الاستباحةِ لم يَفتقرْ إلى العَددِ كالنكاحِ والوَطءِ، ولأنه شُربٌ لا يَعدوهُ في العُرفِ، فوجَبَ أنْ لا يقَعَ به التحريمُ كرَضاعِ الكَبيرِ، ولأنَّ ما يَقعُ به التَّحريم نَوعانِ: أقوالٌ وأفعالٌ، فلمَّا كانَ مِنْ الأقوالِ ما يَفتقرُ إلى العَددِ وهو اللِّعانُ وجَبَ أنْ يكونَ مِنْ الأفعالِ ما يَفتقرُ إلى العَددِ وهو الرَّضاعُ.
وتَحريرُه: أنه أحَدُ فَرعيِ التحريمِ، فوجَبَ أنْ يكونَ منه ما يَفتقرُ إلى العَددِ كالأقوالِ، ولأنَّ وُصولَ اللبنِ إلى الجَوفِ إذا عَرَى عن عَددٍ لم يَقعْ به التحريمُ كالحُقنةِ والسَّعطةِ.
فأما الجَوابُ عن الآيةِ فمِن وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ قولَه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يَقتضي إثباتَها أمًّا أولًا ثم تُرضعُ فتَحرمُ، وليسَ في عُمومِ الآيةِ ما يَدلُّ على إثباتِها أمًّا، ولو قالَ: «واللاتِي أرضَعْنَكم هُنَّ أمهاتِكُم» صَحَّ لهم استِعمالُ العُمومِ.
والثاني: أنه لا فرْقَ بينَ تَقدُّمِ الوَصفِ للمَوصوفِ وتأخُّرِه في استِعمالِه على عُمومِه ما لم يَرِدْ تَخصيصٌ، وقد خَصَّه ما روينَاهُ مِنْ الأخبارِ التي قصَدَ بها قدْرَ ما يَقعُ به التحريمُ.
فعَلى هذا لا يَثبتُ التحريمُ إلا بخَمسِ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ؛ لأنَّ الشرعَ ورَدَ بها مُطلقًا، فحُملَ على العُرفِ، والعُرفُ في الرَّضعاتِ أنْ يَرتضعَ ثم يَقطعَه باختيارِه مِنْ غيرِ عارضٍ ثم يَعودَ إليه بعدَ زَمانٍ ثم يَرتضعَ ثم يَقطعَه، وعلى هذا إلى أنْ يَستوفِيَ العدَدَ، كما أنَّ العادةَ في الأكَلاتِ أنْ تكونَ مُتفرقةً
стр. 11517
في أوقاتٍ، فأما إذا قطَعَ الرَّضاعَ لضِيقِ نفَسٍ أو لشيءٍ يُلهيهِ ثم رجَعَ إليه أو انتقلَ مِنْ ثَديٍ إلى ثديٍ كانَ الجَميعُ رَضعةً، كما أنَّ الأكلَ إذا قطَعَه لضيقِ نفَسٍ أو شُربِ ماءٍ أو لانتِقالٍ مِنْ لونٍ إلى لونٍ كانَ الجميعُ أكلةً.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولَا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا خمسُ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ، وذلكَ أنْ يَرضعَ المَولودُ ثمَّ يَقطعَ الرَّضاعَ ثمَّ يَرضعَ ثمَّ يَقطعَ الرَّضاعَ، فإذا رضَعَ في واحِدةٍ مِنهنَّ ما يُعلمُ أنه قد وصَلَ إلى جَوفِه ما قلَّ منه وكَثُرَ فهي رَضعةٌ، وإذا قطَعَ الرَّضاعَ ثمَّ عادَ لمِثلِها أو أكثَرَ فهي رضعةٌ.
وإنِ التَقمَ المُرضعُ الثَّديَ ثمَّ لها بشيءٍ قليلًا ثمَّ عادَ كانتْ رَضعةً واحِدةً، ولا يكونُ القَطعُ إلا ما انفصَلَ انفِصالًا بيِّنًا، كما يكونُ الحالِفُ لا يَأكلُ بالنَّهارِ إلا مرَّةً فيَكونُ يَأكلُ ويَتنفَّسُ بعدَ الازدِرادِ إلى أنْ يَأكلَ، فيَكونُ ذلك مرَّةً وإنْ طالَ، ولو قطَعَ ذلك قَطعًا بيّنًا بعدَ قليلٍ أو كَثيرٍ مِنْ الطَّعامِ ثمَّ أكَلَ كانَ حانثًا وكانَ هذا أكلَتينِ.
ولو أخَذَ ثديَها الواحدَ فأنفَدَ ما فيه ثمَّ تَحوَّلَ إلى الآخَرِ مَكانَه فأنفَدَ ما فيه كانَتْ هذه رَضعةً واحِدةً؛ لأنَّ الرَّضاعَ قد يَكونُ بَقيةَ النفَسِ والإرسالِ والعَودةِ، كما يَكونُ الطعامُ والشَّرابُ بَقيةَ النفَسِ، وهو طعامٌ واحدٌ، ولا يُنظرُ في هذا إلى قَليلِ رَضاعِه ولا كَثيرِه إذا وصَلَ إلى جَوفِه منه شيءٌ فهوَ رَضعةٌ، وما لم يتِمَّ خَمسًا لم يَحرمْ بهنَّ.
والوَجورُ كالرَّضاعِ، وكذلكَ السَّعوطُ؛ لأنَّ الرأسَ جَوفٌ.
стр. 11518
قالَ الشافِعيُّ: فإنْ قالَ قائلٌ: فلِمَ لم تُحرِّمْ برَضعةٍ واحدةٍ وقد قالَ بعضُ مَنْ مضَى أنها تُحرِّمُ؟
قيلَ: بما حكَينا أنَّ عائِشةَ تَحكي أنَّ الكتابَ يُحرِّمُ عشرَ رَضعاتٍ ثمَّ نُسخْنَ بخَمسٍ، وبما حكَيْنا أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ ولا الرَّضعتانِ»، وأمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُرضَعَ سالمٌ خمسَ رَضعاتٍ يحرمُ بهنَّ، فدَلَّ ما حكَتْ عائِشةُ في الكِتابِ وما قالَ رسول اللهِ ﷺ أنَّ الرّضَاعَ لا يُحرِّمُ بهِ على أقَلِّ اسمِ الرضاعِ، ولم يَكنْ في أحَدٍ مع النبيِّ ﷺ حُجةٌ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ تكونَ الرَّضعاتُ مُتفرِّقاتٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، والمَرجعُ في مَعرفةِ الرَّضعةِ إلى العُرفِ؛ لأنَّ الشرعَ ورَدَ بها مُطلقًا، ولم يَحُدَّها بزَمنٍ ولا مِقدارٍ، فدلَّ ذلكَ على أنه رَدَّهم إلى العُرفِ، فإذا ارتَضعَ الصبيُّ وقطَعَ قطعًا بيِّنًا باختيارِه كانَ ذلكَ رَضعةً، فإذا عادَ كانتْ رَضعةً أخرَى، فأما إنْ قطَعَ لضيقِ نفَسٍ أو للانتقالِ مِنْ ثديٍ إلى ثديٍ أو لشيءٍ يُلهبُه أو قطَعَتْ عليه المُرضِعةُ نظَرْنا، فإنْ لم يَعُدْ قريبًا فهي رضعةٌ.
وإنْ عادَ في الحالِ ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّ الأُولى رضعةٌ، فإذا عادَ فهي رَضعةٌ أخرَى، وهذا اختيارُ
стр. 11519
أبي بكرٍ وظاهرُ كلامِ أحمَدَ في روايةِ حَنبلٍ، فإنه قالَ: أمَا ترَى الصبيَّ يَرتضعُ مِنْ الثديِ، فإذا أدرَكَه النفَسُ أمسَكَ عن الثديِ ليَتنفسَ أو يَستريحَ، فإذا فعَلَ ذلكَ فهي رَضعةٌ؛ وذلك لأنَّ الأُولى رَضعةٌ لو لم يَعُدْ، فكانتْ رَضعةً وإنْ عادَ كما لو قطَعَ باختيارِه.
والوَجهُ الآخَرُ: أنَّ جَميعَ ذلكَ رَضعةٌ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، إلا فيما إذا قطَعَتْ عليه المُرضِعةُ ففيه وَجهانِ؛ لأنه لو حلَفَ: «لا أكَلتُ اليومَ إلا أكلةً واحِدةً» فاستَدامَ الأكلَ زَمنًا أو قطَعَ لشُربِ الماءِ أو انتقالٍ مِنْ لونٍ إلى لونٍ أو انتظارٍ لِما يُحملُ إليه مِنْ الطعامِ لم يُعَدَّ إلا أكلةً واحِدةً، فكذا هاهُنا، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَسيرَ مِنْ السَّعوطِ والوَجورِ رَضعةٌ، فكَذا هَذا (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَثبتُ التحريمُ إلا بثَلاثِ رَضعاتٍ، وبه قالَ أبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ وابنُ المُنذِرِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ» (٢).
وعن أمِّ الفَضلِ قالَتْ: «دخَلَ أعرابيٌّ على نَبيِّ اللهِ ﷺ وهو في بَيتي فقالَ: يا نَبيَّ اللهِ إني كانَتْ لي امرَأةٌ فتَزوَّجتُ عليها أُخرَى، فزَعمَتْ امرَأتِي الأُولَى أنها أرضَعَتْ امرَأتِي الحُدثَى رَضعةً أو رَضعتَينِ، فقالَ نَبيُّ اللهِ ﷺ : «لا تُحرِّمُ الإملَاجةُ والإملاجَتانِ».
стр. 11520
وفي لَفظٍ: «أنَّ رَجلًا مِنْ بَني عامِرِ بنِ صَعصعةَ قالَ: يا نَبيَّ اللهِ هل تُحرِّمُ الرَّضعةُ الواحِدةُ؟ قالَ: لا».
وفي لَفظٍ: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ أو الرَّضعَتانِ، أو المصَّةُ أو المصَّتانِ» (١)، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الثلاثَ يُحرِّمنَ، ولأنَّ ما يُعتبَرُ فيه العَددُ والتَّكرارُ يُعتبَرُ فيه الثلاثُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ مُبيِّنًا سبَبَ اختِلافِ الفُقهاءِ في ذلك:
والسَّببُ في اختلافِهم في هذهِ المَسألةِ مُعارَضةُ عُمومِ الكتابِ للأحاديثِ الواردةِ في التَّحديدِ، ومُعارَضةُ الأحاديثِ في ذلك بعضَها بَعضًا.
فأما عُمومُ الكِتابِ فقولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَة، وهذا يَقتضِي ما يَنطلقُ عليه اسمُ الإرضاعِ.
والأحاديثُ المُتعارِضةُ في ذلك راجِعةٌ إلى حَديثينِ في المعنَى:
أحَدُهما: حديثُ عائِشةَ وما في مَعناهُ أنه قالَ ﵊: «لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ، أو الرَّضعةُ والرَّضعتانِ» خرَّجَه مُسلمٌ مِنْ طَريقِ عائِشةَ، ومِن طَريقِ أمِّ الفَضلِ، ومِن طَريقٍ ثالثٍ وفيه: قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُحرِّمُ الإملاجَةُ ولا الإملاجَتانِ».
стр. 11521
والحَديثُ الثاني: حديثُ سَهلةَ في سالمٍ أنه قالَ لها النبيُّ ﷺ : «أرضِعيهِ خمْسَ رَضعاتٍ»، وحَديثُ عائِشةَ في هذا المعنَى أيضًا، قالَتْ: «كانَ فيما نزَلَ مِنْ القُرآنِ عَشر رَضعاتٍ مَعلوماتٍ، ثم نُسخْنَ بخَمسٍ مَعلوماتٍ، فتُوفِّيَ رَسولُ اللهِ ﷺ وهُنَّ ممَّا يُقرأُ مِنْ القُرآنِ».
فمَن رجَّحَ ظاهرَ القُرآنِ على هذهِ الأحاديثِ قالَ: تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ.
ومَن جعَلَ الأحاديثَ مُفسِّرةً للآيةِ وجمَعَ بينَها وبينَ الآيةِ ورجَّحَ مَفهومَ دَليلِ الخِطابِ في قَولِه ﵊: «لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ» على مَفهومِ دليلِ الخِطابِ في حَديثِ سالمٍ قالَ: «الثلاثةُ فما فوقَها هي التي تُحرِّمُ»، وذلكَ أنَّ دليلَ الخِطابِ في قولِه: «لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ» يَقتضي أنَّ ما فوقَها يُحرِّمُ، ودليلُ الخِطابِ في قولِه: «أرضِعيهِ خَمسَ رَضعاتٍ» يَقتضي أنَّ ما دونَها لا يُحرِّمُ، والنظرُ في تَرجيحِ أحَدِ دَليلَي الخِطابِ (١).
الشَّكُّ في الرَّضاعِ أو في عَددِه:
نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ القائِلونَ بأنه يُشترطُ العَددُ في الرَّضاعِ على أنَّ المرضِعةَ إذا شكَّتْ هل أرضَعَتْه أم لا؟ أو هل أرضَعَتْه خمْسَ رَضعاتٍ أو أربَعَ رَضعاتٍ؟ لم يَثبتِ التحريمُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه، فلا نَزولُ عن اليَقينِ بالشكِّ، كما لو شكَّ الزوجُ هل طلَّقَ امرأتَه أم لا؟ وهل طلَّقَ ثلاثًا أو طَلقتينِ؟ (٢).
стр. 11522
الرُّكنُ الثالثُ: الرَّضيعُ (مُدَّةُ الرَّضاعِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الطفلَ الرَّضيعَ إذا ارتَضعَ في أقلِّ مِنْ حَولَينِ ثبَتَ التَّحريمُ.
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الرَّضاعَ يُحرِّمُ في الحَولينِ (١).
وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ التحريمَ بالرضاعِ يَثبتُ في سَنتينِ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو أرضَعَتِ المرأةُ طِفلًا بعدَ الحَولينِ، هل يَثبتُ التحريمُ أم لا؟
فذهَبَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ والإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأ» والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا أرضَعَتْ طِفلًا بعدَ الحَولينِ فإنه لا تَنتشرُ الحُرمةُ به، ولا تَنتشرُ الحُرمةُ إلا إذا وقَعَ الرضاعُ في الحَولينِ، ولا يُعتبَرُ الفِصالُ، إنما يُعتبَرُ الوقتُ، حتى لو فصَلَتْه ثم أرضَعَتْه بعدَ ذلكَ في اثناءِ الحَولينِ ثبَتَ التَّحريمُ.
لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وليسَ لِما بعدَ التَّمامِ حُكمٌ؛ لأنه جعَلَ تَمامَ الرضاعِ في
стр. 11523
الحَولينِ، فدَلَّ على أنه لا حُكمَ للرضاعِ بعدَ الحَولينِ؛ لأنه بانقِضاءِ الحَولينِ تمَّتِ الرضاعةُ، ولا رَضاعةَ بعدَ الحَولينِ مُعتبرةٌ.
ولقَولِه تعالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
وقولِه : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وأقَلُّ مُدةِ الحَملِ ستَّةُ أشهُرٍ، فبَقيَ مُدةُ الفِصالِ حَولينِ.
ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ مَرفوعًا: «لا رَضاعَ إلا ما كانَ في الحَولينِ» (١)، وهذا نَصٌّ في البابِ.
ولقَولِه ﷺ : «لا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا ما فتَقَ الأمعاءَ وكانَ قبلَ الفِطامِ» (٢).
وعن مَسروقٍ أنَّ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «دخَلَ عليَّ النبيُّ ﷺ وعندِي رَجلٌ، قالَ: يا عائِشةُ مَنْ هذا؟ قلتُ: أخِي مِنْ الرَّضاعةِ، قالَ: يا عائشةُ انظُرنَ مَنْ إخوَانُكنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» (٣)، يَعني في حالِ الحاجةِ إلى الغِذاءِ واللَّبنِ (٤).
стр. 11524
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: أخبَرَنا مالِكٌ عن يَحيى بن سعيدٍ أنَّ أبَا مُوسى قالَ: «رَضاعةُ الكَبيرِ ما أراها إلا تُحرِّمُ، فقالَ ابنُ مَسعودٍ: انظُرْ ما يُفتي به الرَّجلُ، فقالَ أبو مُوسى: فما تَقولُ أنتَ؟ فقالَ: لا رَضاعةَ إلا ما كانَ في الحَولينِ، فقالَ أبو مُوسى: لا تَسألوني عن شَيءٍ ما كانَ هذا الحَبْرُ بينَ أظهُرِكُم».
(قالَ الشافِعيُّ): فجِماعُ فَرقِ ما بينَ الصغيرِ والكبيرِ أنْ يَكونَ الرَّضاعُ في الحَولينِ، فإذا أُرضِعَ المَولودُ في الحَولينِ خَمسَ رَضعاتٍ كما وصَفتُ فقدْ كَمُلَ رَضاعُه الذي يُحرِّمُ، (قالَ الشافِعيُّ): وسَواءٌ أُرضِعَ المَولودُ أقلَّ مِنْ حَولينِ ثمَّ قُطعَ رَضاعُه ثمَّ أرضِعَ قبلَ الحَولينِ، أو كانَ رَضاعُه مُتتابعًا حتى أرضَعَتْه امرَأةٌ أُخرى في الحَولينِ خَمسَ رَضعاتٍ، ولو تُوبعَ رضاعُه فلَم يُفصلْ ثَلاثةَ أحوالٍ أو حَولينِ أو سِتةَ أشهُرٍ أو أقَلَّ أو أكثَرَ فأُرضِعَ بعدَ الحَولينِ لم يُحرِّمِ الرَّضاعُ شيئًا، وكانَ بمَنزلةِ الطعامِ والشَّرابِ، ولو أرضِعَ في الحَولينِ أربَعَ رَضعاتٍ وبعدَ الحَولينِ الخامِسةَ وأكثَرَ لم يُحرِّمْ، ولَا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا ما تَمَّ خمسَ رَضعاتٍ في الحَولينِ، وسَواءٌ فيما يُحرِّمُ الرَّضاعُ والوَجورُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ثبَتَ هذا فالاعتبارُ بالعامَينِ لا بالفِطامِ، فلو فُطمَ قبلَ الحَولينِ ثم ارتَضعَ فيهما لَحصَلَ التحريمُ، ولو لم يُفطمْ حتَّى تَجاوزَ الحَولينِ ثم ارتَضعَ بعدَهُما قبلَ الفِطامِ لم يَثبتِ التحريمُ.
стр. 11525
وقالَ ابنُ القاسمِ صاحِبُ مالِكٍ: لو ارتَضعَ بعدَ الفِطامِ في الحَولينِ لم تَحرمْ عليه؛ لقَولِه ﵇: «وكانَ قبلَ الفِطامِ».
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ورُويَ عنه ﵇: «لا رَضاعَ إلا ما كانَ في الحَولينِ»، والفِطامُ مُعتبَرٌ بمُدتِه لا بنَفسِه.
قالَ أبو الخطَّابِ: لو ارتَضعَ بعدَ الحَولينِ بساعةٍ لم يُحرِّمْ.
وقالَ القاضي: لو شرَعَ في الخامِسةِ فحالَ الحَولُ قبلَ كَمالِها لم يَثبتِ التَّحريمُ.
ولا يَصحُّ هذا؛ لأنَّ ما وُجدَ مِنْ الرَّضعةِ في الحَولينِ كافٍ في التَّحريمِ؛ بدَليلِ ما لو انفَصلَ مما بعدَه، فلا يَنبغي أنْ يَسقطَ حُكمٌ بإيصالِ ما لا أثَرَ له به (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ مُدةَ الرَّضاعِ ثَلاثونَ شَهرًا، ولا يُحرِّمُ بعدَ ذلكَ، سَواءٌ فُطمَ أو لم يَفطمْ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، أثبَتَ الحُرمةَ بالرَّضاعِ مُطلَقًا عن التعرُّضِ لزَمانِ الإرضاعِ، إلا أنه قامَ الدَّليلُ على أنَّ زَمانَ ما بعدَ الثلاثينَ شهرًا ليسَ بمُرادٍ، فيُعملُ بإطلاقِه فيما وَراءَه.
стр. 11526
وقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والاستِدلالُ بهِ مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنه أثبَتَ لهُمَا إرادةَ الفِصالِ بعدَ الحَولينِ؛ لأنَّ الفاءَ للتَّعقيبِ، فيَقتضي بَقاءَ الرضاعِ بعدَ الحولينِ ليَتحقَّقَ الفِصالُ بعدَهُما.
والثاني: أنه أثبَتَ لهُمَا إرادةَ الفِصالِ مُطلَقًا عن الوَقتِ، ولا يكونُ الفِصالُ إلا عن الرضاعِ، فدَلَّ على بقاءِ حُكمِ الرضاعِ في مُطلَقِ الوَقتِ إلى أنْ يقومَ الدليلُ على التَّقييدِ.
وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أثبَتَ لهُما إرادةَ الاستِرضاعِ مُطلَقًا عن الوَقتِ، فمَن ادَّعَى التقييدَ بالحَولينِ فعَليهِ الدليلُ.
ولأنَّ الإرضاعَ إنما يُوجِبُ الحُرمةَ لكَونِه مُنبِتًا للحمِ مُنشِزًا للعَظمِ على ما نطَقَ بهِ الحَديثُ، ومِن المُحالِ عادةً أنْ يكونَ مُنبِتًا للحمِ إلى الحَولينِ ثمَّ لا يُنبتُ بعدَ الحَولينِ بساعةٍ لَطيفةٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ما أجرَى العادةَ بتَغييرِ الغِذاءِ إلا بعدَ مُدةٍ مُعتبَرَةٍ، ولأنَّ المَرأةَ قد تَلدُ في البردِ الشديدِ والحَرِّ الشديدِ، فإذا تَمَّ على الصبيِّ سَنَتانِ لا يَجوزُ أنْ تُؤمرَ المرأةُ بفِطامِه؛ لأنه يُخافُ منه الهَلاكُ على الولدِ؛ إذ لو لم يُعوَّدْ بغَيرِه مِنْ الطعامِ فلا بدَّ وأنْ تُؤمرَ بالرضاعِ، ومُحالٌ أنْ تُؤمرَ بالرضاعِ ويُحرَّمُ عليها الرضاعُ في وقتٍ واحِدٍ، فدَلَّ أنَّ الرضاعَ بعدَ الحولينِ يكونُ رَضاعًا، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ
стр. 11527
استَحسنَ في تَقديرِه مُدةَ إبقاءِ حُكمِ الرضاعِ بعدَ الحَولينِ بسِتةِ أشهُرٍ؛ لأنه أقَلُّ مدَّةِ تَغيُّرِ الوَلدِ، فإنَّ الوَلدَ يَبقَى في بَطنِ أمِّه سِتةَ أشهُرٍ يَتغذَّى بغِذائِها ثمَّ يَنفصلُ، فيَصيرُ أصلًا في الغِذاءِ.
وذهَبَ الإمامُ زُفرُ إلى أنَّ مُدةَ الرَّضاعِ المُحرِّمِ ثَلاثةُ أحوالٍ.
وزُفرُ اعتبَرَ بعدَ الحولينِ سِنةً كامِلةً فقالَ: لمَّا ثبَتَ حُكمُ الرضاعِ في ابتِداءِ السَّنةِ الثالثةِ -لمَا قالَه أبو حَنيفةَ- يَثبتُ في بَقيتِها كالسَّنةِ الأُولى والثانيةِ.
وأمَّا الآيةُ الأُولى ففيها أنَّ الحَولينِ مُدةُ الرضاعِ في حقِّ مَنْ أرادَ تَمامَ الرضاعةِ، وهذا لا يَنفي أنْ يَكونَ الزائدُ على الحَولينِ مدَّةَ الرضاعِ في حقِّ مَنْ لم يُرِدْ أنْ يُتِمَّ الرضاعةَ، مع أنَّ ذِكرَ الشيءِ بالتَّمامِ لا يَمنعُ مِنْ احتِمالِ الزيادةِ عليه، ألا ترَى إلى قَولهِ: «مَنْ أدرَكَ عَرفةَ فقدْ تمَّ حَجُّه»، وهذا لا يَمنعُ زيادةَ الفَرضِ عليه؛ فإنَّ طوافَ الزيارةِ مِنْ فُروضِ الحَجِّ، على أنَّ في الآيةِ الكَريمةِ أنَّ الحولينِ تَمامُ مُدةِ الرضاعِ، لكنَّها تَمامُ مُدةِ الرضاعِ في حقِّ الحُرمةِ أو في حقِّ وُجوبِ أجرِ الرضاعِ على الأبِ، فالنصُّ لا يَتعرَّضُ له.
وعندَهما تَمامُ مُدةِ الرَّضاعِ في حقِّ وُجوبِ الأجرِ على الأبِ، حتى أنَّ الأمَّ المُطلَّقةَ إذا طلَبَتِ الأجرَ بعدَ الحولينِ ولا تُرضعُ بلا أجرٍ لم يُجبَرِ الأبُ على أجرِ الرضاعِ فيما زادَ على الحَولينِ، أو تُحملُ الآيةُ على هذا تَوفيقًا بينَ الدَّلائلِ؛ لأنَّ دَلائلَ اللهِ لا تَتناقضُ.
стр. 11528
وأمَّا الآيةُ الثانيةُ فالفِصالُ في عامَينِ لا يَنفي الفِصالَ في أكثَرِ مِنْ عامَينِ كما لا يَنفيهِ في أقَلَّ مِنْ عامَينِ عن تَراضٍ منهُما وتَشاوُرٍ، فكانَ هذا استِدلالًا بالمَسكوتِ، كقَولِه : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] الآيَة، أنه لا يُمنعُ جَوازُ الكِتابةِ إذا لم يَعلمْ فيهم خَيرًا.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ثم الرضاعُ يُحرِّمُ في المُدةِ على اختلافِهم فيها، سواءٌ فُطمَ في المُدةِ أو لم يُفطمْ، هذا جَوابُ ظاهِرِ الروايةِ عن أصحابِنا، حتى لو فصلَ الرَّضيعُ في مُدةِ الرضاعِ ثم سُقيَ بعدَ ذلك في المُدةِ كانَ ذلكَ رَضاعًا مُحرِّمًا، ولا يُعتبَرُ الفِطامُ، وإنما يُعتبَرُ الوَقتُ، فيُحرِّمُ عندَ أبي حَنيفةَ ما كانَ في السَّنتينِ ونِصفٍ، وعندَهُما ما كانَ في السَّنتينِ؛ لأنَّ الرضاعَ في وَقتِه عُرفَ مُحرِّمًا في الشرعِ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ الدلائلِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما إذا فُطمَ أو لم يُفطمْ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ عندَهُم إلى أنَّ شرْطَ نَشرِ الحُرمةِ بالرَّضاعِ أنْ يَحصلَ الوُصولُ للجَوفِ في الحَولينِ مِنْ وِلادتِه أو بزِيادةِ ما قَرُبَ منهُما ممَّا له حُكمُه كالشَّهرِ والشَّهرينِ، وقيلَ: الثَّلاثةِ الأشهُرِ؛ لأنَّ هذهِ الزيادةَ اليَسيرةَ مُعتبرةٌ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» (٢)،
стр. 11529
ومَعلومٌ أنَّ الطِّفلَ لا يَستغني بالطَّعامِ بعدَ يَومٍ أو يَومينِ مِنْ فِطامِه، فكانَ ذلكَ كرَضاعةٍ في الحَولينِ، ولأنه إرضاعٌ مع المَجاعةِ إليه كالحَولينِ.
وهذا ما دامَ مَقصورًا على الرضاعِ، أو يَأكلُ معَه ما يَضرُّ به الاقتِصارُ عليه، فلو فُطمَ ثم أرضَعَتْه امرأةٌ بعدَ فِصالِه بيَومٍ أو يَومينِ أو ما أشبَهَ ذلكَ حَرَّمَ؛ لأنه لو أُعيدَ للَّبنِ لَكانَ قوَّةً في غَدائِه وعَشائِه، فلو فُصلَ فِصالًا بيِّنًا فلا اعتبارَ بما يَحصلُ له مِنْ اللَّبنِ بعدَ ذلكَ ولو حصَلَ الاستِغناءُ في الحَولينِ، وسَواءٌ استَغنى فيهِما بمُدةٍ بَعيدةٍ أو قَريبةٍ على المَشهورِ، وهو مَذهبُ «المُدوَّنة»، خِلافًا للأخوَينِ وأصبَغَ في بَقاءِ التحريمِ إلى تَمامِهما.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وحاصِلُ الفقهِ كما في «التَّوضِيح» أنه إذا حصَلَ الرضاعُ في الحَولينِ فإنْ لم يَستغنِ بأنْ لم يُفطمْ أصلًا أو فُطمَ ولكنْ أرضَعَتْه بعدَ فِطامِه بيومٍ أو يَومينِ نشَرَ الحُرمةَ باتِّفاقٍ وإنِ استَغنَى، فإما أنْ يَحصلَ الرضاعُ بعدَ الاستغناءِ بمُدةٍ قَريبةٍ أو بَعيدةٍ، فإنْ كانَ بمُدةٍ بَعيدةٍ لم يُعتبَرْ، وكذا إنْ كانَ بمُدةٍ قَريبةٍ على المَشهورِ، وهو مَذهبُ «المُدوَّنة»، فمَذهبُها أنَّ الرضاعَ بعدَ الاستغناءِ لا يُحرمُ، سَواءٌ حصَلَ بعدَ الاستغناءِ بمُدةٍ قَريبةٍ أو بَعيدةٍ، ومُقابلُه لمُطرِّفٍ وابنِ الماجشُونِ وأصبَغَ في «الواضِحَة» أنه يُحرِّمُ إلى تَمامِ الحَولينِ ولو حصَلَ بعدَ الاستِغناءِ بمُدةٍ قَريبةٍ أو بَعيدةٍ (١).
стр. 11530
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قالَ مالِكٌ في «المُوطَّأ»: الرَّضاعةُ قليلُها وكَثيرُها إذا كانَ في الحَولينِ تُحرِّمُ، فأمَّا ما كانَ بعدَ الحَولينِ فإنَّ قليلَه وكَثيرَه لا يُحرِّمُ شَيئًا، وإنَّما هو بمَنزلةِ الطعامِ (١).
وقالَ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ: الرَّضاعُ حَولانِ وشَهرٌ أو شَهرانِ بعدَ ذلكَ، لا يُنظرُ إلى إرضاعِ أمِّه إياهُ، إنما يُنظرُ إلى الحَولينِ وشَهرٍ أو شَهرينِ بعدَ الحَولينِ.
قالَ: وإنْ فصَلَتْه قبلَ الحَولينِ وأرضَعَتْه قبلَ تَمامِ الحَولينِ وهو فَطيمٌ يَرضعُ بعدَ ذلكَ فإنه لا يكونُ رَضاعًا إذا كانَ استَغنَى قبلَ ذلك عن الرَّضاعِ.
ورَوى الوليدُ بنُ مُسلمٍ عن مالِكٍ: ما كانَ بعدَ الحَولينِ بشَهرٍ أو شَهرينِ أو ثَلاثةٍ فهو مِنْ الحَولينِ (٢).
رَضاعُ الكَبيرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إرضاعِ الكَبيرِ، هل تَنتشرُ به الحُرمةُ في حقِّ الدُّخولِ والخَلوةِ أم لا؟
فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ رَضاعَ الكَبيرِ لا تَأثيرَ له ولا يَنتشرُ به الحُرمةُ مُطلَقًا، ولا يَكونُ الرضاعُ إلا في حالةِ الصِّغرِ فقطْ.
стр. 11531
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ رَضاعَ الكَبيرِ غيرُ مُحرِّمٍ (١).
وحَدُّ الصَّغيرِ عند أبي يُوسفَ ومُحمدٍ مِنْ الحَنفيةِ والإمامِ مالكٍ في «المُوطَّأ» والشافِعيةِ والحَنابلةِ: ما كانَ في الحَولينِ، ولا يُحرِّمُ ما بعدَ ذلكَ.
وحَدُّه عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ: ثَلاثونَ شَهرًا، ولا يُحرِّمُ بعدَ ذلكَ.
وعندَ المالِكيةِ في المَشهورِ: ما كانَ في الحَولينِ أو بزِيادةِ ما قَرُبَ منهُما ممَّا له حُكمُه كالشَّهرِ والشَّهرينِ، وقد تقدَّمَ تَفصيلُ هذا في المَسألةِ المُتقدِّمةِ.
فلا تَثبتُ الحُرمةُ ولا أثَرَ للرضاعِ بعدَ هذهِ المُدةِ باتِّفاقِهم جَميعًا، واستَدلُّوا على أنه لا تَثبتُ ولا تَنتشرُ الحُرمةُ بعدَ هذه المُدةِ بما يَلي:
بقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا ما فتَقَ الأمعاءَ وكانَ قبلَ الفِطامِ» (٢)، ورَضاعُ الصَّغيرِ هو الذي يَفتقُ الأمعاءَ لا إرضاعُ الكَبيرِ؛ لأنَّ أمعاءَ الصغيرِ تكونُ ضَيقةً لا يَفتقُها إلا اللَّبنُ؛ لكَونِه مِنْ ألطَفِ الأغذِيةِ كما وصَفَه اللهُ تعالَى في كِتابِه الكَريمِ بقَولِه : ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦]، فأما أمعاءُ الكَبيرِ فمُنفتِقةٌ لا تَحتاجُ إلى الفَتقِ باللَّبنِ، ورُويَ عنه ﷺ أنه قالَ: «لا رَضاعَ بعدَ فِصالٍ».
وعن مَسروقٍ أنَّ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «دخَلَ عليَّ النبيُّ ﷺ وعندِي رَجلٌ، قالَ: يا عائِشةُ مَنْ هذا؟ قلتُ: أخِي مِنْ الرَّضاعةِ، قالَ: يا
стр. 11532
عائشةُ انظُرنَ مَنْ إخوَانُكنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» (١)، ولو كانَ رَضاعُ الكَبيرِ مُحرِّمًا لَمَا قالَ النبيُّ ﷺ لعائِشةَ وقد تغيَّرَ وَجهُه وكَرِهَ دُخولَ أخيها مِنْ الرَّضاعةِ عليها لمَّا رآهُ كَبيرًا: «انظُرْنَ مَنْ إخوانُكُنَّ»، فلو حرَّمَ رَضاعُ الكَبيرِ لم يَكنْ فرَّقَ بينَه وبينَ الصَّغيرِ، ولَمَا كَرِهَ ذلك وقالَ: «انظُرنَ مَنْ إخوانُكنَّ» ثمَّ قالَ: «فإنما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ»، وتَحتَ هذا مِنْ المَعنى خَشيةُ أنْ يكونَ قد ارتَضعَ في غيرِ زَمنِ الرضاعِ وهو زَمنُ المَجاعةِ، فلا يَنشرُ الحُرمةَ فلا يكونُ أخًا.
وعن يَحيى بنِ سَعيدٍ أنَّ أبا مُوسى قالَ: «رَضاعةُ الكَبيرِ ما أراها إلا تُحرِّمُ، فقالَ ابنُ مَسعودٍ: انظُرْ ما يُفتِي به الرَّجلُ، فقالَ أبو مُوسى: فما تقولُ أنتَ؟ فقالَ: لا رَضاعةَ إلا ما كانَ في الحَولينِ، فقالَ أبو مُوسى: لا تَسألوني عن شيءٍ ما كانَ هذا الحَبْرُ بينَ أظهُرِكم».
وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ رَجلًا جاءَ إلى عُمرَ ﵁ فقالَ: كانَتْ لي وَليدةٌ أطَؤُها فعمَدَتِ امرَأتي إليها فأرضَعَتْها، فدخَلْتُ عليها فقالَتْ: دُونَكَ مَقدورُ اللهِ، أرضَعْتُها، فقالَ عُمرُ ﵁: واقِعْها فهيَ جاريَتُكَ، فإنما الرَّضاعةُ عندَ الصِّغرِ».
فالنبيُّ ﷺ فسَّرَ الرضاعَ المُحرِّمَ بكَونِه دافِعًا للجُوعِ مُنبتًا للَّحمِ مُنشِزًا للعَظمِ فاتِقًا للأمعاءِ، وهذا وَصفُ رَضاعِ الصَّغيرِ لا الكَبيرِ، فصارَتِ السُّنةُ مُبيِّنةً لِما في الكِتابِ أصلُه.
стр. 11533
وأما حَديثُ سالمٍ الآتي ذِكرُه فالجَوابُ عن التعلُّقِ به مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: يُحتملُ أنه كانَ مَخصوصًا بذلكَ، يَدلُّ عليهِ ما رُويَ «أنَّ سائِرَ أزواجِ رَسولِ اللهِ ﷺ أبَيْنَ أنْ يَدخلَ عليهِنَّ بالرَّضاعِ في حالِ الكِبَرِ أحدٌ مِنْ الرجالِ وقُلنَ: ما نرَى الذي أمَرَ به رَسولُ اللهِ ﷺ سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ إلا رُخصةً في سالمٍ وحْدَه».
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإني قد حَفظتُ عن عدَّةٍ ممَّن لَقيتُ مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ رَضاعَ سالمٍ خاصٌّ، فإنْ قالَ قائلٌ: فهلْ في هذا خبَرٌ عن أحَدٍ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ بما قُلتَ في رَضاعِ الكَبيرِ؟ قيلَ: نعمْ.
أخبَرَنا مالكٌ عن أنسٍ عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى ابنِ عُمرَ وأنا معَه عندَ دارِ القَضاءِ يَسألُه عن رَضاعةِ الكَبيرِ، فقالَ ابنُ عُمرَ: جاءَ رَجلٌ إلى عُمرَ بنِ الخطَّابِ فقالَ: كانَتْ لي وَليدةٌ فكُنتُ أطَؤُها، فعمَدَتِ امرَأتي إليها فأرضَعَتْها، فدَخَلتُ عليها فقالَتْ: دونَكَ، فقدْ واللهِ أرضَعْتُها، فقالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: أَوجِعْها وائْتِ جاريتَكَ، فإنَّما الرَّضاعُ رَضاعُ الصغيرِ» (١).
فهذا يَدلُّ على أنَّ سالمًا كانَ مَخصوصًا بذلكَ، وما كانَ مِنْ خُصوصيةِ بعضِ الناسِ لمعنًى لا نَعقلُه لا يَحتملُ القياسَ، ولا نَتركُ به الأصلَ المقرَّرَ في الشرعِ.
والثاني: أنَّ رَضاعَ الكبيرِ كانَ مُحرِّمًا ثم صارَ مَنسوخًا بما روينَا مِنْ الأخبارِ.
стр. 11534
لأنَّ حَديثَ سَهلةَ في رَضاعِ سالمٍ كانَ في أولِ الهِجرةِ؛ لأنَّ قِصتَه كانَتْ عَقيبَ نُزولِ قولِه تعالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [لقمان: ٥]، وهي نزَلَتْ في أولِ الهِجرةِ.
وأما أحاديثُ اشتِراطِ الصِّغرِ وأنْ يكونَ في الثديِ قبلَ الفِطامِ فهيَ مِنْ رِوايةِ ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ، وابنُ عبَّاسٍ إنما قَدِمَ المدينةَ قبلَ الفَتحِ، وأبو هُريرةَ إنما أسلَمَ عامَ فتحِ خَيبَرَ، بلا شكٍّ كِلاهُما قَدِمَ المدينةَ بعدَ قِصةِ سالمٍ في رَضاعِه مِنْ امرأةِ أبي حذيفةَ.
وأما عَملُ عائِشةَ ﵂ أنها كانَتْ تَأمرُ بنتَ أخيها عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكرٍ ﵄ أنْ تُرضعَ الصِّبيانَ حتى يَدخُلوا عَليها إذا صارُوا رِجالًا فإنَّ عمَلَها مُعارَضٌ بعَملِ سائرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ ، فإنَّهنَّ كُنَّ لا يَرَينَ أنْ يُدخِلْنَ عليهنَّ بتلكَ الرضاعةِ أحَدًا مِنْ الرِّجالِ، والمُعارَضُ لا يَكونُ حُجةً (١).
стр. 11535
قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: ولا نَعلمُ أحَدًا مِنْ الفُقهاءِ قالَ برَضاعِ الكَبيرِ، إلا شَيءٌ يُروَى عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ يَرويهِ عنه أبو صالحٍ أنَّ رَضاعَ الكَبيرِ يُحرِّمُ، وهو قَولٌ شاذٌّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: اتَّفقَ أئمَّةُ الأمصارِ على أنَّ رَضاعَ الكَبيرِ لا يُحرِّمُ، وشَذَّ الليثُ وأهلُ الظاهرِ عن الجَماعةِ وقالُوا: إنه يُحرِّمُ، وذَهَبوا إلى قَولِ عائشةَ في رَضاعةِ سالمٍ مَولى أبي حُذيفةَ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وذهَبَ أكثَرُ الفُقهاءِ إلى أنَّ رَضاعَ الكَبيرِ لا يُحرِّمُ، وقالَتْ عائشةُ: «رَضاعُ الكَبيرِ يُحرِّمُ كرَضاعِ الصَّغيرِ»، وبه قالَ مِنْ الفُقهاءِ الأوزاعيُّ، ويُشبهُ أنْ يكونَ قولَ أهلِ الظاهِرِ (٣).
وذهَبَ عَطاءٌ واللَّيثُ والأوزاعيُّ وعائِشةُ أمُّ المُؤمنينَ ﵂، وإليه مالَ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ، وهو مَذهبُ ابنِ حَزمٍ وأهلِ الظاهِرِ إلى أنَّ إرضاعَ الكَبيرِ يُحرِّمُ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ذهَبَ الليثُ إلى أنَّ رَضاعةَ الكَبيرِ تُحرِّمُ كما تُحرِّمُ رَضاعةُ الصغيرِ، وهو قَولُ عطاءٍ، ورُويَ عن عليٍّ ولا يَصحُّ عنه، والصحيحُ عنه أنْ لا رَضاعَ بعدَ فِطامٍ، وكانَ أبو مُوسَى الأشعَريُّ يُفتي به ثم انصَرفَ عنه إلى قولِ ابنِ مَسعودٍ.
стр. 11536
وذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ عن ابنِ جُريجٍ قالَ: سَمعتُ عَطاءً يُسألُ قالَ له رَجلٌ: سَقَتْني امرأةٌ مِنْ لَبنِها بعدَ ما كنتُ رَجلًا، أفَأنكِحُها؟ قالَ: لا، قلتُ: ذلكَ رأيُكَ؟ [قالَ: نعمْ]، قالَ عَطاءٌ: كانَتْ عائِشةُ تَأمرُ به بناتِ أخيها.
قالَ أبو عُمرَ: هكذا رَضاعُ الكَبيرِ كما ذكَرَ عَطاءٌ، يُحلبُ له اللبنُ ويُسقاهُ، وأما أنْ تُلقِمَه المَرأةُ ثَديَها كما تَصنعُ بالطِّفلِ فلا؛ لأنَّ ذلكَ لا يَنبغي عندَ أهلِ العِلمِ.
وقد أجمَعَ العُلماءُ على التَّحريمِ بما يَشربُه الغُلامُ الرَّضيعُ مِنْ لَبنِ المَرأةِ وإنْ لم يَمصَّه مِنْ ثَديِها (١).
واحتَجُّوا على جَوازِ ذلكَ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ غَيرِ فَصلٍ بينَ حالِ الصِّغرِ والكِبَرِ.
ولِما رَواهُ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ «أنَّ أبا حُذيفةَ بنَ عُتبةَ بنَ رَبيعةَ وكانَ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ قد شَهدَ بَدرًا، وكانَ تَبنَّى سالمًا الذي يقالَ له سالمٌ مولَى أبي حُذيفةَ كما تَبنَّى رَسولُ اللهِ ﷺ زيدَ بنَ حارثةَ، وأنكَحَ أبو حُذيفةَ سالمًا وهو يَرى أنه ابنُه أنكَحَه بنتَ أخيهِ فاطِمةَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ، وهي يَومئذٍ مِنْ المُهاجِراتِ الأوَلِ، وهي مِنْ أفضَلِ أيامَى قُريشٍ، فلمَّا أنزَلَ اللهُ تعالَى في كِتابهِ في زَيدِ بنِ حارثةَ ما أنزَلَ فقالَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ
стр. 11537
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [لقمان: ٥] ردَّ كلُّ واحدٍ مِنْ أولئكَ إلى أبيه، فإنْ لم يُعلمْ أبوهُ ردَّ إلى مَولاهُ، فجاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ وهي امرَأةُ أبي حُذيفةَ وهي مِنْ بَني عامرِ بنِ لؤيٍّ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ كنَّا نرَى سالمًا ولَدًا، وكانَ يَدخلُ عَليَّ وأنا فُضُلٌ، وليسَ لنا إلا بَيتٌ واحِدٌ، فماذا تَرَى في شأنِه؟ فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «أرضِعيهِ خمسَ رَضعاتٍ فيَحرُمُ بلَبنِكِ»، ففعَلَتْ، وكانَتْ تَراهُ ابنًا مِنْ الرَّضاعةِ، فأخذَتْ بذلكَ عائِشةُ أمُّ المُؤمنينَ فيمن كانت تُحبُّ أنْ يَدخلَ عليها مِنْ الرِّجالِ، فكانَتْ تَأمرُ أُختَها أمَّ كُلثومٍ بنتَ أبي بَكرٍ الصدِّيقِ وبَناتِ أخِيها أنْ يُرضعْنَ مَنْ أحبَّتْ أنْ يَدخلَ عليها مِنْ الرجالِ، وأبَى سائِرُ أزواجِ النبيِّ ﷺ أنْ يَدخلَ عليهنَّ بتلكَ الرَّضاعةِ أحَدٌ مِنْ الناسِ وقُلْنَ: لا واللهِ ما نرَى الذي أمَرَ به رَسولُ اللهِ ﷺ سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ إلا رُخصةً مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ في رَضاعةِ سالمٍ وحْدَه، لا واللهِ لا يَدخلُ علينا بهذهِ الرَّضاعةِ أحَدٌ، فعَلى هذا كانَ أزواجُ النبيِّ ﷺ في رَضاعةِ الكبيرِ» (١).
وعن حُميدِ بنِ نافعٍ قالَ: سَمعتُ زَينبَ بنتَ أبي سَلمةَ تَقولُ: سَمعتُ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ تَقولُ: «جاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إني لَأرَى في وَجهِ أبي حُذيفةَ مِنْ دُخولِ سالمٍ عليَّ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أرضِعِيه، قلتُ: إنه لَذُو
стр. 11538
لِحيةٍ، فقالَ: أرضِعِيه يَذهبْ ما في وَجهِ أبي حُذيفةَ، قالَتْ: واللهِ ما عَرفتُه في وَجهِ أبي حُذيفةَ بَعدُ» (١).
وفي لَفظٍ قالَ: سَمعتُ زَينبَ بنتَ أبي سَلمةَ تَقولُ: سَمعتُ أمَّ سَلمةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ تَقولُ لعائِشةَ: «واللهِ ما تَطيبُ نَفسي أنْ يَرَاني الغُلامُ قد استَغنى عنِ الرَّضاعةِ، فقالَتْ: لِمَ؟ قد جاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ واللهِ إني لَأرَى في وَجهِ أبي حُذيفةَ مِنْ دُخولِ سالمٍ، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أرضِعِيه، فقالَتْ: إنه ذُو لِحيةٍ، فقالَ: أرضِعِيه يَذهبْ ما في وَجهِ أبي حُذيفةَ، فقالَتْ: واللهِ ما عَرفتُه في وَجهِ أبي حُذيفةَ» (٢).
وعن عائِشةَ قالَتْ: «جاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: إني أرَى في وَجهِ أبي حُذيفةَ مِنْ دُخولِ سالِمٍ عليَّ، قالَ: فأرضِعِيه، قالَتْ: وكيفَ أُرضِعُه وهو رَجلٌ كَبيرٌ، فقالَ: ألَسْتُ أعلَمُ أنه رَجلٌ كَبيرٌ؟! ثمَّ جاءَتْ بعدُ فقالَتْ: والذي بعَثَكَ بالحقِّ نَبيًّا ما رَأيتُ في وَجهِ أبي حُذيفةَ بعدُ شَيئًا أكرَهُ» (٣).
وعن حُميدِ بنِ نافعٍ عن زَينبَ بنتِ أمِّ سَلمةَ قالَتْ: قالَتْ أمُّ سَلمةَ لعائِشةَ ﵄: «إنه يَدخلُ عَليكِ الغُلامُ الأيفَعُ الذي ما أحِبُّ أنْ يَدخلَ عَليَّ، قالَ: فقالَتْ عائِشةُ: أمَا لكِ في رَسولِ اللهِ ﷺ إسوةٌ؟! قالَتْ:
стр. 11539
إنَّ امرَأةَ أبي حُذيفةَ قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ سالمًا يَدخلُ عَليَّ وهو رَجلٌ وفي نَفسِ أبي حُذيفةَ منه شَيءٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أرضِعِيه حتى يَدخلَ عَليكِ» (١).
ومِن طَريقِ عبدِ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ أمِّ المُؤمنينَ قالَتْ: «جاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ سالِمًا يُدعَى لأبِي حُذيفةَ ويَأوي مَعَه ويَدخلُ عليَّ فيَرانِي فُضُلا، ونحنُ في مَنزلٍ ضيِّقٍ، وقالَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٥]، فقالَ ﷺ : أرضِعِيه تَحرُمِي عليهِ» (٢).
فهذهِ الأخبارُ تَرفعُ الإشكالَ وتُبيِّنُ مُرادَ اللهِ في الآياتِ المَذكوراتِ أنَّ الرَّضاعةَ التي تَتمُّ بتَمامِ الحَولينِ أو بتَراضِي الأبوَينِ قبلَ الحَولينِ إذا رَأيَا في ذلك صَلاحًا للرَّضيعِ أنها هي المُوجِبةُ للنَّفقةِ على المُرضعةِ، والتي يُجبَرُ عليها الأبَوانِ أحَبَّا أم كَرهَا.
وكانَتْ هذهِ الآثارُ قد جاءَتْ مَجيءَ التواتُرِ، رَواها نِساءُ رَسولِ اللهِ ﷺ كما أورَدْنا وسَهلةُ بنتُ سُهيلٍ مِنْ المُهاجراتِ وزَينبُ بنتُ أمِّ سَلمةَ.
وأما احتِجاجُهم بأنَّ هذا خاصٌّ ورُخصةٌ لسالمٍ بأنَّ نِساءَ النبيِّ ﷺ قُلنْ: «ما نَرَى هذا إلا خاصًّا لسالمٍ، وما نَدرِي لَعلَّه رُخصةٌ
стр. 11540
لسالمٍ» فليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ عائِشةَ ﵂ قالَتْ مُحتجَّةً على أمِّ سَلمةَ: «أمَا لكِ في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوةٌ حَسنةٌ؟!»، وسُكوتُ أمِّ سَلمةَ يُنبئُ برُجوعِها إلى الحَقِّ عن احتياطِها، وأنَّ هذا قولٌ منها واختيارٌ أنَّ هذا خاصٌّ.
وأما دَعوى النَّسخِ فلا تَصحُّ؛ لأنه لا يَحلُّ لأحَدٍ أنْ يَقولَ في نَصٍّ ثابتٍ: «هذا مَنسوخٌ» إلا بنَصٍّ ثابتٍ مُبينٍ غيرِ مُحتمَلٍ، فكيفَ وقولُ سَهلةَ ﵂ لرَسولِ اللهِ ﷺ : «كيفَ أُرضِعُه وهو رَجلٌ كَبيرٌ» بَيانٌ جَليٌّ؛ لأنه بعدَ نُزولِ الآياتِ المَذكوراتِ، وباليَقينِ نَدرِي أنه لو كانَ خاصَّةً لسالمٍ أو في التَّبنِّي الذي نُسخَ لَبيَّنَه ﵊ كما بيَّنَ لأبي بُردةَ في الجَذعةِ إذْ قالَ له: «تُجزِئُكَ ولا تُجزِئُ أحَدًا بعدَكَ».
فإن قيلَ: كيفَ يَحلُّ للكَبيرِ أنْ يَرضعَ ثَديَ امرَأةٍ أجنَبيةٍ.
قيلَ: هذا اعتِراضٌ مُجرَّدٌ على رَسولِ اللهِ ﷺ الذي أمَرَ بذلكَ.
أو كما ذكَرَ عَطاءٌ يُحلبُ له اللَّبنُ ويُسقاهُ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا أنْ تُلقمَه المَرأةُ ثَديَها كما تَصنعُ بالطِّفلِ فلا؛ لأنَّ ذلكَ لا يَنبغي عندَ أهلِ العِلمِ.
وقد أجمَعَ العُلماءُ على التَّحريمِ بما يَشربُه الغُلامُ الرَّضيعُ مِنْ لَبنِ المَرأةِ وإنْ لم يَمصَّه مِنْ ثَديِها (١).
стр. 11541
وأما قَولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» فهوَ حُجةٌ لنا بيِّنةٌ؛ لأنَّ للكَبيرِ مِنْ الرَّضاعةِ في طَردِ المَجاعةِ نحوُ ما للصَّغيرِ، فهو عُمومٌ لكلِّ رَضاعٍ إذا بلَغَ خَمسَ رَضعاتٍ كما أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ .
وقد صَحَّ أنَّ عائِشةَ ﵂ كانَ يَدخلُ عليها الكَبيرُ إذا أرضَعَتْه في حالِ كِبَرِه أختٌ مِنْ أخواتِها الرَّضاعَ المُحرِّمَ، ونَحنُ نَشهدُ بشَهادةِ اللهِ ونَقطعُ بأنه تعالَى لم يَكنْ ليُبيحَ سِتْرَ رَسولِ اللهِ ﷺ يَنتهكُه مَنْ لا يَحلُّ له معَ قولِه تعالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
فنَحنُ نُوقنُ ونَبتُّ بأنَّ رَضاعَ الكبيرِ يَقعُ به التَّحريمُ، وليسَ في امتِناعِ سائرِهنَّ مِنْ أنْ يَدخلَ عليهِنَّ بهذهِ الرَّضاعةِ شَيءٌ يُنكَرُ؛ لأنَّ مُباحًا لهُنَّ أنْ لا يَدخلَ عليهِنَّ مَنْ يَحلُّ له الدُّخولُ عليهنَّ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وقد ذهَبَ طائِفةٌ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ إلى أنَّ إرضاعَ الكَبيرِ يُحرِّمُ، واحتَجُّوا بما في صَحيحِ مُسلمٍ وغيرِه عن زَينبَ بنتِ أمِّ سَلمةَ قالَتْ: قالَتْ أمُّ سَلمةَ لعائِشةَ: «إنه يَدخلُ عَليكِ الغُلامُ الأيفَعُ الذي ما أحِبُّ أنْ يَدخلَ عليَّ، قالَ: فقالَتْ عائِشةُ: أمَا لكِ في رَسولِ اللهِ ﷺ إسوةٌ؟! قالَتْ: إنَّ امرَأةَ أبي حُذيفةَ قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ سَالمًا يَدخلُ عليَّ وهو رَجلٌ وفي نَفسِ أبي حُذيفةَ منه شَيءٌ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أرضِعِيه حتى يَدخلَ عَليكِ» (٢).
стр. 11542
وفي رِوايةٍ لمالِكٍ في «المُوطَّأ» قالَ: «أرضِعيهِ خَمسَ رَضعاتٍ»، فكانَ بمَنزلةِ وَلدِه مِنْ الرضاعةِ، وهذا الحَديثُ أخَذَتْ به عائشةُ، وأبَى غيرُها مِنْ أزواجِ النبيِّ ﷺ أنْ يَأخذْنَ به، مع أنَّ عائشةَ روَتْ عنه قالَ: «الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ»، لكنَّها رَأتِ الفَرقَ بينَ أنْ يَقصدَ رَضاعةً أو تَغذيةً، فمتَى كانَ المقصودُ الثانِيَ لم يُحرِّمْ إلا ما كانَ قبلَ الفِطامِ، وهذا هو إرضاعُ عامَّةِ الناسِ، وأما الأوَّلُ فيَجوزُ إنِ احتِيجَ إلى جَعلِه ذا مَحرمٍ، وقد يَجوزُ للحاجةِ ما لا يَجوزُ لغَيرِها، وهذا قولٌ مُتوجِّهٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: وقالَتْ طائفةٌ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ: يُحرِّمُ رَضاعُ الكَبيرِ ولو أنه شَيخٌ …
قالَ المُثبِتونَ للتَّحريمِ برَضاعِ الشُّيوخِ: قد صَحَّ عن النبيِّ ﷺ صِحةً لا يَمتَري فيها أحَدٌ أنه أمَرَ سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ أنْ تُرضعَ سالمًا مَولى أبي حُذيفةَ وكانَ كَبيرًا ذا لِحيةٍ، وقالَ: «أرضِعيهِ تَحرُمي عليه»، ثمَّ ساقوا الحَديثَ وطُرقَه وألفاظَه، وهي صَحيحةٌ صَريحةٌ بلا شَكٍّ، ثم قالُوا: فهذهِ الأخبارُ تَرفعُ الإشكالَ وتُبيِّنُ مُرادَ اللهِ في الآياتِ المَذكوراتِ أنَّ الرَّضاعةَ التي تَتمُّ بتَمامِ الحَولينِ أو بتَراضِي الأبَوينِ قبلَ الحَولينِ إذا رَأيَا في ذلكَ صَلاحًا للرَّضيعِ إنما هي المُوجِبةُ للنَّفقةِ على المَرأةِ المُرضِعةِ، والتي يُجبَرُ عليها الأبَوانِ أحَبَّا أم كَرهَا، ولقدْ كانَ في الآيةِ كِفايةٌ مِنْ هذا؛ لأنه تعالَى قالَ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ
стр. 11543
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأمَرَ اللهُ تعالَى الوالِداتِ بإرضاعِ المَولودِ عامَينِ، وليسَ في هذا تَحريمٌ للرَّضاعةِ بعدَ ذلكَ، ولا أنَّ التحريمَ يَنقطعُ بتَمامِ الحَولينِ، وكانَ قولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يَقلْ: في حَولينِ، ولا في وَقتٍ دونَ وَقتٍ زائِدًا على الآياتِ الأُخَرِ، وعُمومُها لا يَجوزُ تَخصيصُه إلا بنصٍّ يُبيِّنُ أنه تَخصيصٌ له لا بظَنٍّ ولا مُحتملٍ لا بَيانَ فيهِ، وكانَتْ هذهِ الآثارُ -يَعني التي فيها التحريمُ برَضاعِ الكبيرِ- قد جاءَتْ مَجيءَ التَّواترِ، رَواها نِساءُ النبيِّ ﷺ ، وسَهلةُ بنتُ سُهيلٍ وهي مِنْ المُهاجِراتِ، وزَينبُ بنتُ أمِّ سَلمةَ وهي رَبيبةُ النبيِّ ﷺ ، ورَواها مِنْ التابِعينَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ وحُميدُ بنُ نافعٍ، ورَواها عن هَؤلاءِ الزُّهريُّ وابنُ أبي مُليكةَ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ القاسمِ ويَحيى بنُ سَعيدٍ الأنصاريُّ ورَبيعةُ، ثم رَواها عن هَؤلاءِ أيُّوبُ السِّختيانِيُّ وسُفيانُ الثوريُّ وسُفيانُ بنُ عُيينةَ وشُعبةُ ومالكٌ وابنُ جُريجٍ وشُعيبٌ ويُونسُ وجَعفرُ بنُ رَبيعةَ ومَعمرٌ وسُليمانُ بنُ بلالٍ وغيرُهم، ثمَّ رواها عن هَؤلاءِ الجَمُّ الغَفيرُ والعَددُ الكَثيرُ، فهي نَقلُ كافَّةٍ لا يَختلفُ مُؤالِفٌ ولا مُخالِفٌ في صحَّتِها، فلَم يَبْقَ مِنْ الاعتِراضِ إلا قولُ القائلِ: «كانَ ذلكَ خاصًّا بسالمٍ» كما قالَ بَعضُ أزواجِ رَسولِ اللهِ ﷺ ومَن تَبِعَهنَّ في ذلكَ، فلْيَعلمْ مَنْ تَعلَّقَ بهذا أنه ظَنٌّ ممَّن ظَنَّ ذلكَ مِنهنَّ ﵅ هكذا في الحَديثِ أنهُنَّ قُلنَ: «ما نَرَى هذا إلا خاصًّا بسالمٍ، وما نَدرِي لَعلَّها كانت رُخصةً لسالِمٍ»، فإذا هو
стр. 11544
ظنٌّ بلا شكٍّ، فإنَّ الظنَّ لا يُعارَضُ به السُّننُ الثابتةُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وشَتانَ بينَ احتجاجِ أمِّ سَلمةَ ﵂ بظَنِّها وبينَ احتِجاجِ عائِشةَ ﵂ بالسُّنةِ الثابتةِ، ولهذا لمَّا قالَتْ لها عائِشةُ «أمَا لكِ في رَسولِ اللهِ ﷺ أسوةٌ حَسنةٌ؟!» سَكتَتْ أمُّ سَلمةَ ولم تَنطقْ بحَرفٍ، وهذا إمَّا رُجوعٌ إلى مَذهبِ عائِشةَ، وإما انقِطاعٌ في يَدِها.
قالُوا: وقَولُ سَهلةَ لرَسولِ اللهِ ﷺ : «كيفَ أُرضعُه وهو رَجلٌ كَبيرٌ؟» بَيانٌ جَليٌّ أنه بعدَ نُزولِ الآياتِ المَذكوراتِ.
قالُوا: ونَعلمُ يَقينًا أنه لو كانَ ذلك خاصًّا بسالمٍ لَقطَعَ النبيُّ ﷺ الإلحاقَ ونَصَّ على أنه ليسَ لأحَدٍ بعدَه، كما بيَّنَ لأبي بُردةَ بنِ نيارٍ أنَّ جَذعتَه تُجزئُ عنه ولا تُجزئُ عن أحَدٍ بعدَه، وأينَ يَقعُ ذَبحُ جَذعةٍ أُضحيةً مِنْ هذا الحُكمِ العَظيمِ المُتعلِّقِ به حِلُّ الفَرجِ وتَحريمُه وثُبوتُ المَحرميةِ والخَلوةُ بالمَرأةِ والسَّفرُ بها؟! فمَعلومٌ قَطعًا أنَّ هذا أَولى ببَيانِ التَّخصيصِ لو كانَ خاصًّا.
قالُوا: وقَولُ النبيِّ ﷺ : «إنما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» حُجةٌ لنا؛ لأنَّ شُربَ الكَبيرِ للَّبنِ يُؤثرُ في دَفعِ مَجاعتِه قَطعًا كما يُؤثرُ في الصَّغيرِ أو قَريبًا منه.
فإنْ قُلتمْ: فما فائِدةُ ذِكرِه إذا كانَ الكبيرُ والصَّغيرُ فيه سَواءً؟
قُلنا: فائدتُه إبطالُ تَعلقِ التحريمِ بالقَطرةِ مِنْ اللَّبنِ أو المَصةِ الواحِدةِ التي لا تُغنِي مِنْ جُوعٍ ولا تُنبتُ لحمًا ولا تُنشزُ عَظمًا.
стр. 11545
قالُوا: وقولُه ﷺ : «لا رَضاعَ إلا ما كانَ في الحَولينِ وكانَ في الثَّديِ قبلَ الفِطامِ» ليسَ بأبلَغَ مِنْ قَولِه ﷺ : «لا رِبَا إلا في النَّسيئةِ»، و «إنما الرِّبا في النَّسيئةِ»، ولم يَمنعْ ذلكَ ثُبوتَ رِبا الفَضلِ بالأدلَّةِ الدالَّةِ عليه، فكذا هذا
فأحادِيثُ رَسولِ اللهِ ﷺ وسُنَنُه الثابتةُ كلُّها حقٌّ يَجبُ اتِّباعُها، ولا يُضرَبُ بعضُها ببَعضٍ، بل تُستعملُ كلٌّ مِنها على وَجهِه.
قالُوا: وممَّا يَدلُّ على ذلكَ أنَّ عائِشةَ أمَّ المُؤمنينَ ﵂ وأفقَهَ نِساءِ الأمَّةِ هي التي رَوَتْ هذا وهذا، فهيَ التي رَوتْ: «إنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ»، ورَوتْ حَديثَ سَهلةَ وأخَذَتْ به، فلو كانَ عندَها حَديثُ «إنَّما الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» مُخالِفًا لحَديثِ سَهلةَ لَمَا ذهَبَتْ إليه وترَكَتْ حَديثًا واجَهَها به رَسولُ اللهِ ﷺ وتَغيَّرَ وَجهُه وكَرِهَ الرجلَ الذي رَآهُ عندَها وقالَتْ: «هو أخِي».
قالُوا: وقد صَحَّ عنها أنها كانَتْ تُدخلَ عليها الكَبيرَ إذا أرضَعَتْه في حالِ كِبَرِه أختٌ مِنْ أخواتِها الرَّضاعَ المُحرِّمَ، ونَحنُ نَشهدُ بشَهادةِ اللهِ ونَقطعُ قَطعًا نَلقاهُ به يومَ القِيامةِ أنَّ أمَّ المُؤمنينَ لم تَكنْ لِتُبيحَ سِتْرَ رَسولِ اللهِ ﷺ بحَيثُ يَنتهكُه مَنْ لا يَحلُّ له انتهاكُه، ولم يَكنِ اللهُ ليُبيحَ ذلكَ على يَدِ الصدِّيقةِ بنتِ الصدِّيقِ المُبَرَّأةِ مِنْ فوقِ سَبعِ سَماواتٍ، وقد عصَمَ اللهُ سُبحانَه ذلكَ الجَنابَ الكَريمَ والحِمَى المنيعَ والشَّرفَ الرَّفيعَ أتَمَّ عِصمةٍ، وصانَه أعظَمَ صِيانةٍ، وتَولَّى صِيانتَه وحِمايتَه والذبَّ عنه بنَفسِه ووَحيِه وكلامِه.
стр. 11546
قالُوا: فنَحنُ نُوقنُ ونَقطعُ ونَبتُّ الشهادةَ للهِ بأنَّ فِعلَ عائِشةَ ﵂ هو الحَقُّ، وأنَّ رَضاعَ الكَبيرِ يَقعُ به مِنْ التَّحريمِ والمَحرميةِ ما يَقعُ برَضاعِ الصَّغيرِ، ويَكفينَا أمُّنا أفقَهُ نِساءِ الأمَّةِ على الإطلاقِ وقد كانَتْ تُناظِرُ في ذلك نِساءَه ﷺ ولا يُجبْنَها بغَيرِ قولِهنَّ: «ما أحَدٌ دِاخلٌ علينا بتِلكَ الرَّضاعةِ».
ويَكفينَا في ذلكَ أنه مَذهبُ ابنِ عَمِّ نبيِّنَا وأعلَمِ أهلِ الأرضِ على الإطلاقِ حينَ كانَ خَليفةً، ومَذهبُ الليثِ بنِ سَعدٍ الذي شَهِدَ له الشافِعيُّ بأنه كانَ أفقَهَ مِنْ مالِكٍ إلا أنه ضيَّعَه أصحابُه، ومَذهبُ عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ ذكَرَه عبدُ الرزَّاقِ عن ابنِ جُريجٍ عنه، وذكَرَ مالكٌ عن الزُّهريِّ أنه سُئلَ عن رَضاعِ الكَبيرِ فاحتَجَّ بحَديثِ سَهلةَ بنتِ سُهيلٍ في قِصةِ سالمٍ مَولى أبي حُذيفةَ، وقالَ عبدُ الرزَّاقِ: وأخبَرَني ابنُ جُريجٍ قالَ: أخبَرَني عبدُ الكَريمِ أنَّ سالِمَ ابنَ أبي الجَعدِ المَولى الأشجَعيَّ أخبَرَه أنَّ أباهُ أخبَرَه أنه سَألَ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ ﵁ فقالَ: «أردْتُ أنْ أتزوَّجَ امرَأةً قد سَقَتْني مِنْ لَبنِها وأنا كَبيرٌ تَداويتُ به، فقالَ له عَليٌّ: لا تَنكِحْها، ونَهاهُ عنها».
فهَؤلاءِ سَلَفُنا في هذهِ المَسألةِ، وتِلكَ نُصوصُنا كالشَّمسِ صِحةً وصَراحةً.
قالُوا: وأصرَحُ أحاديثُكم حَديثُ أمِّ سَلمةَ تَرفعُه: «لا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا ما فتَقَ الأمعاءَ في الثَّدي وكانَ قبلَ الفِطامِ»، فما أصرَحَه لو كانَ سَليمًا مِنْ العِلةِ، لكنْ هذا حَديثٌ مُنقطعٌ؛ لأنه مِنْ رِوايةِ فاطِمةَ بنتِ المُنذِرِ عن أمِّ سَلمةَ، ولم تَسمعْ منها شَيئًا؛ لأنها كانَتْ أسَنَّ مِنْ زَوجِها هِشامٍ باثنَي عشَرَ عامًّا، فكانَ مَولدُه في سَنةِ سِتينَ ومَولدُ فاطِمةَ في سَنةِ ثَمانٍ وأربَعينَ، وماتَتْ
стр. 11547
أمُّ سَلمةَ سَنةَ تِسعٍ وخَمسينَ وفاطِمةُ صَغيرةٌ لم تَبلغْها، فكيفَ تَحفظُ عنها ولم تَسمعْ مِنْ خالةِ أبيها شَيئًا؟!
قالُوا: وإذا نظَرَ العالِمُ المُنصِفُ في هذا القَولِ ووازَنَ بينَه وبينَ قولِ مَنْ يَحُدُّ مُدةَ الرَّضاعِ المُحرِّمِ بخَمسةٍ وعِشرينَ شَهرًا أو سِتةٍ وعِشرينَ شَهرًا أو سَبعةٍ وعِشرينَ شَهرًا أو ثَلاثينَ شَهرًا مِنْ تلكَ الأقوالِ التي لا دَليلَ عليها مِنْ كِتابِ اللهِ أو سُنةِ رَسولِه ولا قَولِ أحَدٍ مِنْ الصحابةِ تَبيَّنَ له فَضلُ ما بينَ القَولينِ، فهذا مُنتهَى أقدامِ الطائفَتينِ في هذهِ المَسألةِ، ولَعلَّ الواقِفَ عليها لم يَكنْ يَخطرُ له أنَّ هذا القولَ تَنتهِي قوَّتُه إلى هذا الحدِّ، وأنه ليسَ بأيدِي أصحابِه قُدرةٌ على تَقديرِه وتَصحيحِه، فاجلِسْ أيها العالِمُ المنصِفُ مَجلسَ الحكَمِ بينَ هَذينِ المُتنازعَينَ وافصِلْ بينَهُما بالحُجةِ والبَيانِ لا بالتَّقليدِ وقالَ فُلانٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في رَضاعِ الكَبيرِ:
فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وكافَّةُ الفُقهاءِ: لا يُحرِّمُ رَضاعُ الكَبيرِ.
وذهَبَ داودُ وأهلُ الظاهرِ إلى أنه يُحرِّمُ، وهو مَذهبُ عائِشةَ.
ومَذهبُ الجُمهورِ هو مَذهبُ ابنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ وابنِ عبَّاسٍ وسائرِ أزواجِ النبيِّ ﵊.
وسَببُ اختِلافِهم: تَعارُضُ الآثارِ في ذلكَ، وذلكَ أنه ورَدَ في ذلكَ حَديثانِ:
стр. 11548
أحَدُهما: حَديثُ سالمٍ، وقد تقدَّمَ.
والثَّاني: حَديثُ عائِشةَ خرَّجَه البُخاريُّ ومُسلمٌ، قالَتْ: «دخَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ وعِندي رَجلٌ فاشتَدَّ ذلكَ عليهِ ورَأيتُ الغضَبَ في وَجهِه فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنه أخِي مِنْ الرَّضاعةِ، فقالَ ﵊: انظُرْنَ مَنْ إخوانِكنَّ مِنْ الرَّضاعةِ، فإنَّ الرَّضاعةَ مِنْ المَجاعةِ».
فمَن ذهَبَ إلى تَرجيحِ هذا الحديثِ قالَ: لا يُحرِّمُ اللبنُ الذي لا يَقومُ للمُرضَعِ مَقامَ الغِذاءِ، إلا أنَّ حديثَ سالمٍ نازِلةٌ في عينٍ، وكانَ سائرُ أزواجِ النبيِّ ﷺ يَرَونَ ذلكَ رُخصةً لسالمٍ.
ومَن رجَّحَ حَديثَ سالمٍ وعلَّلَ حَديثَ عائِشةَ بأنها لم تَعملْ به قالَ: يُحرِّمُ رَضاعُ الكَبيرِ (١).
стр. 11549
ما يَثبتُ به الرَّضاعُ:
يَثبتُ الرَّضاعُ بأحَدِ أمرَينِ: بالإقرارِ أو البيِّنةِ.
الإقرارُ بالرَّضاعِ:
الإقرارُ بالرَّضاعِ لا يَخلُو مِنْ ثَلاثِ حَالاتٍ:
إما أنْ يكونَ مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ، أو مِنْ قِبلِ الزَّوجةِ، أو مِنْ قِبلِهما:
الحالةُ الأُولى: إقرارُ الزَّوجِ بالرَّضاعِ:
الإقرارُ بالرَّضاعِ هو أنْ يَقولَ الزَّوجُ لامرأةٍ تَزوَّجَها: «هي أختِي مِنْ الرِّضاعِ، أو أمِّي مِنْ الرضاعِ، أو ابنَتِي مِنْ الرَّضاعِ» ويَثبتُ على ذلكَ ويَصبِرُ عليه، فيُفرَّقُ بينَهُما؛ لأنه أقَرَّ ببُطلانِ ما يَملكُ إبطالَه للحالِ، فيُصدَّقُ فيه على نفسِه، وإذا صُدِّقَ لا يَحلُّ له وَطؤُها والاستِمتاعُ بها، فلا يكونُ في إبقاءِ النكاحِ فائِدةٌ، فيُفرَّقُ بينَهُما، سواءٌ صدَّقَتْه أو كذَّبَتْه؛ لأنَّ الحُرمةَ ثابتةٌ في زَعمِه، وهذا بشَرطِ الإمكانِ، فإنْ لم يُمكِنْ بأنَ قالَ: «فُلانةُ ابنتِي مِنْ الرَّضاعِ» وهي أكبَرُ سِنًّا منه فهو لغوٌ.
ثمَّ إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ بها فلَها نِصفُ المَهرِ إنْ كذَّبتْه؛ لأنَّ الزَّوجَ مُصدَّقٌ على نفسِه لا عَليها بإبطالِ حقِّها في المهرِ.
وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ بها فلَها كَمالُ المَهرِ؛ لأنه غيرُ مُصدَّقٍ بإبطالِ حقِّها.
قالَ الشافِعيةُ: وله تَحليفُها قبلَ الدُّخولِ وبعدَه.
стр. 11550
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو أقَرَّ بذلكَ ثم رجَعَ عن إقرارِه فقالَ: «أُوهِمْتُ، أو أخطَأْتُ» هل تَحرمُ عليه أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه إذا أقَرَّ ثم قالَ: «أوهِمْتُ، أو أخطَأْتُ، أو غَلطْتُ، أو نَسيتُ، أو كذَبْتُ» يُفرَّقُ بينَهُما، ولا يُصدَّقُ على الخَطأِ وغيرِه؛ لأنه أقَرَّ بسَببِ الفُرقةِ، فلا يَملكُ الرُّجوعَ، كما لو أقَرَّ بالطلاقِ ثم رجَعَ بأنْ قالَ لامرأتِه: «كنتُ طلَّقتُكِ ثَلاثًا» ثم قالَ: «أوهمْتُ»، والدليلُ عليه أنه لو قالَ لأمَتِه: «هذه امرَأتِي، أو أمِّي، أو أختِي، أو ابنَتِي» ثم قالَ: «أوهمْتُ» أنه لا يُصدَّقُ وتُعتَقُ، كذا ههُنا (١).
قالَ الشافِعيةُ: وهذا إنْ صُدِّقَا حَرُمَ تَناكحُهما ظاهِرًا وباطنًا، وإلا فظاهِرًا فقطْ (٢).
стр. 11551
قالَ الحَنابلةُ: وهذا الكَلامُ في الحُكمِ، فأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فيَنبني ذلكَ على عِلمِه بصِدقِه، فإنْ عَلِمَ أنَّ الأمرَ كما قالَ فهي مُحرَّمةٌ عليه ولا نِكاحَ بينَهُما، وإنْ عَلِمَ كَذِبَ نفسِه فالنكاحُ باقٍ بحالِه وقَولُه كَذبٌ لا يُحرِّمُها عليه؛ لأنَّ المُحرِّمَ حَقيقةً الرضاعُ لا القولُ، وإنْ شكَّ في ذلك لم يزلْ عن اليَقينِ بالشكِّ، وقيلَ في حلِّها له: إذا عَلِمَ كَذِبَ نفسِه رِوايتانِ، والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ قولَه ذلكَ إذا كانَ كذبًا لم يُثبتِ التحريمَ، كما لو قالَ لها وهي أكبَرُ منه: «هي ابنَتي مِنْ الرضاعةِ» (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إذا أقَرَّ بذلكَ ثم قالَ: «أوهِمْتُ أو، أخطَأْتُ، أو غَلطتُ، أو نَسيتُ، أو كَذبتُ» فهُمَا على النكاحِ ولا يُفرَّقُ بينَهُما؛ لأنَّ الإقرارَ إخبارٌ، فقولُه: «هذه أختِي» إخبارٌ منه أنها لم تَكنْ زوجَتَه قطُّ لكَونِها مُحرَّمةً عليه على التأبيدِ، فإذا قالَ: «أوهِمتُ» صارَ كأنَّه قالَ: «ما تَزوجتُها» ثم قالَ: «تزوَّجتُها» وصدَّقتْه المَرأةُ، ولو قالَ ذلكَ يُقَرَّانِ على النكاحِ، كذا هذا، بخِلافِ الطلاقِ؛ لأنَّ قولَه: «كنتُ طلَّقتُكِ ثلاثًا» إقرارٌ منه بإنشاءِ الطلاقِ الثلاثِ مِنْ جِهتِه، ولا يَتحققُّ إنشاءُ الطلاقِ إلا بعدَ صِحةِ النكاحِ، فإذا أقَرَّ ثم رجَعَ عنه لم يُصدَّقْ، ولو جحَدَ الإقرارَ فشَهدَ شاهِدانِ على إقرارِه فُرِّقَ بينَهُما (٢).
стр. 11552
الحالةُ الثَّانيةُ: إقرارُ الزَّوجةِ بالرَّضاعِ:
نَصَّ المالِكيةُ والحَنابلةُ على أنَّ المَرأةَ إذا أقرَّتْ أنَّ زوْجَها أخوها مِنْ الرَّضاعةِ فأكذَبَها لم يُقبلْ قولُها في فَسخِ النكاحِ؛ لأنه حقٌّ عليها، ولاتِّهامِها على قَصدِ فِراقِه.
قالَ المالِكيةُ: فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا شَيءَ لها مِنْ المَهرِ؛ لإقرارِها بفَسادِ العَقدِ، وإنْ أرادَ مُفارقتَها بعدَ الدُّخولِ كانَ لها المهرُ؛ لأنه يَستقرُّ بالدُّخولِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ أرادَ أنْ يُفارِقَها فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا مهرَ لها؛ لأنها تُقِرُّ بأنها لا تَستحقُّه، فإنْ كانَتْ قد قبَضَتْه لم يَكنْ للزوجِ أخذُه منها؛ لأنه يُقِرُّ بأنه حَقٌّ لها.
وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فأقَرَّتْ أنها كانَتْ عالِمةً بأنها أختُه وبتَحريمِها عليه ومُطاوِعةً له في الوَطءِ فلا مهرَ لها أيضًا؛ لإقرارِها بأنها زانيةٌ مُطاوِعةٌ.
وإنْ أنكَرَتْ شَيئًا مِنْ ذلكَ فلها المَهرُ؛ لأنه وَطءٌ بشُبهةٍ، وهي زَوجتُه في ظاهرِ الحُكمِ؛ لأنَّ قولَها عليها غيرُ مَقبولٍ.
فأمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالَى فإنْ عَلِمتْ صحَّةَ ما أقرَّتْ به لم يَحلَّ لها
стр. 11553
مُساكنتُه وتَمكينُه مِنْ وَطئِها، وعليها أنْ تَفِرَّ منه وتَفتديَ نفسَها بما أمكَنَها؛ لأنَّ وطْأَه لها زنًا، فعَليها التخلُّصُ منه مَهمَا أمكَنَها، كما قُلنا في التي عَلِمتْ أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثَلاثًا وجحَدَها ذلكَ، ويَنبغي أنْ يكونَ الواجِبُ لها مِنْ المَهرِ بعدَ الدُّخولِ أقلَّ الأمرَينِ مِنْ المُسمَّى أو مَهرِ المثلِ؛ لأنه إنْ كانَ المُسمَّى أقلَّ فلا يُقبلُ قَولُها في وُجوبِ زائدٍ عليه، وإنْ كانَ الأقلُّ مهرَ المِثلِ لم تَستحقَّ أكثَرَ منه؛ لاعتِرافِها بأنَّ استِحقاقِها له بوَطئِها لا بالعَقدِ، فلا تَستحقُّ أكثَرَ منه، وإنْ كانَ إقرارُها لم يُصادِفْ زَوجيةً عليها يُبطلُها فقُبِلَ إقرارُها على نَفسِها بتَحريمِه عليه، وكذلكَ لو أقَرَّ الرَّجلُ أنَّ هذه أختُه مِنْ الرَّضاعِ أو مُحرَّمةٌ عليه برَضاعٍ أو غيرِه وأمكَنَ صدقُه لم يَحلُّ له تَزويجُها فيما بعدَ ذلكَ في ظاهِرِ الحُكمِ، وأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فيَنبني على عِلمِه بحَقيقةِ الحالِ على ما ذكَرْناهُ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا ادَّعتِ الرضاعَ فأنكَرَ الزوجُ ذلكَ صُدقَ الزَّوجُ بيَمينِه إنْ كانَتْ زُوِّجتْ برِضاها ممَّن عرَفَتْه بعَينِه بأنْ عيَّنتْه في إذنِها أو عُيِّنَ لها فسكَتَتْ حيثُ يكفِي سُكوتُها؛ لتَضمُّنِ رِضاها به، وإنْ حلَفَ الزوجُ على نَفيِ الرضاعِ استَمرَّتِ الزَّوجيةُ ظاهِرًا، وعليها مَنعُ نفسِها منه ما أمكَنَ إنْ كانَتْ صادِقةً.
стр. 11554
وإلا بأنْ زُوِّجتْ بغيرِ رضاها كانَ زوَّجَها المُجبِرُ لجُنونٍ أو بَكارةٍ أو أذنَتْ مُطلَقًا ولم تُعيِّنِ الزوجَ فالأصَحُّ تَصديقُها بيَمينِها؛ لاحتِمالِ ما تدَّعيهِ ولم يَسبقْ منها ما يُناقضُه، فأشبَهَ ما لو ذكَرَتْه قبلَ النكاحِ.
والثَّاني: يُصدَّقُ الزَّوجُ بيَمينِه؛ لاستِدامةِ النكاحِ الجاري على الصِّحةِ ظاهرًا.
ومَحلُّ الخِلافِ إذا لم تُمكِّنْه مِنْ وَطئِها مُختارةً، فإنْ مكَّنتْه لم يُقبلْ قولُها.
ولها في المَسألتينِ مَهرُ مثلٍ إنْ وَطئِها جاهِلةً بالرضاعِ ثم عَلِمتْ وادَّعتْه، سواءٌ أكانَ مثلَ المُسمَّى أم دونَه، وليسَ لها طَلبُ المُسمَّى؛ لأنها لا تَستحقُّه بزَعمِها.
فإنْ كانَ الزَّوجُ دفَعَه إليها لم يَكنْ له طَلبُ ردِّه؛ لزَعمِه أنه لها، فإنْ كانَ مهرُ المِثلِ أكثَرَ مِنْ المُسمَّى لم تَطلبِ الزَّوجةُ الزيادةَ إنْ صَدَّقْنا الزوجَ.
والوَرعُ له أنْ يُطلِّقَها طَلقةً؛ لتَحلَّ لغيرِه إنْ كانَتْ كاذبةً.
وإنْ لم يَكنْ وَطئِها فلا شيءَ لها (١).
وقالَ الحَنفيةُ: وإذا أقَرَّتِ المَرأةُ أنَّ «هذا أبِي مِنْ الرَّضاعةِ، أو أخِي، أو ابنُ أخِي» وأنكَرَ الرَّجلُ ثم كذَّبَتِ المَرأةُ نفسَها فقالَتْ: «أخطَأتُ» فتزوَّجَها فالنكاحُ جائزٌ، وكذلكَ لو لم يَتزوَّجْها قبلَ تَكذيبِ نفسِها.
стр. 11555
ولو قالَتِ المَرأةُ بعدَ النكاحِ: «قد كُنْتُ أقرَرْتُ أنكَ أخِي، وقد قلتُ: إنَّ ما أقرَرْتُ به حقٌّ حينَ أقرَرْتُ بذلكَ وقد وقَعَ النكاحُ فاسِدًا» فإنه لا يُفرَّقُ بينَهُما، ولو كانَ هذا القَولُ مِنْ الزوجِ يُفرَّقُ بينَهُما.
قالَ الإمامُ الحَصكفيُّ الحَنفيُّ ﵀: (وإنْ أقَرَّتِ) المَرأةُ بذلكَ (ثمَّ أكذَبَتْ نفْسَها وقالَتْ: «أخطَأتُ» وتزوَّجَها جازَ، كما لو تزوَّجَها قبلَ أنْ تُكذِّبَ نفْسَها) وإنْ أصرَّتْ عليه؛ لأنَّ الحُرمةَ ليسَتْ إليها، قالُوا: وبه يُفتَى في جَميعِ الوُجوهِ. بزَّازيَّة.
قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: قولُه: (جازَ) أي: صَحَّ النكاحُ.
قولُه: (لأنَّ الحُرمةَ ليسَتْ إليها) أي: لم يَجعلْها الشارعُ لها، فلا يُعتبَرُ إقرارُها بها.
قولُه: (في جَميعِ الوُجوهِ) أي: سَواءٌ أقرَّتْ قبلَ العَقدِ أو لا، وسَواءٌ أصرَّتْ عليهِ أو لا، بخِلافِ الرَّجلِ؛ فإنَّ إصرارَه مُثبِتٌ للحُرمةِ كما عَلِمتَ.
ويُفهَمُ ممَّا في «البَحْر» عن «الخانيَّة» أنَّ إصرارَها قبلَ العَقدِ مانعٌ مِنْ تزوُّجِها به، ونحوُه في «الذَّخيرَة»، لكنَّ التعليلَ المَذكورَ يُؤيِّدُ عدَمَه.
قولُه: (بزَّازيَّة) ذكَرَ ذلكَ في البزَّازيَّة آخرِ كِتابِ الطَّلاقِ حيثُ قالَ: قالَتْ لرَجلٍ: «إنه أبِي رَضاعًا» وأصرَّتْ عليهِ يَجوزُ أنْ يتزوَّجَها إذا كانَ الزَّوجُ يُنكِرُه، وكذا إذا أقَرَّ به ثم أكذَبَتْه فيه لا يُصدَّقُ على قَولِها؛ لأنَّ الحُرمةَ