← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.

стр. 11621

حَقٌّ له، فلا يَجبُ عليهِ ما يَدعوهُ إليهِ، وهذا مَنصوصُ المَذاهبِ الأربَعةِ (١). ولكنْ زادَ المالِكيةُ وُجوبَ كلِّ زِينةٍ تَستضرُّ بتَركِها ككُحلٍ ودُهنٍ مُعتادَينِ وحنَّاءٍ لمَن اعتادَتْ ذلكَ؛ لأن ترْكَ الكُحلِ يُضرُّ ببَصرِها، وترْكَ الحنَّاءِ والدُّهنِ والمِشطِ يُفسِدُ شعْرَها، لا صِباغًا فلا يَجبُ عليه (٢). ثالثًا: مَتاعُ البَيتِ: يَجبُ على الزوجِ كلُّ ما تَحتاجُه الزوجةُ مِنْ مَتاعِ البَيتِ مِنْ الفِراشِ واللِّحافِ والوِسادةِ والحَصيرِ على حَسبِ العادةِ، وكذا لها آلاتُ أكلٍ وشُربٍ وآلاتُ طَبخٍ ممَّا لا غِنَى عنهُ على حَسبِ العادةِ (٣). رابعًا: السُّكنى: اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلِمينَ عَلى أنَّه يَجبُ عَلى الزَّوجُ لزَوجَتِه مَسكَنٌ

стр. 11622

عَلى قَدرِ يَسارهِما وإعسارِهِما؛ لقَولِه : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فإذا وَجبَتِ السُّكنى للمُطلَّقةِ فللَّتي في صُلبِ النِّكاحِ أَولى. ولقَولِه تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ومِنَ المَعروفِ أنْ يُسكِنَها في مَسكَنٍ، ولأنَّها لا تَستَغني عنِ المَسكنِ للاستِتارِ عنِ العُيونِ والتَّصرُّفِ والاستِمتاعِ، ويَكونُ المَسكَنُ عَلى قَدرِ يَسارِه وإعسارِه وتوسُّطِه كمَا قُلنَا في النَّفقة؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾، ولأنَّه واجِبٌ لهَا لمَصلحتِها في الدَّوامِ، فجرَى مَجرَى النَّفقة والكسوَةِ. والمُعتمَدُ عندَ الشافِعيةِ وهوَ قَولٌ للمالِكيَّةِ أنَّ المُراعَى في السُّكنى أنْ يَكونَ المسكَنُ يَليقُ بها؛ لأنها لا تَملكُ الانتقالَ منه، فرُوعيَ فيه جانبُها، ولأنها تَتعيَّرُ بالمَنزلِ. ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ المَسكنُ مِلكًا للزَّوجِ، فيَجوزُ إسكانُها في المَملوكِ والمُستأجَرِ والمُستعارِ بلا خِلافٍ (١).

стр. 11623

وقالَ الشافِعيةُ: لو سكَنَ معَها في مَنزلِها بإذنِها أو لامتِناعِها مِنْ النُّقلةِ معَه أو في مَنزلِ نحوِ أبيها بإذنِه أو مَنعِه مِنْ النُّقلةِ لم تَلزمْه الأجرةُ (١). وقالَ الحَنفيةُ: لو أرادَ الزَّوجُ أنْ يُسكِنَها مع ضرَّتِها أو مع أحمائِها كأمِّ الزَّوجِ وأختِه وبِنتِه مِنْ غَيرِها وأقاربِه فأبَتْ ذلكَ فعَليه أنْ يُسكِنَها في مَنزلٍ مُفرَدٍ؛ لأنَّهنَّ رُبَّما يُؤذينَها ويُضرِرْنَ بها في المُساكَنةِ، وإباؤُها دَليلُ الأذَى والضَّررِ، ولأنه يَحتاجُ إلى أنْ يُجامِعَها ويُعاشِرَها في أيِّ وَقتٍ يتَّفقُ، ولا يُمكنُه ذلكَ إذا كانَ معَهُما ثالِثٌ، حتَّى لو كانَ في الدارِ بُيوتٌ ففرَّغَ لها بَيتًا وجعَلَ لبَيتِها غَلقًا على حِدةٍ قالُوا: إنها ليسَ لها أنْ تُطالِبَه ببَيتٍ آخَرَ. ولو كانَتْ في مَنزلِ الزَّوجِ وليسَ معَها أحَدٌ يُساكِنُها فشكَتْ إلى القاضِي أنَّ الزَّوجَ يَضربُها ويُؤذِيها سَألَ القاضِي جِيرانَها، فإنْ أخبَرُوا بما قالَتْ وهُم قَومٌ صالِحونَ فالقاضي يُؤدِّبُه ويَأمرُه بأنْ يُحسِنَ إليها، ويَأمرُ جِيرانَه أنْ يَتفحَّصوا عنها. وإنْ لم يَكنِ الجِيرانُ قَومًا صالِحينَ أمَرَه القاضِي أنْ يُحوِّلَها إلى جِيرانٍ صالِحينَ، فإنْ أخبَرُوا القاضي بخِلافِ ما قالَتْ أقَرَّها هناكَ ولم يُحوِّلْها (٢).

стр. 11624

خامِسًا: الخَادمُ إنْ كانَتْ ممَّن تُخدَمُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ المَرأةَ إذا كانَتْ ممَّن لا تَخدِمُ نفْسَها لكَونِها مِنْ ذَوي الأقدارِ أو كانَتْ مَريضةً وجَبَ لهَا خادِمٌ، حرًّا كانَ أو عبْدًا، وعَليهِ أُجرَتُه ونَفقتُه؛ لقَولِه : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ومِن العِشرَةِ بالمَعروفِ أنْ يُقيمَ لها مَنْ يَخدُمُها، ولأنَّه ممَّا تَحتاجُ إلَيهِ فأشبَهَ النَّفقةَ؛ لأنَّه لا بُدَّ لها مِنْ خادِمٍ واحِدٍ يَقومُ بخِدمتِها ويَلي أُمورَ بيتِها حتَّى تَتفرَّغَ المرأةَ لحَوائجِ الزَّوجِ، فكانَ ذلكَ مِنْ حَوائجِ المَرأةِ مَنفعةً تَعودُ إلى الزَّوجِ، فيَكونُ ذلكَ على الزَّوجِ، ألَا ترَى أنَّه كما يُفرَضُ للقاضِي كفايةٌ في مالِ بيَتِ المالِ يُفرَضُ خادِمٌ لهُ أيضًا، كذَا هَهُنا. واختَلفُوا هل يَجبُ لها أكثَرُ مِنْ خادِمٍ؟ أم لا يَجبُ إلَّا خادِمٌ واحِدٌ؟ فذهَبَ الإمامُ أبُو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه يَجبُ لها خادِمَانِ ولا يَجبُ أكثَرُ مِنْ ذلكَ، ورُويَ عنهُ رِوايةٌ أخرَى أنَّ المرأةَ إذا كانَتْ يَجلُّ مِقدارُها عَنْ خِدمةِ خادمٍ واحِدٍ وتَحتاجُ إلى أكثَرَ مِنْ ذلكَ يَجبُ لأكثَرَ مِنْ ذلكَ بالمَعروفِ، وبه أخَذَ الطَّحاويُّ، وجه ظاهِرِ قولِ أبي يُوسفَ أنَّ خِدمةَ امرأةٍ لا تَقومُ بخادِمٍ واحدٍ، بل تَقعُ الحاجةُ إلى خادمَينِ يَكونُ أحَدُهما مُعِينًا للآخَرِ، فأحَدُهما يَخدمُها في مَنزلِها، والثاني تُرسلُه إلى زَوجِها يَطلبُ منه النَّفقةَ ويَبتاعُ لها ما يَصلحُ لها وتُرسلُه إلى أبوَيها ويَقضي حَوائجَها (١).

стр. 11625

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلَى أنَّ الزَّوجةَ إذا لَم يكْفِها خادِمٌ واحِدٌ وكانَ حالُهُ تَحتملُ أخدَمَها خِدمةَ مِثلِها، كابنةِ الخَليفةِ والمَلكِ وشبهِهِما ممَّن لا يَكفيها خادمٌ واحدٌ، وأنَّ ذلكَ هو المُعاشَرةُ بالمَعروفِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، ولأنه لمَّا وجَبَ إخدامُها بالواحِدِ لحاجتِها، كذلكَ إنِ احتاجَتْ إلى الزِّيادةِ عليها، ولأنه نَوعٌ مِنْ المُؤنةِ يَلزمُه لها، فكانَ الواجِبُ منه قدْرَ كِفايتِها؛ لأنَّ مِثلَ بناتِ المُلوكِ اللَّائي لهُنَّ خِدمةٌ كَثيرةٌ لا يَكفيها خادِمٌ واحدٌ؛ لأنها تَحتاجُ مِنْ غَسلِ ثِيابِها وإصلاحِ مَضجعِها وغيرِ ذلكَ إلى ما لا يَقومُ به الواحِدُ. واعلَمْ أنه إذا عجَزَ عن الإخدامِ لم تُطلَّقْ عليه لذلكَ على المَشهورِ، وإذا تَنازعَا في كَونِها أهلًا للإخدامِ أو ليسَتْ أهلًا فهَلِ البيِّنةُ عليها أو عليهِ؟ قَولانِ (١).

стр. 11626

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المَذهبِ -وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ- وبَعضُ المالِكيةِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجبُ لها أكثَرُ مِنْ خادِمٍ واحدٍ؛ لأنَّ المُستحَقَّ خِدمتُها في نفسِها، وذلكَ يَحصلُ بخادمٍ واحِدٍ. ولأنَّ الزوجَ لو قامَ بخِدمتِها بنفسِه لا يَلزمُه نَفقةُ خادمٍ أصلًا، وخادمٌ واحِدٌ يَقومُ مَقامَه، فلا يَلزمُه غيرُه؛ لأنه إذا قامَ مَقامَه صارَ كأنَّه خدَمَ بنَفسِه، ولأنَّ الخادمَ الواحِدَ لا بُدَّ منه، والزِّيادةُ على ذلكَ ليسَ له حَدٌّ مَعلومٌ يُقدَّرُ به، فلا يكونُ اعتبارُ الخادمَينِ أَولى مِنْ الثَّلاثةِ والأربَعةِ، فيُقدَّرُ بالأقلِ وهو الواحدُ. هذا إذا كانَ الزوجُ مُوسِرًا اتِّفاقًا، واختَلفُوا فيما لو كانَ الزوجُ مُعسِرًا هل يَجبُ لها أم لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ فيما رَواهُ الحسَنُ عنه -وهو الأصَحُّ- أنه ليسَ عليهِ نَفقةُ خادمٍ إذا كانَ مُعسرًا وإنْ كانَ لها خادمٌ؛ لأنَّ الواجِبَ على الزوجِ المُعسِرِ مِنْ النَّفقةِ أدنَى الكِفايةِ، وقد تَكتفي المرأةُ بخِدمةِ نفسِها، فلا يَلزمُه نَفقةُ الخادمِ وإنْ كانَ لها خادمٌ. وذهَبَ الإمامُ مُحمدٌ وأبو حَنيفةَ في رِوايةٍ والشافِعيةُ إلى أنه يَجبُ لها خادِمٌ إنْ كانَتْ ممَّن لا يَخدمُ مثلُها، وعليه نَفقتُه وإنْ كانَ مُعسرًا، وإلا فلا؛ لأنه لمَّا كانَ لها خادمٌ عُلِمَ أنها لا تَرضَى بالخدمةِ بنَفسِها، فكانَ على الزَّوجِ

стр. 11627

نَفقةُ خادمِها، وإنْ لم يَكنْ لها خادمٌ دَلَّ أنها راضِيةٌ بالخِدمةِ بنَفسِها، فلا يُجبَرُ على اتِّخاذِ خادمٍ لم يَكنْ (١). سادِسًا: الكِسوةُ: يَجبُ على الزَّوجِ كِسوةُ زَوجتِه بإجماعِ أهلِ العِلمِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ للزَّوجةِ نَفقتُها وكِسوتُها بالمَعروفِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ مِنْ حُقوقِ الزَّوجةِ على الزَّوجِ النَّفقةَ والكِسوةَ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وُجوبُ نَفقةِ الزَّوجةِ وكِسوتِها، وذلكَ ثابتٌ بالإجماعِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَجبُ عليه كِسوتُها بإجماعِ أهلِ العِلمِ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ النُّصوصِ، ولأنها لا بُدَّ منها على الدوامِ، فلَزمتْه كالنَّفقةِ، وهي مُعتبَرةٌ بكِفايتِها وليسَتْ مُقدَّرةً بالشَّرعِ كما قُلنا في النَّفقةِ، ويُوافِقُ أصحابُ الشافِعيِّ على هذا، ويَرجعُ في ذلكَ إلى اجتِهادِ الحاكمِ،

стр. 11628

فيَفرضُ لها على قَدرِ كِفايتِها على قَدرِ يُسرِهما وعُسرِهما وما جرَتْ عادةُ أمثالِهما به مِنْ الكِسوةِ، فيَجتهدُ الحاكمُ في ذلكَ عندَ نُزولِ الأمرِ كنَحوِ اجتِهادِه في المُتعةِ للمُطلَّقةِ وكما قُلنَا في النَّفقةِ. فيَفرضُ للمُوسِرةِ تحتَ المُوسرِ مِنْ أرفَعِ ثيابِ البلدِ مِنْ الكتَّانِ والخَزِّ والأبريسَمِ، وللمُعسِرةِ تحتَ المُعسرِ غَليظَ القُطنِ والكتَّانِ، وللمُتوسِّطةِ تحتَ المُتوسِّطِ مِنْ ذلكَ، فأقلُّ ما يَجبُ مِنْ ذلكَ قَميصٌ وسَراويلُ ومَقنعةٌ ومَداسٌ وجُبَّةٌ للشِّتاءِ، ويَزيدُ مِنْ عَددِ الثيابِ ما جرَتِ العادةُ بلُبسِه ممَّا لا غِنى عنه دونَ ما للتجمُّلِ والزِّينةِ، والأصل في هذا قَولُ اللهِ : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لهُنَّ عليكُم رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمَعروفِ»، والكِسوةُ بالمَعروفِ هي الكِسوةُ التي جَرتْ عادةُ أمثالِها بلُبسِه، وقَولُ النبيِّ ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (١). وقالَ الحَنفيةُ: كِسوتُها دِرعانِ وخِمارانِ ومِلحفةٌ، وإذا كانَ مُعسرًا يُفرَضُ عليهِ في الشِّتاءِ دِرعٌ هَرويٌّ ومِلحفةٌ وخِمارٌ وكِساءٌ، وفي الصَّيفِ دِرعٌ وخِمارٌ ومِلحفةٌ، وإنْ كانَ مُوسرًا يُفرضُ عليه في الشتاءِ درعٌ هَرويٌّ ومِلحفةٌ دَينوريَّةٌ وخِمارُ إبريسَمٍ وكِساءٌ، ولخادمِها قَميصٌ وإزارٌ وكِساءٌ، ويُفرضُ لها في الصَّيفِ درعٌ سابُوريٌّ وخِمارُ إبريسَمٍ ومِلحفةٌ، ولو فُرضَ لها الكِسوةُ

стр. 11629

في مُدةِ ستَّةِ أشهُرٍ ليسَ لها شَيءٌ حتى تَمضيَ المُدةُ، فإنْ تَخرَّقتْ قبلَ مُضيِّها إنْ كانَتْ بحَيثُ لو لَبسَتْها مُعتادًا لم تَتخرَّقْ لم تَجبْ، وإلا وجَبَتْ، وإنْ بقيَ الثوبُ بعدَ المُدةِ إنْ كانَ بقاؤُه لعَدمِ اللبسِ أو للبْسِ ثَوبٍ غيرِه أو للبْسِه يَومًا دونَ يومٍ فإنه يُفرضُ لها كِسوةٌ أخرَى، وإلا فَلا، وكذا إذا أمسَكَتْ نَفقتَها ولم تُنفقْها فإنه يُفرضُ لها نَفقةٌ أخرَى، فإنْ لَبسَتْ كِسوتَها لُبسًا مُعتادًا فتخرَّقتْ قبلَ الوَقتِ جدَّدَ لها أخرَى، وإذا لم تتخرَّقْ في المُدةِ لا يَجبُ غيرُها (١). وقالَ المالِكيةُ: يَجبُ على الزَّوجِ كِسوةُ زَوجتِه بالعادةِ على قَدرِ حالِه وحالِها، فإذا طلَبَتِ الزَّوجةُ أزيَدَ مِنْ عادِةِ أمثالِها أو طلَبَ هو أنقَصَ ممَّا جرَتْ به عادةُ أمثالِه فلا يُلتفتُ إليهِما في ذلكَ ويُردَّانِ إلى العادةِ، ولا يَلزمُ الزوجَ الحَريرُ وإن كانَ متَّسِعَ الحالِ، وقيلَ: إذا كانَ مِنْ لباسِ أهلِها وعادتِهم يُلزَمُ بذلكَ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: تَجبُ كِسوةٌ تَكفيها، وتَختلفُ كِفايتُها بطُولِها وقِصَرِها وسِمنِها وهُزالِها، وباختِلافِ البِلادِ في الحَرِّ والبَردِ، ولا يَختلفُ عَددُ الكِسوةِ باختلافِ يَسارِ الزوجِ وإعسارِه، ولكنَّهُما يُؤثِّرانِ في الجَودةِ

стр. 11630

والرَّداءةِ، ولا فرْقَ بينَ حضَريةٍ وبدَويةٍ، فيَجبُ لها في كلِّ ستَّةِ أشهُرٍ قَميصٌ -وهو ثَوبٌ مَخيطٌ يَستُرُ جَميعَ البدنِ- وسَراويلُ -وهو ثَوبٌ مَخيطٌ يَستُرُ أسفَلَ البَدنِ- وخِمارٌ -وهو ما يُغطِّي الرأسَ- ومكْعَبٌ -وهو مَداسُ الرِّجلِ-، ويَزيدُ في الشتاءِ جبَّةٌ مِنْ قُطنٍ (١). عِلاجُ الزَّوجةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الزَّوجةِ إذا مَرضَتْ، هل يَلزمُ الزوجَ علاجُ زَوجتِه مِنْ أجرةِ الطَّبيبِ وثَمنِ الدواءِ وأُجرةِ الحِجامةِ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجةَ إذا مَرضَتْ فلا يَجبُ على الزَّوجِ علاجُ زوجتِه مِنْ أجرةِ طَبيبٍ وثَمنٍ دَواءٍ، ويَكونُ في مالِها خاصَّةً، ولا شَيءَ مِنْ ذلكَ على الزوجِ؛ لأنه ليسَ مِنْ النَّفقةِ الثابتةِ، وإنما يُحتاجُ إليه لعارِضٍ، ولأنه يُرادُ لإصلاحِ الجِسمِ، فلا يَلزمُه كما لا يَلزمُ المُستأجِرَ بِناءُ ما يَقعُ مِنْ الدارِ وحِفظُ أصولِها، وكذلكَ أجرةُ الحجَّامِ والفاصِدِ (٢).

стр. 11631

وذهَبَ ابنُ عَبدِ الحَكمِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا مَرضَتْ فيُلزَمُ الزوجُ بأجرَةِ الطَّبيبِ والمُداوةِ، قالَ الإمامُ خَليلٌ: وهو الظاهِرُ (١). فَسخُ النِّكاحِ بسَببِ إعسارِ الزَّوجِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزوجَ إذا كانَ مُوسرًا ثم أعسَرَ إلا أنه يُنْفِقُ نَفقةَ المُعسرينَ أنه لا يُفسخُ النكاحُ. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: إعسارُ الزَّوجِ بنَفقةِ المُوسِرِ وهي مُدَّانِ وقُدرتُه على نَفقةِ المُعسرِ وهي مَدٌّ فلا يُوجِبُ للزَّوجةِ خِيارًا وإنْ كانَتْ مِنْ ذَوي الأقدارِ، وهذا مُجمَعٌ عليهِ (٢). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما إذا أعسَرَ الزوجُ ولم يَستطعْ أنْ يُنفِقَ على زَوجتِه، هل لها أنْ تَفسخَ النكاحَ حِينئذٍ؟ أم ليسَ لها فسخُ النكاحِ وتُنفِقُ على نَفسِها؟ أم تَستدينُ عليه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ إلى أنه لا يُفرَّقُ بينَ الزَّوجينِ بعَجزِه عن النَّفقةِ، وتُؤمَرُ بالاستِدانةِ عليهِ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فكانَ على عُمومِه في وُجوبِ إنظارِ كلِّ مُعسرٍ بحَقٍّ، وغايَةُ النَّفقةِ أنْ تكونَ دَينًا في الذِّمةِ، وقد أعسَرَ بها

стр. 11632

الزَّوجُ، فكانَتِ المَرأةُ مَأمورةً بالإنظارِ بالنَّصِّ، وقولُه تعالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧] دَليلٌ على أنَّ مَنْ لم يَقدرْ على النَّفقةِ لا يُكلَّفُ بالإنفاقِ، فلا يَجبُ عليهِ الإنفاقُ في هذهِ الحالَةِ، ولأنَّ في التَّفريقِ إبطالَ المِلكِ على الزوجِ، وفي الأمرِ بالاستِدانةِ تَأخيرَ حَقِّها دَينًا عليهِ، وهو أهوَنُ مِنْ الإبطالِ، فكانَ أَولى. وقولُه تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فندَبَ الفُقراءَ إلى النكاحِ، فلَم يَصحَّ أنْ يَندُبَ إليه مَنْ يُستحَقُّ عليه فَسخُه، ولأنَّ الصَّداقَ بعدَ الدُّخولِ أوكَدُ؛ لتَقدُّمِه وقوَّتِه، ثمَّ لم تَستحقَّ به الفسخَ، فلَأنْ لا تَستحقَّ الفَسخَ بالنَّفقةِ التي هي أضعَفُ أَولى. وتَحريرُه: أنه مالٌ وجَبَ بحَقِّ الزَّوجيةِ، فوجَبَ أنْ لا تَملكَ به الفَسخَ كالصَّداقِ، ولأنَّ مُدَّ اليَسارِ إذا أعسَرَ به المُوسرُ لم يُوجِبِ الخيارَ، كذلكَ مُدُّ المُعسرِ إذا أعسَرَ به لم تَستحقَّ به الخِيارَ، ولأنها تَستحقُّ النَّفقةَ لنَفسِها ولخادِمِها، ثمَّ ثبَتَ أنه لا خِيارَ لها في الإعسارِ بنَفقةِ خادِمِها، فكَذلكَ لا خِيارَ لها في الإعسارِ بنَفقةِ نَفسِها، ولأنَّ النَّفقةَ في مُقابلةِ التَّمكينِ، ثم أنه لو أعوَزَ التَّمكينُ منها بالنُّشوزِ لم يَستحقَّ الزوجُ به خِيارَ الفَسخِ، كذلك إذا أعوَزَتِ النَّفقةُ مِنْ جِهتِه بالإعسارِ لم تَستحقَّ الزَّوجةُ به خِيارَ الفَسخِ، ولأنَّ للنَّفقةِ حالتَينِ: ماضِيةٌ ومُستقبَلةٌ، والماضِيةُ دَينٌ لا تَستحقُّ به الفسخَ،

стр. 11633

والمُستقبَلةُ لم تَجبْ فتَستحقَّ بها الفَسخَ، فلَم يَبْقَ سَببٌ يُستحَقُّ به الفَسخُ. قالَ الحَنفيةُ: فيَقولُ لها القاضي: «اشتَرِي الطعامَ والكِسوةَ وكُلِي والْبَسِي لتَرجِعي بثَمنِها على الزَّوجِ»، وهذا مَعنَى الاستِدانةِ، لا أنْ يَقولَ: «استَقرِضي على الزوجِ»؛ لأنَّ التوكيلَ بالاستِقراضِ لا يَصحُّ. وفائِدةُ الإذنِ في الاستِدانةِ أنها تُحِيلُ الغَريمَ على الزوجِ فيُطالِبُه بالدَّينِ وإنْ لم يَرْضَ الزوجُ، وإنِ استَدانتْ بغَيرِ إذنِه كانَتِ المُطالَبةُ عليها خاصَّةً، وإنِ استَدانَتْ قبلَ أنْ يَأمرَها الحاكمُ فهي مُتطوِّعةٌ، ولا شيءَ مِنْ ذلكَ على الزوجِ إذا كانَتِ النَّفقةُ لم تُفرَضْ لها عليهِ قبلَ ذلكَ، أما إذا كانَتْ قد فُرضَتْ لم تَكنْ مُتطوِّعةً، بل يَكونُ دَينًا على الزَّوجِ. وفائِدتُه أيضًا الرُّجوعُ بعدَ مَوتِ أحَدِهما (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا أعسَرَ بالنَّفقةِ أو الكِسوةِ أو المَسكنِ فإنَّ المَرأةَ مُخيَّرةٌ بينَ المُقامِ معَه على إعسارِه لتَكونَ النَّفقةُ دَينًا لها عليهِ تَرجعُ بها إذا أيسَرَ، وبينَ فَسخِ نِكاحِه عندَ الحاكِمِ.

стр. 11634

لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإذا عجَزَ عن إمساكٍ بمَعروفٍ وجَبَ عليه التَّسريحُ بإحسانٍ، ولأنَّ المُخيَّرَ بينَ أمرَينِ إذا عجَزَ عن أحَدِهما تعيَّنَ عليه الآخَرُ. وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وزَوجةُ المُعسرِ مُستضِرةٌ، فلَم يَكنْ له إمساكُها. وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في الرجلِ لا يَجدُ ما يُنْفِقُ على امرَأتِه: «يُفرَّقُ بينَهُما» (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : «أفضَلُ الصَّدقةِ ما ترَكَ غِنًى، واليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنْ اليَدِ السُّفلَى، وابدَأْ بمَن تَعولُ، تَقولُ المَرأةُ: إمَّا أنْ تُطعِمَني وإمَّا أنْ تُطلِّقَني، ويَقولُ العَبدُ: أطعِمنِي واستَعملْني، ويَقولُ الابنُ: أطعِمنِي، إلى مَنْ تَدَعُني؟» (٢)، وهذا إخبارٌ عمَّا لها أنْ تَفعلَه. ورَوى الإمامُ الشافِعيُّ وغيرُه عن سُفيانُ عن أبي الزِّنادِ قالَ: «سَألْتُ سَعيدَ بنَ المُسيبِ عن الرَّجلِ لا يَجدُ ما يُنفقُ على امرَأتِه قالَ: «يُفرَّقُ بينَهُما»، قالَ أبو الزِّنادِ: قُلتُ: سُنَّة؟ قالَ سَعيدٌ: سُنَّة» (٣).

стр. 11635

قالَ الشافِعيُّ ﵀: والذي يُشبهُ قَولَ سَعيدٍ «سنَّةً» أنْ يَكونَ سُنةَ رَسولِ اللهِ ﷺ (١). وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: وعلى ذلكَ أدرَكتُ أهلَ العِلمِ ببَلدِنا أنه يُفرَّقُ بينَهُما (٢). ولِما رواهُ نافعٌ عن ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ كتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم يَأمرُهم أنْ يَأخذُوهُم أنْ يُنفِقُوا أو يُطلِّقوا، فإنْ طلَّقُوا بَعَثوا بنَفقةِ ما حَبَسوا» (٣)، ولم يُخالِفْ عُمرَ ﵁ في ذلكَ منهُم مُخالِفٌ. وممَّن قالَ بأنَّ لها الفَسخَ بالإعسارِ عُمرُ وعليٌّ وأبو هُريرةَ ﵃، قالَ الشافعيُّ: ولا أعلَمُ أحَدًا مِنْ الصَّحابةِ خالَفَهم، ولأنَّ العَجزَ عن الوَطءِ بالجَبِّ أو العُنَّةِ يُثبتُ حَقَّ الفَسخِ، فالعَجزُ عن النَّفقةِ أَولى، ولأنه لمَّا كانَ لها مُفارقتُه في الإيلاءِ والعُنةِ وضَررُهما أيسَرُ مِنْ ضَررِ عَدمِ النَّفقةِ، فكانَ في عَدمِ النَّفقةِ أَولى. والعِبرةُ أنه حَقٌّ مَقصودٌ لكلِّ نِكاحٍ، فوجَبَ أنْ يُستحَقُّ الفَسخُ بإعوازِه

стр. 11636

كالاستمتاعِ مِنْ المَجبوبِ والعنِّينِ، والاستِدلالُ بهذا الأصلِ مِنْ طَريقِ الأَولى مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ البَدنَ يَقومُ بتَركِ الجِماعِ ولا يَقومُ بتَركِ الغِذاءِ، فلمَّا ثبَتَ الخِيارُ بفَواتِ الجِماعِ كانَ ثُبوتُه بفَواتِ النَّفقةِ أَولى. والثَّاني: أنَّ الاستِمتاعَ في الجِماعِ مُشتَرَكٌ بينَهُما، والنَّفقةُ مُختصةٌ بها، فلمَّا ثبَتَ الخِيارُ في الحقِّ المُشتَرَكِ كانَ ثُبوتُه في المُختصِّ أَولى. واختَلفَ القائِلونَ بالفَسخِ هل يَثبتُ ذلكَ فَورًا؟ أم يُؤجَّلُ مُدةً؟ فقالَ الحَنابلةُ والشافِعيُّ في قَولٍ: متَى ثبَتَ الإعسارُ بالنَّفقةِ على الإطلاقِ فللمَرأةِ المُطالَبةُ بالفَسخِ مِنْ غيرِ إنظارٍ؛ لظاهِرِ حَديثِ عُمرَ، ولأنه مَعنى يُثبتُ الفَسخَ ولم يَرِدِ الشرعُ بالإنظارِ فيه، فوجَبَ أنْ يُثبتَ الفَسخَ في الحالِ كالعَيبِ، ولأنَّ سبَبَ الفَسخِ الإعسارُ وقد وُجدَ، فلا يَلزمُ التأخيرُ. وقالَ مالِكٌ: الشَّهرُ ونَحوُه، وقيلَ: يَتلوَّمُ له الحاكِمُ، وقيلَ: تُطلقُ عليهِ مِنْ غيرِ تَلوُّمٍ، وقيلَ: التلوُّمُ يَومٌ ونحوُه ممَّا لا يَضرُّ بها الجُوعُ، وقيلَ: ثَلاثةُ أيامٍ، والذي عليهِ أصحابُ مالِكٍ الشهرُ والشَّهرانِ ثم يُطلِّقُ الحاكِمُ بعدَ زَمنِ التلوُّمِ وعَدمِ الوِجدانِ لِما يُنْفِقُ أو يَكسُو. وقالَ الشافِعيُّ في القَولِ الآخَرِ وهو الأظهَرُ في المَذهبِ: يُؤجَّلُ ثَلاثًا؛ لأنه قَريبٌ (١).

стр. 11637

بَعضُ المسائلِ التي تَتعلَّقُ بالتَّفريقِ بسَببِ إعسارِ الزَّوجِ: المسألةُ الأُولى: إذا امتَنعَ عنِ الإنفاقِ مع يَسارِه هل يَثبتُ لها الفَسخُ أم لا؟ نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا كانَ مُوسرًا وامتَنعَ عن الإنفاقِ فإنَّ الزَّوجةَ لا يَثبتُ لها الفَسخُ؛ لتَمكُّنِها مِنْ تَحصيلِ حقِّها بالحاكمِ أو بيَدِها إنْ قَدرَتْ عليهِ؛ لِما رَوتْ عائِشةُ ﵂ أنَّ هِندَ بنتَ عُتبةَ قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ وليسَ يُعطينِي ما يَكفيني ووَلَدي إلا ما أخَذتُ منهُ وهو لا يَعلمُ، فقالَ: خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (١)، فالنبيُّ ﷺ أمَرَها بالأخذِ ولم يَجعلْ لها الفَسخَ. فإنْ لم تَقدرْ على أخذِ شَيءٍ مِنْ مالِه رفَعَتْه إلى الحاكِمِ، فيَأمرُه

стр. 11638

بالإنفاقِ ويُجبِرُه عليهِ؛ فإنْ أبَى حبَسَه، فإنْ صبَرَ على الحَبسِ أخَذَ الحاكمُ النَّفقةَ مِنْ مالِه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ لم يَجدْ إلا عُروضًا أو عَقارًا باعَها في ذلكَ، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وأبو ثَورٍ. وقالَ أبو حَنيفةَ: النَّفقةُ في مالِه مِنْ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، ولا يَبيعُ عَرضًا إلا بتَسليمٍ؛ لأنَّ بَيعَ مالِ الإنسانِ لا يَنفذُ إلا بإذنِه أو إذنِ وَليِّه، ولا وِلايةَ على الرَّشيدِ. ولنا: قَولُ النبيِّ ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ» ولَم يُفرِّقْ، ولأنَّ ذلكَ مالٌ له، فتُؤخذُ منه النَّفقةُ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، وللحاكِمِ وِلايةٌ عليه إذا امتَنعَ؛ بدَليلِ وِلايتِه على دَراهمِه ودَنانيرِه. وإنْ تَعذَّرتِ النَّفقةُ في حالِ غَيبتِه وله وَكيلٌ فحُكمُ وَكيلِه حُكمُه في المُطالَبةِ والأخذِ مِنْ المالِ عندَ امتِناعِه، وإنْ لم يَكنْ له وَكيلٌ ولم تَقدِرِ المَرأةُ على الأخذِ أخَذَ لها الحاكِمُ مِنْ مالِه، ويَجوزُ بَيعُ عَقارِه وعُروضِه في ذلكَ إذا لم تَجدْ ما تُنفِقُ سِواهُ. ويُنفقُ على المَرأةِ يَومًا بيَومٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ ويَحيى بنُ آدمَ، وقالَ أصحابُ الرَّأيِ: يَفرضُ لها في كلِّ شَهرٍ. ولنا: إنَّ هذا تَعجيلٌ للنَّفقةِ قبلَ وُجوبِها، فلَم يَجُزْ كما عجَّلَ لها نَفقةً زِيادةً عن شَهرٍ (١).

стр. 11639

المسألةُ الثَّانيةُ: إذا لم تَقدرْ على أخذِ مالِه ولا الحاكِمُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عجَزَتِ الزوجةُ عن أخذِ شَيءٍ مِنْ مالِه، أو الحاكِمُ إذا عجَزَ عن أخذِ شَيءٍ مِنْ مالِه بأنْ غيَّبَ مالَه وصبَرَ على الحَبسِ ولم يَقدِرِ الحاكمُ له على مالٍ يَأخذُه، أو لم يَقدرْ على أخذِ النَّفقةِ مِنْ مالِ الغائبِ، هل يَثبتُ لها الفَسخُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والقاضِي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا غيَّبَ مالَه وصبَرَ على الحَبسِ ولم يَقدِرِ الحاكِمُ له على مالٍ يَأخذُه أو لم يَقدرْ على أخذِ النَّفقةِ مِنْ مالِ الغائِبِ فإنها لا تَملكُ الفَسخَ؛ لأنَّ الفَسخَ في المُعسرِ لعَيبِ الإعسارِ، ولم يُوجَدْ هاهُنا، ولأنَّ المُوسرَ في مَظنةِ إمكانِ الأخذِ مِنْ مالِه، وإذا امتَنعَ في يَومٍ فربَّما لا يَمتنعُ مِنْ الغَدِ، بخِلافِ المُعسرِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا غيَّبَ مالَه وصبَرَ على الحَبسِ ولم يَقدرِ الحاكِمُ له على مالٍ

стр. 11640

يَأخذُه أو لم يَقدرْ على أخذِ النَّفقةِ مِنْ مالِ الغائبِ فلَها الخِيارُ في الفَسخِ؛ لِما رَواهُ نافعٍ عن ابن عُمرَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ كتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رِجالٍ غابوا عن نِسائِهم يَأمرُهم أنْ يَأخذُوهُم أنْ يُنفِقوا أو يُطلِّقوا، فإنْ طلَّقُوا بَعَثوا بنَفقةِ ما حَبَسوا» (١)، وهذا إجبارٌ على الطَّلاقِ عندَ الامتِناعِ مِنْ الإنفاقِ. ولأنَّ الإنفاقَ عَليها مِنْ مالِه يَتعذرُ، فكانَ لها الخِيارُ كحالِ الإعسارِ، بل هذا أَولى بالفَسخِ؛ فإنه إذا جازَ الفَسخُ على المَعذورِ فعَلى غيرِه أَولى، ولأنَّ في الصبْرِ ضَررًا أمكَنَ إزالتُه بالفَسخِ، فوجَبَتْ إزالتُه، ولأنه نَوعُ تَعذُّرٍ يُجوِّزُ الفَسخَ، فلَم يَفترقِ الحالُ بينَ المُوسرِ والمُعسرِ، كما إذا أدَّى ثمَنَ المَبيعِ فإنه لا فرْقَ في جَوازِ الفَسخِ بينَ أنْ يكونَ المُشتري مُعسرًا وبينَ أنْ يَهربَ قبلَ أداءِ الثَّمنِ، وعَيبُ الإعسارِ إنما جوَّزَ الفسخَ لتعذُّرِ الإنفاقِ؛ بدَليلِ أنه لو اقتَرضَ ما يُنْفِقُ عليها أو تبَرَّعَ له إنسانٌ بدَفعِ ما يَنفقُه لم تَملكِ الفَسخَ. وقولُهم: إنه يُحتملُ أنْ يُنفقَ فيما بعدَ هذا. قُلنا: وكَذلكَ المُعسرُ يُحتملُ أنْ يُغنيَه اللهُ، وأنْ يَقترضَ أو يُعطَى ما يُنفقُه، فاستَويَا (٢).

стр. 11641

قالَ المالِكيةُ: مَنْ لم يَثبتْ عُسرُه وهو يُقِرُّ بالمَلاءِ وامتَنعَ مِنْ الإنفاقِ والطَّلاقِ -أي: ولم يَكنْ له مالٌ ظاهِرٌ- فإنه يُعجَّلُ عليهِ الطلاقُ على قَولٍ، ويُسجَنُ حتى يُنفِقَ عليها على آخَرَ، حكاهُما ابنُ عَرفةَ، فإذا سُجنَ ولم يَفعلْ فإنه يُعجَّلُ عليه الطَّلاقُ، كما أنه يُعجَّلُ عليه بلا تلوُّمٍ إذا لم يُجبِ الحاكمَ بشَيءٍ حينَ رفَعَتْه، وأما إذا كانَ له مالٌ ظاهِرٌ أُخذَ منه كَرهًا (١). المسألةُ الثالثةُ: إذا غابَ الموسِرُ وتعذَّرَ عليها النَّفقةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو غابَ المُوسرُ وامتَنعَ عن الإنفاقِ وتَعذَّرَ عليها الإنفاقُ هل لها أنْ تَفسخَ النكاحَ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنه لا فسْخَ بمَنعِ مُوسرٍ حضَرَ أو غابَ (٢)، قالَ الشافِعيةُ: لأنه إذا كانَ غائبًا فإنَّ الحاكِمَ يَبعثُ إليه أو يَأخذُ مِنْ مالِه الحاضِرِ يُنفقُ على زَوجتِه.

стр. 11642

ومتَى جُهلَ يَسارُ الغائبِ أو إعسارُه فلا فسْخَ؛ لأنَّ السَّببَ لم يَتحققْ. ومتَى ثبَتَ إعسارُ الغائبِ عندَ حاكِمِ بَلدِها جازَ الفَسخُ على الأصَحِّ. وقيلَ: لا حتَّى يَبعثَ إليه، فإنْ لم يَحضرْ ولم يَبعثْ نَفقةً فسَخَ عليهِ. وإنْ لم يَعرفْ مَوضعَه بأنِ انقَطعَ خبَرَه فهلْ لها الفَسخُ؟ قَولانِ في المَذهبِ بالفَسخِ وعَدمِه (١). وذهَبَ الحَنابلةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ إلى أنَّ مِنْ حقِّ الزوجةِ فَسخَ النكاحِ إذا غابَ زَوجُها المُوسرُ ولم يُنفِقْ عليها ولم تَجدْ ما تُنفقُ به مِنْ مالِه الحاضِرِ ولم يُمكِنْها تَحصيلُ نَفقتِها باستِدانةٍ ونَحوِها عليهِ؛ لتعذُّرِ الإنفاقِ عليها مِنْ مالِه كحالِ الإعسارِ، بل أَولى، ولأنَّ في الصبْرِ ضَررًا أمكَنَ إزالتُه بالفَسخِ، فوجَبَتْ إزالتُه منعًا للضَّررِ، وهو اختِيارُ القاضي الطبَريُّ، وذكَرَ الرُّويانِيُّ وصاحِبُ «العُدَّة» أنَّ المَصلحةَ الفتوَى به، ومالَ إليه ابنُ الصبَّاغِ وقالَ: إنَّ الفتوَى عليهِ، وبه أفتَى الغَزاليُّ (٢). وأما المالِكيةُ فلَم يُفرِّقوا بينَ المُوسرِ إذا كانَ حاضِرًا أو غائبًا، فقالُوا:

стр. 11643

مَنْ لم يَثبتْ عُسرُه وهو يُقِرُّ بالمَلاءِ وامتَنعَ مِنْ الإنفاقِ والطَّلاقِ -أي: ولم يَكنْ له مالٌ ظاهِرٌ- فإنه يُعجَّلُ عليهِ الطلاقُ على قَولٍ، ويُسجَنُ حتى يُنفِقَ عليها على آخَرَ، حكاهُما ابنُ عَرفةَ، فإذا سُجنَ ولم يَفعلْ فإنه يُعجَّلُ عليه الطَّلاقُ، كما أنه يُعجَّلُ عليه بلا تلوُّمٍ إذا لم يُجبِ الحاكمَ بشَيءٍ حينَ رفَعَتْه، وأما إذا كانَ له مالٌ ظاهِرٌ أُخذَ منه كَرهًا (١). المسألةُ الرابِعةُ: إذا رَضِيتْ بإعسارِه أو تزوَّجتْه وهي عالِمَةٌ بذلكَ هل لها الفَسخُ بعدَ ذلكَ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تزوَّجتْه وهي عالِمةٌ بعُسرِه، هل يَجوزُ لها فَسخُ النكاحِ بعدَ ذلكَ لعَدمِ قُدرتِه على النَّفقةِ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزوجةَ إذا عَلِمتْ عندَ العَقدِ عليها بفَقرِه فليسَ لها الفَسخُ ولو أيسَرَ بعدُ ثمَّ أعسَرَ؛ لأنها رَضِيتْ بعَيبِه ودخَلَتْ في العَقدِ عالِمةً به، فلَم تَملكِ الفسخَ كما لو تزوَّجتْ عِنِّينًا عالِمةً بعُنَّتِه أو قالَتْ بعدَ العَقدِ: «قد رَضيتُ به عِنينًا". قالَ المالِكيةُ: وكذا لو عَلِمتْ عندَ العَقدِ عليها أنَّ زوْجَها مِنْ السؤَّالِ الطائِفينَ على الأبوابِ ودخَلَتْ على ذلكَ راضِيةً فإنه لا يَثبتُ لها حَقُّ في الفَسخِ، ولَزمَها المُقامُ معَه بلا نَفقةٍ، وهي مَحمولةٌ على العِلمِ إنْ كانَ مِنْ السؤَّالِ لشُهرةِ حالِه، وعلى عَدمِه إنْ كانَ فَقيرًا لا يَسألُ.

стр. 11644

لكنْ إذا دخَلَتْ على أنَّ زوْجَها مِنْ السؤَّالِ ثمَّ بعدَ الدُّخولِ بها ترَكَه فإنه يَثبتُ لها حَقُّ الفَسخِ، وكَذلكَ يَثبتُ لها حَقُّ الفَسخِ إذا كانَ زَوجُها ليسَ مِنْ السؤَّال، إلا أنه كانَ مَشهورًا بالعَطاءِ -أي يَقصدُه الناسُ بالعَطاءِ- ودخَلَتْ عالِمةً بذلكَ ثمَّ انقَطعَ العَطاءُ عنه فلَها الفَسخُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في مُقابلِ المَشهورِ إلى أنَّ الزَّوجةَ إنْ رَضيَتْ بالمُقامِ معَه مع عُسرتِه أو تَركِ إنفاقِه في المُستقبَلِ ثم بدَا لها الفَسخُ، أو تَزوَّجتْ مُعسرًا عالِمةً بحالِه راضِيةً بعُسرتِه وتَركِ إنفاقِه أو شرَطَ عليها أنْ لا يُنفقَ عليها ثم عَنَّ لها الفَسخُ فلَها ذلكَ؛ لأنَّ وُجوبَ النَّفقةِ يَتجددُ في كلِّ يَومٍ، فيَتجددُ لها الفَسخُ، ولا يَصحُّ إسقاطُ حقِّها فيما لم يَجبْ لها، كإسقاطِ شُفعتِها قبلَ البَيعِ، ولذلكَ لو أسقَطَتِ النَّفقةَ المُستقبلةَ لم تَسقطْ ولو أسقَطَتْها، أو أسقَطَتِ المَهرَ قبلَ النكاحِ لم يَسقطْ، وإذا لم يَسقطْ وُجوبُها لم يَسقطِ الفَسخُ الثابتُ به. ولا أثرَ لقَولِها: «رَضيتُ بإعسارِه أبدًا»؛ لأنه وَعدٌ لا يَلزمُ الوفاءُ بهِ. وإذا رَضيَتْ بالمُقامِ مع ذلكَ لم يَلزمْها التَّمكينُ مِنْ الاستِمتاعِ؛ لأنه لم يُسلَّمْ إليها عِوضُه، فلَم يَلزمْها تَسليمُه كما لو أعسَرَ المُشتَري بثَمنِ المَبيعِ لم يَجبْ تَسليمُه إليهِ، وعليهِ تَخليةُ سَبيلِها لتَكتسبَ لها وتُحصِّلَ ما تُنفقُه على نَفسِها؛ لأنَّ في حَبسِها بغيرِ نَفقةٍ إضرارًا بها، ولو كانَتْ مُوسرةً لم يَكنْ له

стр. 11645

حَبسُها؛ لأنه إنما يَملكُ حبْسَها إذا كَفاها المُؤونةَ وأغنَاها عمَّا لا بُدَّ لها منهُ، ولحاجتِه إلى الاستِمتاعِ الواجِبِ عليهَا، فإذا انتَفى الأمرَانِ لم يَملكْ حبْسَها (١). وأما الحَنفيةُ فقدْ سبَقَ قَولُهم أنهُم لا يَرَونَ الفَسخَ بسَببِ إعسارِ الزَّوجِ بالنَّفقةِ. لا بُدَّ في التَّفريقِ مِنْ حُكمِ حاكِمٍ أو مُحكَّمٍ أو جَماعةِ المسلِمينَ: نَصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ الذين قالُوا بالفَسخِ بسَببِ إعسارِ الزَّوجِ بالنَّفقةِ أو امتِناعِه عن النَّفقةِ أنه لا يَصحُّ الفَسخُ إلا بحُكمِ الحاكمِ؛ لأنه فَسخٌ مُختلَفٌ فيه افتَقرَ إلى الحاكمِ كالفَسخِ بالعُنَّةِ، ولا يَجوزُ له التفريقُ إلا أنْ تَطلبَ المَرأةُ ذلكَ؛ لأنه لحَقِّها، فلَم يَجُزْ مِنْ غيرِ طلبِها كالفَسخِ للعنَّةِ (٢). ويَقومُ جَماعةُ المُسلمينَ مَقامَ الحاكِمِ عندَ المالِكيةِ. قالَ المالِكيةُ: جَماعةُ المُسلمينَ العُدولُ يَقومونَ مَقامَ الحاكِمِ في ذلكَ وفي كُلِّ أمرٍ يَتعذرُ الوُصولُ إلى الحاكِمِ أو لكَونِه غيرَ عَدلٍ، والواحِدُ منهُم كافٍ (٣).

стр. 11646

وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ أنْ يَكونَ الفَسخُ عندَ قاضٍ أو مُحكَّمٍ بشَرطِه بأنْ يَكونَ مُجتهِدًا ولو مع وُجودِ قاضٍ أو مُقلِّدًا، فلا يُشترطُ في المُحكَّمِ فقدُ الحاكمِ، بل تَفسخُ بالمُحكَّمِ ولو مع وُجودِ الحاكِمِ، فيَفسخُه لإعسارِه أو يَأذنُ لها في الفَسخِ، فلا يَنفذُ منها قبلَ ذلكَ ظاهِرًا ولا باطنًا، ولا تَحتسبُ عدَّتَها إلا مِنْ الفَسخِ. فإنْ فُقدَ قاضٍ أو مُحكَّمٌ بمَحلِّها أو عجَزَتْ عن الرَّفعِ إليه كأنْ قالَ: «لا أفسَخُ حتَّى تُعطِيني مالًا» استَقلَّتْ بالفَسخِ للضَّرورةِ، ويَنفذُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لبِناءِ الفَسخِ على أصلٍ صَحيحٍ، فاستَلزمَ النُّفوذَ باطنًا. وفي قَولٍ عندَ الشافِعيةِ: لها أنْ تتولَّى ذلكَ بنَفسِها مِنْ غيرِ مُرافَعةٍ إلى الحاكِمِ كفَسخِ البيعِ بالعَيبِ. قالَ الدَّميريُّ ﵀: وهذا إذا قدَرَتْ على الرَّفعِ إلى القاضِي، فإنْ لم يَكنْ في الصِّقعِ قاضٍ ولا مُحكَّمٌ قالَ في «الوَسيطِ»: لا خِلافَ في استِقلالِها بالفَسخِ. قالَ ابنُ الرِّفعةِ: وتَترتَّبُ عليهِ أحكامُ الفَسخِ باطنًا، حتى لو أيسَرَ بعدَه لم تُمكِّنْه مِنْ نَفسِها، ويَحرمُ عليهِ أخذُ ما خلَّفتْه مِيراثًا إذا أيسَرَ قبلَ المَوتِ (١). وأجازَ الحَنابلةُ لها الفَسخَ بحُكمِ الحاكِمِ، قالَ البُهوتيُّ: ﵀ ولا يَصحُّ الفَسخُ مِنْ ذلكَ كلِّه إلا بحُكمِ حاكمٍ؛ لأنه فَسخٌ مُختلَفٌ فيهِ، فافتَقرَ

стр. 11647

إلى الحاكم كالفَسخِ بالعنَّةِ، فيَفسخُ الحاكِمُ بطَلبِها؛ لأنه لحَقِّها، فلا يَستوفيهِ إلا بطَلبِها، أو تَفسخُ هيَ بأمرِ الحاكمِ (١). هل تَفريقُ القاضِي يُعتبَرُ طَلاقًا رَجعيًّا؟ أم فَسخًا لا رَجعةَ فيه؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو فرَّقَ الحاكِمُ بينَهُما، هل يُعتبَرُ فَسخًا لا رَجعةَ فيه؟ أم هو طَلاقٌ رَجعيٌّ وهو أحَقُّ بها إنْ أيسَرَ في عدَّتِها؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ وابنُ المُنذِرِ إلى أنَّ الحاكِمَ إذا فرَّقَ بينَهُما فهو فَسخٌ لا رَجعةَ له فيه؛ لأنها فُرقةٌ لعَجزِه عن الواجِبِ لها عليهِ، أشبَهَتْ فُرقةَ العُنةِ، فأما إنْ أجبَرَه الحاكِمُ على الطَّلاقِ فطلَّقَ أقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ فلَه الرَّجعةُ عليها ما دامَتْ في العدَّةِ، فإنْ راجَعَها وهو مُعسرٌ أو امتَنعَ مِنْ الإنفاقِ عليها ولم يُمكنِ الأخذُ مِنْ مالِه فطلَبَتِ المَرأةُ الفَسخَ فللِحاكمِ الفَسخُ؛ لأنَّ المُقتضِي له باقٍ، أشبَهَ ما قبلَ الطلاقِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: الحاكِمُ إذا أوقَعَ على الزَّوجِ طَلقةً لأجْلِ عُسرِه بالنَّفقةِ فهيَ طَلقةٌ رَجعيةٌ، فإذا أرادَ الزَّوجُ أنْ يُراجعَها فإنه لا يُمكَّنُ مِنْ ذلكَ، بل ولا يَصحُّ إلا بعدَ أنْ يُوجدَ معَه يَسارٌ يَقومُ بواجِبِ مِثلِها لا أقَلَّ؛ لأنَّ الطَّلقةَ التي أوقَعَها الحاكِمُ إنما كانَتْ لأجلِ ضَررِ فَقرِه، فلا يُمكَّنُ مِنْ الرَّجعةِ إلا إذا زالَ مُوجِبُ الطَّلقةِ وهو الإعسارُ، إلا أنْ تَرضَى؛ لأنَّ الحقَّ لها.

стр. 11648

واختُلفَ في قَدرِ الزَّمنِ الذي إذا أيسَرَ به كانَ له الرَّجعةُ، فلِابْنِ القاسِمِ وابنِ الماجشُونِ: نَفقةُ شَهرٍ: وقيلَ: نِصفُ شَهرٍ، وقيلَ: إذا وجَدَ ما لو قدَرَ عليهِ أولًا لم يُطلَّقْ عليهِ، قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: وينبغي أنْ تُؤوَّلَ هذهِ الأقوالُ على ما إذا ظنَّ أنْ يَقدرَ على إدامةِ النَّفقةِ بعدَ ذلكَ (١). نَفقةُ المعتدَّاتِ: المُعتدةُ إما أنْ تَكونَ مُعتدَّةً مِنْ وَفاةٍ، وهذهِ إمَّا أنْ تَكونَ حامِلًا أو غيرَ حامِلٍ، وإمَّا أنْ تَكونَ مُعتدةً مِنْ طَلاقٍ، وهو إمَّا أنْ يَكونَ طَلاقًا رَجعيًّا أو بائنًا، ولكُلِّ واحدةٍ مِنْ هَؤلاءِ حُكمُها. النَّفقةُ على المتوفَّى عَنها زَوجُها: المُتوفَّى عنها زَوجُها إمَّا أنْ تَكونَ حائِلًا غيرَ حامِلٍ، وإمَّا أنْ تَكونَ حامِلًا: أولاً: أنْ تَكونَ حائِلاً غيرَ حامِلٍ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا لم تَكنْ حامِلًا أنه لا نَفقةَ لها. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأما المُتوفَّى عنها زَوجُها فلا نَفقةَ لها بالإجماعِ (٢).

стр. 11649

ثانيًا: أنْ تَكونَ حامِلًا: وأما النَّفقةُ على المُتوفَّى عنها زَوجُها إذا كانَتْ حامِلًا فقدِ اختَلفُوا فيها، وعامَّةُ الفُقهاءِ على عَدمِ الوُجوبِ. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختَلفُوا في وُجوبِ نَفقةِ الحامِلِ المُتوفَّى عنها زَوجُها. فقالَتْ طائفةٌ: لا نَفقةَ لها، كذلكَ قالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ المُسيبِ وعَطاءٌ والحَسنُ وعِكرمةُ وعبدُ المَلكِ بنُ يَعلى ويَحيَى الأنصاريُّ ورَبيعةُ ومالكٌ وأحمَدُ وإسحاقُ، وحَكَى أبو يُوسفَ ذلكَ عن أصحابِ الرأيِ. وفيه قَولٌ ثانٍ: وهو أنَّ لها النَّفقةَ مِنْ جَميعِ المالِ، روينَا هذا القولَ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ، وبه قالَ ابنُ عُمرَ وشُريحٌ وابنُ سِيرينَ والشعبيُّ وأبو العاليةِ والنخَعيُّ وخلاسُ بنُ عَمرٍو وحمَّادُ بن أبي سُليمانَ وأيوبُ السِّختيانِيُّ وسُفيانُ الثوريُّ وأبو عُبيدٍ. قالَ أبو بَكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لأنهُم أجمَعُوا على أنَّ نَفقةَ كلِّ مَنْ كانَ يُجبَرُ على نَفقتِه وهو حَيٌّ -مثلَ أولادِه الأطفالِ وزَوجاتِه ووالِدَيهِ- يَسقطُ عنهُ، فكذلكَ يَسقطُ عنه نَفقةُ الحامِلِ مِنْ أزواجِه (١). السُّكنى والنَّفقةُ للمُطلَّقةِ ثَلاثًا أو بائنًا: المَرأةُ المُطلَّقةُ طلاقًا بائنًا لا تَخلُو مِنْ حالتَينِ: إما أنْ تَكونَ حامِلًا أو غيرَ حامِلٍ:

стр. 11650

الحالةُ الأُولى: أنْ تكونَ المطلَّقةُ ثَلاثًا أو بائِنًا حامِلًا: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُطلقةَ البائنَ إنْ كانَتْ حامِلًا أنه يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ نَفقةَ المطلَّقةِ ثلاثًا وهي حامِلٌ واجِبٌ؛ لقَولِه جَلَّ ذِكرُه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآيَة (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ كانَ الطلاقُ ثَلاثًا أو بائنًا فلَها النَّفقةُ والسُّكنى إنْ كانَتْ حامِلًا بالإجماعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ للمُعتدَّةِ الرَّجعيةِ النَّفقةُ والسُّكنى، وكذلكَ الحامِلِ؛ لقَولِه تعالَى في الرَّجعياتِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ الآيَة، ولقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الرَّجلُ إذا طلَّقَ امرَأتَه طلاقًا بائنًا فإما أنْ يكونَ ثَلاثًا أو بخُلعٍ أو بانَتْ بفَسخٍ وكانَتْ حامِلًا، فلها النَّفقةُ والسُّكنى

стр. 11651

بإجماعِ أهلِ العِلمِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي بَعضِ أخبارِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «لا نَفقةَ لكِ إلا أنْ تَكوني حامِلًا»، ولأنَّ الحَملَ وَلدُه، فيَلزمُه الإنفاقُ عليهِ، ولا يُمكنُه النَّفقةُ عليه إلا بالإنفاقِ عليها، فوجَبَ كما وجَبَتْ أُجرةُ الرَّضاعِ (١). الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ المطلَّقةُ الثَّلاثُ أو البائنُ حائِلاً غيرَ حامِلٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المطلَّقةِ البائنِ أو الثَّلاثِ إذا طلَّقَها زَوجُها هل يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى في حالِ عدَّتِها؟ أم تَجبُ النَّفقةُ فقط؟ أم تَجبُ السُّكنَى؟ أم لا يَجبُ لها شَيءٌ مُطلَقًا؟ والكَلامُ هُنا سيَكونُ في مَوضعينِ: الموضِعُ الأولُ: هل تَجبُ للمُطلَّقةِ الثَّلاثِ السُّكنى: اختَلفَ الفُقهاءُ في البائِنِ والمُطلَّقةِ ثَلاثًا هل تَجبُ لها السُّكنى أم لا؟ فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَبتوتةَ والمطلَّقةَ ثَلاثًا ليسَ لها سُكنى؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ قالَ: دخَلْتُ على فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فسَألتُها عن قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ عليها، فقالَتْ: «طلَّقَها زَوجُها البتَّةَ فقالَتْ: فخاصَمتُه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في السُّكنى والنَّفقةِ، قالَتْ: فلَم يَجعَلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً، وأمَرَني أنْ أعتَدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ» (٢).

стр. 11652

وفي رِوايةٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ عن النبيِّ ﷺ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا قالَ: «ليسَ لها سُكنَى ولا نَفقةٌ» (١). وعن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: «أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (٢). ورَوى عامرٌ أنه قالَ: «قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : انظُرِي يا ابنَةَ آلِ قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ،

стр. 11653

ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فقدْ أنكَرَ عليها عُمرُ وقالَ: «ما كُنَّا لِنَدَعَ كتابَ ربِّنا وسُنةَ نَبيِّنا لقَولِ امرأةٍ لا نَدرِي أصَدقَتْ أم كذَبَتْ»، وقالَ عُروةُ: «لقدْ عابَتْ عائِشةُ ذلكَ أشَدَّ العيبِ، وقالَ: إنها كانَتْ في مَكانٍ وَحشٍ فخِيفَ على ناحِيتِها»، وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ: تلكَ امرَأةٌ فتَنَتِ الناسَ، إنها كانَتْ لَسِنةً فوُضعَتْ على يَديِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ الأعمَى. قُلنا: أما مُخالَفةُ الكتابِ فإنَّ فاطِمةَ لمَّا أنكَرُوا عليها قالَتْ: «بَيني وبَينَكُم كتابُ اللهِ، قالَ تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١]، فأيُّ أمرٍ يُحدِثُ بعدَ الثَّلاثِ؟! فكيفَ تَقولونَ: «لا نَفقةَ لها إذا لم تَكنْ حامِلًا»، فعَلامَ تَحبسونَها؟ فكيفَ تُحبَسُ امرأةٌ بغيرِ نَفقةٍ؟! وأما قَولُهم: «إنَّ عُمرَ قالَ: «لا نَدعُ كِتابَ ربِّنا»» فقدْ أنكَرَ أحمَدُ هذا القولَ عن عُمرَ، قالَ: ولكنَّه قالَ: «لا نُجيزُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ»، وهذا مُجمَلٌ على خِلافِه، وقد أخَذْنا بخبَرِ فُريعةَ وهي امرأةٌ، وبرِوايةِ عائِشةَ وأزواجِ رَسولِ اللهِ ﷺ في كَثيرٍ مِنْ الأحكامِ، وصارَ أهلُ العِلمِ إلى خبَرِ فاطِمةَ هذا في كَثيرٍ مِنْ الأحكامِ، مثلَ سُقوطِ نَفقةِ المَبتوتةِ إذا لم تَكنْ حامِلًا، ونَظرِ المَرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطبةِ الرَّجلِ على خِطبةِ أخيه إذا لم تَكنْ سكَنَتْ إلى الأولِ.

стр. 11654

وأما تَأويلُ مَنْ تأوَّلَ حَديثَها فليسَ بشَيءٍ؛ فإنها تُخالِفُهم في ذلكَ وهي أعلَمُ بحالِها، ولم يَتفِقِ المُتأوِّلونَ على شَيءٍ، وقد رُدَّ على مَنْ رَدَّ عليها، فقالَ مَيمونُ بنُ مَهرانَ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ قالَ: تلكَ امرأةٌ فتَنَتِ الناسَ، لَئِنْ كانَتْ إنما أخَذَتْ بما أفتاها رَسولُ اللهِ ﷺ ما فتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لنا في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوةٌ حَسنةٌ، مع أنها أحرَمُ الناسِ عليهِ ليسَ له عليها رَجعةٌ ولا بينَهُما ميراثٌ، وقولُ عائِشةَ: «إنها كانَتْ في مَكانٍ وَحِشٍ» لا يَصحُّ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ بغيرِ ذلكَ فقالَ: «يا ابنةَ آلِ قَيسٍ إنما السُّكنَى والنَّفقةُ ما كانَ لزَوجِكِ عليكِ الرَّجعةُ» هكذا رَواهُ الحُميديُّ والأثرَمُ. ولأنه لو صَحَّ ما قالَتْه عائِشةُ أو غيرُها مِنْ التأويلِ ما احتاجَ عُمرُ في رَدِّه إلى أنْ يَعتذرَ بأنه قَولُ امرأةٍ، ثم فاطِمةُ صاحبةُ القِصةِ وهي أعرَفُ بنَفسِها وبحالِها، وقد أنكَرَتْ على مَنْ أنكَرَ عليها، ورَدَّتْ على مَنْ رَدَّ خبَرَها أو تأوَّلَه بخِلافِ ظاهِرِه، فيَجبُ تَقديمُ قولِها؛ لمَعرفتِها بنَفسِها ومُوافقتِها ظاهِرَ الخبَرِ كما في سائرِ ما هذا سَبيلُه (١). وقالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولهذا لمَّا رَأى عُمرُ ﵁ أنَّ المَبتوتةَ لها السُّكنى والنَّفقةُ فظَنَّ أنَّ القُرآنَ يَدلُّ عليه نازَعَه أكثَرُ الصَّحابةِ، فمنهُم مَنْ قالَ: «لها السُّكنى فقطْ»، ومنهُم مَنْ قالَ: «لا نَفقةَ لها ولا سُكنَى»، وكانَ مِنْ هَؤلاءِ ابنُ عبَّاسٍ وجابرُ وفاطِمةُ بنتُ قَيسٍ وهي التي رَوَتْ عن النبيِّ أنه

стр. 11655

قالَ: «ليسَ لكِ نَفقةٌ ولا سُكنَى»، فلمَّا احتَجُّوا عليها بحُجةِ عُمرَ وهي قولُه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] قالَتْ هي وغيرُها مِنْ الصَّحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ وغيرِهما: «هذا في الرَّجعيةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١] فأيُّ أمرٍ يُحدِثُ بعدَ الثَّلاثِ»، وفُقهاءُ الحَديثِ كأحمَدَ بنِ حَنبلٍ في ظاهرِ مَذهبِه وغيرِه مِنْ فُقهاءِ الحَديثِ مع فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ للبائنِ وللمُطلَّقةِ ثَلاثًا السُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فكانَ على عُمومِه في الزَّوجاتِ والمُطلَّقاتِ وإنْ كانَ بالمُطلَّقاتِ أخَصَّ؛ لأنَّ ما قبلَها وبعدَها دَليلٌ عليهِ، ولأنها مُعتدةٌ عن طَلاقٍ، فكانَ لها السُّكنى كالرَّجعيةِ. ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لفُريعةَ بنتِ مالِكٍ -وهي أختُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ- حينَ أخبَرَتْه أنَّ زوْجَها قُتلَ ولم يَتركْها في مَسكنٍ يَملكُه: «امكُثِي في بَيتِكِ حتى يَبلغَ الكتابُ أجَلَه»، فلمَّا أوجَبَ السُّكنى لها في عدَّةِ الوَفاةِ فأَولَى أنْ تَجبَ لها في عدَّةِ الطلاقِ، ولأنها مُعتدةٌ مِنْ طَلاقٍ فوجَبَ لها السُّكنى كالرَّجعيةِ. وأجابوا عن حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ بأنَّ كِبارَ الصَّحابةِ كعُمرَ ﵁ أنكَرَ عليها هذا في جَماعةِ الصَّحابةِ، فرَوى مُسلمٌ عن أبي إسحاقَ قالَ: كنتُ

стр. 11656

مع الأسوَدِ بنِ يَزيدَ جالسًا في المَسجدِ الأعظَمِ ومَعَنا الشَّعبيُّ، فحدَّثَ الشَّعبيُّ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَجعلْ لها سُكنَى ولا نَفقةً، ثمَّ أخَذَ الأسوَدُ كفًّا مِنْ حصًى فحصَبَه به فقالَ: ويلَكَ تُحدِّثُ بمِثلِ هذا؟! قالَ عُمرُ: لا نَتركُ كِتابَ اللهِ وسُنةَ نَبيِّنا ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لا نَدري لعَلَّها حَفظَتْ أو نَسيَتْ، لها السُّكنى والنَّفقةُ، قالَ اللهُ : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] (١). وعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٢). وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٣). قالوا: فهذا عُمرُ ﵁ قد أنكَرَ حَديثَ فاطِمةَ هذا ولم يَقبلْه، وقد أنكَرَه عليها أيضًا أُسامةُ بنُ زَيدٍ، فعَن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قالَ: كانت فاطِمةُ بنتُ قَيسٍ تُحدِّثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ لها: «اعتَدِّي في

стр. 11657

بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، وكانَ مُحمدُ بنُ أُسامةَ بنِ زَيدٍ يَقولُ: كانَ أُسامةُ إذا ذكَرَتْ فاطِمةُ مِنْ ذلكَ شَيئًا رَماها بِما كانَ في يدِه (١). فهذا أُسامةُ بنُ زَيدٍ قد أنكَرَ مِنْ ذلكَ أيضًا ما أنكَرَه عُمرُ ﵁، وقد أنكَرَتْ ذلكَ أيضًا عائِشةُ ﵂، فعَن يَحيَى بنِ سَعيدٍ قالَ: سَمعتُ القاسمَ بنَ مُحمدٍ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ يَذكُرانِ أنَّ يَحيَى بنَ سَعيدِ بنِ العاصِ طلَّقَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحَكمِ، فانتَقَلَها عبدُ الرَّحمنِ بنُ الحَكمِ، فأرسَلَتْ عائِشةُ إلى مَروانَ وهو أميرُ المَدينةِ أنِ اتَّقِ اللهَ واردُدِ المَرأةَ إلى بَيتِها، فقالَ مَروانُ في حَديثِ سُليمانَ: إنَّ عبدَ الرَّحمنِ غَلَبَني، وقالَ في حَديثِ القاسِمِ: أمَا بلَغَكَ حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقالَتْ عائِشةُ: لا يضُرُّك أنْ لا تَذكرَ حَديثَ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، تَعني أنَّ تلكَ كانَ لها قِصةٌ أُخرجَتْ لها، فقالَ مَروانُ: إنْ كانَ بِك الشرُّ فحَسبُك ما بينَ هَذينِ مِنْ الشرِّ. يَعني: أنَّني أخرَجْتُها لأجلِ الشرِّ الذي أُخرجَتْ فاطِمةُ مِنْ أجْلِه. وعن الرَّحمنِ بن القاسِمِ عن أبيه قالَ: قالَتْ عائِشةُ: «ما لفاطِمةَ مِنْ خبَرٍ في أنْ تَذكرَ هذا الحَديثَ؟»، يعني قَولَها: «لا نَفقةَ ولا سُكنَى». فهذهِ عائِشةُ ﵂ لم ترَ العَملَ بحَديثِ فاطِمةَ أيضًا. وقد صرَفَ ذلكَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ إلى معنًى آخَرَ، فعَن عَمرِو بنِ مَيمونٍ عن أبيه قالَ: قلتُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: أينَ تَعتدُّ المُطلَّقةُ ثَلاثًا؟ فقالَ: في بَيتِها، فقلتُ له: أليسَ قد أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فاطِمةَ بنتَ

стр. 11658

قَيسٍ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ؟ فقالَ: تلكَ المَرأةُ فَتنَتِ الناسَ واستَطالَتْ على أحمائِها بلِسانِها، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ وكانَ رَجلًا مَكفوفَ البَصرِ. وعن ابنِ شِهابٍ قالَ: حدَّثَني أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أخبَرَتْه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اعتَدِّي في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، فأنكَرَ الناسُ عليها ما كانَتْ تُحدِّثُ بهِ مِنْ خُروجِها قبلَ أنْ تَحِلَّ. فهذا أبو سَلمةَ يُخبِرُ أيْضًا أنَّ الناسَ قد كانُوا أنكَرُوا ذلكَ على فاطِمةَ وفيهِم أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ومَن لَحِقَ بهم مِنْ التَّابعينَ، فقدْ أنكَرَ عُمرُ وأُسامةُ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ مع مَنْ سَمَّيْنا معهُم في حَديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ هذا ولم يَعملُوا به، وذلكَ مِنْ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ بحَضرةِ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلَم يُنكِرْه عليهِ مِنهم مُنكِرٌ، فدَلَّ تَركُهم النَّكيرَ في ذلكَ عليه أنَّ مَذهبَهُم فيه كمَذهبِه (١). الموضِعُ الثاني: هل تَجبُ للمُطلَّقةِ الثَّلاثِ النَّفقةُ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في المُطلَّقةِ البائِنةِ والثَّلاثِ هل تَجبُ لها النَّفقةُ في مُدةِ العدَّةِ أم لا تَجبُ لها النَّفقةُ؟

стр. 11659

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي قِراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ وَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ»، ولا اختِلافَ بينَ القِراءتَينِ، لكنَّ إحداهُما تَفسيرُ الأخرَى، كقَولِه : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ «أَيْمَانَهُمَا»، وليسَ ذلكَ اختِلافَ القَراءةِ، بل قِراءتُه تَفسيرُ القِراءةِ الظاهرةِ، كذا هذا. ولأنَّ الأمرَ بالإسكانِ أمرٌ بالإنفاقِ؛ لأنها إذا كانَتْ مَحبوسةً مَمنوعةً عن الخُروجِ لا تَقدرُ على اكتِسابِ النَّفقةِ، فلو لم تَكنْ نَفقتُها على الزَّوجِ ولا مالَ لها لَهلكَتْ أو ضاقَ الأمرُ عليها وعَسُرَ، وهذا لا يَجوزُ، وقَولُه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما قبلَ الطلاقِ وبعدَه في العدَّةِ، ولأن النَّفقةَ إنما وجَبَتْ قبلَ الطَّلاقِ؛ لكَونِها مَحبوسةً عن الخُروجِ والبُروزِ لحَقِّ الزوجِ، وقد بَقيَ ذلكَ الاحتباسُ بعدَ الطلاقِ في حالةِ العدَّةِ، وتَأبَّدَ بانضِمامِ حَقِّ الشَّرعِ إليه؛ لأنَّ الحَبسَ قبلَ الطلاقِ كانَ حَقًّا للزَّوجِ على الخُلوصِ، وبعدَ الطَّلاقِ تَعلَّقَ به حقُّ الشرعِ، حتَّى لا يُباحُ لها الخُروجُ وإنْ أَذِنَ الزَّوجُ لها بالخُروجِ، فلمَّا وجَبَتْ به النَّفقةُ قبلَ التأكُّدِ فلَأنْ تَجبَ بعدَ التأكُّدِ أَولى. وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ففيها أمرٌ بالإنفاقِ على الحامِلِ، وإنه لا يَنفي وُجوبَ الإنفاقِ على غيرِ الحامِلِ،

стр. 11660

ولا يُوجِبُه أيضًا، فيَكونُ مَسكوتًا مَوقوفًا على قيامِ الدَّليلِ، وقد قامَ دَليلُ الوُجوبِ وهو ما ذكَرْنا. وأما حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقدْ رَدَّه عُمرُ ﵁، فعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (١). وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٢). ثمَّ قد قيلَ في تَأويلِه أنها كانَتْ تَبذُو على أحمائِها -أي: تَفحشُ عليهِم باللِّسانِ، مِنْ قَولِهم: بَذوتُ على فُلانٍ، أي: فَحشتُ عليهِ- أي: كانَتْ تُطيلُ لِسانَها عليهِم بالفُحشِ، فنقَلَها رَسولُ اللهِ إلى بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، ولم يَجعلْ لها نَفقةً ولا سُكنَى؛ لأنها صارَتْ كالناشِزةِ إذا كانَ سَببُ الخُروجِ منها، وهكذا نَقولُ فيمَن خرَجَتْ مِنْ بيتِ زَوجِها في عدَّتِها، أو كانَ منها سَببٌ أوجَبَ الخُروجَ أنها لا تَستحقُّ النَّفقةَ ما دامَتْ في بَيتِ غيرِ الزَّوجِ، وقيلَ: إنَّ زوْجَها كانَ غائبًا فلَم يَقْضِ لها بالنَّفقةِ والسُّكنى على الزوجِ لغَيبتِه؛ إذ لا يَجوزُ القَضاءُ على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ.
следующие страницы →