مع الأسوَدِ بنِ يَزيدَ جالسًا في المَسجدِ الأعظَمِ ومَعَنا الشَّعبيُّ، فحدَّثَ الشَّعبيُّ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَجعلْ لها سُكنَى ولا نَفقةً، ثمَّ أخَذَ الأسوَدُ كفًّا مِنْ حصًى فحصَبَه به فقالَ: ويلَكَ تُحدِّثُ بمِثلِ هذا؟! قالَ عُمرُ: لا نَتركُ كِتابَ اللهِ وسُنةَ نَبيِّنا ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لا نَدري لعَلَّها حَفظَتْ أو نَسيَتْ، لها السُّكنى والنَّفقةُ، قالَ اللهُ : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] (١).
وعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٢).
وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٣).
قالوا: فهذا عُمرُ ﵁ قد أنكَرَ حَديثَ فاطِمةَ هذا ولم يَقبلْه، وقد أنكَرَه عليها أيضًا أُسامةُ بنُ زَيدٍ، فعَن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قالَ: كانت فاطِمةُ بنتُ قَيسٍ تُحدِّثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ لها: «اعتَدِّي في
стр. 11657
بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، وكانَ مُحمدُ بنُ أُسامةَ بنِ زَيدٍ يَقولُ: كانَ أُسامةُ إذا ذكَرَتْ فاطِمةُ مِنْ ذلكَ شَيئًا رَماها بِما كانَ في يدِه (١).
فهذا أُسامةُ بنُ زَيدٍ قد أنكَرَ مِنْ ذلكَ أيضًا ما أنكَرَه عُمرُ ﵁، وقد أنكَرَتْ ذلكَ أيضًا عائِشةُ ﵂، فعَن يَحيَى بنِ سَعيدٍ قالَ: سَمعتُ القاسمَ بنَ مُحمدٍ وسُليمانَ بنَ يَسارٍ يَذكُرانِ أنَّ يَحيَى بنَ سَعيدِ بنِ العاصِ طلَّقَ بنتَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحَكمِ، فانتَقَلَها عبدُ الرَّحمنِ بنُ الحَكمِ، فأرسَلَتْ عائِشةُ إلى مَروانَ وهو أميرُ المَدينةِ أنِ اتَّقِ اللهَ واردُدِ المَرأةَ إلى بَيتِها، فقالَ مَروانُ في حَديثِ سُليمانَ: إنَّ عبدَ الرَّحمنِ غَلَبَني، وقالَ في حَديثِ القاسِمِ: أمَا بلَغَكَ حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقالَتْ عائِشةُ: لا يضُرُّك أنْ لا تَذكرَ حَديثَ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ، تَعني أنَّ تلكَ كانَ لها قِصةٌ أُخرجَتْ لها، فقالَ مَروانُ: إنْ كانَ بِك الشرُّ فحَسبُك ما بينَ هَذينِ مِنْ الشرِّ.
يَعني: أنَّني أخرَجْتُها لأجلِ الشرِّ الذي أُخرجَتْ فاطِمةُ مِنْ أجْلِه.
وعن الرَّحمنِ بن القاسِمِ عن أبيه قالَ: قالَتْ عائِشةُ: «ما لفاطِمةَ مِنْ خبَرٍ في أنْ تَذكرَ هذا الحَديثَ؟»، يعني قَولَها: «لا نَفقةَ ولا سُكنَى».
فهذهِ عائِشةُ ﵂ لم ترَ العَملَ بحَديثِ فاطِمةَ أيضًا.
وقد صرَفَ ذلكَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ إلى معنًى آخَرَ، فعَن عَمرِو بنِ مَيمونٍ عن أبيه قالَ: قلتُ لسَعيدِ بنِ المُسيبِ: أينَ تَعتدُّ المُطلَّقةُ ثَلاثًا؟ فقالَ: في بَيتِها، فقلتُ له: أليسَ قد أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فاطِمةَ بنتَ
стр. 11658
قَيسٍ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ؟ فقالَ: تلكَ المَرأةُ فَتنَتِ الناسَ واستَطالَتْ على أحمائِها بلِسانِها، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ وكانَ رَجلًا مَكفوفَ البَصرِ.
وعن ابنِ شِهابٍ قالَ: حدَّثَني أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ أخبَرَتْه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اعتَدِّي في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، فأنكَرَ الناسُ عليها ما كانَتْ تُحدِّثُ بهِ مِنْ خُروجِها قبلَ أنْ تَحِلَّ.
فهذا أبو سَلمةَ يُخبِرُ أيْضًا أنَّ الناسَ قد كانُوا أنكَرُوا ذلكَ على فاطِمةَ وفيهِم أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ومَن لَحِقَ بهم مِنْ التَّابعينَ، فقدْ أنكَرَ عُمرُ وأُسامةُ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ مع مَنْ سَمَّيْنا معهُم في حَديثِ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ هذا ولم يَعملُوا به، وذلكَ مِنْ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ بحَضرةِ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فلَم يُنكِرْه عليهِ مِنهم مُنكِرٌ، فدَلَّ تَركُهم النَّكيرَ في ذلكَ عليه أنَّ مَذهبَهُم فيه كمَذهبِه (١).
الموضِعُ الثاني: هل تَجبُ للمُطلَّقةِ الثَّلاثِ النَّفقةُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُطلَّقةِ البائِنةِ والثَّلاثِ هل تَجبُ لها النَّفقةُ في مُدةِ العدَّةِ أم لا تَجبُ لها النَّفقةُ؟
стр. 11659
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَجبُ لها النَّفقةُ والسُّكنى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وفي قِراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ «أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ وَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ مِنْ وُجْدِكُمْ»، ولا اختِلافَ بينَ القِراءتَينِ، لكنَّ إحداهُما تَفسيرُ الأخرَى، كقَولِه : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ «أَيْمَانَهُمَا»، وليسَ ذلكَ اختِلافَ القَراءةِ، بل قِراءتُه تَفسيرُ القِراءةِ الظاهرةِ، كذا هذا.
ولأنَّ الأمرَ بالإسكانِ أمرٌ بالإنفاقِ؛ لأنها إذا كانَتْ مَحبوسةً مَمنوعةً عن الخُروجِ لا تَقدرُ على اكتِسابِ النَّفقةِ، فلو لم تَكنْ نَفقتُها على الزَّوجِ ولا مالَ لها لَهلكَتْ أو ضاقَ الأمرُ عليها وعَسُرَ، وهذا لا يَجوزُ، وقَولُه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما قبلَ الطلاقِ وبعدَه في العدَّةِ، ولأن النَّفقةَ إنما وجَبَتْ قبلَ الطَّلاقِ؛ لكَونِها مَحبوسةً عن الخُروجِ والبُروزِ لحَقِّ الزوجِ، وقد بَقيَ ذلكَ الاحتباسُ بعدَ الطلاقِ في حالةِ العدَّةِ، وتَأبَّدَ بانضِمامِ حَقِّ الشَّرعِ إليه؛ لأنَّ الحَبسَ قبلَ الطلاقِ كانَ حَقًّا للزَّوجِ على الخُلوصِ، وبعدَ الطَّلاقِ تَعلَّقَ به حقُّ الشرعِ، حتَّى لا يُباحُ لها الخُروجُ وإنْ أَذِنَ الزَّوجُ لها بالخُروجِ، فلمَّا وجَبَتْ به النَّفقةُ قبلَ التأكُّدِ فلَأنْ تَجبَ بعدَ التأكُّدِ أَولى.
وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ففيها أمرٌ بالإنفاقِ على الحامِلِ، وإنه لا يَنفي وُجوبَ الإنفاقِ على غيرِ الحامِلِ،
стр. 11660
ولا يُوجِبُه أيضًا، فيَكونُ مَسكوتًا مَوقوفًا على قيامِ الدَّليلِ، وقد قامَ دَليلُ الوُجوبِ وهو ما ذكَرْنا.
وأما حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فقدْ رَدَّه عُمرُ ﵁، فعن حمَّادٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ «أنَّ زوْجَها طلَّقَها ثلاثًا فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: لا نَفقةَ ولا سُكنى، قالَ فأخبَرْتُ بذلكَ النخَعيَّ فقالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ وأُخبِرَ بذلكَ: لسْنَا بتارِكي آيةً مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى وقولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقَولِ امرَأةٍ لعَلَّها أُوهِمَتْ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (١).
وعنِ الأعمَشِ عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ عن الأسوَدِ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قالا في المُطلَّقةِ ثلاثًا: «لها السُّكنى والنَّفقةُ» (٢).
ثمَّ قد قيلَ في تَأويلِه أنها كانَتْ تَبذُو على أحمائِها -أي: تَفحشُ عليهِم باللِّسانِ، مِنْ قَولِهم: بَذوتُ على فُلانٍ، أي: فَحشتُ عليهِ- أي: كانَتْ تُطيلُ لِسانَها عليهِم بالفُحشِ، فنقَلَها رَسولُ اللهِ إلى بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، ولم يَجعلْ لها نَفقةً ولا سُكنَى؛ لأنها صارَتْ كالناشِزةِ إذا كانَ سَببُ الخُروجِ منها، وهكذا نَقولُ فيمَن خرَجَتْ مِنْ بيتِ زَوجِها في عدَّتِها، أو كانَ منها سَببٌ أوجَبَ الخُروجَ أنها لا تَستحقُّ النَّفقةَ ما دامَتْ في بَيتِ غيرِ الزَّوجِ، وقيلَ: إنَّ زوْجَها كانَ غائبًا فلَم يَقْضِ لها بالنَّفقةِ والسُّكنى على الزوجِ لغَيبتِه؛ إذ لا يَجوزُ القَضاءُ على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ.
стр. 11661
ولأنَّ النَّفقة تَجبُ بالاحتِباسِ، وقد بَقيَ بعدَ الطَّلاقِ الثلاثِ والبائنِ، فتَبقَى النَّفقةُ، وسَواءٌ كانَتِ المُعتدةُ عن طَلاقٍ كَبيرةً أو صَغيرةً، مُسلمةً أو كِتابيةً؛ لأنَّ ما ذكَرْنا مِنْ الدَّلائلِ لا يُوجبُ الفَصلَ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا والبائنةَ لا نَفقةَ لها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فخَصَّ الحاملَ بالأمرِ بالإنفاقِ عليها، فلو وجَبَ الإنفاقُ على غيرِ الحامِلِ لَبطَلَ التَّخصيصُ، فدلَّ ذلك على أنها إنْ كانَتْ حائلًا لا نَفقةَ لها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ نَفقةَ المَبتوتةِ مَشروطةً بالحَملِ، فدَلَّ على سُقوطِها بعَدمِ الحَملِ.
ولأنَّ النَّفقةَ لو كانَتْ تَجبُ كما تَجبُ السُّكنى لَمَا كانَ لاختِصاصِ النَّفقةِ للحاملِ معنًى، فلمَّا وقَعَ الاختِصاصُ وجَبَ أنه لا نَفقةَ للمَرأةِ إذا لم تكنْ حامِلًا.
ولأنَّ اللهَ لمَّا ذكَرَ السُّكنى أطلَقَها لكُلِّ مُطلَّقةٍ، فلمَّا ذكَرَ النَّفقة قيَّدَها بالحَملِ، فدَلَّ على أنَّ المُطلَّقةَ البائنَ لا نَفقةَ لها.
ولِما رَواهُ مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ قالَ: دخَلْتُ على فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ فسَألتُها عن قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ عليها، فقالَتْ: «طلَّقَها زَوجُها البتَّةَ فقالَتْ:
стр. 11662
فخاصَمتُه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في السُّكنى والنَّفقةِ، قالَتْ: فلَم يَجعَلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً، وأمَرَني أنْ أعتَدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ» (١).
وفي رِوايةٍ عن الشَّعبيِّ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ عن النبيِّ ﷺ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا قالَ: «ليسَ لها سُكنَى ولا نَفقةٌ» (٢).
وعن أبي بَكرِ بنِ أبي الجَهمِ قالَ: سَمعتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ تَقولُ: «أرسَلَ إليَّ زَوجِي أبو عَمرِو بنُ حَفصِ بنِ المُغيرةِ عيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ بطَلاقِي وأرسَلَ معَه بخَمسةِ آصُعِ تَمرٍ وخَمسةِ آصُعِ شَعيرٍ، فقُلتُ: أمَا ليَ نَفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتَدُّ في مَنزلِكُم، قالَ: لا، قالَتْ: فشَدَدتُ عليَّ ثِيابِي وأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: كَمْ طَلَّقكِ؟ قلتُ: ثَلاثًا، قالَ: صَدَقَ، ليسَ لكِ نَفقةٌ، اعتَدِّي في بَيتِ ابنِ عَمِّكِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنَّه ضَريرُ البَصرِ تُلقِي ثَوبَكِ عِندَهُ» (٣).
ورَوى عامرٌ أنه قالَ: «قَدِمتُ المَدينةَ فأتَيتُ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ فحَدَّثتْني أنَّ زوْجَها طلَّقَها على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فبعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ في سَريَّةٍ، قالَتْ: فقالَ لي أخوهُ: أخرُجِي مِنْ الدارِ، فقلتُ: إنَّ لي نَفقةً وسُكنَى حتى يَحلَّ الأجَلُ، قالَ: لا، قالَتْ: فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: إنَّ فُلانًا طلَّقَني، وإنَّ أخاهُ أخرَجَني ومنَعَني السُّكنى
стр. 11663
والنَّفقةَ، فأرسَلَ إليه فقالَ: ما لكَ ولابنةِ آلِ قَيسٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أخي طلَّقَها ثلاثًا جَميعًا، قالَتْ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : انظُرِي يا ابنَةَ آلِ قَيسٍ إنما النَّفقةُ والسُّكنى للمَرأةِ على زَوجِها ما كانَتْ له عليها رَجعةٌ، فإذا لم يَكنْ له عليها رَجعةٌ فلا نَفقةَ ولا سُكنَى، أُخرجِي فانزِلي على فُلانةَ، ثمَّ قالَ: إنه يُتحدَّثُ إليها، انزِلي على ابنِ أمِّ مَكتومٍ فإنه أعمَى» (١).
ولأنها زوجيةٌ بانَتْ، فوجَبَ أنْ تَسقطَ النَّفقةُ بزَوالِها كالمُتوفَّى عنها زَوجُها، ولأنه بائنٌ، فوجَبَ أنْ تَسقطَ نَفقتُها كغيرِ المَدخولِ بها، ولأنَّ النَّفقةَ في مُقابلةِ التَّمكينِ، فإذا زالَ التَّمكينُ سقَطَتِ النَّفقةُ، ولأنه يَملكُ الاستمتاعَ بزَوجتِه كما يَملكُ رِقَّ أمَتِه، فلمَّا سقَطَتْ نَفقةُ الأمَةِ بزَوالِ مِلكِه عن رِقِّها وجَبَ أنْ تَسقطَ نَفقةُ الزَّوجةِ بزَوالِ مِلكِه عن الاستِمتاعِ بها (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا في سُكنَى المَبتوتةِ ونَفقتِها إذا لم تَكنْ حامِلًا على ثَلاثةِ أقوالٍ:
أحَدُها: أنَّ لها السُّكنى والنَّفقةَ، وهو قَولُ الكُوفيِّينَ.
стр. 11664
والقَولُ الثاني: أنه لا سُكنَى لها ولا نَفقةَ، وهو قَولُ أحمَدَ وداودَ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وجَماعةٍ.
الثالِثُ: أنَّ لها السُّكنى ولا نَفقةَ لها، وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وجَماعةٍ.
وسَببُ اختِلافِهم: اختِلافُ الرِّوايةِ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، ومُعارَضةُ ظاهِرِ الكِتابِ له، فاستَدلَّ مَنْ لم يُوجِبْ لها نَفقةً ولا سُكنَى بما رُويَ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنها قالَتْ: «طلَّقَني زَوجِي ثَلاثًا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأتَيتُ النبيَّ ﷺ فلَم يَجعلْ لي سُكنَى ولا نَفقةً» خرَّجَه مُسلمٌ، وفي بَعضِ الرِّواياتِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنما السُّكنى والنَّفقةُ لمَن لزَوجِها عليها الرَّجعةُ»، وهذا قَولٌ مَرويٌّ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ.
وأما الذينَ أوجَبُوا لها السُّكنى دونَ النَّفقةِ فإنهُم احتَجُّوا بما رَواهُ مالكٌ في مُوطَّئِه مِنْ حَديثِ فاطِمةَ المَذكورةِ، وفيه: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ، وأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ»، ولم يَذكرْ فيها إسقاطَ السُّكنى، فبَقيَ على عُمومِه في قولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وعلَّلُوا أمْرَه ﵊ بأنْ تَعتدَّ في بيتِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ بأنه كانَ في لِسانِها بَذاءٌ.
وأما الذينَ أوجَبُوا لها السُّكنى والنَّفقةَ فصارُوا إلى وُجوبِ السُّكنى لها بعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]،
стр. 11665
وصارُوا إلى وُجوبِ النَّفقةِ لها لكَونِ النَّفقةِ تابِعةً لوُجوبِ الإسكانِ في الرَّجعيةِ وفي الحاملِ وفي نَفسِ الزَّوجيةِ.
وبالجُملةِ فحَيثُما وجَبَتِ السُّكنى في الشرعِ وجَبَتِ النَّفقةُ، ورُويَ عن عُمرَ أنه قالَ في حَديثِ فاطِمةَ هذا: «لا نَدَعُ كتابَ نَبيِّنا وسُنتَه لقَولِ امرأةٍ» يُريدُ قولَه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الآيَة.
ولأنَّ المَعروفَ مِنْ سُنتِه ﵊ أنه أوجَبَ النَّفقةَ حيثُ تَجبُ السُّكنى، فلذلكَ الأَولى في هَذهِ المَسألةِ إما أنْ يقالَ: إنَّ لها الأمرَينِ جَميعًا؛ مَصيرًا إلى ظاهِرِ الكتابِ والمُعروفِ مِنْ السُّنةِ، وإما أنْ يُخصَّصَ هذا العُمومُ بحَديثِ فاطِمةَ المَذكورِ.
وأما التَّفريقُ بينَ إيجابِ النَّفقةِ والسُّكنى فعَسيرٌ، ووَجهُ عُسرِه ضَعفُ دَليلِه (١).
نَفقةُ المختَلِعةِ:
المَرأةُ إذا اختَلعتْ مِنْ زَوجِها فلا تَخلُو مِنْ حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ تَكونَ حامِلًا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّوجةَ إذا كانَتْ مُختلِعةً مِنْ زَوجِها وكانَتْ حامِلًا أنَّ لها النَّفقةَ والسُّكنى؛ لأنها داخِلةٌ في عُمومِ قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولأنها مَشغولةٌ
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ حائِلًا غيرَ حامِلٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُختلِعةِ غيرِ الحامِلِ، هل لها النَّفقةُ في العدَّةِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا نَفقةَ لها كالمُطلَّقةِ ثَلاثًا والبائنِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى وُجوبِ النَّفقةِ لها في العدَّةِ كالمُطلَّقةِ البائنِ.
وهي على نَفسِ الخِلافِ السابقِ في المُطلَّقةِ ثَلاثًا الذي تقدَّمَ في المَسألةِ السابِقةِ.
نَفقةُ الزَّوجةِ الناشِزِ:
ذهَبَ أكثرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الزَّوجةَ الناشِزَ لا نَفقةَ لها؛ لفَواتِ التَّسليمِ بمَعنًى مِنْ جَهتِها وهو النُّشوزُ.
والنُّشوزُ في النكاحِ: مَعصيتُها لزَوجِها فيما له عليها ممَّا أوجَبَه له النكاحُ، وأصلُه مِنْ الارتِفاعِ، مَأخوذٌ مِنْ النَّشزِ وهو المَكانُ المرتفِعُ، فكأنَّ الناشِزَ ارتَفعَتْ عن طاعَةِ زَوجِها فسُمِّيتْ ناشِزًا، فمتَى امتَنعتْ مِنْ فِراشِه أو خرَجَتْ مِنْ مَنزلِه بغيرِ إذنِه أو امتَنعَتْ مِنْ الانتقالِ معَه إلى مَسكنِ مثلِها أو مِنْ السَّفرِ معَه فلا نَفقةَ لها ولا سُكنَى في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على إسقاطِ نَفقةِ الناشِزِ المانِعةِ نفْسَها مِنْ الزَّوجِ، هذا قَولُ الشَّعبيِّ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ ومالِكٍ والأوزاعيِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وأصحابِ الرأيِ.
стр. 11668
ولا أعلَمُ أحَدًا خالَفَ هَؤلاءِ إلا الحكَمَ فإنه قالَ في امرَأةٍ خرَجَتْ مِنْ بَيتِ زوجِها عاصِيةً: لها نَفقةٌ.
قالَ أبو بَكرٍ: الأولُ أصَحُّ (١)، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَعلَّه يَحتجُّ بأنْ نُشوزَها لا يُسقطُ مَهرَها، فكَذلكَ نَفقتُها.
ولنا: إنَّ النَّفقةَ إنما تَجبُ في مُقابلةِ تَمكينِها؛ بدَليلِ أنها لا تَجبُ قبلَ تَسليمِها إليهِ، وإذا منَعَها النَّفقةَ كانَ لها مَنعُه التَّمكينَ، فإذا مَنعتْه التمكينَ كانَ له مَنعُها مِنْ النَّفقةِ كما قبلَ الدُّخولِ، وتُخالِفُ المَهرَ؛ فإنه يَجبُ بمُجرَّدِ العَقدِ، ولذلك لو ماتَ أحَدُهما قبلَ الدُّخولِ وجَبَ المَهرُ دونَ النَّفقةِ.
فأمَّا إذا كانَ لهُ منها وَلدٌ فَعليهِ نَفقةُ وَلدِه؛ لأنها واجِبةٌ له، فلا يَسقطُ حقُّه بمَعصيتِها كالكَبيرِ، وعليه أنْ يُعطيَها إيَّاها إذا كانَتْ هي الحاضِنةَ له أو المُرضِعةَ له، وكذلك أجرُ رَضاعِها يَلزمُه تَسليمُه إليها؛ لأنه أجرٌ ملَكَتْه عليهِ بالإرضاعِ لا في مُقابَلةِ الاستِمتاعِ، ولا يَزولُ بزَوالِه.
وإذا سقَطَتْ نَفقةُ المَرأةِ بنُشوزِها فعادَتْ عن النُّشوزِ والزَّوجُ حاضِرٌ عادَتْ نَفقتُها؛ لزَوالِ المُسقِطِ لها ووُجودِ التمكينِ المُقتضي لها، وإنْ كانَ غائبًا لم تَعُدْ نَفقتُها حتى يَعودَ التَّسليمُ بحُضورِه أو حُضورِ وكيلِه أو حُكمِ الحاكمِ بالوُجوبِ إذا مضَى زَمنُ الإمكانِ (٢).
стр. 11669
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: فإنِ انتَقلَتِ الزوجةُ مِنْ مَنزلِ الزوجِ الذي أسكَنَها فيه إلى مَنزلٍ غيرِه بغَيرِ إذنِه، أو خرَجَتْ مِنْ البَلدِ بغيرِ إذنِه .. فهي ناشِزةٌ، وتَسقطُ بذلكَ نَفقتُها، وبه قالَ كافَّةُ أهلِ العِلمِ، إلا الحَكمَ بنَ عُتيبةَ؛ فإنه قالَ: لا تَسقطُ نَفقتُها بذلكَ.
دَليلُنا: أنَّ النَّفقةَ تَجبُ في مُقابلةِ التَّمكينِ مِنْ الاستِمتاعِ، وقد سقَطَ التَّمكينُ مِنْ الاستِمتاعِ، فسقَطَتْ نَفقتُها كما لو لَم تُسلِّمْ نفْسَها.
وإنْ سافَرَتِ المَرأةُ بغَيرِ إذنِ زَوجِها .. سقَطَتْ نَفقتُها؛ لأنها قد منَعَتِ استِمتاعَه بالسَّفرِ، وإنْ سافرَتْ بإذنِه .. نظَرْت:
فإنْ سافَرَ الزوجُ معَها .. لم تَسقطْ نَفقتُها؛ لأنها في قَبضتِه وطاعَتِه، وإنْ سافَرتْ وحْدَها؛ فإنْ كانَتْ في حاجَةِ الزوجِ .. وجَبَتْ عليهِ نَفقتُها؛ لأنها سافَرتْ في شُغلِه ومُرادِه، وإنْ سافرَتْ لحاجَةِ نَفسِها .. فقدْ قالَ الشافِعيُّ في (النَّفقاتِ): (لها النَّفقةُ)، وقالَ في (النكاحِ): (لا نَفقةَ لها)، واختَلفَ أصحابُنا فيها:
فقالَ أبو إسحاقَ: ليسَتْ على قَولينِ، وإنما هيَ على اختلافِ حالَينِ:
فحَيثُ قالَ: (لها النَّفقة) أرادَ: إذا كانَ الزَّوجُ معَها.
وحَيثُ قالَ: (لا نَفقةَ لها) أرادَ: إذا لم يَكنِ الزوجُ معَها.
ومنهُم مَنْ قالَ: فيه قَولانِ:
أحَدُهما: لا نَفقةَ لها، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ؛ لأنها غيرُ مُمكِّنةٍ مِنْ نَفسِها، فلَم تَجبْ لها النَّفقةُ كما لو سافرَتْ بغيرِ إذنِه.
стр. 11670
والثَّاني: تَجبُ لها النَّفقةُ؛ لأنها سافرَتْ بإذنِه، فلَم تَسقطْ نَفقتُها كما لو سافرَتْ في حاجَتِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: ومَن نشَزَتْ عنه امرَأتُه بعدَ دُخولِه بها سقَطَتْ عنه نَفقتُها، إلا أنْ تَكونَ حامِلًا، وخالَفَ ابنُ القاسِمِ جَماعةَ الفُقهاءِ في نَفقةِ الناشزِ فأوجَبَها، وإذا عادَتِ الناشزُ إلى زَوجِها وجَبَتْ في المُستقبلِ نَفقتُها (٢).
وقالَ الصَّاوِي ﵀: واختُلفَ في وُجوبِ نَفقةِ الناشِزِ، والذي ذكَرَه المَتيطيُّ ووَقعَ به الحَكمُ -وهو الصَّحيحُ- أنَّ الزَّوجَ إذا كانَ قادِرًا على رَدِّها ولو بالحُكمِ مِنْ الحاكِمِ ولم يَفعلْ فلَها النَّفقةُ، وإنْ غلَبَتْ عليهِ لحَميةِ قَومِها وكانَتْ ممَّن لا تَنفذُ فيهم الأحكامُ فلا نَفقةَ لها (٣).
وقولُه : ﴿فَلَا تَقُلْ لَا لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وأنه كِنايةٌ عن كَلامٍ فيه ضَربٌ إيذاءٌ، ومَعلومٌ أنَّ مَعنَى التأذِّي بتَركِ الإنفاقِ عليهِما عندَ عَجزِهما وقُدرةِ الوَلدِ أكثَرُ، فكانَ النهيُ عن التَّأفيفِ نَهيًا عن تَركِ الإنفاقِ دَلالةً كما كانَ نَهيًا عن الشَّتمِ والضَّربِ دَلالةً.
وأمَّا السُّنةُ: فرُويَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ومعَه أبُوه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ لي مَالًا وإنَّ لي أبًا وله مالٌ، وإنْ أبِي يُريدُ أنْ يَأخذَ مالِي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ» (١)، أضافَ مالَ الابنِ إلى الأبِ بلَامِ التَّمليكِ، وظاهِرُه يَقتضِي أنْ يَكونَ للأبِ في مالِ ابنِه حَقيقةُ المِلكِ، فإنْ لم تَثبُتِ الحَقيقةُ فلا أقَلَّ مِنْ أنْ يَثبتَ له حَقُّ التَّمليكِ عندَ الحاجَةِ.
ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إنَّ أطيَبَ ما يَأكلُ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه، فكُلوا مِنْ كَسبِ أولادِكُم» (٢)، أي: إذا احتَجتُم إليه بالمَعروفِ، والحَديثُ حُجةٌ بأوَّلِه وآخِرِه، أما بآخِرِه فظاهِرٌ؛ لأنه ﷺ أطلَقَ للأبِ الأكلَ مِنْ كَسبِ وَلدِه إذا احتَاجَ إليه مُطلقًا عن شَرطِ الإذنِ والعِوضِ، فوجَبَ القَولُ به.
وأما بأوَّلِه فلِأنَّ معنَى قَولِه: «وإنْ ولَدَه مِنْ كَسبِه»، أي: كَسبُ وَلدِه مِنْ كَسبِه؛ لأنه جعَلَ كسْبَ الرَّجلِ أطيَبَ المَأكولِ، والمَأكولُ كَسبُه لا نَفسُه،
стр. 11673
وإذا كانَ كَسبُ وَلدِه كسْبَه كانَتْ نَفقتُه فيهِ؛ لأنَّ نَفقةَ الإنسانِ في كَسبِه، ولأنَّ ولَدَه لمَّا كانَ مِنْ كَسبِه كانَ كَسبُ وَلدِه ككَسبِه، وكَسبُ كَسبِ الإنسانِ كَسبُه، ككَسبِ عَبدِه المَأذونِ، فكانَتْ نَفقتُه فيه (١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ نَفقةَ الوالدَينِ الفقيرَينِ اللَّذَينِ لا كسْبَ لهُما ولا مالَ واجِبةٌ في مالِ الولَدِ.
كذلكَ قالَ مالِكٌ والثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالحٍ والشافِعيُّ والنُّعمانُ وأصحابُه وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ (٢).
وسَواءٌ كانَ هذا الوَلدُ صَغيرًا أو كَبيرًا، ذكَرًا أو أُنثى، صَحيحًا أو مَريضًا، واحِدًا أو مُتعدِّدًا، وسَواءٌ كانَ الأبوَانِ صَحيحَينِ أو زَمِنينِ، فتَجبُ النَّفقةُ لهُما.
نَفقةُ الجَدِّ والجدَّةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ نَفقةُ الجَدِّ والجَدةِ في مالِ وَلدِ الوَلدِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها تَجبُ نَفقتُه على وَلدِ وَلدِه الذُّكورِ والإناثِ سَواءً إذا كانَا في حالِ مَنْ يَجبُ لمِثلِه النَّفقةُ؛ لقَولِه سُبحانَه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولأنه يَدخلُ في
стр. 11674
مُطلَقِ الوَلدِ والوالِدِ؛ بدَليلِ أنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فيَدخلُ فيهِم وَلدُ البَنينَ، وقالَ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، وقالَ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، ولأنَّ بينَهُما قَرابةً تُوجِبُ العِتقَ ورَدَّ الشَّهادةِ، فأشبَهَ الوَلدَ والوالِدَ القَريبَينِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا تَجبُ نَفقةُ الجَدِّ على وَلدِ الوَلدِ، فلا تَجبُ النَّفقةُ عليهِم ولا لهُم؛ لأنَّ الجَدَّ ليسَ بأبٍ حَقيقيٍّ؛ لأنَّ النَّفقةَ على الأقاربِ لا تَجبُ انتِقالًا، وإنما تَجبُ ابتِداءً، ونَفقةُ الجَدِّ لازِمةٌ للأبِ، فلا تَنتقلُ إلى وَلدِه (٢).
الشُّروطُ المعتبَرةُ في وُجوبِ إنفاقِ الوَلدِ على أبيهِ:
يُشتَرطُ في الأبِ الذي تَجبُ نَفقتُه على وَلدِه أنْ يَتوفَّرَ فيه عدَّةُ شُروطٍ:
أحَدُها: الحُرِّيةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الأبُ حُرًّا ليَكونَ بها مِنْ أهلِ المُواساةِ، فإنْ كانَ مَملوكًا لم تَجبْ عليه نَفقةُ والدِه.
стр. 11675
والشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ الوالِدُ فَقيرًا مُعسِرًا: فإنْ كانَ مُوسرًا فلا تَجبُ نَفقتُه على وَلدِه؛ لأنَّ وُجوبَها مَعلولٌ بحاجةِ المُنفَقِ عليهِ، فلا تَجبُ لغيرِ المُحتاجِ، ولأنه إذا كانَ غنيًّا إيجابُ النَّفقة في مالِه أَولى مِنْ إيجابِها في مالِ غيرِه.
وحَدُّ الإعسارِ الذي يَحقُّ للوالدِ الأخذُ مِنْ مالِ وَلدِه أنْ لا يكونَ عندَه نَفقةُ يَومِه، فإنْ كانَ عندَه أقَلُّ مِنْ نَفقةِ يَومِه فيَجبُ على الولدِ أنْ يُكملَها تَمامَ الكِفايةِ إذا كانَ الوالِدُ عاجزًا عن الكَسبِ.
وعندَ الحَنفيةِ أنَّ حَدَّ المُعسرِ الذي يَستحقُّ النَّفقةَ قيلَ: هو الذي يَحلُّ له أخذُ الصَّدقةِ ولا تَجبُ عليه الزَّكاةُ، أي مَنْ ملَكَ دُونَ نِصابٍ زَكويٍّ.
وقيلَ: هو المُحتاجُ.
والشَّرطُ الثَّالثُ: أنْ يكونَ الأبُ غيْرَ قادرٍ على الكَسبِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ على أنَّ الأبَ إذا كانَ قادِرًا على الكَسبِ فإنَّه يُجبَرُ عليهِ، ولا يَجبُ عَلى ابنِه أنْ يُنفِقَ عَليهِ حينَئذٍ إذا كانَ الوالِدُ قادِرًا على الكَسبِ قدْرَ كِفايتِه مِنْ كَسبٍ حَلالٍ يَليقُ بهِ؛ لانتِفاءِ حاجَتِه إلى غيْرِه، وإنْ كانَ يَكسبُ دونَ كفايتِهِ استَحقَّ القَدرَ المَعجوزَ عنهُ خاصَّةً.
وذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأظهَرِ إلى أنَّ الأبَ إذا كانَ فَقيرًا تَجبُ نَفقتُه على ابنِه ولو كانَ الأبُ قادِرًا على
стр. 11676
الكَسبِ؛ لأنَّ الشَّرعَ نهَى الولَدَ عن إلحاقِ أدنَى الأذَى بالوالدَينِ، وهو التأفُّفُ بقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومعنَى الأذَى في إلزامِ الأبِ الكَسبَ مع غِنَى الولَدِ أكثَرُ، فكانَ أَولى بالنَّهيِ، ولم يُوجَدْ ذلكَ في الابنِ، ولهذا لا يُحبَسُ الرَّجلُ بدَينِ ابنِه ويُحبَسُ بدَينِ أبيهِ، ولأنَّ الشرعَ أضافَ مالَ الابنِ إلى الأبِ بلَامِ المِلكِ، فكانَ مالُه كَمالِه، وكذا هو كَسبُ كَسبِه، فكانَ ككَسبِه، فكانَتْ نَفقتُه فيهِ.
الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يَكونَ الابنُ قادرًا على نَفقةِ والِدِه، وقُدرتُه عليها تَكونُ مِنْ أحَدِ وَجهينِ:
أحَدُهما: إمَّا مِنْ يَسارٍ بمالٍ يَملكُه، فإنْ كانَ عندَه مالٌ يَفضلُ عن نَفقتِه ونَفقةِ زَوجاتِه وعِيالِه وجَبَ عليه أنْ يُنفقَ على أبيه، فإنْ كانَ فَقيرًا لا يُوجَدُ عندَه شَيءٌ فاضِلٌ عن نَفقتِه ونَفقةِ عيالِه فلا يَجبُ عليه أنْ يُنفقَ على والدِه.
والثَّاني: أنْ يَكونَ قادرًا على الكَسبِ:
نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ على أنَّ الوَلدَ إذا كانَ فَقيرًا إلا أنه يَكتسبُ بسَببِ عَملِه فاكتَسبَ ما يُنفقُ على نَفسِه وزَوجتِه وأولادِه وفضَلَ عن قُوتِ يَومِه ولَيلتِه فَضلٌ لَزمَه أنْ يَكتسبَ ويُنفقَ على أبيه الفَقيرِ -وكذا قَرابتِه-؛ لأنَّ القُدرةَ على الكَسبِ تُجري عليه حُكمَ الغِنى وتَسلبُه حُكمَ الفَقرِ، قالَ النبيُّ ﷺ لرَجلَينِ سَألاهُ عن الزَّكاةِ: «إنْ
стр. 11677
شِئتُما أعطَيتُكُما، ولا حَظَّ فيها لغَنيٍّ ولا لقَويٍّ مُكتسِبٍ» (١)، فجعَلَ الاكتِسابَ بمَنزلةِ الغِنى بالمالِ.
وقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ: إذا كانَ الابنُ مُعسرًا إلا أنه قادِرٌ على التكسُّبِ لا يَجبُ عليه التكسُّبِ لأجْلِ الإنفاقِ على أبوَيهِ كما لا يَجبُ على الأبِ المُعسرِ أنْ يَتكسَّبَ بصَنعةٍ أو غيرِها ليُنفقَ على وَلدِه المُعسرِ ولو كانَ لذلكَ الأبِ صَنعةٌ.
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يكونَ الأبُ مُسلمًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ لوُجوبِ النَّفقةِ على الأبِ أنْ يَكونَ مُسلمًا؟ أم تَجبُ النَّفقةُ على الابنِ لوالِدِه ولو كانَ الوالدُ كافرًا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ إسلامُ الأبوَينِ، فتَجبُ النَّفقةُ على الأبِ الكافرِ إذا كانَ الابنُ مُسلمًا، وكذا تَجبُ نَفقةُ الابنِ الكافرِ على الأبِ المُسلمِ، ولا يَضرُّ اختِلافُ الدِّينِ؛ لأنها نَفقةٌ تَجبُ مع اتِّفاقِ الدِّينِ، فتَجبُ مع اختِلافِه كنَفقةِ الزَّوجةِ والمَملوكةِ، ولأنه يُعتَقُ على قَريبِه، فيَجبُ عليه الإنفاقُ عليه كما لو اتَّفقَ دِينُهما.
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنه يُشترطُ أنْ لا يَكونَ دِينُهما مُختلِفًا، فإنْ كانَ أحَدُهما مُسلِمًا والآخَرُ كافِرًا فلا تَجبُ نَفقةُ
стр. 11678
أحَدِهما على الآخَرِ؛ لأنها مُواساةٌ على سَبيلِ البِرِّ والصِّلةِ، فلَم تَجبْ مع اختِلافِ الدِّينِ كنَفقةِ غيرِ عَمودَي النَّسبِ، ولأنهما غيرُ مُتوارثَينِ، فلَم يَجبْ لأحَدِهما على الآخَرِ نَفقتُه بالقَرابةِ كما لو كانَ أحَدُهما رَقيقًا، وتُفارِقُ نَفقةَ الزَّوجاتِ؛ لأنها عِوضٌ يَجبُ مع الإعسارِ، فلم يُنافِها اختِلافُ الدِّينِ كالصَّداقِ والأجرةِ، وكذلكَ تَجبُ مع الرِّقِّ فيهِما أو في أحَدِهما، وكذلكَ نَفقةُ المَماليكِ.
والعِتقُ عَليهِ يَبطلُ بسائرِ ذَوي الرَّحمِ المُحرَّمِ؛ فإنهُم يُعتَقونَ مع اختِلافِ الدِّينِ ولا نَفقةَ لهُم معَه، ولأنَّ هذهِ صِلةٌ ومُواساةٌ، فلا تَجبُ مع اختِلافِ الدِّينِ كأداءِ زَكاتِه إليهِ وعَقلِه عنهُ وإرثِه منهُ (١).
стр. 11679
ثانيًا: نَفقةُ الأولادِ:
ممَّا لا خِلافَ فيه بيْنَ فُقهاءِ الأمَّةِ أنه يَجبُ على الوالِدِ أنْ يُنفِقَ على أولادِه الصِّغارِ الذينَ لا مالَ لهُم، وقد استَدلَّ العُلماءُ على هذا بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
أما الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: رِزقُ الوالِداتِ المُرضِعاتِ، فإنْ كانَ المُرادُ مِنْ الوالِداتِ المُرضعاتُ المُطلَّقاتُ المُنقضِياتُ العدَّةِ ففيها إيجابُ نَفقةِ الرَّضاعِ على المَولودِ له -وهو الأبُ- لأجْلِ الولدِ.
وقالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فأوجَبَ أجرةَ رَضاعِ الوَلدِ على الأبِ، فدَلَّ على أنَّ نَفقتَه تَجبُ عليه، ولأنَّ النَّفقةَ بعدَ الفِطامِ بمَنزلةِ مُؤنةِ الرَّضاعِ قبلَ ذلكَ، ولأنَّ الولدَ جُزءٌ مِنْ الأبِ، فتَكونُ نَفقتُه عليه كنَفقتِه على نَفسِه.
ولأنَّ الإنفاقَ عندَ الحاجَةِ مِنْ بابِ إحياءِ المُنفَقِ عليهِ، والولدُ جزءُ الوالدِ، وإحياءُ نَفسِه واجبٌ، كذا إحياءُ جُزئِه.
وقالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فلَولا وُجوبُ النَّفقةِ عليهِ ما قتَلَه خَشيةَ الإملاقِ مِنْ النَّفقةِ (١).
стр. 11680
وأمَّا السُّنةُ: فعَن عائِشةَ ﵂ أنَّ هِندَ بنتَ عُتبةَ قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ وليسَ يُعطينِي ما يَكفيني ووَلَدي إلا ما أخَذتُ منهُ وهو لا يَعلمُ، فقالَ: خُذِي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (١)، وفي هذا دَليلٌ على وُجوبِ نَفقةِ الأولادِ على أبيهِم، وأنَّ ذلكَ مُقدَّرٌ بكِفايتِهم، وأنَّ ذلكَ بالمَعروفِ.
وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : «أفضَلُ الصَّدقةِ ما ترَكَ غِنًى، واليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنْ اليَدِ السُّفلَى، وابدَأْ بمَن تَعولُ، تَقولُ المَرأةُ: إمَّا أنْ تُطعِمَني وإمَّا أنْ تُطلِّقَني، ويَقولُ العَبدُ: أطعِمنِي واستَعملْني، ويَقولُ الابنُ: أطعِمنِي، إلى مَنْ تَدَعُني؟» (٢).
وعن سَعيدِ بنِ أبي سَعيدٍ المَقبُريِّ عن أبي هُريرةَ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ يَومًا لأصحابِه: «تَصدَّقوا، فقالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ عِندي دِينارٌ، قالَ: أنفِقْه على نَفسِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على زَوجتِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على وَلدِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على خادِمِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنتَ أبصَرُ» (٣).
وأمَّا الإجماعُ: فقدْ نقَلَ غيرُ واحِدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على وُجوبِ نَفقةِ الوالدِ على وَلدِه الصَّغيرِ إذا كانَ فَقيرًا.
стр. 11681
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ على المَرءِ نَفقةَ أولادِه الأطفالِ الذِينَ لا مالَ لهُم (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: تَلزمُ الرَّجلَ نَفقةُ وَلدِه الصَّغيرِ إذا كانَ فقيرًا … ولا خِلافَ في ذلكَ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: نَفقةُ الأولادِ على الآباءِ بدَليلِ الكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الحُرَّ الذي يَقدرُ على المالِ البالغَ العاقِلَ غيرَ المَحجورِ عليهِ فعَليهِ نَفقةُ … وَلدِه وابنَتِه اللذَّينِ لم يَبلغَا ولا لهُما مالٌ حتَّى يَبلغَا (٤).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو كانَ للصَّغيرِ أبَوانِ فنَفقتُه على الأبِ لا على الأمِّ بالإجماعِ وإنِ استَويَا في القُربِ والوِلادةِ، ولا يُشارِكُ الأبَ في نَفقةِ وَلدِه أحَدٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى خَصَّ الأبَ بتَسميتِه بكَونِه مَولودًا له وأضافَ الوَلدَ إليهِ بلَامِ المِلكِ وخَصَّه بإيجابِ نَفقةِ الوَلدِ الصَّغيرِ عليهِ بقَولِه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: رِزقُ الوالِداتِ المُرضِعاتِ، سمَّى الأمَّ والِدةً والأبَ مَولودًا له، وقالَ : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾
стр. 11682
[الطلاق: ٦] خَصَّ الأبَ بإيتاءِ أجرِ الرَّضاعِ بعدَ الطَّلاقِ، وكذا أوجَبَ في الآيتَينِ كلَّ نَفقةِ الرَّضاعِ على الأبِ لوَلدِه الصَّغيرِ، وليسَ وراءَ الكلِّ شَيءٌ (١).
نَفقةُ الجَدِّ على أولادِ أولادِه:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه تَجبُ نَفقةُ الأولادِ وأولادِ الأولادِ وإنْ سَفَلوا كما تَجبُ نَفقةُ الآباءِ والأجدادِ وإنْ عَلَوا؛ لقَولِه : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولأنه يَدخلُ في مُطلَقِ الولدِ والوالِدِ؛ بدَليلِ أنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فيَدخلُ فيهِم وَلدُ البَنينَ.
وقالَ النبيُّ ﷺ في الحَسنِ: «إنَّ ابنِي هذا سَيدٌ» (٢).
ولأنَّ بينَهُما قَرابةً تُوجِبُ العِتقَ ورَدَّ الشَّهادةِ، فأشبَهَ الولَدَ والوالدَ القريبَينِ (٣).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا تَجبُ النَّفقةُ على وَلدِ الوَلدِ؛ لأنَّ الجَدَّ ليسَ
стр. 11683
بأبٍ حَقيقيٍّ؛ لأنَّ النَّفقةَ على الأقاربِ لا تَجبُ انتِقالًا، وإنما تَجبُ ابتِداءً، ونَفقةُ الوَلدِ لازِمةٌ لأبيهِم، فلا تَنتقلُ إلى جَدِّهم (١).
هل تَجبُ نَفقةُ الابنِ على الأمِّ إذا لم يَكنْ له أبٌ أو كانَ مُعسِرًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَلدِ إذا كانَ بلا أبٍ ولا يُوجَدُ للوَلدِ مالٌ، هل تَجبُ نَفقتُه على أمِّه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه تَجبُ على أمِّه، ويَجبُ عليها أنْ تُنفِقَ على وَلدِها إذا لم يَكنْ له أبٌ؛ لقَولِه : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ مَنْ أحَقُّ الناسِ بحُسنِ الصُّحبةِ قالَ: «أمُّكَ ثمَّ أمُّكَ ثمَّ أمُّكَ ثمَّ أبوكَ ثمَّ أَدناكَ أَدناكَ» (٢).
ولأنها أحَدُ الوالدَينِ، فأشبَهَتِ الأبَ، ولأنَّ بينَهُما قَرابةً تُوجِبُ رَدَّ الشهادةِ ووُجوبَ العِتقِ، فأشبَهَتِ الأبَ.
وكذا إنْ أعسَرَ الأبُ وكانَتِ الأمُّ مُوسِرةً وجَبَتِ النَّفقةُ على الأمِّ، ولم تَرجعْ بها عليه إنْ أيسَرَ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ مَنْ وجَبَ عليه الإنفاقُ بالقَرابةِ لم يَرجعْ به كالأبِ.
стр. 11684
وقالَ الحَنفيةُ: تَرجعُ عليه إذا أيسَرَ؛ لأنَّ نَفقةَ الوَلدِ الصَّغيرِ على الأبِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الأمَّ لا يَلزمُها النَّفقةُ على الوَلدِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ لا يَلزمُها إرضاعُه في بَعضِ الأوقاتِ إلا بعِوضٍ لم يَلزمْها الإنفاقُ عليهِ، ولأنَّ الإنفاقَ على شَخصٍ إذا وجَبَ على إنسانٍ لم يَنتقلْ إلى غَيرِه مِنْ الأقاربِ؛ اعتِبارًا بالعَمِّ والخالِ أنه لا يَلزمُه نَفقةُ الوَلدِ بعدَ مَوتِ الأبِ (٢).
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قلتُ): أرَأيتَ الأبَ إذا كانَ مُعسرًا والأمُّ مُوسِرةً أتُجبَرُ الأمُّ على نَفقةِ وَلدِها وهُم صِغارٌ في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): لا تُجبَرُ على نَفقةِ وَلدِها (٣).
شُروطُ وُجوبِ نَفقةِ الوالِدِ على وَلدِه:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّ النَّفقةَ إنما تَجبُ على الأولادِ إذا تَوفَّرتْ هذهِ الشُّروطُ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ الوَلدُ حُرًّا: فإنْ كانَ مَملوكًا كانَ سيِّدُه أحَقَّ بالتِزامِ نَفقتِه مِنْ أبيه؛ لأنه مالِكُ كَسبِه، وبهذا قالَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ.
стр. 11685
والشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ الوَلدُ فَقيرًا لا مالَ له: فإنْ كانَ له مالٌ كانَتْ نَفقتُه في مالِه لا على أبيهِ؛ لأنها مُواساةٌ لا تَجبُ إلا مع الفَقرِ، وبهذا قالَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ، فإنْ كانَ له مالٌ لا يَكفِي وجَبَ إتمامُ كِفايتِه.
والشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَكونَ الابنُ عاجِزًا عن الكَسبِ، وعَجزُه عنه يَكونُ بأحَدِ أمرَينِ: إما بنُقصانِ خَلقِه، وإمَّا بنُقصانِ أحكامِه.
أمَّا نُقصانُ خَلقِه فكالعَمى والزَّمانةِ، وأمَّا نُقصانُ أحكامِه فكالصِّغرِ والجُنونِ.
فإنْ كانَ عاجِزًا عن الكَسبِ تَجبُ نَفقتُه على أبيه، وإنْ كانَ مُستغنِيًا بكَسبٍ فلا نَفقةَ له؛ لأنها تَجبُ على سَبيلِ المُواساةِ.
فإنْ كانَ له كَسبٌ لا يَكفِي وجَبَ إتمامُ كِفايتِه، وبهذا قالَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ.
هل تَجبُ النَّفقةُ على أولادِه الكِبارِ البالغِينَ الَّذينِ لا مالَ لهُم ولا كسْبَ؟
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: واختَلفُوا في نَفقةِ مَنْ بلَغَ مِنْ الأبناءِ ولا مالَ له ولا كسْبَ.
فقالَتْ طائِفةٌ: على الأبِ أنْ يُنفقَ على وَلدِ صُلبِه الذُّكورِ حتى يَحتلِموا، والنِّساءِ حتَّى يُزوَّجنَ ويُدخَلَ بهنَّ، فإنْ طلَّقَها بعدَ البِناءِ أو ماتَ عنها فلا نَفقةَ لها على أبيها، وإنْ طلَّقَها قبلَ البِناءِ فهيَ على نَفقتِها، ولا نَفقةَ لوَلدِ الوَلدِ على الجَدِّ، هذا قَولُ مالِكٍ.
وقالَتْ طائِفةٌ: يُنفقُ على وَلدِه حتَّى يَبلغَ الحُلمَ والمَحيضَ، ثمَّ لا نَفقةَ
стр. 11686
عليهِ إلا أنْ يَكونوا زَمْنَى، وسَواءٌ في ذلكَ الذُّكورُ والإناثُ، ما لم يَكنْ لهم أموالٌ، وسَواءٌ في ذلكَ وَلدُه أو وَلدُ وَلدِه وإنْ سَفَلوا، ما لم يَكنْ لهُم أبٌ دُونَه يَقدرُ على النَّفقةِ عليهِم، هذا قَولُ الشافِعيِّ.
وقالَتْ طائِفةٌ: يُفرَضُ عليهِ نَفقةُ وَلدِه الصِّغارِ والنِّساءِ والرِّجالِ الزَّمنَى، فأما الذين لا زَمانةَ بهِم مِنْ الرِّجالِ فإنه لا يفْرضُ لهم نَفقَة، ومَن كانَ منهُم رَجلٌ به زَمانةٌ أو امرأةٌ غيرُ زَمِنةٍ دُفعَتْ نَفقتُه إليه، هذا قولُ أصحابِ الرَّأيِ.
وأوجَبَتْ طائِفةٌ -وهو مَذهبُ الحَنابلةِ- النَّفقةَ لجَميعِ أولادِه البالِغينَ الأطفالِ مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ إذا لم يَكنْ لهُم أموالٌ يَستغنونَ بها عن نَفقةِ الوالدِ، على ظاهِرِ قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ» ولم يَستَثنِ وَلدًا بالغًا دونَ الطِّفلِ، فإن أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إسقاطِ النَّفقةِ على أهلِ اليَسارِ منهُم سقَطَ بذلكَ نَفقتُهم، وكُلُّ مُختلَفٍ فيه فمَردودٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يَكونَ الوالِدُ مِوسرًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ يَسارُ الأبِ بأنْ يَكونَ عندَه فاضِلٌ عن قُوتِ نَفسِه ونَفقةِ نَفسِه؟ أم تَجبُ على الأبِ نَفقةُ ابنِه وإنْ كانَ فَقيرًا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ الأبُ مُوسِرًا عندَه ما يُنفقُ عليهِم فاضِلًا عن نَفقةِ نَفسِه، إمَّا مِنْ مالِه
стр. 11687
-وإما مِنْ كَسبِه عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ-، فأما مَنْ لا يَفضلُ عنه شَيءٌ فلَيسَ عليهِ شَيءٌ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إذا كانَ أحَدُكم فَقيرًا فلْيَبدأْ بنَفسِه، فإنْ كانَ فيها فَضلٌ فعَلى عِيالِه، فإنْ كانَ فيها فَضلٌ فعَلى ذِي قَرابتِه -أو قالَ: على ذِي رَحِمِه-، فإنْ كانَ فَضلًا فهَهُنا وههُنا» (١).
وعَن سَعيدِ بنِ أبي سَعيدٍ المَقبُريِّ عن أبي هُريرةَ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ يَومًا لأصحابِه: «تَصدَّقوا، فقالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ عِندي دِينارٌ، قالَ: أنفِقْه على نَفسِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على زَوجتِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على وَلدِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على خادِمِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنتَ أبصَرُ» (٢)، ولأنها مُواساةٌ، فاعتُبِرَ فيها اليَسارُ.
وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ الأبُ مُعسِرًا إلا أنه قادِرٌ على التكسُّبِ لا يَجبُ عليه التكسُّبِ لأجْلِ الإنفاقِ على وَلدِه المُعسرِ ولو كانَ لذلكَ الأبِ صَنعةٌ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ يَسارُ الوالدِ في نَفقةِ وَلدِه الصَّغيرِ، فتَجبُ عليه النَّفقةُ ولو كانَ مُعسِرًا، ويستَقرضُ عليه ويُؤمَرُ بوَفائِه إذا أيسَرَ (٣).
стр. 11688
إذا كانَ الابنُ فَقيرًا أو زَمِنًا وله أبٌ وابنٌ على مَنْ تَجبُ نَفقتُه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ لإنسانٍ فَقيرٍ أبٌ وابنٌ على مَنْ تَجبُ نَفقتُه؟ هل تَجبُ على الأبِ؟ أم على الابنِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النَّفقةَ تَجبُ على الابنِ لا على الأبِ وإنِ استَويَا في القُربِ والوِراثةِ، ويُرجَّحُ الابنُ بالإيجابِ عليه لكَونِه كسْبَ الأبِ، فيَكونُ له حقٌّ في كَسبِه، وكَونُ مالِه مُضافًا إليه شَرعًا لقَولِه ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، ولا يُشارِكُ الوَلدَ في نَفقةِ والدِه أحَدٌ؛ لِما قُلنا.
وكذا في نَفقةِ والدَتِه؛ لعَدمِ المُشارَكةِ في السَّببِ وهو الوِلادةُ، والاختِصاصُ بالسَّببِ يُوجِبُ الاختصاصَ بالحُكمِ، وكذا لا يُشارِكُ الإنسانَ أحَدٌ في نَفقةِ جَدِّه وجَدَّتِه عندَ عدمِ الأبِ والأمِ؛ لأنَّ الجَدَّ يَقومُ مَقامَ الأبِ عندَ عَدمِه، والجدَّةَ تَقومُ مَقامَ الأمِّ عندَ عَدمِها (١).
стр. 11689
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه إذا كانَ الرَّجلُ فَقيرًا زَمِنًا وله ابنٌ وأبٌ مُوسِرانِ .. ففيهِ ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحَدُها: تَجبُ نَفقتُه على الأبِ؛ لأنَّ وُجوبَ النَّفقةِ على الأبِ مَنصوصٌ عليها في القُرآنِ، ووُجوبَ النَّفقةِ على الابنِ مُجتهَدٌ فيها.
والثَّاني -وهو الصَّحيحُ-: أنَّ نَفقتَه على الابنِ؛ لأنه أقوَى تَعصيبًا مِنْ الأبِ، وهو الأَولى بالقِيامِ بشَأنِ أبيه؛ لعِظَمِ حُرمتِه.
والثالِثُ: تَجبُ نَفقتُه عليهِما؛ لأنهُما مُتساوِيانِ في الدَّرجةِ منه والتَّعصيبِ.
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: فإذا قُلنَا بهذا فهلْ تَجبُ عليهِما نِصفَينِ؟ أو تُعتبَرُ بمِيراثِهما منه؟ فيه وَجهانِ: الأصحُّ أنها عليهِما نِصفانِ.
وإنِ اجتَمعَ ابنٌ وجَدٌّ .. فمِن أصحابِنا مَنْ قالَ: هو كما لو اجتَمعَ الابنُ والأبُ.
ومنهُم مَنْ قالَ: يَجبُ على الابنِ وَجهًا واحِدًا؛ لأنه أقرَبُ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ مِنْ كانَ له أبٌ مِنْ أهلِ الإنفاقِ لم تَجبْ نَفقتُه على سِواهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقالَ النبيُّ ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ»، فجعَلَ النَّفقةَ على أبيهِم دُونَها، ولأنَّ النَّفقةَ على الأبِ مَنصوصٌ عليها، فيَجبُ اتِّباعُ النصِّ وتَركُ ما عَداهُ (٢).
стр. 11690
النَّفقةُ على الوالدَينِ تَكونُ بالسَّويَّةِ بينَ الأولادِ الموسِرِينَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الأبَ إذا كانَ فَقيرًا زَمِنًا وله ابنانِ مُوسِرانِ أو ابنَتانِ مُوسِرتانِ .. وجَبَتْ نَفقتُه بينَهُما نِصفَينِ؛ لأنه لا مَزيةَ لأحَدِهما على الآخَرِ.
واختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ له ابنٌ مُوسِرٌ وابنةٌ مُوسِرةٌ، هل تَجبُ جَميعُ النَّفقةِ على الابنِ؟ أم هي بينَهُما بالسَّويةِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ جَميعَ النَّفقةِ على الابنِ؛ لأنهُما مُتساوِيانِ في الدَّرجةِ، وللابنِ مَزيةُ بالتَّعصيبِ، فقُدِّمَ في وُجوبِ النَّفقةِ عليها؟، كالأبِ إذا اجتَمعَ مع الأمِّ.
وذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنها تَجبُ عليهِما نِصفَينِ؛ لأنهُما سَواءٌ في القُربِ، وسَواءٌ استَويَا في اليَسارِ أم لا، ووَجهُ هذا أنَّ كلَّ واحِدٍ لو انفَردَ لَوجبَتْ عليهِ النَّفقةُ كامِلةً، صَغيرًا كانَ أو كبيرًا، ذَكرًا كانَ أو أُنثى، فإذا اجتَمَعوا وُزِّعتْ عليهم بالسَّواءِ.
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ فيما رَواهُ الحَسنُ عنهُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنها تَجبُ عليهِما على قَدرِ مِيراثِهما؛ فيَجبُ على الابنِ ثُلثَا النَّفقةِ، وعلى الابنةِ ثُلثُها (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنها تَكونُ بينَهُما على قَدرِ اليَسارِ،
стр. 11691
سَواءٌ كانوا ذُكورًا أو إناثًا، كمَن له أولادٌ ثَلاثةٌ أحَدُهم يَملكُ ثَلاثمائةٍ مَثلًا والآخَرُ مائتَينِ والآخَرُ مِائةً فعَلى صاحِبِ الثَّلاثِمائةٍ نِصفُ النَّفقةِ وصاحِبِ المائتَينِ ثُلثُها وصاحِبِ المِائةِ سُدسُها (١).
نَفقةُ الحَواشِي (كالإخوةِ والأعمامِ والأخوالِ):
الحَواشِي: هُمْ الأقارِبُ الذين لَيسُوا مِنْ عَمودِ النَّسبِ كالإخوةِ والأخَواتِ وأبناءِ الإخوةِ والأعمامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخَالاتِ.
اختَلفَ الفُقهاءُ في نَفقةِ الحَواشِي، هل تَجبُ على الإنسانِ أم لا تَجبُ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه لا نَفقةَ إلا على المَولودِينَ والوالِدينَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لرَجلٍ سَألَه عندِي دِينارٌ قالَ: «أنفِقْه على نَفسِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على زَوجتِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على وَلدِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على خادِمِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنتَ أبصَرُ» (٢)، ولَم يَأمرْه بإنفاقِه على غَيرِ هَؤلاءِ، ولأنَّ الشَّرعَ إنما ورَدَ بنَفقةِ الوالِدينِ والمَولودينَ، ومَن سِواهُم لا يلحَقُ بهِم في الوِلادةِ وأحكامِها، فلا يَصحُّ قِياسُه عليهِم (٣).
стр. 11692
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى وُجوبِ نَفقةِ الحَواشِي على تَفصيلٍ عندَهُم.
قالَ الحَنفيةُ: يَجبُ على المُوسرِ نَفقةُ كلِّ ذِي رَحمٍ مَحرَمٍ منه، وهو مَنْ لا يَحلُّ مُناكَحتُه على التأبيدِ مثلَ الإخوةِ والأخَواتِ وأولادِهِما والأعمَامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخالاتِ، فلا نَفقةَ لذِي رَحمٍ مَحرَمٍ مثلَ أولادِهِم، ولا نَفقةَ لمَحرمٍ غيرِ ذِي رَحمٍ كزَوجاتِ الآباءِ والبَنينَ والأصهارِ وآباءِ الأمَّهاتِ والإخوةِ والأخَواتِ مِنْ الرَّضاعةِ وأولادِهِم، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ المَحرميةُ بجَهةِ القَرابةِ؛ لأنه لو كانَ قَريبًا محرمًا لا مِنْ جِهتِها كابنِ عَمٍّ إذا كانَ أخًا مِنْ الرَّضاعِ فإنه لا نَفقةَ له.
لقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ ﵁: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقِراءتُه مَشهورةٌ مَحمولةٌ على السَّماعِ مِنْ النبيِّ ﵊، فيُقيَّدُ به مُطلَقُ النَصِّ إنْ كانَ ذو الرَّحمِ فَقيرًا صَغيرًا مُطلَقًا، أو أُنثى بالِغةً، فَقيرةً أو فَقيرًا، ذكَرًا بالِغًا مَجنونًا أو زَمِنًا أو أعمَى أو لا يُحسِنُ الكَسبَ، أو لكَونِه مِنْ ذَوِي البُيوتاتِ، كِنايةً عن كَونِه شَريفًا عَظيمًا، أي لكَونِه مِنْ أعيانِ النَّاسِ يَلحقُه العارُ بالكَسبِ، أو لكَونِه طالِبَ عِلمٍ لا يَقدرُ على الكَسبِ لاشتِغالِه بالعِلمِ، وهذا إذا كانَ به رُشدٌ.
ويُجبَرُ المُوسرُ على النَّفقةِ لإيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليهِ، وتُقدَّرُ النَّفقةُ بقَدرِ الإرثِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجعَلَ العلَّةَ هي الإرثَ، فيُقدَّرُ الوُجوبُ بقَدرِ العلَّةِ، حتى لو كانَ للصَّغيرِ مَثلًا أخَواتٌ مُتفرِّقاتٌ مُوسِراتٌ فنَفقتُه عليهِنَّ أخماسًا كما يَرثْنَ منه أخماسًا، ثَلاثةُ
стр. 11693
أخماسِها على الأختِ لأبٍ وأمٍّ، وخُمسُها على الأختِ لأبٍ، وخُمسُها على الأختِ لأمٍّ، فَرضًا ورَدًّا.
ويُعتبَرُ في نَفقةِ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ أهليةُ الإرثِ، بأنْ يَكونَ وارثًا في الجُملةِ وإنْ كانَ مَحجوبًا بغَيرِه، لا حَقيقتُه؛ بأنْ يَكونَ مُحرِزًا للمِيراثِ؛ لأنه لا يُعلَمُ إلا بعدَ المَوتِ.
فنَفقةُ فَقيرٍ له خالٌ وابنُ عَمٍّ مُوسرانِ على خالِه؛ لأنه مَحرمٌ، ويُحرِزُ مِيراثَه ابنُ عمِّه؛ لأنه عصَبَتُه؛ وهذا لأنَّ سبَبَ الإرثِ ثابتٌ للخالِ؛ فإنَّ ابنَ العَمِّ لو ماتَ قبلَ الخالِ يُحرِزُ مِيراثَه الخالُ، وإذا استَويَا في المَحرميةِ وأهليَّةِ الإرثِ يُرجَّحُ مَنْ كانَ وارِثًا في الحالِ، فلو كانَ له عَمٌّ وخالٌ أو عَمٌّ وعَمةٌ فالنَّفقةُ على العَمِّ؛ لاستِوائِهما في المَحرميةِ، ويُرجَّحُ العَمُّ بكَونِه وارثًا في الحالِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: تَجبُ نَفقةُ كلِّ مَنْ يَرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ ممَّن سِوى عَمودَي النَّسبِ، سَواءٌ وَرثَه الآخرُ كأخيه، أو لا كعمَّتِه وبنتِ أخيهِ ونَحوهِ كبِنتِ عمَّهِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أوجَبَ النَّفقةَ على الأبِ ثمَّ عطَفَ الوارثَ عليهِ، وذلكَ يَقتضي الاشتِراكَ في الوُجوبِ، ولأنها مُواساةٌ ومَعونةٌ تَختصُّ القَرابةَ، فاختَصتْ بالعَصباتِ كالعَقلِ، وعن كُليبِ بنِ مَنفَعةَ عن جَدِّه أنه أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: «يا
стр. 11694
رَسولَ اللهِ مَنْ أبَرُّ؟ قالَ: أمَّكَ وأباكَ وأختَكَ وأخَاكَ ومَولاكَ الذي يَلي ذاكَ حَقٌّ واجِبٌ ورَحِمٌ مَوصولةٌ» (١).
فتَجبُ النَّفقةُ على الوارِثِ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ، فعَلى هذا يَجبُ عليه نَفقةُ عمَّتِه؛ لأنه يَرثُها بالتَّعصيبِ، ولا يَجبُ عَليها أنْ تُنفقَ عليهِ؛ لأنها لا تَرثُ ابنَ أخيها بفَرضٍ ولا تَعصيبٍ.
وقيلَ: لا تَجبُ النَّفقةُ على العمَّةِ، وقيلَ: أنَّ هذا هو المَذهبُ.
فأما ذَوُو الأرحامِ -وهُم مَنْ ليسَ بذِي فَرضٍ ولا عَصبةٍ- مِنْ غيرِ عَمودَي النَّسبِ كالخالِ والخالةِ فلا نَفقةَ لهُم ولا عَليهِم؛ لعَدمِ النصِّ فيهِم؛ ولأنَّ قَرابتَهم ضَعيفةٌ وإنما يَأخذونَ مالَه، فهُم كسائرِ المُسلمينَ في أنَّ المالَ يُصرَفُ إليهِم إذا لم يَكنْ للمَيتِ وارثٌ؛ بدَليلِ تَقديمِ الردِّ عليهم، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ الوُجوبَ؛ لأنه مِنْ صِلةِ الرَّحمِ وهو عامٌّ.
ويَتلخصُ لوُجوبِ الإنفاقِ عليهِم ثَلاثةُ شُروطٍ:
أحَدُها: أنْ يَكونَ المُنفَقُ عليهِم فُقراءَ لا مالَ لهُم ولا كسْبَ يَستغنونَ به عن إنفاقِ غَيرِهم، والكِسوةُ والسَّكنُ كالنَّفقةِ، وشَرطُه الحُريةُ، فمتَى كانَ أحَدُهما رَقيقًا فلا نَفقةَ.
فإنْ كانَ المُنفَقُ عليهِم مُوسرينَ بمالٍ أو كَسبٍ يَكفيهِم فلا نَفقةَ لهُم؛ لفَقدِ شَرطِه، فإنْ لم يَكفِهم ذلكَ وجَبَ إكمالُها.
والثَّاني: أنْ تَكونَ لمَن تَجبُ عليهِ النَّفقةُ ما يُنفَقُ عليهِم منه فاضِلًا عن
стр. 11695
نَفقةِ نَفسِه وزَوجتِه وقِنِّه، إمَّا مِنْ مالِه وإما مِنْ كَسبِه، فمَن لا يَفضلُ عنه شَيءٌ لا يَجبُ عليه شَيءٌ؛ لأنها وجَبَتْ مُواساةً وليسَ مِنْ أهلِها إذنْ.
الثالِثُ: أنْ يَكونَ المُنفِقُ وارثًا للمُنفَقِ عليهِ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ إنْ كانَ مِنْ غيرِ عَمودِيِّ النَّسبِ (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا هل يُجبَرُ الوارِثُ على نَفقةِ مَنْ يَرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ على نَفقةِ المُوسرينَ؟
فقالَ أبو حَنيفةَ: يُجبَرُ على نَفقةِ كلِّ ذِي رَحمٍ مَحرمٍ، فيَدخلُ فيه الخالةُ والعمَّةُ، ويَخرجُ منه ابنُ العمِّ أو مَنْ يُنسَبُ إليه بالرَّضاعِ.
وقالَ مالِكٌ: لا تَجبُ النَّفقةُ إلا للوالِدينَ الأدنيَينِ ولأولادِ الصُّلبِ.
وقالَ الشافِعيُّ: تَجبُ النَّفقةُ على الأبِ وإنْ عَلا، والابنِ وإنْ سفَلَ، ولا يَتعدَّى عَمودَي النَّسبِ.
وقالَ أحمَدُ: كلُّ شَخصٍ جَرَى بينَهُما مِيراثٌ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ مِنْ الطَّرفينِ لَزمَه نَفقةُ الآخَرِ كالأبوَينِ والأولادِ والأخوَةِ والأخَواتِ والعُمومةِ بينَهُم رِوايةً واحِدةً، وإنْ كانَ الإرثُ جارِيًا بينَهُم مِنْ أحَدِ الطَّرفينِ وهُم ذَوُوا الأرحامُ كابنِ الأخِ مع عمَّتِه وابنِ العمِّ مع بنتِ عمِّه فرُويَ عنه أنها يَجبُ، ورُويَ عنه أنها لا تَجبُ (٢).