وجعَلَ اللقَّانِيُّ الأمورَ الثلاثةَ المَذكورةَ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ للمَرأةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها ودَعَتْ للدُّخولِ، لكنَّه لم يَعضدْه بنَقلٍ، والظاهِرُ ما في «التَّوضِيح» (١).
نَفقةُ الزَّوجةِ المريضةِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ النَّفقةَ تَجبُ للزوجةِ المَريضةِ، سَواءٌ كانَ ذلكَ قبلَ النُّقلةِ أو بعدَها عندَ الحَنفيةِ، وسَواءٌ أمكَنَه جِماعُها أم لا.
قالَ الحَنفيةُ: لو مَرضَتِ الزوجةُ في مَنزلِ الزوجِ فلَها النَّفقةُ؛ لأنها مُسلِّمةٌ لنفسِها، والمَنعُ مِنْ قِبلِ اللهِ تعالَى، فلا يُؤثِّرُ في سُقوطِ نَفقتِها.
ولأنَّ الاحتِباسَ قائمٌ؛ فإنه يَستأنسُ بها ويَمسُّها وتَحفظُ البَيتَ، والمانعُ إنما هو لعارِضٍ كالحَيضِ.
وعن أبي يُوسفَ: إذا سلَّمَتْ نفسَها ثم مَرضَتْ فلها النَّفقةُ؛ لتَحقُّقِ التَّسليمِ.
وإنْ مَرضَتْ ثم سلَّمَتْ نفسَها لا تَجبُ النَّفقةُ؛ لأنَّ التَّسليمَ لم يَصحَّ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو كانَتِ المَرأةُ مَريضةً قبلَ النُّقلةِ مَرضًا يَمنعُ مِنْ الجِماعِ فنُقلَتْ وهي مَريضةٌ فلها النَّفقةُ بعدَ النقلَةِ، وقَبلَها أيضًا إذا
стр. 11587
طلَبَتِ النَّفقةَ فلَم يَنقلْها الزوجُ وهي لا تَمتنعُ مِنْ النُّقلةِ لو طالَبَها الزوجُ وإنْ كانَتْ تَمتنعُ فلا نَفقةَ لها كالصَّحيحةِ، كذا ذكرَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنه لا نَفقةَ لها قبلَ النُّقلةِ، فإذا نُقلَتْ وهي مَريضةٌ فله أنْ يَردَّها.
وجهُ رِوايةِ أبي يُوسفَ أنه لم يُوجَدِ التسليمُ؛ إذ هو تَخليةٌ وتَمكينٌ، ولا يَتحققُ ذلكَ مع المانعِ وهو تَبوُّءُ المَحلِّ، فلا تَستحقُّ النَّفقةَ كالصَّغيرةِ التي لا تَحتملُ الوَطءَ، وإذا سلَّمَتْ نفْسَها وهي مَريضةٌ له أنْ يَردَّها؛ لأنَّ التسليمَ الذي أوجَبَه العَقدُ -وهو التَّسليمُ المُمكِّنُ مِنْ الوَطءِ- لمَّا لم يُوجَدْ كانَ له أنْ لا يَقبلَ التَّسليمَ الذي لم يُوجِبْه العقدُ، وهكذا قالَ أبو يُوسفَ في الصَّغيرةِ التي لم يُجامَعْ مثلُها أنَّ له أنْ يَردَّها؛ لِما قُلنا.
وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ التسليمَ في حَقِّ التَّمكينِ مِنْ الوَطءِ إنْ لم يُوجَدْ فقدْ وُجدَ في حقِّ التمكينِ مِنْ الاستمتاعِ، وهذا يَكفي لوُجوبِ النَّفقةِ كما في الحائضِ والنُّفساءِ والصائِمةِ صومَ رَمضانَ، وإذا امتَنعَتْ فلَم يُوجَدْ منها التسليمُ رَأسًا، فلا تَستحقُّ النَّفقةَ.
وقالَ أبو يُوسفَ: إذا كانَتِ المَريضةُ تُؤنِسُه ويَنتفعُ بها في غيرِ الجِماعِ فإنْ شاءَ رَدَّها وإنْ شاءَ أمسَكَها، فإنْ أمسَكَها فلها النَّفقةُ، وإنْ رَدَّها فلا نَفقةَ لها؛ لِما ذكَرْنا في الصَّغيرةِ.
стр. 11588
وإنْ نُقلَتْ وهي صَحيحةٌ ثم مَرضَتْ في بَيتِ الزَّوجِ مَرضًا لا تَستطيعُ معَه الجِماعَ لم تَبطلْ نَفقتُها بلا خِلافٍ؛ لأنَّ التسليمَ المُطلَقَ -وهو التسليمُ المُمكِّنُ مِنْ الوَطءِ والاستمتاعِ- قد حصَلَ بالانتقالِ؛ لأنها كانَتْ صَحيحةً، كذا الانتِقالُ، ثم قَصُرَ التَّسليمُ لعارِضٍ يَحتملُ الزوالَ، فأشبَهَ الحيضَ، أو نقولُ: التَّسليمُ المُستحَقُّ بالعَقدِ في حقِّ المَريضةِ التي لا تَحتملُ الجِماعَ قبلَ الانتقالِ وبعدَه هو التسليمُ في حقِّ الاستِمتاعِ لا في حَقِّ الوطءِ، كما في حَقِّ الحائضِ.
وكذا إذا نقَلَها ثمَّ ذهَبَ عَقلُها فصارَتْ مَعتوهةً مَغلوبةً أو كَبرتْ فطَعنَتْ في السنِّ حتى لا يَستطيعُ زَوجُها جِماعَها أو أصابَها بَلاءٌ فلها النَّفقةُ؛ لِما قُلنا (١).
وقالَ المالِكية: تَجبُ النَّفقةُ على الزَّوجةِ المَريضةِ بعدَ الدخولِ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والحاصِلُ أنه في «التَّوضِيح» جعَلَ السلامةَ مِنْ المَرضِ وبُلوغَ الزوجِ وإطاقَةَ الزوجةِ للوَطءِ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ لغيرِ المَدخولِ بها التي دَعَتْ للدُّخولِ، فإنِ اختَلَّ منها شَرطٌ فلا تَجبُ النَّفقةُ لها.
وأما المَدخولُ بها فتَجبُ لها النَّفقةُ مِنْ غيرِ شَرطٍ.
وجعَلَ اللقَّانِيُّ الأمورَ الثلاثةَ المَذكورةَ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ للمَرأةِ
стр. 11589
مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها ودَعَتْ للدُّخولِ، لكنَّه لم يَعضدْه بنَقلٍ، والظاهِرُ ما في «التَّوضِيح» (١).
وقالَ الشافِعيةُ: تَجبُ النَّفقةُ للمَريضةِ والرَّتقاءِ والمُضناةِ التي لا تَحتملُ الجِماعَ، سَواءٌ حدَثَتْ هذهِ الأحوالُ بعدَ التسليمِ أم قارنَتْه؛ لأنها أعذارٌ دائِمةٌ، وقد سلَّمَتْ التَّسليمِ المُمكنِ وتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بها مِنْ بَعضِ الوُجوهِ، وكذا حُكمُ أيامِ الحَيضِ والنفاسِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ سلَّمَتْ نفسَها وهي ممَّن يَتعذَّرُ وَطؤهُا لرَتقٍ أو حَيضٍ أو نِفاسٍ، أو لكَونِها نَضوةَ الخَلقِ -أي هَزيلةً- لا يُمكِنُه وطؤُها لذلكَ أو لمَرضِها لَزمَتْه نَفقتُها أيضًا، وإنْ حدَثَ بها شَيءٌ مِنْ ذلكَ لم تَسقطْ نَفقتُها؛ لأنَّ الاستمتاعَ مُمكنٌ ولا تَفريطَ مِنْ جِهتِها وإنْ منَعَ مِنْ الوَطءِ.
لكنْ لو امتَنعَتْ مِنْ التَّسليمِ وهي صَحيحةٌ ثم حدَثَ لها مَرضٌ فبذَلَتْه - أي التَّسلِيم- فلا نَفقةَ لها ما دامَتْ مَريضةً؛ عُقوبةً عليها بمَنعِها نفسَها في حالةِ التمكُّنِ مِنْ الاستِمتاعِ بها فيها وبَذلِها في ضِدِّها (٣).
стр. 11590
نَفقةُ الزَّوجةِ المحبُوسةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ المَحبوسةِ، هل تَسقطُ نَفقتُها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلى أنَّ الزَّوجةَ المَحبوسةَ لا نَفقةَ لها؛ لأنَّ حبْسَ النكاحِ قد بطَلَ بإعراضِ حَبسِ الدَّينِ؛ لأنَّ صاحِبَ الدَّينِ أحَقُّ بحَبسِها بالدَّينِ، وفاتَ التَّسليمُ أيضًا بمَعنًى مِنْ قِبلِها وهو مَطلُها، فصارَتْ كالناشِزةِ، وسَواءٌ كانَتْ تَقدرُ على قَضاءِ الدَّينِ أم لا، فإنَّ نَفقتَها تَسقطُ.
وإنْ حبَسَها الزوجُ بدَينٍ له عَليها فلَها النَّفقةُ عندَ الحَنفيةِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولو حُبسَتْ ظُلمًا أو بحَقٍّ فلا نَفقةَ، كما لو وُطئَتْ بشُبهةٍ فاعتَدَّتْ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: لو حُبسَتْ ولو ظُلمًا فلا نَفقةَ لها زمَنَ حَبسِها؛ لفَواتِ التَّمكينِ المُقابلِ للنَّفقةِ، وللزَّوجِ البَيتوتةُ معَها في حَبسِها؛ لأنَّ حقَّه ثابتٌ في البَيتوتةِ معَها، فلا يَسقطُ بحَبسِها.
وإنْ حبَسَتِ الزوجَ على صَداقِها أو غيرِه مِنْ حُقوقِها وهو مُعسِرٌ كانَتْ ظالِمةً مانِعةً له مِنْ التَّمكينِ، فلا نَفقةَ لها مُدةَ حَبسِه؛ لأنَّ المانعَ
стр. 11591
مِنْ جِهتِها، وإنْ كانَ الزوجُ قادِرًا على أداءِ ما حبَسَتْه عليه مِنْ حُقوقِها لمَنعِه بعدَ الطَّلبِ فلها النَّفقةُ مُدةَ حَبسِه إذا كانَتْ باذِلةً للتَّمكينِ؛ لأنَّ المنعَ مِنه لا مِنها (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والكَرخيُّ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ الزَّوجةَ إنْ حُبسَتْ في دَينٍ عليها ولم تَكنْ مُماطِلةً فلا تَسقطُ نَفقتُها؛ لأنَّ المنعَ ليسَ مِنْ جِهتِها، وأما إنْ كانَتْ مِنْ جِهتِها بأنْ كانَتْ مُماطِلةً فإنها تَسقطُ نَفقتُها.
قالَ المالِكيةُ: وكَذلكَ لا تَسقطُ نَفقتُها بحَبسِ زَوجِها في دَينٍ تَرتَّبَ عليه لها أو لغَيرِها؛ لاحتِمالِ أنْ يكونَ معَه مالٌ وأخفاهُ، فيكونُ مُتمكِّنًا مِنْ الاستمتاعِ؛ لعَدمِ أدائِه لِما هو عَليه (٢).
نَفقةُ الزَّوجةِ المغصُوبةِ:
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ الزَّوجةَ إذا أخَذَها رَجلٌ كارِهةً فهرَبَ بها شَهرًا أو غصَبَها غاصِبٌ كَرهًا لم يَكنْ لها نَفقةٌ في المُدةِ التي منَعَها؛ لفَواتِ التسليمِ لا لمَعنًى مِنْ جِهةِ الزوجِ.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنَّ لها النَّفقةَ؛ لأنَّ الفَواتَ ما جاءَ مِنْ قِبلِها (٣).
стр. 11592
وقالَ الإمامُ النوويُّ ﵀: قالَ البَغويُّ: ولو غُصبَتْ فلا نَفقةَ وإنْ كانَتْ مَعذورةً؛ لخُروجِها عن قَبضتِه وفَواتِ الاستمتاعِ، بخِلافِ المَريضةِ (١).
نَفقةُ الزَّوجةِ الحاجَّةِ والمعتَمِرةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ إذا ذهَبَتْ للحَجِّ، سَواءٌ حَجُّ الفَريضةِ أو التُّطوعِ، هل تَسقطُ نَفقتُها أم لا؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ تَخرجَ مع الزَّوجِ أم لا؟
فنَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ الزَّوجةَ إذا حجَّتْ حَجةَ فَريضةٍ فإنْ كانَ ذلك قبلَ النُّقلةِ فإنْ حجَّتْ بلا مَحرَمٍ ولا زَوجٍ فهي ناشِزةٌ، وإنْ حجَّتْ مع مَحرمٍ لها دونَ الزوجِ فلا نَفقةَ لها في قَولِهم جَميعًا؛ لأنها امتَنعَتْ مِنْ التَّسليمِ بعدَ وُجوبِ التسليمِ، فصارَتْ كالناشِزةِ.
وإنْ كانَتِ انتَقلتْ إلى مَنزلِ الزوجِ ثم حجَّتْ مع مَحرمٍ لها دونَ الزوجِ فقَدْ قالَ مُحمدٌ: لا نَفقةَ لها؛ لأنَّ التَّسليمَ قد فاتَ بأمرٍ مِنْ قِبلِها وهو خُروجُها، فلا تَستحقُّ النَّفقةَ كالناشِزةِ.
وقالَ أبو يُوسفَ: لها النَّفقةُ؛ لأنَّ التَّسليمَ المُطلَقَ قد حصَلَ بالانتقالِ إلى مَنزلِ الزوجِ ثم فاتَ بعارِضِ أداءِ فَرضٍ، وهذا لا يُبطلُ النَّفقةَ، كما لو انتَقلتْ إلى مَنزلِ زَوجِها ثم لَزمَها صَومُ رَمضانَ، أو نَقولُ: حصَلَ التسليمُ المُطلَقُ بالانتقالِ ثم فاتَ لعُذرٍ، فلا تَسقطُ النَّفقةُ كالمَريضةِ.
стр. 11593
ثمَّ إذا وجَبَتْ لها النَّفقةُ على أصلِ أبي يُوسفَ يَفرضُ لها القاضِي نَفقةَ الإقامةِ لا نَفقةَ السَّفرِ؛ لأنَّ الزوجَ لا يَلزمُه إلا نَفقةُ الحضَرِ، فأما زِيادةُ المَؤونةِ التي تَحتاجُ إليها المَرأةُ في السفرِ مِنْ الكِراءِ ونحوِ ذلكَ فهي عَليها لا عليهِ؛ لأنها لأداءِ الفَرضِ والفَرضُ عليها، فكانَتْ تلكَ المَؤونةُ عليها لا عليهِ، كما لو مَرضَتْ في الحضَرِ كانَتِ المُداواةُ عَليها لا على الزوجِ، فإنْ جاوَرَتْ بمكَّةَ أو أقامَتْ بها بعدَ أداءِ الحَجِّ إقامةً لا تَحتاجُ إليها سقَطَتْ نَفقتُها؛ لأنها غيرُ مَعذورةٍ في ذلكَ، فصارَتْ كالناشِزةِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: المَرأةُ إذا خرَجَتْ إلى حَجةِ الفَرضِ أصالةً مع مَحرمٍ أو مع رِفقةٍ مَأمونةٍ ولو بغَيرِ إذنِ زَوجِها فإنَّ نَفقتَها لا تَسقطُ عن زَوجِها، لكنْ لها نَفقةُ حَضرٍ وعليها ما ارتَفعَ مِنْ السِّعرِ.
أما حَجُّ التطوعِ إذا خرَجَتْ إليه فلا نَفقةَ لها فيه على زَوجِها، إلا أنْ يَأذنَ لها أو يَقدرَ على رَدِّها فلَها نَفقةُ حَضرٍ كالفَرضِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا أحرَمَتْ بحَجٍّ أو عُمرةٍ فلَها حالانِ:
أحَدُهما: أنْ تُحرِمَ بإذنِه، فإذا خرَجَتْ فقدْ سافَرَتْ في غَرضِ نفسِها، فإنْ كانَ الزوجُ معَها لم تَسقطْ على المَذهبِ، وإلا فتَسقطُ على الأظهَرِ،
стр. 11594
وسَواءٌ خرَجَتْ بإذنِه أم بغيره، ولا أثَرَ لنَهيِه عن الخُروجِ؛ لوُجودِ الإذنِ في الإحرامِ.
وعن القفَّالِ أنه إذا نَهاها عن الخُروجِ فلا نَفقةَ قَطعًا.
أما قبلَ الخُروجِ فوَجهانِ:
أحَدُهما: لا نَفقةَ؛ لفَواتِ الاستمتاعِ.
وأصَحُّهما: وُجوبُها؛ لأنها في قَبضتِه، وتَفويتُ الاستِمتاعِ بسَببِ أَذِنَ فيه.
الحالُ الثاني: أنْ تُحرمَ بغيرِ إذنِه، فله أنْ يُحلِّلَها مِنْ حجِّ التطوُّعِ، وكذا مِنْ الفَرضِ على الأظهَرِ، فإنْ جوَّزْنا له التَّحليلَ فلم يُحلِّلْ فلها النَّفقةُ ما لم تَخرجْ؛ لأنها في قَبضتِه وهو قادِرٌ على تَحليلِها والاستِمتاعِ.
وقيلَ: لا نَفقةَ؛ لأنها ناشِزةٌ بالإحرامِ، والناشِزةُ لا تَستحقُّ نَفقةً وإنْ قدَرَ الزَّوجُ على ردِّها إلى الطاعَةِ قَهرًا، والصَّحيحُ الأوَّلُ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: فإذا خرَجَتْ بغيرِ إذنِه فلا نَفقةَ، فإنْ خرَجَ معَها فعَلى ما سبَقَ، وإنْ أَذِنَ في الخُروجِ فعَلى القَولينِ في السَّفرِ بإذنِه، وإنْ قُلنَا: «ليسَ له التَّحليلُ» فهي ناشِزةٌ مِنْ وَقتِ الإحرامِ، وقيلَ: لها النَّفقةُ ما دامَتْ مُقيمةً، والصَّحيحُ الأوَّلُ، وحُكيَ وَجهٌ شاذٌّ أنَّ الإحرامَ لا يُسقطُ النَّفقةَ مُطلقًا؛ لأنها تُسقطُ به فَرضًا عَليها (١).
стр. 11595
وقالَ الحَنابلةُ: لو أحرَمَتِ الزوجةُ بحَجةِ الإسلامِ أو عُمرتِه فلها النَّفقةُ، أو أحرَمَتْ بمَكتوبةٍ في وَقتِها فلَها النَّفقةُ؛ لأنها فعَلَتِ الواجِبَ عليها بأصلِ الشَّرعِ، فكانَ كصِيامِ رَمضانَ، وكذا سُننُ المَكتوبةِ؛ لأنها تابعةٌ لها.
ومَحلُّ وُجوبِ النَّفقةِ فيما إذا أحرَمَتْ بحَجةِ الإسلامِ أو عُمرتِه إنْ أحرَمَتْ في أشهُرِ الحجِّ مِنْ المِيقاتِ، فإنْ قدَّمَتِ الإحرامَ على المِيقاتِ أو قبلَ الوَقتِ فكالمُحرِمةِ بتطوُّعٍ، فتَسقطُ نَفقتُها مُدةَ التَّقديمِ.
وإنْ أحرَمَتِ الزوجةُ بمَنذورٍ مُعيَّنٍ في وَقتِه، أو صامَتْ نَذرًا مُعيَّنًا في وَقتِه ولو كانَ النَّذرُ بإذنِه، أو كانَ نَذرُها قبلَ النكاحِ وصامَتْه في وَقتِه؛ فلا نَفقةَ لها؛ لأنها فوَّتَتْ على زَوجِها حقَّه مِنْ الاستمتاعِ باختيارِها، ولأنَّ النَّذرَ صدَرَ مِنْ جِهتِها، بخِلافِ حجَّةِ الإسلامِ؛ فإنها واجِبةٌ بأصلِ الشَّرعِ (١).
نَفقةُ زَوجةِ الغائِبِ:
غِيابُ الزَّوجِ عن زَوجتِه إما أنْ يَكونَ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه.
أولاً: نَفقةُ زَوجةِ الغائِبِ قبلَ الدُّخولِ:
زَوجةُ الغائِبِ لا تَخلُو مِنْ حالتَينِ: إما أنْ تَكونَ بذَلَتْ نفْسَها له قبلَ غَيبتِه، وإما أنْ تكونَ بذَلَتْ نفسَها له بعدَ غَيبتِه.
стр. 11596
الحالةُ الأُولى: إذا بذَلَتْ زَوجةُ الغائبِ نفسَها لزَوجِها قبلَ غَيبتِه:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الزوجةَ إذا بذَلَتْ نفسَها لزَوجِها وسلَّمَتْ نفسَها إليه تَسليمًا تامًّا وهو حاضِرٌ وامتَنعَ مِنْ تَسلُّمِها ثمَّ غابَ فإنه يَجبُ عليه نَفقتُها، ولا يَسقطُ ذلكَ بغَيبتِه (١).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لو كانَ الزَّوجُ غائبًا فطلَبَتِ المرأةُ مِنْ القاضِي أنْ يَفرضَ لها عليهِ نَفقةً لم يَفرضْ وإنْ كانَ القاضِي عالِمًا بالزَّوجيةِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ الآخِرِ، وهو قَولُ شُريحٍ، وقد كانَ أبو حَنيفةَ أولًا يَقولُ -وهو قَولُ إبراهيمَ النخَعيِّ-: أنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ، ويَفرضُ القاضِي النَّفقةَ على الغائِبِ.
وحُجةُ هذا القولِ ما روينَا عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ لهِندَ امرأةِ أبي سُفيانَ: «خُذِي مِنْ مالِ أبي سُفيانَ ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ»، وذلكَ مِنْ النبيِّ ﷺ كانَ فَرضًا للنَّفقةِ على أبي سُفيانَ وكانَ غائبًا.
وحُجةُ القَولِ الأخيرِ أنَّ الفرضَ مِنْ القاضي على الغائِبِ قَضاءٌ عليهِ، وقد صَحَّ مِنْ أصلِنا أنَّ القَضاءَ على الغائِبِ لا يَجوزُ إلا أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ ولم يُوجَدْ.
стр. 11597
وأما الحَديثُ فلا حُجةَ له فيه؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ إنما قالَ لهِندَ على سَبيلِ الفتوَى لا على طَريقِ القَضاءِ؛ بدَليلِ أنه لم يُقدِّرْ لها ما تَأخذُه مِنْ مالِ أبي سُفيانَ، وفَرضُ النَّفقةِ مِنْ القاضي تَقديرُها، فإذا لم تُقدَّرْ لم تَكنْ فَرضًا، فلَم تَكنْ قَضاءً، تَحقيقُه أنَّ مَنْ يُجوِّزُ القَضاءَ على الغائِبِ فإنما يُجوِّزُه إذا كانَ غائبًا غَيبةَ سَفرٍ، فأما إذا كانَ في المِصرِ فإنه لا يَجوزُ بالإجماعِ؛ لأنه لا يُعَدُّ غائبًا، وأبو سُفيانَ لم يَكنْ مُسافرًا، فدَلَّ أنَّ ذلكَ كانَ إعانةً لا قَضاءً.
فإنْ لم يَكنِ القاضي عالِمًا بالزَّوجيةِ فسَألَتِ القاضِي أنْ يَسمعَ بيِّنتَها بالزَّوجيةِ ويَفرضَ على الغائبِ قالَ أبو يُوسفَ: لا يَسمعُها ولا يَفرضُ، وقالَ زُفرُ: يَسمعُ ويَفرضُ لها وتَستدينُ عليهِ، فإذا حضَرَ الزوجُ وأنكَرَ يَأمرُها بإعادةِ البيِّنةِ في وَجهِه، فإنْ فعَلَتْ نفَذَ الفَرضُ وصحَّتِ الاستدانةُ، وإنْ لم يَفعلْ لم يَنفذْ ولم يَصحَّ …
هذا إذا كانَ الزَّوجُ غائبًا ولم يَكنْ له مالٌ حاضرٌ، فأما إذا كانَ له مالٌ حاضِرٌ فإنْ كانَ المالُ في يَدِها وهو مِنْ جِنسِ النَّفقةِ فلها أنْ تُنفِقَ على نفسِها منه بغَيرِ أمرِ القاضي؛ لحَديثِ أبي سُفيانَ، فلو طلَبَتِ المَرأةُ مِنْ القاضي فرْضَ النَّفقةِ في ذلكَ المالِ وعَلِمَ القاضي بالزوجيَّةِ وبالمالِ فرَضَ لها النَّفقةَ؛ لأنَّ لها أنْ تَأخذَه فتُنفقَ على نفسِها مِنْ غيرِ فَرضِ القاضي، فلَم يَكنِ الفَرضُ مِنْ القاضي في هذهِ الصورةِ قَضاءً، بل كانَ إعانةً لها على استيفاءِ
стр. 11598
حقِّها، وإنْ كانَ في يدِ مُودَعِه أو مُضاربِه أو كانَ له دَينٌ على غيرِه فإنْ كانَ صاحِبُ اليدِ مُقِرًّا بالوَديعةِ والزوجيةِ أو كانَ مَنْ عليه الدَّينُ مقِرًّا بالدَّينِ والزوجيةِ أو كانَ القاضِي عالِمًا بذلكَ فرَضَ لها في ذلك المالِ نَفقتَها في قولِ أصحابِنا الثَّلاثةِ، وقالَ زُفرُ: لا يَفرضُ.
وَجهُ قَولِه أنَّ هذا قَضاءٌ على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ؛ إذ المُودَعُ ليسَ بخَصمٍ عن الزَّوجِ، وكذا المَديونُ، فلا يَجوزُ.
ولنا: أنَّ صاحِبَ اليدِ وهو المُودَعُ إذا أقَرَّ بالوَديعةِ والزوجيةِ أو أقَرَّ المَديونُ بالدَّينِ والزَّوجيةِ فقدْ أقَرَّ أنَّ لها حَقَّ الأخذِ والاستيفاءِ؛ لأنَّ للزَّوجةِ أنْ تَمدَّ يدَها إلى مالِ زَوجِها فتَأخذَ كِفايتَها منه؛ لحَديثِ امرأةِ أبي سُفيانَ، فلَم يَكنِ القاضي فرَضَ لها النَّفقةَ في ذلكَ المالِ قضاءً، بل كانَ إعانةً لها على أخذِ حقِّها، وله على إحياءُ زَوجتِه، فكانَ له ذلكَ، وإنْ جحَدَ أحدَ الأمرَينِ ولا عِلمَ للقاضي به لم يَسمعِ البيِّنةَ ولم يَفرضْ؛ لأنَّ سَماعَ البيِّنةِ والفرضَ يكونُ قَضاءً على الغائبِ مِنْ غيرِ خَصمٍ حاضرٍ؛ لأنه إنْ أنكَرَ الزَّوجيةَ لا يُمكنُها إقامةُ البيِّنةِ على الزَّوجيةِ؛ لأنَّ المودَعَ ليسَ بخَصمٍ عنه في الزَّوجيةِ، وإنْ أنكَرَ الوَديعةَ أو الدَّينَ لا يُمكنُها إقامةُ البيِّنةِ على الوَديعةِ والدَّينِ؛ لأنها ليسَتْ بخَصمٍ عن زَوجِها في إثباتِ حُقوقِه، فكانَ سَماعُ البيِّنةِ على ذلكَ قَضاءً على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ، وذلكَ غيرُ جائزٍ عندَنا.
стр. 11599
هذا إذا كانَتِ الوَديعةُ والدَّينُ مِنْ جِنسِ النَّفقةِ، بأنْ كانَتْ دَراهمَ أو دَنانيرَ أو طَعامًا أو ثيابًا مِنْ جنسِ كِسوتِها، فأما إذا كانَ مِنْ جِنسٍ آخَرَ فليسَ لها أنْ تَتناولَ شَيئًا مِنْ ذلكَ، وإنْ طلبَتْ مِنْ القاضي فرْضَ النَّفقةِ فيه فإنْ كانَ عَقارًا لا يَفرضُ القاضِي النَّفقةَ فيه بالإجماعِ؛ لأنه لا يُمكنُ إيجابُ النَّفقةِ فيه إلا بالبَيعِ، ولا يُباعُ العَقارُ على الغائبِ في النَّفقةِ بالاتِّفاقِ، وإنْ كانَ مَنقولًا مِنْ العُروضِ فقدْ ذكَرَ القاضي في شَرحِه مُختصرَ الطَّحاويِّ الخلافَ فيهِ فقالَ القاضي: لا يَبيعُ العُروضَ عليه في قَولِ أبي حَنيفةَ، وعندَهما له أنْ يَبيعَها عليهِ، وهي مَسألةُ الحَجرِ على الحُرِّ العاقلِ البالغِ.
وذكَرَ القُدوريُّ المَسألةَ على الاتِّفاقِ، فقالَ القاضي: إنما يَبيعُ على أصلِهما على الحاضِرِ المُمتنعِ عن قَضاءِ الدَّينِ؛ لكَونِه ظالمًا في الامتِناع دَفعًا لظُلمِه، والغائِبُ لا يُعلَمُ امتناعُه، فلا يُعلَمُ ظلمُه، فلا يُباعُ عليهِ (١).
الحالَةُ الثانيةُ: أنْ تكونَ بذَلَتْ نفْسَها له بعدَ غَيبتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ إذا غابَ عنها زَوجُها قبلَ أنْ تُسلِّمَ نفْسَها إليهِ وأرادَتْ تَسليمَ نفسِها إليهِ، هل تُفرَضُ لها النَّفقةُ أم لا؟
فقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: إذا أتَتْ حاكِمَ بَلدِها فقالَتْ: «أنا أُسلِّمُ نفسِي إليهِ، وأخلِّي بينِي وبينَه» .. فإنَّ حاكِمَ بلدِها يَكتبُ إلى حاكمِ البلدِ الذي فيه الزَّوجُ ويُعرِّفُه ذلكَ، فإذا وصَلَ الكِتابُ إلى المكتوبِ إليهِ .. استَدعَى الزوجَ
стр. 11600
وعرَّفَه ذلكَ، فإنْ سارَ إليها وتَسلَّمَها، أو وكَّلَ مَنْ يَتسلمُها فتَسلَّمَها الوكيلُ .. وجَبَتْ عليه نفقتُها مِنْ حِينِ تَسلَّمَها هو أو وَكيلُه.
وإنْ أمكَنَه السيرُ فلَم يَسِرْ ولا وَكيلُه .. فإنه إذا مضَتْ عليهِ مُدةٌ لو أرادَ المَسيرَ إليها أمكَنَه ذلكَ .. فإنَّ الحاكِمَ يَفرضُ لها النَّفقةَ مِنْ حينِ مُضيِّ مُدةِ السفرِ إليها؛ لأنه قد كانَ يُمكنُه التَّسلُّمُ فلَم يَفعلْ، فإذا لم يَفعلْ .. صارَ مُمتنِعًا مِنْ تَسلُّمِها، فوجَبَتْ عليه النَّفقةُ.
قالَ الشافِعيةُ: وإنْ لم يُمكنْه المَسيرُ لعَدمِ الرِّفقةِ أو لخَوفِ الطريقِ .. لم تَجبْ عليه النَّفقةُ حتَّى يُمكنَه المَسيرُ؛ لأنه غيرُ مُمتنعٍ مِنْ تسلُّمِها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ بذَلَتِ الزوجةُ نفسَها أو بذَلَ وَليُّها تَسليمَ نفسِها والزَّوجُ غائبٌ لم يُفرضْ لها النَّفقةُ حتى يُراسلَه حاكِمُ الشَّرعِ؛ لأنها بذَلَتْ في حالٍ لا يُمكنُه التَّسلُّمُ فيه، فيَكتبُ القاضي إلى حاكِمِ البلدِ الذي هو فيه ليَستدعيَه ويُعلِمَه ذلكَ، فإنْ سارَ الزوجُ إليها أو وكَّلَ مَنْ يَتسلمُها له ممَّن يَحلُّ له ذلكَ كمَحرمِها فوصَلَ فتَسلَّمَها الزوجُ أو نائبُه وجَبَتِ النَّفقةُ حِينئذٍ؛ لأنَّ البذلَ قبلَ ذلكَ وُجودُه كعَدمِه.
فإنْ لم يَفعلْ فرَضَ الحاكِمُ عليه نَفقتَها مِنْ الوَقتِ الذي كانَ يُمكنُ الوُصولُ إليها وتَسلُّمُها؛ لأنه امتَنعَ مِنْ تَسلُّمِها مع إمكانِه وبَذلِها له، فلَزمتْه نَفقتُها كما لو كانَ حاضرًا.
стр. 11601
وإنْ غابَ الزَّوجُ بعدَ تَمكينِها مِنْ نَفسِها فالنَّفقةُ واجِبةٌ عليه في غَيبتِه، سَواءٌ سلمها أو لا؛ إذ المانعُ منه (١).
وقالَ المالِكيةُ: الزَّوجُ إذا غابَ عن زَوجتِه فرفَعَتْ أمْرَها فطلَبَتْ نَفقتَها فإنَّ الحاكِمَ أو جَماعةَ المُسلمينَ عند عَدمِه يَفرضُ لها ذلكَ على قَدرِ وُسعِه وحالِها في مالِه الحاضِرِ أو الغائبِ المَرجوِّ، وكذلكَ يَفرضُ لها نَفقتَها في دَينِه الذي على الناسِ بعدَ إقرارِ المَدينِ، وكذلكَ يَفرضُ لها في وَديعتِه التي أودَعَها الناسَ.
وسَواءٌ كانَ مَدخولًا بها أو لا، لكنْ لا يَفرضُ لها ذلكَ إلا بعدَ يَمينِها أنه ما ترَكَ لها نَفقةً ولا أرسَلَ بها إليها ولا أسقَطَتْها عنه، وتُباعُ في ذلكَ عُروضُه وأملاكُه بعدَ تَأجيلِه في الأملاكِ كما لو قُيِّمَ عليهِ بحَقٍّ (٢).
وقد تَقدَّمَ كلامُ الحَنفيةِ في المَسألةِ السابقةِ بالتَّفصيلِ.
إذا أنفَقَتِ المرأةُ على نَفسِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو امتَنعَ الزَّوجُ مِنْ النَّفقةِ أو غابَ الزَّوجُ وأنفَقَتِ الزَّوجةُ على نفسِها أو استَدانَتْ وأنفَقتْ على نفسِها، هل لها حَقُّ الرُّجوعِ عليه مُطلَقًا؟ أم لا يَحقُّ لها الرُّجوعُ إلا إذا حكَمَ بها حاكِمٌ؟ أم إذا أنفَقَتْ
стр. 11602
وهو مَليءٌ تَرجعُ عليهِ أو وهوَ مُعسِرٌ لا تَرجعٌ عليهِ؟ للفُقهاءِ في ذلكَ ثَلاثةُ أقولٍ.
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجَ إذا لم يُنفِقْ على زَوجتِه مُدةً مِنْ الزَّمنِ وطالَبَتْهُ بما أنفَقَتْ على نَفسِها مِنْ مالِها أو ما استَدانتْه فلا شيءَ لها، إلَّا أنْ يكونَ القاضي فرَضَ لها النَّفقةَ، أو صالحَتِ الزَّوجَ على مِقدارِها، فيَقضي لها بنَفقةِ ما مضى؛ لأنَّ النَّفقةَ صِلَةٌ وليسَتْ بعِوضٍ، فلا يَستحكمُ الوُجوبُ فيها إلَّا بالقضاءِ؛ لأنها نَفقةٌ تَجبُ يَومًا فيَومًا، فسقَطَ بتَأخيرِها إذا لم يَفرضْها الحاكمُ كنَفقةِ الأقاربِ، ولأنَّ نَفقةَ الماضي قد استُغنيَ عنها بمُضيِّ وَقتِها، فتَسقطُ كنَفقةِ الأقاربِ.
أمَّا إذا فرَضَ القاضي لها النَّفقةَ فلم يُنفِقْ عليها حتَّى مضَتْ مُدةٌ كانَ لها المُطالَبةُ بذلكَ؛ لأنها تَصيرُ دَينًا في ذِمتِه، وكذا إذا فرَضَها الزوجُ على نَفسِه باصطِلاحِها؛ لأنَّ فرْضَه آكَدُ مِنْ فَرضِ الحاكِمِ؛ لأنَّ وِلايتَه على نَفسِه أقوَى مِنْ وِلايةِ القاضِي عليه، وإذا صارَتْ دَينًا بالقَضاءِ أو بالاصطِلاحِ لم تَسقطْ بطُولِ الزمانِ، إلا إذا ماتَ أحدُهُما أو وقَعَتِ الفُرقةُ حِينئذٍ تَسقطُ.
فإذا ماتَ الزوجُ بعدَما قضَى عليهِ بالنَّفقةِ أو مضَتْ شُهورٌ سقَطَتْ، وكذا إذا ماتَتْ الزوجةُ؛ لأنَّ النَّفقةَ صِلَةٌ، والصِّلةُ تَبطلُ بالموتِ، كالهِبةِ تَبطلُ بالمَوتِ قبلَ القَبضِ.
ولو أبرَأتْ زوْجَها مِنْ نَفقتِها في الأوقاتِ المُستقبَلةِ لم تَصحَّ البَراءةُ؛ لأنَّها بَراءةٌ عمَّا سيَجبُ، فلا يَصحُّ.
стр. 11603
ولو فرَضَ القاضِي لها النَّفقةَ على الزوجِ وأنفَقَتْ مِنْ مالِها فلها الرُّجوعُ في مالِ الزوجِ ما داما حَيَّينِ، وتَسقطُ بمَوتِ أحَدِهما، إلَّا أنْ يَكونَ ما أنفَقَتْه دَينًا بأمرِ القاضي فإنهُ لا يَسقطُ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا لم يُنفِقْ على زَوجتِه وأنفقَتْ على نفسِها مِنْ مالِها أو استَدانَتْ لم تَسقطِ النَّفقةُ بذلكَ وكانَتْ هذهِ النَّفقةُ دَينًا في ذمَّتِه، سَواءٌ كانَ ترَكَ الإنفاقَ عليها لعُذرٍ أو لغيرِ عُذرٍ، سَواءٌ حكَمَ بها حاكِمٌ أو لم يَحكمْ بها، وسَواءٌ كانَ حاضِرًا أم غائبًا.
لِما رواهُ نافِعٌ عن ابنِ عُمرَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ كتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم يَأمرُهم أنْ يَأخذُوهُم أنْ يُنفِقُوا أو يُطلِّقُوا، فإنْ طلَّقُوا بَعَثوا بنَفقةِ ما حَبَسوا» (٢)، ولم يُخالِفْ عُمرَ ﵁ في ذلكَ مِنهم مِخالفٌ.
ولأنها حَقٌّ يَجبُ معَ اليَسارِ والإعسارِ، فلَم يَسقطْ بمُضيِّ الزمانِ كأجرةِ العَقارِ والدُّيونِ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: هذهِ نَفقةٌ وَجبَتْ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، ولا يَزولُ ما وجَبَ بهذه الحُججِ إلا بمِثلِها، ولأنها عِوضٌ واجِبٌ، فأشبَهَتِ الأجرةَ.
стр. 11604
وفارَقَ نَفقةَ الأقاربِ؛ فإنها صِلةٌ يُعتبَرُ فيها اليَسارُ مِنْ المنفِقِ والإعسارُ ممَّن تَجبُ له، وجَبَتْ لتَزجيةِ الحالِ، فإذا مَضَى زَمنُها استَغنَى عنها، فأشبَهَ ما لو استَغنَى عنها بيَسارِه، وهذهِ بخِلافِ ذلكَ.
إذا ثبَتَ هذا فإنه ترَكَ الإنفاقَ عَليها مع يَسارِه، فعَليهِ النَّفقةُ بكَمالِها، وإنْ ترَكَها لإعسارِه لم يَلزمْه إلا نَفقةُ المُعسِرِ؛ لأنَّ الزائدَ سقَطَ بإعسارِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا كانَ مَليئًا غيرَ مُعسِرٍ فأنفَقَتِ الزوجةُ مِنْ مالِها على نَفسِها فإنَّ هذا الدَّينَ يَثبتُ في ذمَّتِه ويَكونُ دَينًا عليه تُطالِبُه، سَواءٌ كانَ حاضِرًا أم غائبًا، وأما إذا أنفَقتْ على نفسِها في غَيبتِه أو في حَضرتِه وهو مُعسِرٌ فلا شيءَ لها عليهِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وهذا مُعسِرٌ لم يُؤتِه شَيئًا فلا يُكلَّفُ بشَيءٍ.
فإذا سقَطتْ فأنفَقتْ على نَفسِها شَيئًا في زَمنِ إعسارِه فإنها لا تَرجعُ عليه بشَيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لأنها ساقِطةٌ عنه في هذه الحالةِ، وتُحمَلُ على التَّبرعِ، وسَواءٌ كانَ في حالِ الإنفاقِ حاضِرًا أو غائبًا، والمُرادُ بالسُّقوطِ عَدمُ اللزومِ؛ لانتِفاءِ تَكليفِه حينَ العُسرِ.
стр. 11605
وإنما لها إذا لم يَقدرِ الزوجُ على النَّفقةِ أنْ تَرضَى بالمقامِ معَه أو يُفارقَها.
قالَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ إنْ كانَتِ المَرأةُ مُوسِرةً وكانَ الزَّوجُ مُوسرًا أو مُعسرًا فكانَتْ تُنفقُ مِنْ مالِها على نَفسِها وعلى زوجِها ثم جاءَتْ تَطلبُ النَّفقةَ؟ (قالَ): لا شَيءَ لها في رأيِي فيما أنفَقَتْ على نَفسِها إذا كانَ الزوجُ في حالِ ما أنفَقتْ مُعسرًا، وإنْ كانَ الزوجُ مُوسرًا فذلكَ دَينٌ عليهِ، وأما ما أنفَقتْ على زَوجِها فذلكَ دَينٌ عليه، مُوسرًا كانَ أو مُعسرًا، إلا أنْ يُرى أنه كانَ منها لزَوجِها على وَجهِ الصِّلةِ …
(قلتُ): أرَأيتَ إنْ أنفَقتِ المَرأةُ وهو غائِبٌ وهو مُعسرٌ في حالِ ما أنفَقتْ، أيَكونُ ذلكَ دَينًا لها عليه أم لا؟ (قالَ): لا يَكونُ ذلكَ دَينًا عليهِ، كذلكَ قالَ مالكٌ، (قلتَ): ولِمَ؟ (قالَ): لأنَّ الرجلَ إذا كانَ مُعسرًا لا يَقدرُ على النَّفقةِ فليسَ لها عليهِ النَّفقةُ، إنما لها أنْ تُقيمَ معَه أو يُطلِّقَها، كذلكَ الحُكمُ فيها.
(قلتُ): أرَأيتَ إنْ أنفَقتْ وهو غائِبٌ مُوسرٌ أتَضرِبُ بنَفقتِها مع الغُرماءِ؟ (قالَ): نعمْ، (قلتُ): أرَأيتَ إنْ أنفَقتْ على نَفسِها وعلى وَلدِها والزوجُ غائبٌ ثم طلَبتْ ذلكَ؟ (قالَ مالِكٌ): ذلكَ لها إنْ كانَ مُوسرًا يومَ أنفَقتْ على نَفسِها وعلى ولدِها إذا كانوا صِغارًا أو جَواريَ أبكارًا، حضَرَ أو لم يَحضرْ، وهو رأيِي، (قلتُ): فهل تَضربُ بما أنفَقتْ على الوَلدِ مع الغُرماءِ؟ (قالَ): لا (١).
стр. 11606
تَقديرُ نَفقةِ الزَّوجةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مِقدارِ نَفقةِ الزَّوجةِ، هل هيَ مُعتبَرةٌ بحالِ الكفايةِ وتَختلفُ باختِلافِ مَنْ تَجبُ له النَّفقةُ؟ أم هي مُقدَّرةٌ بمِقدارٍ لا يَختلفُ في القلَّةِ والكَثرةِ؟ أم هي مُعتبرةٌ بعادةِ أمثالِ الزَّوجةِ وحالِ البلدِ؟ أم مُعتبَرةٌ بما يَفرضُه القاضِي؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النَّفقةَ غيرُ مُقدَّرةٍ في الشرعِ، وإنما مُقدَّرةٌ بكِفايتِها بلا تَقتيرٍ ولا إسرافٍ، واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مُطلقًا عن التَّقديرِ، فمَن قدَّرَ فقدْ خالَفَ النصَّ، ولأنه أوجَبَها باسمِ الرِّزقِ، ورِزقُ الإنسانِ كِفايتُه في العُرفِ والعادةِ، كرِزقِ القاضي والمُضارِبِ.
وبما رَوتْ عائِشةُ ﵂ أنَّ هِندَ بنتَ عُتبةَ قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ وليسَ يُعطينِي ما يَكفيني ووَلَدي إلا ما أخَذتُ منهُ وهو لا يَعلمُ، فقالَ: خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (١)، نَصَّ عليهِ أفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ على الكِفايةِ؛ لأنه أمَرَها بأخذِ ما يَكفيها مِنْ غيرِ تَقديرٍ، ورَدَّ الاجتهادَ في ذلكَ إليها، فدَلَّ أنَّ نَفقةَ الزَّوجةِ مُقدَّرةٌ بالكِفايةِ، ولأنها وجَبَتْ
стр. 11607
بكَونِها مَحبوسةً بحَقِّ الزَّوجِ مَمنوعةً عن الكَسبِ لحَقِّه، فكانَ وُجوبُها بطَريقِ الكِفايةِ.
وقالَ النبي ﷺ : «ولَهنَّ عَليكُم رِزقُهنَّ وكِسوَتُهنَّ بالمَعروفِ» (١)، وإيجابُ أقلَّ مِنْ الكِفايةِ في الرِّزقِ تَركٌ للمَعروفِ، وإيجابُ قَدرِ الكِفايةِ وإنْ كانَ أقلَّ مِنْ مُدٍّ أو مِنْ رَطلَي خُبزٍ إنفاقٌ بالمَعروفِ، فيَكونُ ذلكَ هو الواجِبَ بالكِتابِ والسُّنةِ.
وعن حَكيمِ بنِ مُعاويةَ القُشَيريِّ عن أبيه عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: سَألَه رَجلٌ: «ما حَقُّ المَرأةِ على الزوجِ؟ قالَ: تُطعمُها إذا طَعِمتَ وتَكسوها إذا اكتَسَيتَ، ولا تَضربِ الوَجهَ ولا تُقبِّحْ، ولا تَهجرْ إلا في البَيتِ».
وفي لَفظٍ: «أطعِموهنَّ ممَّا تَأكلونَ، وأكسُوهنَّ ممَّا تَكتسونَ، ولا تَضربوهنَّ ولا تُقبِّحوهنَّ» (٢)، فهذا عامٌّ غيرُ مُقدَّرٍ.
ولقِياسِ نَفقةِ الزَّوجةِ على نَفقةِ الأقاربِ وهي غَيرُ مُقدَّرةٍ بنَفسِها، بل بالكِفايةِ، والتَّقديرُ بالوَزنِ في الكفَّاراتِ ليسَ لكَونِها نَفقةً واجِبةً، بل لكَونِها عِبادةً مَحضةً؛ لوُجوبِها على وَجهِ الصَّدقةِ كالزكاةِ، فكانَتْ مُقدَّرةً بنفسِها كالزكاةِ، ووُجوبُ هذهِ النَّفقةِ ليسَ على وَجهِ الصَّدقةِ، بل على وَجهِ الكِفايةِ، فتَتقدَّرُ بكِفايتِها كنَفقةِ الأقاربِ.
فلا يَصحُّ اعتِبارُ النَّفقةِ بالكفَّاراتِ؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا تَختلفُ باليَسارِ
стр. 11608
والإعسارِ، ولا هي مُقدرَّةٌ بالكِفايةِ، وإنما اعتبَرَها الشرعُ بها في الجِنسِ دونَ القَدرِ، ولهذا لا يَجبُ فيها الأُدمُ.
ولأنَّ النَّفقةَ في مُقابلةِ الاستِمتاعِ، وما تَبذلُه مِنْ ذلكَ غيرُ مَحدودٍ، فكذلكَ العِوضُ عنه.
وإذا كانَ وُجوبُها على سَبيلِ الكِفايةِ فيَجبُ على الزوجِ مِنْ النَّفقةِ قَدرُ ما يَكفيها مِنْ الطَّعامِ والإدامِ والدُّهنِ؛ لأنَّ الخُبزَ لا يُؤكلُ عادَةً إلا مَأدومًا، والدُّهنُ لا بُدَّ منه للنِّساءِ، ولا تُقدَّرُ نَفقتُها بالدَّراهمِ والدنانيرِ على أيِّ سِعرٍ كانَتْ؛ لأنَّ فيهِ إضرارًا بأحَدِ الزَّوجينِ؛ إذ السِّعرُ قد يَغلُو وقد يَرخصُ، بل تُقدَّرُ لها على حَسبِ اختلافِ الأسعارِ غَلاءً ورُخصًا؛ رِعايةً للجانبَينِ، ويَجبُ عليه مِنْ الكِسوةِ في كلِّ سَنةٍ مرَّتينِ صَيفيةٌ وشَتويةٌ؛ لأنها كما تَحتاجُ إلى الطعامِ والشَّرابِ تَحتاجُ إلى اللِّباسِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنَّ مِقدارَ النَّفقةِ مُقدَّرٌ مُحدَّدٌ، إلا أنه مُختلِفٌ باليَسارِ والإعسارِ والتوسُّطِ عندَ الشافِعيةِ.
стр. 11609
فإنْ كانَ الزوجُ مُوسِرًا فالواجِبُ عليه مُدَّانِ، وإذا كانَ مُعسرًا فالواجِبُ عليه مُدٌّ، وإنْ كانَ مُتوسطًا فالواجبُ عليه مُدٌّ ونِصفٌ.
واحتَجُّوا لأصلِ التَّفاوتِ بقَولِه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وأما ذلكَ التَّقديرُ فبالقِياسِ على الكفَّارةِ؛ بجِامعِ أنَّ كُلًّا منهُما مالٌ يَجبُ بالشَّرعِ ويَستقرُّ في الذمَّةِ، وأكثَرُ ما وجَبَ في الكفَّارةِ لكُلِّ مِسكينٍ مُدَّانِ، وذلكَ في كفَّارةِ الأذى في الحجِّ، وأقلُّ ما وجَبَ له مُدٌّ في نحوِ كفَّارةِ الظِّهارِ، فأوجَبُوا على المُوسرِ الأكثَرَ وهو مُدَّانِ؛ لأنه قَدرُ المُوسعِ، وعلى المُعسِرِ الأقلُّ وهو مُدٌّ؛ لأنَّ المدَّ الواحِدَ يَكتفِي به الزهيدُ ويَقتنعُ به الرَّغيبُ، وعلى المتوسِّطِ ما بينَهُما؛ لأنه لو أُلزمَ المُدَّينِ لَضرَّه، ولو اكتُفيَ منه بمُدٍّ لَضرَّها، فلَزمَه مدٌّ ونِصفٌ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأما مِقدارُها فهو مُختلِفٌ باليَسارِ والإعسارِ والتوسُّطِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ المِقدارُ مُختلِفًا؛ لاختِلافِ الأحوالِ، وأنْ يُعتبَرَ بأصلٍ يُحمَلُ عليه ويُؤخَذُ المِقدارُ منه، فكانَ أَولى الأصولِ بها الكفَّاراتُ لأمرَينِ:
أحَدُهما: أنه طَعامٌ يُقصدُ به سَدُّ الجَوعةِ.
والثاني: أنه طَعامٌ يَستقرُّ ثُبوتُه في الذمَّةِ.
ثم وجَدْنا أكثَرَ الطَّعامِ المُقدَّرِ في الكفَّاراتِ فِديةَ الأذَى، قُدِّرَ فيها لكلِّ مِسكينٍ مُدَّانِ، فجَعلْناهُ أصلًا لنَفقةِ المُوسرِ، فأوجَبْنا عليهِ لنَفقةِ زَوجتِه في يَومٍ مُدَّينِ، ولأنه أكثَرُ ما يَقتاتُه الإنسانُ في الأغلَبِ، ووجَدْنا أقلَّ الطَّعامِ
стр. 11610
المقدَّرِ في الكفَّاراتِ كفَّارةَ الوَطءِ في شَهرِ رمضانَ، عليهِ لكلِّ مِسكينٍ مُدٌّ، فجعَلْناهُ أصلًا لنَفقةِ المُعسرِ، وأوجَبْنا عليهِ لنَفقةِ زَوجتِه في كلِّ يَومٍ مُدًّا، ولأنه أقَلُّ ما يَقتاتُه الإنسانُ في الأغلَبِ، ثمَّ وجَدْنا المُتوسِّطَ يَزيدُ على حالِ المُقتِرِ ويَنقصُ عن حالِ المُوسِرِ، فلَم نَعتبِرْه بالمُعسرِ لِما يَدخلُ على الزَّوجةِ مِنْ حَيفِ النقصانِ، ولم نَعتبِرْه بالمُوسرِ لِما يَدخلُ على الزوجِ مِنْ حَيفِ الزيادةِ، فعامَلْناهُ بالتوسُّطِ بينَ الأمرَينِ، وأوجَبْنا عليه مُدًّا ونِصفًا، لأنه نِصفُ نَفقةِ مُوسرٍ ونِصفُ نفقةِ مُعسرٍ.
فأما المُوسرُ: فهو الذي يَقدرُ على نَفقةِ المُوسِرينَ في حقِّ نفسِه وحقِّ كلِّ مَنْ تَلزمُه نَفقتُه مِنْ كَسبِه لا مِنْ أصلِ مالِه.
وأما المُعسرُ: فهو الذي لا يَقدرُ أنْ يُنفقَ مِنْ كَسبِه على نفسِه وعلى مَنْ تَلزمُه نَفقتُه إلا نَفقةَ المُعسرينَ، وإنْ زادَ عليها كانَتْ مِنْ أصلِ مالِه لا مِنْ كَسبِه.
وأما المتوسِّطُ: فهو الذي يَقدرُ أنْ يُنفقَ مِنْ كَسبِه على نفسِه وعلى مَنْ تَلزمُه نَفقتُه نَفقةَ المُتوسِّطينَ، فإنْ زادَ عليها كانَتْ مِنْ أصلِ مالِه، وإنْ نقَصَ عنها فضَلَ مِنْ كَسبِه، فيكونُ اليَسارُ والإعسارُ بالكَسبِ في وُجوبِ النَّفقةِ، ولا يُعتبَرُ بأصلِ المالِ كما يُعتبَرُ ذلكَ في الكفَّاراتِ، وسَواءٌ كانَ المقدَّرُ للزَّوجةِ -وهو شِبَعُها- أو كانَ زائدًا أو مُقصِّرًا، فإنْ زادَ على شِبعِها كانَتِ الزيادةُ مِلكًا لها، وإنْ نقَصَ ولم تَقدرْ على التشبُّعِ به كانَ الزوجُ بالخِيارِ بينَ أنْ يُتمِّمَ لها قدْرَ شِبعِها وبينَ أنْ يمكِّنَها مِنْ اكتِسابِه، فأيَّهُما فعَلَ فلا خِيارَ
стр. 11611
لها، فإنْ مكَّنَها فلَم تَقدرْ على اكتِسابِ كِفايتِها صارَتْ مِنْ أهلِ الصَّدقاتِ تَأخذُ باقي كِفايتِها مِنْ الزكَواتِ والكفَّاراتِ (١).
وقالَ القاضي مِنْ الحَنابلةِ: الواجِبُ مُقدَّرٌ بمِقدارٍ لا يَختلفُ في الكَثرةِ والقلَّةِ، فيَجبُ لكلِّ يَومٍ رَطلانِ مِنْ الخُبزِ في حقِّ المُوسرِ والمعسِرِ والمتوسِّطِ؛ اعتِبارًا بالكفَّاراتِ، وإنما تَختلفانِ في صِفةِ جودَتِه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ القاضي يُقدِّرُها باجتِهادِه (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنها لا تتقدَّرُ بالمَقاديرِ المَذكورةِ، بل يُتبعُ فيها عُرفُ البلدِ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما مِقدارُ النَّفقةِ فذهَبَ مالكٌ إلى أنها غيرُ مُقدَّرةٍ بالشَّرعِ، وأنَّ ذلكَ راجِعٌ إلى ما يَقتضيهِ حالُ الزوجِ وحالُ الزَّوجةِ، وأنَّ ذلكَ يَختلفُ بحَسبِ اختِلافِ الأمكِنةِ والأزمِنةِ والأحوالِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ.
وذهَبَ الشافِعيُّ إلى أنها مُقدَّرةٌ، فعَلى المُوسرِ مُدَّانِ، وعلى الأوسَطِ مدٌّ ونِصفٌ، وعلى المُعسرِ مدٌّ.
стр. 11612
وسَببُ اختِلافِهم: تَردُّدُ حَملِ النَّفقةِ في هذا البابِ على الإطعامِ في الكفَّارةِ أو على الكِسوةِ؟ وذلكَ أنهُم اتَّفقُوا أنَّ الكِسوةَ غيرُ مَحدودةٍ وأنَّ الإطعامَ مَحدودٌ (١).
هلِ النَّفقةُ تُعتبَرُ بحالِ الزَّوجينِ أم بحَالِ الزوجِ أم بِحالِها؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في النَّفقةِ هل تُعتبرُ بحالِ الزَّوجينِ جَميعًا؟ أم بحالِ الزَّوجِ؟ أم بِحالِ الزوجةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المُفتَى به عندَهُم والمالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُعتبَرَ حالُ الزَّوجينِ جَميعًا، فيَجبُ على الزَّوجِ المُوسرِ لزَوجتِه المُوسرةِ نَفقةُ المُوسِرينَ، وعلى المُعسرِ لزَوجتِه المُعسرةِ نَفقةُ المُعسرينَ، وعلى المُوسرِ للفَقيرةِ نَفقةُ المُتوسِّطينَ، وعلى الفقيرِ للمُوسرةِ أقلُّ الكِفايةِ.
قالَ الحَنفيةُ: تُعتبَرُ النَّفقةُ بحالِهما جَميعًا، مُوسِرًا كانَ الزَّوجُ أو مُعسِرًا، فإذا كانَا مُوسِرينِ تَجبُ نَفقةُ اليَسارِ، وإنْ كانَا مُعسِرينِ فنَفقةُ الإعسارِ، وإنْ كانَتْ مُعسِرةً والزَّوجُ مُوسرًا فنَفقتُها دونَ نَفقةِ المُوسِراتِ وفَوقَ نَفقةِ المُعسراتِ، وإنْ كانَ مُعسرًا وهي مُوسِرةٌ فنَفقةُ الإعسارِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] الآيَة (٢).
стр. 11613
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: الاعتبارُ في نَفقاتِ الزَّوجاتِ بحالِ الزَّوجينِ معًا، يَفرضُ لها كِفايتَها على ما يَرَى مِنْ قَدرِها وقَدرِه في العُسرِ واليُسرِ، وليسَتْ بقَدرٍ مَحدودٍ (١).
قالَ الموَّاقُ ﵀: قالَ اللَّخميُّ: المُعتبَرُ في النَّفقةِ حالُ الزَّوجينِ وحالُ بَلدِهما وزَمنُها وسِعرُها، وقالَ ابنُ عَرفةَ: نَقلُ ابنِ عبدِ السَّلامِ اعتبارَ حالِ الزَّوجِ فقطْ لا أعرِفُه (٢).
وجاءَ في «أسهَل المَداركِ شَرح إرشَادِ السَّالكِ في مَذهبِ الإمامِ مالِكٍ»: قالَ ﵀: «وهي مُعتبَرةٌ بحالِها، فيَجتهدُ الحاكِمُ بفَرضِ كِفايتِها ممَّا لا غِنى لها عنه».
يعَني كما أشارَ بذَلكَ خَليلٌ قولُه: يَجبُ لمُمكِّنةٍ مُطيقةٍ للوَطءِ على بالغٍ وليسَ أحَدُهما مُشرِفًا قُوتٌ وإدامٌ وكِسوةٌ ومَسكنٌ بالعادةِ بقَدرِ وُسعِه وحالِها والبلدِ والسَّفرِ وإنْ أَكُولةً، وتَزدادُ المُرضِعُ ما تَقوَى به، إلا المَريضةَ وقَليلةَ الأكلِ فلا يَلزمُه إلا ما تَأكلُ على الأصوَبِ. اه
قولُه: «وهيَ مُعتبَرةٌ بحالِها» هذا غيرُ مَشهورٍ، والمَشهورُ في المَذهبِ أنه يُعتبَرُ في تَقديرِ النَّفقةِ بحالِ الزَّوجينِ معًا كما هو مَنصوصٌ (٣).
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ اعتِبارَ حالِهما لا بُدَّ منه، سواءٌ تَساويَا غِنًى أو فَقرًا، أو كانَ أحَدُهما غَنيًّا والآخَرُ فَقيرًا، لكنَّ اعتِبارَ حالِهما عندَ
حالَه، فإذا كانَا مُوسِرينِ فتَجبُ نَفقةُ اليَسارِ، وإنْ كانَا مُعسِرينِ فنَفقةُ الإعسارِ، وإنْ كانَا مُختلِفينِ فيُعتبَرُ حالُ الزَّوجِ (١).
وحكَى الإمامُ ابنُ قُدامةَ قَولًا عن أبي حَنيفةَ ومالِكٍ أن النَّفقةَ تُعتبَرُ بحالِ المَرأةِ على قَدرِ كِفايتِها؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والمَعروفُ الكِفايةُ، ولأنه سوَّى بينَ النَّفقةِ والكِسوةِ على قَدرِ حالِها، فكذلكَ النَّفقةُ، وقالَ النبيُّ ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ»، فاعتبَرَ كِفايتَها دونَ حالِ زَوجِها، ولأنَّ نَفقتَها واجبةٌ لدَفعِ حاجتِها، فكانَ الاعتبارُ بما تَندفعُ به حاجَتُها دونَ حالِ مَنْ وجَبَتْ عليهِ كنفقةِ المَماليكِ، ولأنه واجِبٌ للمَرأةِ على زوجِها بحُكمِ الزَّوجيةِ لم يُقدَّرْ، فكانَ مُعتبَرًا بها كمَهرِها (٢).
لكنْ ما حَكاهُ ابنُ قُدامةَ عنهُما غيرُ صَحيحٍ، والصَّحيحُ مِنْ مَذهبِهما أنه يُعتبَرُ بحالِ الزَّوجينِ كما تقدَّمَ.
стр. 11616
أنواعُ النَّفقةِ:
ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنَّ النَّفقةَ الواجِبةَ على الزَّوجِ لزَوجتِه ما يَلي:
أولاً: الطَّعَامُ والإِيدَامُ:
يَجبُ على الزَّوجِ أنْ يُطعِمَ زَوجتَه مِنْ غالِبِ قُوتِ البلدِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وذلكَ إشارةٌ إلى العُرفِ، وهذا الأمرُ يَختلفُ باختِلافِ الأزمانِ والبُلدانِ.
قالَ الحَنفيةُ: ولو جاءَ الزَّوجُ بطَعامٍ يَحتاجُ إلى الطَّبخِ والخَبزِ فأبَتِ المَرأةُ الطَّبخَ والخَبزَ فإنها لا تُجبَرُ على ذلكَ إنْ أبَتْ، ويُؤمَرُ الزوجُ أنْ يأتِيَ لها بطَعامٍ مُهيَّأٍ، ولو استَأجرَها للطَّبخِ والخَبزِ لم يَجُزْ، ولا يَجوزُ لها أخذُ الأجرةِ على ذلكَ؛ لأنها لو أخَذَتِ الأجرةَ لَأخذَتْها على عَملٍ واجِبٍ عليها في الفتوَى، فكانَ في مَعنَى الرِّشوةِ، فلا يَحلُّ لها الأخذُ.
وذكَرَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ أنَّ هذا إذا كانَ بها علَّةٌ لا تَقدرُ على الطبخِ والخَبزِ، أو كانَتْ مِنْ بَناتِ الأشرافِ، فأما إذا كانَتْ تَقدرُ على ذلكَ وهيَ ممَّن تَخدمُ بنَفسِها تُجبَرُ على ذلكَ (١).
هل يَجوزُ أنْ يَدفعَ لزَوجتِه مالاً مُقابلَ نَفقةِ الطَّعامِ؟
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّوجةَ إذا طلَبَتْ مِنْ الزَّوجِ مَكانَ الواجِبِ عليهِ
стр. 11617
مِنْ الخُبزِ والطَّعامِ دَراهمَ لم يَلزمْه بَذلُها، ولو عرَضَ عليها بدَلَ الواجِبِ لها دَراهمَ لم يَلزمْها قَبولُها؛ لأنَّ السِّعرَ يَغلُو ويَرخصُ، ولأنها مُعاوَضةٌ فلا يُجبَرُ واحِدٌ منهُما على قَبولِه.
واختَلفُوا إذا تَراضيَا على ذلكَ هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنهُما إنْ تَراضيَا على ذلكَ جازَ؛ لأنه طَعامٌ وجَبَ في الذِّمةِ لآدَميٍّ مُعيَّنٍ، فجازَتِ المُعاوضةُ عليهِ كالطَّعامِ في القَرضِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ إلى أنه لا يَجوزُ، كالمُسلَّمِ فيهِ وطَعامِ الكفَّارةِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: وللزَّوجِ أنْ يليَ الإنفاقَ بنَفسِه، إلَّا أنْ يَظهرَ عندَ القاضِي أنه لا يُنْفِقُ عَليها، فيَفرِضُ لها كلَّ شَهرٍ، ويُقدِّرَ النَّفقةَ بقَدرِ الغَلاءِ والرُّخصِ في كلِّ وَقتٍ، ولا يُقدِّرُ بالدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ لأنَّ السِّعرَ يَغلُو ويَرخصُ، ولأنَّ فيه إضرارًا بأحَدِ الزَّوجينِ؛ إذ السِّعرُ قد يَغلُو وقد يَرخصُ، بل تُقدَّرُ لها دَراهمُ أو دَنانيرُ على حَسبِ اختلافِ الأسعارِ غَلاءً ورُخصًا رِعايةً للجانبَينِ، ولو صالحَتْه مِنْ النَّفقةِ على ما لا يَكفيها كمَّلَها القاضي إنْ طلَبَتْ ذلكَ (٢).
стр. 11618
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يُعطيَ الزَّوجةَ عن جَميعِ ما لَزمَه مِنْ نَفقةٍ وكِسوةٍ ثَمنًا.
ومَحلُّ الجَوازِ إنْ رضِيَتِ المَرأةُ بذلكَ؛ وذلكَ لأنَّ الواجِبَ على الزَّوجِ الذي يُقضَى عليه به ابتِداءً الأعيانُ، لكنْ يَجوزُ له أنْ يَدفعَ الأثمانَ إنْ رَضيَتِ الزوجةُ بها، ويَلزمُ الزوجَ أنْ يَزيدَها إنْ غَلا سِعرُ الأعيانِ بعدَ أنْ قبَضَتْ ثمَنَها، ويَرجعُ عليها إنْ نقَصَ سِعرُها ما لم يَسكتْ مدَّةً، وإلا حُملَ على أنه أرادَ التوسِعةَ عليها، وهذا كلُّه ما لمْ تَكنْ اشتَرَتِ الأعيانَ قبلَ غُلوِّها أو قبلَ الرُّخصِ، وإلا فلا يَزيدُها شَيئًا في الأولِ، ولا يَرجعُ عليها بشَيءٍ في الثَّاني (١).
تَسقطُ النَّفقةُ إذا أكلَتِ المرأةُ مع زَوجِها:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا كانَتْ تَأكلُ مع زَوجِها فإنَّ نَفقتَها تَسقطُ.
قالَ الحَنفيةُ: الرَّجلُ إذا كانَ صاحِبَ مائِدةٍ وطَعامٍ كَثيرٍ تَتمكَّنُ هي مِنْ التناوُلِ قدْرَ كِفايتِها ليسَ لها أنْ تُطالِبَ زوْجَها بفَرضِ النَّفقةِ، وإنْ لم يَكنْ على هذهِ الصِّفةِ بأنْ ظهَرَ عندَ القاضي مَطلُه وأنه يُضارُّها فحِينئذٍ تُفرَضُ لها النَّفقةُ دَراهمَ بقَدرِ حالِهما، ويَأمرُه أنْ يُعطيَها لتُنفِقَ على نفسِها، فإنْ لم يُعْطِ حبَسَه (٢).
стр. 11619
وقالَ المالِكيةُ: تُؤمرُ المَرأةُ بأنْ تَأكلَ مع زَوجِها؛ لِما في ذلكَ مِنْ التودُّدِ وحُسنِ العِشرةِ، ولا تُجبَرُ عليهِ في باب الحُكمِ، وإذا أكلَتْ معه سَقطتْ نَفقتُها مُدةَ أكلِها معَه ولو كانَتِ النَّفقةُ مُقرَّرةً، والكِسوةُ كالنَّفقةِ، فإذا كَساها معَه فليسَ لها غيرُها.
إلا أنَّ لها الامتناعَ مِنْ الأكلِ معَه وتَطلبُ فرْضَها أو الأعيانَ لتَأكلَ وحْدَها، وهذا إذا ما لم تَلتزِمِ الأكلَ معَه، وإلا فلَيسَ لها الامتناعُ.
وقيلَ: لها أيضًا الامتِناعُ ولو التَزمَتِ الأكلَ معه.
فلو أكلَتْ معَه ثَلاثةَ أيامٍ وطلَبَتِ الفَرضَ بعدَ ذلكَ سقَطَتْ نَفقةُ الأيامِ الثَّلاثةِ عنه، وقَضَى لها بالفَرضِ بعدَ ذلكَ … وإذا طلَبَتْ نَفقةَ مُدةٍ ماضِيةٍ وادَّعى أنها أكلَتْ معَه فيها صُدِّقَ الزَّوجُ على الظاهرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: ولو أكَلَتِ المَرأةُ مع الزَّوجِ مُختارةً على العادةِ .. سقَطَتْ نَفقتُها؛ لجَريانِ الناسِ عليه في الأمصارِ، واكتِفاءِ الزَّوجاتِ به في أشرَفِ الأعصارِ، وهو زَمنُ رَسولِ اللهِ ﷺ والمُهاجرينَ والأنصارِ، ولم يُنقَلْ أنَّ امرأةً طالبَتْ بنَفقةٍ بعدَه، ولو كانَتْ لا تَسقطُ مع عِلمِ النبيِّ ﷺ بإطباقِهم عليه .. لَأعلَمَهم بذلكَ، ولَقضاهُ مِنْ تَرِكاتِهم …
стр. 11620
والثَّاني -وهو الأقيَسُ-: أنها لا تَسقطُ ولو أقامَا على ذلكَ أعوامًا؛ لأنه لم يُعْطِ الواجِبَ وتطوَّعَ بغَيرِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ أكلَتِ الزَّوجةُ مع زَوجِها عادةً أو كَساها بلا إِذنٍ منها أو مِنْ وليِّها وكانَ ذلكَ بقَدرِ الواجِبِ عليه ولم يَتبرَّعْ بذلكَ سقَطَتْ نَفقتُها وكِسوتُها؛ عَملًا بالعُرفِ، وإنِ اختَلفَا في نيَّةِ التَّبرعِ فالقَولُ قَولُه في ذلكَ أنه لم يَنْوِ التبرعَ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه، وهو أدرَى بنيَّتِه (٢).
ثانيًا: آلَةُ التَّنظيفِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنه يَجبُ على الزَّوجِ لزَوجتِه ما تَحتاجُه مِنْ المِشطِ والصابونِ والدُّهنِ لرَأسِها والسِّدرِ ونَحوِه ممَّا تَغسلُ به رأسَها وما يَعودُ بنَظافتِها؛ لأنَّ ذلكَ يُرادُ للتَّنظيفِ، فكانَ عليه كما أنَّ على المُستأجِرِ كنْسَ الدارِ وتَنظيفَها.
فأما الخِضابُ فإنه إنْ لم يَطلبْه الزوجُ منها لم يَلزمْه؛ لأنه يُرادُ للزِّينةِ، وإنْ طلَبَه منها فهوَ عليهِ.
وأما الطِّيبُ فما يُرادُ منه لقَطعِ السُّهولةِ كدَواءِ العرقِ لَزمَه؛ لأنه يُرادُ للتطيُّبِ، وما يُرادُ منه للتلذُّذِ والاستِمتاعِ لم يَلزمْه؛ لأنَّ الاستِمتاعَ
стр. 11621
حَقٌّ له، فلا يَجبُ عليهِ ما يَدعوهُ إليهِ، وهذا مَنصوصُ المَذاهبِ الأربَعةِ (١).
ولكنْ زادَ المالِكيةُ وُجوبَ كلِّ زِينةٍ تَستضرُّ بتَركِها ككُحلٍ ودُهنٍ مُعتادَينِ وحنَّاءٍ لمَن اعتادَتْ ذلكَ؛ لأن ترْكَ الكُحلِ يُضرُّ ببَصرِها، وترْكَ الحنَّاءِ والدُّهنِ والمِشطِ يُفسِدُ شعْرَها، لا صِباغًا فلا يَجبُ عليه (٢).
ثالثًا: مَتاعُ البَيتِ:
يَجبُ على الزوجِ كلُّ ما تَحتاجُه الزوجةُ مِنْ مَتاعِ البَيتِ مِنْ الفِراشِ واللِّحافِ والوِسادةِ والحَصيرِ على حَسبِ العادةِ، وكذا لها آلاتُ أكلٍ وشُربٍ وآلاتُ طَبخٍ ممَّا لا غِنَى عنهُ على حَسبِ العادةِ (٣).
رابعًا: السُّكنى:
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلِمينَ عَلى أنَّه يَجبُ عَلى الزَّوجُ لزَوجَتِه مَسكَنٌ
стр. 11622
عَلى قَدرِ يَسارهِما وإعسارِهِما؛ لقَولِه : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فإذا وَجبَتِ السُّكنى للمُطلَّقةِ فللَّتي في صُلبِ النِّكاحِ أَولى.
ولقَولِه تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ومِنَ المَعروفِ أنْ يُسكِنَها في مَسكَنٍ، ولأنَّها لا تَستَغني عنِ المَسكنِ للاستِتارِ عنِ العُيونِ والتَّصرُّفِ والاستِمتاعِ، ويَكونُ المَسكَنُ عَلى قَدرِ يَسارِه وإعسارِه وتوسُّطِه كمَا قُلنَا في النَّفقة؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، ولأنَّه واجِبٌ لهَا لمَصلحتِها في الدَّوامِ، فجرَى مَجرَى النَّفقة والكسوَةِ.
والمُعتمَدُ عندَ الشافِعيةِ وهوَ قَولٌ للمالِكيَّةِ أنَّ المُراعَى في السُّكنى أنْ يَكونَ المسكَنُ يَليقُ بها؛ لأنها لا تَملكُ الانتقالَ منه، فرُوعيَ فيه جانبُها، ولأنها تَتعيَّرُ بالمَنزلِ.
ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ المَسكنُ مِلكًا للزَّوجِ، فيَجوزُ إسكانُها في المَملوكِ والمُستأجَرِ والمُستعارِ بلا خِلافٍ (١).
стр. 11623
وقالَ الشافِعيةُ: لو سكَنَ معَها في مَنزلِها بإذنِها أو لامتِناعِها مِنْ النُّقلةِ معَه أو في مَنزلِ نحوِ أبيها بإذنِه أو مَنعِه مِنْ النُّقلةِ لم تَلزمْه الأجرةُ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: لو أرادَ الزَّوجُ أنْ يُسكِنَها مع ضرَّتِها أو مع أحمائِها كأمِّ الزَّوجِ وأختِه وبِنتِه مِنْ غَيرِها وأقاربِه فأبَتْ ذلكَ فعَليه أنْ يُسكِنَها في مَنزلٍ مُفرَدٍ؛ لأنَّهنَّ رُبَّما يُؤذينَها ويُضرِرْنَ بها في المُساكَنةِ، وإباؤُها دَليلُ الأذَى والضَّررِ، ولأنه يَحتاجُ إلى أنْ يُجامِعَها ويُعاشِرَها في أيِّ وَقتٍ يتَّفقُ، ولا يُمكنُه ذلكَ إذا كانَ معَهُما ثالِثٌ، حتَّى لو كانَ في الدارِ بُيوتٌ ففرَّغَ لها بَيتًا وجعَلَ لبَيتِها غَلقًا على حِدةٍ قالُوا: إنها ليسَ لها أنْ تُطالِبَه ببَيتٍ آخَرَ.
ولو كانَتْ في مَنزلِ الزَّوجِ وليسَ معَها أحَدٌ يُساكِنُها فشكَتْ إلى القاضِي أنَّ الزَّوجَ يَضربُها ويُؤذِيها سَألَ القاضِي جِيرانَها، فإنْ أخبَرُوا بما قالَتْ وهُم قَومٌ صالِحونَ فالقاضي يُؤدِّبُه ويَأمرُه بأنْ يُحسِنَ إليها، ويَأمرُ جِيرانَه أنْ يَتفحَّصوا عنها.
وإنْ لم يَكنِ الجِيرانُ قَومًا صالِحينَ أمَرَه القاضِي أنْ يُحوِّلَها إلى جِيرانٍ صالِحينَ، فإنْ أخبَرُوا القاضي بخِلافِ ما قالَتْ أقَرَّها هناكَ ولم يُحوِّلْها (٢).
стр. 11624
خامِسًا: الخَادمُ إنْ كانَتْ ممَّن تُخدَمُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ ممَّن لا تَخدِمُ نفْسَها لكَونِها مِنْ ذَوي الأقدارِ أو كانَتْ مَريضةً وجَبَ لهَا خادِمٌ، حرًّا كانَ أو عبْدًا، وعَليهِ أُجرَتُه ونَفقتُه؛ لقَولِه : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ومِن العِشرَةِ بالمَعروفِ أنْ يُقيمَ لها مَنْ يَخدُمُها، ولأنَّه ممَّا تَحتاجُ إلَيهِ فأشبَهَ النَّفقةَ؛ لأنَّه لا بُدَّ لها مِنْ خادِمٍ واحِدٍ يَقومُ بخِدمتِها ويَلي أُمورَ بيتِها حتَّى تَتفرَّغَ المرأةَ لحَوائجِ الزَّوجِ، فكانَ ذلكَ مِنْ حَوائجِ المَرأةِ مَنفعةً تَعودُ إلى الزَّوجِ، فيَكونُ ذلكَ على الزَّوجِ، ألَا ترَى أنَّه كما يُفرَضُ للقاضِي كفايةٌ في مالِ بيَتِ المالِ يُفرَضُ خادِمٌ لهُ أيضًا، كذَا هَهُنا.
واختَلفُوا هل يَجبُ لها أكثَرُ مِنْ خادِمٍ؟ أم لا يَجبُ إلَّا خادِمٌ واحِدٌ؟
فذهَبَ الإمامُ أبُو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه يَجبُ لها خادِمَانِ ولا يَجبُ أكثَرُ مِنْ ذلكَ، ورُويَ عنهُ رِوايةٌ أخرَى أنَّ المرأةَ إذا كانَتْ يَجلُّ مِقدارُها عَنْ خِدمةِ خادمٍ واحِدٍ وتَحتاجُ إلى أكثَرَ مِنْ ذلكَ يَجبُ لأكثَرَ مِنْ ذلكَ بالمَعروفِ، وبه أخَذَ الطَّحاويُّ، وجه ظاهِرِ قولِ أبي يُوسفَ أنَّ خِدمةَ امرأةٍ لا تَقومُ بخادِمٍ واحدٍ، بل تَقعُ الحاجةُ إلى خادمَينِ يَكونُ أحَدُهما مُعِينًا للآخَرِ، فأحَدُهما يَخدمُها في مَنزلِها، والثاني تُرسلُه إلى زَوجِها يَطلبُ منه النَّفقةَ ويَبتاعُ لها ما يَصلحُ لها وتُرسلُه إلى أبوَيها ويَقضي حَوائجَها (١).
стр. 11625
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلَى أنَّ الزَّوجةَ إذا لَم يكْفِها خادِمٌ واحِدٌ وكانَ حالُهُ تَحتملُ أخدَمَها خِدمةَ مِثلِها، كابنةِ الخَليفةِ والمَلكِ وشبهِهِما ممَّن لا يَكفيها خادمٌ واحدٌ، وأنَّ ذلكَ هو المُعاشَرةُ بالمَعروفِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ولأنه لمَّا وجَبَ إخدامُها بالواحِدِ لحاجتِها، كذلكَ إنِ احتاجَتْ إلى الزِّيادةِ عليها، ولأنه نَوعٌ مِنْ المُؤنةِ يَلزمُه لها، فكانَ الواجِبُ منه قدْرَ كِفايتِها؛ لأنَّ مِثلَ بناتِ المُلوكِ اللَّائي لهُنَّ خِدمةٌ كَثيرةٌ لا يَكفيها خادِمٌ واحدٌ؛ لأنها تَحتاجُ مِنْ غَسلِ ثِيابِها وإصلاحِ مَضجعِها وغيرِ ذلكَ إلى ما لا يَقومُ به الواحِدُ.
واعلَمْ أنه إذا عجَزَ عن الإخدامِ لم تُطلَّقْ عليه لذلكَ على المَشهورِ، وإذا تَنازعَا في كَونِها أهلًا للإخدامِ أو ليسَتْ أهلًا فهَلِ البيِّنةُ عليها أو عليهِ؟ قَولانِ (١).