حُكمُ الوشر وتَفليجِ الأسنانِ:
الواشِرةُ: هي التي تَبردُ الأسنانَ بمِبرَدٍ ونحوِه لتُحدِّدَها وتَفلِجَها وتُحسِّنَها، والمُستوشِرةُ: المَفعولُ بها ذلكَ بإذنِها (١).
وأمَّا المُتفلِّجاتُ بالفاءِ والجِيمِ والمرادُ مُفلِّجاتُ الأسنانِ بأنْ تَبردَ ما بينَ أسنانِها الثِّنايا والرَّباعياتِ، وهو مِنْ الفَلَجِ بفَتحِ الفاءِ واللامِ، وهي فُرجَةٌ بينَ الثنايا والرَّباعياتِ (٢).
ورَدَ النهيُ عن الوَشْرِ والتَّفليجِ عن النبيِّ ﷺ ، فعن أبي رَيحانةَ أنه قالَ: «بلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهَى عنِ الوَشرِ» (٣).
وعن عَلقَمةَ عن عبدِ اللهِ قالَ: «لعَنَ اللهُ الواشِماتَ والمُستَوشِماتَ والمُتَنمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ تعالَى، ما لي لا أَلعَنُ مَنْ لعَنَ النبيُّ ﷺ ، وهو في كِتابِ اللهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]» (٤).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا المُتفلِّجاتُ بالفاءِ والجيمِ والمُرادُ مُفلِّجاتُ الأسنانِ بأنْ تَبردَ ما بينَ أسنانِها الثَّنايا والرَّباعياتِ، وهو مِنْ الفَلَجِ
стр. 11482
بفَتحِ الفاءِ واللامِ، وهي فُرجةٌ بينَ الثَّنايا والرَّباعياتِ، وتَفعلُ ذلكَ العَجوزُ ومَن قاربَتْها في السنِّ إظهارًا للصِّغرِ وحُسنِ الأسنانِ؛ لأنَّ هذه الفُرجةَ اللِّطيفةَ بينَ الأسنانِ تكونُ للبَناتِ الصِّغارِ، فإذا عجَزَتِ المَرأةُ كَبُرتْ سِنُّها وتَوحَّشتْ فتَبردُها بالمِبردِ لتَصيرَ لَطيفةً حَسنةَ المَنظرِ وتُوهِمَ كونَها صَغيرةً، ويُقالَ له أيضًا: الوَشْرُ، ومنه «لعَنَ الواشِرةَ والمُستوشِرةَ»، وهذا الفِعلُ حَرامٌ على الفاعِلةِ والمَفعولِ بها؛ لهذهِ الأحاديثِ، ولأنه تَغييرٌ لخَلْقِ اللهَ تعالَى، ولأنه تَزويرٌ ولأنه تَدليسٌ.
وأمَّا قولُه: «المُتَفلِّجاتِ للحُسْنِ» فمَعناهُ: يَفعلْنَ ذلكَ طلَبًا للحُسْنِ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الحرامَ هو المَفعولُ لطَلبِ الحُسنِ، أمَّا لو احتَاجَتْ إليه لعِلاجٍ أو عَيبٍ في السِّنِّ ونحوِه فلا بأسَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: قالَ الطبَريُّ ﵀: في هذا الحَديثِ البيانُ عن رَسولِ اللهِ أنه لا يَجوزُ لامرأةٍ تَغييرُ شَيءٍ مِنْ خَلْقِها الذي خلَقَها اللهُ عليهِ بزيادةٍ فيه أو نَقصٍ منه التماسَ التحسُّنِ بهِ لزوجٍ أو غيرِه؛ لأنَّ ذلكَ نَقضٌ منها خلْقَها إلى غيرِ هَيئتِه، وسواءٌ فلَجَتْ أسنانَها المُستويةَ الثنيةَ ووشَرَتْها، أو كانَتْ لها أسنانٌ طِوالٌ فقطعَتْ طلَبًا للحُسْنِ، أو أسنانٌ زائِدةٌ على المَعروفِ مِنْ أسنانِ بِنتِ آدَمَ فقلَعَتِ الزَّوائدَ مِنْ ذلكَ بغيرِ علَّةٍ إلا طلَبَ التحسُّنِ والتجمُّلِ، فإنها في كلِّ
стр. 11483
ذلكَ مُقدِمةٌ على ما نهَى اللهُ تعالَى عنه على لِسانِ نبيِّهِ إذا كانَتْ عالِمةً بالنهيِ عنه (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الواشِراتُ: وهي جَمعُ واشِرةٍ، وهي التي تَشِرُ أسنانَها، أي تَصنعُ فيها أَشرًا وهي التَّحزيزاتُ التي تكونُ في أسنانِ الشُّبَّانِ، تَفعلُ ذلكَ المَرأةُ الكَبيرةُ تَشبُّهًا بالشابَّةِ، وهذهِ الأمورُ كلُّها قد شَهدَتِ الأحاديثُ بلَعنِ فاعلِها وأنها مِنْ الكَبائرِ، واختُلفَ في المعنَى الذي نُهيَ لأجْلِها، فقيلَ: لأنها مِنْ بابِ التَّدليسِ، وقيلَ: مِنْ بابِ تَغييرِ خَلقِ اللهِ تعالَى كما قالَ ابنُ مَسعودٍ، وهو أصَحُّ وهو يَتضمَّنُ المعنَى الأولَ (٢).
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ: ﵀ وفي «المُقدِّمات»: لا يَجوزُ للمَرأةِ وَصلُ شَعرِها ولا وَشمُ وَجهِها ولا يَديها ولا وَشرُ أسنانِها؛ لقَولِه في الصَّحيحِ: «لعَنَ اللهُ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ والواشِرةَ والمُستوشِرةَ والواشِمةَ والمُستوشِمةَ والمُتنمِّصاتِ والمُتفلِّجاتِ للحُسنِ المُغيِّراتِ خَلْقَ اللهِ» … فالوَشْرُ: نَحتُ الأسنانِ حتَّى تَتفلَّجَ وتَحدَّدَ أطرافُها (٣).
وقالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: والمُتفلِّجاتُ: جَمعُ مُتفلِّجةٍ، وهي التي تَطلبُ الفَلجَ أو تَصنعُه، والفَلجُ بالفاءِ واللامِ والجيمِ: انفِراجُ ما بينَ
стр. 11484
الثَّنيَّتينِ، والتفلُّجُ: أنْ يُفرجَ بينَ المُتلاصقَينِ بالمِبردِ ونحوِه، وهو مُختصٌّ عادةً بالثِّنايا والرباعيَّاتِ، ويُستحسَنُ مِنْ المرأةِ، فربَّما صَنعتْه المرأةُ التي تكونُ أسنانُها مُتلاصِقةً لتَصيرَ مُتفلِّجةً، وقد تَفعلُه الكَبيرةُ تُوهِمُ أنها صَغيرةٌ؛ لأنَّ الصَّغيرةَ غالبًا تكونُ مُفلَّجةً جَديدةَ السِّنِّ ويَذهبُ ذلكَ في الكِبَرِ، وتَحديدُ الأسنانِ يُسمَّى الوَشْرَ بالراءِ، وقد ثبَتَ النهيُ عنه أيضًا في بعضِ طُرقِ حَديثِ ابنِ مَسعودٍ ومِن حَديثِ غيرِه في السُّننِ وغيرِها، وسَتأتي الإشارةُ إليهِ في آخِرِ بابِ المَوصولةِ، فورَدَ النهيُ عن ذلكَ؛ لِمَا فيه مِنْ تَغييرِ الخِلقةِ الأصليةِ (١).
стр. 11485
كتاب الرضاع
تَعريفُ الرَّضاعِ:
الرَّضاعُ بفَتحِ الرَّاءِ وكَسرِها: اسمٌ لمَصِّ الثَّدي وشُربِ لَبنِه (١).
وفي الشَّرعِ عرَّفَه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ:
فعرَّفَه الحَنفيةُ بأنه: عِبارةٌ عن مَصٍّ مِنْ ثَديِ الآدَميةِ ولو بِكرًا أو ميِّتةً أو آيِسةً في وَقتٍ مَخصوصٍ يَتعلَّقُ به التَّحريمُ.
وسَواءٌ وصَلَ اللَّبنُ إلى جَوفِ الطِّفلِ مِنْ ثَديٍ أو مُسعَطٍ أو غَيرِه، فإذا حلَبَتْ لبَنَها في قارُورةٍ فإنَّ الحُرمةَ تَثبتُ بإيجارِ هذا اللَّبَنِ صَبيًّا وإنْ لم يُوجَدِ المَصُّ، فلا فرْقَ بينَ المَصِّ والصَّبِّ والسَّعوطِ والوَجورِ.
стр. 11486
فإنْ حُقنَ به لم يَتعلَّقْ به تَحريمٌ، وإنْ أُقطِرَ في أُذنَيهِ أو في إحليلِه أو في جائِفةٍ أو آمَّةٍ لم يُحرِّمْ (١).
وقالَ ابنُ عَرفةَ المالِكيُّ ﵀: الرَّضاعُ: وُصولُ لبَنِ آدمِيَّةٍ لمَحلٍّ مَظنَّةَ غِذاءِ آخرَ للتَّحريمِ بالسَّعوطِ والحُقنةِ (٢).
وعرَّفَه الشافِعيةُ بأنَّه: اسمٌ لحُصولِ لَبنِ امرأةٍ أو ما حصَلَ منه في مَعدةِ طِفلٍ أو دِماغِه (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: الرَّضاعُ شَرعًا: مَصُّ مَنْ له دُونَ حَولينِ لَبنًا ثابَ -أي: اجتَمعَ- مِنْ حَملٍ مِنْ ثَديِ امرأةٍ أو شُربُه ونَحوُه كأكلِه بعدَ تَجبينِه وسَعوطٍ ووَجورٍ (٤).
الأحكامُ التي تَترتَّبُ على الرَّضاعِ:
للرَّضاعِ تَأثيرٌ في تَحريمِ النكاحِ، وفي ثُبوتِ الحُرمةِ، وفي جوازِ النَّظرِ والخَلوةِ.
فيَحرمُ النكاحُ وتَثبتُ المَحرميَّةُ المُفيدةُ لجَوازِ النَّظرِ والخَلوةِ وعَدمِ نَقضِ الوُضوءِ عندَ الشافِعيةِ على ما يأتي بَيانُ ذلكَ بالتَّفصيلِ.
стр. 11487
وأما سائرُ أحكامِ النَّسبِ كالمِيراثِ والنَّفقةِ والعِتقِ بالمِلكِ وسُقوطِ القِصاصِ وعَدمِ القَطعِ والوِلايةِ على المالِ أو النَّفسِ فلا تَثبتُ بالرَّضاعِ اتِّفاقًا.
والأصلُ في التَّحريمِ بالرَّضاعِ الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فذكَرَ اللهُ في جُملةِ الأعيانِ المُحرَّماتِ الأمَّ المُرضِعةَ والأختَ مِنْ الرَّضاعةِ، فدَلَّ على أنَّ له تأثيرًا في التَّحريمِ (١).
وأما السُّنةُ: فعَن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ في بِنتِ حَمزةَ: «لا تَحِلُّ لي، يَحرُمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ، هيَ بِنتُ أخِي مِنْ الرَّضاعةِ» (٢)، ففيهِ دَليلٌ على أنَّ الرَّضاعَ مِنْ أسبابِ التحريمِ وأنهُ بمَنزلةِ النسبِ في ثُبوتِ الحرمةِ؛ لأنَّ ثُبوتَ الحرمةِ بالنَّسبِ لحَقيقةِ البعضيَّةِ أو شُبهةِ البعضيةِ، وفي الرَّضاعِ شُبهةُ البعضيةِ بما يَحصلُ باللَّبنِ الذي هوَ جزءُ الآدَميةِ في إنباتِ اللَّحمِ وإنشازِ العَظمِ (٣).
وعن عَمرةَ بنتِ عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ عندَها وأنها سَمعَتْ صوتَ رَجلٍ
стр. 11488
يَستأذنُ في بيتِ حَفصةَ، قالَتْ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ هذا رَجلٌ يَستأذِنُ في بَيتِكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : «أُراهُ فُلانًا -لعَمِّ حَفصةَ مِنْ الرَّضاعةِ-، قالَتْ عائِشةُ: لو كانَ فُلانٌ حيًّا -لعمِّهَا مِنْ الرَّضاعةِ- دخَلَ عَليَّ؟ فقالَ: نعمْ، الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» (١).
وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «استَأذنَ عَليَّ أفلَحُ فلَم آذَنْ له، فقالَ: أتَحتَجِبينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ فقُلتُ: وكيفَ ذلكَ؟ قالَ: أرضَعَتْكِ امرَأةُ أخي بلَبنِ أخِي، فقالَتْ: سَألتُ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: صدَقَ أفلَحُ، ائذَنِي له» (٢).
قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصاصُّ ﵀: المَنصوصُ عليهِ في التَّنزيلِ مِنْ الرَّضاعِ الأمهاتُ والأخواتُ مِنْ الرَّضاعةِ، إلا أنه قَدْ ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ بالنَّقلِ المُستفيضِ الموجِبِ للعِلمِ أنهُ قالَ: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ»، واتَّفقَ الفُقهاءُ على استعمالِه، واللهُ أعلَمُ (٣).
قالَ الإمامُ النوويُّ ﵀: هذهِ الأحاديثُ مُتفِقةٌ على ثُبوتِ حُرمةِ الرَّضاعِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على ثُبوتِها بينَ الرضيعِ والمرضِعةِ، وأنهُ يَصيرُ ابنَها يَحرمُ عليه نكاحُها أبدًا، ويَحلُّ له النَّظرُ إليها والخَلوةُ بها والمُسافَرةُ،
стр. 11489
ولا يَترتبُ عليهِ أحكامُ الأمومَةِ مِنْ كلِّ وَجهٍ، فلا يَتوارثانِ، ولا يَجبُ على واحدٍ منهُما نَفقةُ الآخَرِ، ولا يُعتَقُ عليه بالمِلكِ، ولا تُرَدُّ شهادتُه لها، ولا يَعقِلُ عنها، ولا يَسقطُ عنها القِصاصُ بقَتلِه، فهُمَا كالأجنبيَّينِ في هذه الأحكامِ.
وأجمَعُوا أيضًا على انتِشارِ الحُرمةِ بينَ المُرضِعةِ وأولادِ الرضيعِ، وبينَ الرضيعِ وأولادِ المرضِعةِ، وأنهُ في ذلكَ كوَلدِها مِنْ النَّسبِ؛ لهذهِ الأحاديثِ (١).
فيَحرمُ بالرضاعِ سَبعٌ كما يَحرمُ بالنَّسبِ: الأمَّهاتُ والبَناتُ والأخواتُ والعمَّاتَ والخالاتُ وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ.
وبَيانُ ذلكَ أنَّ المرأةَ إذا أرضَعَتْ وَلدًا بلَبنٍ مِنْ زَوجٍ فالولدُ المُرضَعُ ابنٌ لها وللزوجِ؛ لأنَّ اللبنَ حادثٌ عنها بسَببٍ يَنتسبُ إلى الزوجِ، فاقتَضى أنْ يكونَ المرضَعُ ابنًا لهُمَا كالمولودِ منهُما، وإذا كانَ كذلكَ كانتِ المرضِعةُ أمًّا له، وكانَ أمَّهاتُها جدَّاتِه مِنْ أمٍّ، وأباؤُها أجدادَه مِنْ أمٍّ، وبناتُها أخَواتِه مِنْ أمٍّ، وإخوَتُها أخوالَه مِنْ أمٍّ، وأخواتُها خالاتِه مِنْ أمٍّ، وكانَ الزوجُ أبًا له، وآباؤُه أجدادَه مِنْ أبٍ، وأمهاتُه جدَّاتِه مِنْ أبٍ، وبَنُوه إخوَتَه مِنْ أبٍ، وإخوَتُه أعمامَه وأخواتِه عمَّاتِه كذلكَ على تَرتيبِ الأنسابِ، فيَكونُ على ما ذكَرْنا مِنَ الأحكامِ، فتَصيرُ المحرَّماتَ بالرضاعِ سَبعًا كما كانَ المحرَّماتَ
стр. 11490
بالأنسابِ سبعًا، ويتفرَّعُ عليهنَّ مَنْ ذكَرْنا مِنْ المتفرِّعاتِ على المُناسَباتِ.
فيَكونُ أختُ الأبِ مِنْ الرَّضاعِ عمَّتَه مُحرَّمةً، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ، وكذلكَ أختُ الجَدِّ مِنْ الرَّضاعِ وآبائِه محرَّمةٌ كالعمَّةِ، سواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نَسبٍ أو رَضاعٍ.
ويكونُ أختُ الأمِّ مِنْ الرَّضاعِ خالةً محرَّمةً، سواءٌ كانَتْ أختًا بنَسبٍ أو رَضاعٍ، وكذلكَ أختُ الجدَّةِ وأمُّها كالخالةِ في التَّحريمِ، سَواءٌ كانَتْ أختًا مِنْ نسبٍ أو رَضاعٍ.
وعلى هذا يكونُ حُكمُ سائرِ القَراباتِ مِنْ الرَّضاعِ يُحمَلُ على حُكمِ القَراباتِ مِنَ النسبِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنه يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ (٢).
وأجمَعُوا على أنَّ البِكرَ التي لم تنكحْ ثمَّ نزَلَ بها لَبنٌ فأرضَعَتْ به مَولودًا أنه ابنُها ولا أبَ له مِنْ الرَّضاعةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ عُلماءُ الأمَّةِ على التَّحريمِ بالرَّضاعِ (٤).
стр. 11491
وقالَ أيضًا: كلُّ امرأةٍ حُرِّمتْ مِنَ النَّسبِ حُرِّمَ مثلُها مِنَ الرَّضاعِ، وهنَّ: الأمَّهاتُ والبَناتُ والأخَواتُ والعمَّاتَ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ على الوَجهِ الذي شَرَحناهُ في النَّسبِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ منَ النَّسبِ» مُتفَقٌ عليهِ، وفي روايةِ مُسلمٍ: «الرَّضاعُ يُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ»، وقالَ النبيُّ ﷺ في دُرةَ بنتِ أبي سَلمةَ: «إنها لو لم تَكنْ رَبيبَتِي في حَجرِي ما حلَّتْ لي، إنها ابنةُ أخِي مِنْ الرَّضاعةِ، أرضَعَتْني وأباها ثُويبةُ» مُتفَقٌ عليهِ، لأنَّ الأمَّهاتِ والأخَواتِ مَنصوصٌ عَليهنَّ، والباقِياتُ يَدخلْنَ في عُمومِ لَفظِ سائرِ المُحرَّماتِ، ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا (١).
وقالَ ابنُ بطالٍ ﵀: لا خِلافَ بينَ الأُمةِ أنه يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النَّسبِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كانَتِ الأمُّ مِنَ الرضاعِ مُحرَّمةً كانَ كذلكَ زوجُها، وصارَ أبًا لمَن أرضَعَتْه زَوجتُه؛ لأنَّ اللبنَ منهُما جَميعًا، وإذا كانَ زوجُ التي أرضَعَتْ أبًا كانَ أخوهُ عمًّا وكانَتْ أختُ المَرأةِ خالةً، يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ: العمَّاتَ والخالاتُ والأعمامُ والأخوالُ والأخَواتُ وبَناتُهنَّ كما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ، هذا معنَى قولِه ﵇: «الرَّضاعةُ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ».
стр. 11492
قالَ ابنُ المُنذِرِ: إذا أرضَعَتْ امرأةُ الرَّجلِ جارِيةً حرمَتْ على ابنِه وعلى أبيهِ وعلى جَدِّه وعلى بَني بَنيه وبَني بناتِه، وعلى كلِّ ولدٍ ذَكرٍ ووَلدِ وَلدِه، وعلى كلِّ جَدٍّ له مِنْ قِبَلِ أبيه وأمِّه، وإذا كانَ المرضَعُ غُلامًا حرَّمَ اللهُ عليه ولَدَ المرأةِ التي أرضَعَتْه وأولادَ الرجلِ الذينَ أُرضِعَ هذا الصبيُّ بلَبنِه وهوَ زوجُ المرضِعةِ، ولا تَحلُّ له عَمتُه مِنْ الرَّضاعةِ ولا خالتُه، ولا بِنتُ أخيه ولا بِنتُ أختِه مِنْ الرَّضاعةِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: وكذا كُلُّ مَنْ يَحرمُ بالصِّهريةِ مِنْ الفِرَقِ الأربَعِ بالنَّسبِ يَحرمُ بالرَّضاعِ، حتى يَحرمُ على الواطئِ أمُّ المَوطوءةِ وبِنتُها مِنْ جهةِ الرضاعِ.
وتَحرمُ المَوطوءةُ على أبِ الواطئِ وابنِه مِنْ جِهةِ الرَّضاعِ، ويَحرمُ مَوطوءةُ أبِ الرَّضاعِ على ابنِه مِنْ الرَّضاعِ، ويَحرمُ مَوطوءةُ ابنِ الرَّضاعِ على أبِ الرضاعِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا كلُّ مَنْ يَحرمُ ممَّن ذكَرْنا مِنْ الفِرقِ الأربَعِ بالمُصاهَرةِ يَحرمُ بالرضاعِ، فيَحرمُ على الرَّجلِ أمُّ زوجتِه وبِنتُها مِنْ الرضاعِ، إلا أنَّ الأمَّ تَحرمُ بنَفسِ العَقدِ إذا كانَ صَحيحًا، والبِنتُ لا تَحرمُ إلا بالدُّخولِ بالأمِّ كما في النَّسبِ، وكذا جدَّاتُ الزوجةِ لأبيها وأمِّها وإنْ علَوْنَ، وبَناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سفَلْنَ مِنَ الرضاعِ، وكذا يَحرمُ حَليلةُ ابنِ
стр. 11493
الرضاعِ وابنِ ابنِ الرضاعِ وإنْ سفَلَ على أبي الرَّضاعِ وأبي أبيهِ، وتَحرمُ مَنكوحةُ أبي الرضاعِ وأبي أبيهِ وإنْ عَلا على ابنِ الرَّضاعِ وابنِ ابنِه وإنْ سفَلَ، وكذا يَحرمُ بالوَطءِ أمُّ المَوطوءةِ وبِنتُها مِنْ الرضاعِ على الواطِئِ، وكذا جدَّاتُها وبناتُ بناتِها، وتَحرمُ المَوطوءةُ على أبي الواطئِ وابنِه مِنْ الرَّضاعِ، وكذا على أجدادِه وإنْ عَلَوا، وعلى أبناءِ أبنائِه وإنْ سَفَلوا، سواءٌ كانَ الوطءُ حَلالًا بأنْ كانَ بمِلكِ اليَمينِ، أو كانَ الوطءُ بنكاحٍ فاسِدٍ أو شُبهةِ نكاحٍ أو كانَ زنًا، والأصلُ أنهُ يَحرمُ بسَببِ الرضاعِ ما يَحرمُ بسَببِ النَّسبِ وسَببِ المُصاهرةِ، إلا في مَسألتَينِ يَختلفُ فيهِما حُكمُ المُصاهرةِ والرضاعِ (١).
وقالَ أيضًا: المرضِعةُ تَحرمُ على المرضَعِ؛ لأنها صارَتْ أمًّا له بالرَّضاعِ، فتَحرمُ عليهِ؛ لقَولِه : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مَعطوفًا على قولِهِ تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فسَمَّى المرضِعةَ أمَّ المرضَعِ وحرَّمَها عليهِ، وكذا بناتُها يَحرمْنَ عليهِ، سواءٌ كُنَّ مِنْ صاحبِ اللَّبنِ أو مِنْ غيرِ صاحبِ اللبنِ، مَنْ تَقدَّمَ منهنَّ ومَن تَأخرَّ؛ لأنهُنَّ أخواتُه مِنْ الرضاعةِ، وقد قالَ اللهُ : ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أثبَتَ اللهُ تعالَى الأخوَّةَ بينَ بناتِ المرضِعةِ وبينَ المرضَعِ والحُرمةَ بينَهما مُطلَقًا مِنْ غيرِ
стр. 11494
فَصلٍ بينَ أختٍ وأختٍ، وكذا بَناتُ بناتِها وبناتُ أبنائِها وإنْ سَفَلْنَ؛ لأنهُنَّ بناتُ أخِ المرضَعِ وأختِهِ مِنَ الرضاعةِ، وهنَّ يَحرمْنَ مِنْ النسبِ، كذا مِنْ الرضاعةِ.
ولو أرضَعَتِ امرأةٌ صَغيرَينِ مِنْ أولادِ الأجانبِ صارَا أخوَينِ؛ لكَونِهما مِنْ أولادِ المرضِعةِ، فلا يَجوزُ المناكَحةُ بينَهما إذا كانَ أحَدُهما أنثى.
والأصلُ في ذلكَ: أنَّ كلَّ اثنَينِ اجتَمعَا على ثَديٍ واحدٍ صارَا أخوَينِ أو أختَينِ أو أخًا وأختًا مِنْ الرَّضاعةِ، فلا يَجوزُ لأحَدِهما أنْ يَتزوَّجَ بالآخَرِ ولا بوَلدِه كما في النسبِ.
وأمَّهاتُ المرضِعةِ يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ جدَّاتُه مِنْ قِبَلِ أمِّه مِنْ الرضاعةِ، وآباءُ المرضِعةِ أجدادُ المرضَعِ مِنَ الرضاعةِ، فيَحرمْ عليهم كما في النَّسبِ.
وأخواتُ المرضِعةِ يَحرمنَ على المرضَعِ؛ لأنهنَّ خالاتُه مِنْ الرضاعةِ، وإخوتُها أخوالُ المرضَعِ، فيَحرمُ عليهم كما في النسبِ.
فأمَّا بناتُ إخوَةِ المرضِعةِ وأخواتِها فلا يَحرمْنَ على المرضَعِ؛ لأنهُنَّ بناتُ أخوالِه وخالاتِه مِنْ الرَّضاعةِ، وإنهُنَّ لا يُحرمْنَ مِنْ النسبِ، فكذا مِنَ الرضاعةِ.
وتَحرمُ المرضِعةِ على أبناءِ المرضَعِ وأبناءِ أبنائِه وإنْ سَفَلُوا كما في النسبِ، هذا تَفسيرُ الحرمةِ في جانبِ المرضِعةِ.
стр. 11495
والأصلُ في هذهِ الجملةِ قولُ النبيِّ ﷺ : «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنَ النسبِ»، فيَجبُ العملُ بعُمومِه إلَّا ما خُصَّ بدَليلٍ (١).
وقد تَقدَّمَ بَيانُ مَنْ يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ومَن لا يَحرمُ في كتابِ النكاحِ في المُحرماتَ بالرَّضاعِ.
والرَّضاعُ الذي يُحرِّمُ النكاحَ ويُثبتُ الحُرمةَ وجَوازَ النَّظرِ والخَلوةِ له ثَلاثةُ أركانٍ:
مُرضِعٌ.
ولَبنٌ.
ورَضيعٌ.
الرُّكنُ الأولُ: المرضِعُ:
يُشترطُ في المُرضعِ التي يَنتشرُ بلَبنِها التَّحريمُ ما يَلي:
أولاً: أنْ تَكونَ امرأةً:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المُرضعِ أنْ تَكونَ امرأةً، فلا يَثبتُ التَّحريمِ:
بلَبنِ الرَّجلِ؛ لأنَّ لبَنَه لم يُجعلْ غِذاءً للمَولودِ، فلَم يَثبتْ به التَّحريمُ، ولأنه ليس بلَبنٍ على الحَقيقةِ؛ لأنَّ اللَّبنَ إنما يُتصورُ ممَّن تُتصورُ منه الوِلادةُ.
стр. 11496
ولا يَثبتُ التَّحريمُ بلَبنِ البَهيمةِ، فإنْ شَربَ طِفلانِ مِنْ لَبنِ شاةٍ لم يَثبتْ بينَهُما حُرمةُ الرَّضاعِ؛ لأنَّ التحريمَ بالشَّرعِ، ولم يَرِدِ الشرعُ إلا في لَبنِ الآدَميةِ، والبَهيمةُ دونَ الآدَميةِ في الحُرمةِ، ولَبنُها دونَ لبنِ الآدَميةِ في إصلاحِ البَدنِ، فلَم يلحَقْ به في التَّحريمِ، ولأنَّ الأخوَّةَ فرعٌ على الأمُومةِ، فإذا لم يَثبتْ بهذا الرَّضاعِ أمومةٌ فلَأنْ لا يَثبتَ به الأخوَّةُ أَولى (١).
ولا بلَبنِ خُنثَى مُشكلٍ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه لا يُعلمُ أنه امرأةٌ، فلا يَثبتُ التَّحريمُ بالشكِّ، ما لم تَظهرْ أُنوثتُه ولو بعدَ الإرضاعِ باتِّضاحِه، فإنْ بانَتْ أُنوثتُه حَرُمَ، وإلا فلا (٢).
وقالَ المالِكيةُ: لبنُ الخُنثَى المُشكلِ يَنشرُ الحُرمةَ قياسًا على مَنْ تيقَّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ في الحَدثِ (٣).
ثانيًا: أنْ تَكونَ كَبيرةً:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ كَبيرةً ونزَلَ منها لَبنٌ فإنه يُحرِّمُ، واختَلفُوا في الصَّغيرةِ إذا ظهَرَ لها لَبنٌ، هل تَحرُمُ أم لا؟
стр. 11497
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَثبتُ التَحريمُ بلَبنِ الصَّغيرةِ إذا لم تَبلغْ تِسعَ سِنينَ قَمريةٍ، وإنْ لم يُحكمْ ببُلوغِها بذلكَ، فلو أنَّ صَبيةً لم تَبلغْ تِسعَ سِنينَ نزَلَ لها لَبنٌ فأرضَعَتْ به صَبيًّا لم يَتعلَّقْ به تَحريمٌ، وإنَّما يَتعلَّقُ التَّحريمُ به إذا حصَلَ مِنْ بنتِ تِسعِ سِنينَ فصاعِدًا (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الصَّبيةَ الصغيرةَ التي لا تُطيقُ الوَطءَ إذا أرضَعَتْ صَبيًّا أنها أمه، ولا يُراعَى مَنْ المُرضِعةُ، صَبيةً كانَتْ أو يائِسةً.
وفي قَولٍ: إذا حدَثَ للصَّبيةِ الصَّغيرةِ التي لا يُوطأُ مِثلُها لَبنٌ فرضَعَها صبيٌّ لم تَقعْ به حُرمةٌ (٢).
ثالِثًا: تَقدُّمُ الحَملِ على الرَّضاعِ (لَبنُ البِكرِ):
اشتَرطَ الحَنابلةُ في المَذهبِ أنه يُشترطُ تَقدمُ الحَملِ على الرَّضاعِ، فلو ثابَ لامرأةٍ لَبنٌ مِنْ غَيرِ حَملٍ تقدَّمَ لم يَنشُرِ الحُرمةَ، نَصَّ عليهِ الإمامُ أحمَدُ في لَبنِ البكرِ؛ لأنه نادرٌ لم تَجْرِ العادَةُ به لتَغذيةِ الأطفالِ (٣).
стр. 11498
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ تَقدمُ حَملٍ، فإذا نزَلَ للبِكرِ لَبنٌ فأرضَعَتْ به صَبيًّا تَعلَّقَ به التَّحريمُ؛ لإطلاقِ النصِّ، وهو قَولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولأنه لَبنُ امرأةٍ، فتَعلَّقَ به التَّحريمِ كما لو ثابَ بوَطءٍ، ولأنَّ ألبانَ النِّساءِ خُلقَتْ لغِذاءِ الأطفالِ، وإنْ كانَ هذا نادِرًا فجِنسُه مُعتادٌ (١).
رابعًا: أنْ تَكونَ المرأةُ حيَّةً (التَّحريمُ بلَبنِ المرأةِ الميتةِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَرأةَ إذا حُلبَ منها لَبنٌ في حَياتِها في إناءٍ ثم ماتَتْ وأُوجِرَ به الصبيُّ بعدَ مَوتِها أنه يَثبتُ به الحُرمةُ؛ لحُصولِ المَعنى المُوجبِ للحُرمةِ بهذا اللَّبنِ، ولا مُعتبَرَ بفعلِها في الإرضاعِ، ألَا تَرى أنها لو كانَتْ نائِمةً فارتَضعَ مِنْ ثَديها الصبيُّ تَثبتُ الحُرمةُ، وكذلكَ الإيجارُ لو حصَلَ في حَياتِها تَثبتُ الحُرمةُ، فكَذلكَ بعدَ مَوتِها.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولا خِلافَ في أنه إذا حُلبَ لبنُها في حالِ حياتِها في إناءٍ فأُوجرَ به الصبيُّ بعدَ موتِها أنه يَثبتُ به الحُرمةُ (٢).
стр. 11499
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو حَلَبتِ المَرأةُ لبنَها في إناءٍ ثمَّ ماتَتْ فشَربَه صَبيٌّ نشَرَ الحُرمةَ في قَولِ كلِّ مَنْ جعَلَ الوَجورَ مُحرِّمًا، وبه قالَ أبو ثَورٍ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ وغيرُهم؛ وذلكَ لأنه لبنُ امرأةٍ في حَياتِها، فأشبَهَ ما لو شَربَه وهي في الحياةِ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو ارتَضعَ صَبيٌّ مِنْ امرأةٍ مَيتةٍ أو أُخذَ اللَّبنُ منها وهي مَيتةٌ وشَربَه الصبيُّ بأنْ أُوجِرَ في فَمِه، هل تَثبتُ به الحُرمةُ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ وبعضُ الحَنابلةِ إلى أنه يُشترطُ أنْ تَكونَ المُرضعُ حيَّةً حياةً مُستقرةً، فإذا ارتَضعَ المَولودُ مِنْ لبنِ المَيتةِ الحاصلِ مِنْ ثَديها بعدَ موتِها لم يَثبتْ به التَّحريمُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «الحَرامُ لا يُحرِّمُ الحَلالَ»، وهذا اللبنُ مُحرِّمٌ لنَجاسةِ عينِه، فلَم يَثبتْ به تَحريمُ ما كانَ حَلالًا مِنْ قبلِه، ولأنَّ ما تَعلَّقَ به تَحريمُ النكاحِ يَنتفي مِنْ حُدوثِه بعدَ المَوتِ كالنكاحِ، ولأنَّ الرضاعَ ثبَّتَ تَحريمَ المُصاهرةِ كالوطءِ بشُبهةٍ، فلمَّا كانَ الموتُ مانعًا مِنْ ثُبوتِ التحريمِ بالوطءِ -لأنه لو وَطئَ المَيتةَ بعدَ مَوتِها مُعتقدًا أنها في الحَياةِ لم يَثبتْ بوَطئِه التحريمُ- كذلكَ ارتِضاعُ لَبنِ الميتةِ.
وتَحريرُه أنَّ ما ثبَتَ به التَّحريمُ إذا اتَّصلَ بحَياتِها زالَ عنهُ التحريمُ إذا اتَّصلَ بمَوتِها كالوَطءِ، ولأنَّ تَحريمَ الرَّضاعِ مُتعلقٌ بانفِصالِه مِنْ ثَدي الأمِّ ووُصولِه إلى جَوفِ الوَلدِ، فلمَّا كانَ وصولُ اللَّبنِ إلى الولدِ بعدَ موتِها مانعًا
стр. 11500
مِنْ ثبوتِ التحريمِ وجَبَ أنْ يكونَ انفصالُه بعدَ موتِ الأمِّ مانعًا مِنْ ثُبوتِ التحريمِ، وتَحريرُه أنه أحَدُ جِهتَي التحريمِ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ الموتُ مِنْ ثبوتِ التحريمِ كالوَلدِ، ولأنَّ الموتَ لمَّا أسقَطَ حُرمةَ وَطئِها وجَبَ أنْ يُسقطَ حُرمةَ لبنِها كالزِّنا، ولأنَّ الرَّضاعَ كالجِنايةِ لِما يَتعلقُ به مِنْ ضَمانِ التَّحريمِ، والميتُ لا يَثبتُ حُكمُ الجِنايةِ في حقِّه وإنْ ثبَتَ في حقِّ النائمِ والمَجنونِ، ألَا تَرى أنَّ ميتًا لو سقَطَ على رَجلٍ فقتَلَه لم يَضمنْه، ولو سقَطَ عليه نائِمٌ أو مَجنونٌ ضَمِنَه، ولا يَدخلُ على هذا حافرُ البِئرِ إذا حدَثَتْ بها جِنايةٌ بعدَ موتِه؛ لوُجودِ الحَفرِ منه في حياتِه، وإذا سقَطَ بالموتِ حُكمُ الجِنايةِ سقَطَ بها حُكمُ الضمانِ.
ولأنَّ لبَنَ الرَّضاعِ ما أنبَتَ اللحمَ وأنشَزَ العَظمَ، ولهذا المَعنى لم يَثبتْ رَضاعُ الكبيِر، ولَبنُ المَيتةِ داءٌ لا يَنبتُ به اللَّحمُ ولا يَنتشرُ به العَظمُ، فلَم يَثبتْ به التحريمُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ لبَنَ المرأةِ الميتةِ كلَبنِ الحيَّةِ، فإذا شَربَ الطفلُ مِنْ ثَديها أو حُلبَ اللبنُ مِنْ ثَديها بعدَ موتِها فأُوجرَ الصبيُّ ثبَتَتْ به الحُرمةُ؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ»، واسمُ الرضاعِ لا يَقفُ على
стр. 11501
الارتِضاعِ مِنْ الثديِ؛ فإنَّ العرَبَ تقولُ: «يَتيمُ راضِعٌ» وإنْ كانَ يرضعُ بلَبنِ الشاةِ والبقرِ، ولا على فِعلِ الارتضاعِ منها؛ بدَليلِ أنه لو ارتَضعَ الصبيُّ منها وهي نائمةٌ يُسمَّى ذلك رَضاعًا حتَّى يُحرِّمُ، ويقالَ أيضًا: «أُرضعَ هذا الصبيُّ بلَبنِ هذه الميتةِ» كما يُقالَ: «أُرضعَ بلَبنِ الحيَّةِ»، وقولُه: «الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» وقَولُه: «الرَّضاعُ ما أنبَتَ اللحمَ وأنشَزَ العَظمَ» وقَولُه «الرَّضاعُ ما فتَقَ الأمعاءَ»، ولبنُ المَيتةِ يَدفعُ الجُوعَ ويُنبتُ اللحمَ ويُنشزُ العَظمَ ويَفتقُ الأمعاءَ، فيُوجِبُ الحرمةَ، ولأنَّ اللبنَ كانَ مُحرِّمًا في حالِ الحياةِ، والعارضُ هو المَوتُ واللبنُ لا يَموتُ كالبيضةِ، كذا رُويَ عن عُمرَ ﵁ أنه قالَ: «اللَّبنُ لا يَموتُ»، ولأنَّ المَوتَ يَحلُّ مَحلَّ الحَياةِ، ولا حياةَ في اللبنِ، ألَا تَرى أنها لم تَتألَّمْ بأخذِه في حالِ حَياتِها، والحَيوانُ يَتألمُ بأخذِ ما فيه حَياةٌ مِنْ لَحمِه وسائرِ أعضائِه، وإذا لم يَكنْ فيه حياةٌ كانَ حالُه بعدَ موتِ المَرأةِ كحالِه قبلَ مَوتِها، وقبلَ مَوتِها مُحرِّمٌ، كذا بعدَه.
ولو سلَّمْنا بحُرمةِ اللبنِ بالموتِ فبالحُرمةِ لا يَخرجُ مِنْ أنْ يكونَ مُغذِّيًا، ألَا تَرى أنَّ لحمَ الميتةِ مُغَذٍّ، فكذلكَ لبنُها.
ولأنه لا فارِقَ بينَ شُربِه في حياتِها وموتِها إلا الحَياةُ والمَوتُ أو النَّجاسةُ، وهذا لا أثَرَ له؛ فإنَّ اللبنَ لا يَموتُ، والنجاسةُ لا تمنَعُ، كما لو حلَبَ في وِعاءٍ نَجسٍ، ولأنه لو حُلبَ منها في حياتِها فشَربَه بعدَ موتِها لَنشَرَ الحُرمةَ، وبقاؤُه في ثَديِها لا يَمنعُ ثبوتَ الحُرمةِ؛ لأنَّ ثَديَها لا يَزيدُ على
стр. 11502
الإناءِ في عَدمِ الحياةِ، وهي لا تَزيدُ على عَظمِ المَيتةِ في ثُبوتِ النجاسةِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما صِفةُ المُرضِعةِ فإنهُم اتَّفقوا على أنه يُحرِّمُ لبنُ كلِّ امرأةٍ بالغٍ وغيرِ بالغٍ واليائسةِ مِنْ المَحيضِ، كانَ لها زَوجٌ أو لم يكنْ، حامِلًا كانَتْ أو غيرَ حامِلٍ، وشَذَّ بعضُهم فأوجَبَ حُرمةً للبَنِ الرجلِ، وهذا غيرُ مَوجودٍ فَضلًا عن أنْ يكونَ له حُكمٌ شَرعيٌّ، وإنْ وُجدَ فليسَ لبنًا إلا باشتِراكِ الاسمِ.
واختَلفوا مِنْ هذا البابِ في لبنِ المَيتةِ:
وسَببُ الخلافِ: هل يَتناولُها العُمومُ أو لا يَتناولُها؟ ولا لبَنَ للمَيتةِ إنْ وُجدَ لها إلا باشتِراكِ الاسمِ، ويكادُ أنْ تكونَ مَسألةً غيرَ واقِعةٍ، فلا يكونُ لها وُجودٌ إلا في القَولِ (٢).
стр. 11503
الرُّكنُ الثاني: اللَّبَنُ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في اللَّبنِ الذي يَثبتُ به التَّحريمُ أنْ يَصلَ إلى جَوفِ الطفلِ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَصلَ بمَصِّ الثَّديِ أو بإيجارٍ مِنْ الحَلقِ أو إسعاطٍ مِنْ الأنفِ، فإذا حلَبَتْ لبَنَها في قارورةٍ فإنَّ الحُرمةُ تَثبتُ بإيجارِ هذا اللَّبنِ صَبيًّا وإنْ لم يُوجَدِ المَصُّ، فلا فرْقَ بينَ المَصِّ والصَبِّ والسَّعوطِ والوَجورِ، وهذا كلُّه لا خِلافَ فيه بينَ المَذاهبِ الأربَعةِ (١).
إلا أنهُم اختَلفوا فيما يلي:
أولاً: إذا اختَلطَ اللَّبنُ بشَيءٍ مائعٍ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ لبَنَ المَرأةِ إذا اختَلطَ بالماءِ أو بغَيرِه مِنْ المائعاتِ -سواءٌ كانَتْ طاهرةً أو نَجسةً- واللبنُ هو الغالِبُ بأنْ وُجدَ طَعمُه أو لونُه أو رائِحتُه تَعلقَ به التحريمُ، أو كانَ مساويًا كما يقولُ المالِكيةُ فإنه يَحصلُ به التَّحريمُ.
وإنْ غلَبَ الماءُ أو المائعُ بأنْ لم يُوجَدْ طَعمُه ولا لونُه ولا رائحتُه لم يَتعلقْ به التحريمُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكية في المَذهبِ والحَنابلةِ؛
стр. 11504
لأنه لا يَقعُ به التغذِّي، كما في اليَمينِ إذا حلَفَ لا يَشربُ اللبنَ فشَربَ لبنًا مَخلوطًا بالماءِ والماءُ غالبٌ لم يَحنثْ.
ولأنَّ تَعلُّقَ تَحريمِ المناكَحةِ باللَّبنِ كتَعلقِ وُجوبِ الحدِّ بشُربِ الخمرِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ النقطةَ مِنْ الخَمرِ إذا استُهلكَتْ في الماءِ فإنه لا يَتعلقُ بشربِه حدٌّ، فكذلكَ اللبنُ (١).
وقالَ مُطرِّفٌ وأشهَبُ وعبدُ المَلكِ واللَّخميُّ: يَثبتُ به الحرمةُ ولو كانَ مَغلوبًا (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ غُلِبَ بأنْ زالَتْ أوصافُه الثلاثةُ حِسًّا وتَقديرًا وشَربَ الرضيعُ الكلَّ حَرَّمَ، كذا لو شَربَ البعضَ حَرَّمَ في الأظهَرِ؛ لوُصولِ اللبنِ إلى الجَوفِ، بشَرطِ تَحققِ أنَّ اللبنَ قد وصَلَ إلى الجَوفِ بأنْ بَقيَ منه أقلُّ مِنْ قَدرِ اللبنِ، وأنْ يكونَ اللبنُ مِقدارًا لو انفَردَ لَأثَّرَ بأنْ يكونَ اللبنُ قَدرًا يُمكنُ أنْ يُسقَى منه خَمسَ دَفعاتِ لو انفَردَ عن الخَليطِ.
стр. 11505
وفي مُقابلِ الأظهَرِ: لو شَربَ البعضَ لا يُحرِّمُ؛ لأنَّا لم نَتحققْ وُصولَ جميعِ اللبنِ (١).
وهو قَولٌ للحَنابلةِ، فقدْ قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (واللبنُ المَشوبُ كالمَحضِ).
المَشوبُ: المُختلطُ بغيرِه، والمَحضُ: الخالصُ الذي لا يُخالطُه سِواهٌ، وسَوَّى الخِرقيُّ بينَهُما، سواءٌ شِيبَ بطعامٍ أو شرابٍ أو غيرِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ أبو بَكرٍ: قَياسُ قولِ أحمَدَ أنه لا يُحرِّمُ؛ لأنه وَجورٌ، وحُكيَ عن ابنِ حامدٍ أنه قالَ: إنْ كانَ الغالِبُ اللبنَ حَرَّمَ وإلا فلا، وهو قولُ أبي ثَورٍ والمُزنِيِّ؛ لأنَّ الحُكمَ للأغلَبِ، ولأنه يَزولُ بذلكَ الاسمُ والمعنَى المُرادُ به، ونحوُ هذا قولُ أصحابِ الرأيِ، وزادُوا فقالُوا: إنْ كانَتِ النارُ قد مسَّتِ اللبنَ حتى أنضَجَتِ الطعامَ أو حتى تغيَّرَ فليسَ برَضاعٍ.
ووَجهُ الأولِ أنَّ اللبنَ متى كانَ طاهِرًا فقدْ حصَلَ شُربُه ويَحصلُ منه إنباتُ اللَّحمِ وإنشازُ العَظمِ، فحَرَّمَ كما لو كانَ غالبًا، وهذا فيما إذا كانَتْ صِفاتُ اللبنِ باقيةً، فأما إنْ صُبَّ في ماءٍ كثيرٍ لم يَتغيرْ به لم يَثبتْ به التَّحريمُ؛ لأنَّ هذا ليسَ بلَبنٍ مَشوبٍ ولا يَحصلُ به التغذِّي ولا إنباتُ اللحمِ ولا إنشازُ العَظمِ.
وحُكيَ عن القاضي أنَّ التحريمَ يَثبتُ به، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ أجزاءَ اللبنِ حصَلَتْ في بَطنِه، فأشبَهَ ما لو كانَ لونُه ظاهرًا.
стр. 11506
ولنا: إنَّ هذا ليسَ برَضاعٍ ولا في مَعناهُ، فوجَبَ أنْ لا يَثبتَ حُكمُه فيه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما هل مِنْ شرطِ اللبنِ المُحرِّمِ إذا وصَلَ إلى الحَلقِ أنْ يكونَ غيرَ مُخالِطٍ لغيرِه؟ فإنهُم اختَلفوا في ذلكَ أيضًا:
فقالَ ابنُ القاسِمِ: إذا استُهلكَ اللبنُ في ماءٍ أو غيرِه ثم سُقيَه الطفلُ لم تَقعِ الحرمةُ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه.
وقالَ الشافِعيُّ وابنُ حَبيبٍ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجشُونِ مِنْ أصحابِ مالكٍ: تَقعُ به الحُرمةُ، بمَنزلةِ ما لو انفَردَ اللبنُ أو كانَ مُختلطًا لم تَذهبْ عينُه.
وسَببُ اختلافِهم: هل يَبقى للَّبنِ حُكمُ الحرمةِ إذا اختَلطَ بغيرِه أم لا يَبقى به حكمُها؟ كالحالِ في النَّجاسةِ إذا خالطَتِ الحَلالَ الطاهِرَ.
والأصلُ المُعتبَرُ في ذلكَ انطِلاقُ اسمِ اللبنِ عليه كالماءِ، هل يَطهرُ إذا خالَطَه شيءٌ طاهرٌ؟
المَسألةُ السادِسةُ: وأما هل يُعتبَرُ فيه الوُصولُ إلى الحَلقِ أو لا يُعتبَرُ؟ فإنه يُشبهُ أنْ يكونَ هذا هو سبَبَ اختلافِهم في السَّعوطِ باللبنِ والحُقنةِ به.
ويُشبهُ أنْ يكونَ اختلافُهم في ذلكَ لمَوضعِ الشكِّ، هل يَصلُ اللبنُ مِنْ هذهِ الأعضاءِ أو لا يَصلُ؟ (٢).
стр. 11507
ثانيًا: إذا اختَلطَ اللبنُ بطَعامٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ بَقاءُ اسمِ اللبنِ أم لا يُشترطُ؟ فلو عُملَ اللبنُ جُبنًا ثم طَعِمَه الصبيُّ هل يَثبتُ به التحريمُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُشترطُ لثُبوتِ التحريمِ بقاءُ اللبنِ على هَيئتِه حالةَ انفصالِه عن الثَّديِ، فلو جعلَ منه جُبنًا أو أَقِطًا أو نُزعَ منه زُبدٌ أو عُجنَ به دَقيقٌ وأُطعِمَ الطِّفلُ مِنْ ذلك حَرَّمَ؛ لحُصولِ التَّغذي به؛ لأنه واصلٌ مِنْ الحَلقِ يَحصلُ به إنباتُ اللَّحمِ وإنشازُ العظمِ، فحصَلَ به التحريمُ كما لو شَربَه.
ولو ثُردَ في طعامٍ ثبَتَ التحريمُ، وكذا لو عُجنَ به دقيقٌ وخُبِزَ تعلَّقَتْ به الحرمةُ.
إلا أنَّ المالِكية قالُوا: هذا بشَرطِ أنْ يكونَ اللبنُ غالبًا، وهو مُقتضَى المَذهبِ عندَ الآخَرينَ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُحرِّمُ؛ لزَوالِ الاسمِ.
стр. 11508
قالَ الحَنفيةُ: ولو جُعلَ اللبنُ مَخيضًا أو رائبًا أو شِيرازًا أو جُبنًا أو أقِطًا أو مَصلًا فتَناولَه الصبيُّ لا يَثبتُ به الحرمةُ؛ لأنَّ اسمَ الرضاعِ لا يَقعُ عليه، وكذا لا يُنبتُ اللحمَ ولا يُنشزُ العظمَ ولا يَكتفي به الصبيُّ في الاغتذاءِ، فلا يُحرِّمُ.
وإذا اختَلطَ اللبنُ بالطعامِ أو بالدواءِ أو بالماءِ أو بلَبنِ البَهائمِ أو بلبنِ امرأةٍ أُخرى؛ فإنِ اختَلطَ بالطعامِ فإنْ مسَّتْه النارُ حتى نَضجَ لم يُحرِّمِ اتفاقًا؛ لأنه تغيَّرَ عن طَبعِه بالطبخِ.
وإنْ لم تمَسَّه النارُ فإنْ كانَ الغالبُ هو الطعامَ لم تَثبتِ الحُرمةُ؛ لأنَّ الطعامَ إذا غلَبَ سلَبَ قوَّةَ اللبنِ وأزالَ مَعناهُ وهو التغذِّي، فلا يَثبتُ به الحُرمةُ.
وإنْ كانَ اللبنُ غالِبًا للطعامِ وهو طَعامٌ يَستبينُ اختَلفوا فيه:
فقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَثبتُ به الحُرمةُ؛ لأنَّ اعتبارَ الغالبِ وإلحاقَ المَغلوبِ بالعَدمِ أصلٌ في الشرعِ، فيَجبُ اعتبارُه ما أمكَنَ، كما إذا اختَلطَ بالماءِ أو بلَبنِ شاةٍ.
وقالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ: لا يَثبتُ به التحريمُ؛ لأنَّ الطعامَ وإنْ كانَ أقلَّ مِنْ اللبنِ فإنه يَسلبُ قُوةَ اللبنِ؛ لأنه يَرقُّ ويَضعفُ بحَيثُ يَظهرُ ذلك في حِسِّ البَصرِ، فلا تَقعُ الكِفايةُ به في تَغذيةِ الصبيِّ، فكانَ اللبنُ مَغلوبًا معنًى وإنْ كانَ غالبًا صُورةً (١).
стр. 11509
ثالثًا: إذا حُقنَ الطِّفلُ باللَّبنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وصَلَ اللبنُ إلى الطِّفلِ عن طَريقِ الاحتِقانِ -وهو ما يَدخلُ مِنْ الدُّبرِ أو القُبلِ-، هل يُحرِّمُ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ وابنُ حامِدٍ وابنُ أبي مُوسَى مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يُحرِّمُ؛ لأنه سَبيلٌ يَحصلُ بالواصلِ منه الفِطرُ، فتَعلَّقَ به التَّحريمُ كالرضاعِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ وُصولَ اللبنِ إلى الطفلِ عن طَريقِ الحُقنةِ لا يُحرِّمُ، ولا تَأثيرَ له ولو خمْسَ مرَّاتٍ؛ لأنَّ هذا ليسَ برَضاعٍ ولا يَحصلُ به التغذِّي، فلَم يَنشُرِ الحرمةَ كما لو قُطِّرَ في إحليلِه، ولأنه ليسَ برَضاعٍ ولا في مَعناهُ، فلَم يَجُزْ إثباتُ حُكمِه فيه، ويُفارِقُ فطْرَ الصائمِ؛ فإنه لا يُعتبَرُ فيه إنباتُ اللحمِ ولا إنشازُ العَظمِ، وهذا لا يُحرِّمُ فيه إلا ما أنبَتَ اللحمَ وأنشَزَ العَظمَ، ولأنه وصَلَ اللبنُ إلى الباطنِ مِنْ غيرِ الحَلقِ، أشبَهَ ما لو وصَلَ مِنْ جُرحٍ.
ولأنَّ المُعتبَرَ في هذهِ الحُرمةِ هو معنَى التغذِّي، والحُقنةُ لا تَصلُ إلى مَوضعِ الغِذاءِ؛ لأنَّ مَوضعَ الغذاءِ هو المَعدةُ، والحُقنةُ لا تَصلُ إليها، فلا يَحصلُ بها نَباتُ اللَّحمِ ونُشوزُ العَظمِ واندِفاعُ الجوعِ، فلا تُوجبُ الحُرمةَ (١).
стр. 11510
وأما المالِكيةُ فقالُوا: إذا حُقنَ بلَبنٍ فوصَلَ إلى جَوفِه فإنها تُحرِّمُ، بشَرطِ كونِها غذاءً بالفعلِ وقتَ انصبابِها، وإنْ احتاجَ بعدَ ذلكَ لغِذاءٍ بالقُربِ فإنْ لم تَكنْ غِذاءً فإنها لا تُحرِّمُ.
وأما ما وصَلَ مِنْ مَنفذٍ عالٍ كأنفٍ فلا يُشترطُ فيه الغِذاءُ، بل مُجرَّدُ وُصولِه للجَوفِ كافٍ في التحريمِ (١).
اشتِراطُ تَعدُّدِ الرَّضعاتِ (الرَّضعاتُ التي تُحرِّمُ):
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ في الرَّضاعِ الَّذي يُحرِّمُ أنْ يَكونَ عَددًا مُعيَّنًا؟ أم مُجرَّدُ الرَّضاعِ ولو مَصَّةً واحِدةً تَصلُ إلى الجَوفِ تُحرِّمُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ قَليلَ الرَّضاعِ وكَثيرَه إذا حصَلَ في مدَّةِ الرضاعِ تَعلَّقَ به التَّحريمُ إنْ وصَلَ إلى الجَوفِ ولو مصَّةً واحِدةً؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فحرَّمَ أمًّا أرضَعَتْ، والتي أرضَعَتْه مرَّةً واحدةً يَقعُ هذا الاسمُ عليها، فوجَبَ أنْ تحرمَ.
ولحَديثِ عائِشةَ ﵂ مَرفوعًا: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعةِ ما يَحرمُ مِنْ الوِلادةِ»، وفي رِوايةٍ: «مِنْ النَّسبِ» (٢) مِنْ غَيرِ فَصلٍ، فلما حرَّمَ النبيُّ ﷺ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ وكانَ مَعلومًا أنَّ النسبَ متى
стр. 11511
ثبَتَ مِنْ وَجهٍ أوجَبَ التحريمَ وإنْ لم يَثبتْ مِنْ وَجهٍ آخَرَ، كذلكَ الرَّضاعُ يجبُ أنْ يكونَ هذا حُكمُه في إيجابِ التحريمِ بالرَّضعةِ الواحِدةِ؛ لتَسويةِ النبيِّ ﷺ بينَهُما فيما علَّقَ بهما حُكمَ التَّحريمِ.
وحَديثِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ مَرفوعًا: «لا رَضاعَ إلا ما أنشَزَ العَظمَ وأنبَتَ اللَّحمَ» (١)، وإنه يَحصلُ بالقليلِ؛ لأنَّ اللَّبنَ متى وصَلَ إلى جَوفِ الصبيِّ أنبَتَ اللحمَ وأنشَزَ العَظمَ.
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ»، يعني: ما سَدَّ الجَوعةَ، والرَّضعةُ الواحِدةُ تَسدُّ الجَوعةَ.
ولِما رواهُ البُخاريُّ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي مُليكةَ قالَ: حدَّثَني عُبيدُ بنُ أبي مَريمَ عن عُقبةَ بنِ الحارثِ قالَ: وقد سَمعتُه مِنْ عُقبةَ لكنِّي لحَديثِ عُبيدٍ أحفَظُ، قالَ: «تَزوَّجتُ امرَأةً فجاءَتْنا امرَأةٌ سَوداءُ فقالَتْ: أرضَعْتُكما، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بنتَ فُلانٍ فجاءَتْنا امرَأةٌ سَوداءُ فقالَتْ لي: إني قد أرضَعْتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عنِّي، فأتَيتُه مِنْ قِبَلِ وَجهِه قلتُ: إنها كاذِبةٌ، قال: كيفَ بها وقد زعَمَتْ أنها قد أرضَعَتْكُما؟! دَعْها عنكَ» (٢).
فكانَ في هذا الحَديثِ تَركُ رَسولِ اللهِ ﷺ كشْفَ عَددِ الرَّضاعِ الذي ذكَرَتْ تلكَ السوداءُ أنها أرضَعَتْ عُقبةَ والمَرأةَ التي تزوَّجَها، وفي
стр. 11512
ذلكَ ما قد دَلَّ على استواءِ قَليلِه وكَثيرِه في الحُرمةِ؛ لأنه لو كانَ مِنْ شَريعتِه أنْ لا تُحرِّمَ الرَّضعةُ والرَّضعتانِ إلى العَددِ المَذكورِ في ذلك الحَديثِ لَاستحالَ أنْ يكونَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُ الذي سأَلَه بفِراقِ مَنْ قد أرضَعَتْه، والمَرأةُ التي قد تزوَّجَها المَرأةُ التي ذكَرَتْ له أنها أرضَعَتْهما رَضاعًا لا يَمنعُ مِنْ تَزويجِه إياها، ولكنْ يَقفُ عُقبةَ فيقولُ له: سَلْها عن عَددِ الرَّضاعِ الذي أرضَعَتْكُما كم هو؟ ليَقفَ بذلكَ على أنه مِنْ الرَّضاعِ الذي يُحرِّمُ عليه أنْ يَتزوَّجَها إذا كانَ في الحَقيقةِ كذلكَ، والتورُّعُ عن ذلكَ إذا كانَ الشكُّ فيه، أو أنه مِنْ الرضاعِ الذي لا يُحرِّمُ عليه تَزويجَها فيُخلِّيهِ وذلكَ التزويجَ، وفي تَركِه كذلكَ ما قد دَلَّ على أنه لا فرْقَ كانَ عندَه بينَ قليلِ الرَّضاعِ وبينَ كثيرِه في الحُرمةِ.
ورُويَ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنه قالَ: «الرَّضعةُ الواحِدةُ تُحرِّمُ».
ورُويَ أنه «لمَّا بلَغَه أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبيْرِ يقولُ: لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ والرَّضعتانِ، فقالَ: قَضاءُ اللهِ خيرٌ مِنْ قَضاءِ ابنِ الزُّبيرِ، وتَلا قَولَه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]».
ورُويَ أنه «لمَّا بلَغَه أنَّ عائِشةَ ﵂ تَقولُ: لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمَصَّتانِ، فقالَ: حُكمُ اللهِ تعالَى أولَى وخَيرٌ مِنْ حُكمِها».
ولأنَّ كلَّ معنًى أوجَبَ حُرمةً يَقتضي تَحريمًا مؤبَّدًا فإنه يُعتبَرُ وُجودُ تَحريمِه مِنْ غيرِ عَددٍ، أصلُه العقدُ والوطءُ.
ومِن القياسِ أنَّ ما وقَعَ به التحريمُ المُؤبَّدُ لم يُعتبَرْ فيه العَددُ كالوطءِ
стр. 11513
وعقدِ النكاحِ، ولأنه حُكمٌ يَتعلقُ بالشُّربِ، فوجَبَ أنْ لا يُعتبَرَ فيه العَددُ كحَدِّ الخَمرِ، ولأنَّ الواصلَ إلى الجَوفِ يَتعلقُ به الفِطرُ تارةً وتَحريمُ الرَّضاعِ أُخرى، فلمَّا لم يُعتبَرِ العَددُ في الفِطرِ لم يُعتبَرْ في الرضاعِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ ما يَثبتُ به الرضاعُ هو خَمسٌ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ، ولا يَثبتُ بما دونَها؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن عَمرةَ عن عائِشةَ أنها قالَتْ: «كانَ فيما أُنْزِلَ مِنْ القُرآنِ عَشرُ رَضَعاتٍ مَعلوماتَ يُحَرِّمْنَ، ثمَّ نُسخْنَ بخَمسٍ مَعلوماتَ، فتُوفِّيَ رَسولُ اللهِ ﷺ وهُنَّ فيما يُقرأُ مِنْ القُرآنِ» (٢).
ومَعناهُ أنَّ النسخَ بخَمسِ رَضعاتٍ تأخَّرَ إنزالُه جِدًّا، حتى أنه ﷺ تُوفِّيَ وبَعضُ الناسِ يَقرأُ خَمْس رَضَعاتٍ ويَجعلُها قُرآنًا مَتلوًّا؛ لكَونِه لم يَبلغْه النَّسخُ لقُربِ عَهدِه، فلمَّا بلَغَهم النسخُ بعدَ ذلك رَجَعوا عن ذلكَ وأجمَعُوا على أنَّ هذا لا يُتلَى (٣).
стр. 11514
فكانَ في هذا الخبَرِ تَفسيرُ الرَّضاعةِ المُحرِّمةِ في الآيةِ؛ لأنَّ فيه بَيانُ ما يَحرمُ مِنْ الرَّضعاتِ، وكانَ مُفسِّرًا لقَولِه: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ والرَّضعتانِ»، فدَلَّ على أنَّ قولَه: «لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ، ولا الرَّضعةُ ولا الرَّضعتانِ» خرَجَ على جَوابِ سائلٍ سَألَه عن الرَّضعةِ والرَّضعتينِ هل تُحرِّمانِ؟ فقالَ: لا؛ لأنَّ مِنْ سُنتِه وشَريعتِه أنه لا يُحرِّمُ إلا خَمسُ رَضعاتٍ، وأنها نسَخَتِ العَشرَ الرَّضعاتِ، كما لو سَألَ سائلٌ: هل يُقطعُ السارِقُ في دِرهمٍ أو دِرهمَينِ؟ كانَ الجَوابُ: لا يُقطعُ في دِرهمٍ ولا دِرهمينٍ؛ لأنه قد بيَّنَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنه لا يُقطعُ إلا في رُبعِ دِينارٍ، فكذلكَ بيانُه في الخَمسِ الرَّضعاتِ.
ولِما رواهُ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ «أنَّ أبا حُذيفةَ بنَ عُتبةَ بنَ رَبيعةَ وكانَ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ قد شَهدَ بَدرًا، وكانَ تَبنَّى سالمًا الذي يقالَ له سالمٌ مولَى أبي حُذيفةَ كما تَبنَّى رَسولُ اللهِ ﷺ زيدَ ابنَ حارثةَ، وأنكَحَ أبو حُذيفةَ سالمًا وهو يَرى أنه ابنُه أنكَحَه بنتَ أخيهِ فاطِمةَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ، وهي يَومئذٍ مِنْ المُهاجِراتِ الأوَلِ، وهي مِنْ أفضَلِ أيامَى قُريشٍ، فلمَّا أنزَلَ اللهُ تعالَى في كِتابهِ في زَيدِ بنِ حارثةَ ما أنزَلَ فقالَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [لقمان: ٥] ردَّ كلُّ واحدٍ مِنْ أولئكَ إلى أبيه،
стр. 11515
فإنْ لم يُعلمْ أبوهُ ردَّ إلى مَولاهُ، فجاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ وهي امرَأةُ أبي حُذيفةَ وهي مِنْ بَني عامرِ بنِ لؤيٍّ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ كنَّا نرَى سالمًا ولَدًا، وكانَ يَدخلُ عَليَّ وأنا فُضُلٌ، وليسَ لنا إلا بَيتٌ واحِدٌ، فماذا تَرَى في شأنِه؟ فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «أرضِعيهِ خمسَ رَضعاتٍ فيَحرُمُ بلَبنِكِ»، ففعَلَتْ، وكانَتْ تَراهُ ابنًا مِنْ الرَّضاعةِ، فأخذَتْ بذلكَ عائِشةُ أمُّ المُؤمنينَ فيمن كانت تُحبُّ أنْ يَدخلَ عليها مِنْ الرِّجالِ، فكانَتْ تَأمرُ أُختَها أمَّ كُلثومٍ بنتَ أبي بَكرٍ الصدِّيقِ وبَناتِ أخِيها أنْ يُرضعْنَ مَنْ أحبَّتْ أنْ يَدخلَ عليها مِنْ الرجالِ، وأبَى سائِرُ أزواجِ النبيِّ ﷺ أنْ يَدخلَ عليهنَّ بتلكَ الرَّضاعةِ أحَدٌ مِنْ الناسِ وقُلْنَ: لا واللهِ ما نرَى الذي أمَرَ به رَسولُ اللهِ ﷺ سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ إلا رُخصةً مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ في رَضاعةِ سالمٍ وحْدَه، لا واللهِ لا يَدخلُ علينا بهذهِ الرَّضاعةِ أحَدٌ، فعَلى هذا كانَ أزواجُ النبيِّ ﷺ في رَضاعةِ الكبيرِ» (١).
ولو تَعلَّقَ التحريمُ بدونِ الخَمسِ لم يَكنْ لذِكرِ الخَمسِ معنًى، ولَكانَ النبيُّ ﷺ أمَرَ امرأةَ أبي حُذيفةَ أنْ تُرضعَ سالمًا ثلاثًا، وهذا يَقضِي على إطلاقِ ما تقدَّمَ، وكذا على مَفهومِه؛ إذ غايتُه عُمومٌ.
والدَّليلُ مِنْ طَريقِ المَعنى أنَّ كلَّ سَببٍ رُفعَ به التَّحريمُ المؤبَّدُ إذا عَرَى عن جنسِ الاستباحةِ افتَقرَ إلى العددِ كاللِّعانِ، وما لم يَعْرَ عن جِنسِ
стр. 11516
الاستباحةِ لم يَفتقرْ إلى العَددِ كالنكاحِ والوَطءِ، ولأنه شُربٌ لا يَعدوهُ في العُرفِ، فوجَبَ أنْ لا يقَعَ به التحريمُ كرَضاعِ الكَبيرِ، ولأنَّ ما يَقعُ به التَّحريم نَوعانِ: أقوالٌ وأفعالٌ، فلمَّا كانَ مِنْ الأقوالِ ما يَفتقرُ إلى العَددِ وهو اللِّعانُ وجَبَ أنْ يكونَ مِنْ الأفعالِ ما يَفتقرُ إلى العَددِ وهو الرَّضاعُ.
وتَحريرُه: أنه أحَدُ فَرعيِ التحريمِ، فوجَبَ أنْ يكونَ منه ما يَفتقرُ إلى العَددِ كالأقوالِ، ولأنَّ وُصولَ اللبنِ إلى الجَوفِ إذا عَرَى عن عَددٍ لم يَقعْ به التحريمُ كالحُقنةِ والسَّعطةِ.
فأما الجَوابُ عن الآيةِ فمِن وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ قولَه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يَقتضي إثباتَها أمًّا أولًا ثم تُرضعُ فتَحرمُ، وليسَ في عُمومِ الآيةِ ما يَدلُّ على إثباتِها أمًّا، ولو قالَ: «واللاتِي أرضَعْنَكم هُنَّ أمهاتِكُم» صَحَّ لهم استِعمالُ العُمومِ.
والثاني: أنه لا فرْقَ بينَ تَقدُّمِ الوَصفِ للمَوصوفِ وتأخُّرِه في استِعمالِه على عُمومِه ما لم يَرِدْ تَخصيصٌ، وقد خَصَّه ما روينَاهُ مِنْ الأخبارِ التي قصَدَ بها قدْرَ ما يَقعُ به التحريمُ.
فعَلى هذا لا يَثبتُ التحريمُ إلا بخَمسِ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ؛ لأنَّ الشرعَ ورَدَ بها مُطلقًا، فحُملَ على العُرفِ، والعُرفُ في الرَّضعاتِ أنْ يَرتضعَ ثم يَقطعَه باختيارِه مِنْ غيرِ عارضٍ ثم يَعودَ إليه بعدَ زَمانٍ ثم يَرتضعَ ثم يَقطعَه، وعلى هذا إلى أنْ يَستوفِيَ العدَدَ، كما أنَّ العادةَ في الأكَلاتِ أنْ تكونَ مُتفرقةً
стр. 11517
في أوقاتٍ، فأما إذا قطَعَ الرَّضاعَ لضِيقِ نفَسٍ أو لشيءٍ يُلهيهِ ثم رجَعَ إليه أو انتقلَ مِنْ ثَديٍ إلى ثديٍ كانَ الجَميعُ رَضعةً، كما أنَّ الأكلَ إذا قطَعَه لضيقِ نفَسٍ أو شُربِ ماءٍ أو لانتِقالٍ مِنْ لونٍ إلى لونٍ كانَ الجميعُ أكلةً.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولَا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا خمسُ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ، وذلكَ أنْ يَرضعَ المَولودُ ثمَّ يَقطعَ الرَّضاعَ ثمَّ يَرضعَ ثمَّ يَقطعَ الرَّضاعَ، فإذا رضَعَ في واحِدةٍ مِنهنَّ ما يُعلمُ أنه قد وصَلَ إلى جَوفِه ما قلَّ منه وكَثُرَ فهي رَضعةٌ، وإذا قطَعَ الرَّضاعَ ثمَّ عادَ لمِثلِها أو أكثَرَ فهي رضعةٌ.
وإنِ التَقمَ المُرضعُ الثَّديَ ثمَّ لها بشيءٍ قليلًا ثمَّ عادَ كانتْ رَضعةً واحِدةً، ولا يكونُ القَطعُ إلا ما انفصَلَ انفِصالًا بيِّنًا، كما يكونُ الحالِفُ لا يَأكلُ بالنَّهارِ إلا مرَّةً فيَكونُ يَأكلُ ويَتنفَّسُ بعدَ الازدِرادِ إلى أنْ يَأكلَ، فيَكونُ ذلك مرَّةً وإنْ طالَ، ولو قطَعَ ذلك قَطعًا بيّنًا بعدَ قليلٍ أو كَثيرٍ مِنْ الطَّعامِ ثمَّ أكَلَ كانَ حانثًا وكانَ هذا أكلَتينِ.
ولو أخَذَ ثديَها الواحدَ فأنفَدَ ما فيه ثمَّ تَحوَّلَ إلى الآخَرِ مَكانَه فأنفَدَ ما فيه كانَتْ هذه رَضعةً واحِدةً؛ لأنَّ الرَّضاعَ قد يَكونُ بَقيةَ النفَسِ والإرسالِ والعَودةِ، كما يَكونُ الطعامُ والشَّرابُ بَقيةَ النفَسِ، وهو طعامٌ واحدٌ، ولا يُنظرُ في هذا إلى قَليلِ رَضاعِه ولا كَثيرِه إذا وصَلَ إلى جَوفِه منه شيءٌ فهوَ رَضعةٌ، وما لم يتِمَّ خَمسًا لم يَحرمْ بهنَّ.
والوَجورُ كالرَّضاعِ، وكذلكَ السَّعوطُ؛ لأنَّ الرأسَ جَوفٌ.
стр. 11518
قالَ الشافِعيُّ: فإنْ قالَ قائلٌ: فلِمَ لم تُحرِّمْ برَضعةٍ واحدةٍ وقد قالَ بعضُ مَنْ مضَى أنها تُحرِّمُ؟
قيلَ: بما حكَينا أنَّ عائِشةَ تَحكي أنَّ الكتابَ يُحرِّمُ عشرَ رَضعاتٍ ثمَّ نُسخْنَ بخَمسٍ، وبما حكَيْنا أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ ولا الرَّضعتانِ»، وأمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُرضَعَ سالمٌ خمسَ رَضعاتٍ يحرمُ بهنَّ، فدَلَّ ما حكَتْ عائِشةُ في الكِتابِ وما قالَ رسول اللهِ ﷺ أنَّ الرّضَاعَ لا يُحرِّمُ بهِ على أقَلِّ اسمِ الرضاعِ، ولم يَكنْ في أحَدٍ مع النبيِّ ﷺ حُجةٌ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ تكونَ الرَّضعاتُ مُتفرِّقاتٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، والمَرجعُ في مَعرفةِ الرَّضعةِ إلى العُرفِ؛ لأنَّ الشرعَ ورَدَ بها مُطلقًا، ولم يَحُدَّها بزَمنٍ ولا مِقدارٍ، فدلَّ ذلكَ على أنه رَدَّهم إلى العُرفِ، فإذا ارتَضعَ الصبيُّ وقطَعَ قطعًا بيِّنًا باختيارِه كانَ ذلكَ رَضعةً، فإذا عادَ كانتْ رَضعةً أخرَى، فأما إنْ قطَعَ لضيقِ نفَسٍ أو للانتقالِ مِنْ ثديٍ إلى ثديٍ أو لشيءٍ يُلهبُه أو قطَعَتْ عليه المُرضِعةُ نظَرْنا، فإنْ لم يَعُدْ قريبًا فهي رضعةٌ.
وإنْ عادَ في الحالِ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّ الأُولى رضعةٌ، فإذا عادَ فهي رَضعةٌ أخرَى، وهذا اختيارُ
стр. 11519
أبي بكرٍ وظاهرُ كلامِ أحمَدَ في روايةِ حَنبلٍ، فإنه قالَ: أمَا ترَى الصبيَّ يَرتضعُ مِنْ الثديِ، فإذا أدرَكَه النفَسُ أمسَكَ عن الثديِ ليَتنفسَ أو يَستريحَ، فإذا فعَلَ ذلكَ فهي رَضعةٌ؛ وذلك لأنَّ الأُولى رَضعةٌ لو لم يَعُدْ، فكانتْ رَضعةً وإنْ عادَ كما لو قطَعَ باختيارِه.
والوَجهُ الآخَرُ: أنَّ جَميعَ ذلكَ رَضعةٌ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، إلا فيما إذا قطَعَتْ عليه المُرضِعةُ ففيه وَجهانِ؛ لأنه لو حلَفَ: «لا أكَلتُ اليومَ إلا أكلةً واحِدةً» فاستَدامَ الأكلَ زَمنًا أو قطَعَ لشُربِ الماءِ أو انتقالٍ مِنْ لونٍ إلى لونٍ أو انتظارٍ لِما يُحملُ إليه مِنْ الطعامِ لم يُعَدَّ إلا أكلةً واحِدةً، فكذا هاهُنا، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَسيرَ مِنْ السَّعوطِ والوَجورِ رَضعةٌ، فكَذا هَذا (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَثبتُ التحريمُ إلا بثَلاثِ رَضعاتٍ، وبه قالَ أبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ وابنُ المُنذِرِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ» (٢).
وعن أمِّ الفَضلِ قالَتْ: «دخَلَ أعرابيٌّ على نَبيِّ اللهِ ﷺ وهو في بَيتي فقالَ: يا نَبيَّ اللهِ إني كانَتْ لي امرَأةٌ فتَزوَّجتُ عليها أُخرَى، فزَعمَتْ امرَأتِي الأُولَى أنها أرضَعَتْ امرَأتِي الحُدثَى رَضعةً أو رَضعتَينِ، فقالَ نَبيُّ اللهِ ﷺ : «لا تُحرِّمُ الإملَاجةُ والإملاجَتانِ».
стр. 11520
وفي لَفظٍ: «أنَّ رَجلًا مِنْ بَني عامِرِ بنِ صَعصعةَ قالَ: يا نَبيَّ اللهِ هل تُحرِّمُ الرَّضعةُ الواحِدةُ؟ قالَ: لا».
وفي لَفظٍ: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ أو الرَّضعَتانِ، أو المصَّةُ أو المصَّتانِ» (١)، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الثلاثَ يُحرِّمنَ، ولأنَّ ما يُعتبَرُ فيه العَددُ والتَّكرارُ يُعتبَرُ فيه الثلاثُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ مُبيِّنًا سبَبَ اختِلافِ الفُقهاءِ في ذلك:
والسَّببُ في اختلافِهم في هذهِ المَسألةِ مُعارَضةُ عُمومِ الكتابِ للأحاديثِ الواردةِ في التَّحديدِ، ومُعارَضةُ الأحاديثِ في ذلك بعضَها بَعضًا.
فأما عُمومُ الكِتابِ فقولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَة، وهذا يَقتضِي ما يَنطلقُ عليه اسمُ الإرضاعِ.
والأحاديثُ المُتعارِضةُ في ذلك راجِعةٌ إلى حَديثينِ في المعنَى:
أحَدُهما: حديثُ عائِشةَ وما في مَعناهُ أنه قالَ ﵊: «لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ، أو الرَّضعةُ والرَّضعتانِ» خرَّجَه مُسلمٌ مِنْ طَريقِ عائِشةَ، ومِن طَريقِ أمِّ الفَضلِ، ومِن طَريقٍ ثالثٍ وفيه: قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُحرِّمُ الإملاجَةُ ولا الإملاجَتانِ».