← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11551–11590 · переход к 11556.

стр. 11551

قالَ الحَنابلةُ: وهذا الكَلامُ في الحُكمِ، فأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فيَنبني ذلكَ على عِلمِه بصِدقِه، فإنْ عَلِمَ أنَّ الأمرَ كما قالَ فهي مُحرَّمةٌ عليه ولا نِكاحَ بينَهُما، وإنْ عَلِمَ كَذِبَ نفسِه فالنكاحُ باقٍ بحالِه وقَولُه كَذبٌ لا يُحرِّمُها عليه؛ لأنَّ المُحرِّمَ حَقيقةً الرضاعُ لا القولُ، وإنْ شكَّ في ذلك لم يزلْ عن اليَقينِ بالشكِّ، وقيلَ في حلِّها له: إذا عَلِمَ كَذِبَ نفسِه رِوايتانِ، والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ قولَه ذلكَ إذا كانَ كذبًا لم يُثبتِ التحريمَ، كما لو قالَ لها وهي أكبَرُ منه: «هي ابنَتي مِنْ الرضاعةِ» (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إذا أقَرَّ بذلكَ ثم قالَ: «أوهِمْتُ أو، أخطَأْتُ، أو غَلطتُ، أو نَسيتُ، أو كَذبتُ» فهُمَا على النكاحِ ولا يُفرَّقُ بينَهُما؛ لأنَّ الإقرارَ إخبارٌ، فقولُه: «هذه أختِي» إخبارٌ منه أنها لم تَكنْ زوجَتَه قطُّ لكَونِها مُحرَّمةً عليه على التأبيدِ، فإذا قالَ: «أوهِمتُ» صارَ كأنَّه قالَ: «ما تَزوجتُها» ثم قالَ: «تزوَّجتُها» وصدَّقتْه المَرأةُ، ولو قالَ ذلكَ يُقَرَّانِ على النكاحِ، كذا هذا، بخِلافِ الطلاقِ؛ لأنَّ قولَه: «كنتُ طلَّقتُكِ ثلاثًا» إقرارٌ منه بإنشاءِ الطلاقِ الثلاثِ مِنْ جِهتِه، ولا يَتحققُّ إنشاءُ الطلاقِ إلا بعدَ صِحةِ النكاحِ، فإذا أقَرَّ ثم رجَعَ عنه لم يُصدَّقْ، ولو جحَدَ الإقرارَ فشَهدَ شاهِدانِ على إقرارِه فُرِّقَ بينَهُما (٢).

стр. 11552

الحالةُ الثَّانيةُ: إقرارُ الزَّوجةِ بالرَّضاعِ: نَصَّ المالِكيةُ والحَنابلةُ على أنَّ المَرأةَ إذا أقرَّتْ أنَّ زوْجَها أخوها مِنْ الرَّضاعةِ فأكذَبَها لم يُقبلْ قولُها في فَسخِ النكاحِ؛ لأنه حقٌّ عليها، ولاتِّهامِها على قَصدِ فِراقِه. قالَ المالِكيةُ: فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا شَيءَ لها مِنْ المَهرِ؛ لإقرارِها بفَسادِ العَقدِ، وإنْ أرادَ مُفارقتَها بعدَ الدُّخولِ كانَ لها المهرُ؛ لأنه يَستقرُّ بالدُّخولِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ أرادَ أنْ يُفارِقَها فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا مهرَ لها؛ لأنها تُقِرُّ بأنها لا تَستحقُّه، فإنْ كانَتْ قد قبَضَتْه لم يَكنْ للزوجِ أخذُه منها؛ لأنه يُقِرُّ بأنه حَقٌّ لها. وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فأقَرَّتْ أنها كانَتْ عالِمةً بأنها أختُه وبتَحريمِها عليه ومُطاوِعةً له في الوَطءِ فلا مهرَ لها أيضًا؛ لإقرارِها بأنها زانيةٌ مُطاوِعةٌ. وإنْ أنكَرَتْ شَيئًا مِنْ ذلكَ فلها المَهرُ؛ لأنه وَطءٌ بشُبهةٍ، وهي زَوجتُه في ظاهرِ الحُكمِ؛ لأنَّ قولَها عليها غيرُ مَقبولٍ. فأمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالَى فإنْ عَلِمتْ صحَّةَ ما أقرَّتْ به لم يَحلَّ لها

стр. 11553

مُساكنتُه وتَمكينُه مِنْ وَطئِها، وعليها أنْ تَفِرَّ منه وتَفتديَ نفسَها بما أمكَنَها؛ لأنَّ وطْأَه لها زنًا، فعَليها التخلُّصُ منه مَهمَا أمكَنَها، كما قُلنا في التي عَلِمتْ أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثَلاثًا وجحَدَها ذلكَ، ويَنبغي أنْ يكونَ الواجِبُ لها مِنْ المَهرِ بعدَ الدُّخولِ أقلَّ الأمرَينِ مِنْ المُسمَّى أو مَهرِ المثلِ؛ لأنه إنْ كانَ المُسمَّى أقلَّ فلا يُقبلُ قَولُها في وُجوبِ زائدٍ عليه، وإنْ كانَ الأقلُّ مهرَ المِثلِ لم تَستحقَّ أكثَرَ منه؛ لاعتِرافِها بأنَّ استِحقاقِها له بوَطئِها لا بالعَقدِ، فلا تَستحقُّ أكثَرَ منه، وإنْ كانَ إقرارُها لم يُصادِفْ زَوجيةً عليها يُبطلُها فقُبِلَ إقرارُها على نَفسِها بتَحريمِه عليه، وكذلكَ لو أقَرَّ الرَّجلُ أنَّ هذه أختُه مِنْ الرَّضاعِ أو مُحرَّمةٌ عليه برَضاعٍ أو غيرِه وأمكَنَ صدقُه لم يَحلُّ له تَزويجُها فيما بعدَ ذلكَ في ظاهِرِ الحُكمِ، وأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فيَنبني على عِلمِه بحَقيقةِ الحالِ على ما ذكَرْناهُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا ادَّعتِ الرضاعَ فأنكَرَ الزوجُ ذلكَ صُدقَ الزَّوجُ بيَمينِه إنْ كانَتْ زُوِّجتْ برِضاها ممَّن عرَفَتْه بعَينِه بأنْ عيَّنتْه في إذنِها أو عُيِّنَ لها فسكَتَتْ حيثُ يكفِي سُكوتُها؛ لتَضمُّنِ رِضاها به، وإنْ حلَفَ الزوجُ على نَفيِ الرضاعِ استَمرَّتِ الزَّوجيةُ ظاهِرًا، وعليها مَنعُ نفسِها منه ما أمكَنَ إنْ كانَتْ صادِقةً.

стр. 11554

وإلا بأنْ زُوِّجتْ بغيرِ رضاها كانَ زوَّجَها المُجبِرُ لجُنونٍ أو بَكارةٍ أو أذنَتْ مُطلَقًا ولم تُعيِّنِ الزوجَ فالأصَحُّ تَصديقُها بيَمينِها؛ لاحتِمالِ ما تدَّعيهِ ولم يَسبقْ منها ما يُناقضُه، فأشبَهَ ما لو ذكَرَتْه قبلَ النكاحِ. والثَّاني: يُصدَّقُ الزَّوجُ بيَمينِه؛ لاستِدامةِ النكاحِ الجاري على الصِّحةِ ظاهرًا. ومَحلُّ الخِلافِ إذا لم تُمكِّنْه مِنْ وَطئِها مُختارةً، فإنْ مكَّنتْه لم يُقبلْ قولُها. ولها في المَسألتينِ مَهرُ مثلٍ إنْ وَطئِها جاهِلةً بالرضاعِ ثم عَلِمتْ وادَّعتْه، سواءٌ أكانَ مثلَ المُسمَّى أم دونَه، وليسَ لها طَلبُ المُسمَّى؛ لأنها لا تَستحقُّه بزَعمِها. فإنْ كانَ الزَّوجُ دفَعَه إليها لم يَكنْ له طَلبُ ردِّه؛ لزَعمِه أنه لها، فإنْ كانَ مهرُ المِثلِ أكثَرَ مِنْ المُسمَّى لم تَطلبِ الزَّوجةُ الزيادةَ إنْ صَدَّقْنا الزوجَ. والوَرعُ له أنْ يُطلِّقَها طَلقةً؛ لتَحلَّ لغيرِه إنْ كانَتْ كاذبةً. وإنْ لم يَكنْ وَطئِها فلا شيءَ لها (١). وقالَ الحَنفيةُ: وإذا أقَرَّتِ المَرأةُ أنَّ «هذا أبِي مِنْ الرَّضاعةِ، أو أخِي، أو ابنُ أخِي» وأنكَرَ الرَّجلُ ثم كذَّبَتِ المَرأةُ نفسَها فقالَتْ: «أخطَأتُ» فتزوَّجَها فالنكاحُ جائزٌ، وكذلكَ لو لم يَتزوَّجْها قبلَ تَكذيبِ نفسِها.

стр. 11555

ولو قالَتِ المَرأةُ بعدَ النكاحِ: «قد كُنْتُ أقرَرْتُ أنكَ أخِي، وقد قلتُ: إنَّ ما أقرَرْتُ به حقٌّ حينَ أقرَرْتُ بذلكَ وقد وقَعَ النكاحُ فاسِدًا» فإنه لا يُفرَّقُ بينَهُما، ولو كانَ هذا القَولُ مِنْ الزوجِ يُفرَّقُ بينَهُما. قالَ الإمامُ الحَصكفيُّ الحَنفيُّ ﵀: (وإنْ أقَرَّتِ) المَرأةُ بذلكَ (ثمَّ أكذَبَتْ نفْسَها وقالَتْ: «أخطَأتُ» وتزوَّجَها جازَ، كما لو تزوَّجَها قبلَ أنْ تُكذِّبَ نفْسَها) وإنْ أصرَّتْ عليه؛ لأنَّ الحُرمةَ ليسَتْ إليها، قالُوا: وبه يُفتَى في جَميعِ الوُجوهِ. بزَّازيَّة. قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: قولُه: (جازَ) أي: صَحَّ النكاحُ. قولُه: (لأنَّ الحُرمةَ ليسَتْ إليها) أي: لم يَجعلْها الشارعُ لها، فلا يُعتبَرُ إقرارُها بها. قولُه: (في جَميعِ الوُجوهِ) أي: سَواءٌ أقرَّتْ قبلَ العَقدِ أو لا، وسَواءٌ أصرَّتْ عليهِ أو لا، بخِلافِ الرَّجلِ؛ فإنَّ إصرارَه مُثبِتٌ للحُرمةِ كما عَلِمتَ. ويُفهَمُ ممَّا في «البَحْر» عن «الخانيَّة» أنَّ إصرارَها قبلَ العَقدِ مانعٌ مِنْ تزوُّجِها به، ونحوُه في «الذَّخيرَة»، لكنَّ التعليلَ المَذكورَ يُؤيِّدُ عدَمَه. قولُه: (بزَّازيَّة) ذكَرَ ذلكَ في البزَّازيَّة آخرِ كِتابِ الطَّلاقِ حيثُ قالَ: قالَتْ لرَجلٍ: «إنه أبِي رَضاعًا» وأصرَّتْ عليهِ يَجوزُ أنْ يتزوَّجَها إذا كانَ الزَّوجُ يُنكِرُه، وكذا إذا أقَرَّ به ثم أكذَبَتْه فيه لا يُصدَّقُ على قَولِها؛ لأنَّ الحُرمةَ

стр. 11556

ليسَتْ إليها، حتى ولو أقرَّتْ به بعدَ النكاحِ لا يُلتفتُ إليه، وهذا دَليلٌ على أنَّ لها أنْ تزوِّجَ نفسَها منه في جميعِ الوُجوهِ، وبه يُفتَى. اه قولُه: (ومَفادُه .. إلخ) هذا ذكَرَه في «الخُلاصَة» عن «الصُّغرَى» للصَّدرِ الشَّهيدِ بلفظِ: وفيه دَليلٌ على أنها لو ادَّعتِ الطَّلقاتِ الثلاثِ وأنكَرَ الزوجُ حَلَّ لها أنْ تزوِّجَ نفْسَها منه، وذكَرَه في «البَزازيَّة» آخِرَ الطلاقِ بقَولِه: قالَتْ: «طلَّقنِي ثَلاثًا» ثمَّ أرادَتْ تَزويجَ نفسِها منه ليسَ لها ذلكَ، أصرَّتْ عليهِ أو أكذَبَتْ نفسَها، ونصَّ في الرَّضاعِ على أنها إذا قالَتْ: «هذا ابنِي رَضاعًا» وأصرَّتْ عليه جازَ له أنْ يَتزوجَها؛ لأنَّ الحُرمةَ ليسَتْ إليها. قالُوا: وبه يُفتَى في جَميعِ الوُجوِه. اه كَلامُ «البَزازيَّة». فقَولُه: (ونَصَّ .. إلخ) يُريدُ به الاستِدلالَ على أنَّ لها التزوُّجَ به في مَسألةِ الطَّلاقِ كما فعَلَ في «الخُلاصَة»، وبهذا يُعلَمُ ما في كلامِ الشارحِ قُبيلَ بابِ الإيلاءِ حيثُ ذكَرَ عبارةَ «البزَّازيَّة» هذهِ وأسقَطَ قولَه: (ونَصَّ في الرَّضاعِ .. إلخ). قولُه: (حَلَّ لها تَزوجُه)؛ لأنَّ الطلاقَ في حقِّها ممَّا يَخفَى؛ لاستِقلالِ الرَّجلِ، فصَحَّ رجوعُها. نهر: أي: حَلَّ في الحُكمِ، أمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالَى فلا إذا كانَتْ عالِمةً بالثلاثِ (١).

стр. 11557

الحالَةُ الثَّالثةُ: أنْ يُقِرَّ الزَّوجانِ بالرَّضاعِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزَّوجينِ إذا اتَّفقَا على الرَّضاعِ بأنْ قالَ الزوجُ: «هي أُختي مِنْ الرَّضاعةِ» وصدَّقتْه المَرأةُ انفَسخَ النكاحُ بينَهُما؛ لأنهُما اتَّفقَا على نِكاحٍ فاسِدٍ. فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا شيءَ لها اتِّفاقًا؛ لأنه نِكاحٌ فاسِدٌ مِنْ أصلِه لا يُستحَقُّ فيه مَهرٌ، فأشبَهَ لو ثبَتَ ذلكَ ببَينةٍ. وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فلَها المُسمَّى عندَ المالِكيةِ، ما لم تكنْ تَعلمُ قبلَ الدُّخولِ أنه أخوها، فيَكونُ لها رُبعُ دِينارٍ فقطْ (١). وعندَ الشافِعيةِ: يَسقطُ المُسمَّى ويكونُ لها مَهرُ المِثلِ (٢). وعندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ: لها المَهرُ المُسمَّى على كُلِّ حالٍ؛ لأنَّ المَهرَ يَستقرُّ بالدُّخولِ (٣).

стр. 11558

ثانيًا: البيِّنةُ على الإرضاعِ (نِصابُ الشَّهادةِ على الإرضاعِ): الأمرُ الثَّاني الذي يَثبتُ به الرَّضاعُ البَينةُ، وهذهِ البيِّنةُ هُمْ الشُّهودُ الذين يَشهدونَ بأنَّ فُلانةَ أرضَعَتْ فُلانًا، وقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على إثباتِ الرَّضاعِ بالشَّهادةِ. إلا أنهُم اختَلفُوا في العَددِ الذي يُشترطُ في الشَّهادةِ بالرَّضاعِ؟ وهل للرِّجالِ مَدخلٌ في هذهِ الشَّهادةُ أم لا؟ وهل تُقبلُ شَهادةُ النساءِ فيه مُنفرداتٍ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا تُقبلُ في الرَّضاعِ شَهادةُ النِّساءِ مُنفرداتٍ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ معَهنَّ رَجلٌ، فلا تُقبلُ في الشَّهادةِ على الرَّضاعِ امرأةٌ واحِدةٌ، أجنَبيةً كانَتْ أو أمَّ أحَدِ الزَّوجينِ، ولا يُفرَّقُ بينَهُما بقولِها، ويَسعُه المقامُ معَها حتى يَشهدَ على ذلكَ رَجلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ عُدولٌ، ولا يُقبلُ على الرَّضاعِ أقلُّ مِنْ ذلكَ، ولا شَهادةُ النِّساءِ بانفِرادِهنَّ؛ لأنَّ الرضاعَ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرجالِ؛ لأنَّ ذا الرَّحمِ المحرمِ يَنظرُ إلى الثَديِ، وهو مَقبولُ الشَّهادةِ في ذلكَ، ولأنَّ الحُرمةَ كما تَحصلُ بالإرضاعِ مِنْ الثَّدي تَحصلُ بالإيجارِ مِنْ القارُورةِ، وذلكَ يَطلعُ عليه الرجالُ، فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ النساءِ وَحدَهنَّ. وحُجتُنا في ذلكَ حَديثُ عُمرَ ﵁ قالَ: «لا يُقبلُ في الرضاعِ إلا شَهادةُ رَجلينِ أو رَجلٍ وامرَأتينِ»، وكانَ ذلك بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ، ولم يَظهرِ النَّكيرُ مِنْ أحَدٍ، فيَكونَ إجماعًا، ولأنَّ هذا بابٌ ممَّا يطَّلعُ عليه الرِّجالُ، فلا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ على الانفِرادِ كالمالِ، وإنما قُلنَا ذلكَ لأنَّ الرضاعَ مما يطَّلعُ عليه الرِّجالُ، أمَّا ثَديُ الأمَةِ فلأنهُ يجوزُ للأجانِبِ النظرُ إليهِ، وأمَّا ثَديُ الحُرَّةِ

стр. 11559

فيَجوزُ لمَحارمِها النظرُ إليهِ، فثبَتَ أنَّ هذهِ شهادةٌ مما يطَّلعُ عليه الرِّجالُ، فلا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ على الانفِرادِ؛ لأنَّ قَبولَ شَهادتِهنَّ بانفِرادِهنَّ في أصولِ الشرعِ للضَّرورةِ، وهي ضَرورةُ عَدمِ اطِّلاعِ الرِّجالِ على المَشهودِ بهِ، فإذا جازَ الاطِّلاعُ عليه في الجُملةِ لم تَتحقَّقِ الضرورةُ. فإذا شَهِدوا بذلكَ فُرِّقَ بينَهُما، فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا مهرَ لها، وإنْ كانَ بعدَه فلَها الأقلُّ مِنْ المُسمَّى ومِن مهرِ المِثلِ، وليسَ لها في العدَّةِ نَفقةٌ ولا سُكنى. فإنْ شَهدَتِ امرأةٌ على الرضاعِ فالأفضَلُ للزَّوجِ أنْ يُفارِقَها؛ لحَديثِ عُقبةَ ابنِ الحارِثِ قالَ: «تَزوَّجتُ امرأةً فجاءَتْنا امرأةٌ سَوداءُ فقالَتْ: أرضَعْتُكما، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فقُلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بنت فُلانٍ فجاءَتْنا امرَأةٌ سَوداءُ فقالَت لي: إني قد أرضَعْتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عنِّي، فأتَيتُه مِنْ قِبَلِ وَجهِه قلتُ: إنها كاذِبةٌ، قالَ: كيفَ بها وقد زعَمَتْ أنها قد أرضَعَتْكما؟ دَعْها عنكَ» (١)، وفي لفظٍ للنَّسائيِّ (٢): «فأتَيتُه مِنْ قِبَلِ وَجهِه فقُلتُ: إنها كاذِبةٌ، فقالَ: كَيفَ وقدْ زعَمَتْ أنها قد أرضَعَتْكما؟ خَلِّ سَبيلَها». فإنَّما أمَرَه النبيُّ ﷺ على طَريقِ التَّنزُّهِ، ألَا تَرى أنه أعرَضَ عنه أولًا وثانيًا، ولو وجَبَ التَّفريقُ لَمَا أعرَضَ عنه، ولَأمَرَه بالتفريقِ في أوَّلِ سُؤالِه، فلمَّا لم يَفعلْ دَلَّ على أنه أرادَ به التنزُّهَ.

стр. 11560

ورُويَ «أنَّ رَجلًا تَزوَّجَ امرَأةً فجاءَتْ امرَأةٌ فزعَمَتْ أنها أرضَعَتْهما، فسَألَ الرَّجلُ عليًّا ﵁ فقالَ: هيَ امرأتُكَ، ليسَ أحَدٌ يُحرِّمُها عليكَ، فإنْ تَنزَّهتَ فهو أفضَلُ، وسَألَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ فقالَ له مثلَ ذلكَ»، ولأنه يُحتمَلُ أنْ تَكونَ صَادقةً في شَهادتِها، فكانَ الاحتِياطُ هو المُفارَقةَ. فإذا فارَقَها فالأفضَلُ له أنْ يُعطيَها نِصفَ المَهرِ إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ بها؛ لاحتِمالِ صحَّةِ النكاحِ؛ لاحتِمالِ كَذبِها في الشهادةِ، والأفضَلُ لها أنْ لا تَأخذَ شَيئًا منه؛ لاحتِمالِ فَسادِ النكاحِ؛ لاحتِمالِ صِدقِها في الشهادةِ. وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فالأفضَلُ للزَّوجِ أنْ يُعطيَها كمالَ المَهرِ والنَّفقةَ والسُّكنى؛ لاحتِمالِ جَوازِ النكاحِ، والأفضَلُ لها أنْ تَأخذَ الأقلَّ مِنْ مَهرِ مِثلِها ومِن المُسمَّى، ولا تَأخذُ النَّفقةَ والسُّكنى؛ لاحتِمالِ الفَسادِ، وإنْ لم يُطلِّقْها فهو في سَعةٍ مِنْ المُقامِ معَها؛ لأنَّ النكاحَ قائمٌ في الحُكْمِ. وكذا إذا شَهدَتِ امرَأتانِ، أو رَجلٌ وامرَأةٌ، أو رَجلانِ غيرُ عَدلَينِ، أو رَجلٌ وامرَأتانِ غيرُ عُدولٍ؛ لمَا قُلنا. وإذا شَهدَ رَجلانِ عَدلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ وفُرِّقَ بينَهما؛ فإنْ كانَ قبلَ الدخولِ بها فلا شَيءَ لها؛ لأنه تَبيَّنَ أنَّ النِّكاحَ كانَ فاسدًا، وإنْ كانَ بعدَ الدخولِ بها يَجبُ لها الأقَلُّ مِنْ المُسمَّى ومِن مَهرِ المِثلِ، ولا تَجبُ النَّفقةُ والسُّكنى في سائرِ الأنكِحةِ الفاسِدةِ (١).

стр. 11561

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرضاعَ يَثبتُ بينَ الزَّوجينِ بشَهادةِ رَجلينِ عَدلينِ، ولا خِلافَ في ذلك، ويَثبتُ أيضًا بشَهادةِ رَجلٍ وامرأةٍ إذا كانَ ذلك فاشِيًا قبلَ العَقدِ مِنْ قَولِهما، ويَثبتُ أيضًا بشَهادةِ امرَأتينِ إنْ كانَ فاشيًا قبلَ العَقدِ على المَشهورِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ. وقالَ سَحنونٌ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجشُونِ: يَثبتُ الرضاعُ بشَهادةِ المَرأتينِ مع عَدمِ الفُشوِّ إذا كانتَا عَدلتينِ، وسَواءٌ كانَتَا أمَّهاتِهما أو أجنبيَّتينِ؛ لأنَّ هذا مِنْ الأمرِ الذي لا يطَّلعُ عليه غالبًا إلا النِّساءُ، فإنْ لم يكنْ ذلكَ فاشِيًا قبلَ العَقدِ فإنه لا يَثبتُ، فشَرطُ الفُشوِّ قَيدٌ في المَسألتينِ، وأما الرَّجلُ مع المَرأتينِ فلا يُشترطُ الفشوُّ في ذلكَ. وهل تُشترطُ عَدالةُ الرَّجلِ والمَرأةِ وعَدالةُ المَرأتينِ مع الفُشوِّ؟ أو لا تُشترطُ معه؟ فيه تَردُّدٌ، والراجِحُ أنه لا تُشترطُ العَدالةُ مع الفشوِّ. ويَثبتُ الرضاعُ بينَ الزَّوجينِ بشَهادةِ رَجلينِ عَدلينِ اتِّفاقًا، فَشَا أم لا، ولا يَثبتُ بشَهادةِ امرأةٍ ولو فَشَا قبلَ العَقدِ ولو كانَتْ عَدلةً. ويُستحبُّ التَّنزهُ في كلِّ شَهادةٍ لا تُوجِبُ فراقًا، بأنْ كانَتْ شَهادةَ امرأةٍ واحِدةٍ، سواءٌ كانَتْ أمَّ أحَدِهما أو أجنَبيةً، أو كانَتْ شَهادةَ رَجلٍ وحْدَه ولو كانَ عَدلًا، أو كانَتْ شَهادةَ امرَأتينِ ولم يَكنْ فشوٌّ قبلَ العَقدِ، ومعنَى التنزُّهِ بأنْ لا يَتزوَّجَها إنْ لم تَكنْ زَوجةً، أو يُطلِّقَها إنْ كانَتْ زَوجةً (١).

стр. 11562

وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى» في الشَّهادةِ على الرَّضاعةِ: (قلتُ): أرَأيتَ امرأةً شَهدتْ أنها أرضَعَتْ رَجلًا وامرَأتَه، أيُفرَّقُ بينَهُما في قولِ مالِكٍ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: يُقالَ للزَّوجِ: تنزَّهْ عنها إنْ كنتَ تَثقُ بناحِيتِها، فلا أرَى أنْ يُقيمَ عليها، ولا يُفرِّقُ القاضي بينَهُما بشَهادتِها وإنْ كانَتْ عَدلةً. (قلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ امرَأتينِ شَهدتَا على رَضاعِ رَجلٍ وامرَأتِه، أيُفرَّقُ بينَ الرَّجلِ وامرَأتِه في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: نعمْ، يُفرَّقُ بينَهُما إذا كانَ قد فَشَا وعُرفَ مِنْ قَولِهما قبلَ هذا المَوضعِ، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ كانَ لم يَفْشُ ذلكَ مِنْ قَولِهما؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: لا أرَى أنْ يُقبلَ قَولُهما إذا لم يَفْشُ ذلكَ مِنْ قَولِهما قبلَ نِكاحِهما عندَ الأهلِينَ والجِيرانِ، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ كانَتِ المَرأتانِ اللَّتانِ شَهدتَا على الرضاعِ أمَّ الزَّوجِ وأمَّ المَرأةِ؟ (قالَ): لا يُقبلُ قَولُهما إلا أنْ يكونَ ذلكَ قد عُرفَ مِنْ قَولِهما وفَشَا قبلَ النكاحِ، (قلتُ): فهَؤلاءِ والأجنَبياتِ سَواءٌ في قولِ مالكٍ، (قالَ): نعَمْ في رأيِي. (قلتُ): أرَأيتَ إنْ شَهدَتِ امرأةٌ واحدةٌ أنها أرضَعَتْهما جَميعًا الزوجَ والمرأةَ وقد عُرفَ ذلكَ مِنْ قولِها قبلَ النكاحِ؟ (قالَ): لا يُفرِّقُ القاضي بينَهُما في رأيِي، وإنما يُفرِّقُ في المَرأتينِ؛ لأنهُما حينَ كانَتَا امرَأتينِ تمَّتِ الشهادةُ، فأما المَرأةُ الواحِدةُ فلا يُفرقُ بشَهادتِها، ولكنْ يُقالَ للزَّوجِ: تنزَّهْ عنها فيما بينَكَ وبينَ خالِقِكَ. (قلتُ): أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا خطَبَ امرأةً فقالَتِ امرَأةٌ: «قد أرضَعْتُكما»

стр. 11563

أيُنهَى عنها في قَولِ مالكٍ وإنْ تزوَّجَها فُرِّقَ بينَهُما؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: يُنهَى عنها على وَجهِ الاتِّقاءِ لا على وَجهِ التحريمِ، فإنْ تزوَّجَها لم يُفرِّقِ القاضي بينَهُما (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الرضاعَ يَثبتُ بشَهادةِ رَجلَينِ أو رَجلٍ وامرَأتينِ؛ لأنَّ كلَّ ما يُقبلُ فيه النِّساءُ الخُلَّصُ يُقبلُ فيه الرجالُ، وبأربَعِ نِسوةٍ؛ لاختِصاصِ النِّساءِ بالاطِّلاعِ عليه غالبًا كالوِلادةِ، ولا يَثبتُ بأقلَّ مِنْ أربَعةِ نِسوةٍ؛ إذ كلُّ امرَأتينِ بمَثابةِ رجلٍ. ومَحلُّ قَبولِ شهادةِ النساءِ إذا كانَ النزاعُ في الارتِضاعِ مِنْ الثَديِ، أما إذا كانَ في الشُّربِ أو الإيجارِ مِنْ ظَرفٍ فلا تُقبلُ فيه شهادةُ النِّساءِ المُتمحِّضاتِ؛ لأنهُنَّ لا اختِصاصَ لهُنَّ بالاطلاعِ عليهِ، ولكنْ يُقبَلْنَ في أنَّ لبَنَ الإناءِ لبَنَ فُلانةَ؛ لأنَّ الرجالَ لا يطَّلعونَ على الحَلبِ غالبًا. والإقرارُ بالرضاعِ شَرطُه رَجلانِ، ولا يَثبتُ بغَيرِهما؛ لاطِّلاعِ الرِّجالِ عليه غالبًا. وتُقبَلُ في الرضاعِ شَهادةُ المُرضِعةِ مع غَيرِها إنْ لم تَطلبْ أُجرةً عن رَضاعها ولا ذكَرَتْ فِعلَها، بل شَهدَتْ أنَّ بينَهُما رَضاعًا مُحرِّمًا؛ لأنها لا تَجُرُّ بهذهِ الشهادةِ نَفعًا ولا تَدفعُ ضَررًا، وكذا إنْ ذكَرَتْ فِعلَها فقالَتْ: «أرضَعْتُه» فإنها تُقبلُ، بخِلافِ ما إذا طلَبَتِ الأُجرةَ فإنها لا تُقبلُ؛ لأنها مُتهَمةٌ. والأصَحُّ أنه لا يَكفي في الشهادةِ بالإرضاعِ أنْ يُقالَ: «بينَهُما رَضاعٌ

стр. 11564

مُحرِّمٌ»، بل يَجبُ مع ذلكَ ذِكرُ وَقتٍ وقَعَ فيه الإرضاعُ، وهو قبلَ الحَولينِ في الرضيعِ، وبعدَ تِسعِ سِنينَ في المُرضِعةِ، وذِكرُ العَددِ وهو خَمسُ رَضعاتٍ، ولا بدَّ أنْ يَقولَ: «مُتفرِّقات»؛ لأنَّ غالبَ الناسِ يَجهلُ أنَّ الانتِقالَ مِنْ ثَديٍ إلى ثَديٍ أو قطْعَ الرَّضيعِ للَهوٍ وتَنفُّسٍ ونَحوِهما وعَودَه رَضعةٌ واحِدةٌ. وكذا يَجبُ ذِكرُ وُصولِ اللَّبنِ جَوفَه في كلِّ رَضعةٍ. وفي مُقابلِ الأصحِّ أنه يَكفيِ: «بينَهُما رَضاعٌ مُحرِّمٌ». وإنْ لم يَتمَّ نِصابُ الشهادةِ -كأنْ شَهدَتِ امرَأةٌ واحِدةٌ أو اثنَتانِ أو ثَلاثٌ- بالرَّضاعِ استُحبَّ للزَّوجِ أنْ يُطلِّقَها، ويُكرَهُ له المُقامُ معَها (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّضاعَ يَثبتُ بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ مَرضيَّةٍ على فِعلِها بأنْ شَهدَتْ أنها أرضَعَتْه خَمسًا في الحَولينِ، أو شَهدَتِ امرأةٌ مَرضِيةٌ على فِعلِ غيرِها بأنْ شَهدَتْ أنَّ فُلانةَ أرضَعَتْه خَمسًا في الحَولينِ، أو شَهدَ بذلكَ رَجلٌ واحِدٌ ثبَتَ الرَّضاعُ بذلكَ، ولا يَمينَ على المَشهودِ له ولا على الشاهِدةِ؛ لِما رَوى عُقبةُ بنُ الحارِثِ قالَ: «تَزوَّجتُ امرأةً فجاءَتْنا امرأةٌ سَوداءُ فقالَتْ: أرضَعْتُكما، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فقُلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بنت فُلانٍ فجاءَتْنا امرَأةٌ سَوداءُ فقالَت لي: إني قد أرضَعْتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عنِّي، فأتَيتُه مِنْ قِبَلِ وَجهِه قلتُ: إنها

стр. 11565

كاذِبةٌ، قالَ: كيفَ بها وقد زعَمَتْ أنها قد أرضَعَتْكما؟ دَعْها عنكَ» (١). وفي لَفظٍ للنَّسائيِّ (٢): «فأتَيتُه مِنْ قِبَلِ وَجهِه فقُلتُ: إنها كاذِبةٌ، فقالَ: كَيفَ وقدْ زعَمَتْ أنها قد أرضَعَتْكما؟ خَلِّ سَبيلَها»، وهذا يَدلُّ على الاكتِفاءِ بالمَرأةِ الواحِدةِ. وقالَ الزُّهريُّ: فُرِّقَ بينَ أهلِ أبياتٍ في زَمنِ عُثمانَ بشَهادةٍ امرَأةٍ واحِدةٍ. وقالَ الأوزاعيُّ: فَرَّقَ عُثمانُ بينَ أربَعةٍ وبينَ نِسائِهم بشَهادةِ امرَأةٍ في الرَّضاعِ. وقالَ الشَّعبيُّ: كانَتِ القُضاةُ تُفرِّقُ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ بشَهادةِ امرأةٍ واحِدةٍ في الرضاعِ. ولأنَّ هذهِ شَهادةٌ على عَورةٍ، فتُقبلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ مُنفرداتٍ كالوِلادةِ، ولأنه مَعنًى يُقبلُ فيه قَولُ النِّساءِ المُنفرداتِ، فيُقبلُ فيه شَهادةُ المَرأةِ والمُتبرعةِ وغيرِها سَواءً، وغيرُ المَرضيَّةِ لا تُقبلُ. وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: لا يُقبلُ إلا شَهادةُ امرَأتينِ؛ لأنَّ الرِّجالَ أَولى مِنْ النساءِ، ولا يُقبلُ إلا شَهادةُ رَجلينِ، فالنِّساءُ أَولى. وعن أحمَدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّ شَهادةَ المَرأةِ الواحِدةِ مَقبولةٌ، وتُستحلَفُ مع شَهادتِها، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ وإسحاقَ؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قالَ في امرأةٍ زعَمَتْ أنها أرضَعَتْ رَجلًا وأهلَهُ فقالَ: «إنْ كانَتْ مَرضيَّةً استُحلفَتْ وفارَقَ

стр. 11566

امرَأتَه، وقالَ: إنْ كانَتْ كاذِبةً لم يَحُلِ الحَولُ حتى يَبيَضَّ ثَدْياها»، يَعني يُصيبَها فيها بَرصٌ عُقوبةً على كَذبِها، وهذا لا يَقتضيهِ قياسٌ ولا يَهتدِي إليه رَأيٌ، فالظاهرُ أنه لا يَقولُه إلا تَوقيفًا. ويُقبلُ فيه شَهادةُ المرضِعةِ على فِعلِ نَفسِها؛ لِما ذكَرْنا مِنْ حَديثِ عُقبةَ مِنْ أنَّ الأمَةَ السَّوداءَ قالَتْ: قد أرضَعْتُكما، فقَبِلَ النبيُّ ﷺ شَهادتَها، ولأنه فِعلٌ لا يَحصلُ لها به نَفعٌ مَقصودٌ ولا تَدفعُ عنها به ضَررًا، فقُبلَتْ شَهادتُها به كفِعلِ غيرِها. ولا تُقبلُ الشَّهادةُ على الرَّضاعِ إلا مُفسَّرةً، فلو قالَتْ: «أشهَدُ أنَّ هذا ابنُ هذهِ مِنْ الرَّضاعِ» لا تُقبلُ؛ لأنَّ الرضاعَ المُحرِّمَ يَختلفُ الناسُ فيه، منهُم مَنْ يُحرِّمُ بالقليلِ ومنهُم مَنْ يُحرِّمُ بعدَ الحَولينِ، فلَزمَ الشاهِدَ تَبيينُ كَيفيتِه ليَحكمَ الحاكمُ فيه باجتِهادِه، فيَحتاجُ الشاهدُ أنْ يَشهدَ أنَّ هذا ارتَضعَ مِنْ ثَديِ هذه خَمسَ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ خلَصَ اللبنُ فيهنَّ إلى جَوفِه في الحولينِ. فإنْ قيلَ: خُلوصُ اللَّبنِ إلى جَوفِه لا طَريقَ له إلى مُشاهدتِه، فكَيفَ تَجوزُ الشَّهادةُ؟ قُلنا: إذا عَلِمَ أنَّ هذهِ المَرأةَ ذاتُ لَبنٍ ورَأى الصبيَّ قد التَقمَ ثَديَها وحرَّكَ فَمَه في الامتِصاصِ وحَلقَه في الاجتِراعِ حصَلَ ظنٌّ يَقربُ إلى اليقينِ أنَّ اللبنَ قد وصَلَ إلى جَوفِه، وما يَتعذرُ الوُقوفُ عليه بالمُشاهدةِ اكتُفيَ فيه بالظاهِرةِ، كالشَّهادةِ بالمِلكِ وثُبوتِ الدَّينِ في الذِّمةِ والشَّهادةِ على النَّسبِ بالاستِفاضةِ. ولو قالَ الشاهِدُ: «ادخَلَ رأسَهُ تحتَ ثِيابِها والتَقمَ ثَديَها» لا يُقبلُ؛ لأنه

стр. 11567

قد يُدخلُ رأسَه ولا يَأخذُ الثديَ، وقد يَأخذُ الثديَ ولا يَمصُّ، فلا بُدَّ مِنْ ذِكرِ ما يَدلُّ عليهِ. وإنْ قالَ: «أشهَدُ أنَّ هذهِ أرضَعَتْ هذا» فالظاهرُ أنه يَكفي في ثُبوتِ أصلِ الرَّضاعِ؛ لأنَّ المَرأةَ التي قالَتْ: «قد أرضَعْتُكما» اكتُفيَ بقَولِها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما الشَّهادةُ على الرَّضاعِ فإنَّ قَومًا قالُوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ امرَأتينِ، وقَومًا قالُوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ أربَعٍ، وبه قالَ الشافِعيُّ وعَطاءٌ، وقَومًا قالُوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرأةٍ واحِدةٍ. والذينَ قالُوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرَأتينِ منهُم مَنْ اشتَرطَ في ذلكَ فُشوَّ قَولِهما بذلكَ قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ مالكٍ وابنِ القاسمِ، ومنهُم مَنْ لم يَشترطْه، وهو قولُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجشُونِ. والذينَ أجازُوا أيضًا شَهادةَ امرأةٍ واحِدةٍ منهُم مَنْ لم يَشترطْ فُشوَّ قولِها قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ -تَقدَّمَ أنه لا يَثبتُ عندَه بشَهادةِ امرأةٍ واحِدةٍ-، ومنهُم مَنْ اشتَرطَ ذلكَ، وهي رِوايةٌ عن مالكٍ، وقد رُويَ عنه أنه لا تَجوزُ فيه شَهادةُ أقلِّ مِنْ اثنتَينِ. والسَّببُ في اختِلافِهم: أما بينَ الأربَعِ والاثنتَينِ فاختِلافُهم في شَهادةِ النساءِ، هل عَديلُ كلِّ رَجلٍ هو امرَأتانِ فيما ليسَ يُمكنُ فيه شَهادةُ الرَّجلِ، أو يَكفي في ذلكَ امرَأتانِ …

стр. 11568

وأما اختِلافُهم في قَبولِ شَهادةِ المَرأةِ الواحِدةِ فمُخالَفةُ الأثَرِ الوارِدِ في ذلكَ للأصلِ المُجمَعِ عليهِ، أعنِي أنه لا يُقبلُ مِنْ الرِّجالِ أقلُّ مِنْ اثنَينِ، وأنَّ حالَ النِّساءِ في ذلكَ إما أنْ يكونَ أضعَفَ مِنْ حالِ الرِّجالِ، وإما أنْ تَكونَ أحوالُهنَّ في ذلكَ مُساوِيةً للرِّجالِ، والإجماعُ مُنعقِدٌ على أنه لا يُقضَى بشَهادةِ واحِدةٍ. والأمرُ الوارِدُ في ذلكَ هو حَديثُ عُقبةَ بنِ الحارِثِ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إني تَزوَّجتُ امرَأةً فأتَتِ امرَأةٌ فقالَتْ: قد أرضَعْتُكما، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : كيفَ وقد قِيلَ دَعْها عنكَ»، وحمَلَ بَعضُهم هذا الحَديثَ على النَّدبِ جَمعًا بينَه وبينَ الأصولِ، وهو أشبَهَ، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ (١).

стр. 11569

كتاب النفقات

стр. 11570

كتاب النفقات تَعريفُ النَّفقةِ: النَّفقةُ لُغةً: اسمٌ مِنْ المَصدرِ نَفَقَ، يُقالُ: نَفَقَتِ الدراهِمُ نَفَقًا: نَفِدَتْ، وجَمعُ النَّفقةِ نِفَاقٌ، مِثلُ رَقبةٍ ورِقابٍ، وتُجمعُ على نَفَقاتٍ ويُقال: نَفَقَ الشَّيءُ نَفَقًا فَنِيَ، وأنفَقتُه: أفنَيتُه، ونَفَقَتِ السِّلعةُ والمَرأةُ نِفاقًا: كَثُرَ طُلَّابُها وخُطَّابُها (١). والنَّفقةُ في الاصطلاحِ: عرَّفَها الحَنفيةُ بأنَّها: ما يَلزمُ المَرءَ صَرفُه لمَن عليهِ مُؤونتُه مِنْ زَوجتِه أو قِنِّه أو دابَّتِه (٢). وقيلَ: الإدرارُ على الشَّيءِ بما به بَقاؤُه (٣).

стр. 11571

وعندَ المالِكيةِ: النَّفقةُ: ما به قوامٌ مُعتادٌ حالَ الآدَميِّ دونَ سَرفٍ (١). وعرَّفَها الحَنابلةُ بأنها: كِفايةُ مَنْ يَمونُه خُبزًا وأُدمًا وكِسوةً ومَسكنًا وتَوابعَها، أي: تَوابعَ الخُبزِ والأُدمِ والمَسكنِ، كثَمنِ الماءِ والمِشطِ والسُّترةِ ودُهنِ المِصباحِ والغِطاءِ (٢). والنَّفقةُ قِسمانِ: ١ - نَفقةٌ تَجبُ للإنسانِ على نَفسِه إذا قدَرَ عليها، وعليهِ أنْ يُقدِّمَها على نَفقةِ غيرِه. ٢ - ونَفقةٌ تَجبُ على الإنسانِ لغَيرِه. حُكمُ النَّفقةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ النَّفقةَ واجِبةٌ، وأنَّ أسبابُ وُجوبِها ثَلاثةٌ: ١ - النكاحُ، ٢ - القَرابةُ، ٣ - المِلكُ. أولاً: نَفقةُ الزَّوجةِ (النِّكاحِ): تَجبُ النَّفقةُ للزَّوجةِ مُعاوَضةً للتَّمكينِ مِنْ الاستِمتاعِ بلا خِلافٍ بينَ فُقهاءِ الأمَّةِ، والدليلُ على وُجوبِها الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ والمَعقولُ. أمَّا الكتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، ومَعنى:

стр. 11572

(قُدِرَ عَلَيه) أي: ضُيِّقَ عليهِ، ومنه قولُه سُبحانَه: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] أي: يُوسعُ على مَنْ يَشاءُ ويُضيِّقُ على مَنْ يَشاءُ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [لقمان: ٥٠]. وقَولُه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. و (المَولُودُ لهُ): هو الزَّوجُ، وإنما نَصَّ على وُجوبِ نَفقةِ الزوجةِ حالَ الوِلادةِ ليَدلَّ على أنَّ النَّفقةَ تَجبُ لها حالَ اشتِغالِها عن الاستِمتاعِ بالنِّفاسِ؛ لئلَّا يَتوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنها لا تَجبُ لها. وقَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]، أي: إنْ خِفتُم أنْ لا تَعدِلوا بينَ النساءِ فاقتِصُروا على واحِدةٍ أو ما مَلكَتْ أيمانُكُم، فذلكَ أدنَى أنْ لا تَكثرَ عِيالُكم ولا تَلزمَكم المُؤنُ الكَثيرةُ، فدَلَّ على وُجوبِ مُؤنةِ العِيالِ. وقَولُه تعالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. وأمَّا السُّنةُ: فما رَوى جابرٌ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خطَبَ الناسَ فقالَ: «فاتَّقوا اللهَ في النِّساءِ، فإنكُم أخَذتُموهنَّ بأمانِ اللهِ واستَحلَلتُم فُروجَهنَّ بكَلمةِ اللهِ، ولكُم عَليهنَّ أنْ لا يُوطِئنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرهونَه، فإنْ

стр. 11573

فَعَلنَ ذلكَ فاضرِبوهنَّ ضَربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عَليكمْ رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ» (١). وقالَ النبيُّ ﷺ : «ألَا إنَّ لكمْ على نِسائِكم حَقًّا ولنِسائِكم عليكُم حقًّا، فأمَّا حَقُّكم على نِسائِكم فلا يُوطِئنَ فُرُشَكم مَنْ تَكرهونَ ولا يَأذنَّ في بُيوتِكم لمَن تَكرهونَ، ألَا وحَقُّهنَّ عَليكُم أنْ تُحسِنوا إليهنَّ في كِسوتِهنَّ وطَعامِهنَّ» (٢). وعن حَكيمِ بنِ مُعاويةَ القُشيريِّ عن أبيهِ عنِ النبيِّ ﷺ سَألَه رَجلٌ: «ما حَقُّ المَرأةِ على الزوجِ؟ قالَ: تُطعمُها إذا طَعِمتَ وتَكسوها إذا اكتَسَيتَ، ولا تَضربِ الوَجهَ ولا تُقبِّحْ، ولا تَهجرْ إلا في البَيتِ». وفي لَفظٍ: «أطعِموهنَّ ممَّا تَأكلونَ، وأكسُوهنَّ ممَّا تَكتسونَ، ولا تَضربوهنَّ ولا تُقبِّحوهنَّ» (٣). وعن عائِشةَ ﵂ أنَّ هِندَ بنتَ عُتبةَ قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ وليسَ يُعطينِي ما يَكفيني ووَلَدي إلا ما أخَذتُ منهُ وهو لا يَعلمُ، فقالَ: خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (٤)، وفي هذا دَليلٌ على وُجوبِ نَفقةِ الزوجةِ على زَوجِها، وأنَّ ذلكَ مُقدَّرٌ بكِفايتِها، وأنَّ نَفقةَ وَلدِه

стр. 11574

عليه دُونَها مُقدَّرٌ بكِفايتِهم، وأنَّ ذلكَ بالمَعروفِ، وأنَّ لها أنْ تَأخذَ ذلكَ بنَفسِها مِنْ غيرِ عِلمِه إذا لم يُعطِها إياهُ. وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : «أفضَلُ الصَّدقةِ ما ترَكَ غِنًى، واليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنْ اليَدِ السُّفلَى، وابدَأْ بمَن تَعولُ، تَقولُ المَرأةُ: إمَّا أنْ تُطعِمَني وإمَّا أنْ تُطلِّقَني، ويَقولُ العَبدُ: أطعِمنِي واستَعملْني، ويَقولُ الابنُ: أطعِمنِي، إلى مَنْ تَدَعُني؟» (١). وأما الإجماعُ: فقدْ نقَلَ عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على وُجوبِ نَفقةِ الزَّوجةِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وقد اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ نَفقاتِ الزَّوجاتِ إذا كانُوا جَميعًا بالِغينَ، إلا الناشِزَ مِنهنَّ المُمتنِعةَ (٢). وقالَ أيضًا: وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ للزَّوجةِ نَفقتَها وكِسوتَها بالمَعروفِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الحُرَّ الذي يَقدرُ على المالِ البالغَ العاقِلَ غيرَ المَحجورِ عليه فعَليهِ نَفقةُ زَوجتِه التي تزوَّجَها زَواجًا صَحيحًا إذا دخَلَ بها وهي ممَّن تُوطَأُ وهي غيرُ ناشِزٍ، وسَواءٌ كانَ لها مالٌ أو لم يَكنْ (٤).

стр. 11575

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على وُجوبِ نَفقةِ الرَّجلِ على مَنْ تَلزمُه نَفقتُه، كالزَّوجةِ والوَلدِ الصغيرِ والأبِ (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أما وُجوبُها -أي النَّفقةِ- فقدْ دَلَّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ والمَعقولُ … وأما الإجماعُ فلِأنَّ الأمَّةَ أجمَعَتْ على هذا (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ مِنْ حُقوقِ الزوجةِ على الزوجِ النَّفقةَ والكِسوةَ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وُجوبُ نَفقةِ الزوجةِ وكِسوتِها، وذلكَ ثابتٌ بالإجماعِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ نَفقاتِ الزَّوجاتِ على أزواجِهنَّ إذا كانوا بالِغينَ، إلا الناشِزَ مِنهنَّ، ذكَرَه ابنُ المُنذِرِ وغيرُه، وفيه ضَربٌ مِنْ العِبرةِ وهو أنَّ المرأةَ مَحبوسةٌ على الزوجِ يَمنعُها مِنْ التصرُّفِ والاكتِسابِ، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يُنفِقَ عليها كالعَبدِ مع سيِّدِه (٥).

стр. 11576

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: يَجبُ على الرَّجلِ أنْ يُنفِقَ على وَلدِه وبَهائمِه وزَوجتِه بإجماعِ المُسلمينَ، ونَفقتُه على نَفسِه أوجَبُ عليه (١). وأما المَعقولُ: فهو أنَّ المَرأةَ مَحبوسةٌ بحَبسِ النكاحِ حقًّا للزوجِ مَمنوعةٌ عن الاكتِسابِ بحَقِّه، فكانَ نَفعُ حَبسِها عائدًا إليهِ، فكانَتْ كِفايتُها عليهِ، كقَولِه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، ولأنها إذا كانَتْ مَحبوسةً بحَبسِه مَمنوعةً عن الخُروجِ للكَسبِ بحَقِّه فلو لم يَكنْ كِفايتُها عليه لَهلَكَتْ، ولهذا جُعلَ للقاضِي رِزقٌ في بَيتِ مالِ المُسلمينَ لحَقِّهم؛ لأنه مَحبوسٌ لجِهتِهم مَمنوعٌ عن الكَسبِ، فجُعلَتْ نَفقتُه في مالِهم وهو بَيتُ المالِ، كذا ههُنا (٢). شُروطُ وسَببُ وُجوبِ نَفقةِ الزَّوجةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في سَببِ وُجوبِ نَفقةِ الزوجةِ على زوجِها، هل النَّفقةُ تَجبُ بالعَقدِ وحْدَه وإنْ لم يَدخلْ بها؟ أم لا تَجبُ إلا بالعَقدِ والتَّمكينِ والتَّسليمِ التامِّ؟ على أقوالٍ للفُقهاءِ. فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ سبَبَ وُجوبِ نَفقةِ الزَّوجةِ هو استِحقاقُ الحَبسِ الثابتِ بالنكاحِ للزَّوجِ عليها في عَقدِ الزَّواجِ الصَّحيحِ، لا الفاسِدِ فلا نَفقةَ فيهِ. وشَرطُ وُجوبِها هو تَسليمُ المَرأةِ نفْسَها إلى الزوجِ وقتَ وُجوبِ التَّسليمِ، والمَقصودُ بالتسليمِ هو التَّخليةُ، وهي أنْ تُخلِّي بينَ نفسِها وبينَ

стр. 11577

زوجِها برَفعِ المانعِ مِنْ وَطئِها أو الاستِمتاعِ بها حَقيقةً إذا كانَ المانعُ مِنْ قِبلِها أو مِنْ قِبلِ غيرِ الزَّوجِ، فإنْ لم يُوجَدِ التسليمُ على هذا التَّفسيرِ وقتَ وُجوبِ التسليمِ فلا نَفقةَ لها. فعَلى هذا إذا تزوَّجَ بالِغةً حُرةً صَحيحةً سَليمةً ونقَلَها إلى بيتِه فلَها النَّفقةُ؛ لوُجودِ سَببِ الوُجوبِ وشَرطِه، وكذلكَ إذا لم يَنقلْها وهي بحَيثُ لا تَمنعُ نفسَها وطلَبَتِ النَّفقةَ ولم يُطالبْها بالنُّقلةِ فلَها النَّفقةُ؛ لأنه وُجدَ سَببُ الوجوبِ وهو استِحقاقُ الحَبسِ، وشَرطُه وهو التسليمُ، فالزَّوجُ بتَركِ النُّقلةِ ترَكَ حقَّ نفسِه معَ إمكانِ الاستيفاءِ، فلا يَبطلُ حقُّها في النَّفقةِ، وهذا على ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ النَّفقةَ تَجبُ مِنْ حينِ العَقدِ الصَّحيحِ وإنْ لم تَنتقلْ إلى مَنزلِ الزوجِ إذا لم يَطلبْها. فإنْ طالَبَها بالنُّقلةِ فامتَنعَتْ فإنْ كانَ امتِناعُها بحَقٍّ بأنِ امتَنعَتْ لاستِيفاءِ مَهرِها العاجِلِ فلها النَّفقةُ؛ لأنه لا يَجبُ عليها التَّسليمُ قبلَ استِيفاءِ العاجِلِ مِنْ مَهرِها، فلَم يُوجدْ منها الامتِناعُ مِنْ التسليمِ وقتَ وُجوبِ التسليمِ، وعلى هذا قالُوا: لو طالَبَها بالنُّقلةِ بعدَما أوفَاها المهرَ إلى دارٍ مَغصوبةٍ فامتَنعَتْ فلَها النَّفقةُ؛ لأنَّ امتِناعَها بحقٍّ، فلَم يَجبْ عليها التسليمُ، فلَم تَمتنعْ مِنْ التَّسليمِ حالَ وُجوبِ التسليمِ. ولو كانَتْ ساكِنةً مَنزلَها فمَنعَتْه مِنْ الدُّخولِ عَليها لا على سَبيلِ النُّشوزِ فإنْ قالَتْ: «حَوِّلْني إلى مَنزلِكَ، أو أكتَرِ لي مَنزلًا أنزِلُه فإني أحتاجُ إلى مَنزلِي هذا آخُذُ كِراءَه» فلَها النَّفقةُ؛ لأنَّ امتِناعَها عن التسليمِ في بيتِها لغَرضِ

стр. 11578

التَّحويلِ إلى مَنزلِه أو إلى مَنزلِ الكِراءِ امتناعٌ بحَقٍّ، فلَم يُوجَدْ منها الامتناعُ مِنْ التسليمِ وقتَ وُجوبِ التسليمِ. وإنْ كانَ بغَيرِ حَقٍّ بأنْ كانَ الزوجُ قد أوفَاها مَهرَها أو كانَ مُؤجَّلًا فلا نَفقةَ لها؛ لانعِدامِ التسليمِ حالَ وُجوبِ التسليمِ، فلَم يُوجَدْ شَرطُ الوُجوبِ، فلا تَجبُ، ولهذا لم تَجبِ النَّفقةُ للناشِزةِ، وهذه ناشِزةٌ (١). وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ -وهو اختِيارُ القُدوريِّ مِنْ الحَنفيةِ- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ النَّفقةَ لا تَجبُ على الزوجِ بالعَقدِ، ولا تَجبُ إلا بعدَ التَّمكينِ مِنْ نفسِها بعدَ العَقدِ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قَولُه: (ولو هيَ في بَيتِ أبيها) تَعميمٌ لقَولِه: فتَجبُ للزَّوجةِ، وهذا ظاهِرُ الرِّوايةِ، فتَجبُ النَّفقةُ مِنْ حينِ العَقدِ الصحيحِ وإنْ لم تَنتقلْ إلى مَنزلِ الزوجِ إذا لم يَطلبْها. وقالَ بعضُ المُتأخِّرينَ: لا تَجبُ ما لم تُزَفَّ إلى مَنزلِه، وهو رِوايةٌ عن أبي يُوسفَ واختارَه القُدوريُّ، وليسَ الفتوَى عليهِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: لا تَجبُ نَفقةُ الزوجةِ بالعَقدِ، وتَجبُ نَفقةُ الزوجةِ وكِسوتُها وأُجرةُ مَسكنِها على الزوجِ إنْ دَعَتْ هي أو مُجبِرُها أو وَكيلُها

стр. 11579

للدُّخولِ، ولو لم يَكنْ عندَ حاكِمٍ، وبعدَ مُضيِّ زَمنٍ يَتجهَّزُ فيه كلٌّ منهُما عادةً، بشُروطٍ أربَعةٍ: الأوَّلُ: أنْ تَكونَ مُطيقةً للوَطءِ، فلا شيءَ للصَّغيرةِ مِنْ ذلكَ إذا لم تُطقِ الوَطءَ وإنْ مكَّنتْه مِنْ نَفسِها. والثاني: أنْ تُمكِّنَه مِنْ الدُّخولِ بها، فلو مَنعَتْه مِنْ ذلك فلا شيءَ عليهِ، أو لمْ يَدخلْ بها ودَعَتْه هي أو مُجبِرُها أو وكيلُها للدُّخولِ، ولو عندَ غيرِ حاكمٍ. والثالِثُ: أنْ يَكونَ الزوجُ بالِغًا، فلا نَفقةَ على الصغيرِ ولو كانَ مُطيقًا. والرابِعُ: أنْ لا يَكونَ أحَدُهما مَريضًا مَرضًا أشرَفَ معَه على المَوتِ وهو الأخذُ في النَّزعِ، فلا يَكفي في الإسقاطِ مُجرَّدُ المَرضِ، وهذا الشَّرطُ فيما قبلَ البِناءِ، أمَّا إذا حصَلَ الإشرافُ بعدَ البناءِ فلا تَسقطُ نَفقتُها. ولا تَجبُ النَّفقةُ بمُجرَّدِ العَقدِ. وهذهِ الشُّروطُ في غيرِ المَدخولِ بها إذا دُعيَ للدُّخولِ، وأمَّا المَدخولُ بها فتَجبُ لها النَّفقةُ مِنْ غيرِ اعتِبارِ هذه الشُّروطِ (١). وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: النَّفقةُ لا تَجبُ بالعَقدِ، بل بالتمكينِ التامِّ، فإنْ عُقدَ النكاحُ ولم تُسلِّمِ المَرأةُ نفسَها ولا طالَبَ الزَّوجُ بها وسكَتَ على

стр. 11580

ذلكَ حتَّى مضَتْ مُدةٌ على ذلكَ سَنةٌ أو أكثَرُ .. لم تَجبْ لها النَّفقةُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَ عائِشةَ وهي ابنةُ سَبعٍ ودخَلَ بها وهي ابنةُ تِسعٍ، ولم يُنقلْ عنه أنه أنفَقَ عليها إلا مِنْ حينِ دخَلَ بها، ولو كانَ حقًّا لها لَساقَه إليها، ولو وقَعَ لَنُقلَ. وإنْ عرَضَ الوليُّ الزَّوجةَ على الزوجِ بغيرِ إذنِها وهيَ بالِغةٌ عاقِلةٌ فلَم يَتسلَّمْها الزوجُ ومضَى على ذلكَ مُدةٌ .. لم يَجبْ على الزوجِ النَّفقةُ؛ لأنه لا وِلايةَ له عليها في المالِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: المَرأةُ إذا أسلَمَتْ نفْسَها إلى الزوجِ على الوجهِ الواجِبِ عليها فلَها عليهِ جَميعُ حاجَتِها مِنْ مَأكولٍ ومَشروبٍ ومَلبوسٍ ومَسكنٍ. وإنْ منَعَتِ الزوجةُ تَسليمَ نفسِها فلا نَفقةَ لها، أو منَعَها أهلُها مِنْ تَسليمِ نفسِها فلا نَفقةَ لها، أو تَساكَنَا -أي الزَّوجانِ- بعدَ العَقدِ فلَم تَبذلِ الزوجةُ نفسَها ولم يَطلُبِ الزَّوجُ زوجَتَه فلا نَفقةَ لها وإنْ طالَ مُقامُها على ذلكَ؛ لأنَّ البَذلَ شَرطٌ لوُجوبِ النَّفقةِ ولم يُوجَدْ. وإنْ بذَلَتْ نفسَها تَسليمًا غيرَ تامٍّ -كتَسليمِها في مَنزلِها دونَ غيرِه مِنْ المَنازلِ، أو تَسليمِها في المَنزلِ الفُلانِيِّ دونَ غيرِه، أو تَسليمِها في بَلدِها أو بَلدِ كَذا دونَ غيرِه- لم تَستحقَّ شَيئًا، إلا أنْ تَكونَ قد اشتَرطَتْ ذلكَ في العَقدِ؛ لأنَّ هذا التَّسليمَ كعَدمِه.

стр. 11581

وإنْ بذَلَتِ الزوجةُ نفْسَها أو بذَلَ وَليُّها تَسليمَ نفسِها والزوجُ غائِبٌ لم يُفرضْ لها النَّفقةُ حتى يُراسِلَه حاكمُ الشرعِ؛ لأنها بذَلَتْ في حالٍ لا يُمكنُه التسلُّمُ فيهِ، فيَكتبُ القاضي إلى حاكِمِ البَلدِ الذي هو فيه ليَستدعيَه ويُعلِمَه ذلكَ، فإنْ سارَ الزوجُ إليها أو وكَّلَ مَنْ يَتسلمُها له ممَّن يَحلُّ له ذلكَ كمَحرمِها فوصَلَ فتَسلمَها الزوجُ أو نائبُه وجَبَتِ النَّفقةُ حِينئذٍ؛ لأنَّ البذلَ قبلَ ذلكَ وُجودُه كعَدمِه. فإنْ لم يَفعلْ فرَضَ الحاكمُ عليه نَفقتَها مِنْ الوقتِ الذي كانَ يُمكنُ الوصولُ إليها وتَسلُّمُها؛ لأنه امتَنعَ مِنْ تَسلُّمِها مع إمكانِه وبذلِها له، فلَزمَتْه نَفقتُها كما لو كانَ حاضِرًا. وإنْ غابَ الزوجُ بعدَ تَمكينِها مِنْ نَفسِها فالنَّفقةُ واجِبةٌ عليه في غَيبتِه، سَواءٌ سلَّمَها أو لا؛ إذ المانِعُ منهُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ -وحُكيَ جَديدًا أيضًا- إلى أنَّ النَّفقةَ تَجبُ بالعَقدِ كالمَهرِ، ولا تَتوقفُ على التَّمكينِ؛ بدَليلِ وُجوبِها للمَريضةِ والرَّتقاءِ، لكنْ لو نشَزَتْ سقَطَتْ، فالعَقدُ مُوجِبٌ، والنُّشوزُ مُسقِطٌ (٢).

стр. 11582

شُروطُ استِحقاقِ الزَّوجةِ النَّفقةَ، ومَن يَجبُ لها النَّفقةُ ومَن لا يَجبُ: اشتَرطَ الفُقهاءُ لاستِحقاقِ نَفقةِ الزَّوجةِ ما يلي: أولاً: الدُّخولُ بالزَّوجةِ والتَّمكينُ: اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ لاستِحقاقِ الزوجةِ النَّفقةَ أنْ يكونَ قد دخَلَ بها ومكَّنتْه مِنْ نفسِها كما تقدَّمَ في المَسألةِ السابقةِ. ثانيًا: أنْ تَكونَ الزَّوجةُ كَبيرةً مُطيقةً للوَطءِ (نَفقةُ الزَّوجةِ الصَّغيرةِ): اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ لوُجوبِ النَّفقةِ أنْ تكونَ الزوجةُ مُطيقةً للوَطءِ وإنْ لم تَبلغْ، فإنْ كانَتْ صَغيرةً لا تُطيقُ الوَطءَ فلا تَجبُ لها نَفقةٌ وإنْ سُلِّمتْ إليه، لقيامِ المانعِ في نَفسِها مِنْ الوَطءِ والاستِمتاعِ؛ لعَدمِ قَبولِ المَحلِّ لذلكَ، فانعَدمَ شَرطُ الوُجوبِ، فلا يَجبُ ذلك على الزوجِ؛ لأنَّ النَّفقةَ في مُقابلةِ الاستِمتاعِ، ولهذا تَسقطُ بالنُّشوزِ، وهذه لا يُمكنُه الاستمتاعُ بها (١).

стр. 11583

وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنَّ النَّفقةَ تَجبُ لها وإنْ كانَتْ صَغيرةً لا تُطيقُ الوَطءَ إذا سُلِّمتْ للزَّوجِ كالرَّتقاءِ والقَرناءِ والمَريضةِ؛ لأنها حُبسَتْ عندَه، وفَواتُ الاستمتاعِ بها بسَببٍ هي مَعذورةٌ فيه، فأشبَهَتِ المَريضةَ والرَّتقاءَ، وهذا مَبنيٌّ على القَولِ بأنَّ النَّفقةَ تَجبُ بالعَقدِ (١). وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ الصَّغيرةَ إذا كانَتْ تَخدمُ الزَّوجَ ويَنتفعُ الزوجُ بها بالخِدمةِ فسلَّمَتْ نفسَها إليهِ فإنْ شاءَ ردَّهَا وإنْ شاءَ أمسَكَها، فإنْ أمسَكَها فلَها النَّفقةُ، وإنْ رَدَّها فلا نَفقةَ لها؛ لأنها إذا لم تَحتملِ الوَطءَ لم يُوجَدِ التسليمُ الذي أوجَبَه العَقدُ، فكانَ له أنْ يَمتنعَ مِنْ القَبولِ، فإنْ أمسَكَها فلها النَّفقةُ؛ لأنه حصَلَ له منها نَوعُ مَنفعةٍ وضَربٌ مِنْ الاستمتاعِ، وقد رَضيَ بالتسليمِ القاصِرِ، وإنْ رَدَّها فلا نَفقةَ لها حتَّى يَجيءَ حالٌ يَقدرُ فيها على جِماعِها؛ لانعِدامِ التسليمِ الذي أوجَبَه العَقدُ وعَدمِ رِضاهُ بالتسليمِ القاصِرِ (٢). ثالثًا: أنْ يكونَ الزَّوجُ بالِغًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الزوجُ صَغيرًا وتزوَّجَ مِنْ مُطيقةٍ للوَطءِ، هل تَلزمُه النَّفقةُ على زَوجتِه أم لا؟

стр. 11584

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ إلى أنَّ النَّفقةَ لا تَجبُ على الصَّغيرِ وإنْ كانَ مُطيقًا للوطءِ عندَ المالِكيةِ، فيُشترطُ عندَهُم البلوغُ لوُجوبِ النَّفقةِ، فإنْ كانَ صَغيرًا ولو مُطيقًا للوطءِ فلا تَجبُ عليه النَّفقةُ. وفي قولٍ اختارُه ابنُ شاسٍ أنه إنْ كانَ مُطيقًا للوَطءِ لَزمتْه النَّفقةُ ويَلزمُه الدُّخولُ (١). وقالَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ: لا يَجبُ عليه؛ لأنها لا يَستمتعُ بها بسَببٍ هو مَعذورٌ فيهِ، فلا يَلزمُه غُرمٌ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنَّ النَّفقةَ تجبُ على الزَّوجِ وإنْ كانَ صَغيرًا لا يَقدرُ على الوَطءِ إنْ سلَّمَتْ نفْسَها إليه وكانَتْ كَبيرةً مُطيقةً للوَطءِ، فتَجبُ النَّفقةُ في مالِه؛ لأنَّ العَجزَ جاءَ مِنْ قِبلِه؛ لأنَّ التَّسليمَ المُستحَقَّ عليها وُجدَ، فاستَحقَّتِ المُقابلَ، كما لو تَعذَّرَ الاستيفاءُ على المُستأجِرِ بعدَ تَسليمِ العَينِ المُؤجَّرةِ. وكذلكَ لو كانَ الزوجُ مَجبوبًا أو عِنِّينًا أو مَحبوسًا في دَينٍ أو مَريضًا لا يَقدرُ على الجِماعِ أو خارجًا للحَجِّ فلها النَّفقةُ.

стр. 11585

فإنْ كانَ كِلاهُما صَغيرينِ لا يُطيقانِ الجِماعَ فلا نَفقةَ لها حتى تَبلغَ حدًّا يُستمتعُ بها (١). رابِعًا: أنْ لا يَكونَ أحَدُهما مَريضًا مَرضًا أشرَفَ معَه على الموتِ: اشتَرطَ المالِكيةُ لوُجوبِ النَّفقةِ أنْ لا يكونَ أحَدُهما الزَّوجُ أو الزَّوجةُ مَريضًا مَرضًا أشرَفَ معَه على المَوتِ، فلا يَكفِي في الإسقاطِ مُجردُ المَرضِ، فتَجبُ مع المَرضِ الخَفيفِ المُمكِنِ معه الاستِمتاعُ، ومع الشَّديدِ الذي لا يُمكِنُ معه الاستِمتاعُ ولم يَبلغْ صاحبُه حَدَّ السِّياقِ على مَذهبِ «المُدوَّنة»، خِلافًا لسَحنونٍ، واستَحسنَه اللَّخميُّ. وهذا كلُّه في غيرِ المَدخولِ بها. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والحاصِلُ أنه في «التَّوضِيح» جعَلَ السلامةَ مِنْ المَرضِ وبُلوغَ الزوجِ وإطاقَةَ الزوجةِ للوَطءِ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ لغيرِ المَدخولِ بها التي دَعَتْ للدُّخولِ، فإنِ اختَلَّ منها شَرطٌ فلا تَجبُ النَّفقةُ لها. وأما المَدخولُ بها فتَجبُ لها النَّفقةُ مِنْ غيرِ شَرطٍ.

стр. 11586

وجعَلَ اللقَّانِيُّ الأمورَ الثلاثةَ المَذكورةَ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ للمَرأةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها ودَعَتْ للدُّخولِ، لكنَّه لم يَعضدْه بنَقلٍ، والظاهِرُ ما في «التَّوضِيح» (١). نَفقةُ الزَّوجةِ المريضةِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ النَّفقةَ تَجبُ للزوجةِ المَريضةِ، سَواءٌ كانَ ذلكَ قبلَ النُّقلةِ أو بعدَها عندَ الحَنفيةِ، وسَواءٌ أمكَنَه جِماعُها أم لا. قالَ الحَنفيةُ: لو مَرضَتِ الزوجةُ في مَنزلِ الزوجِ فلَها النَّفقةُ؛ لأنها مُسلِّمةٌ لنفسِها، والمَنعُ مِنْ قِبلِ اللهِ تعالَى، فلا يُؤثِّرُ في سُقوطِ نَفقتِها. ولأنَّ الاحتِباسَ قائمٌ؛ فإنه يَستأنسُ بها ويَمسُّها وتَحفظُ البَيتَ، والمانعُ إنما هو لعارِضٍ كالحَيضِ. وعن أبي يُوسفَ: إذا سلَّمَتْ نفسَها ثم مَرضَتْ فلها النَّفقةُ؛ لتَحقُّقِ التَّسليمِ. وإنْ مَرضَتْ ثم سلَّمَتْ نفسَها لا تَجبُ النَّفقةُ؛ لأنَّ التَّسليمَ لم يَصحَّ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو كانَتِ المَرأةُ مَريضةً قبلَ النُّقلةِ مَرضًا يَمنعُ مِنْ الجِماعِ فنُقلَتْ وهي مَريضةٌ فلها النَّفقةُ بعدَ النقلَةِ، وقَبلَها أيضًا إذا

стр. 11587

طلَبَتِ النَّفقةَ فلَم يَنقلْها الزوجُ وهي لا تَمتنعُ مِنْ النُّقلةِ لو طالَبَها الزوجُ وإنْ كانَتْ تَمتنعُ فلا نَفقةَ لها كالصَّحيحةِ، كذا ذكرَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ. ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنه لا نَفقةَ لها قبلَ النُّقلةِ، فإذا نُقلَتْ وهي مَريضةٌ فله أنْ يَردَّها. وجهُ رِوايةِ أبي يُوسفَ أنه لم يُوجَدِ التسليمُ؛ إذ هو تَخليةٌ وتَمكينٌ، ولا يَتحققُ ذلكَ مع المانعِ وهو تَبوُّءُ المَحلِّ، فلا تَستحقُّ النَّفقةَ كالصَّغيرةِ التي لا تَحتملُ الوَطءَ، وإذا سلَّمَتْ نفْسَها وهي مَريضةٌ له أنْ يَردَّها؛ لأنَّ التسليمَ الذي أوجَبَه العَقدُ -وهو التَّسليمُ المُمكِّنُ مِنْ الوَطءِ- لمَّا لم يُوجَدْ كانَ له أنْ لا يَقبلَ التَّسليمَ الذي لم يُوجِبْه العقدُ، وهكذا قالَ أبو يُوسفَ في الصَّغيرةِ التي لم يُجامَعْ مثلُها أنَّ له أنْ يَردَّها؛ لِما قُلنا. وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ التسليمَ في حَقِّ التَّمكينِ مِنْ الوَطءِ إنْ لم يُوجَدْ فقدْ وُجدَ في حقِّ التمكينِ مِنْ الاستمتاعِ، وهذا يَكفي لوُجوبِ النَّفقةِ كما في الحائضِ والنُّفساءِ والصائِمةِ صومَ رَمضانَ، وإذا امتَنعَتْ فلَم يُوجَدْ منها التسليمُ رَأسًا، فلا تَستحقُّ النَّفقةَ. وقالَ أبو يُوسفَ: إذا كانَتِ المَريضةُ تُؤنِسُه ويَنتفعُ بها في غيرِ الجِماعِ فإنْ شاءَ رَدَّها وإنْ شاءَ أمسَكَها، فإنْ أمسَكَها فلها النَّفقةُ، وإنْ رَدَّها فلا نَفقةَ لها؛ لِما ذكَرْنا في الصَّغيرةِ.

стр. 11588

وإنْ نُقلَتْ وهي صَحيحةٌ ثم مَرضَتْ في بَيتِ الزَّوجِ مَرضًا لا تَستطيعُ معَه الجِماعَ لم تَبطلْ نَفقتُها بلا خِلافٍ؛ لأنَّ التسليمَ المُطلَقَ -وهو التسليمُ المُمكِّنُ مِنْ الوَطءِ والاستمتاعِ- قد حصَلَ بالانتقالِ؛ لأنها كانَتْ صَحيحةً، كذا الانتِقالُ، ثم قَصُرَ التَّسليمُ لعارِضٍ يَحتملُ الزوالَ، فأشبَهَ الحيضَ، أو نقولُ: التَّسليمُ المُستحَقُّ بالعَقدِ في حقِّ المَريضةِ التي لا تَحتملُ الجِماعَ قبلَ الانتقالِ وبعدَه هو التسليمُ في حقِّ الاستِمتاعِ لا في حَقِّ الوطءِ، كما في حَقِّ الحائضِ. وكذا إذا نقَلَها ثمَّ ذهَبَ عَقلُها فصارَتْ مَعتوهةً مَغلوبةً أو كَبرتْ فطَعنَتْ في السنِّ حتى لا يَستطيعُ زَوجُها جِماعَها أو أصابَها بَلاءٌ فلها النَّفقةُ؛ لِما قُلنا (١). وقالَ المالِكية: تَجبُ النَّفقةُ على الزَّوجةِ المَريضةِ بعدَ الدخولِ. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والحاصِلُ أنه في «التَّوضِيح» جعَلَ السلامةَ مِنْ المَرضِ وبُلوغَ الزوجِ وإطاقَةَ الزوجةِ للوَطءِ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ لغيرِ المَدخولِ بها التي دَعَتْ للدُّخولِ، فإنِ اختَلَّ منها شَرطٌ فلا تَجبُ النَّفقةُ لها. وأما المَدخولُ بها فتَجبُ لها النَّفقةُ مِنْ غيرِ شَرطٍ. وجعَلَ اللقَّانِيُّ الأمورَ الثلاثةَ المَذكورةَ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ للمَرأةِ

стр. 11589

مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها ودَعَتْ للدُّخولِ، لكنَّه لم يَعضدْه بنَقلٍ، والظاهِرُ ما في «التَّوضِيح» (١). وقالَ الشافِعيةُ: تَجبُ النَّفقةُ للمَريضةِ والرَّتقاءِ والمُضناةِ التي لا تَحتملُ الجِماعَ، سَواءٌ حدَثَتْ هذهِ الأحوالُ بعدَ التسليمِ أم قارنَتْه؛ لأنها أعذارٌ دائِمةٌ، وقد سلَّمَتْ التَّسليمِ المُمكنِ وتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بها مِنْ بَعضِ الوُجوهِ، وكذا حُكمُ أيامِ الحَيضِ والنفاسِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ سلَّمَتْ نفسَها وهي ممَّن يَتعذَّرُ وَطؤهُا لرَتقٍ أو حَيضٍ أو نِفاسٍ، أو لكَونِها نَضوةَ الخَلقِ -أي هَزيلةً- لا يُمكِنُه وطؤُها لذلكَ أو لمَرضِها لَزمَتْه نَفقتُها أيضًا، وإنْ حدَثَ بها شَيءٌ مِنْ ذلكَ لم تَسقطْ نَفقتُها؛ لأنَّ الاستمتاعَ مُمكنٌ ولا تَفريطَ مِنْ جِهتِها وإنْ منَعَ مِنْ الوَطءِ. لكنْ لو امتَنعَتْ مِنْ التَّسليمِ وهي صَحيحةٌ ثم حدَثَ لها مَرضٌ فبذَلَتْه - أي التَّسلِيم- فلا نَفقةَ لها ما دامَتْ مَريضةً؛ عُقوبةً عليها بمَنعِها نفسَها في حالةِ التمكُّنِ مِنْ الاستِمتاعِ بها فيها وبَذلِها في ضِدِّها (٣).

стр. 11590

نَفقةُ الزَّوجةِ المحبُوسةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ المَحبوسةِ، هل تَسقطُ نَفقتُها أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلى أنَّ الزَّوجةَ المَحبوسةَ لا نَفقةَ لها؛ لأنَّ حبْسَ النكاحِ قد بطَلَ بإعراضِ حَبسِ الدَّينِ؛ لأنَّ صاحِبَ الدَّينِ أحَقُّ بحَبسِها بالدَّينِ، وفاتَ التَّسليمُ أيضًا بمَعنًى مِنْ قِبلِها وهو مَطلُها، فصارَتْ كالناشِزةِ، وسَواءٌ كانَتْ تَقدرُ على قَضاءِ الدَّينِ أم لا، فإنَّ نَفقتَها تَسقطُ. وإنْ حبَسَها الزوجُ بدَينٍ له عَليها فلَها النَّفقةُ عندَ الحَنفيةِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولو حُبسَتْ ظُلمًا أو بحَقٍّ فلا نَفقةَ، كما لو وُطئَتْ بشُبهةٍ فاعتَدَّتْ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: لو حُبسَتْ ولو ظُلمًا فلا نَفقةَ لها زمَنَ حَبسِها؛ لفَواتِ التَّمكينِ المُقابلِ للنَّفقةِ، وللزَّوجِ البَيتوتةُ معَها في حَبسِها؛ لأنَّ حقَّه ثابتٌ في البَيتوتةِ معَها، فلا يَسقطُ بحَبسِها. وإنْ حبَسَتِ الزوجَ على صَداقِها أو غيرِه مِنْ حُقوقِها وهو مُعسِرٌ كانَتْ ظالِمةً مانِعةً له مِنْ التَّمكينِ، فلا نَفقةَ لها مُدةَ حَبسِه؛ لأنَّ المانعَ
следующие страницы →