والشافِعيُّ إلا لضَرورةٍ؛ لحُصولِ الزِّينةِ به، وأجازَهُ الإمامانِ -مالِكٌ وأحمَدُ- والظاهِريةُ (١).
ولا يَجوزُ لها لِبسُ الثَّوبِ المُطيَّبِ والمَصبوغِ بالعُصفرِ والزَّعفرانِ؛ لأنَّ له رائحةً طَيبةً، فكانَ كالطِّيبِ.
وضابطُ الطِّيبِ المُحرَّمِ عليها عندَ الشافِعيةِ: كلُّ ما حَرُمَ على المُحرِمِ مِنْ الطِّيبِ والدُّهنِ فيَحرمُ عليها هاهُنا، وما حَلَّ للمُحرمِ حَلَّ هنا.
وهذا كلُّه في حالةِ الاختيارِ، أما في حالَةِ الضَّرورةِ أو الحاجةِ فيَجوزُ لها استِعمالُ الطِّيبِ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ (٢).
وزادَ المالِكيةُ أنه يَجبُ عليها أنْ تَتركَ التطيُّبَ، فلا تَمسُّه ولا تَعملُه ولا تتَّجِرُ فيه وإنْ لم يَكنْ لها صَنعةٌ غيرُه إذا كانَتْ تُباشِرُ مَسَّه بنَفسِها، وإلا فلا منْعَ؛ لأنَّ في ذلكَ داعِيةً إلى النكاحِ وتَهييجَ الشَّهوةِ، فمُنعَتْ مِنْ ذلكَ (٣).
стр. 11447
ثانيًا: اجتِنابُ الزِّينةِ:
يَجبُ على المُحدَّةِ اجتِنابُ الزِّينةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: اجتِنابُ الزِّينةِ واجِبٌ في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، منهُم ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ وعَطاءٌ وجَماعةُ أهلِ العِلمِ يَكرهونَ ذلكَ ويَنهَونَ عنه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ إلا ما روينَاهُ عن الحَسنِ على أنَّ المَرأةَ مَمنوعةٌ في الإحدادِ مِنْ الطِّيبِ والزِّينةِ (٢).
وهو ثَلاثةُ أقسامٍ:
القِسمُ الأولُ: الزِّينةُ في نَفسِها:
فيَحرمُ عليها أنْ تَختضبَ، وأنْ تُحمِّرَ وَجهَها بالكلكونِ، وأنْ تُبيِّضَه بأسفيداجِ العَرايسِ، وأنْ تَجعلَ عليه صَبْرًا يُصفِّرُه، وأنْ تَنقشَ وجْهَها ويَدَيها، وأنْ تُخففَ وجْهَها، وما أشبَهَه ممَّا يُحسِّنُها.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: ولا أعلَمُ خِلافًا أنَّ الخِضابَ داخلٌ في جُملةِ الزِّينةِ المَنهيِّ عنها (٣).
стр. 11448
وكذلكَ كلُّ لَونٍ طُليَ به الجَسدُ فحسَّنَه مُنعَتْ منه المُعتدةُ في إحدادِها؛ لأنه يَدعُو شَهوةَ الرِّجالِ إليها؛ لأنه لا يُقصدُ به إلا التَّصنعُ لهُم بالزِّينةِ، فإنِ استَعملتْه فيما خَفِيَ مِنْ جَسدِها ووارَتْه ثَيابَها لم يَحرمْ عليها؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لأمِّ سَلمةَ في الصَّبْرِ لَيلًا ونَهاها عنه نَهارًا؛ لأنه يَخفَى بالليلِ عن الأبصارِ ويُرَى في النهارِ، فكذلكَ ما أخفاهُ ثِيابُها ولم تَرَهُ الأبصارُ، غيرَ أنها إنْ فعَلَتْه لغَيرِ حاجَةٍ كُرهَ، فإنْ كانَ لحاجةٍ لم يُكرَهْ (١).
الكُحلُ بالإثمدِ للمُحِدَّةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَحرمُ عليها الاكتِحالُ بالإثمِدِ مِنْ غَيرِ ضَرورةٍ، قالَتْ زَينبُ: سَمعتُ أمَّ سَلمةَ تَقولُ: جاءَتْ امرَأةٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي تُوفِّيَ عنها زَوجُها وقد اشتَكَتْ عَينَها أفَتكحُلُها؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لا، مَرَّتينِ أو ثَلاثًا كلَّ ذلكَ يَقولُ: لا … » (٢).
وقالَ النبيُّ ﷺ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٣).
стр. 11449
وفي لفظٍ: «المُتوفَّى عنها زَوجُها لا تَلبَسُ المُعَصفَرةَ مِنْ الثيابِ ولا المُمَشَّقةَ ولا الحُليَّ ولا تَختضبُ ولا تَكحلُ» (١).
ولأنَّ الكُحلَ مِنْ أبلَغِ الزِّينةِ، والزَّينةُ تَدعو إليها وتُحرِّكُ الشَّهوةَ، فهي كالطِّيبِ بل أبلَغُ منه.
وإنِ اضطرَّتِ الحادَّةُ إلى الكُحلِ بالإثمِدِ فلها أنْ تَكتحلَ لَيلًا لا نَهارًا عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لحَديثِ أمُّ حَكيمٍ بنتِ أُسيدٍ عن أمِّها «أنَّ زوْجَها تُوفِّيَ وكانَتْ تَشتكِي عَينَيها فتَكتحلُ بالجِلاءِ -قالَ أحمَدُ: الصَّوابُ: بكُحلِ الجِلاءِ- فأرسَلَتْ مَولاةً لها إلى أمِّ سَلمةَ فسَألَتها عن كُحلِ الجِلاءِ فقالَتْ: لا تَكتحِلِي بهِ إلا مِنْ أمرٍ لا بُدَّ منه يَشتدُّ عَليكِ فتَكتحِلِينَ باللَّيلِ وتَمسحينَه بالنهارِ، ثمَّ قالَتْ عندَ ذلكَ أمُّ سَلمةَ: دخَلَ عَليَّ رَسولُ اللهِ ﷺ حينَ تُوفِّيَ أبو سَلمةَ وقد جَعلْتُ على عَينِي صبْرًا فقالَ: ما هذا يا أمَّ سَلمةَ؟ فقلتُ: إنما هو صبْرٌ يا رَسولَ اللهِ ليسَ فيه طِيبٌ، قالَ: إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تَجعلِيهِ إلا بالليلِ وتَنزعِينَه بالنَّهارِ، ولا تَمتشطِي بالطِّيبِ ولا بالحِنَّاءِ فإنه خِضابٌ، قالَتْ: قلتُ: بأيِّ شَيءٍ أمتَشطُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: بالسِّدرِ تُغلِّفينَ به رأسَكِ» (٢).
стр. 11450
وقالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: بلَغَني عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ أنهُما كانَا يَقولانِ في المَرأةِ يُتوفَّى عنها زَوجُها: إنها إذا خَشيَتْ على بَصرِها مِنْ رَمدٍ أو شَكوٍ أصابَها إنها تَكتحلُ وتَتَداوى بدَواءٍ أو كُحلٍ وإنْ كانَ فيه طِيبٌ.
قالَ مالكٌ: وإذا كانَتِ الضَّرورةُ فإنَّ دِينَ اللهِ يُسرٌ (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: تَجتنبُ الطِّيبَ ولِبسَ المُطيَّبِ والمُعصفَرِ والمُزعفَرِ، وتَجتنبُ الدُّهنَ والكُحلَ، ولا تَختضبُ ولا تَمتشطُ ولا تَلبسُ حُليًّا ولا تَتشوَّفُ … وهذا في حالِ الاختيارِ، فأما في حالِ الضَّرورةِ فلا بأسَ به، بأنِ اشتَكَتْ عَينَها فلا بأسَ بأنْ تَكتحلَ (٢).
و قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اضطرَّتِ الحادَّةُ إلى الكُحلِ بالإثمِدِ للتَّداوِي فلها أنْ تَكتحلَ لَيلًا وتَمسحُه نَهارًا، ورخَّصَ فيه عندَ الضرورةِ عطاءٌ والنخَعيُّ ومالكٌ وأصحابُ الرأيِ؛ لِما رَوتْ أمُّ حَكيمٍ بنتُ أسَدٍ عن أمِّها «أنَّ زوْجَها تُوفِّيَ وكانَتْ تَشتكي عَينَيها فتَكتحلُ بالجِلاءِ، فأرسَلَتْ مَولاةً لها إلى أمِّ سَلمةَ تَسألُها عن كُحلِ الجِلاءِ، فقالَتْ: لا تَكتحلِي إلا لِما لا بُدَّ منه يَشتدُّ عَليكِ فتَكتحلِينَ بالليلِ وتَغسلينَه بالنَّهارِ» رَواهُ أبو داودَ والنَّسائيُّ.
стр. 11451
وإنما مُنعَ مِنْ الكُحلِ بالإثمِدِ لأنه الذي تَحصلُ به الزِّينةُ.
فأما الكُحلُ بالتُّوتيَا والعَنزَروتِ ونَحوِهما فلا بأسَ به؛ لأنه لا زِينةَ فيه، بل يُقبِّحُ العَينَ ويَزيدُها مَرَهًا، ولا تُمنعُ مِنْ جَعلِ الصَّبْرِ على غيرِ وَجهِها مِنْ بَدنِها؛ لأنه إنما مُنعَ منه في الوَجهِ لأنه يُصفِّرُه فيُشبِهُ الخِضابَ، ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ : «إنه يَشُبُّ الوَجهَ» (١).
وجُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ قالُوا: إنَّ ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه نَهى المُحدَّةَ عن الاكتِحالِ مُطلَقًا لأنه اشتَكَتْ إليه امرأةٌ عَينَها فلَم يأذَنْ لها مِنْ الكُحلِ لا لَيلًا ولا نَهارًا لا مِنْ ضَرورةٍ ولا مِنْ غيرِها وقالَ: «لا» مرَّتينِ أو ثَلاثةً، ولم يَقلْ: «إلا أنْ تَضطرَّ».
قالُوا: المَقصودُ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهاها عن الكُحلِ لأنها لم تَبلغْ مَبلغًا لا بُدَّ فيه مِنْ الكُحلِ، ولو كانَتْ مُحتاجةً إلى ذلكَ مُضطرةً تَخافُ ذَهابَ بَصرِها لَأباحَ لها ذلكَ كما صنَعَ بالتي قالَ لها: «اجعَليهِ باللَّيلِ وامسَحيهِ بالنَّهارِ»، والنَّظرُ يَشهدُ لهذا التأويلِ؛ لأنَّ الضَّروراتِ تَنقلُ المَحظورَ إلى حالِ المُباحِ في الأصولِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: والنَّظرُ يَشهدُ لذلكَ؛ لأنَّ المُضطَّرَ إلى شَيءٍ لا يُحكمُ له بحُكمِ المُترفِّهِ المُتزيِّنِ، وليسَ الدَّواءُ والتَّداوي مِنْ الزِّينةِ في شَيءٍ، وإنما نُهيَتِ الحادُّ عن الزِّينةِ لا عن التَّداوي، وأمُّ سَلمةَ أعلَمُ بما
стр. 11452
رَوتْ، مع صحَّتِه في النَّظرِ، وعليهِ أهلُ الفقهِ، وبه قالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأكثَرُ الفُقهاءِ، وقد ذكَرَ مالكٌ في مُوطَّئه إنه بلَغَه عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ أنهُما كانَا يَقولانِ في المَرأةِ يُتوفَّى عنها زَوجُها أنها إذا خَشيَتْ على بَصرِها مِنْ رَمدٍ بعَينِها أو شَكوى أصابَتْها أنها تَكتحلُ وتَتداوَى بالكُحلِ وإنْ كانَ فيه طِيبٌ، قالَ أبو عُمرَ: لأنَّ المَقصدَ إلى التَّداوِي لا إلى التطيُّبُ، والأعمالُ بالنيِّاتِ، وقالَ الشافِعيُّ: الصَّبْرُ يُصفِّرُ فيَكونُ زِينةً وليسَ بطِيبٍ وهو كُحلُ الجِلاءِ، فأَذنَتْ فيه أمُّ سَلمةَ للمَرأةِ باللَّيلِ حَيثُ لا يُرَى، وتَمسحُه بالنهارِ حيثُ يُرى، فكذلكَ ما أشبَهَه (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وفيهِ: أم عُطيَّةَ: «نُهينَا أنْ نُحدَّ على مَيتٍ أكثَرَ مِنْ ثَلاثٍ إلا على زَوجٍ».
قالَ المُؤلِّفُ: رَوى مالكٌ أنه بلَغَه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دخَلَ على أمِّ سَلمةَ وهيَ حادَّةٌ على أبي سَلمةَ وقد جعَلَتْ على عَينِها صبْرًا، فقالَ: ما هذا يا أمَّ سَلمةَ؟ قالَتْ: إنما هو صَبْرٌ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: فاجعَليهِ باللَّيلِ وامسَحيهِ بالنَّهارِ»، وهذا مُخالِفٌ لحَديثِ هذا البابِ؛ لأنَّ النبيَّ ﵇ لم يُرخِّصْ لبنتِ أمِّ سَلمةَ حينَ تُوفِّيَ عنها زَوجُها في الكُحلِ ليلًا ولا نَهارًا.
قالَ أبو عبدِ اللهِ بنُ أبي صفرَةَ: والجَمعُ بينَ الحَديثينِ أنَّ النبيَّ ﷺ إنما نهَى عن الطِّيبِ والزِّينةِ في العدَّةِ قَطعًا للذَّرائعِ؛ لأنَّ ذلكَ
стр. 11453
مِنْ دَواعي التَّزويجِ التي مُنعَتْ منه حتى تَخرجَ مِنْ العدَّةِ احتياطًا للمَيتِ؛ إذ قد زالَتْ مُراعاتُه لها، لكنْ إذا دخَلَتْ على الناسِ المَشقةُ مِنْ قَطعِها رُفعَتْ عنهُم، ودلَّتْ إباحتُه ﵇ للكُحلِ بالليلِ أنَّ نهيَه عنه في الحَديثِ الآخَرِ ليسَ على وَجهِ التَّحريمِ، وإنما هو على الكَراهيةِ، فمَن شاءَ أخَذَ بالشِّدةِ على نَفسِه كما فعَلَتْ صَفيةُ بنتُ أبي عُبيدٍ في تَركِ الكُحلِ حتى كادَتْ عَيناها تَرمضانِ، ومَن شاءَ أخَذَ بالرُّخصةِ في ذلكَ، فقدْ أجازَ ذلكَ جَماعةٌ مِنْ السَّلفِ، ذكَرَ مالِكٌ في «المُوطَّأ» أنه بلَغَه عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ أنهُما أجازَا للمُتوفَّى عنها زَوجُها إذا خَشيَتْ على بَصرِها مِنْ شَكوى بها أنْ تَكتحلَ وتَتداوَى بما فيه طِيبٌ.
قالَ مالِكٌ: فإذا كانَتِ الضَّرورةُ فإنَّ دِينَ اللهِ يُسرٌ.
وقد قالَ في «المُختصَر الصَّغير»: لا تَكتحلُ إلا أنْ تَضطرَّ إليه مِنْ غيرِ طِيبٍ يَكونُ فيه.
وقالَ الشافعيُّ: كلُّ كُحلٍ فيه زِينةٌ للعَينِ مثلَ الإثمِدِ وشبهِهِ فلا خيرَ فيهِ، وأما الفارِسيُّ وشبهُه عندَ الضَّرورةِ فلا بأسَ به؛ لأنه ليسَ بزِينةٍ، بل يَزيدُ العَينَ قُبحًا، وما اضطرَّ إليه ممَّا فيه زِينةٌ اكتَحلَتْ به لَيلًا ومَسحَتْه نهارًا، واحتَجَّ ببَلاغٍ مالكٍ عن أمِّ سَلمةَ.
قالَ الشافِعيُّ: فالصَّبْرُ يُصفرُ العينَ، فيكونُ زِينةً وليسَ بطِيبٍ، فأَذِنَ لها النبيُّ ﷺ فيه باللَّيلِ حتى لا ترَى، فكَذلكَ ما أشبَهَه.
стр. 11454
وذكَرَ ابنُ المُنذِرِ قالَ: رخَّصَ في الكُحلِ عندَ الضَّرورةِ عَطاءٌ والنخَعيُّ، وهو قَولُ مالكٍ والكُوفيينَ، قالُوا: لا بأسَ بالكُحلِ الأسوَدِ وغيرِه إذا اشتَكتْ عينَها (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه: «أفنَكحُلُها؟ فقالَ: لا» هو بضَمِّ الحاءِ، وفي هذا الحَديثِ وحَديثِ أمِّ عَطيةَ المَذكورِ بعدَه في قولِه ﷺ : «لا تَكتحلُ» دَليلٌ على تَحريمِ الاكتِحالِ على الحادَّةِ، سَواءٌ احتاجَتْ إليه أم لا، وجاءَ في الحَديثِ الآخَرِ في «المُوطَّأ» وغيرِه في حَديثِ أمِّ سَلمةَ: «اجعَليهِ باللَّيلِ وامسَحيهِ بالنَّهارِ»، ووَجهُ الجَمعِ بينَ الأحاديثِ أنها إذا لم تَحتَجْ إليه لا يَحلُّ لها، وإنِ احتاجَتْ لم يَجزْ بالنهارِ ويَجوزُ باللَّيلِ، مع أنَّ الأَولى تَركُه، فإنْ فعَلَتْه مَسحتْه بالنهارِ، فحَديثُ الإذنِ فيه لبَيانِ أنه بالليلِ للحاجَةِ غيرُ حَرامٍ، وحَديثُ النهيِ مَحمولٌ على عَدمِ الحاجةِ، وحَديثُ التي اشتَكتْ عينَها فنَهاها مَحمولٌ على أنه نهيُ تَنزيهٍ، وتأوَّلَه بعضُهم على أنه لم يَتحقَّقِ الخوفُ على عينِها، وقد اختَلفَ العُلماءُ في اكتِحالِ المُحِدةِ، فقالَ سالمُ بنُ عبدِ اللهِ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ ومالِكٌ في رِوايةٍ عنه: يَجوزُ إذا خافَتْ على عينِها بكُحلٍ لا طِيبَ فيه، وجوَّزَه بعضُهم عندَ الحاجةِ وإنْ كانَ فيه طِيبٌ، ومَذهبُنا جَوازُه ليلًا عندَ الحاجةِ بما لا طِيبَ فيه (٢).
стр. 11455
القِسمُ الثاني: زينةُ الثِّيابِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَحرمُ على المُحدَّةِ لبسُ الثيابِ المُصبغةِ للتحسُّنِ كالمُعصفَرِ والمُزعفَرِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنه لا يَجوزُ لها لباسُ الثِّيابِ المُصبغةِ والمُعصفرةِ، إلا ما صُبغَ بالسَّوادِ فإنه رخَّصَ فيه عُروةُ بنُ الزُّبيرِ ومالكٌ والشافعيُّ (١).
والدليلُ عليه قَولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (٢).
وفي لفظٍ: «المُتوفَّى عنها زَوجُها لا تَلبَسُ المُعَصفَرةَ مِنْ الثيابِ ولا المُمَشَّقةَ ولا الحُليَّ ولا تَختضبُ ولا تَكحلُ» (٣).
ولفُقهاءِ كلِّ مَذهبٍ تَفصيلٌ في ذلك.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: تَجتنبُ لبسَ المُطيَّبَ والمُعصفَرِ والمُزعفرِ … وهذا في حالِ الاختيارِ، فأما في حالِ الضرورةِ بأنْ لم يكنْ لها إلا ثَوبٌ
стр. 11456
مَصبوغٌ فلا بأسَ أنْ تَلبسَه، لكنْ لا تَقصدُ به الزينةَ؛ لأنَّ مَواضعَ الضَّرورةِ مُستثناةٌ.
وقالَ أبو يُوسفَ: لا بأسَ أنْ تَلبسَ القَصبَ والخَزَّ الأحمَرَ، وذكرَ في «الأَصْل» وقالَ: ولا تَلبسُ قَصبًا ولا خَزًّا تَتزينُ به؛ لأنَّ الخزَّ والقصَبَ قد يُلبسُ للزِّينةِ وقد يُلبسُ للحاجةِ والرَّفاءِ، فاعتبِرَ فيه القَصدُ، فإنْ قُصدَ به الزِّينةُ لم يَجُزْ، وإنْ لم يُقصدْ به جازَ (١).
أما لبسُ الحَريرِ إنْ قصَدَتْ به الزينةَ لم يَجُزْ، وإنْ لبسَتْه لعُذرٍ كما إذا كانَ بها حكَّةٌ أو لعَدمِ غيرِه جازَ مِنْ غيرِ إرادةِ الزِّينةِ (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الإحدادُ عندَ العُلماءِ فالامتناعُ مِنْ الطِّيبِ والزِّينةِ بالثيابِ والحُليِّ وما كانَ مِنْ الزِّينةِ كلِّها الداعيةِ إلى الأزواجِ، وجُملةُ مَذهبِ مالكٍ في ذلكَ أنَّ المَرأةَ المُحِدَّ لا تَلبسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا أنْ يُصبغَ بسَوادٍ، وتَلبسُ البَياضَ كلَّه رَقيقَه وغَليظَه، ولا تَلبسُ رَقيقَ ثيابِ اليَمنِ وتَلبسُ غَليظَها إنْ شاءَتْ، وتَلبسُ الكتَّانَ كلَّه رَقيقَه وغَليظَه ما لم يَكنْ مَصبوغًا، وكذلكَ القُطنُ، ولا تَلبسُ خَزًّا ولا حَريرًا (٣).
стр. 11457
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: وفي الثيابِ زِينتانِ:
إحداهُما: ما يَحصلُ بلبسِها مِنْ الزِّينةِ بستْرِ العَورةِ مِنْ غيرِ زِينةٍ أدخلَتْ على الثَّوبِ، فيَجوزُ للمَرأةِ المُحدَّةِ لبسُ جَميعِ الثيابِ التي لم تدخلْ عليها زِينةٌ وإنْ كانَتِ الزِّينةُ فيها مِنْ أصلِ الخِلقةِ كالدبيقيِّ والمَرويِّ وغيرِ ذلكَ ممَّا يُتخذُ مِنْ الحَريرِ والخزِّ والقزِّ؛ لأنَّ زِينتَها مِنْ أصلِ خِلقتِها، فلا يَلزمُها تَغييرُها، كما إذا كانَتِ المَرأةُ حَسنةَ الوَجهِ .. فلا يَلزمُها تَغييرُ وَجهِها بالسَّوادِ وغيرِه.
وأما الثيابُ المَصبوغةُ فيُنظَرُ فيها:
فإنْ صُبغَتْ للزِّينةِ كالأحمَرِ والأصفَرِ والأزرَقِ الصافي والأخضَرِ الصافي .. فيَحرمُ عليها لبسُه.
وقالَ أبو إسحاقَ: ما صُبغَ غَزلُه ثم نُسجَ .. يَجوزُ لها لبسُه؛ لقَولِه ﷺ : «إلا ثوبَ عَصبٍ»، و (العَصبُ): ما صُبغَ غَزلُه ثم نُسجَ.
والمَذهبُ الأولُ؛ لأنَّ الشافِعيَّ ﵀ نَصَّ على (أنه يَحرمُ عليها لبسُ الوشيِّ وعصبِ اليَمنِ والحبرِ)، وهذه صُبغَ غَزلُها ثم نُسجَتْ، ولقَولِه ﷺ : «لا تَلبسُ المُتوفَّى عنها زَوجُها المُعصفَرَ ولا المُمشَّقِ» ولم يُفرِّقْ، ولأنَّ الثيابَ المُرتفعةَ هي التي صُبغَ غَزلُها ثم نُسجَتْ، والتي دُونَها هي التي نُسجَتْ ثم صُبغَتْ، والخبَرُ نَحملُه على المَصبوغِ بالسَّوادِ، و (المُمشَّقُ): ما صُبغَ بالمغرةِ.
стр. 11458
وأما ما صُبغَ للوَسخِ كالأسوَدِ والأزرَقِ المُشبعِ والأخضَرِ المُشبعِ .. فلا يَحرمُ عليها لبسُه؛ لأنه لا يُصبغُ للزِّينةِ، وإنما صُبغَ لنفيِ الوَسخِ أو ليَدلَّ على الحُزنِ.
وأما الثانيةُ: الثيابُ التي عليها طرزٌ: قالَ الشَّيخُ أبو إسحاقَ: فإنْ كانَتْ الطرزُ كِبارًا .. حَرُمَ عليها لبسُها؛ لأنها زِينةٌ ظاهِرةٌ أدخِلَتْ عليها، وإنْ كانَتْ صِغارًا .. ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يَحرمُ عليها، كقَليلِ الحُليِّ وكَثيرِه.
والثاني: لا يَحرمُ عليها لبسُها؛ لخَفائِها.
قالَ الصُّيمريُّ: ولا تَلبسُ البُرودَ المَنقوشةَ، ولا القَرقوبيُّ مِنْ المَقانعِ والوِقاياتِ؛ لِما فيه مِنْ النقشِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: تَحرمُ عليها الثِّيابُ المُصبغةُ للتَّحسينِ كالمُعصفَرِ والمُزعفرِ وسائرِ الأحمَرِ وسائر المُلوَّنِ للتَّحسينِ كالأزرَقِ الصَّافي والأخضَرِ الصافي والأصفَرِ، فلا يَجوزُ لبسُه؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا تَلبسُ ثَوبًا مَصبوغًا»، وقَولِه: «لا تَلبسُ المُعصفَرَ مِنْ الثيابِ ولا المُمشَّقَ».
стр. 11459
فأما ما لا يُقصدُ بصَبغِه حُسنُه كالكُحليِّ والأسوَدِ والأخضَرِ المُشبعِ فلا تُمنعُ منه؛ لأنه ليسَ بزِينةٍ.
وما صُبغَ غَزلُه ثم نُسجَ فيه احتِمالانِ:
أحَدُهما: يَحرمُ لبسُه؛ لأنه أرفَعُ وأحسَنُ، ولأنه مَصبوغٌ للحُسنِ، فأشبَهَ ما صُبغَ بعدَ نَسجِه.
والثاني: لا يَحرمُ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ في حَديثِ أمِّ سَلمةَ: «إلا ثوبَ عَصبٍ»، وهو ما صُبغَ غَزلُه قبلَ نَسجِه، ذكَرَه القاضِي، ولأنه لم يُصبغْ وهو ثَوبٌ، فأشبَهَ ما كانَ حَسنًا مِنْ الثيابِ غيرَ مَصبوغٍ، والأولُ أصَحُّ، وأما العَصبُ فالصَّحيحُ أنه نَبتٌ تُصبغُ به الثِّيابِ، قالَ صاحِبُ «الرَّوض الأُنُف»: الوَرسُ والعَصبُ نَبتانِ باليَمنِ لا يَنبتانِ إلا به، فأرخَصَ النبيُّ ﷺ للحادَّةِ في لبسِ ما صُبغَ بالعَصبِ؛ لأنه في مَعنى ما صُبغَ لغيرِ التَّحسينِ، أما ما صُبغَ غَزلُه للتَّحسينِ كالأحمَرِ والأصفَرِ فلا مَعنى لتَجويزِ لبسِه مع حُصولِ الزينةِ بصَبغِه كحُصولِها بما صُبغَ بعدَ نَسجِه.
ولا تُمنعُ مِنْ حِسانِ الثيابِ غيرِ المَصبوغةِ وإنْ كانَ رَقيقًا، سَواءٌ كانَ مِنْ قُطنٍ أو كتَّانٍ أو إبريسَمٍ؛ لأنَّ حُسنَه مِنْ أصلِ خِلقتِه، فلا يَلزمُ تَغييرُه، كما أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ حَسنةَ الخِلقةِ لا يَلزمُها أنْ تُغيرَ لونَها وتُشوِّهَ نفسَها (١).
стр. 11460
القِسمُ الثالِثُ: الحُليُّ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَحرمُ على المُحِدةِ الحُليُّ مِنْ ذهَبَ أو فِضةٍ، حتى الخاتَمُ.
لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُحِدُّ امرَأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زَوجٍ أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، ولا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبوغًا إلا ثَوبَ عَصبٍ ولا تَكتحلُ ولا تَمَسُّ طِيبًا إلا إذا طهُرَتْ نُبذةً مِنْ قُسطٍ أو أظفارٍ» (١).
وقالَ النبيُّ ﷺ : «المُتوفَّى عنها زَوجُها لا تَلبَسُ المُعَصفَرةَ مِنْ الثيابِ ولا المُمَشَّقةَ ولا الحُليَّ ولا تَختضبُ ولا تَكحلُ» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على مَنعِ المَرأةِ المُحِدةِ مِنْ لبسِ الحُليِّ.
وانفَردَ عَطاءٌ فقالَ: يُكرَهُ لها لبسُ الفِضةِ إذا كانَ عليها حينَ ماتَ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ؛ لقُولِ النبيِّ ﷺ : «ولا الحُليَّ»، وقالَ عَطاءٌ: «يُباحُ حُليُّ الفِضةِ دونَ الذَّهبِ» وليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ النهيَ عامٌّ، ولأنَّ الحُليَ يُزيدُ حُسنَها ويَدعُو إلى مُباشرتِها، قالتِ امرأةٌ:
стр. 11461
وما الحُلْيُ إلا زِينةٌ لنَقيصةٍ … تُتمِّمُ مِنْ حُسنٍ إذا الحُسنَ قَصَّرَا (١).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: ولا يَجوزُ لها لبسُ الحليِّ مِنْ الذَّهبِ والفِضةِ واللُّؤلؤِ.
وحكَى ابنُ المُنذِرِ عن عَطاءٍ أنه قالَ: «يَحرمُ عليها حُليُّ الذَّهبِ دونَ الفِضةِ»، وهذا ليسَ بصَحيحٍ؛ لقَولِه ﷺ : «ولا الحُليَّ» ولم يُفرِّقْ، ولأنَّ الزِّينةَ تَحصلُ بالفِضةِ، فحَرُمَ عليها لبسُها كالذَّهبِ.
قالَ الصُّيمريُّ: ويَحرمُ عليها لبسُ الدَّمالجِ والخَواتمِ مِنْ العاجِ والذبلِ؛ لأنَّ لها بَريقًا، وتُمنعُ مِنْ حلقِ الصفرِ في أصابعِها.
فأما الخُيوطُ والسُّيورُ وما قَبُحَ مِنْ الخَرزِ فلا بأسَ به، ما لم يكنْ مُستعمَلًا للتحلِّي به (٢).
ما يُباحُ للمُحدَّةِ:
الأصلُ أنَّ كلَّ شَيءٍ غيرَ ما تَقدَّمَ ذِكرُه يُباحُ للمُحدَّةِ ولا تُمنعُ منه، فلا تُمنعُ مِنْ التَّنظيفِ بتَقليمِ الأظفارِ ونَتفِ الإبطِ وحَلقِ الشَّعرِ المَندوبِ إلى حَلقِه؛ لأنَّ ذلكَ يُرادُ للتَّنظيفِ لا للزِّينةِ، ولا مِنْ الاغتِسالِ بالسِّدرِ والامتِشاطِ به.
стр. 11462
ويَجوزُ لها تَجميلُ فِراشِ بَيتِها وكَنسُه وتَزيينُه بالفرشِ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَدعُو إلى مُباشرتِها.
ولها أنْ تَجلسَ والطِّيبُ يُقلَّبُ بقُربِها، وعندَ رَجلٍ يَبتخِرُ.
ولا يَحرمُ عليها الأبيَضُ مِنْ الثِّيابِ وإنْ كانَ حَسنًا، ولا الملوَّنُ لدَفعِ الوَسخِ كالكُحليِّ ونحوِه، وعلى هذا كلُّ ما لم يكنْ للزِّينةِ لا تُمنعُ منه، وما كانَ زِينةً تُمنعُ منه (١).
حُكمُ النَّمصِ:
النَّمْصُ: هو نَتفُ الشَّعْرِ، وقيلَ: هو نَتفُ الشَّعرِ مِنْ الوَجهِ.
والنامِصةُ: هي التي تَنتفُ الشَّعرَ مِنْ وَجهِها أو مِنْ وَجهِ غيرِها.
والمُتَنمِّصةُ: هي التي تَنتفُ الشَّعرَ مِنْ وَجهِها، أو التي تَنقُشُ الحاجِبَ حتَّى تُرِقَّه، أو هي مَنْ تأمُرُ غيْرَها بفعلِ ذلكَ.
والمِنْماصُ: المِنقاشُ الذي يُستخرَجُ به الشَّوكُ.
وتَنمَّصَتِ المَرأةُ: أخَذَتْ شَعْرَ جَبينِها بخَيطٍ لتَنتفَه، وانتَمَصَتْ: أمَرَتِ النامِصةَ أنْ تَنتفَ شَعرَ وَجهِها، ونَتَفَتْ هي شعرَ وَجهِها.
والنَّمَصُ: رِقةُ الشَّعْرِ ودِقَّتُه حتَّى تَراهُ كالزَّغبِ (٢).
стр. 11463
وقدْ ورَدَ النهيُ عن النَّمْصِ في عدَّةِ أحاديثَ عن النبيِّ ﷺ ، منها ما رواهُ علقَمةُ عن عبدِ اللهِ قالَ: «لعَنَ اللهُ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والنَّامِصاتِ والمُتنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خلْقَ اللهِ، قالَ: فبلَغَ ذلكَ امرأةً مِنْ بنِي أسَدٍ يُقالَ لها أمُّ يَعقوبَ وكانَتْ تَقرأُ القُرآنَ، فأتَتْه فقالَتْ: ما حَديثٌ بلَغَني عنكَ أنكَ لَعَنتَ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والمُتنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خلْقَ اللهِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ: وما لي لا أَلعَنُ مَنْ لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وهو في كِتابِ اللهِ، فقالَتِ المَرأةُ: لقدْ قَرأتُ ما بينَ لَوحَيِ المُصحفِ فما وجَدتُه، فقالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرأتِيه لقدْ وَجدتِيه، قالَ اللهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فقالَتِ المرأةُ: فإني أرَى شَيئًا مِنْ هذا على امرَأتِكَ الآنَ، قالَ: اذهَبِي فانظُرِي، قالَ: فدخَلَتْ على امرأةِ عبدِ اللهِ فلمْ تَرَ شيئًا، فجاءَتْ إليه فقالَتْ: ما رأيتُ شَيئًا، فقالَ: أمَا لو كانَ ذلكَ لم نُجامِعْها» (١).
وروَى أبو داودَ عنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «لُعِنَتِ الواصِلةُ والمُستَوصِلةُ والنامِصةُ والمُتَنمِّصةُ والواشِمةُ والمُستَوشِمةُ مِنْ غيرِ داءٍ» (٢).
قالَ أبو داوُدَ ﵀: وتَفسِيرُ الواصِلةِ: التي تَصِلُ الشَّعْرَ بشَعرِ النِّساءِ، والمُستَوصِلةُ: المَعمولُ بها، والنامِصةُ: التي تَنقشُ الحاجِبَ حتى تُرِقَّه،
стр. 11464
والمُتَنمِّصةُ: المَعمولُ بها، والواشِمةُ: التي تَجعلُ الخِيلانَ في وَجهِها بكُحلٍ أو مِدادٍ، والمُستَوشِمةُ: المَعمولُ بها (١).
وعامَّةُ العُلماءِ على أنَّ النمْصَ لغيرِ ذاتِ الزَّوجِ مُحرَّمٌ، وللزَّوجِ مُختلَفٌ فيه.
أمَّا الحَنفيةُ فقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وفي «المُغرِبِ»: النمْصُ: نَتفُ الشعرِ، ومنهُ المِنْماصُ: المِنْقاشُ، وهو حَرامٌ إذا فعَلَتْه لتَتزيَّنَ للأجانبِ، قالَ ابنُ عابدِينَ: وإلا فلو كانَ في وَجهِها شَعرٌ يَنفرُ زوجُها عنها بسَببِه ففِي تَحريمِ إزالتِه بُعدٌ؛ لأنَّ الزينةَ للنساءِ مَطلوبةٌ للتَّحسينِ، إلا أنْ يُحمَلَ على ما لا ضَرورةَ إليه؛ لِمَا في نَتفِه بالمِنْماصِ مِنْ الإيذاءِ، وفي «تَبييِن المَحارمِ»: إزالةُ الشَّعرِ مِنْ الوجهِ حرامٌ، إلا إذا نبَتَ للمَرأةِ لِحيةٌ أو شَواربُ فلا تَحرمُ إزالتُه، بل تُستحَبُّ اه، وفي «التتارْخانِيةِ» عن «المُضْمَراتِ»: ولا بأسَ بأخذِ الحاجبَينِ وشَعرِ وجهِه ما لم يُشبهِ المُخنَّثَ اه، ومِثلُه في «المُجتَبى»، تأمَّلْ (٢).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ الإمامُ النَّفراويُّ ﵀: التَّنميصُ: هو نَتفُ شَعرِ الحاجِبِ حتَّى يَصيرَ دَقيقًا حسَنًا، ولكنْ رُويَ عن عائِشةَ ﵂ جَوازُ إزالةِ الشعرِ مِنْ الحاجِبِ والوَجهِ، وهو المُوافِقُ لِمَا مَرَّ مِنْ أنَّ المُعتمَدَ جوازُ حَلقِ جَميعِ شَعرِ المرأةِ ما عدا شعْرَ رأسِها، وعليه فيُحمَلُ ما في
стр. 11465
الحَديثِ على المرأةِ المَنهيةِ عن استِعمالِ ما هو زِينةٌ لها كالمُتوفَّى عنها والمُفقودِ زوجُها (١).
وقالَ الشافِعيةُ: النامِصةُ والمُتنمِّصةُ: فهي التي تأخُذُ الشَّعرَ مِنْ حَولِ الحاجبَينِ وأعالي الجَبهةِ وتُدقِّقُ حاجبَيها، مأخوذٌ مِنْ (المِنماصِ) وهو: المِلْقاطُ، فهذا على ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ تكونَ أمَةً مَبِيعةً تَقصدُ به غُرورَ المُشتري، أو حرَّةً تَخطُبُ الأزواجَ تَقصدُ به تَدليسَ نفسِها عليهم، فهذا حَرامٌ؛ لعُمومِ النهيِ، ولقَولِه ﷺ : «ليسَ منَّا مَنْ غَشَّ».
وقيلَ: يُكرهُ ولا يَحرمُ عليها ذلكَ؛ لأنه زِينةٌ بطاهرٍ.
والضَّربُ الثاني: أنْ تكونَ ذاتَ زوجٍ تَفعلُ ذلكَ للزينةِ عندَ زوجِها، أو أمَةً تَفعلُ ذلكَ لسَيدِها، فهذا غيرُ حَرامٍ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المَرأةَ مأمورةٌ بأخذِ الزينةِ لزَوجِها مِنْ الكُحلِ والخِضابِ.
وفي قَولٍ للشافِعيةِ: لا يَجوزُ؛ لعُمومِ الخبَرِ (٢).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ النمْصَ حَرامٌ، فالنامِصةُ: هي التي تَنتفُ الشعرَ مِنْ الوجهِ، والمُتنمِّصةُ: المَنتوفُ شَعرُها بأمرِها، فلا يَجوزُ؛ للخبَرِ والنهيِ واللعنِ الواردِ فيها.
стр. 11466
وأباحَ ابنُ الجَوزيِّ ﵀ النمْصَ، وحمَلَ النهيَ على التَّدليسِ أو أنه كانَ شِعارَ الفاجِراتِ.
وفي وَجهٍ: يَجوزُ بطَلبِ الزوجِ.
والمُحرَّمُ عليها إنما هو نَتفُ شَعرِ وَجهِها، فأمَّا حَفُّه وحَلقُه فمُباحٌ ولا بأسَ؛ لأنَّ الخبَرَ إنَّما ورَدَ في النَّتفِ، نَصَّ على هذا أحمَد (١).
قالَ الإمامُ ابنُ الجَوزيِّ ﵀: وأما الأدوِيةُ التي تُزيلُ الكلفَ وتُحسِّنُ الوجهَ للزوجِ فلا أرَى بها بأسًا، وكذلكَ أخذُ الشَّعرِ مِنْ الوجهِ للتحسُّنِ للزوجِ، ويكونُ حَديثُ النامِصةِ مَحمولًا على أحَدِ الوجهَينِ الأوَّلينِ.
قالَ شيخنُا عبدُ الوَهابِ بنُ المُبارَكِ الأنماطيُّ: إذا أخَذَتِ المَرأةُ الشعرَ مِنْ وَجهِها لأجْلِ زوجِها بعدَ رُؤيتِه إياها فلا بأسَ بهِ، وإنما يُذَمُّ إذا فعَلَتْه قبلَ أنْ يَراها؛ لأنَّ فيه تَدليسًا.
عن أمِّ جَليلةَ قالَتْ: «شَهدْتُ امرأةً سألَتْ عائِشةَ ﵂: ما تَقولينَ في قَشرِ الوَجهِ؟ قالَتْ: إنْ كانَ شيءٌ وُلِدتْ وهي بها فلا يَحلُّ لها، ولا آمُرُها ولا أنهَاها، وإنْ كانَ شيءٌ حدَثَ فلا بأسَ، تَعمدُ إلى دِيباجةٍ كَساها اللهُ إياها فتُنحِّيها مِنْ وَجهِها، لا آمُرُها ولا أنهَاها».
стр. 11467
قالَ مُسلمٌ: وحدَّثتْنا تَحيةُ الرَّاسبيةُ قالَتْ: حَدَّثتني أمَّ نصرَةَ قالَتْ: قالَتْ عائِشةُ ﵂: «لو كانَ في وَجهِ بناتِ أخِي لأخرَجْتُه ولو بشَفرةٍ».
وعن بَكرةَ بنتِ عُقبةَ أنها دخَلَتْ على عائِشةَ ﵂ فسَألتْها عن الحِنَّاءِ، فقالَتْ: «شَجرةٌ طيِّبةٌ وماءٌ طَهورٌ، وسألتْها عن الحفافِ، فقالَتْ لها: إنْ كانَ لكِ زَوجٌ فاستَطعْتِ أنْ تَنتزعِي مُقلتَيكِ فتَصنعِيها أحسَنَ ممَّا هُما فافعَلِي» (١).
حُكمُ وَصلِ الشَّعرِ:
ورَدَ النهيُ عن النبيِّ ﷺ في وَصلِ الشَّعرِ في عدَّةِ أحاديثَ عن النبيِّ ﷺ ، فعَن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «لعَنَ النبيُّ ﷺ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ والواشِمةَ والمُستَوشِمةَ» (٢).
وعن هِشامٍ أنه سَمِعَ فاطمةَ بنتَ المُنذِرِ تَقولُ: «سَمعْتُ أسماءَ قالَتْ: سألَتِ امرَأةٌ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي أصابَتْها الحَصْبةُ فامَّرَقَ شَعَرُها، وإني زوَّجْتُها، أفأَصِلُ فيه؟ فقالَ: لعَنَ اللهُ الواصِلةَ والمَوصولةَ» (٣).
وروَى أبو داودَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قال: «لُعِنَتِ الواصِلةُ
стр. 11468
والمُستَوصِلةُ والنامِصةُ والمُتَنمِّصةُ والواشِمةُ والمُستَوشِمةُ مِنْ غيرِ داءٍ» (١).
قالَ أبو داوُدَ ﵀: وتَفسِيرُ الواصِلةِ: التي تَصِلُ الشَّعْرَ بشَعرِ النِّساءِ، والمُستَوصِلةُ: المَعمولُ بها، والنامِصةُ: التي تَنقشُ الحاجِبَ حتى تُرِقَّه، والمُتَنمِّصةُ: المَعمولُ بها، والواشِمةُ: التي تَجعلُ الخِيلانَ في وَجهِها بكُحلٍ أو مِدادٍ، والمُستَوشِمةُ: المَعمولُ بها (٢).
وتَفصيلُ مَذاهبِ العُلماءِ في ذلكَ على هذا النحوِ:
قالَ الحَنفيةُ: يَحرمُ وَصلُ الشعرِ بشَعرِ آدَميٍّ، سواءٌ كانَ شعْرَها أو شعْرَ غيرِها؛ لقَولِه ﵊: «لعَنَ اللهُ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ والواشِمةَ والمُستَوشِمةَ والواشِرةَ والمُوشِرةَ والنامِصةَ والمُتنمِّصةَ»، فالواصِلةُ: التي تَصلُ الشعرَ بشَعرِ الغيرِ، أو التي تُوصِلُ شعْرَها بشعرٍ آخَرَ زُورًا، والمُستوصِلةُ: التي تُوصِلُ لها ذلكَ بطَلبِها.
وإنما الرُّخصةُ في غيرِ شَعرِ بَنِي آدَمَ تَتخذُه المَرأةُ لتَزيدَ في قُرونِها، وهو مَرويٌّ عن أبي يُوسفَ، وفي «الخانِية»: ولا بأسَ للمرأةِ أنْ تَجعلَ في قُرونِها وذَوائبِها شَيئًا مِنْ الوَبَرِ (٣).
وقالَ المالِكيةُ: يَحرمُ وَصلُ الشعرِ؛ لقَولِه ﷺ : «لعَنَ اللهُ الواصِلةَ» أي: التي تَصلُ الشَّعرَ بشَعرٍ آخَرَ لنفسِها أو غيرِها، كانَ المَوصولُ
стр. 11469
شعْرَها أو شعْرَ غيرِها، فالوصلُ مَمنوعٌ بكلِّ شيءٍ شَعرٍ أو صُوفٍ أو خِرَقٍ أو غيرِها.
فأمَّا الربطُ بالخُيوطِ الحَريرِ الملوَّنةِ ونحوِها ممَّا لا يُشبهُ الشعرَ فليسَ بمَنهيٍّ عنه؛ لأنه ليسَ بوَصلٍ ولا هو في معنى مَقصودٍ للوَصلِ، وإنما هو للتجمُّلِ والتحسِينِ (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: ومِن كتابِ «الجواب»: وسألتُه عن الغشِّ غشِّ النِّساءِ يَصنعْنَه فيَضعْنَه على رُؤوسِهنَّ ثم يَنزعْنَه كهَيأةِ القُلنسيةِ (البارُوكةَ) ولكنَّه شَعرٌ، قالَ ابنُ القاسِمِ: لا خيرَ في ذلكَ، كانَ مِنْ شَعرٍ أو وَبرٍ، فإنَّ النساءَ يَضعْنَه مِنْ وَبرِ الإبلِ كما زَعَموا، فلا خيرَ فيهِ، كانَ مِنْ شعرٍ أو وَبرٍ.
قيلَ لأصبَغَ: فشَيءٌ يَعملُه النِّساءُ في رُؤوسِهنَّ يُسمِّينَه النونةَ، أتَرَى به بأسًا؟ قالَ: ما أرَى به بأسًا ما لم يعظمْنَه جِدًّا كأسنِمةِ البُختِ العِجافِ، فهيَ إذا عَظُمتْ شَبيهةٌ بذلكَ، فأمَّا ما كانَ مُقتصدًا فلا بأسَ بذلكَ، كانَ شَكلُ النِّساءِ عندَنا قَديمًا ثمَّ ترَكْنَه، وأراهُ مِنْ شَكلِ نِساءِ العرَبِ قَديمًا.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: أما الغشُّ الذي ذكرَ أنَّ النِّساء يَضعْنَه فالكَراهةُ فيه بيِّنةٌ؛ لأنه القصَّةُ المَنهيُّ عنها في حَديثِ مُعاويةَ؛ إذْ خطَبَ الناسَ بالمَدينةِ فتَناولَ قصَّةً مِنْ شعرٍ كانَتْ بيَدِ حرسيٍّ، فقالَ: يا أهلَ المَدينةِ أينَ عُلماؤُكم؟ سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَنهَى عن مثلِ هذهِ، وقالَ: «إنَّما
стр. 11470
هلَكَ بنُو إسرائيلَ حينَ اتَّخذَ هذهِ نِساؤُهم»، وهي شبهُ الجمةِ مِنْ الشَّعرِ أو الوَبرِ تَضعُها المرأةُ التي لا شَعرَ لها أو التي لها شَعرٌ لَطيفٌ على رأسِها تَراءَى به أنه شَعرُها، وقد «لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ»، هذا مِنْ ذلكَ المعنَى.
وإنما النونةُ التي لم يَرَ بها أصبَغُ بأسًا للمَرأةِ ما لم تعظمْهُ جِدًّا حتَّى يكونَ كسَنامِ البَعيرِ الأعجَفِ فهوَ شيءٌ كانَ النساءُ يَصنعْنَه فيَضعْنَه على رُؤوسِهنَّ تحتَ أخمرتِهنَّ هيئةً مِنْ هَيئاتِهنَّ، لا تشبهُ بهِ أنه شَعرُها، فلا وجهَ للكراهةِ فيه، وإنما كرهَ ما عظمَ منه؛ لخُروجِه عن شَكلِ نساءِ العَربِ وكونِه تشبهُ شكلَ نساءِ العجَمِ، والتزيِّي بزِيِّ العَجمِ مَكروهٌ للنساءِ كما هو للرِّجلِ، فهذا وَجهُ قولِه عندِي، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَصلَ شَعرَها بشَعرٍ نَجسٍ بحالٍ، وسَواءٌ في النهيِ شُعورُ الآدَميِّينَ وشُعورُ ما لا يُؤكلُ لَحمُه مِنْ الحَيوانِ أو غيرِ ذلكَ مِنْ الشُّعورِ النجِسةِ؛ لِمَا على المُصلِّي مِنْ اجتِنابِ الأنجاسِ، وقد رَوَتْ فاطِمةُ بنتُ المُنذِرِ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ أنَّ امرأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَتِي أصابَها الحَصباءُ فتَمزَّقَ شَعرُها، أفَأصِلُه؟ قالَ: «لا، لُعِنَتِ الواصِلةُ والمَوصولةُ».
وقد رُويَ مِنْ طريقٍ آخَرَ عن النبيِّ ﷺ «أنه لعَنَ الواصِلةَ
стр. 11471
والمُستوصِلةَ»، والواصِلةُ: هي التي تَصلُ شَعرَها بشَعرٍ نَجسٍ، فأما التي تَصلُ شَعرَها بشَعرٍ طاهرٍ فعلى ضَربينِ:
أحَدُهما: أنْ تكونَ أمَةً مَبِيعةً تَقصدُ به غُرورَ المُشتري، أو حرَّةً تَخطُبُ الأزواجَ تَقصدُ به تَدليسَ نفسِها عليهم، فهذا حَرامٌ؛ لعُمومِ النهيِ، ولقَولِه ﷺ : «ليسَ منَّا مَنْ غَشَّ».
والضَّربُ الثاني: أنْ تكونَ ذاتَ زوجٍ تَفعلُ ذلكَ للزينةِ عندَ زوجِها، أو أمَةً تَفعلُ ذلكَ لسَيدِها، فهذا غيرُ حَرامٍ؛ لأنَّ المَرأةَ مأمورةٌ بأخذِ الزينةِ لزَوجِها (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الواصِلةُ: فهي التي تَصلُ شَعرَ المرأةِ بَشعرٍ آخَرَ، والمُستوصِلةُ: التي تَطلبُ مَنْ يَفعلُ بها ذلكَ، ويقالَ لها: مَوصولةٌ، وهذهِ الأحادِيثُ صَريحةٌ في تَحريمِ الوَصلِ ولَعنِ الواصِلةِ والمُستوصِلةِ مُطلَقًا، وهذا هو الظاهِرُ المُختارُ، وقد فصَّلَه أصحابُنا فقالُوا: إنْ وصَلَتْ شَعرَها بشَعرِ آدَميٍّ فهو حَرامٌ بلا خِلافٍ، سَواءٌ كانَ شَعرَ رَجلٍ أو امرأةٍ، وسَواءٌ شَعرَ المَحرمِ والزَّوجِ وغيرِهما بلا خِلافٍ؛ لعُمومِ الأحادِيثِ، ولأنه يَحرمُ الانتِفاعُ بشَعرِ الآدَميِّ وسائرِ أجزَائِه؛ لكَرامتِه، بل يُدفَنُ شَعرُه وظُفرُه وسائرُ أجزائِه.
وإنْ وصَلَتْه بشَعرِ غيرِ آدَميٍّ فإنْ كانَ شعرًا نَجسًا -وهو شَعرُ المَيتةِ وشَعرُ ما لا يُؤكَلُ إذا انفَصلَ في حَياتِه- فهو حَرامٌ أيضًا؛ للحَديثِ، ولأنه
стр. 11472
حمَلَ نَجاسةً في صَلاتِه وغيرِها عَمدًا، وسواءٌ في هذَينِ النوعَينِ المُزوَّجةُ وغيرُها مِنْ النِّساءِ والرِّجالِ.
وأمَّا الشَّعرُ الطاهرُ مِنْ غيرِ الآدَميِّ فإنْ لم يَكنْ لها زوجٌ ولا سيِّدٌ فهو حَرامٌ أيضًا، وإنْ كانَ فثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحَدُها: لا يَجوزُ؛ لظاهرِ الأحاديثِ، والثَّاني: لا يَحرمُ، وأصَحُّها عندَهم: إنْ فعَلَتْه بإذنِ الزوجِ أو السيِّدِ جازَ، وإلا فهو حَرامٌ.
قالُوا: وأمَّا تَحميرُ الوَجهِ والخِضابُ بالسَّوادِ وتَطريفُ الأصابعِ فإنْ لم يَكنْ لها زَوجٌ ولا سَيدٌ أو كانَ وفعَلَتْه بغيرِ إذنِه فحَرامٌ، وإنْ أَذِنَ جازَ على الصَّحيحِ، هذا تَلخيصُ كلامِ أصحابِنا في المَسألةِ.
وقالَ القاضِي عِياضٌ: اختَلفَ العُلماءُ في المَسألةِ، فقالَ مالكٌ والطبَريُّ وكَثيرونَ أو الأكثَرونَ: الوَصلُ مَمنوعٌ بكُلِّ شيءٍ، سَواءٌ وصَلَتْه بشَعرٍ أو صُوفٍ أو خِرَقٍ، واحتَجُّوا بحَديثِ جابرٍ الذي ذكَرَه مُسلمٌ بعدَ هذا «أنَّ النبيَّ ﷺ زجَرَ أنْ تَصِلَ المَرأةُ برَأسِها شَيئًا»، وقالَ الليثُ بنُ سَعدٍ: النهيُ مُختصٌّ بالوَصلِ بالشَّعرِ، ولا بأسَ بوَصلِه بصُوفٍ وخِرَقٍ وغيرِها، وقالَ بَعضُهم: يَجوزُ جَميعُ ذلكَ، وهو مَرويٌّ عن عائِشةَ، ولا يَصحُّ عنها، بل الصَّحيحُ عنها كقَولِ الجُمهورِ.
قالَ القاضي: فأمَّا رَبطُ خُيوطِ الحَريرِ المُلوَّنةِ ونحوِها ممَّا لا يُشبِهُ الشَّعرَ فليسَ بمَنهيٍّ عنه؛ لأنه ليسَ بوَصلٍ ولا هو في معنى مَقصودِ الوَصلِ، وإنما هو للتجمُّلِ والتحسِينِ، قالَ: وفي الحَديثِ أنَّ وصْلَ الشَّعرِ مِنْ
стр. 11473
المَعاصي الكبائرِ؛ لِلَعنِ فاعلِه، وفيه أنَّ المُعِينَ على الحرامِ يُشارِكُ فاعِلَه في الإثمِ كما أنَّ المُعاوِنَ في الطاعةِ يُشارِكُ في ثَوابِها، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ أيضًا: الذي ذكَرْناه مِنْ تَحريمِ الوَصلِ في الجُملةِ هو مَذهبُنا ومَذهبُ جَماهيرِ العُلماءِ، وحَكَى القاضي عِياضٌ عن طائفةٍ جَوازَه، وهو مَرويٌّ عن عائِشةَ ﵂، ولا يَصحُّ عنها، بل الصَّحيحُ عنها كقَولِ الجُمهورِ، قالَ: والوَصلُ بالصُّوفِ والخِرَقِ كالوَصلِ بالشَّعرِ عندَ الجُمهورِ، وجَوَّزَه الليثُ بنُ سَعدٍ بغيرِ الشَّعرِ، والصَّحيحُ الأولُ؛ لحَديثِ جابِرٍ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ زجَرَ أنْ تَصِلَ المَرأةُ برَأسِها شَيئًا» رواهُ مُسلمٌ، وهذا عامٌّ في كلِّ شيءٍ.
فأمَّا رَبطُ الشَّعرِ بخُيوطِ الحَريرِ الملوَّنةِ ونحوِها ممَّا لا يُشبهُ الشَّعرَ فليسَ بمَنهيٍّ عنه، وأشارَ القاضي إلى نَقلِ الإجماعِ فيه؛ لأنه ليسَ بوَصلٍ ولا هو في مَعنى مَقصودِ الوصل، وإنَّما هو للتجمُّلِ والتحسِينِ.
فرعٌ: ذكَرَ القاضي عِياضٌ أنَّ وصْلَ الشعرِ مِنْ المَعاصي الكبائرِ؛ لِلَعنِ فاعلِه (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: وَصلُ الشَّعرِ مُحرَّمٌ؛ «لأنَّ النبيَّ ﷺ لعَنَ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ»، ولا يَجوزُ لَعنُ فاعلِ المُباحِ، ولو كانَ وَصلُ المرأةِ شَعرَها بشَعرِ بهيمةٍ أو إذنِ زَوجٍ؛ لعُمومِ الخبَرِ.
стр. 11474
والواصِلةُ: هي التي تَصِلُ شَعرَها بغيرِه أو شَعرَ غيرِها، والمُستوصِلةُ: المَوصولُ شَعرُها بأمرِها، فهذا لا يَجوزُ؛ للخبَرِ، ولِمَا رَوتْ عائشةُ ﵂ «أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: إنَّ ابنَتِي عِرسٌ، وقد تَمزَّقَ شَعرُها، أفَأصِلُه؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : لُعِنَتِ الواصِلةُ والمَستوصِلةُ»، فلا يَجوزُ وَصلُ شَعرِ المَرأةِ بشَعرٍ آخَرَ؛ لهذهِ الأحاديثِ، ولِمَا رُويَ عن مُعاويةَ أنه أخرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعرٍ فقالَ: «سَمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ينهَى عن مِثلِ هذا وقالَ: إنَّما هلَكَ بنو إسرائيلَ حينَ اتَّخذَ هذا نِساؤُهم».
وأمَّا وَصلُه بغيرِ الشَّعرِ فإنْ كانَ بقَدرِ ما تَشدُّ به رأسَها فلا بأسَ به؛ لأنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إليه ولا يُمكِنُ التحرُّزُ منه، وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ ذلكَ ففيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: أنه مَكروهٌ غيرُ مُحرَّمٍ؛ لحَديثِ مُعاويةَ في تَخصيصِ التي تَصلُه بالشَّعرِ، فيُمكِنُ جَعلُ ذلكَ تَفسيرًا للَّفظِ العامِّ، وبَقيَتِ الكَراهةُ؛ لعُمومِ اللَّفظِ في سائرِ الأحادِيثِ، ورُويَ عنه أنه قالَ: «لا تَصِلُ المَرأةُ برَأسِها الشَّعرَ ولا القَرامِلَ ولا الصُّوفَ، نهَى النبيُّ ﷺ عنِ الوِصالِ»، فكُلُّ شيءٍ يَصلُ فهو وِصالٌ، ورويَ عن جابرٍ قالَ: «نهَى النبيُّ ﷺ أنْ تَصِلَ المرأةُ برأسِها شيئًا».
وقالَ المَروذيُّ: جاءَتِ امرأةٌ مِنْ هؤلاءِ الذينَ يُمشِّطونَ إلى أبي عبدِ اللهِ فقالَتْ: إني أَصِلُ رأسَ المرأةِ بقَراملَ وأُمشِّطُها، فتَرَى لي أنْ
стр. 11475
أحُجَّ ممَّا اكتسَبْتُ؟ قالَ: لا، وكَرِهَ كسْبَها، وقالَ لها: يكونُ مِنْ مالٍ أطيَبَ مِنْ هذا.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والظاهِرُ أنَّ المُحرَّمَ إنما هو وَصلُ الشَّعرِ بالشعرِ؛ لِمَا فيه مِنْ التدليسِ واستِعمالِ المُختلَفِ في نَجاستِه، وغيرُ ذلكَ لا يَحرمُ؛ لعَدمِ هذه المعاني فيها وحُصولِ المَصلحةِ مِنْ تَحسينِ المَرأةِ لزوجِها مِنْ غيرِ مَضرَّةٍ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأمَّا الواصِلةُ والمُستوصِلةُ فإنه في الشَّعرِ؛ وذلكَ لأنها تَصلُه بشَعرٍ آخَرَ، وأمَّا الواشِمةُ والمُستوشِمةُ فإنَّ الوَشمَ في اليَدِ كانَتِ المَرأةُ تَغرزُ كَفَّها أو مِعصَمَها بإبرةٍ أو مسَلَّةٍ حتَّى تُؤثِّرِ فيه ثمَّ تَحشوهُ بالكُحلِ فيَخضَرَّ، يفعلُ ذلكَ بِداراتٍ.
قالَ أبو بكرٍ: فاللازِمُ لمَن يَقولُ بظاهرِ الأخبارِ أنْ يكونَ النهيُّ عن ذلكَ على الظاهِرِ، وكلُّ امرأةٍ وصَلَتْ شَعرَها بشُعورِ بنِي آدَمَ أو شُعورِ البَهائمِ وهي عالِمةٌ بنهيِ النبيِّ ﷺ أنَّ المَعصيةَ تَلحقُها، إلا أنْ تَدُلَّ حجَّةٌ مِنْ كِتابٍ أو سُنةٍ على إباحةِ بعضِ ذلكَ، فيُستثنَى مِنْ ذلكَ ما دلَّتْ عليه الحجَّةُ، ولا نَعلمُ خبَرًا يُوجِبُ أنْ يُستثنَى به مِنْ جُملةِ ما جاءَ به النهيُ عن النبيِّ ﷺ .
стр. 11476
وكانَ النُّعمانُ يَقولُ: لا خيرَ في بَيعِ شَعرِ بنِي آدَمَ، ولا يَجوزُ بَيعُه، ولا يُنتفَعُ به، وكذلكَ قالَ يَعقوبُ، قالَ: ولا بأسَ أنْ تَصِلَ المرأةُ شَعرَها بالصُّوفِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ الطبَريُّ: وقد اختَلفَ العُلماءُ في معنَى نهيِه ﵇ عن الوَصلِ في الشَّعرِ، فقالَ بعضُهم: لا بأسَ عليها في وَصلِها شَعرَها ما وصَلَتْ به مِنْ صُوفٍ وخِرَقٍ وشبه ذلكَ، رُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وأمِّ سَلمةَ زَوجِ النبيِّ، وعِلَّةُ هذهِ المَقالةِ قولُ معاويةَ حينَ أخرَجَ القَصةَ مِنْ الشعرِ وقالَ: «نهَى رسولُ اللهِ عن مِثلِ هذهِ»، قالُوا: وأمَّا الخِرقُ والصُّوفُ فليسَ ذلكَ ممَّا دخَلَ في نهيِه ﵇.
وقالَ آخَرونَ: كُلُّ ذلكَ داخلٌ في نهيِه؛ لعُمومِ الخبَرِ عنه أنه «لعَنَ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ»، قالُوا: فبِأيِّ شيءٍ وصَلَتْ شَعرَها فهي واصِلةٌ، رُويَ ذلكَ عن أمِّ عطيةَ.
وقالَ آخَرونَ: لا بأسَ عليها في وَصلِها شَعرَها بما وصَلَتْ به مِنْ شَيءٍ، شَعرًا كانَ الذي وصَلَتْ به أو غيرَه، رُويَ ذلكَ عن عائِشةَ، وسألَها ابنُ أشوعَ: «لعَنَ رسولُ اللهِ الواصِلةَ؟ قالَتْ: أيَا سُبحانَ اللهِ! وما بأسٌ بالمَرأةِ الزَّعراءِ أنْ تأخُذَ شيئًا مِنْ صُوفٍ فتَصِلَ به شَعرَها تَتزيَّنُ به عندَ زوجِها، إنما لعَنَ رَسولُ اللهِ المرأةَ الشابَّةَ تبغي في شَبيبتِها حتَّى إذا أسَنَّتْ هي وصَلَتْها بالقيادةِ» (٢).
стр. 11477
وسُئلَ عَطاءٌ عن شُعورِ الناسِ أيُنتفَعُ بها؟ قال: لا بأسَ بذلكَ.
وقالَ آخَرونَ: لا يَجوزُ الوَصلُ بشَيءٍ شَعرٍ ولا غيرِه، ولا بأسَ أنْ تضَعَ الشعرَ وغيرَه على رأسِها وَضعًا ما لم تَصِلْه، رُويَ ذلكَ عن إبراهيمَ، وعلَّةُ هذا القولِ أنَّ الخبَرَ إنَّما ورَدَ عن النبيِّ ﵇ بالنهيِ عن الوَصلِ، فأما ما لم يَكنْ وَصلًا فلا بأسَ به.
قالَ الطبَريُّ: والصوابُ عندَنا في ذلكَ أنْ يُقالَ: غيرُ جائزٍ أنْ تَصلَ بشَعرِها شيئًا مِنْ الأشياءِ لِتَتجمَّلَ به، وشَعرًا كانَ أو غيرَه؛ لعُمومِ النهيِ عن النبيِّ ﵇ أنْ تَصِلَ بشَعرِها شيئًا.
وأمَّا خبَرُ أشوَعَ عن عائِشةَ فهو باطلٌ؛ لأنَّ رُواتَه لا يُعرَفونَ، وابنُ أشوعَ لم يُدرِكْ عائشةَ (١).
حُكمُ الوَشمِ:
الواشِمةُ: هي التي تَشمُّ يَدَيها، وذلك أنْ تَغررَ ظَهْرَ كَفِّها أو غيرَه مِنْ جَسدِها بإبرةٍ حتَّى تُؤثِّرَ فيها ثم تَحشوهُ كُحلًا وتَجعلَه كالنَّقشِ في جَسدِها تَتزيَّنُ بذلكَ (٢).
стр. 11478
قالَ ابنُ العرَبيِّ ﵀: ورِجالُ صِقليةَ وإفرِيقيةَ يَفعلونَه ليَدُلَّ كلُّ واحدٍ منهُم على رُجْلَتِه في حَداثتِه (١).
وقد نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على حُرمةِ الوَشمِ؛ لِمَا ورَدَ مِنْ النهيِ عنه في عدَّةِ أحاديثَ عن النبيِّ ﷺ ، منها ما رَواهُ علقَمةُ عن عبدِ اللهِ قالَ: «لعَنَ اللهُ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والنَّامِصاتِ والمُتنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خلْقَ اللهِ، قالَ: فبلَغَ ذلكَ امرأةً مِنْ بنِي أسَدٍ يُقالَ لها أمُّ يَعقوبَ وكانَتْ تَقرأُ القُرآنَ، فأتَتْه فقالَتْ: ما حَديثٌ بلَغَني عنكَ أنكَ لَعَنتَ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والمُتنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خلْقَ اللهِ؟ فقالَ عبدُ اللهِ: وما لي لا أَلعَنُ مَنْ لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وهو في كِتابِ اللهِ، فقالَتِ المَرأةُ: لقدْ قَرأتُ ما بينَ لَوحَيِ المُصحفِ فما وجَدتُه، فقالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرأتِيه لقدْ وَجدتِيه، قالَ اللهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فقالَتِ المرأةُ: فإني أرَى شَيئًا مِنْ هذا على امرَأتِكَ الآنَ، قالَ: اذهَبِي فانظُرِي، قالَ: فدخَلَتْ على امرأةِ عبدِ اللهِ فلمْ تَرَ شيئًا، فجاءَتْ إليه فقالَتْ: ما رأيتُ شَيئًا، فقالَ: أمَا لو كانَ ذلكَ لم نُجامِعْها» (٢).
стр. 11479
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «لعَنَ النبيُّ ﷺ الواصِلةَ والمُستَوصِلةَ والواشِمةَ والمُستَوشِمةَ» (١).
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «لُعِنَتِ الواصِلةُ والمُستَوصِلةُ والنامِصةُ والمُتَنمِّصةُ والواشِمةُ والمُستَوشِمةُ مِنْ غَيرِ داءٍ» (٢).
قالَ الإمامُ المَناويُّ ﵀: والواشِمة والمُستوشِمة، وذلكَ كلُّه حَرامٌ شَديدُ التَّحريمِ، قالَ ابنُ العرَبيِّ: بإجماعِ الأمَّةِ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ خلَقَ الصُّوَرَ فأحسَنَها، ثمَّ فاوَتَ في الجَمالِ بينَهُما مِراتبَ، فمَن أرادَ أنْ يُغيِّرَ خَلْقَ اللهِ فيها ويُبطِلَ حِكمتَه فيها فهو جَديرٌ بالإبعادِ والطَّردِ (٣).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا الواشِمةُ بالشِّينِ المُعجَمةِ ففاعِلةُ الوَشمِ، وهي أنْ تَغرزَ إبرةً أو مِسلَّةً أو نحوَهما في ظَهرِ الكَفِّ أو المِعصَمِ أو الشِّفةِ أو غيرِ ذلكَ مِنْ بَدنِ المَرأةِ حتَّى يَسيلَ الدَّمُ، ثمَّ تَحشُو ذلكَ المَوضعَ بالكُحلِ أو النُّورَةِ فيَخضَرَّ، وقد يُفعلُ ذلكَ بِداراتٍ ونُقوشٍ، وقد تُكثِّرُه وقد تُقلِّلُه، وفاعِلةُ هذا واشِمةٌ، وقد وَشَمَتْ تَشِمُ وَشْمًا والمَفعولُ بها مَوشومةٌ، فإنْ طلَبَتْ فِعلَ ذلك بها فهي مُستوشِمةٌ، وهو حَرامٌ على الفاعِلةِ والمَفعولِ
стр. 11480
بها باختيارِها والطالِبةِ له، وقد يُفعَلُ بالبنتِ وهي طِفلةٌ، فتأثَمُ الفاعِلةُ ولا تأثَمُ البنتُ؛ لعَدمِ تكليفِها حِينئذٍ.
قالَ أصحابُنا: هذا المَوضعُ الذي وُشِمَ يَصيرُ نَجسًا، فإنْ أمكَنَ إزالتُه بالعِلاجِ وجَبَتْ إزالتُه، وإنْ لم يُمكِنْ إلا بالجَرحِ فإنْ خافَ منه التلَفَ أو فَواتَ عُضوٍ أو مَنفعةِ عُضوٍ أو شيئًا فاحِشًا في عُضوٍ ظاهرٍ لم تَجبْ إزالتُه، فإذا بانَ لم يَبْقَ عليه إثمٌ، وإنْ لم يَخَفْ شيئًا مِنْ ذلكَ ونحوَه لَزمَه إزالتُه ويَعصِي بتأخيرِه، وسواءٌ في هذا كلِّه الرَّجلُ والمَرأةُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: الواشِمةُ: وهيَ التي تَنقشُ بدَنَها وتَشِمُه بما كانَتِ العرَبُ تَفعلُه مِنْ الخُضرةِ في غَرزِ الإبَرِ فيَبقَى لونُه على الإبرِ.
وأمَّا الوَشمُ بالحِنَّاءِ والخِضابِ فمُباحٌ وليسَ ممَّا تَناولَه النهيُ (٢).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الوَشمَ حرامٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لعَنَ اللهُ الواشِمةَ والمُستوشِمةَ»، والواشِمةُ: التي تَغرزُ جِلدَها بإبرةٍ تَحشوهُ كُحلًا، والمُستوشِمةُ: التي يُفعَلُ بها ذلكَ (٣).
стр. 11481
حُكمُ الوشر وتَفليجِ الأسنانِ:
الواشِرةُ: هي التي تَبردُ الأسنانَ بمِبرَدٍ ونحوِه لتُحدِّدَها وتَفلِجَها وتُحسِّنَها، والمُستوشِرةُ: المَفعولُ بها ذلكَ بإذنِها (١).
وأمَّا المُتفلِّجاتُ بالفاءِ والجِيمِ والمرادُ مُفلِّجاتُ الأسنانِ بأنْ تَبردَ ما بينَ أسنانِها الثِّنايا والرَّباعياتِ، وهو مِنْ الفَلَجِ بفَتحِ الفاءِ واللامِ، وهي فُرجَةٌ بينَ الثنايا والرَّباعياتِ (٢).
ورَدَ النهيُ عن الوَشْرِ والتَّفليجِ عن النبيِّ ﷺ ، فعن أبي رَيحانةَ أنه قالَ: «بلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهَى عنِ الوَشرِ» (٣).
وعن عَلقَمةَ عن عبدِ اللهِ قالَ: «لعَنَ اللهُ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والمُتَنمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ تعالَى، ما لي لا أَلعَنُ مَنْ لعَنَ النبيُّ ﷺ ، وهو في كِتابِ اللهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]» (٤).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا المُتفلِّجاتُ بالفاءِ والجيمِ والمُرادُ مُفلِّجاتُ الأسنانِ بأنْ تَبردَ ما بينَ أسنانِها الثَّنايا والرَّباعياتِ، وهو مِنْ الفَلَجِ
стр. 11482
بفَتحِ الفاءِ واللامِ، وهي فُرجةٌ بينَ الثَّنايا والرَّباعياتِ، وتَفعلُ ذلكَ العَجوزُ ومَن قاربَتْها في السنِّ إظهارًا للصِّغرِ وحُسنِ الأسنانِ؛ لأنَّ هذه الفُرجةَ اللِّطيفةَ بينَ الأسنانِ تكونُ للبَناتِ الصِّغارِ، فإذا عجَزَتِ المَرأةُ كَبُرتْ سِنُّها وتَوحَّشتْ فتَبردُها بالمِبردِ لتَصيرَ لَطيفةً حَسنةَ المَنظرِ وتُوهِمَ كونَها صَغيرةً، ويُقالَ له أيضًا: الوَشْرُ، ومنه «لعَنَ الواشِرةَ والمُستوشِرةَ»، وهذا الفِعلُ حَرامٌ على الفاعِلةِ والمَفعولِ بها؛ لهذهِ الأحاديثِ، ولأنه تَغييرٌ لخَلْقِ اللهَ تعالَى، ولأنه تَزويرٌ ولأنه تَدليسٌ.
وأمَّا قولُه: «المُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ» فمَعناهُ: يَفعلْنَ ذلكَ طلَبًا للحُسْنِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الحرامَ هو المَفعولُ لطَلبِ الحُسنِ، أمَّا لو احتَاجَتْ إليه لعِلاجٍ أو عَيبٍ في السِّنِّ ونحوِه فلا بأسَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ الطبَريُّ ﵀: في هذا الحَديثِ البيانُ عن رَسولِ اللهِ أنه لا يَجوزُ لامرأةٍ تَغييرُ شَيءٍ مِنْ خَلْقِها الذي خلَقَها اللهُ عليهِ بزيادةٍ فيه أو نَقصٍ منه التماسَ التحسُّنِ بهِ لزوجٍ أو غيرِه؛ لأنَّ ذلكَ نَقضٌ منها خلْقَها إلى غيرِ هَيئتِه، وسواءٌ فلَجَتْ أسنانَها المُستويةَ الثنيةَ ووشَرَتْها، أو كانَتْ لها أسنانٌ طِوالٌ فقطعَتْ طلَبًا للحُسْنِ، أو أسنانٌ زائِدةٌ على المَعروفِ مِنْ أسنانِ بِنتِ آدَمَ فقلَعَتِ الزَّوائدَ مِنْ ذلكَ بغيرِ علَّةٍ إلا طلَبَ التحسُّنِ والتجمُّلِ، فإنها في كلِّ
стр. 11483
ذلكَ مُقدِمةٌ على ما نهَى اللهُ تعالَى عنه على لِسانِ نبيِّهِ إذا كانَتْ عالِمةً بالنهيِ عنه (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الواشِراتُ: وهي جَمعُ واشِرةٍ، وهي التي تَشِرُ أسنانَها، أي تَصنعُ فيها أَشرًا وهي التَّحزيزاتُ التي تكونُ في أسنانِ الشُّبَّانِ، تَفعلُ ذلكَ المَرأةُ الكَبيرةُ تَشبُّهًا بالشابَّةِ، وهذهِ الأمورُ كلُّها قد شَهدَتِ الأحاديثُ بلَعنِ فاعلِها وأنها مِنْ الكَبائرِ، واختُلفَ في المعنَى الذي نُهيَ لأجْلِها، فقيلَ: لأنها مِنْ بابِ التَّدليسِ، وقيلَ: مِنْ بابِ تَغييرِ خَلقِ اللهِ تعالَى كما قالَ ابنُ مَسعودٍ، وهو أصَحُّ وهو يَتضمَّنُ المعنَى الأولَ (٢).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ: ﵀ وفي «المُقدِّمات»: لا يَجوزُ للمَرأةِ وَصلُ شَعرِها ولا وَشمُ وَجهِها ولا يَديها ولا وَشرُ أسنانِها؛ لقَولِه في الصَّحيحِ: «لعَنَ اللهُ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ والواشِرةَ والمُستوشِرةَ والواشِمةَ والمُستوشِمةَ والمُتنمِّصاتِ والمُتفلِّجاتِ للحُسنِ المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ» … فالوَشْرُ: نَحتُ الأسنانِ حتَّى تَتفلَّجَ وتَحدَّدَ أطرافُها (٣).
وقالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: والمُتفلِّجاتُ: جَمعُ مُتفلِّجةٍ، وهي التي تَطلبُ الفَلجَ أو تَصنعُه، والفَلجُ بالفاءِ واللامِ والجيمِ: انفِراجُ ما بينَ
стр. 11484
الثَّنيَّتينِ، والتفلُّجُ: أنْ يُفرجَ بينَ المُتلاصقَينِ بالمِبردِ ونحوِه، وهو مُختصٌّ عادةً بالثِّنايا والرباعيَّاتِ، ويُستحسَنُ مِنْ المرأةِ، فربَّما صَنعتْه المرأةُ التي تكونُ أسنانُها مُتلاصِقةً لتَصيرَ مُتفلِّجةً، وقد تَفعلُه الكَبيرةُ تُوهِمُ أنها صَغيرةٌ؛ لأنَّ الصَّغيرةَ غالبًا تكونُ مُفلَّجةً جَديدةَ السِّنِّ ويَذهبُ ذلكَ في الكِبَرِ، وتَحديدُ الأسنانِ يُسمَّى الوَشْرَ بالراءِ، وقد ثبَتَ النهيُ عنه أيضًا في بعضِ طُرقِ حَديثِ ابنِ مَسعودٍ ومِن حَديثِ غيرِه في السُّننِ وغيرِها، وسَتأتي الإشارةُ إليهِ في آخِرِ بابِ المَوصولةِ، فورَدَ النهيُ عن ذلكَ؛ لِمَا فيه مِنْ تَغييرِ الخِلقةِ الأصليةِ (١).
стр. 11485
كتاب الرضاع
تَعريفُ الرَّضاعِ:
الرَّضاعُ بفَتحِ الرَّاءِ وكَسرِها: اسمٌ لمَصِّ الثَّدي وشُربِ لَبنِه (١).
وفي الشَّرعِ عرَّفَه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ:
فعرَّفَه الحَنفيةُ بأنه: عِبارةٌ عن مَصٍّ مِنْ ثَديِ الآدَميةِ ولو بِكرًا أو ميِّتةً أو آيِسةً في وَقتٍ مَخصوصٍ يَتعلَّقُ به التَّحريمُ.
وسَواءٌ وصَلَ اللَّبنُ إلى جَوفِ الطِّفلِ مِنْ ثَديٍ أو مُسعَطٍ أو غَيرِه، فإذا حلَبَتْ لبَنَها في قارُورةٍ فإنَّ الحُرمةَ تَثبتُ بإيجارِ هذا اللَّبَنِ صَبيًّا وإنْ لم يُوجَدِ المَصُّ، فلا فرْقَ بينَ المَصِّ والصَّبِّ والسَّعوطِ والوَجورِ.