاةِ يَتعذرُ غالبًا بظُهورِ مَوتِ الزوجِ وكَونِ العدَّةِ أيامًا مَعدودةً، بخِلافِ عدَّةِ الطلاقِ؛ فإنها بالأقراءِ وهي لا تُعلَمُ إلا مِنْ جِهتِها، فكانَ الاحتِياطُ لها أَولى.

стр. 11432

قيلَ: قد أنكَرَ اللهُ على مَنْ حرَّمَ زَينتَه التي أخرَجَ لعِبادِه والطِّيباتِ مِنْ الرِّزقِ، وهذا يَدلُّ على أنه لا يَجوزُ أنْ يُحرَّمَ مِنْ الزِّينةِ إلا ما حرَّمَه اللهُ ورَسولُه، واللهُ سُبحانَه قد حرَّمَ على لسانِ رَسولِه ﷺ زِينةَ الإحدادِ على المُتوفَّى عنها مُدةَ العدَّةِ، وأباحَ رَسولُه الإحدادَ بتَركِها على غَيرِ الزَّوجِ، فلا يَجوزُ تَحريمُ غيرِ ما حرَّمَه، بل هو على أصلِ الإباحَةِ، وليسَ الإحدادُ مِنْ لَوازمِ العدَّةِ ولا تَوابعِها، ولهذا لا يَجبُ على المَوطوءةِ بشُبهةٍ ولا المَزنِيِّ بها ولا المُستبْرَأةِ ولا الرَّجعيةِ اتِّفاقًا، وهذا القِياسُ أَولى مِنْ قياسِها على المُتوفَّى عنها؛ لِما بيْنَ العدَّتينِ مِنْ القُروءِ قَدرًا أو سَببًا وحُكمًا، فإلحاقُ عدَّةِ الأقراءِ بالأقراءِ أَولى مِنْ إلحاقِ عدَّةِ الأقراءِ بعدَّةِ الوفاةِ، وليسَ المَقصودُ مِنْ الإحدادِ على الزَّوجِ المَيتِ مُجردُ ما ذكَرْتُم مِنْ طَلبِ الاستِعجالِ؛ فإنَّ العدَّةَ فيه لم تَكنْ لمُجردِ العِلمِ ببَراءةِ الرَّحمِ، ولهذا تَجبُ قبلَ الدُّخولِ، وإنما هو مِنْ تَعظيمِ هذا العَقدِ وإظهارِ خَطرِه وشَرفِه وأنه عندَ اللهِ بمَكانٍ، فجُعلَتِ العدَّةُ حَريمًا له، وجُعلَ الإحدادُ مِنْ تَمامِ هذا المَقصودِ وتَأكُّدِه ومَزيدِ الاعتناءِ به، حتى جُعلَتِ الزوجةُ أَولى بفعلِه على زوجِها مِنْ أبيها وابنِها وأخيها وسائرِ أقاربِها، وهذا مِنْ تَعظيمِ هذا العَقدِ وتَشريفِه وتأكُّدِ الفَرقِ بينَه وبينَ السِّفاحِ مِنْ جَميعِ أحكامِه، ولهذا شُرعَ في ابتِدائِه إعلانُه والإشهادُ عليه والضَّربُ بالدُّفِّ؛ لتَحقُّقِ المُضادَّةِ بينَه وبيَن السِّفاحِ، وشُرعَ في آخرِه وانتهائِه مِنْ العدَّةِ والإحدادِ ما لم يُشرعْ في غَيرِه (١).

стр. 11433

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: والحِكمةُ في وُجوبِ الإحدادِ في عدَّةِ الوَفاةِ دونَ الطَّلاقِ؛ لأنَّ الزِّينةَ والطِّيبَ يَدعوانِ إلى النكاحِ ويُوقِعانِ فيه، فنُهيَتْ عنه ليكونَ الامتناعُ مِنْ ذلكَ زاجِرًا عن النكاحِ؛ لكَونِ الزَّوجِ مَيتًا لا يَمنعُ مُعتدَّتَه مِنْ النكاحِ ولا يُراعيهِ ناكحُها ولا يَخافُ منه، بخِلافِ المُطلِّقِ الحيِّ؛ فإنه يُستغنَى بوُجودِه عن زاجرٍ آخَرَ، ولهذهِ العلَّةُ وجبَتِ العدَّةُ على كلِّ مُتوفَّى عنها وإنْ لم تكُنْ مَدخولًا بها، بخِلافِ الطلاقِ، فاستُظهِرَ للمَيتِ بوُجوبِ العدَّةِ وجُعلَتْ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا لأنَّ الأربَعةَ فيها يُنفخُ الرُّوحُ في الولدِ إنْ كانَ والعَشرُ احتياطًا، وفي هذهِ المدَّةِ يَتحركُ الولدُ في البَطنِ. قالُوا: ولم يُوكَلْ ذلكَ إلى أمانةِ النِّساءِ ويُجعلْ بالأقراءِ كالطلاقِ لِمَا ذكَرْناهُ مِنْ الاحتياطِ للمَيتِ (١). رابعًا: الإحدادُ على غَيرِ الزَّوجِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرهِم على أنه يُباحُ الإحدادُ على غيرِ الزَّوجِ مِنْ الأقاربِ كالأبِ والأمِّ والإخوةِ والأبناءِ ثَلاثةَ أيامٍ وأنه لا يَجبُ؛ لِما رواهُ الشَّيخانِ عن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أخبَرَتْه قالَتْ: دخَلْتُ على أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ فقالَتْ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» ثمَّ

стр. 11434

دخَلْتُ على زينبَ بنتِ جَحشٍ حينَ تُوفِّيَ أخُوها، فدَعَتْ بطِيبٍ فمَسَّتْ ثمَّ قالَتْ: ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ، غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ على المِنبَرِ: «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (١). فأباحَ النبيُّ ﷺ أنْ تُحِدَّ المَرأةُ على غيرِ زَوجِها مِنْ ذَوِي مَحارمِها ثلاثةَ أيامٍ لِما يَغلبُ مِنْ لَوعةِ الحُزنِ ويَهجمُ مِنْ أليمِ الوَجدِ، ولم يُوجبْ ذلكَ عليها، قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وهذا مَذهبُ الفُقهاءِ، وحرَّمَ عليها مِنْ الإحدادِ ما فوقَ ذلكَ. وممَّا يَدلُّ على أنَّ الإحدادَ في الثلاثةِ أيامٍ على غيرِ الزوجِ غيرُ واجِبٍ إجماعُ العُلماءِ على أنَّ مَنْ ماتَ أبوها أو ابنُها وكانَتْ ذاتَ زوجٍ وطالَبَها زوجُها بالجِماعِ في الثلاثةِ الأيامِ التي أبيحَ لها الإحدادُ فيها أنه يُقضَى له عليها بالجِماعِ فيها، ونَصَّ التَّنزيلُ أنَّ الإحدادَ على ذواتِ الأزواجِ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا واجبٌ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ ﵀: واستدلَّ به على جَوازِ الإحدادِ على غيرِ الزَّوجِ مِنْ قَريبٍ ونحوِه ثَلاثَ لَيالٍ فما دُونَها وتَحريمِه فيما زادَ عليها، وكأنَّ هذا القدرَ أبيحَ لأجْلِ حظِّ النفسِ ومُراعاتِها وغَلبةِ الطِّباعِ البَشريةِ، ولهذا تَناولَتْ أمُّ حَبيبةَ وزَينبُ بنتُ جَحشٍ ﵄ الطِّيبَ لتَخرجَا عن

стр. 11435

عُهدةِ الإحدادِ، وصرَّحَتْ كلٌّ منهُما بأنها لم تَتطيبْ لحاجةٍ؛ إشارةً إلى أنَّ آثارَ الحُزنِ باقيةٌ عندَها، لكنَّها لم يَسَعْها إلا امتثالُ الأمرِ (١). وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لا إحدادَ على الرَّجلِ إذا ماتَتْ زَوجتُه. الحِكمةُ مِنْ مَشروعيةِ الإحدادِ: الحِكمةُ في مَشروعيةِ الإحدادِ تَنفيرُ الأجانبِ عن التطلُّعِ للمُفارَقةِ، فوجَبَ في مُعتدةِ الوَفاةِ لعَدمِ وُجودِ مَنْ يُدافعُ عن النسبِ، وسُنَّ في البائنِ لوُجودِه، ولم يُشرعْ في الرَّجعيةِ لعَدمِ التطلُّعِ لها غالبًا مع كَونِها زَوجةً في كَثيرٍ مِنْ الأحكامِ (٢). وإنما شُرعَ الإحدادُ لأنه يَمنعُ تَشوُّفَ الرَّجلِ إليها؛ لأنها إذا تَزيَّنتْ يُؤدِّي إلى التشوُّفِ، وهو يُؤدِّي إلى العَقدِ عليها في العدَّةِ، وهو يُؤدِّي إلى الوَطءِ، وهو يُؤدِّي إلى اختِلاطِ الأنسابِ وهو حَرامٌ، وما أدَّى إلى الحَرامِ حَرامٌ (٣). الحِكمةُ في وُجوبِ إحدادِ المرأةِ على زَوجِها أكثَرَ ممَّا تُحِدُّ على أبيها وأمِّها وابنِها: قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: ومنَع المَرأةَ مِنْ الإحدادِ على أمِّها وأبيها فوقَ ثَلاثٍ وأوجَبَه على زَوجِها أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا وهو أجنبيٌّ، فيُقالَ: هذا مِنْ تَمامِ مَحاسنِ هذهِ الشَّريعةِ وحِكمتِها ورِعايتِها على أكمَلِ الوُجوهِ؛ فإنَّ

стр. 11436

الإحدادَ على المَيتِ مِنْ تَعظيمِ مُصيبةِ المَوتِ التي كانَ أهلُ الجَاهليةِ يُبالغونَ فيها أعظَمَ مُبالَغةٍ، وتَمكثُ المَرأةُ سَنةً في أضيَقِ بيتٍ وأوحَشِه، لا تَمسُّ طِيبًا ولا تَدهنُ ولا تَغتسلُ إلى غيرِ ذلكَ ممَّا هو تَسخُّطٌ على الربِّ وأقدارِه، فأبطَلَ اللهُ بحِكمتِه سُنةَ الجَاهليةِ، وأبدَلَنا به الصبْرَ والحَمدَ. ولمَّا كانَتْ مُصيبةُ المَوتِ لا بُدَّ أنْ تُحدِثَ للمُصابِ مِنْ الجَزعِ والألَمِ والحزنِ ما تَتقاضاهُ الطِّباعُ سمَحَ لها الحَكيمُ الخَبيرُ في اليَسيرِ مِنْ ذلكَ، وهو ثَلاثةُ أيامٍ، تَجدُ بها نوعَ راحةٍ، وتَقضِي بها وَطرًا مِنْ الحُزنِ، وما زادَ فمَفسدتُه راجِحةٌ، فمنَعَ منه، والمَقصودُ: أنه أباحَ لهُنَّ الإحدادَ على مَوتاهنَّ ثَلاثة أيامٍ، وأما الإحدادُ على الزوجِ فإنه تابعٌ للعدَّةِ بالشُّهورِ، وأما الحامِلُ فإذا انقَضَى حَملُها سقَطَ وُجوبُ الإحدادِ، وذكرَ أنه يَستمرُّ إلى حينِ الوَضعِ، فإنه مِنْ تَوابعِ العدَّةِ، ولهذا قُيِّدَ بمُدتِها، وهو حُكمٌ مِنْ أحكامِ العدَّةِ وواجِبٌ مِنْ واجباتِها، فكانَ معَها وجودًا وعدمًا. وقالَ: وهو مِنْ مُقتضياتِها ومُكملاتِها، فإنَّ المَرأةَ إنما تَحتاجُ إلى التزيُّنِ والتجمُّلِ والتعطُّرِ لتَتحبَّبَ إلى زَوجِها وتَردَّ لها نفسَه ويَحسنَ ما بينَهُما مِنْ العِشرةِ، فإذا ماتَ الزَّوجُ واعتدَّتْ منه وهيَ لم تَصلْ إلى زَوجٍ آخَرَ، فاقتَضَى تَمامُ حقِّ الأولِ وتَأكيدُ المَنعِ مِنْ الثاني قبلَ بُلوغِ الكِتابِ أجَلَه أنْ تُمنعَ ممَّا تَصنعُه النساءُ لأزواجِهنَّ، معَ ما في ذلكَ مِنْ سدِّ الذَّريعةِ إلى طَمعِها في الرَّجالِ وطَمعِهم فيها بالزِّينةِ والخِضابِ والتطيُّبِ (١).

стр. 11437

الزَّوجةُ التي يَجبُ عليها الإحدادُ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّوجةَ المُسلمةَ البالِغةَ العاقِلةَ يَجبُ عليها الإحدادُ إذا ماتَ عنها زَوجُها. إلا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا في الكِتابيةِ زَوجةِ المُسلمِ والصَّغيرةِ، هل يَجبُ عليهما الإحدادُ أم لا؟ أولاً: الإحدادُ على الكِتابيةِ زَوجةِ المسلِمِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الكِتابيةِ إذا كانَتْ مُتزوِّجةً مِنْ مُسلمٍ وماتَ عنها، هل يَجبُ عليها الإحدادُ أم لا يَجبُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ نافعٍ وأشهَبُ إلى أنه لا يَجبُ الإحدادُ عليها؛ لأنَّ الحِدادَ عِبادةٌ بَدنيةٌ، فلا تَجبُ على الكافرةِ كسائرِ العِباداتِ البَدنيةِ مِنْ الصَّومِ والصلاةِ وغيرِهما، بخِلافِ العدَّةِ؛ فإنها اسمٌ لمُضيِّ زَمانٍ، وذا لا يَختلفُ بالإسلامِ والكُفرِ والصِّغرِ والكِبَرِ. ولما رواهُ الشَّيخانِ عن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أخبَرَتْه قالَتْ: دخَلْتُ على أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ فقالَتْ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَحلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا» (١)،

стр. 11438

فجعَلَ الإحدادَ مِنْ أحكامِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، فلا تَدخلُ فيه الكافِرةُ، ولأنها غيرُ مُكلَّفةٍ بأحكامِ الفُروعِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجبُ على الزَّوجةِ الإحدادُ ولو كانَتْ كِتابيةً؛ لأنَّ حُقوقَ الذمِّيةِ في النكاحِ كحُقوقِ المُسلمةِ فيما عليها؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٢). وفي لفظٍ: «المُتوفَّى عنها زَوجُها لا تَلبَسُ المُعَصفَرةَ مِنْ الثيابِ ولا المُمَشَّقةَ ولا الحُليَّ ولا تَختضبُ ولا تَكحلُ» (٣)، وهذا عامٌّ في المُسلمةِ والكافِرةِ؛ ولأنها مُعتدةٌ مِنْ وَفاةٍ، فلَزمَها الإحدادُ كالمُسلمةِ. وأما الخبَرُ فدَليلُ خِطابِه يَدلُّ على أنه لا إحدادَ على الكافرةِ، وهُم لا يَقولونَ بدَليلِ الخِطابِ، ولأنَّ في الخبَرِ تَنبيهًا على أنَّ الإحدادَ يَجبُ على الذمِّيةِ؛ لأنَّ الإحدادَ إنما وجَبَ على المُعتدةِ تَغليظًا عليها، فإذا وجَبَ

стр. 11439

التغليظُ على المُؤمنةِ في العدَّةِ .. فلَأنْ يَجبَ على الكافرةِ أَولى، ومتى اجتَمعَ دَليلٌ وتَنبيهٌ .. قُدمَ التَّنبيهُ؛ لأنه أقوَى (١). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قولُه ﷺ : «لا يَحلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على مَيتٍ»، هذا لا حُجةَ فيه؛ لأنَّ العلَّةَ حُرمةُ المُسلمِ الذي تَعتدُّ مِنْ مائِه، وجاءَ الحَديثُ بذِكرِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ لأنَّ الخِطابَ إلى مَنْ هذهِ حالُه كانَ يَتوجهُ، فدخَلَ المُؤمناتُ في ذلكَ بالذِّكرِ، ودخَلَ غيرُ المُؤمناتِ بالمَعنى الذي ذكَرْنا، كما يقالَ: «هذا طَريقُ المُسلمينَ» ويَدخلُ في مَعناهُ أهلُ الذِّمةِ، وقالَ ﷺ : «لا يَبِعْ أحَدُكم على بَيعِ أخيه» يَعني المُسلِم، فدخَلَ في ذلكَ الذِّميُّ بالمَعنى، وقد أوجَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ الشُّفعةَ للمُسلمِ وهي واجِبةٌ لأهلِ الذمَّةِ كما تَجبُ للمُسلمِ، إلى أشياءَ يَطولُ ذِكرُها مِنْ هذا البابِ، ولا خِلافَ أنَّ الزَّوجةَ الذِّميةَ في النَّفقةِ والعدَّةِ وجَميعِ أحكامِ الزَّوجاتِ كالمُسلمةِ، وكذلكَ الإحدادُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الإحدادُ تَستوِي فيه جَميعُ الزَّوجاتِ، المُسلمةُ والكافرةُ، والحرَّةُ والأمَةُ، والصَّغيرةُ والكبيرةُ، وهذا قَولُ الجُمهورِ أحمَدَ والشافِعيِّ ومالكٍ، إلا أنَّ أشهَبَ وابنَ نافِعٍ قالا: لا إحدادَ

стр. 11440

على الذِّميةِ، ورَواهُ أشهَبُ عن مالِكٍ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ، ولا إحدادَ عندَه على الصغيرةِ. واحتَجَّ أربابُ هذا القولِ بأنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ الإحدادَ مِنْ أحكامِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، فلا تَدخلُ فيه الكافرةُ، ولأنها غيرُ مُكلَّفةٍ بأحكامِ الفُروعِ. قالُوا: وعُدولُه عن اللَّفظِ العامِّ المُطلَقِ إلى الخاصِّ المُقيَّدِ بالإيمانِ يَقتضي أنَّ هذا مِنْ أحكامِ الإيمانِ ولَوازمِه وواجِباتِه، فكأنَّه قالَ: مَنْ التزَمَ الإيمانَ فهذا مِنْ شَرائعِه وواجِباتِه. والتَّحقيقُ أنَّ نفْيَ حِلِّ الفعلِ عن المُؤمنينَ لا يَقتضي نفْيَ حُكمِه عن الكفَّارِ ولا إثباتَ لهُم أيضًا، وإنما يَقتضي أنَّ مَنْ التَزمَ الإيمانَ وشَرائعَه فهذا لا يَحلُّ له، ويَجبُ على كلِّ حالٍ أنْ يلزمَ الإيمانَ وشَرائعَه، ولكنْ لا يُلزمُه الشارعُ شَرائعَ الإيمانِ إلا بعدَ دُخولِه فيه، وهذا كما لو قيلَ: «لا يَحلُّ لمُؤمنٍ أنْ يَتركَ الصَّلاةَ والحجَّ والزكاةَ»، فهذا لا يَدلُّ على أنَّ ذلكَ حِلٌّ للكافرِ، وهذا كما قالَ في لباسِ الحَريرِ لا يَنبغي هذا للمُتقِينَ، فلا يَدلُّ أنه يَنبغي لغَيرِهم، وكذا قَولُه: لا يَنبغي للمُؤمنِ أنْ يَكونَ لعَّانًا. وسِرُّ المَسألةِ أنَّ شَرائعَ الحَلالِ والحَرامِ والإيجابِ إنما شُرعَتْ لمَن التَزمَ أصلَ الإيمانِ ومَن لم يَلتزمْه وخُليَ بينَه وبينَ دِينِه، فإنه يُخلَّى بينَه وبينَ شَرائعِ الدِّينِ الذي التَزمَه كما خُليَ بينَه وبينَ أصلِه ما لم يُحاكمْ إلينا،

стр. 11441

وهذه القاعِدةُ مُتفَقٌ عليها بينَ العُلماءِ، ولكنْ عُذرُ الذين أوجَبُوا الإحدادَ على الذِّميةِ أنه يَتعلقُ به حقُّ الزَّوجِ المُسلمِ، وكانَ منه إلزامُها به كأصلِ العدَّةِ، ولهذا لا يُلزمونَها به في عدَّتِها مِنْ الذِّميِّ ولا يُتعرَّضُ لها فيها، فصارَ هذا كعُقودِهم معَ المُسلمينَ فإنُهم يُلزَمونَ فيها بأحكامِ الإسلامِ وإنْ لم يُتعرَّضْ لعُقودِهم مع بعضِهم بعضًا، ومَن يُنازِعُهم في ذلكَ يَقولونَ: الإحدادُ حَقٌّ للهِ تعالَى، ولهذا لو اتَّفقَتْ هي والأولياءُ والمُتوفَّى على سُقوطِه بأنْ أوصاها بتَركِه لم يَسقطْ ولَزمَها الإتيانُ به، فهو جارٍ مَجرَى العِباداتِ، وليسَتِ الذِّميةُ مِنْ أهلِها، فهذا سِرُّ المَسألةِ (١). ثانيًا: الإحدادُ على الصَّغيرةِ: إذا ماتَ زَوجُ الصَّغيرةِ فإنه يَجبُ عليها الإحدادُ عندَ الجُمهورِ خلافًا للحَنفيةِ، وهي على الخِلافِ السابقِ في مَسألةِ الكِتابيةِ، فالجُمهورُ يُوجِبونَ عليها الإحدادَ؛ لدُخولِها في عُمومِ الأحاديثِ. والحَنفيةُ لا يُوجِبونَ عليها الإحدادَ؛ لأنَّ الحِدادَ عِبادةٌ بَدنيةٌ، فلا تَجبُ على الصَّغيرةِ والكافِرةِ كسائرِ العِباداتِ البَدنيةِ مِنْ الصَّومِ والصَّلاةِ وغيرِهِما، بخِلافِ العدَّةِ؛ فإنها اسمٌ لمُضيِّ زَمانٍ، وذا لا يَختلفُ بالإسلامِ والكُفرِ والصِّغرِ والكِبَرِ؛ لأنها غيرُ مُكلَّفةٍ، ولأنها عِبادةٌ بَدنيةٌ كالصَّومِ والصَّلاةِ وهي لا تَجبُ عليها (٢).

стр. 11442

ما تَجتنِبُه المحِدَّةُ: تَجتنبُ الحادَّةُ عندَ الفُقهاءِ في الجُملةِ الزِّينةَ الداعِيةَ للرجالِ إلى النِّساءِ، وذلكَ كالحُليِّ والكُحلِ وكلِّ ما يَدعُو إلى جِماعِها ويُرغِّبُ في النَّظرِ إليها ويُحسِّنُها، وما لم يَكنْ فيه زِينةٌ لا يَجبُ عليها أنْ تَجتنبَه، وبالجُملةِ فأقاوِيلُ الفُقهاءِ فيما تَجتنبُ الحادَّةُ مُتقارِبةٌ، وذلكَ ما يُحرِّكُ الرِّجالَ بالجُملةِ إليهِنَّ. وذلكَ أربعةُ أشياءَ: أحَدُها: الطِّيبُ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنه يَحرمُ على المَرأةِ المُحِدَّةِ أنْ تَمسَّ طِيبًا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (١). وعن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أبي سَلمةَ أنها أخبَرَتْه هذه الأحادِيثَ الثلاثةَ، قالَتْ زَينبُ: دَخَلتُ على أمِّ حَبيبةَ زَوجِ النبيِّ ﷺ حينَ تُوفِّيَ أبُوها أبو سُفيانَ بنُ حَربٍ، فدَعَتْ أمُّ حَبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفرةٌ خَلوقٌ أو غَيرُه، فدهَنَتْ منه جارِيةً ثمَّ مسَّتْ بعَارِضَيها ثمَّ قالَتْ: واللهِ ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَحلُّ

стр. 11443

لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثَلاثِ لَيالٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا»، قالت زَينَبُ فَ دخَلْتُ على زينبَ بنتِ جَحشٍ حينَ تُوفِّيَ أخُوها، فدَعَتْ بطِيبٍ فمَسَّتْ ثمَّ قالَتْ: ما لي بالطِّيبِ مِنْ حاجةٍ، غيرَ أني سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ على المِنبَرِ: «لا يَحِلُّ لامرَأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيتٍ فوقَ ثَلاثِ ليالٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا». قالَتْ زَينبُ: «وسَمعتُ أمَّ سَلمةَ تَقولُ: جاءَتْ امرَأةٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي تُوفِّيَ عنها زَوجُها وقد اشتَكَتْ عَينَها أفَتكحُلُها؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا»، -مَرَّتينِ أو ثَلاثًا كلَّ ذلكَ يَقولُ: لا-، ثمَّ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنما هيَ أربَعةُ أشهُرٍ وعَشرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهِليةِ تَرمِي بالبَعْرةِ على رَأسِ الحَولِ»، قالَ حُميدٌ: فقلتُ لزَينبَ: وما تَرمِي بالبَعْرةِ على رَأسِ الحَولِ؟ فقالَتْ زَينبُ: كانَتِ المَرأةُ إذا تُوفِّيَ عنها زَوجُها دخَلَتْ حفْشًا ولَبسَتْ شَرَّ ثِيابِها ولم تَمسَّ طِيبًا حتى تَمرَّ بها سَنةٌ، ثمَّ تُؤتَى بدابَّةٍ حِمارٍ أو شاةٍ أو طائِرٍ فتَفتَضُّ بهِ، فقَلَّما تَفتَضُّ بشَيءٍ إلا ماتَ، ثمَّ تَخرجُ فتُعطَى بَعرةً فتَرمِي ثمَّ تُراجِعُ بَعدُ ما شاءَتْ مِنْ طِيبٍ أو غَيرِه»، سُئلَ مالِكٌ: ما تَفتضُّ بهِ؟ قالَ: تَمسحُ به جِلدَها (١). ولأنَّ الطِّيبَ يُحرِّكُ الشَّهوةَ ويَدعُو إلى المُباشَرةِ.

стр. 11444

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ إلا ما روينَاهُ عن الحَسنِ على أنَّ المَرأةَ مَمنوعةٌ في الإحدادِ مِنْ الطِّيبِ والزِّينةِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في تَحريمِه -أي الطِّيبِ- عندَ مَنْ أوجَبَ الإحدادَ (٢). لكنْ لها أنْ تَجعلَ في فَرجِها طِيبًا إذا اغتَسلَتْ مِنْ الحَيضِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٣). وأما الأدهانُ فإنْ كانَتْ مُطيبةً كدُهنِ الوَردِ والبَنفسجِ والياسَمينِ وما أشبَهَها حَرُمَ عليها استِعمالُه في جَميعِ بَدنِها؛ لِما فيه مِنْ الطِّيبِ. فأما الادِّهانُ بغيرِ المُطيِّبِ كالزَّيتِ والشَّيرجِ والسَّمنِ فلا بأسَ به؛ لأنه ليسَ بطِيبٍ. وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ استِعمالُه في غيرِ الرأسِ؛ لأنه لا يَحصلُ به التزيُّنُ، ولا يَجوزُ استِعمالُه في الرَّأسِ؛ لأنه يُرجِّلُ الشَّعرَ ويُزينُه. ويَجوزُ لها تَغسيلُ شَعرِها وبَدنِها بالسِّدرِ والخُطميِّ؛ لحَديثِ أمُّ حَكيمٍ بنتِ أُسيدٍ عن أمِّها «أنَّ زوْجَها تُوفِّيَ وكانَتْ تَشتكِي عَينَيها فتَكتحلُ بالجِلاءِ

стр. 11445

-قالَ أحمَدُ: الصَّوابُ: بكُحلِ الجِلاءِ- فأرسَلَتْ مَولاةً لها إلى أمِّ سَلمةَ فسَألَتها عن كُحلِ الجِلاءِ فقالَتْ: لا تَكتحِلِي بهِ إلا مِنْ أمرٍ لا بُدَّ منه يَشتدُّ عَليكِ فتَكتحِلِينَ باللَّيلِ وتَمسحينَه بالنهارِ، ثمَّ قالَتْ عندَ ذلكَ أمُّ سَلمةَ: دخَلَ عَليَّ رَسولُ اللهِ ﷺ حينَ تُوفِّيَ أبو سَلمةَ وقد جَعلْتُ على عَينِي صَبْرًا فقالَ: ما هذا يا أمَّ سَلمةَ؟ فقلتُ: إنما هو صَبْرٌ يا رَسولَ اللهِ ليسَ فيه طِيبٌ، قالَ: إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تَجعلِيهِ إلا بالليلِ وتَنزعِينَه بالنَّهارِ، ولا تَمتشطِي بالطِّيبِ ولا بالحِنَّاءِ فإنه خِضابٌ، قالَتْ: قلتُ: بأيِّ شَيءٍ أمتَشطُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: بالسِّدرِ تُغلِّفينَ به رأسَكِ» (١). وقالَ الإمامُ مالكٌ أنه بلَغَه أنَّ أمَّ سَلمةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ كانَتْ تَقولُ: «تَجمَعُ الحادُّ رَأسَها بالسِّدرِ والزَّيتِ». قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلَمُ في ذلكَ خِلافًا؛ لأنَّ السِّدرَ والزَّيتَ ليسَ بطِيبٍ. وقد جاءَ عن الشافِعيِّ فيهِ شَيءٌ على جِهةِ الاستِحسانِ؛ لِما فيهِ مِنْ تَليينِ الشَّعرِ وتَرجيلِه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وأجمَعُوا على مَنعِ الأدهانِ المُطيبةِ، واختَلفُوا في غيرِ المُطيِّبةِ كالزَّيتِ والشَّيرجِ البَحتَينِ والسَّمنِ فمَنَعناهُ نحنُ

стр. 11446

والشافِعيُّ إلا لضَرورةٍ؛ لحُصولِ الزِّينةِ به، وأجازَهُ الإمامانِ -مالِكٌ وأحمَدُ- والظاهِريةُ (١). ولا يَجوزُ لها لِبسُ الثَّوبِ المُطيَّبِ والمَصبوغِ بالعُصفرِ والزَّعفرانِ؛ لأنَّ له رائحةً طَيبةً، فكانَ كالطِّيبِ. وضابطُ الطِّيبِ المُحرَّمِ عليها عندَ الشافِعيةِ: كلُّ ما حَرُمَ على المُحرِمِ مِنْ الطِّيبِ والدُّهنِ فيَحرمُ عليها هاهُنا، وما حَلَّ للمُحرمِ حَلَّ هنا. وهذا كلُّه في حالةِ الاختيارِ، أما في حالَةِ الضَّرورةِ أو الحاجةِ فيَجوزُ لها استِعمالُ الطِّيبِ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ (٢). وزادَ المالِكيةُ أنه يَجبُ عليها أنْ تَتركَ التطيُّبَ، فلا تَمسُّه ولا تَعملُه ولا تتَّجِرُ فيه وإنْ لم يَكنْ لها صَنعةٌ غيرُه إذا كانَتْ تُباشِرُ مَسَّه بنَفسِها، وإلا فلا منْعَ؛ لأنَّ في ذلكَ داعِيةً إلى النكاحِ وتَهييجَ الشَّهوةِ، فمُنعَتْ مِنْ ذلكَ (٣).

стр. 11447

ثانيًا: اجتِنابُ الزِّينةِ: يَجبُ على المُحدَّةِ اجتِنابُ الزِّينةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: اجتِنابُ الزِّينةِ واجِبٌ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، منهُم ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ وعَطاءٌ وجَماعةُ أهلِ العِلمِ يَكرهونَ ذلكَ ويَنهَونَ عنه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ إلا ما روينَاهُ عن الحَسنِ على أنَّ المَرأةَ مَمنوعةٌ في الإحدادِ مِنْ الطِّيبِ والزِّينةِ (٢). وهو ثَلاثةُ أقسامٍ: القِسمُ الأولُ: الزِّينةُ في نَفسِها: فيَحرمُ عليها أنْ تَختضبَ، وأنْ تُحمِّرَ وَجهَها بالكلكونِ، وأنْ تُبيِّضَه بأسفيداجِ العَرايسِ، وأنْ تَجعلَ عليه صَبْرًا يُصفِّرُه، وأنْ تَنقشَ وجْهَها ويَدَيها، وأنْ تُخففَ وجْهَها، وما أشبَهَه ممَّا يُحسِّنُها. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: ولا أعلَمُ خِلافًا أنَّ الخِضابَ داخلٌ في جُملةِ الزِّينةِ المَنهيِّ عنها (٣).

стр. 11448

وكذلكَ كلُّ لَونٍ طُليَ به الجَسدُ فحسَّنَه مُنعَتْ منه المُعتدةُ في إحدادِها؛ لأنه يَدعُو شَهوةَ الرِّجالِ إليها؛ لأنه لا يُقصدُ به إلا التَّصنعُ لهُم بالزِّينةِ، فإنِ استَعملتْه فيما خَفِيَ مِنْ جَسدِها ووارَتْه ثَيابَها لم يَحرمْ عليها؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لأمِّ سَلمةَ في الصَّبْرِ لَيلًا ونَهاها عنه نَهارًا؛ لأنه يَخفَى بالليلِ عن الأبصارِ ويُرَى في النهارِ، فكذلكَ ما أخفاهُ ثِيابُها ولم تَرَهُ الأبصارُ، غيرَ أنها إنْ فعَلَتْه لغَيرِ حاجَةٍ كُرهَ، فإنْ كانَ لحاجةٍ لم يُكرَهْ (١). الكُحلُ بالإثمدِ للمُحِدَّةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَحرمُ عليها الاكتِحالُ بالإثمِدِ مِنْ غَيرِ ضَرورةٍ، قالَتْ زَينبُ: سَمعتُ أمَّ سَلمةَ تَقولُ: جاءَتْ امرَأةٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي تُوفِّيَ عنها زَوجُها وقد اشتَكَتْ عَينَها أفَتكحُلُها؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لا، مَرَّتينِ أو ثَلاثًا كلَّ ذلكَ يَقولُ: لا … » (٢). وقالَ النبيُّ ﷺ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٣).

стр. 11449

وفي لفظٍ: «المُتوفَّى عنها زَوجُها لا تَلبَسُ المُعَصفَرةَ مِنْ الثيابِ ولا المُمَشَّقةَ ولا الحُليَّ ولا تَختضبُ ولا تَكحلُ» (١). ولأنَّ الكُحلَ مِنْ أبلَغِ الزِّينةِ، والزَّينةُ تَدعو إليها وتُحرِّكُ الشَّهوةَ، فهي كالطِّيبِ بل أبلَغُ منه. وإنِ اضطرَّتِ الحادَّةُ إلى الكُحلِ بالإثمِدِ فلها أنْ تَكتحلَ لَيلًا لا نَهارًا عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لحَديثِ أمُّ حَكيمٍ بنتِ أُسيدٍ عن أمِّها «أنَّ زوْجَها تُوفِّيَ وكانَتْ تَشتكِي عَينَيها فتَكتحلُ بالجِلاءِ -قالَ أحمَدُ: الصَّوابُ: بكُحلِ الجِلاءِ- فأرسَلَتْ مَولاةً لها إلى أمِّ سَلمةَ فسَألَتها عن كُحلِ الجِلاءِ فقالَتْ: لا تَكتحِلِي بهِ إلا مِنْ أمرٍ لا بُدَّ منه يَشتدُّ عَليكِ فتَكتحِلِينَ باللَّيلِ وتَمسحينَه بالنهارِ، ثمَّ قالَتْ عندَ ذلكَ أمُّ سَلمةَ: دخَلَ عَليَّ رَسولُ اللهِ ﷺ حينَ تُوفِّيَ أبو سَلمةَ وقد جَعلْتُ على عَينِي صبْرًا فقالَ: ما هذا يا أمَّ سَلمةَ؟ فقلتُ: إنما هو صبْرٌ يا رَسولَ اللهِ ليسَ فيه طِيبٌ، قالَ: إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تَجعلِيهِ إلا بالليلِ وتَنزعِينَه بالنَّهارِ، ولا تَمتشطِي بالطِّيبِ ولا بالحِنَّاءِ فإنه خِضابٌ، قالَتْ: قلتُ: بأيِّ شَيءٍ أمتَشطُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: بالسِّدرِ تُغلِّفينَ به رأسَكِ» (٢).

стр. 11450

وقالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: بلَغَني عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ أنهُما كانَا يَقولانِ في المَرأةِ يُتوفَّى عنها زَوجُها: إنها إذا خَشيَتْ على بَصرِها مِنْ رَمدٍ أو شَكوٍ أصابَها إنها تَكتحلُ وتَتَداوى بدَواءٍ أو كُحلٍ وإنْ كانَ فيه طِيبٌ. قالَ مالكٌ: وإذا كانَتِ الضَّرورةُ فإنَّ دِينَ اللهِ يُسرٌ (١). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: تَجتنبُ الطِّيبَ ولِبسَ المُطيَّبِ والمُعصفَرِ والمُزعفَرِ، وتَجتنبُ الدُّهنَ والكُحلَ، ولا تَختضبُ ولا تَمتشطُ ولا تَلبسُ حُليًّا ولا تَتشوَّفُ … وهذا في حالِ الاختيارِ، فأما في حالِ الضَّرورةِ فلا بأسَ به، بأنِ اشتَكَتْ عَينَها فلا بأسَ بأنْ تَكتحلَ (٢). و قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اضطرَّتِ الحادَّةُ إلى الكُحلِ بالإثمِدِ للتَّداوِي فلها أنْ تَكتحلَ لَيلًا وتَمسحُه نَهارًا، ورخَّصَ فيه عندَ الضرورةِ عطاءٌ والنخَعيُّ ومالكٌ وأصحابُ الرأيِ؛ لِما رَوتْ أمُّ حَكيمٍ بنتُ أسَدٍ عن أمِّها «أنَّ زوْجَها تُوفِّيَ وكانَتْ تَشتكي عَينَيها فتَكتحلُ بالجِلاءِ، فأرسَلَتْ مَولاةً لها إلى أمِّ سَلمةَ تَسألُها عن كُحلِ الجِلاءِ، فقالَتْ: لا تَكتحلِي إلا لِما لا بُدَّ منه يَشتدُّ عَليكِ فتَكتحلِينَ بالليلِ وتَغسلينَه بالنَّهارِ» رَواهُ أبو داودَ والنَّسائيُّ.
следующие страницы →