قال ابنُ عابدِينَ ﵀: لا يُشترَطُ استِقبالُ القِبلةِ في الابتِداءِ؛ لأنَّه لمَّا جازَتِ الصَّلاةُ إلى غيرِ جِهةِ الكَعبةِ، جازَ الافتِتاحُ إلى غيرِ جِهَتِها. اه (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: قالَ الحَسنُ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يُصَلُّونَ على دَوابِّهِم حيثُما كانَت وُجوهُهُم، وبه قالَ طاوُسٌ وعَطاءٌ، وهو قولُ مالِكٍ وسُفيانَ الثَّوريِّ والأوزاعيِّ والشافِعيِّ وأحمدَ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرَّأيِ، غيرَ أنَّ أحمدَ وأبا ثَورٍ كانا يَستَحبَّانِ لِلمُصلِّي في السَّفرِ على الدَّابَّةِ أن يَستَقبِلَ القِبلَةَ بالتَّكبيرِ؛ لحَديثِ أنَسٍ (٢).
وقالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ صَلاةِ النَّافِلةِ على الدَّابَّةِ حيثُ تَوجَّهَت برِكابِها في السَّفرِ، وقد ذكَرنا حَديثَ جابرٍ قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي أينَما كانَ وَجهُه على الدَّابَّةِ.
وعنِ الحَسنِ قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يُصَلُّونَ في أسفارِهِم على دَوابِّهم أينَما كانَت وُجوهُهم. وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ كلِهم في تَطوُّعِ المُسافرِ على دَابَّتِه، حيثُ تَوجَّهَت بِه لِلقِبلَةِ وغيرِها، يُومِئُ إيماءً يَجعلُ السُّجودَ أخفَضَ من الرُّكوعِ، ويتشهَّدُ ويسلِّمُ، وهو جالِسٌ على دَابَّتِه وفي مَحَلِّه، إلَّا أنَّ بينَهم جَماعةً يَستَحبُّونَ أن يَفتتِحَ المُصلِّي صَلاتَه على القِبلَةِ في تَطوُّعِه على دَابَّتِه مُحرِمًا بها، وهو مُستَقبِلٌ القِبلةَ، ثم لا يُبالِي حيثُ تَوجَّهت بِه.
стр. 1192
ومنهُم مَنْ لم يَستَحبَّ ذلك، وقالَ: كمَا يَجوزُ له أن يَكونَ في سائرِ صَلاتِه إلى غيرِ القِبلةِ عامِدًا وهو عالِمٌ بذلك، فكَذلكَ افتِتاحُه لها، وإلى هذا ذَهب مالِكٌ وأصحابُه. وذَهب الشافِعيُّ وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ وأبو ثَورٍ إلى القولِ الأوَّلِ، واحتَجَّ بَعضُهم بحَديثِ أنَسٍ السابقِ.
وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ وأبو ثَورٍ: هَكذا يَنبَغِي لِمَنْ يَتنفَّلُ على راحِلَتِه في السَّفرِ.
وكانَ عَبد اللهِ بنُ عمرَ يَقولُ في قولِه تَعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. إنَّها نزلَت في صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في سَفرِه التَّطوُّعَ على الرَّاحِلةِ، وهوَ تَأويلٌ حَسَنٌ تُعَضِّدُه السُّنةُ (١).
وما ذكرَه ابنُ عَبد البرِّ عن الشافِعيِّ وأحمدَ هو إحدَى الرِّوايَتَينِ عنهُما كمَا تَقدَّم، إلَّا أنَّ هناكَ تَفصيلًا عندَهم.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وحاصِلُ ما ذكرَهُ الأصحابُ أنَّ المُتنفِّلَ الرَّاكبَ في السَّفرِ إذا لم يُمكِنه الرُّكوعُ والسُّجودُ والاستِقبالُ في جَميعِ صَلاتِه بأن كانَ على سَرجٍ وَقَتبٍ ونحوِهِما، ففي وُجوبِ استِقبالِه القِبلةَ عندَ الإحرامِ أربَعةُ أوجُهٍ:
أصحُّها: إن سَهلَ وجبَ، وإلَّا فلا، فالسَّهلُ أن تَكونَ الدَّابَّةُ واقِفةً وأمكَنَ انحِرافُه عليها أو تَحريفُها، أو كانَت سائِرةً وبيَدِه زِمامُها؛ فهيَ سَهلةٌ. وغيرُ السَّهلةِ أن تَكونَ مُقَطَّرةً أو صَعبةً.
стр. 1193
والثَّاني: لا يجبُ الاستِقبالُ مُطلَقًا، وصحَّحه المُصَنِّفُ -أي: الشِّيرازيُّ- وشَيخُه القاضِي أبُو الطَّيِّبِ.
والثَّالثُ: يجبُ مُطلَقًا، فإن تَعَذَّرَ لم تَصحَّ صَلاتُه.
الرَّابعُ: إن كانَتِ الدَّابَّةُ عندَ الإحرامِ مُتوَجِّهَةً إلى القِبلةِ أو طَريقِه أحرَم كما هو، وإن كانَت إلى غيرِها لم يَصحَّ الإحرامُ إلَّا إلى القِبلةِ، وقالَ القاضِي حُسَينٌ: نَصَّ الشافِعيُّ ﵀ في مَوضِعٍ على وُجوبِ الاستِقبالِ، وفي مَوضِعٍ: أنَّه لا يجبُ، فقيلَ: قولَانِ، وقيلَ: حالانِ، ويُفرَّقُ بينَ السَّهلِ وغيرِه، والاعتِبارُ في الاستِقبالِ بالرَّاكبِ دونَ الدَّابَّةِ، فلوِ استَقبَلَ هو عندَ الإحرامِ والدَّابَّةُ مُنحرِفةٌ أو مُستَدِيرةٌ أجزَأَهُ بِلا خِلافٍ، وعَكسُه: لا يَصحُّ إذا شَرَطنَا الاستِقبالَ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإن أمكَنَ افتِتاحُها إلى القِبلةِ كرَاكبِ راحِلةٍ مُنفَردةٍ تُطِيعُه، فهل يَلزمُه افتِتاحُها إلى القِبلةِ؟ يُخرَّجُ فيه رِوايتَانِ:
إحداهُما: يَلزمُه لمَا رَوى أنَسٌ … الحَديثَ، ولأنَّه أمكَنَه ابتِداءُ الصَّلاةِ إلى القِبلَةِ، فلزِمه ذلكَ، كالصَّلاةِ كلِّها.
والأُخرى: لا يَلزمُه؛ لأنَّه جُزءٌ مِنْ أجزاءِ الصَّلاةِ، أشبَهَ سائِرَ أجزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخلُو من مَشقَّةٍ، فسقطَ، وخَبرُ النَّبيِّ ﷺ يُحمَلُ على الفَضيلةِ والنَّدبِ (٢).
стр. 1194
وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وكانَ مِنْ هَديِه ﷺ صَلاةُ التَّطوُّعِ على راحِلَتِه حيثُ تَوَجَّهَت بِه، يُومِئُ إيماءً برَأسِه في رُكوعِه وسُجودِه، وسُجودُهُ أخفَضُ مِنْ رُكوعِه، ورَوى أحمدُ وأبو داودَ عنه مِنْ حَديثِ أنَسٍ أنَّه كانَ يَستَقبِلُ القِبلةَ عندَ تَكبيرةِ الافتِتاحِ، ثم يُصلِّي سائِرَ الصَّلواتِ حينَ تَوجَّهت بِه.
ثم قالَ ﵀: «وفِي هذا الحَديثِ نَظرٌ: وسائِرُ مَنْ وَصَفَ صَلاتَه ﷺ على رَاحِلَتِه أطلَقُوا أنَّه كانَ يُصلِّي عليها قِبَلَ أيِّ جِهةٍ تَوَجَّهَت به، ولم يَستَثنُوا من ذلك تَكبيرةَ الإحرامِ ولا غيرَها، كعامِرِ بنِ رَبيعةَ (١)، وعَبد اللهِ بنِ عمرَ (٢)، وجابرِ بنِ عَبد الله (٣)، وأحاديثُهم أصحُّ من حَديثِ أنَسٍ هذا، واللهُ أعلَمُ» (٤).
المُسافِرُ سَفرًا لا تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ: هل له أن يَتنفَّلَ على راحِلَتِه ودَابَّتِه أو لا؟ وهل له أن يُصلِّيَ على الرَّاحِلةِ في الحَضرِ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسافرِ سَفرًا لا يَقصُرُ فيه الصَّلاةَ، هل له أن يَتنَفَّلَ على راحِلَتِه أو لا؟ على قولَينِ:
стр. 1195
الأوَّلُ: وهو قولُ الإمامِ مالِكٍ وأصحابِه أنَّه لا يَتطوَّعُ على الرَّاحِلةِ إلَّا في سَفرٍ يَقصُرُ في مِثلِه الصَّلاةَ.
وحُجَّتُهم في ذلك أنَّ الأسفارَ التي حَكى ابنُ عمرَ وغيرُه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه صلَّى فيها على راحِلَتِه تَطوُّعًا كانَت ممَّا تُقصَرُ فيها الصَّلاةُ، فكَأنَّ الرُّخصةَ خرَجتَ على ذلك؛ فلا يَنبَغِي أن تَتَعَدَّى؛ لأنَّه شَيءٌ وقعَ به البَيانُ؛ كَأنَّه قالَ: إذا سافَرتُم مثلَ سَفرِي هذا فافعَلُوا بفِعلِي هذا.
القولُ الآخَرُ: وهو قولُ جُمهورِ العُلماءِ أبي حَنيفَةَ والشافِعيِّ وأحمدَ وأصحابِهم: أنَّه يَجوزُ التَّطوُّعُ على الرَّاحِلةِ في خارِجِ المِصرِ في كلِّ سَفرٍ، وسَواءٌ كانَ ممَّا تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ أو لا.
وحُجَّتُهم في هذا أنَّ الآثارَ في هذا البابِ ليس في شَيءٍ منها تَخصيصُ سَفرٍ، فكلُّ سَفرٍ جائِزٌ ذلك فيه، إلَّا أن يَخُصَّ شَيئًا من الأسفارِ ممَّا يجبُ التَّسليمُ لَه (١).
أمَّا الصَّلاةُ في الحَضرِ -المِصرِ- على الرَّاحِلةِ:
فقالَ أبو يُوسفَ: يُصلِّي في المِصرِ على الدَّابَّةِ أيضًا بالإيماءِ، وهو قولُ أبي سَعيدٍ الإِصطَخرِيِّ من الشافِعيَّةِ وأحَدُ القولَينِ في مَذهبِ الإمامِ أحمدَ (٢).
قالَ النَّوويُّ ﵀: في تنَفُّلِ الحاضِرِ أربَعةُ أوجُهٍ: الصَّحيحُ المَنصوصُ
стр. 1196
الذي قالَه جُمهورُ أصحابِنا المُتقَدِّمينَ: لا يَجوزُ لِلماشِي ولا لِلرَّاكِبِ، بل لنافِلتِه حكمُ الفَريضةِ في كلِّ شَيءٍ غيرِ القِيامِ؛ فإنَّه يَجوزُ التَّنفُّلُ قاعِدًا.
والثَّاني: قالَه أبو سَعيدٍ الأصطَخرِيُّ: يَجوزُ لهُمَا، قالَ القاضِي حُسَينٌ وغيرُه: وكانَ أبو سَعيدٍ الأصطَخرِيُّ مُحتسِبَ بَغدادٍ، ويَطوفُ في السِّكَكِ وهو يُصلِّي على دَابَّتِه.
والثَّالثُ: يَجوزُ للرَّاكِبِ دونَ الماشِي. حَكاه القاضِي حُسَينٌ؛ لأنَّ الماشِيَ يُمكِنُه أن يَدخُلَ مَسجدًا بخِلافِ الرَّاكبِ.
والرابِعُ: يَجوزُ بشَرطِ استِقبالِ القِبلةِ في كلِّ الصَّلاةِ.
قال الرَّافِعيُّ: هذا اختيارُ القَفَّالِ (١).
وقالَ الأثرَمُ: قيلَ لِأحمدَ بنِ حَنبَلٍ: التَّنفُّلُ على الدَّابِّةِ في الحَضرِ. فقالَ: أمَّا في السَّفرِ فقد سَمِعنَا، وإنَّما في الحَضرِ فما سَمِعنَا (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: وهل يَسوغُ ذلك في الحَضرِ -أي: الصَّلاةُ على الرَّاحِلةِ-؟ فيه قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه (٣).
صَلاةُ المُسافرِ لِلنَّافِلةِ ماشِيًا:
اختَلفَ العُلماءُ في جَوازِ صَلاةِ المُسافرِ النَّافِلةَ ماشيًا على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّ هذا لا يَجوزُ، وهو قولُ أبي حَنيفَةَ ومالِكٍ وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ في إحدَى الرِّوايتَينِ عنه.
стр. 1197
القولُ الآخَرُ: أنَّ له أن يُصلِّيَ النَّافِلةَ ماشِيًا، وهو قولُ الشافِعيِّةِ وأحمدَ في الرِّوايةِ الثَّانيةِ عنه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والرِّوايةُ الثَّانيةُ له أن يُصلِّيَ ماشيًا، نقلَها مُثَنى ابنُ جامِعٍ وذكرَها القاضِي وغيرُه، وعليه أن يَستقبِلَ القِبلةَ لافتِتاحِ الصَّلاةِ، ثم يَنحرِفَ على جِهَةِ سَيرِه، ويَقرأَ وهوَ ماشٍ ويَركَعَ ثم يَسجُدَ على الأرضِ، وهذا مَذهبُ عَطاءٍ والشافِعيِّ.
وقالَ الآمِديُّ: يُومِئُ بالرُّكوعِ والسُّجودِ كالرَّاكبِ؛ لأنَّها حالةٌ أُبِيحَ فيها تَركُ الاستِقبالِ فلم يَجِب عليه الرُّكوعُ والسُّجودُ، وعلى قولِ القاضِي الرَّكوعُ والسُّجودُ ممكِنانِ من غيرِ انقِطاعِه عن جِهةِ سَيرِهِ، فلزِمه كالواقِفِ، واحتَجوا بأنَّ الصَّلاةَ أُبِيحَت للرَّاكِبِ لئلَّا يَنقطِعَ عن القافِلةِ في السَّفرِ، وهذا المعنَى مَوجودٌ في الماشِي؛ ولأنَّه إحدَى حالَتَي سَيرِ المُسافرِ؛ فأُبِيحَتِ الصَّلاةُ فيها كالآخرةِ.
ثم قالَ: ولنَا -أي: على الرِّوايةِ الأُولَى- أنَّه لم يُنقَل، ولا هو في معنَى المَنقولِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى عمَلٍ كَثيرٍ ومَشيٍ مُتَتابِعٍ يَقطعُ الصَّلاةَ ويَقتَضِي بُطلانَها، وهذا غيرُ مَوجودٍ في الرَّاكبِ فلم يَصحَّ إلحاقُه به، ولأنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] عامٌّ تُرِكَ في مَوضِعِ الإجماعِ بشُروطٍ مَوجودَةٍ ههُنا، فيَبقَى وُجوبُ الاستِقبالِ فيما عداه على مُقتضَى العُمومِ (١).
стр. 1198
صَلاةُ التَّراويح
التَّراويحُ: جَمعُ تَرويحةٍ، أي: تَرويحةٌ لِلنَّفسِ، أي: استِراحةٌ، مِنْ الرَّاحةِ، وهي زوالُ المَشقَّةِ والتَّعَبِ، والتَّرويحةُ في الأصلِ اسمٌ للجَلسةِ مُطلَقةً، وسُمِّيتِ الجَلسةُ التي بعدَ أربعِ رَكعاتٍ في ليالي رمضانَ التَّرويحةَ؛ للاستِراحةِ، ثم سُمِّيت كلُّ أربعِ رَكعاتٍ تَرويحةً، مجازًا، وسُمِّيت هذه الصَّلاةُ التَّراويحَ؛ لأنَّهم كانوا يُطيلونَ القيامَ فيها، ويَجلِسونَ بعدَ كلِّ أربَعِ رَكعاتٍ؛ للاستِراحةِ (١).
وصَلاةُ التَّراويحِ: هي قيامُ شَهرِ رَمضانَ، مَثنَى مَثنَى، على اختِلافٍ بينَ الفُقهاءِ في عددِ رَكعاتِها، وفي غيرِ ذلك مِنْ مسائِلِها (٢).
стр. 1199
الحُكم التَّكليفيُّ لِصَلاةِ التَّراويحِ:
صَلاةُ التَّراويحِ سُنَّةٌ بِإِجماعِ العُلماءِ، وهي عندَ العُلماءِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وهي سُنَّةٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ، وهي مِنْ أَعلامِ الدِّينِ الظَّاهرةِ (١).
وأوَّلُ مَنْ سَنَّها رَسولُ اللهِ ﷺ ، ورَغَّبَ فيها، فعن أبي هُريرةَ ﵁ قال: «كان رَسولُ اللهِ ﷺ يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمضَانَ مِنْ غيرِ أَنْ يَأمُرَهُم فيه بِعَزِيمَةٍ، فيَقولُ: «مَنْ قامَ رَمضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقدَّم مِنْ ذَنبِه» (٢).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: معناه: لا يأمُرُهم به أمرَ تَحتيمٍ وإلزامٍ، وهو العَزيمةُ، بل أمرُ نَدبٍ وتَرغيبٍ فيه، بذكرِ فَضلِه.
وقولُه ﷺ : «إيمانًا»، أي: تَصديقًا بأنَّه حَقٌّ، «واحتِسابًا». أي: بفِعلِه للهِ تعالى، لا رِياءً ولا نحوَه (٣).
قال الخَطيبُ الشِّرِبينيُّ والكَرمانيُّ وغيرُهما: اتَّفَقوا على أنَّ المُرادَ بقيامِ رَمضانَ في الحَديثِ المَذكورِ صَلاةُ التَّراويحِ (٤).
وقد صلَّى النَّبيُّ ﷺ بأصحابِه صَلاةَ التَّراويحِ في بعضِ
стр. 1200
اللَّيالي، ولم يُواظِب عليها، وبيَّن العُذرَ في تَركِ المُواظَبةِ، وهو خَشيةُ أن تُكتَبَ عليهم؛ فيَعجِزوا عنها، فعَن عائِشةَ ﵂ أنَّها قالت: «صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ في المَسجدِ، فَصلَّى بِصَلاتِه نَاسٌ، ثم صلَّى مِنْ القابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثم اجتَمَعُوا مِنْ اللَّيلَةِ الثَّالثَةِ، أوِ الرَّابعَةِ، فلم يَخرُج إِلَيهِم رَسولُ اللهِ ﷺ ، فلمَّا أصبَحَ قالَ: قد رأيتُ الذي صَنَعتُم، ولم يَمنَعنِي مِنْ الخُرُوجِ إِلَيكُم إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفرَضَ عَلَيكُم، وَذلك في رَمضَانَ» (١). زاد البُخاريُّ (٢): «وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفرَضَ عَلَيكُم فَتَعجِزُوا عنها»، فَتُوُفِّيَ رَسولُ اللهِ ﷺ وَالأَمرُ على ذلك.
قال الحافِظُ ابنُ حَجَر ﵀ في الفَتحِ: قوله: «فَتَعجِزُوا عنها»، أي: تَشُقَّ عليكم، فتَترُكوها مع القُدرةِ عليها، وليس المُرادُ العَجزَ الكلِّيَّ؛ لأنَّه يُسقِطُ التَّكليفَ مِنْ أصلِه.
ثم إنَّ ظاهِرَ هذا الحَديثِ أنَّه ﷺ تَوقَّعَ تَرتُّبَ افتِراضِ الصَّلاةِ باللَّيلِ جَماعةً على وُجودِ المُواظَبةِ عليها، وفي ذلك إشكالٌ، وقد بَناه بَعضُ المالِكيَّةِ على قاعِدَتِهم في أنَّ الشُّروعَ مُلزِمٌ، وفيه نَظرٌ، وأجابَ المُحِبُّ الطَّبريُّ بأنَّه يَحتمِلُ أن يَكونَ اللهُ تَعالَى أوحى إليه: إنَّكَ إن واظَبتَ على هذه الصَّلاةِ معهم، افتَرَضَها عليهم؛ فأحَبَّ التَّخفيفَ عنهم؛ فتركَ المُواظَبةَ. قال: ويَحتَمِلُ أن يَكونَ ذلك وقعَ في نَفسِه كما اتَّفق في بعضِ القُرَبِ التي
стр. 1201
داوَمَ عليها، فافتُرِضت. وقيلَ: خَشِيَ أن يَظُنَّ أحَدٌ مِنْ الأمَّةِ مِنْ مُداومَتِه عليها الوُجوبَ، وإلى هذا الأخيرِ نَحا القُرطُبيُّ، فقال: قولُه: «فَتُفرَضَ عَلَيكُم»، أي: تَظُنُّونَه فَرضًا، فيَجِبَ على مَنْ ظَنَّ ذلك، كما إذا ظَنَّ المُجتهِدُ حِلَّ شَيءٍ أو تَحريمَه، فإنَّه يجبُ عليه العملُ به، قالَ: وقيلَ: كان حكمُ النَّبيِّ ﷺ أنَّه إذا واظَبَ على شَيءٍ مِنْ أعمالِ البرِ واقتَدى النَّاسُ به فيه، أنَّه يُفرَض عليهم. انتَهى. ولا يَخفَى بُعدُ هذا الأخيرِ؛ فقد واظَبَ النَّبيُّ ﷺ على رَواتِبِ الفَرائِضِ، وتابعَه أصحابُه، ولم تُفرَض.
وقال ابنُ بطَّالٍ: يَحتمِلُ أن يَكونَ هذا القولُ صَدَرَ منه ﷺ لمَّا كانَ قيامُ اللَّيلِ فَرضًا عليه دونَ أُمَّتِه، فخَشيَ إن خرَج إليهم والتَزَموا معه قيامَ اللَّيلِ أن يُسوِّيَ اللهُ بينَه وبينَهم في حُكمِه؛ لأنَّ الأصلَ في الشَّرعِ المُساواةُ بينَ النَّبيِّ ﷺ وبينَ أُمَّتِه في العِبادةِ.
قال: ويَحتمِلُ أن يَكونَ خَشيَ مِنْ مُواظَبتِهم عليها أن يَضعُفوا عنها، فيَعصيَ مَنْ تَرَكها بتَركِ اتِّباعِه ﷺ ، وقدِ استَشكلَ الخطَّابيُّ أصلَ هذه الخَشيةِ، مع ما ثَبت في حَديثِ الإسراءِ، مِنْ أنَّ اللهَ تعالى قال: «هي خَمسٌ، وَهُنَّ خَمسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ»، فإذا أُمِنَ التَّبديلُ، فكيفَ يَقعُ الخَوفُ مِنْ الزِّيادةِ، وهذا يَدفَعُ في صُدورِ الأجوِبةِ التي تَقدَّمت، وقد أجابَ عنه الخطَّابيُّ بأنَّ صَلاةَ اللَّيلِ كانت واجِبةً عليه ﷺ ، وأنَّ أفعالَه الشَّرعيةَ يجبُ على الأمَّةِ الاقتِداءُ به فيها، يَعني عندَ المُواظَبةِ؛ فتركَ الخُروجَ إليهم؛ لِئلَّا يَدخُلَ ذلك في الواجِبِ مِنْ طَريقِ الأمرِ بالاقتِداءِ به، لا
стр. 1202
مِنْ طَريقِ إنشاءِ فَرضٍ جَديدٍ زائِدٍ على الخَمسِ، وهذا كما يُوجِبُ المَرءُ على نَفسِه صَلاةَ نَذرٍ، فتَجِبُ عليه، ولا يَلزمُ مِنْ ذلك زِيادةُ فَرضٍ في أصلِ الشَّرعِ، قالَ: وفيه احتِمالٌ آخَرُ، هو أنَّ اللهَ فَرَضَ الصَّلاةَ خَمسينَ، ثم حَطَّ مُعظَمَها بشَفاعةِ نَبِيِّه ﷺ ، فإذا عادَتِ الأمَّةُ فيما استُوهِبَ لها والتَزَمت ما استَعفَى لهم نَبِيُّهم ﷺ منه لم يُستَنكَر أن يثبُتَ ذلك فَرضًا عليهم، كما التَزَم ناسٌ الرَّهبانيَّةَ مِنْ قِبَلِ أنفُسِهم، ثم عابَ اللهُ عليهمُ التَّقصيرَ فيها، فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، فخَشيَ ﷺ أن يَكونَ سَبيلُهم سَبيلَ أولئكَ؛ فقطعَ العملَ؛ شَفَقةً عليهم مِنْ ذلك. وقد تلَقَّى هذَينِ الجَوابَينِ مِنْ الخطَّابيِّ جَماعةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ، كابنِ الجَوزيِّ، وهو مَبنيٌّ على أنَّ قيامَ اللَّيلِ كان واجِبًا عليه ﷺ ، وعلى وُجوبِ الاقتِداءِ بأفعالِه، وفي كُلٍّ مِنْ الأمرَينِ نِزاعٌ.
وأجابَ الكَرمانيُّ بأنَّ حَديثَ الإسراءِ يدلُّ على أنَّ المُرادَ بقولِه تَعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، الأمنُ مِنْ نَقصِ شَيءٍ مِنْ الخَمسِ، ولم يَتعرَّض لِلزِّيادةِ. انتَهى. لكنَّ في ذكرِ التَّضعيفِ بقولِه: «هي خَمسٌ، وَهُنَّ خَمسُونَ»، إشارةً إلى عدمِ الزِّيادةِ أيضًا؛ لأنَّ التَّضعيفَ لا يَنقُصُ عن العَشرِ. ودَفَعَ بَعضُهم في أصلِ السُّؤالِ بأنَّ الزَّمانَ كان قابِلًا للنَّسخِ، فلا مانِعَ مِنْ خَشيةِ الافتِراضِ، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ قولَه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] خَبرٌ، والنَّسخُ لا يَدخلُه على الرَّاجحِ، وليس هو قولَه مَثَلًا لهم: «صُومُوا الدَّهرَ أَبَدًا»؛ فإنَّه يَجوزُ فيه النَّسخُ، وقد فَتَحَ الباري بثلاثةِ أجوِبةٍ أُخرى:
стр. 1203
أحدُها: يَحتمِلُ أن يَكونَ المَخوفُ افتِراضَ قيامِ اللَّيلِ، بمَعنى جَعلِ التَّهجُّدِ في المَسجدِ جَماعةً شَرطًا في صحَّةِ التَّنفُّلِ باللَّيلِ، ويُومئُ إليه قولُه في حَديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ: «حتى خَشِيتُ أَنْ يُكتَبَ عَلَيكُم، وَلَو كُتِبَ عَلَيكُم مَا قُمتُم بِه؛ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ في بُيُوتِكُم»؛ فمنعَهم مِنْ التَّجمُّعِ في المَسجدِ إشفاقًا عليهم مِنْ اشتِراطِه، وأُمِنَ مع إذنِه في المُواظَبةِ على ذلك في بُيوتِهم مِنْ افتِراضِه عليهم.
ثانيها: يَحتمِلُ أن يَكونَ المَخوفُ افتِراضَ قيامِ اللَّيلِ على الكِفايةِ، لا على الأعيانِ؛ فلا يَكونُ ذلك زائِدًا على الخَمسِ، بل هو نَظيرُ ما ذَهب إليه قَومٌ في العيدِ، ونحوِها.
ثالثُها: يَحتمِلُ أن يَكونَ المَخوفُ افتِراضَ قيامِ رَمضانَ خاصَّةً؛ فقد وقعَ في حَديثِ البابِ أنَّ ذلك كان في رَمضانَ، وفي رِوايةِ سُفيانَ بنِ حُسَينٍ: «خَشِيتُ أَنْ يُفرَضَ عَلَيكُم قِيَامُ هذا الشَّهرِ»؛ فعلى هذا يَرتَفِعُ الإشكالُ؛ لأنَّ قيامَ رَمضانَ لا يَتكرَّرُ كلَّ يَومٍ في السَّنةِ؛ فلا يَكونُ ذلك قَدرًا زائِدًا على الخَمسِ، وأقوى هذه الأوجُهِ الثَّلاثةِ في نَظَري الأوَّلُ، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ (١).
وقد وردَ تَعيينُ اللَّيالي التي قامَها النَّبيُّ ﷺ بأصحابِه عندَ أبي داودَ وغيرِه مِنْ حَديثِ أبي ذَرٍّ ﵁ قالَ: «صُمنَا مع رَسولِ اللهِ ﷺ رَمضَانَ، فلَم يَقُم بِنَا شَيئًا مِنْ الشَّهرِ حتى بَقيَ سَبعٌ، فَقامَ بِنَا
стр. 1204
حتى ذَهب ثُلُثُ اللَّيلِ، فَلمَّا كانَتِ السَّادِسَةُ لَم يَقُم بِنَا، فَلمَّا كانَتِ الخَامِسَةُ قامَ بِنَا حتى ذَهب شَطرُ اللَّيلِ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لو نَفَّلتنَا قِيَامَ هذه اللَّيلَةِ. قال: فقالَ: إِنَّ الرَّجلَ إذا صلَّى مع الإِمَامِ حتى يَنصرِفَ، حُسِبَ له قِيَامُ لَيلَةٍ. قال: فَلمَّا كانَتِ الرَّابعَةُ لَم يَقُم، فَلمَّا كانَتِ الثَّالثَةُ جَمعَ أَهلَه وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقامَ بِنَا حتى خَشِينَا أَنْ يَفُوتنَا الفلَاحُ، قالَ: قُلتُ: مَا الفلَاحُ؟ قالَ: السُّحُورُ، ثم لَم يَقُم بِنَا بَقيَّةَ الشَّهرِ» (١).
وعنِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ﵁ قالَ: «قُمنَا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في شَهرِ رَمضَانَ لَيلَةَ ثَلاث وَعِشرِينَ، إلى ثُلُثِ اللَّيلِ الأَوَّلِ، ثم قُمنَا معه لَيلَةَ خَمسٍ وَعِشرِينَ إلى نِصفِ اللَّيلِ، ثم قُمنَا معه لَيلَةَ سَبعٍ وَعِشرِينَ حتى ظَننَّا أَلَّا نُدرِكَ الفلَاحَ»، وَكانُوا يُسمُّونَهُ السُّحُورَ (٢).
وقد واظَبَ الخُلَفاءُ الرَّاشِدونَ والمُسلِمونَ مِنْ زَمنِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ على صَلاةِ التَّراويحِ جَماعةً، وقد نُسِبت صَلاةُ التَّراويحِ إلى عمرَ ﵁؛ لأنَّه هو الذي جَمعَ النَّاسَ فيها على إمامٍ واحدٍ، وهو أُبَيُّ بنُ كَعبٍ ﵁، فكانَ يُصلِّيها بهم، فقد رَوى عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَبدٍ القارِيُّ قال: «خرَجتُ مع عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ لَيلَةً في رَمضَانَ إلى المَسجدِ، فإذا النَّاسُ أَوزَاعٌ مُتفرِّقُونَ، يُصلِّي الرَّجلُ لِنَفسِهِ، وَيُصلِّي الرَّجلُ فَيُصلِّي بِصَلاتِه الرَّهطُ، فقالَ عمرُ: إنِّي أَرَى لو جَمَعتُ هَؤُلَاءِ على قارِئٍ وَاحِدٍ، لَكانَ أَمثَلَ.
стр. 1205
ثم عَزَم فَجَمعَهم على أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، ثم خرَجتُ معه لَيلَةً أُخرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قارِئِهِم، قالَ عمرُ: نِعمَ البِدعَةُ هذه، وَالَّتِي يَنَامُونَ عنها أَفضَلُ مِنْ التي يَقومُونَ. يُرِيدُ آخر اللَّيلِ، وكانَ النَّاسُ يَقومُونَ أَوَّلَه» (١).
ورَوى أسَدُ بنُ عَمرٍو عن أبي يُوسفَ قالَ: سألتُ أبا حَنيفةَ عن التَّراوِيحِ وما فعلَه عمرُ ﵁؟ فقالَ: التَّراويحُ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، ولَم يَترخَّص (٢) عمرُ مِنْ تِلقاءِ نَفسِه، ولم يكن فيه مُبتَدِعًا، ولم يأمُر به إلا عن أصلٍ لَدَيهِ، وعَهدٍ مِنْ لَدُن رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولقد سَنَّ عمرُ هذا وَجَمعَ النَّاسَ على أُبَيِّ بنِ كَعبٍ، فصلَّاها جَماعةً والصَّحابةُ مُتوافِرونَ، منهم عُثمانُ، وعلِيٌّ، وابنُ مَسعودٍ، وطَلحةُ، والعَبَّاسُ، وابنُه، والزُّبَيرُ، ومُعاذٌ، وأُبَيٌّ، وغيرُهم مِنْ المُهاجِرينَ والأنصارِ، ﵃ أجمَعينَ، وما ردَّ عليه واحدٌ منهم، بل ساعَدوه، ووافَقوه، وأمَروا بذلك (٣).
عددُ رَكعاتِ التَّراويحِ:
قال الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: الذي وَرَدت به الأحاديثُ الصَّحيحةُ والحِسانُ الأمرُ بقيامِ رَمضانَ، والتَّرغيبُ فيه مِنْ غيرِ تَخصيصٍ بعددٍ، ولم يثبُت أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى التَّروايحَ عِشرينَ رَكعةً، وإنَّما صلَّى لَياليَ
стр. 1206
صلاةً لَم يُذكَر عَددُها، ثم تأخرَ في اللَّيلةِ الرَّابعةِ؛ خَشيةَ أن تُفرَضَ عليهم؛ فيَعجِزوا عنها (١).
وقال ابنُ حَجرٍ الهَيثَميُّ ﵀ وقد سُئلَ: هل صحَّ، أو وردَ أنَّه ﷺ صلَّى التَّراويحَ عِشرينَ رَكعةً؟
فأجاب: لَم يَصحَّ ذلك، بلِ الأمرُ بقيامِ رَمضانَ والتَّرغيبُ فيه مِنْ غيرِ ذكرِ عددٍ، وصَلاتُه ﷺ بهم صَلاةٌ لَم يُذكَر عَددُها لياليَ، ثم تأخرَ في رابِعِ ليلةٍ؛ خَشيةَ أن تُفرَضَ عليهم؛ فيَعجِزوا عنها.
وأمَّا ما وردَ مِنْ طُرُقٍ أنَّه ﷺ : «كانَ يُصلِّي في رَمضَانَ عِشرِينَ رَكعَةً، وَالوِترَ»، وفي رِوايةٍ زيادةُ: «فِي غيرِ جَمَاعَةٍ»، فهو شَديدُ الضَّعفِ (٢).
ثم إنَّهم قدِ اختَلَفوا في المُختار مِنْ عددِ الرَّكعاتِ التي يَقومُ بها النَّاسُ في رَمضانَ.
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ ومالِكٌ في أحَدِ قولَيه إلى أنَّ القيامَ عِشرينَ رَكعةً سِوى الوِترِ. لمَا رَوى مالِكٌ عن يَزيدَ بنِ رُومانَ قال: «كانَ النَّاسُ يَقومونَ في زَمانِ عمرَ بنِ الخطَّابِ في رَمضانَ بثَلاثٍ وعِشرينَ رَكعةً» (٣).
ورَوى البَيهَقيُّ عن السَّائِبِ بنِ يَزيدَ - الصَّحابيِّ ﵁ - قالَ: «كانُوا
стр. 1207
يَقومُونَ على عَهدِ عمرَ ﵁ في شَهرِ رَمضَانَ بِعِشرِينَ رَكعَةً» (١).
قال البَيهَقيُّ: ويُمكِنُ الجَمعُ بينَ الرِّوايَتَينِ؛ فإنَّهم كانوا يَقومونَ بإحدى عَشرَةَ، ثم كانوا يَقومونَ بعِشرينَ، ويُوتِرونَ بثَلاثٍ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقال القَسطَلانيُّ: ورَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ عن يَزيدَ بنِ رُومانَ قال: «كانَ النَّاسُ يَقومونَ في زَمنِ عمرَ ﵁ بثلاثٍ وعِشرينَ، وفي رِوايةٍ بإحدى عَشرَةَ، وجَمعَ البَيهَقيُّ بينَها بأنَّهم كانوا يَقومونَ بإحدى عَشرَةَ، ثم قاموا بعِشرينَ، وأوتَروا بثَلاثٍ، وقد عَدُّوا ما وقعَ في زَمنِ عمرَ ﵁ كالإجماعِ.
ثم قال: وأمَّا قولُ عائِشةَ: «ما كانَ -أي: النَّبيُّ ﷺ يَزيدُ في رَمضانَ، ولا في غيرِه على إحدى عَشرَةَ رَكعةً»، فحَمَلَه أصحابُنا على الوِترِ (٣).
وقال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: جَمعَ عمرُ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ في شَهرِ رَمضانَ على أُبَيِّ بنِ كَعبٍ ﵁، فصلَّى بهم عِشرينَ رَكعةً، ولم يُنكِر عليه أحَدٌ، فيَكونُ إجماعًا منهم على ذلك (٤). قال ابنُ عابدينَ: عليه عمَلُ النَّاسِ شَرقًا وغَربًا (٥).
стр. 1208
وقال الدَّرديرُ: وهي (ثَلاثٌ وعِشرونَ) رَكعةً بالشَّفعِ والوِترِ، كما كان عليه العملُ، (ثم جُعِلت) في زَمنِ عمرَ بنِ عَبد العَزيزِ (سِتًّا وثَلاثِينَ) بغيرِ الشَّفعِ والوِترِ، لكنَّ الذي جَرى عليه العملُ سَلفًا وخَلَفًا الأوَّلُ (١).
وقال الدُّسوقيُّ وغيرُه: كان عليه عمَلُ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ (٢).
وقال علِيٌّ السَّنهُوريُّ: هو الذي عليه عمَلُ النَّاسِ، واستَمرَ إلى زَمنِنا في سائِر الأمصارِ (٣).
وذَهب الإمامُ مالِكٌ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ عنه إلى أنَّه يُستحبُّ أن تُصلَّى سِتًّا وثَلاثينَ رَكعةً، والوِترَ؛ لمَا رَواه ابنُ أبي شَيبةَ عن داودَ بنِ قَيسٍ قال: أدرَكتُ النَّاسَ بالمَدينةِ في زَمانِ عمرَ بنِ عَبد العَزيزِ، وأبانَ بنِ عُثمانَ يُصَلُّونَ سِتًّا وثَلاثينَ رَكعةً، يُوتِرونَ بثَلاثٍ (٤). قال الإمامُ مالِكٌ: هو الأمرُ القَديمُ عندَنا، يَعني في المَدينةِ.
قال النَّوويُّ ﵀: وما ذَكَروه مِنْ فِعلِ أهلِ المَدينةِ، فقالَ أصحابُنا: سَببُه أنَّ أهلَ مَكةَ كانوا يَطوفونَ بينَ كلِّ تَرويحتَينِ طَوافًا، ويُصلُّونَ رَكعتَينِ، ولا يَطوفونَ بعدَ التَّرويحةِ الخامِسةِ، فأرادَ أهلُ المَدينةِ مساواتَهم، فجَعَلوا مكانَ كلِّ طَوافٍ أربعَ رَكعاتٍ، فزادوا سِتَّ عَشرَةَ رَكعةً، وأوتَروا بثَلاثٍ، فصارَ المَجموعُ تِسعًا وثَلاثينَ، واللهُ أعلَمُ.
стр. 1209
ثم قالَ: قالَ صاحِبا «الشَّامِلِ» و «البَيانِ» وغيرُهما: قالَ أصحابُنا: ليس لغيرِ أهلِ المَدينةِ أن يَفعلوا في التَّروايحِ فِعلَ أهلِ المَدينةِ، فيُصَلُّوها سِتًّا وثَلاثينَ رَكعةً؛ لأنَّ لأهلِ المَدينةِ شَرَفًا بمُهاجَرةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ومَدفَنِه، بخِلافِ غيرِهم. وقالَ القاضي أبو الطَّيِّبِ في تَعليقِه: قالَ الشافِعيُّ: فأمَّا غيرُ أهلِ المَدينةِ فلا يَجوزُ لهم أن يُماروا أهلَ مَكةَ ولا يُنافِسوهم (١).
والأمرُ في ذلك واسِعٌ بينَ العُلماءِ؛ فقَد قالَ الإمامُ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا بتِسعٍ وثَلاثينَ، وبمَكةَ بثَلاثٍ وعِشرينَ، وليس في شَيءٍ مِنْ ذلك ضِيقٌ (٢).
وقال أبو الحَسنِ المالِكِيُّ: وكلُّ ذلك -أي: القيامُ بعِشرينَ رَكعةً، أو بسِتٍّ وثَلاثينَ رَكعةً- واسِعٌ، أي: جائِزٌ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَنقُصُ مِنْ العِشرينَ رَكعةً، ولا بَأسَ بالزِّيادةِ على العِشرينَ، نَصًّا. قال عَبدُ اللهِ، ابنُ الإمامِ أحمدَ: رأيتُ أبي يُصلِّي في رَمضانَ ما لا أُحصي، وكان عَبدُ الرَّحمنِ بنُ الأسوَدِ يَقومُ بأربَعينَ رَكعةً، ويُوتِرُ بعدَها بسَبعٍ (٤).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: قيامُ رَمضانَ لم يُوقِّتِ النَّبيُّ فيه عددًا مُعيَّنًا، بل كان هو ﷺ لا يَزيدُ في رَمضانَ ولا غيرِه على
стр. 1210
ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعةً، لكن كان يُطيلُ الرَّكعاتِ، فلمَّا جَمعَهم عمرُ على أُبَيِّ بنِ كَعبٍ كان يُصلِّي بهم عِشرينَ رَكعةً، ثم يُوتِرُ بثَلاثٍ، وكان يُخفِّفُ القِراءَةَ بقَدرِ ما زادَ مِنْ الرَّكعاتِ؛ لأنَّ ذلك أخَفُّ على المَأمومينَ مِنْ تَطويلِ الرَّكعةِ الواحدةِ، ثم كان طائِفةٌ مِنْ السَّلفِ يَقومونَ بأربَعينَ رَكعةً، ويُوتِرونَ بثَلاثٍ، وآخَرونَ قاموا بسِتٍّ وثَلاثينَ، وأوتَرُوا بثَلاثٍ، وهذا كلُّه سائِغٌ، فكيفما قامَ في رَمضانَ مِنْ هذه الوجوهِ فقد أحسَنَ.
والأفضَلُ يختلِفُ باختِلافِ أحوالِ المُصلِّينَ، فإن كانَ فيهمُ احتِمالٌ لِطُولِ القيامِ بعَشرِ رَكعاتٍ، وثَلاثٍ بعدَها، كما كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي لِنَفسِه في رَمضانَ وغيرِه، فَهو الأفضَلُ، وإن كانوا لا يَحتَمِلونَه فالقيامُ بعِشرينَ هو الأفضَلُ، وهو الذي يَعمَلُ به أكثرُ المُسلِمينَ، فإنَّه وَسَطٌ بينَ العَشرِ وبينَ الأربَعينَ، وإن قامَ بأربَعينَ وغيرِها جازَ ذلك، ولا يُكرَه شَيءٌ مِنْ ذلك، وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ مِنْ الأئمَّةِ، كأحمدَ وغيرِه. ومَن ظَنَّ أنَّ قيامَ رَمضانَ فيه عددٌ مُؤقَّتٌ عن النَّبيِّ ﷺ لا يُزادُ فيه وَلا يُنْقَصُ منه، فقد أخطَأَ (١).
стр. 1211
وقتُ صَلاةِ التَّراويحِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ وقتَ صَلاةِ التَّراويحِ يَبدأُ مِنْ بَعدِ صَلاةِ العِشاءِ وقبلَ الوِترِ إلى طُلوعِ الفَجرِ الثاني، لِنَقلِ الخَلَفِ عن السَّلفِ، ولأنَّها عُرفت بفِعلِ الصَّحابةِ، فكانَ وقتُها ما صَلوا فيه، وهُم صَلوا بعدَ العِشاءِ قبلَ الوِترِ، ولأنَّها سُنَّةٌ تَبعٌ لِلعِشاءِ، فكانَ وقتُها قبلَ الوِترِ.
فإن صلَّاها قبلَ العِشاءِ فجُمهورُ الفُقهاءِ -وهو الأصحُّ عندَ الحَنفيَّةِ- أنَّها لا تُجزِئُ عن التَّراويحِ، وتَكونُ نافِلةً (١).
وقد سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: عَمَّن يُصلِّي التَّراويحَ بعدَ المَغربِ، هل هو سُنَّةٌ أو بِدعةٌ؟ وذَكَروا أنَّ الإمامَ الشافِعيَّ صلَّاها بعدَ المَغربِ، وتَمَّمَها بعدَ العِشاءِ الآخِرةِ؟
فأجاب: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، السُّنةُ في التَّراويحِ أن تُصلَّى بعدَ العِشاءِ الآخِرةِ، كما اتَّفق على ذلك السَّلفُ والأئمَّةُ، والنَّقلُ المَذكورُ عن الشافِعيِّ ﵁ باطِلٌ، فما كانَ الأئمَّةُ يُصَلُّونَها إلا بعدَ العِشاءِ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وعَهدِ خُلَفائِهِ الرَّاشِدينَ، وعلى ذلك أئِمَّةُ المُسلِمينَ، لا يُعرَفُ عن أحَدٍ أنَّه تعمَّد صَلاتَها قبلَ العِشاءِ، فإنَّ هذه تُسَمَّى قيامَ رَمضانَ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيكُم صِيَامَ رَمضَانَ، وَسَنَنتُ
стр. 1212
لَكُمْ قِيَامَه، فَمَنْ صَامَه وَقامَه غُفِرَ له مَا تَقدَّم مِنْ ذَنبِه»، وقيامُ اللَّيلِ في رَمضانَ وغيرِه إنَّما يَكونُ بعدَ العِشاءِ، وقد جاءَ مُصَرَّحًا به في السُّننِ: أنَّه لمَّا صلَّى بهم قيامَ رَمضانَ صلَّى بعدَ العِشاءِ، وكان قيامُ النَّبيِّ ﷺ باللَّيلِ هو وِترَه، يُصلِّي باللَّيلِ في رَمضانَ وغيرِ رَمضانَ إحدى عَشرَةَ رَكعةً، أو ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعةً، لكن كان يُصلِّيها طِوالًا، فلمَّا كان ذلك يَشُقُّ على النَّاسِ قامَ بهم أُبَيُّ بنُ كَعبٍ في زَمنِ عمرَ بنِ الخطَّابِ عِشرينَ رَكعةً، يُوتِرُ بعدَها ويُخَفِّفُ فيها القيامَ، فكان تَضعيفُ العددِ عِوَضًا عن طُولِ القيامِ، وكان بَعضُ السَّلفِ يَقومُ أربَعينَ رَكعةً، فيَكونُ قيامُها أخَفَّ، ويُوتِرُ بعدَها بثَلاثٍ، وكان بَعضُهم يَقومُ بِسِتٍّ وثَلاثينَ رَكعةً يُوتِرُ بعدَها، وقيامُهمُ المَعروفُ عنهم بعدَ العِشاءِ الآخِرةِ.
ولكنَّ الرَّافِضةَ تَكرَهُ صَلاةَ التَّراويحِ، فإذا صَلوها قبلَ العِشاءِ الآخِرةِ لا تَكونُ هي صَلاةَ التَّراويحِ، كما أنَّهم إذا تَوضَّؤُوا يَغسِلونَ أرجُلَهم أوَّلَ الوُضوءِ، ويَمسَحونَها في آخرِه، فمَن صلَّاها قبلَ العِشاءِ فقد سَلكَ سَبيلَ المُبتَدِعةِ المُخالِفينَ لِلسُّنَّةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
الجَماعةُ في صَلاةِ التَّراويحِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على مَشروعيَّةِ الجَماعةِ في صَلاةِ التَّراويحِ؛ لفِعلِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّه جَمعَ أصحابَه وأهلَه، كما سبقَ في حَديثِ أبي ذَرٍّ، ولِفِعلِ الصَّحابةِ ﵃، ومَن تبِعهم مُنذُ زَمنِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، ولاستِمرارِ العملِ إلى الآنَ.
стр. 1213
إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هلِ القيامُ مع النَّاسِ في جَماعةٍ أفضَلُ أو الانفِرادُ؟
فذَهب الحَنفيَّةُ -ما عَدا أبا يُوسفَ- وابنُ عَبد الحَكَمِ مِنْ المالِكيةِ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّ الجَماعةَ فيها أفضَلُ.
وذَهب الإمامُ مالِكٌ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في قَولٍ إلى أنَّ الانفِرادَ في البَيتِ أفضَلُ (١).
قال الحَنفيَّةُ: صَلاةُ التَّراويحِ بالجَماعةِ سُنَّةٌ على الكِفايةِ في الأصَحِّ، فلو تركَها الكلُّ أساؤُوا، أمَّا لو تَخلَّف عنها رَجلٌ مِنْ أفرادِ النَّاسِ وصلى في بَيتِه تركَ الفَضيلةَ، وإن صلَّى في البَيتِ بالجَماعةِ لم يَنَل فَضلَ جَماعةِ المَسجدِ (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: المُختارُ عندَ أبي عَبد اللهِ فِعلُها في الجَماعةِ، قال في رِوايةِ يُوسفَ بنِ موسى: الجَماعةُ في التَّراويحِ أفضَلُ، وإن كانَ رَجلًا يُقتدَى به فصلَّاها في بَيتِه خِفتُ أن يَقتَديَ النَّاسُ به.
قال: وكانَ جابِرٌ وعَلِيٌّ وعَبد اللهِ يُصلُّونها في جَماعةٍ.
قال ابنُ قُدامةَ: ولِإجماعِ الصَّحابةِ على ذلك، وجَمعِ النَّبيِّ ﷺ
стр. 1214
أصحابَه وأهلَه في حَديثِ أبي ذَرٍّ، وقولِه: «إنَّ القَومَ إذَا صَلوا معَ الإِمَامِ حتى يَنصرِفَ، كُتِبَ لَهم قِيَامُ تلك اللَّيلَةِ» (١). وهذا خاصٌّ في قيامِ رَمضانَ (٢).
وقال المالِكيَّةُ: تُندَبُ صَلاةُ التَّراويحِ في البُيوتِ إن لم تُعَطَّلِ المَساجِدُ، وذلك لخَبرِ: «عَلَيكُم بِالصَّلاةِ في بُيُوتِكُم؛ فإنَّ خَيرَ صَلاةِ المَرءِ في بَيتِه، إلَّا الصَّلاةَ المَكتُوبَةَ» (٣)، ولخَوفِ الرِّياءِ، وهو حَرامٌ، واختَلَفوا فيها إذا صلَّاها في بَيتِه، هل يُصلِّيها وَحدَه، أو مع أهلِ بَيتِه؟ قَولانِ، قالَ الزرقانيُّ: لَعلَّهما في الأفضَليَّةِ سَواءٌ.
ونَدبُ صَلاةِ التَّراويحِ في البُيوتِ عندَهم مَشروطٌ بثَلاثةِ أُمورٍ:
الأوَّلُ: ألَّا تُعَطَّلَ المَساجِدُ.
الثاني: أن يَنشَطَ لِفِعلِها في بَيتِه، ولا يَقعُدَ عنها.
الثالث: وأن يَكونَ غيرَ آفاقيٍّ بالحَرمَينِ.
فإن تَخلَّف شَرطٌ كانَ فِعلُها في المَسجدِ أفضَلَ.
وقال الزرقانيُّ ﵀: يُكرَه لِمَنْ في المَسجدِ الانفِرادُ بها عن الجَماعةِ التي يُصَلُّونَها فيه، وأولى إذا كانَ انفرادُه يُعَطِّلُ جَماعةَ المَسجدِ (٤).
стр. 1215
وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: بعدَ ذكرِه عمَلَ الصَّحابةِ بصَلاةِ التَّراويحِ في جَماعةٍ، ومالِكٌ أحقُّ النَّاسِ بالتَّمَسُّكِ بهذا؛ بِناءً على أصلِه في التَّمَسُّكِ بعمَلِ أهلِ المَدينةِ. انتَهى.
قال العِراقيُّ: وحُكِيَ عن مالِكٍ أنَّه كانَ أوَّلًا يَقومُ في المَسجدِ، ثم تركَ ذلك؛ فيَكونُ له في المسألةِ قَولانِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالَ النَّوويُّ ﵀: وتَجوزُ مُنفرِدًا وجَماعةً، وأيُّهما أفضَلُ؟ فيه وَجهانِ مَشهورانِ، وحَكاهُما جَماعةٌ:
الصَّحيحُ: باتِّفاقِ الأصحابِ أنَّ الجَماعةَ أفضَلُ، وهو المَنصوصُ في البُوَيطيِّ، وبه قالَ أكثرُ أصحابِنا المُتقَدِّمينَ.
والآخَرُ: الانفِرادُ أفضَلُ.
قال أصحابُنا العِراقيُّونَ والصَّيدَلانيُّ والبَغَويُّ وغيرُهما مِنْ الخُراسانِيِّينَ: الخِلافُ فيمَن يَحفَظُ القُرآنَ، ولا يَخافُ الكَسَل عنها لو انفَرَدَ، ولا تَختَلُّ الجَماعةُ في المَسجدِ لتَخلُّفِه، فإن فُقِدَ أحَدُ هذه الأُمورِ فالجَماعةُ أفضَلُ بلا خِلافٍ.
قال صاحِبُ الشَّامِلِ: قال أبو العَبَّاسِ وأبو إسحاقَ: صَلاةُ التَّراويحِ جَماعةً أفضَلُ مِنْ الانفِرادِ؛ لِإجماعِ الصَّحابةِ، وإجماعِ أهلِ الأمصارِ على ذلك (٢).
стр. 1216
وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: وكلُّ مَنِ اختارَ التَّفرُّدَ يَنبَغي أن يَكونَ ذلك على أمنٍ لا يَنقَطِعُ معه القيامُ في المَسجدِ، فأمَّا الذي يَنقَطِعُ معه القيامُ فلا (١).
стр. 1217
صَلاةُ الوِترِ
الوِترُ: (بفَتحِ الواوِ، وكَسرِها) لُغةً: العددُ الفَرديُّ، كالواحدِ والثَّلاثةِ والخَمسةِ (١).
ومنه قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ وِترٌ، يُحِبُّ الوِترَ» (٢).
ومِن كَلامِ العَرَبِ: كان القَومُ شَفعًا، فوَتَرتُهم، وأوتَرتُهم، أي: جَعَلتُ شَفعَهم وِترًا.
وفي الحَديثِ: «مَنِ استَجمرَ فَليُوتِر» (٣)، مَعناه فليَستَنجِ بثَلاثةِ أحجارٍ أو خَمسةٍ أو سَبعةٍ، ولا يَستَنجِ بالشَّفعِ.
والوِترُ في الاصطِلاحِ: صَلاةُ الوِترِ، وهي صَلاةٌ تُفعَلُ ما بينَ صَلاةِ العِشاءِ، وطُلوعِ الفَجرِ، تُختَمُ بها صَلاةُ اللَّيلِ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تُصلَّى وِترًا رَكعةً واحدةً، أو ثَلاثًا، أو أكثرَ، ولا يَجوزُ جَعلُها شَفعًا، ويُقالُ: صلَّيتُ الوِترَ، وأوتَرتُ، بمَعنًى واحدٍ.
وصَلاةُ الوِترِ اختُلِفَ فيها، ففي قَولٍ: هي جُزءٌ مِنْ صَلاةِ قيامِ اللَّيلِ
стр. 1218
والتَّهَجُّدِ. قال النَّوويُّ ﵀: الصَّحيحُ المَنصوصُ في «الأُمُّ» وَ «المُختَصَرُ» أنَّ الوِترَ يُسمَّى تَهجُّدًا، وفيه وَجهٌ أنَّه لا يُسمَّى تَهجُّدًا، بلِ الوِترُ غيرُ التَّهَجُّدِ (١)، قال الحافِظُ ابنُ رَجبٍ ﵀: وهذا هو الذي ذكرَه بَعضُ أصحابِنا -أي أنَّه لا يُسمَّى تَهجُّدًا- ويَنبَغي أن يَكونَ مَبنِيًّا على القولِ بأنَّ الوِترَ هو الرَّكعةُ المُنفرِدةُ وَحدَها، فأمَّا إن قُلنا: الوِترُ: الرَّكعةُ بما قبلَها، فالوِترُ هو التَّهجُّدُ وإن لم يَنوِ به الوِترَ (٢).
حكمُ صَلاةِ الوِترِ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ ومحمدُ مِنْ الحَنفيَّةِ وأبو حَنيفةَ في رِوايةٍ إلى أنَّ الوِترَ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وليس بواجِبٍ، ودَليلُ سُنِّيتِه قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ؛ فَأَوتِرُوا يَا أَهلَ القُرآنِ» (٣)، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَه وواظَبَ عليه.
واستدَلُّوا على عدمِ وُجوبِه بما رَواه مالِكٌ في المُوَطَّأِ وأبو داودَ وغيرُهما عن عَبد اللهِ بنِ مُحَيرِيزٍ أنَّ رَجلًا مِنْ بَني كِنانةَ يُدعَى المُخدَجيَّ: سمِع رَجلًا بالشَّامِ يُكَنَّى أبا محمدٍ، يَقولُ: «الوِترُ واجِبٌ». قال المُخدَجيُّ: فَرُحتُ إلى عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ فاعتَرَضتُ له وهو رائِحٌ إلى المَسجدِ، فأخبَرتُه بالَّذي قال أبو مُحمدٍ، فقال عُبادةُ: كَذَبَ أبو مُحمدٍ، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «خَمسُ صَلواتٍ كَتَبَهنَّ اللهُ تَعالَى
стр. 1219
على العِبادِ، فَمَنْ جاءَ بِهنَّ لم يُضَيِّع مِنهُنَّ شَيئًا استِخفَافًا بِحقِّهِنَّ، كانَ له عندَ اللهِ عَهدٌ أَنْ يُدخِلَه الجَنَّةَ، وَمَنْ لم يَأتِ بِهنَّ فليس له عندَ اللهِ عَهدٌ، إن شَاءَ عَذَّبَه، وَإِنْ شَاءَ أَدخَلَه الجَنَّةَ» (١).
وقال عَلِيٌّ ﵁: الوِترُ ليس بِحَتمٍ كَصَلاتِكُمُ المَكتُوبَةِ، وَلَكِن سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ وقالَ: «إِنَّ اللهَ وِترٌ يُحِبُّ الوِترَ، فَأَوتِرُوا يا أَهلَ القُرآنِ» (٢).
وبقولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا سألَه الأعرابيُّ عمَّا فَرَضَ اللهُ عليه في اليَومِ واللَّيلةِ؟ فقال: خَمسُ صَلواتٍ. فقال: هل عَلَيَّ غيرُها؟ قال: «لَا؛ إِلَّا أَنْ تطوَّعَ» (٣)؛ وهذا تَصريحٌ بأنَّه لا يَأثَمُ بتَركِ غيرِ الخَمسةِ.
قالوا: ولأنَّه يَجوزُ فِعلُه على الرَّاحِلةِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، فلَم يكن واجِبًا كالسُّننِ، وقد رَوى ابنُ عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُوتِرُ على بَعِيرِهِ». (٤) مُتفقٌ عَلَيه، وقال: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُسبِّحُ على الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عليها، غيرَ أَنَّه لَا يُصلِّي عليها المَكتُوبَةَ» (٥)، فلو كان واجِبًا لَمَا صلَّاه على الرَّاحِلةِ كالفَرائِضِ. فبانَ بذلك أنَّه نافِلةٌ وسُنَّةٌ؛ لِإجماعِهم على أنَّه لا يَجوزُ ذلك في المَكتوبةِ.
стр. 1220
وقد قال النَّبيُّ ﷺ لِمُعاذٍ لمَّا بعَثَه إلى اليَمَنِ، وكان هذا في آخرِ عَهدِ النَّبيِّ ﷺ : «أَعلِمهُم أَنَّ اللَّهَ افتَرَضَ عليهم خَمسَ صَلواتٍ في كلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ» (١). ولو كان الوِترُ واجِبًا لَصارَ المَفروضُ سِتَّ صَلواتٍ في كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، ولأنَّ عَلَاماتِ السُّننِ فيها ظاهِرةٌ؛ فإنَّها تُؤدَّى تَبَعًا لِلعِشاءِ، والفَرضُ ما لا يَكونُ تَبَعًا لِفَرضٍ آخرَ، وليس لها أذانٌ، ولا إقامةٌ، ولا جَماعةٌ، ولِفرائِضِ الصَّلواتِ أذانٌ، وإقامةُ جَماعةٍ، وهذا مِنْ أماراتِ السُّننِ (٢).
وذَهب الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو بَكرِ بنُ جَعفَرٍ مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّ الوِترَ واجِبٌ، وليس بفَرضٍ؛ لأنَّه لا يكفرُ جاحِدُه، واستُدلَّ له برِاويةِ خارِجةَ بنِ حُذافةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَعالَى زادَكُم صَلاةً، أَلَا وَهي الوِترُ؛ فَصَلُّوهَا ما بينَ العِشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ» (٣).
стр. 1221
والاستِدلالُ به مِنْ وجهَينِ:
أحدُهما: أنَّه أمرَ بها، ومُطلَقُ الأمرِ لِلوُجوبِ.
والآخَرُ: أنَّه سَمَّاها زِيادةً، والزِّيادةُ على الشَّيءِ لا تُتصوَّرُ إلَّا مِنْ جِنسِه، فأمَّا إذا كان غيرَه فإنَّه يَكونُ قِرَانًا، لا زيادةً، ولأنَّ الزيادةَ إنَّما تُتصَوَّرُ على المُقدَّرِ، وهو الفَرضُ، فأمَّا النَّفلُ فليس بمُقدَّرٍ، فلا تَتحقَّقُ الزِّيادةُ عليه، ولا يُقالُ: إنَّها زيادةٌ على الفَرضِ، لكِن في الفِعلِ، لا في الوُجوبِ؛ لأنَّهم كانوا يَفعلونَها قبلَ ذلك، ألَا تَرى أنَّه قال: ألَا وهي الوِترُ؟ ذكرَها مُعرَّفةً بحَرفِ التَّعريفِ، ومِثلُ هذا التَّعريفِ لا يَحصلُ إلا بالعَهدِ؛ ولِذا لم يَستَفسِروها، ولو لم يكن فِعلُها مَعهودًا لاستَفسَروا، فدلَّ على أنَّ ذلك في الوُجوبِ، لا في الفِعلِ، ولا يُقالُ: إنَّها زِيادةٌ على السُّننِ؛ لأنَّها كانت تُؤدَّى قبلَ ذلك بطَريقةِ السُّنةِ.
ورُويَ عن عائِشةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «أَوتِرُوا يا أَهلَ القُرآنِ؛ فَمَنْ لم يُوتِر فليس مِنَّا» (١)، ومُطلَقُ الأمرِ لِلوُجوبِ، وكذا التَّوعُّدُ على التَركِ دَليلُ الوُجوبِ، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «الوِترُ حَقٌّ واجِبٌ، فَمَنْ لم يُوتِر فليس مِنَّا» (٢).
ورُويَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه سُنَّةٌ -كما تَقدَّم-، وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّه فَرضٌ، لكن قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: «مُرادُه بكَونِه سُنَّةً: أنَّه ثَبت بالسُّنةِ،
стр. 1222
فلا يُنافِي الوُجوبَ، ومُرادُه بأنَّه فَرضٌ: أنَّه فَرضٌ عمَليٌّ، وهو الواجِبُ» (١).
وقال الكاسانيُّ ﵀: وإذا لم يكن فَرضًا لم تَصرِ الفَرائِضُ الخَمسُ سِتًّا بزِيادةِ الوِترِ عليها، وبه تبيَّن أنَّ زِيادةَ الوِترِ على الخَمسِ ليست نَسخًا لها؛ لأنَّها بَقيَت بعدَ الزِّيادةِ كلَّ وَظيفةِ اليَومِ واللَّيلةِ فَرضًا (٢).
وقتُ أوَّلِ الوِترِ ووقتُ آخرِه:
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ما بينَ صَلاةِ العِشاءِ إلى طُلوعِ الفَجرِ وقتٌ لِلوِترِ (٣).
وقال ابنُ عَبد البرِّ ﵀: اختَلفَ السَّلفُ مِنْ العُلماءِ والخَلَفُ بعدَهم في آخرِ وقتِ الوِترِ بعدَ إجماعِهم على أنَّ أوَّلَ وقتِه بعدَ صَلاةِ العِشاءِ، وأنَّ اللَّيلَ كلَّه حتى يَنفجِرَ الصُّبحُ وقتٌ له؛ إذ هو آخرُ صَلاةِ اللَّيلِ (٤).
وقال الحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في المُعتمَدِ عندَهم: لو جَمعَ المُصلِّي بينَ المَغربِ والعِشاءِ جَمعَ تَقديمٍ، أي: في وقتِ المَغربِ، يَبدأُ وقتُ الوِترِ بعدَ تَمامِ صَلاةِ العِشاءِ.
ومَن صلَّى الوِترَ قبلَ أن يُصلِّيَ العِشاءَ لم يَصحَّ وِترُه؛ لِعدمِ دُخولِ وقتِه، فإن فعلَه ناسِيًا أعادَ.
стр. 1223
وفي قَولٍ عندَ الشَّافعيَّةِ: وقتُ الوِترِ هو وقتُ العِشاءِ، فلو صلَّى الوِترَ قبلَ أن يُصلِّيَ العِشاءَ صحَّ وِترُه.
وآخرُ وقتِه عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ طُلوعُ الفَجرِ الثاني؛ لحَديثِ خارِجةَ المُتقدِّمِ (١).
وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ أوَّلَ وقتِ الوِترِ بعدَ صَلاةِ عِشاءٍ صَحيحةٍ، ولو بعدَ ثُلُثِ اللَّيلِ، فإن تبيَّن فَسادُها لم يَدخُل وقتُه، وإن كان صلَّاهُ بعدَ الفاسِدةِ أعادَ بعدَ إعادَتِها، وبعدَ غيابِ الشَّفقِ الأحمَرِ، فإن قدَّم العِشاءَ عندَ المَغربِ لِسَفرٍ أو مَطَرٍ، لم يَدخُل وقتُ الوِترِ حتى يَغيبَ الشَّفقُ.
وآخرُ وقتِ الوِترِ عندَهم هو طُلوعُ الفَجرِ، إلا في الضَّرورةِ، وذلك لِمَنْ غلَبته عَيناه عن وِردِه، فلَه أن يُصلِّيَه، فيُوتِرَ ما بينَ طُلوعِ الفَجرِ وبينَ أن يُصلِّيَ الصُّبحَ، ما لم يَخشَ أن تَفوتَ صَلاةُ الصُّبحِ بطُلوعِ الشَّمسِ.
فلو شرعَ في صَلاةِ الصُّبحِ وكانَ مُنفرِدًا، ثم تذكَّر أنَّ عليه الوِترَ، وهو في الصُّبحِ يُندَبُ له قَطعُها، أي: الصُّبحِ، لأجلِ الوِترِ، ما لم يَخَف خُروجَ وقتِ الصُّبحِ.
قال في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: (ونُدِبَ لِفَذٍّ) تذكَّر أنَّ عليه الوِترَ، وهو في الصُّبحِ (قَطعُهَا)، أي: الصُّبحِ (له) أي: لِأجلِ الوِترِ، ما لم يَخَف خُروجَ وقتِ الصُّبحِ، فيأتي بالشَّفعِ والوِترِ، ويُعيدُ الفَجرَ، (وجازَ القَطعُ) لِمُؤتَمٍّ
стр. 1224
(على الرَّاجحِ كإمامٍ) يَجوزُ له القَطعُ على إحدى الرِّوايَتَينِ، والرِّوايةُ الأُخرى يُندَب كالفَذِّ، وإذا قطعَ فهل يَقطعُ مَأمومُه أو يَستخلِفُ؟ قَولانِ (١).
لكن قال ابنُ عَبد البرِّ ﵀: واختَلفَ أصحابُنا وغيرُهم فيمَن ذكرَ الوِترَ في صَلاةِ الصُّبحِ، واختَلفَ في ذلك أيضًا قولُ مالِكٍ على قولَينِ:
فقالَ مرَّةً: يَقطعُ ويُصلِّي الوِترَ، واختارَه ابنُ القاسِمِ، فضارَعَ في ذلك قولَ أبي حَنيفةَ في إيجابِ الوِترِ.
ومرَّةً قال: لا يَقطعُ، ويَتمادَى في صَلاةِ الصُّبحِ، ولا شَيءَ عليه، ولا يُعيدُ الوِترَ، وهو قولُ الشافِعيِّ والجُمهورِ مِنْ العُلماءِ، وهو الصَّوابُ؛ لأنَّ القَطعَ لِمَنْ ذكرَ الصَّلاةَ وهو في صَلاةٍ لم يكن مِنْ أجلِ شَيءٍ غيرِ التَّرتيبِ في صَلاةِ اليَومِ، ومَعلومٌ أنَّه لا رُتبةَ بينَ الوِترِ وصَلاةِ الصُّبحِ؛ لأنَّه ليس مِنْ جِنسِها، وإنَّما الرُّتبَةُ في المَكتوباتِ، لا في النَّوافِلِ مِنْ الصَّلواتِ.
وما أعلَمُ أحَدًا قال: يَقطعُ صَلاةَ الصُّبحِ لِمَنْ ذكرَ فيها أنَّه لم يُوتِر، إلا أبا حَنيفةَ وابنَ القاسِمِ.
وأمَّا مالِكٌ فالصَّحيحُ عنه أنه لا يَقطعُها، وقد قال أبو ثَورٍ ومُحمدٌ: لا يَقطعُ، وهو قولُ جُمهورِ أصحابِنا، وتَحصيلُ مَذهبِنا، ولَولَا إيجابُ أبي حَنيفةَ الوِترَ ما رَأى القَطعَ، واللهُ أعلَمُ.
فإن قِيلَ: إنَّما أمرَ بقَطعِ صَلاةِ الصُّبحِ للوِترِ؛ لأنَّ الوِترَ لا يُقضَى، ولا
стр. 1225
يُصلَّى بعدَ صَلاةِ الصُّبحِ، وإنَّما وقتُه قبلَ الفَجرِ، وقبلَ صَلاةِ الصُّبحِ، عندَنا، وهو مِنْ السُّنةِ المُؤكَّدةِ، فمَن نَسيَه ثم ذكرَه وهو في صَلاةِ الصُّبحِ، قطعَها إذا كانَ في سَعةٍ مِنْ وقتِها، وصلَّى الوِترَ، ثم صلَّى الصُّبحَ، فيَكونَ قد أتى بالسُّنةِ والفَريضةِ في وقتِها.
قِيلَ: ليس لهذا أصلٌ في الشَّرعِ المُجتمَعِ عليه، بلِ الأصلُ ألَّا يُبطِلَ الإنسانُ عمَلَه، وألَّا يَخرُجَ مِنْ فَرضِه قبلَ أن يُتمَّه لغيرِ واجِبٍ عليه.
ومَعلومٌ أنَّ إتمامَ ما وجبَ إتمامُه فَرضٌ، والوِترُ سُنَّةٌ، فكيفَ يُقطَعُ فَرضٌ لِسُنَّةٍ، وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّه لا تُقطَعُ صَلاةُ فَريضةٍ لِصَلاةٍ مَسنونةٍ، فيما عَدا الوِترِ، واختَلَفوا في قَطعِها لِلوِترِ؛ فالواجِبُ رَدُّ ما اختَلَفوا فيه إلى ما أجمَعوا عليه، وكذلك أجمعَ فُقهاء الأمصارِ على أنَّه لا يَقطعُ صَلاةَ الصُّبحِ لِلوِترِ، إن كان خلفَ إمامٍ، فكذلك المُنفرِدُ، قياسًا ونَظَرًا، وعليه جُمهورُ العُلماءِ، وباللهِ التَّوفيقُ.
ولم يختلِف قولُ مالِكٍ وأصحابِه فيمَن أحرَم بالتَّيَمُّمِ، فطَرَأ عليه الماءُ وهو في الصَّلاةِ أنَّه يَتمادى ولا يَقطعُ، وهذا كان أولى مِنْ القَطعِ لِلوِترِ (١).
وذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ وقتَ الوِترِ وقتُ العِشاءِ، أي: مِنْ غُروبِ الشَّفقِ إلى طُلوعِ الفَجرِ، ولا يَجوزُ تَقديمُ صَلاةِ الوِترِ على صَلاةِ العِشاءِ، لا لِعدمِ دُخولِ وقتِها، بل لوُجوبِ التَّرتيبِ بينَها وبينَ العِشاءِ، إلا إذا كان ناسِيًا، فلو صلَّى الوِترَ قبلَ العِشاءِ ناسِيًا، أو صلَّاهُما -أي: العشاءَ والوِترَ- فظَهَرَ فَسادُ
стр. 1226
صَلاةِ العِشاءِ -كمَن صلَّى العِشاءَ على غيرِ وُضوءٍ، وهو لا يَعلَمُ، ثم تَوضَّأَ، فأوتَرَ، ثم تذكَّر- فإنَّه يُعيدُ صَلاةَ العِشاءِ بالاتِّفاقِ، ولا يُعيدُ الوِترَ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهما -أي: أبي يُوسفَ ومُحمدٍ- يُعيدُ.
ووَجهُ قولِ أبي حَنيفةَ أنَّ تَرتيبَ أحَدِهما على الآخَرِ واجِبٌ حالةَ التَّذكُّرِ، فعندَ النِّسيانِ يسقطُ.
ووَجهُ قولِهما أنَّه لمَّا كانَ سُنَّةً كانَ وقتُه ما بعدَ وقتِ العِشاءِ؛ لكَونِه تَبَعًا لِلعِشاءِ، كوقتِ رَكعتَيِ الفَجرِ، ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «زادَنِي رَبِّي صَلاةً، وَهي الوِترُ، وَوقتُهَا مَا بينَ العِشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ» (١)، ووُجودُ (ما) بينَ شَيئَينِ -سابِقًا على وُجودِهما- مُحالٌ، والجَوابُ أنَّ إطلاقَ الفِعلِ بعدَ العِشاءِ لا يَنفي الإطلاقَ قبلَه، وعلى هذا الاختِلافِ إذا صلَّى الوِترَ على ظَنِّ أنَّه صلَّى العِشاءَ، ثم تَبيَّن أنَّه لم يُصلِّ العِشاءَ، فإنَّه يُصلِّي العِشاءَ بِالإجماعِ، ولا يُعيدُ الوِترَ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهما: يُعيدُ.
ثم إنَّه إذا ذكرَ وهو يُصلِّي الصُّبحَ أنَّه لم يُوتِر، وفي الوقتِ سَعَةٌ، لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ﵀، ويَقطعُ الصُّبحَ ويُصلِّي الوِترَ؛ لأنَّ الواجِبَ مُلحَقٌ بالفَرضِ في العملِ؛ فيجبُ مُراعاةُ التَّرتيبِ بينَه وبينَ الفَرضِ، وعندَهما يَجوزُ؛ لأنَّ مُراعاةَ التَّرتيبِ بينَ السُّنةِ والمَكتوبةِ غيرُ واجِبةٍ (٢).
стр. 1227
قَضاءُ الوِترِ:
ذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَنْ تركَ الوِترَ عندَ وقتِه فإنَّه يجبُ عليه القَضاءُ، وهذا على قولِ أبي حَنيفةَ لا يُشكِلُ؛ لأنَّ الوِترَ واجِبٌ؛ فكان مَضمونًا بالقَضاءِ، كالفَرضِ، وكانَ القِياسُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ ألَّا يَقضيَ، وهكذا رُويَ عنهما في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ، لكنَّهما استَحسَنا في القَضاءِ بالأثَرِ، وهو قولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنِ الوِترِ، أو نَسيَهُ، فَليُصلِّ إذا أصبَحَ، أو ذكرَهُ» (١)، ولم يَفصِل بينَ ما إذا تَذكَّر في الوقتِ أو بعدَه، ولأنَّه مَحَلُّ الاجتِهادِ؛ فأوجَبَ القَضاءَ احتِياطًا (٢).
وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّه إذا تَذكَّر الوِترَ بعدَ صَلاةِ الصُّبحِ فإنَّه لا يَقضِيه (٣).
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّه يُستحبُّ قَضاءُ الوِترِ إذا فاتَه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عن الوِترِ أو نَسيَهُ، فَليُصلِّ إذا أصبَحَ، أو ذكرَهُ».
والقولُ الثاني عندَ الشافِعيَّة والحَنابِلةِ أنَّه لا يَقضِيه، وهو نَصُّ الشافِعيِّ في القَديمِ، وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ (٤).
стр. 1228
عدد رَكعاتِ الوِترِ:
ذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الوِترَ ثَلاثُ رَكعاتٍ بتَشهُّدَينِ، وسَلامٍ، كما يُصلَّى المَغربُ، ولا يَجوزُ الوِترُ عندَهم بواحدةٍ، وذلك لمَا رَواه مُحمدُ بنُ كَعبٍ القُرَظِيُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «نَهى عَنِ البُتَيرَاءِ» (١)، وعَن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «الوِترُ ثَلَاثٌ، كَوِترِ النَّهَارِ، صَلاةِ المَغربِ» (٢). وعَن عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان: «لَا يسلِّمُ في رَكعتَيِ الوِترِ» (٣)(٤).
أما المالِكيَّةُ: فإنَّ الوِترَ عندَهم رَكعةٌ واحدةٌ، ولا بدَّ مِنْ شَفعٍ يَسبِقُها. قال الباجِيُّ: هذا هو المَشهورُ.
واختُلِفَ: هل تَقَدُّمُ الشَّفعِ شَرطُ صحَّةٍ أو كَمالٍ؟
قالوا: وقد تُسَمَّى الرَّكعاتُ الثَّلاثُ وِترًا، إلا أنَّ ذلك مَجازٌ، والوِترُ في الحَقيقةِ هو الرَّكعةُ الواحدةُ، ويُكرَهُ أن يُوتِرَ بثَلاثٍ بتَسلِيمةٍ واحدةٍ في آخرِها، ويُكرَهُ أن يُصلِّيَ واحدةً فَقط، بل بعدَ نافِلةٍ، وأقَلُّ تلك النَّافِلةِ رَكعَتانِ، ولا حَدَّ لأكثَرِها.
стр. 1229
قالوا: والأصلُ في ذلك حَديثُ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فإذا خَشِيَ أَحدُكُمُ الصُّبحَ صلَّى رَكعَةً واحدةً تُوتِرُ له ما قَدْ صلَّى» (١).
ويُستَثنَى مِنْ كَراهَةِ الإيتار برَكعةٍ واحدةٍ مَنْ كانَ له عُذرٌ، كالمُسافرِ والمَريضِ، فقد قِيلَ: لا يُكرَهُ له ذلك، وقيلَ: يُكرَهُ له أيضًا.
فإن أوتَرَ دونَ عُذرٍ بواحدةٍ دونَ شَفعٍ قبلَها، قال أشهَبُ: يُعيدُ وِترَه بإثرِ شَفعٍ، ما لم يُصلِّ الصُّبحَ، وقال سُحنُونُ: إن كان بحَضرةِ ذلك، أي: بالقُربِ، شَفَعَها برَكعةٍ، ثم أوتَرَ، وإن تباعد أجزَأَهُ.
وقالوا: لا يُشترَطُ في الشَّفعِ قبلَ الوِترِ نيَّةٌ تَخُصُّه، بل يَنوبُ مَكانَ الشَّفعِ كلُّ نافِلةٍ. هذا هو الصَّحيحُ (٢).
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ أقَلَّ صَلاةِ الوِترِ رَكعةٌ واحدةٌ، ويَجوزُ ذلك بِلا كَراهَةٍ، لكنَّ الاقتصارَ عليها خِلافُ الأَولَى؛ لحَديثِ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ فَأَوتِر بِواحدةٍ» (٣).
ونَصَّ الحَنابلَةُ على أنَّه لا يُكرَهُ الإيتارُ بها مُفرَدَةً، ولو بِلا عُذرٍ مِنْ مرَضٍ أو سَفرٍ ونحوِهما؛ لِلحَديثِ السابقِ، وأكثرُ الوِترِ عندَهم إحدى عَشرَةَ رَكعةً، وفي وَجهٍ عندَ الشافِعيَّةِ أكثرُه ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعةً، ويَجوزُ بِما
стр. 1230
بينَ ذلك مِنْ الأوتار، ويسلِّمُ مِنْ كلِّ رَكعتَينِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى … » الحَديثَ.
ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الوِترُ حَقٌّ على كلِّ مُسلِمٍ، فمَن أَحبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمسٍ فَليَفعل، وَمَنْ أَحبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاث فَليَفعل، وَمَنْ أَحبَّ أَنْ يُوتِرَ بِواحدةٍ فَليَفعل» (١). وقولِه: «أَوتِرُوا بِخَمسٍ، أو بِسَبعٍ، أو بِتِسعٍ، أو بِإِحدَى عَشرَةَ» (٢)، وأدنَى الكَمالِ عندَهم ثَلاثُ رَكعاتٍ، فلو اقتَصرَ على رَكعةٍ، كان خِلافَ الأَولَى، كما سبقَ (٣).
صِفةُ صَلاةِ الوِترِ:
أولًا: الوَصلُ: المُصلِّي إمَّا أن يُوتِرَ برَكعةٍ، وإمَّا بثَلاثٍ، وإمَّا بأكثرَ:
أ- فإن أوتَرَ المُصلِّي برَكعةٍ -عندَ القائِلينَ بجَوازِه- فالأمرُ واضِحٌ.
ب- وإن أوتَرَ بثَلاثٍ فله ثَلاثُ صُوَرٍ:
الصُّورةُ الأُولى: أن يَفصِلَ الشَّفعَ بالسَّلامِ، ثم يُصلِّيَ الرَّكعةَ الثالِثةَ بتَكبيرةِ إحرامٍ مُستَقِلَّةٍ، وهذه الصُّورةُ هي المُعَيَّنةٌ عندَ المالِكيَّةِ، وهي