← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.

стр. 11691

سَواءٌ كانوا ذُكورًا أو إناثًا، كمَن له أولادٌ ثَلاثةٌ أحَدُهم يَملكُ ثَلاثمائةٍ مَثلًا والآخَرُ مائتَينِ والآخَرُ مِائةً فعَلى صاحِبِ الثَّلاثِمائةٍ نِصفُ النَّفقةِ وصاحِبِ المائتَينِ ثُلثُها وصاحِبِ المِائةِ سُدسُها (١). نَفقةُ الحَواشِي (كالإخوةِ والأعمامِ والأخوالِ): الحَواشِي: هُمْ الأقارِبُ الذين لَيسُوا مِنْ عَمودِ النَّسبِ كالإخوةِ والأخَواتِ وأبناءِ الإخوةِ والأعمامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخَالاتِ. اختَلفَ الفُقهاءُ في نَفقةِ الحَواشِي، هل تَجبُ على الإنسانِ أم لا تَجبُ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه لا نَفقةَ إلا على المَولودِينَ والوالِدينَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لرَجلٍ سَألَه عندِي دِينارٌ قالَ: «أنفِقْه على نَفسِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على زَوجتِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على وَلدِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على خادِمِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنتَ أبصَرُ» (٢)، ولَم يَأمرْه بإنفاقِه على غَيرِ هَؤلاءِ، ولأنَّ الشَّرعَ إنما ورَدَ بنَفقةِ الوالِدينِ والمَولودينَ، ومَن سِواهُم لا يلحَقُ بهِم في الوِلادةِ وأحكامِها، فلا يَصحُّ قِياسُه عليهِم (٣).

стр. 11692

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى وُجوبِ نَفقةِ الحَواشِي على تَفصيلٍ عندَهُم. قالَ الحَنفيةُ: يَجبُ على المُوسرِ نَفقةُ كلِّ ذِي رَحمٍ مَحرَمٍ منه، وهو مَنْ لا يَحلُّ مُناكَحتُه على التأبيدِ مثلَ الإخوةِ والأخَواتِ وأولادِهِما والأعمَامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخالاتِ، فلا نَفقةَ لذِي رَحمٍ مَحرَمٍ مثلَ أولادِهِم، ولا نَفقةَ لمَحرمٍ غيرِ ذِي رَحمٍ كزَوجاتِ الآباءِ والبَنينَ والأصهارِ وآباءِ الأمَّهاتِ والإخوةِ والأخَواتِ مِنْ الرَّضاعةِ وأولادِهِم، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ المَحرميةُ بجَهةِ القَرابةِ؛ لأنه لو كانَ قَريبًا محرمًا لا مِنْ جِهتِها كابنِ عَمٍّ إذا كانَ أخًا مِنْ الرَّضاعِ فإنه لا نَفقةَ له. لقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ ﵁: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقِراءتُه مَشهورةٌ مَحمولةٌ على السَّماعِ مِنْ النبيِّ ﵊، فيُقيَّدُ به مُطلَقُ النَصِّ إنْ كانَ ذو الرَّحمِ فَقيرًا صَغيرًا مُطلَقًا، أو أُنثى بالِغةً، فَقيرةً أو فَقيرًا، ذكَرًا بالِغًا مَجنونًا أو زَمِنًا أو أعمَى أو لا يُحسِنُ الكَسبَ، أو لكَونِه مِنْ ذَوِي البُيوتاتِ، كِنايةً عن كَونِه شَريفًا عَظيمًا، أي لكَونِه مِنْ أعيانِ النَّاسِ يَلحقُه العارُ بالكَسبِ، أو لكَونِه طالِبَ عِلمٍ لا يَقدرُ على الكَسبِ لاشتِغالِه بالعِلمِ، وهذا إذا كانَ به رُشدٌ. ويُجبَرُ المُوسرُ على النَّفقةِ لإيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليهِ، وتُقدَّرُ النَّفقةُ بقَدرِ الإرثِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجعَلَ العلَّةَ هي الإرثَ، فيُقدَّرُ الوُجوبُ بقَدرِ العلَّةِ، حتى لو كانَ للصَّغيرِ مَثلًا أخَواتٌ مُتفرِّقاتٌ مُوسِراتٌ فنَفقتُه عليهِنَّ أخماسًا كما يَرثْنَ منه أخماسًا، ثَلاثةُ

стр. 11693

أخماسِها على الأختِ لأبٍ وأمٍّ، وخُمسُها على الأختِ لأبٍ، وخُمسُها على الأختِ لأمٍّ، فَرضًا ورَدًّا. ويُعتبَرُ في نَفقةِ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ أهليةُ الإرثِ، بأنْ يَكونَ وارثًا في الجُملةِ وإنْ كانَ مَحجوبًا بغَيرِه، لا حَقيقتُه؛ بأنْ يَكونَ مُحرِزًا للمِيراثِ؛ لأنه لا يُعلَمُ إلا بعدَ المَوتِ. فنَفقةُ فَقيرٍ له خالٌ وابنُ عَمٍّ مُوسرانِ على خالِه؛ لأنه مَحرمٌ، ويُحرِزُ مِيراثَه ابنُ عمِّه؛ لأنه عصَبَتُه؛ وهذا لأنَّ سبَبَ الإرثِ ثابتٌ للخالِ؛ فإنَّ ابنَ العَمِّ لو ماتَ قبلَ الخالِ يُحرِزُ مِيراثَه الخالُ، وإذا استَويَا في المَحرميةِ وأهليَّةِ الإرثِ يُرجَّحُ مَنْ كانَ وارِثًا في الحالِ، فلو كانَ له عَمٌّ وخالٌ أو عَمٌّ وعَمةٌ فالنَّفقةُ على العَمِّ؛ لاستِوائِهما في المَحرميةِ، ويُرجَّحُ العَمُّ بكَونِه وارثًا في الحالِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: تَجبُ نَفقةُ كلِّ مَنْ يَرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ ممَّن سِوى عَمودَي النَّسبِ، سَواءٌ وَرثَه الآخرُ كأخيه، أو لا كعمَّتِه وبنتِ أخيهِ ونَحوهِ كبِنتِ عمَّهِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أوجَبَ النَّفقةَ على الأبِ ثمَّ عطَفَ الوارثَ عليهِ، وذلكَ يَقتضي الاشتِراكَ في الوُجوبِ، ولأنها مُواساةٌ ومَعونةٌ تَختصُّ القَرابةَ، فاختَصتْ بالعَصباتِ كالعَقلِ، وعن كُليبِ بنِ مَنفَعةَ عن جَدِّه أنه أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: «يا

стр. 11694

رَسولَ اللهِ مَنْ أبَرُّ؟ قالَ: أمَّكَ وأباكَ وأختَكَ وأخَاكَ ومَولاكَ الذي يَلي ذاكَ حَقٌّ واجِبٌ ورَحِمٌ مَوصولةٌ» (١). فتَجبُ النَّفقةُ على الوارِثِ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ، فعَلى هذا يَجبُ عليه نَفقةُ عمَّتِه؛ لأنه يَرثُها بالتَّعصيبِ، ولا يَجبُ عَليها أنْ تُنفقَ عليهِ؛ لأنها لا تَرثُ ابنَ أخيها بفَرضٍ ولا تَعصيبٍ. وقيلَ: لا تَجبُ النَّفقةُ على العمَّةِ، وقيلَ: أنَّ هذا هو المَذهبُ. فأما ذَوُو الأرحامِ -وهُم مَنْ ليسَ بذِي فَرضٍ ولا عَصبةٍ- مِنْ غيرِ عَمودَي النَّسبِ كالخالِ والخالةِ فلا نَفقةَ لهُم ولا عَليهِم؛ لعَدمِ النصِّ فيهِم؛ ولأنَّ قَرابتَهم ضَعيفةٌ وإنما يَأخذونَ مالَه، فهُم كسائرِ المُسلمينَ في أنَّ المالَ يُصرَفُ إليهِم إذا لم يَكنْ للمَيتِ وارثٌ؛ بدَليلِ تَقديمِ الردِّ عليهم، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ الوُجوبَ؛ لأنه مِنْ صِلةِ الرَّحمِ وهو عامٌّ. ويَتلخصُ لوُجوبِ الإنفاقِ عليهِم ثَلاثةُ شُروطٍ: أحَدُها: أنْ يَكونَ المُنفَقُ عليهِم فُقراءَ لا مالَ لهُم ولا كسْبَ يَستغنونَ به عن إنفاقِ غَيرِهم، والكِسوةُ والسَّكنُ كالنَّفقةِ، وشَرطُه الحُريةُ، فمتَى كانَ أحَدُهما رَقيقًا فلا نَفقةَ. فإنْ كانَ المُنفَقُ عليهِم مُوسرينَ بمالٍ أو كَسبٍ يَكفيهِم فلا نَفقةَ لهُم؛ لفَقدِ شَرطِه، فإنْ لم يَكفِهم ذلكَ وجَبَ إكمالُها. والثَّاني: أنْ تَكونَ لمَن تَجبُ عليهِ النَّفقةُ ما يُنفَقُ عليهِم منه فاضِلًا عن

стр. 11695

نَفقةِ نَفسِه وزَوجتِه وقِنِّه، إمَّا مِنْ مالِه وإما مِنْ كَسبِه، فمَن لا يَفضلُ عنه شَيءٌ لا يَجبُ عليه شَيءٌ؛ لأنها وجَبَتْ مُواساةً وليسَ مِنْ أهلِها إذنْ. الثالِثُ: أنْ يَكونَ المُنفِقُ وارثًا للمُنفَقِ عليهِ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ إنْ كانَ مِنْ غيرِ عَمودِيِّ النَّسبِ (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا هل يُجبَرُ الوارِثُ على نَفقةِ مَنْ يَرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ على نَفقةِ المُوسرينَ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ: يُجبَرُ على نَفقةِ كلِّ ذِي رَحمٍ مَحرمٍ، فيَدخلُ فيه الخالةُ والعمَّةُ، ويَخرجُ منه ابنُ العمِّ أو مَنْ يُنسَبُ إليه بالرَّضاعِ. وقالَ مالِكٌ: لا تَجبُ النَّفقةُ إلا للوالِدينَ الأدنيَينِ ولأولادِ الصُّلبِ. وقالَ الشافِعيُّ: تَجبُ النَّفقةُ على الأبِ وإنْ عَلا، والابنِ وإنْ سفَلَ، ولا يَتعدَّى عَمودَي النَّسبِ. وقالَ أحمَدُ: كلُّ شَخصٍ جَرَى بينَهُما مِيراثٌ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ مِنْ الطَّرفينِ لَزمَه نَفقةُ الآخَرِ كالأبوَينِ والأولادِ والأخوَةِ والأخَواتِ والعُمومةِ بينَهُم رِوايةً واحِدةً، وإنْ كانَ الإرثُ جارِيًا بينَهُم مِنْ أحَدِ الطَّرفينِ وهُم ذَوُوا الأرحامُ كابنِ الأخِ مع عمَّتِه وابنِ العمِّ مع بنتِ عمِّه فرُويَ عنه أنها يَجبُ، ورُويَ عنه أنها لا تَجبُ (٢).

стр. 11696

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ بعدَ قَولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢]: وفي الآيَةِ دَلالةٌ على وُجوبِ الصِّلةِ والنَّفقةِ وغيرِها لذَوي الأرحامِ الذينَ لا يَرثونَ بفَرضٍ ولا تَعصيبٍ، فإنَّه قد ثبَتَ في الصَّحيحِ عن عائِشةَ في قصَّةِ الإفكِ أنَّ أبا بَكرٍ الصدِّيقَ حلَفَ أنْ لا يُنفِقَ على مِسطَحِ بنِ أثاثَةَ وكانَ أحَدَ الخائضِينَ في الإفكِ في شَأنِ عائِشةَ، وكانَتْ أمُّ مِسطحٍ بنتَ خالةِ أبي بَكرٍ، وقد جعَلَه اللهُ مِنْ ذَوِي القُربى الذينَ نهَى عن تَركِ إيتائِهم، والنَّهيُ يَقتضِى التحريمَ، فإذا لم يَجُزِ الحَلفُ على تركِ الفعلِ كانَ الفعلُ واجِبًا؛ لأنَّ الحَلفَ على تَركِ الجائزِ جائزٌ (١). ونصَرَ القَولَ بوُجوبِ النَّفقةِ على ذَوِي الأرحامِ ابنُ القيِّمِ ﵀، حيثُ قالَ: فالنَّفقةُ تُستحَقُّ بشَيئينِ: بالمِيراثِ بكِتابِ اللهِ، وبالرَّحمِ بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقد تقدَّمَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ حبَسَ عَصَبةَ صَبيٍّ أنْ يُنفِقوا عليهِ وكانوا بَنِي عمِّه، وتقدَّمَ قَولُ زَيدِ بنِ ثابتٍ: إذا كانَ عَمٌّ وأمٌّ فعَلى العمِّ بقَدرِ ميراثِه وعلى الأمِّ بقَدرِ ميراثِها، فإنه لا مُخالِفَ لهُما في الصَّحابةِ ألبتَّةَ، وهو قَولُ جُمهورِ السَّلفِ، وعليهِ يَدلُّ قولُه تعالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقولُه تعالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، وقد أوجَبَ النبيُّ ﷺ العَطيةَ للأقارِبِ وصرَّحَ بأنسابِهم فقالَ: «وأختَكَ وأخاكَ ثمَّ أدناكَ فأدناكَ، حقٌّ واجِبٌ ورَحمٌ مَوصولةٌ».

стр. 11697

فإنْ قيلَ: فالمُرادُ بذلكَ البِرُّ والصِّلةُ دونَ الوُجوبِ؟ قيلَ: يَردُّ هذا أنه سُبحانَه أمَرَ به وسمَّاهُ حقًّا وأضافَه إليه بقَولِه: «حَقَّه»، وأخبَرَ النبيُّ ﷺ بأنه حَقٌّ وأنه واجِبٌ، وبعضُ هذا يُنادِي على الوُجوبِ جِهارًا. فإنْ قيلَ: المُرادُ بحَقِّه تَركُ قَطيعتِه. فالجَوابُ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنْ يُقالَ: فأيُّ قَطيعةٍ أعظَمُ مِنْ أنْ يَراهَ يَتلظَّى جُوعًا وعَطشًا ويَتأذَّى غايةَ الأذَى بالحَرِّ والبَردِّ، ولا يُطعمُه لُقمةً ولا يَسقيهِ جَرعةً، ولا يَكسوهُ ما يَستُرُ عَورتَه ويَقيهِ الحَرَّ والبَردَ ويُسكنُه تحتَ سَقفٍ يُظِلِّه، هذا وهو أخوه ابنُ أمِّه وأبيهِ، أو عمُّه صِنوُ أبيهِ، أو خالَتُه التي هي أمُّه، إنَّما يَجبُ عَليهِ مِنْ ذلكَ ما يَجبُ بَذلُه للأجنَبيِّ البَعيدِ، بأنْ يُعاوِضَه على ذلكَ في الذِّمةِ إلى أنْ يُوسِرَ ثم يَسترجعَ به عليه، وهذا معَ كَونِه في غايةِ اليَسارِ والجِدَةِ وسَعةِ الأموالِ، فإنْ لم تَكنْ هذه قَطيعةً فإنا لا نَدرِي ما هي القَطيعةُ المُحرَّمةُ والصِّلةُ التي أمَرَ اللهُ بها وحرَّمَ الجَنةَ على قاطِعِها. الوَجهُ الثَّاني: أنْ يقالَ: فما هذهِ الصِّلةُ الواجِبةُ التي نادَتْ عليها النُّصوصُ وبالغَتْ في إيجابِها وذمَّتْ قاطِعَها، فأيُّ قَدرٍ زائِدٍ فيها على حَقِّ الأجنَبيِّ حتى تَعقلَه القُلوبُ وتُخبِرَ به الألسِنةُ وتَعملَ به الجَوارحُ؟! أهوَ السَّلامُ عليهِ إذا لَقيَه وعِيادتُه إذا مَرِضَ وتَشميتُه إذا عطَسَ وإجابتُه إذا دَعاهُ؟! وإنَّكم لا تُوجِبونَ شَيئًا مِنْ ذلكَ إلا ما يَجبُ نَظيرُه للأجنَبيِّ على

стр. 11698

الأجنَبيِّ، وإنْ كانَتْ هذهِ الصِّلةُ ترْكَ ضَربِه وسَبِّه وأذاهُ والإزراءِ به ونَحوِ ذلكَ، فهذا حَقٌّ يَجبُ لكلِّ مُسلمٍ على كلِّ مُسلمٍ، بل للذِّميِّ البَعيدِ على المُسلمِ، فما خُصوصيةُ صِلةِ الرَّحمِ الواجِبةُ؟ ولهذا كانَ بعضُ فُضَلاءِ المُتأخِّرينَ يَقولُ: «أعيَانِي أنْ أَعرفَ صِلةَ الرَّحمِ الواجِبةَ»، ولمَّا أورَدَ الناسُ هذا على أصحابِ مالكِ وقالُوا لهُم: «ما معنَى صِلةِ الرَّحمِ عندَكُم؟» صنَّفَ بَعضُهم في صِلةِ الرَّحمِ كِتابًا كَبيرًا، وأوعَبَ فيه مِنْ الآثارِ المَرفوعةِ والمَوقوفةِ، وذكَرَ جِنسَ الصِّلةِ وأنواعَها وأقسامَها، ومعَ هذا فلَم يَتخلصْ مِنْ هذا الإلزامِ؛ فإنَّ الصِّلةَ مَعروفةٌ يَعرِفُها الخاصُّ والعامُّ، والآثارُ فيها أشهَرُ مِنْ العِلمِ، ولكنْ ما الصِّلةُ التي تَختصُّ بها الرَّحمُ وتَجبُ له الرَّحمةُ ولا يُشارِكُه فيها الأجنَبيُّ؟ فلا يُمكِنُكم أنْ تُعيِّنوا وُجوبَ شَيءٍ إلا وكانَتِ النَّفقةُ أوجَبَ منه، ولا يُمكنُكم أنْ تَذكُروا مُسقِطًا لوُجوبِ النَّفقةِ إلا وكانَ ما عَدَاها أَولى بالسُّقوطِ منه، والنبيُّ ﷺ قد قرَنَ حَقَّ الأخِ والأختِ بالأبِ والأمِ فقالَ: «أمَّكَ وأباكَ وأختَكَ وأخاكَ ثمَّ أدناكَ فأدناكَ»، فما الذي نسَخَ هذا؟ وما الذي جعَلَ أوَّلَه للوُجوبِ وآخِرَه للاستِحبابِ؟ وإذا عُرفَ هذا فليسَ مِنْ بِرِّ الوالدَينِ أنْ يدَعَ الرَّجلُ أباهُ يَكنِسُ الكُنُفَ ويُكارِي على الحُمُرِ ويُوقِدَ في أتُّونِ الحمَّامِ ويَحملَ للناسِ على رأسِه ما يَتقوَّتُ بأجرَتِه وهو في غايَةِ الغِنى واليَسارِ وسَعةِ ذاتِ اليَدِ، وليسَ مِنْ بِرِّ أمِّه أنْ يدَعَها تَخدمُ الناسَ وتَغسلُ ثِيابَهم وتَسقي لهُم الماءَ ونحوَ ذلكَ ولا يَصونُها بما يُنفقُه عليها ويُقولُ: «الأبَوانِ مُكتسِبانِ صَحيحانِ وليسَا بزَمِنَينِ

стр. 11699

ولا أعمَيَينِ»، فيَاللهِ العَجبُ أينَ شَرطُ اللهِ ورَسولِه في بَرِّ الوالدَينِ وصِلةِ الرَّحمِ أنْ يَكونَ أحَدُهم زَمِنًا أو أعمَى؟ وليسَتْ صِلةُ الرَّحمِ ولا بِرُّ الوالدَينِ مَوقوفةً على ذلكَ شَرعًا ولا لُغةً ولا عُرفًا، وباللهِ التَّوفيقُ (١). على مَنْ تَجبُ النَّفقةُ عندَ اجتِماعِ الأصولِ والحَواشِي؟ قالَ الحَنفيةُ: إذا اجتَمعَ الأصولُ معَ الحَواشِي فلا يَخلو مِنْ حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ أحَدُ الصِّنفَينِ وارِثًا والآخَرُ غيْرَ وارِثٍ، فيُعتبَرُ الأصولُ وحْدَهم؛ تَرجيحًا للجُزئيَّةِ، ولا مشارَكةَ في الإرثِ حتَّى يُعتبَرَ، فيُقدَّمُ الأصلُ سَواءٌ كانَ هوَ الوارِثَ أو كانَ الوارِثُ الصِّنفَ الآخرَ. مثالُ الأولِ: لو له جَدٌّ لأبٍ وأخٌ شَقيقٌ فالنَّفقةُ على الجَدِّ. ومثالُ الثَّاني: لو له جَدٌّ لأمٍّ وعَمٌّ فالنَّفقةُ على الجَدِّ. لتَرجُّحِه في المِثالَينِ بالجُزئيةِ مع عَدمِ الاشتِراكِ في الإرثِ؛ لأنه هو الوارِثُ في الأولِ، والوارِثُ هو العَمُّ في الثاني. ولو وُجدَ جَدٌّ لأمٍّ مع الجَدِّ لأبٍ تقدَّمَ عليه الجَدُّ لأبٍ؛ لتَرجُّحِه بالإرثِ مع تَساوِيهما في الجُزئيةِ. الحالَةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ كلٌّ في الصِّنفينِ -الأصولِ والحَواشِي- وارِثًا، فيُعتبَرُ في هذهِ الحالَةِ الإرثُ، أي مِقدارُ الإرثِ، فتَجبُ على كلِّ واحِدٍ منهُم النَّفقةُ بمِقدارِ إرثِه.

стр. 11700

فلو اجتَمعَ لشَخصٍ يَحتاجُ إلى النَّفقةِ أمٌّ وأخٌ عَصَبيٌّ -أو ابنُ أخٍ كذلكَ، أو عمٌّ كذلكَ- على الأمِّ الثُّلثُ وعلى العَصبةِ الثُّلثانِ؛ لأنَّ تَوزيعَ المِيراثِ ونَصيبَ كلِّ واحِدٍ منهُما يَكونُ هكذا. ولو وُجدَ أمٌّ مع الجَدِّ لأمٍّ قُدِّمتْ عليه؛ لتَرجحِها بالإرثِ وبالقُربِ. وكذلكَ لو وُجدَ في الأمثِلةِ الأخيرةِ مع الأمِّ جَدٌّ لأمٍّ نُقدِّمُها عليهِ؛ لِما قُلنا. ولو وُجدَ معَها جَدٌّ لأبٍ بأنْ كانَ للفَقيرِ أمٌّ وجَدٌّ لأبٍ وأخٌ عَصَبيٌّ أو ابنُ أخٍ أو عَمّ كانَتِ النَّفقةُ على الجَدِّ وحْدَه. ووَجهُ ذلكَ أنَّ الجَدَّ يَحجُبُ الأخَ وابنَه والعَمَّ؛ لتَنزيلِه حِينئذٍ مَنزلةَ الأبِ، وحَيثُ تَحقَّقَ تنزيلُه مَنزلةَ الأبِ صارَ كما لو كانَ الأبُ مَوجودًا حَقيقةً، وإذا كانَ الأبُ مَوجودًا حَقيقةً لا تُشاركُه الأمُّ في وُجوبِ النَّفقةِ، فكذا إذا كانَ مَوجودًا حُكمًا، فتَجبُ على الجَدِّ فقطْ، بخِلافِ ما لو كانَ للفَقيرِ أمٌّ وجَدٌّ لأبٍ فقطْ؛ فإنَّ الجَدَّ لم يَنزلْ مَنزلةَ الأبِ، فلذا وجَبَتِ النَّفقةُ عليهِما أثلاثًا في ظاهِرِ الرِّوايةِ. وعندَ الاستِواءِ في المَحرميَّةِ وأهليَّةِ الإرثِ يُرجَّحُ مَنْ كانَ وارثًا حَقيقةً في هذهِ الحالةِ، حتى إذا كانَ له عَمٌّ وخالٌ فالنَّفقةُ على العمِّ؛ لأنهُما استَويَا في المَحرميةِ، ويَترجحُ العمُّ على الخالِ لكَونِه وارثًا حَقيقةً. ولو كانَ له عمٌّ وخالٌ فالنَّفقةُ على العمِّ؛ لأنهُما تَساويَا في القَرابةِ، والعَمُّ هو الوارِثُ، فيَجبُ عليهِ. ولو كانَ له خالٌ وابنُ عَمٍّ فالنَّفقةُ على الخالِ دونَ ابنِ العَمِّ؛ لأنهُما لم

стр. 11701

يَستويَا في الرَّحمِ المَحرمِ، بل الخالُ هو ذُو الرَّحمِ المَحرمُ، فيَجبُ عليهِ، واستِحقاقُ المِيراثِ للتَّرجيحِ، وذلكَ عندَ الاستِواءِ في سَببِ الاستِحقاقِ. ولو كانَ له عمَّةٌ وخالةٌ وابنُ عمٍّ فعَلى الخالَةِ الثُّلثُ وعلى العمَّةِ الثُّلثانِ ولا شَيءَ على ابنِ العمِّ؛ لأنه لم يُوجَدْ في حَقِّ ابنِ العمِّ سَببُ الاستِحقاقِ، والعمَّةُ والخالَةُ استَويَا في سَببِ الاستِحقاقِ وفي استِحقاقِ المِيراثِ، فيَكونُ بينَهُما على قَدرِ المِيراثِ. ولو كانَ له عَمٌّ وعمَّةٌ وخالةٌ فالنَّفقةُ على العمِّ لا غيرَ؛ لأنَّ العمَّ مُساوٍ لهُما في سَببِ الاستِحقاقِ وهو الرَّحمُ المَحرمُ، وفضَلَهما بكَونِه وارثًا؛ إذ المِيراثُ له لا لهُما، فكانَتِ النَّفقةُ عليهِ لا عليهما، وإنْ كانَ العمُّ مُعسرًا فالنَّفقةُ على العمَّةِ والخالَةِ أثلاثًا على قَدرِ مِيراثِهما ويُجعَلُ العمُّ كالمَيتِ. والأصلُ في هذا أنَّ كلَّ مَنْ كانَ يَحوزُ جَميعَ المِيراثِ وهو مُعسرٌ يُجعلُ كالمَيتِ، وإذا جُعلَ كالمَيتِ كانَتِ النَّفقةُ على الباقينَ على قَدرِ مَواريثِهم، وكلُّ مَنْ كانَ يَحوزُ بعضَ المِيراثِ لا يُجعَلُ كالمَيتِ، فكانَتِ النَّفقةُ على قَدرِ مَواريثِ مَنْ يَرثُ معَه (١). ومَذهبُ الحَنابلةِ عندَ اجتِماعِ الأقاربِ مِنْ جِهتَي الأصولِ والحَواشِي فالمُعتبَرُ الإرثُ، فتَجبُ النَّفقةُ على كلٍّ مِنهُم بمِقدارِ إرثِ كلِّ واحدٍ فيهِم. فإنْ كانَ للفَقيرِ ولو حَمْلًا وارثٌ غيرَ أبٍ فنَفقتُه عليهِم على قَدرِ إرثِهم

стр. 11702

منه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى رتَّبَ النَّفقةَ على الإرثِ، فيَجبُ أنْ يُرتَّبَ المِقدارُ عليهِ، فأمٌّ وجدٌّ لأبٍ على الأمِّ الثُّلثِ والباقي على الجَدِّ؛ لأنهُما يَرثانِه كذلكَ. فإنْ كانَ هُناكَ جدَّةٌ وأخٌ شَقيقٌ أو لأبٍ على الجَدَّةِ السُّدسُ والباقي على الأخِ كإرثِهما له. وإنْ كانَ هناكَ أمٌّ وبنتٌ فالنَّفقةُ بينَهُما أرباعًا كما يَرثانِه فَرضًا ورَدًّا. وإذا كانَ هناكَ ابنٌ وبنتٌ فالنَّفقةُ بينَهُما أثلاثًا؛ لأنهُم هكذا يَرثونَ. فإنْ كانَ أحَدُهم مُوسرًا والآخَرُ مُعسرًا فلا شَيءَ على المُعسرِ ويَلزمُ المُوسرَ بقَدرِ إرثِه مِنْ غيرِ زِيادةٍ؛ لأنَّ المُوسرَ منهُما إنما يَجبُ عليه مع يَسارِ الآخَرِ ذلكَ القَدرُ، فلا يَتحمَّلُ عن غيرِه إذا لم يَجدِ الغيرُ ما يَجبُ عليهِ. وهذا ما لم يَكنْ مِنْ عَمودَي النَّسبِ، فتَجبُ النَّفقةُ كلُّها على المُوسرِ؛ لقوَّةِ القَرابةِ؛ بدَليلِ عَدمِ اشتِراطِ الإرثِ. وعلى هذا المَعنَى السابقِ حِسابُ النَّفقاتِ، يَعني أنَّ تَرتيبَ النَّفقاتِ على تَرتيبِ المِيراثِ، فكَما أنَّ للجدَّةِ السُّدسُ مِنْ المِيراثِ كذلكَ عليها السدسُ مِنْ النَّفقةِ. ولو اجتَمعَ بنتٌ وأختٌ لغيرِ أمٍّ، أو بنتٌ وأخٌ، أو ثَلاثُ أخَواتٍ مُتفرِّقاتٍ فالنَّفقةُ بينَهُم على قَدرِ المِيراثِ في ذلكَ، سَواءٌ كانَ رَدًّا أو عَولًا أو لا. ولو اجتَمعَ أمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ فهُمَا سَواءٌ في النَّفقةِ؛ لاستِوائِهما في المِيراثِ. إلا أنْ يَكونَ للمُنفَقِ عليه أبٌ، فيَنفردُ بالنَّفقةِ بالمَعروفِ.

стр. 11703

ومَن له ابنٌ فَقيرٌ وأخٌ مُوسرٌ فلا نَفقةَ له عليهِما، أمَّا الابنُ فلُعسرتِه، وأما الأخُ فلعَدمِ مِيراثِه. ومَن له أمٌّ فَقيرةٌ وجدَّةٌ مُوسرةُ فالنَّفقةُ على الجدَّةِ المُوسرةِ وإنْ كانَتْ مَحجوبةً؛ لقوَّةِ القَرابةِ. وكذا أبٌ فَقيرٌ وجدٌّ مُوسرٌ النَّفقةُ على الجَدِّ. وأبَوانِ وجدٌّ والأبُ مُعسرٌ على الأمِّ المُوسرةِ ثُلثُ النَّفقةِ؛ لأنها تَرثُ الثلثَ، والباقي على الجَدِّ؛ لأنه يَرثُه كذلكَ لَولا الأبُ، وإنْ كانَ معَهُم زَوجةٌ فكَذلكَ؛ لأنه لا مَدخلَ لها في وُجوبِ النَّفقةِ، بل نَفقتُها تابِعةٌ لنَفقتِه. وأبوَانِ وأخَوانِ وجَدٌّ والأبُ مُعسرٌ فلا شَيءَ على الأخوَينِ؛ لأنهُما مَحجوبانِ وليسَا مِنْ عَمودَي النَّسبِ، ويَكونُ على الأمِّ الثُّلثُ مِنْ النَّفقةِ قياسَ القاعِدةِ السابقةِ السُّدسُ فقطْ كالإرثِ؛ لحَجبِ الأخوَينِ لها عن الثُّلثِ وإنْ كانَا مَحجوبينِ بالأبِ، والباقي على الجَدِّ كما لو لم يَكنْ أخَوانِ. وإنْ لم يَكنْ في المَسألةِ جَدٌّ فالنَّفقةُ كلُّها على الأمِّ وحْدَها دونَ الأبِ؛ لعُسرتِه، ودُونَ الأخوَةِ؛ لحَجبِهم (١).

стр. 11704

اجتِماعُ الفُروعِ مع الحَواشِي: نَصَّ الحَنفيةُ على أنه إذا اجتَمعَ الفُروعُ مع الحَواشِي فالمُعتبَرُ فيه القُربُ والجُزئيةُ دونَ الإرثِ. فلو اجتَمعَ لشَخصٍ يَحتاجُ إلى النَّفقةِ بنتٌ وأختٌ شَقيقةٌ فالبِنتُ فقطْ هي مَنْ يَجبُ عليها النَّفقةُ، ولا شيءَ على الأختِ الشَّقيقةِ وإنْ وَرِثتَا؛ لأنَّ الأختَ في هَذهِ الحالةِ تَرثُ النِّصفَ تَعصيبًا، وتَسقطُ الأختُ؛ لتَقديمِ الجُزئيةِ. وإذا كانَ لرَجلِ ابنٌ نَصرانِيٌّ وأخٌ مُسلمُ فالنَّفقةُ على الابنِ فقطْ وإنْ كانَ الوارِثُ هو الأخُ؛ لاختِصاصِ الابنِ بالقُربِ والجُزئيةِ وإنِ استَويَا في القُربِ؛ لإدلاءِ كلٍّ منهُما بواسِطةٍ. والمُرادُ بالحَواشِي هُنا مَنْ ليسَ مَنْ عَمودِ النَّسبِ، أي ليسَ أصلًا ولا فَرعًا، فيَدخلُ فيه مَنْ له بِنتٌ ومَولَى عَتاقةٍ، فعَلى البنتِ فقطْ وإنْ وَرثَا، أي؛ لاختِصاصِها بالجُزئيةِ (١). ومَذهبُ الحَنابلةِ أنه عندَ اجتماعِ الأقاربِ مِنْ جِهتَي الفُروعِ والحَواشِي فإنَّ النَّفقةَ تَجبُ على الوارِثِ دونَ غيرِه، وعندَ تَعدُّدِ الوارِثِ تُقسمُ عليهِم بحَسبِ أنصبائِهِم. فإنِ اجتَمعَ بنتٌ وأختٌ، أو بنتٌ وأخٌ، أو بنتٌ وعَصبةٌ، أو أختٌ وعَصبةٌ، أو أختٌ وأمٌّ، أو بِنتٌ وبِنتُ ابنٍ، أو أختٌ لأبوَينِ وأختٌ لأبٍ، أو ثَلاثُ أخَواتٍ مُتفرِّقاتٍ؛ فالنَّفقةُ بينَهُم على قَدرِ الميراثِ في ذلكَ، سَواءٌ كانَ في

стр. 11705

المَسألةِ رَدٌّ أو عَولٌ أو لم يَكنْ، وعلى هذا تَحسبُ ما أتَاكَ مِنْ مَسائلِ، وإنِ اجتَمعَ أمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ فهُمَا سَواءٌ في النَّفقةِ؛ لاستِوائِهما في المِيراثِ (١). مِقدارُ الواجِبِ في النَّفقةِ مِقدارُ الكِفايةِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الإنسانَ إذا وجَبَ عليهِ أنْ يُنفِقَ على إنسانٍ فالواجِبُ عليه أنْ يُنفقَ مِقدارَ كِفايتِه. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: نَفقةُ الأقاربِ مُقدَّرةٌ بالكِفايةِ بلا خِلافٍ؛ لأنها تَجبُ للحاجَةِ، فتَتقدَّرُ بقَدرِ الحاجةِ، وكلُّ مَنْ وجَبَتْ عليه نَفقةُ غيرِه يَجبُ عليه له المَأكلُ والمَشربُ والمَلبسُ والسُّكنى، والرَّضاعُ إنْ كانَ رَضيعًا؛ لأنَّ وُجوبَها للكِفايةِ، والكِفايةُ تَتعلقُ بهذهِ الأشياءِ، فإنْ كانَ للمُنفَقِ عليه خادِمٌ يَحتاجُ إلى خِدمتِه تُفرضُ له أيضًا؛ لأنَّ ذلكَ مِنْ جُملةِ الكِفايةِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: يَجبُ للأولادِ والأبوَينِ النَّفقةُ وما يَتبعُها مِنْ المَؤونةِ والكِسوةِ والسُّكنى على قَدرِ حالِ المُنفقِ وعَوائدِ البلادِ بقَدرِ كِفايتِه (٣). وقالَ الشافِعيةُ: النَّفقةُ الواجِبةُ هي الكِفايةُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ»، ولأنها تَجبُ على سَبيلِ المُواساةِ لدَفعِ الحاجَةِ الناجِزةِ، ويُعتبَرُ حالُه في سِنِّهِ وزَهادتِه ورَغبتِه، ويَجبُ إشباعُه، ويَجبُ له الأُدمُ كما يَجبُ له القُوتُ، ويَجبُ له مُؤنةُ خادمٍ

стр. 11706

إنِ احتاجَه مع كِسوةٍ وسُكنَى لائقَينِ به وأجرةُ طَبيبٍ وثَمنُ أدويةٍ؛ لأنها مِنْ جُملةِ المُؤنِ المُحتاجِ إليها. ولو سلِّمَتِ النَّفقةُ إلى القَريبِ فتَلفَتْ في يَدِه وجَبَ إبدالُها، وكذا لو أتلَفَها بنَفسِه. فإنْ قيلَ: في إبدالِها إجحافٌ بالدَّافعِ، خُصوصًا مع تَكرارِ الإتلافِ. أجيبَ: بأنَّ الدافعَ مُقصِّرٌ؛ إذ يُمكِنُه أنْ يُطعمَه مِنْ غيرِ تَسليمٍ، لكنْ ما أتلَفَه عليهِ فيه الضَّمانُ إذا أيسَرَ، ومَحلُّ الضَّمانِ في الرَّشيدِ دونَ غيرِه؛ لتَقصيرِ الدافعِ، بل سَبيلُه أنْ يُطعمَه أو يُوكِّلَ مَنْ يُطعمُه، ولا يُسلِّمُ إليه شَيئًا، والنَّفقةُ وما ذُكرَ معَها إمتاعٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والواجِبُ في نَفقةِ القَريبِ قَدرُ الكِفايةِ مِنْ الخُبزِ والأُدمِ والكِسوةِ بقَدرِ العادةِ على ما ذكَرْناهُ في الزَّوجةِ؛ لأنها وجَبَتْ للحاجَةِ، فتَقدَّرتْ بما تَندفعُ به الحاجةُ. وقد قالَ النبيُّ ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ»، فقدَّرَ نَفقتَها ونَفقةَ وَلدِها بالكِفايةِ، فإنِ احتاجَ إلى خادِمٍ فعَليهِ إخدامُه كما قُلنَا في الزَّوجةِ؛ لأنَّ ذلكَ مِنْ تَمامِ كِفايتِه (٢). وقالَ البُهوتِيُّ ﵀: والواجِبُ في نَفقةِ القَريبِ قَدرُ الكِفايةِ مِنْ الخُبزِ والأُدمِ والكِسوةِ والمَسكنِ بقَدرِ العادةِ؛ لأنَّ الحاجةَ إنما تَندفعُ بذلكَ كما

стр. 11707

ذكَرْنا في الزَّوجةِ … وتَجبُ نَفقةُ مَنْ لا حِرفةَ له ولو كانَ صَحيحًا مُكلَّفًا ولو كانَ مِنْ غيرِ الوالدَينِ؛ لقَولِه ﷺ لهِندَ: «خُذِي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ» ولم يَستثْنِ منهُم بالغًا ولا صَحيحًا، ولأنه فَقيرٌ يَستحقُّ النَّفقةَ على قَريبِه، أشبَهَ الزَّمِنَ. فإنْ كانَ له حِرفةٌ لم تَجبْ نَفقتُه، قالَ في «المُبدِع»: بغَيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الحِرفةَ تُعينُه، ونَفقةُ القَريبِ لا تَجبُ إلا مع الفَقرِ، ولا بُدَّ أنْ تَكونَ الحِرفةُ يَحصلُ بها غِناهُ، وإلا وجَبَ الإكمالُ (١). هل نَفقةُ الأقاربِ تَجبُ دَينًا في الذِّمةِ إذا لم يُنفقْ عليهِ؟ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ وجَبَتْ عليه نَفقةُ إنسانٍ ولم يُنفقْ عليهِ ولم يَحكمِ القاضي بوُجوبِها أنها تَسقطُ ولا تَصيرُ دَينًا في ذِمتِه؛ لأنَّ النَّفقةَ إنما شُرعَتْ سَدًّا لخَلَّةِ المُحتاجِ، فإذا تحيَّلَ في النَّفقةِ مُدةً ولم يَأخذْها ممَّن وجَبَتْ عليه ثم قامَ ليَطلبَها بعدَ مُضيِّ زَمانِها فلا شَيءَ له عن الماضِي، وسقَطَتْ عن المُوسرِ بها في ذلكَ الزَّمنِ؛ لسُقوطِها بذَهابِ وَقتِها؛ لأنَّ الخَلَّةَ قد استَدَّتْ وزالَ سَببُ وُجوبِها، وهذا بخِلافِ نَفقةِ الزَّوجةِ؛ لأنها بمَعنَى المُعاوَضةِ، فلا تَسقطُ بمُضيِّ زَمانِها. إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو فرَضَها القاضِي ولم يُنفقْ عليهِ، هل تَثبتُ دَينًا في ذِمتِه أم لا؟

стр. 11708

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ هذهِ النَّفقةَ تَجبُ على وَجهٍ لا تَصيرُ دَينًا في الذِّمةِ أصلًا؛ سَواءٌ فرَضَها القاضِي أو لا، بخِلافِ نَفقةِ الزَّوجاتِ، فإنها تَصيرُ دَينًا في الذِّمةِ بفَرضِ القاضِي أو بالتَّراضي، حتى لو فرَضَ القاضِي للقَريبِ نَفقةَ شَهرٍ فمَضَى الشهرُ ولم يَأخذْ ليسَ له أنْ يُطالبَه بها، بل تَسقطُ. والمُسقِطُ لها بعدَ الوُجوبِ هو مُضيُّ الزَّمانِ مِنْ غيرِ قَبضٍ ولا استِدانةٍ، حتى لو فرَضَ القاضِي نَفقةَ شَهرٍ للقَريبِ فلَم يَقبضْ ولا استَدانَ عليه حتَّى مضَتِ المدَّةُ سقَطَتِ النَّفقةُ؛ لأنَّ هذهِ النَّفقةَ تَجبُ صِلةً مَحضةً، فلا يَتأكَّدُ وُجوبُها إلا بالقَبضِ أو ما يَقومُ مَقامَه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ نَفقةَ القَريبِ إذا وجَبَتْ بقَضاءِ القاضِي فإنها لا تَسقطُ ويَرجعُ بها عليهِ. قالَ المالِكيةُ: النَّفقةُ إنْ كانَ قد حكَمَ بها حاكِمٌ بأنْ تَجمَّدتْ في الماضِي فرفَعَ مُستحِقُّها لحاكِمٍ لا يَرَى السُّقوطَ بمُضيِّ الزَّمنِ فحكَمَ بلُزومِها فإنها لا تَسقطُ عن المُوسرِ بمُضيِّ الزَّمنِ؛ لأنها صارَتْ بقَضيةِ الحاكمِ كالدَّينِ، وليسَ المُرادُ أنه فرَضَها وقدَّرَها في الزَّمنِ المُستقبَلِ؛ لأنَّ حُكمَ الحاكِمِ لا يَدخلُ في المُستقبلاتِ؛ إذ لا يَجوزُ للحاكِمِ أنْ يَفرضَ شَيئًا واحِدًا على الدَّوامِ قبلَ وَقتِه؛ لأنه يَختلفُ باختِلافِ الأوقاتِ. وكذلكَ لا تَسقطُ النَّفقةُ عن المُوسرِ منهُما -أي مِنْ الأبِ أو الابنِ- إذا أنفَقَ عليهِ شَخصٌ غيرَ مُتبرعٍ قاصِدًا الرُّجوعَ على مَنْ وجَبَتْ عليهِ؛ لأنه قامَ

стр. 11709

عنه بواجِبٍ، فيَرجعُ بها، بخِلافِ ما إذا أنفَقَ عليه مُتبرعًا فإنه لا يَرجعُ. وقيلَ: إنَّ الرُّجوعَ هُنا يكونُ فيما إذا أنفَقَ غيرَ مُتبرعٍ على الوَلدِ الصَّغيرِ خاصَّةً والأبُ مُوسرٌ، فيَرجعُ على أبيه؛ لأنَّ وُجودَ الأبِ مُوسرًا كالمالِ، وأما إذا كانَ الأبُ مُعسرًا فلا يَرجعُ، أو أنفَقَ على الأبِ فلا يَرجعُ على ابنِه الصَّغيرِ إلا بقَضاءِ القاضِي، ورجَّحَ هذا الدِّرديرُ (١). وقالَ الشافِعيةُ: تَسقطُ النَّفقةُ بمُضيِّ الزَّمانِ وإنْ تَعدَّى المُنفِقُ بالمَنعِ؛ لأنها وجَبَتْ لدَفعِ الحالَةِ الناجِزةِ، ولا تَصيرُ دَينًا؛ لأنها مِنْ بابِ المُواساةِ، فإذا اندفَعَتِ الحاجةُ مِنْ غيرِ جِهةِ القَريبِ .. حصَلَ المَقصودُ، ولا يَثبتُ في ذمَّةِ القَريبِ شَيءٌ وإنْ تعدَّى بامتِناعِ الإنفاقِ عليهِ. ولا تَثبتُ في ذمَّتِه إلا بفَرضِ قاضٍ أو إذنِه في اقتِراضٍ لغَيبةٍ أو مَنعٍ، فإنها تَصيرُ دَينًا بذلكَ. وللقَريبِ أخذُ نَفقتِه مِنْ مالِ قَريبِه عندَ الامتناعِ، وله الاستِقراضُ إنْ لم يَجدْ له مالًا وعجَزَ القاضِي، ويَرجعُ إنْ أشهَدَ كجَدِّ الطفلِ المُحتاجِ وأبوهُ غائِبٌ مَثلًا وللأبِ والجَدِّ أخذُ النَّفقةِ مِنْ مالِ فَرعِهما الصَّغيرِ أو المَجنونِ بحُكمِ الوِلايةِ، ولهُمَا إجبارُه لِما يُطيقُه مِنْ الأعمالِ (٢).

стр. 11710

وقالَ الحَنابلةُ: ومَن ترَكَ الإنفاقَ الواجِبَ مدَّةً لم يَلزمْه عِوضُه؛ لأنَّ نَفقةَ القَريبِ وجَبَتْ لدَفعِ الحاجةِ وإحياءِ النَّفسِ، وقد حصَلَ ذلكَ في الماضِي بدُونِها، إلا إنْ فرَضَها حاكِمٌ؛ لأنها تأكَّدتْ بفَرضِه كنَفقةِ الزَّوجةِ، أو أنْ يَستدينَ عليهِ بإذنِ الحاكمِ. لكنْ لو غابَ زَوجٌ فاستَدانَتْ لها ولأولادِها الصِّغارِ رجَعَتْ بما استَدانتْه (١). بمَن يبدَأُ في النَّفقةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا لم يَفضلْ عنهُ ما يَكفِي جَميعَ مَنْ تَجبُ نَفقتُهم فإنَّه يبدَأُ بالتالي: يَبدأُ بنَفسِه. فإنْ فضَلَ عِندَه شَيءٌ بدَأَ بزَوجتِه؛ لأنها واجِبةٌ على سبيلِ المُعاوَضةِ، فقُدِّمتْ على المُواساةِ، ولذلكَ وجَبَتْ مع اليَسارِ والإعسارِ. فإنْ فضَلَ معَه شَيءٌ بدَأَ بأولادِه. لحَديثِ سَعيدِ بنِ أبي سَعيدٍ المَقبُريِّ عن أبي هُريرةَ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ يَومًا لأصحابِه: «تَصدَّقوا، فقالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ عِندي دِينارٌ، قالَ: أنفِقْه على نَفسِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على زَوجتِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على وَلدِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على خادِمِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنتَ أبصَرُ» (٢).

стр. 11711

ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «إذا كانَ أحَدُكم فَقيرًا فليَبْدأْ بنَفسِه، فإنْ كانَ فيها فَضلٌ فعَلَى عِيالِه، فإنْ كانَ فيها فَضلٌ فعَلى ذي قرَابتِه -أو قالَ: على ذِي رَحِمِه-، فإنْ كانَ فَضلٌ فهَهُنا وههُنا» (١). وهذا إذا كانَ الابنُ طِفلًا فهو أَولى بالتَّقديمِ مِنْ الأبِ اتِّفاقًا. أما إنْ كانَ الابنُ كَبيرًا والأبُ زَمِنًا فهوَ أحَقُّ؛ لأنَّ حُرمتَه آكَدُ وحاجَتَه أشَدُّ، ويُحتملُ تَقديمُ الابنِ؛ لأنَّ نَفقتَه وجَبَتْ بالنصِّ. وإنْ كانَا صَحيحَينِ كَبيرَينِ أو زَمِنَينِ ففِي وَجهٍ للشَّافعيةِ وللحَنابلةِ: يُقدَّمُ الأبُ على الابنِ إذا كانَ لا يَقدرُ إلا على نَفقةِ أحَدِهما؛ لأنَّ حُرمتَه آكَدُ مِنْ حُرمةِ ابنِه؛ بدَليلِ أنَّ الأبَ لا يُقادُ بابنِه والابنُ يُقادُ بالأبِ. وقيلَ: الابنُ أحَقُّ بالتَّقديمِ؛ لأنَّ وُجوبَ نَفقةِ الابنِ ثَبتَتْ بنَصِّ الكِتابِ، ووُجوبُ نَفقةِ الأبِ على الابنِ مُجتهَدٌ فيها، وهذا وَجهٌ للشَّافعيةِ وللحِنابلةِ. وفي وَجهٍ ثالِثٍ للحَنابلةِ: يَتساوَيانِ؛ لتَساوِيهما في القُربِ وتَقابُلِ مَرتبتِهما. ثمَّ إنْ فضَلَ معَه شَيءٌ وله أبَوانِ أبٌ وأمٌّ ولا يُوجَدُ معَه إلا ما يَكفِي لأحَدِهما فاختَلفَ الفُقهاءُ في ذلكَ، هل يُقدَّمُ الأبُ؟ أمِ الأمُّ؟ أمْ يَستويانِ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ وبَعضُ الحَنفيةِ إلى أنه يُقدَّمُ الأبُ على الأمِّ؛ لإضافةِ النبيِّ ﷺ الولَدَ ومالَه إليه بقَولِه: «أنتَ ومالُكَ لأبيكَ»، ولأنَّ الأبَ يُساوِيها في الوِلادةِ ويَنفردُ بالتَّعصيبِ،

стр. 11712

ولأنهُما لو كانَا مُوسِرينِ والابنُ مُعسرًا قدِّمَ الأبُ في وُجوبِ النَّفقةِ عليهِ، فقدِّمَ في النَّفقةِ له. وذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنه يُقدِّمُ الأمَّ على الأبِ؛ لامتِيازِها عن الأبِ بالحَملِ والوَضعِ والرَّضاعةِ والتَّربيةِ وزِيادةِ الشَّفقةِ، ولأنها أعجَزُ، ولذلكَ كانَ لها ثَلاثةُ أرباعِ البِرِّ بالاتفاقِ؛ لِما رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ مَنْ أحَقُّ الناسِ بحُسنِ الصُّحبةِ؟ قال: «أمُّكَ ثمَّ أمُّكَ ثمَّ أمُّكَ ثمَّ أبُوكَ ثمَّ أدنَاكَ أَدناكَ» (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنهُما يَستويانِ؛ لاستِوائِهما في القَرابةِ والدَّرجةِ. وفي قَولٍ للحَنفيةِ: يَقسمُها بينَهُما. ثمَّ إنْ فضَلَ بعدَ ذلكَ شَيءٌ يُقدِّمُ الأقرَبَ فالأقرَبَ (٢). هل يَجبُ على الأبِ إعفافُ ابنِه بأنْ يُزوِّجَه: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجبُ على الأبِ إعفافُ ابنِه إذا احتاجَ إلى النكاحِ أم لا يَجبُ؟

стр. 11713

فذهَبَ الحَنابلة إلى أنَّه يَجبُ على الأبِ إعفافُ ابنِه إذا احتاجَ إلى النِّكاحِ؛ لأنَّ ذلكَ ممَّا تَدعو حاجتُه إليهِ ويَستضِرُّ بفقْدِه، فلَزمَه. وذهَبَ الحَنفية والشافِعية إلى أنَّه لا يَلزمُ الأبَ إعفافُ ابنِه إنِ احتاجَ إلى ذلكَ (١). ولمْ أقَفْ للمالكيَّةِ على قَولِ في هذهِ المَسألةِ، وإنْ كانَ ظاهِرُ مَذهبِهم أنَّه لا يجبُ على الأبِ تَزويجُ ابنِه. هل يَجبُ على الابنِ إعفافُ أبيهِ بأنْ يُزوِّجَه إنِ احتاجَ إليهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الأبِ إذا كانَ يَحتاجُ إلى زَوجةٍ، هل يَجبُ على الابنِ إعفافُ أبيه بأنْ يُزوِّجَه أم لا يَجبُ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ -على قَولٍ- والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه يَلزمُه إعفافُ أبيهِ؛ لأنَّ ذلك ممَّا تَدعُو حاجَتُه إليه ويَستضرُّ بفَقدِه، فلَزمَ ابنَه له كالنَّفقةِ، فيَلزمُه إعفافُ والِدِه بزَوجةٍ واحِدةٍ. ويَلزمُه نَفقتُها وكِسوتُها كما يَجبُ نَفقةُ الأبِ وكِسوتُه، وإنْ كانَ للأبِ زَوجتانِ أو أكثَرُ لم يَلزمِ الابنَ إلا نَفقةٌ واحِدةٌ، ويَدفعُها إلى الأبِ وهو يُوزِّعُها عليهِنَّ. وهل لو كانَ معَه واحِدةٌ لا تُعفُّه هل يَلزمُ الابنَ أنْ يُزوِّجَه واحِدةً تُعفُّه

стр. 11714

أم لا؟ قَولانِ عندَ المالِكيةِ: أحَدُهما: لا يَلزمُه، والثاني: يَلزمُه حيثُ توقَّفَ إعفافُه عليها. وكذلكَ يَجبُ إعفافُ الأمِّ كالأبِ بتَزويجِها إذا طلَبَتْ ذلكَ وخطَبَها كُفؤُها. وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ -وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، وقيلَ: هو المَذهبُ- والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُجبَرُ الوَلدُ على إنكاحِ أبيهِ (١). وقَولُ الحَنفيةِ المَذكورِ هو ما نقَلَه الحدَّادُ ﵀ في «الجَوهَرة النيِّرَة» ونقَلَه عنه جَماعةٌ، قالَ: وإنِ احتاجَ الأبُ إلى زَوجةٍ والابنُ مُوسرٌ وجَبَ عليه أنْ يُزوِّجَه أو يَشتريَ له جارِيةً، ويَلزمُه نَفقتُها وكِسوتُها كما يَجبُ نَفقةُ الأبِ وكِسوتَه (٢). إلا أنَّني وجَدْتُ الإمامَ القُدوريُّ ﵀ يَقولُ: قالَ أصحابُنا: لا يَجبُ على الابنِ إعفافُ أبيهِ … ؛ لأنَّ ما لا نَخافُ التَّلفَ لفَقدِ جِنسِه لا يَجبُ عليهِ لأبيهِ، كشِراءِ الطِّيبِ، ولأنَّ الأبَ لا يَلزمُه ذلكَ لابنِه، فلا يَجبُ على الابنِ لأبيهِ، أصلُه ما ذكَرْنا.

стр. 11715

ولا يُقالُ: «إنَّ الابنَ يَلزمُه لأبيهِ ما لا يَلزمُ الأبَ له، ولهذا لا يُقتصُّ منهُ». ولأنَّ حُرمةَ الأبِ آكَدُ مِنْ حُرمةِ الابنِ؛ وذلكَ لأنَّ تأكُّدَ الحُرمةِ جعَلَ الوَلدَ كأعضاءِ الأبِ، حتَّى لا يُقتَصُّ مِنهُ، فكذلكَ حُرمتُه في حَقِّ ابنِه؛ فجُعِلَ كالابنِ، فلا يَجبُ عَليهِ ما لا يَجبُ على نفْسِه لنفْسِه. ولأنَّ الإعفافَ كما لم يَلزمِ الابنَ لنفْسِه لم يَلزمْه لأبيهِ، كالتَّمكينِ مِنْ المالِ، وعَكسُه الطَّعامُ والكِسوةُ، ولأنَّه أحَدُ الوالِدَينِ، فلا يَجبُ على الابنِ إعفافُه، كالأمِّ (١). حُكمُ إرضاعِ الصَّغيرِ: لا خِلافَ بيْنَ فُقهاءِ الأمَّةِ على أنَّه يَجبُ إرضاعُ الطِّفلِ الصَّغيرِ إذا كانَ مُحتاجًا إليهِ ولا يَعيشُ إلَّا عَليهِ وكانَ في سِنِّ الرَّضاعِ فحِينئذٍ تُجبَرُ عَليهِ، قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وهَذا قَولُ عامَّةِ العُلماءِ (٢). هل يَجبُ على الأمِّ إرضاعُ ولَدِها؟ الأمُّ إمَّا أنْ تكونَ مُطلَّقةً مِنهُ وانتَهتْ مِنْ عدَّتِها، وإمَّا أنْ تكونَ في عِصمةِ الزَّوجِ. الحالَةُ الأُولى: أنْ تكونَ الأمُّ بائِنةً ومفارقةً لزوجها: فإنْ كانَتْ مُطلَّقةً مِنهُ وانتَهتْ مِنْ عدَّتِها فلا يَجبُ عَليها إرضاعُ ولَدِها

стр. 11716

بالإجْماعِ، إلَّا إذا لم يوجَدْ غَيرُها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، فأخبَرَ أنَّ الوالِدةَ والمَولودَ لهُ إنْ تَعاسرَا في الأُجرةِ الَّتي تُرضِعُ بها المَرأةُ ولَدَها أنَّ أُخرى سِواها تُرضِعُه، فلَم يوجِبْ عَليها فرضًا رَضاعَ ولَدِها، وبيانُ ذلكَ أنَّ قَولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دَلالةٌ على مَبلغِ غايةِ الرَّضاعةِ التي متَى اختَلفَ الوالِدانِ في إرضاعِ الوَلدِ بعدَها جعَلَ حَدًّا يفصلُ به بينَهُما، لا دَلالةً على أنَّ فَرضًا على الوالِداتِ رَضاعُ أولادِهنَّ، وأكثَرُ أهلِ التفسيرِ على أنَّ المُرادَ بالوالِداتِ هاهُنا المَبتوتاتُ بالطَّلاقِ. قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ أجْرَ الرَّضاعِ على الزَّوجِ إذا خرَجَتِ المُطلَّقةُ مِنْ العدَّةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما المُطلَّقةُ فلا رَضاعَ عليها إلا أنْ لا يَقبلَ ثَديَ غيرِها فعَليها الإرضاعُ وعلى الزَّوجُ أجرُ الرَّضاعِ، هذا إجماعٌ؛ لقَولِه : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: رَضاعُ الوَلدِ على الأبِ وحْدَه، وليسَ له إجبارُ أمِّه على رَضاعِه، دَنيئةً كانَتْ أو شَريفةً، سَواءٌ كانَتْ في حِبالِ الزَّوجِ أو مُطلَّقةً، ولا نَعلمُ في عَدمِ إجبارِها على ذلكَ إذا كانَتْ مُفارقةً خِلافًا (٣).

стр. 11717

إذا رَضيَتِ الأمُّ بأنْ تُرضعَ ولَدَها بأجرِ مِثلِها: نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ على أنَّ الأمَّ إذا كانَتْ مُطلَّقةً ورَضيَتْ بأنْ تُرضعَه بأجرِ مثلِها لم يَكنْ للأبِ أنْ يَسترضعَ غيرَها؛ لأمرِ اللهِ إياهُ بإعطاءِ الأجرِ إذا أرضَعَتْ، ولقَولِه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: الوالِداتُ أحَقُّ برَضاعِ أولادِهنَّ. وإنْ طلَبَتْ أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ لم يُلزمِ الزَّوجُ بذلكَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، ولأنَّ ما يُوجَدُ بأكثرِ مِنْ عِوضِ المِثلِ كالمَعدومِ، ولأنَّ في إلزامِ الأبِ بما تَلتمسُه الأمُّ إضرارًا بالأبِ، وقد قالَ اللهُ : ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي: لا يُضارَّ الأبُ بالتِزامِ الزيادةِ على ما تَلتمسُه الأجنَبيةُ، كذا ذُكرَ في بَعضِ التَّأويلاتِ، ولكنْ تُرضِعُه عندَ الأمِّ ولا يُفرَّقُ بينَهُما؛ لِما فيه مِنْ إلحاقِ الضَّررِ بالأمِّ وهذا عندَ الحَنفيةِ، وقالَ الشافِعيةُ: جازَ انتِزاعُه منها وتَسليمُه إلى غَيرِها (١). واختَلفُوا فيما إنْ طلَبَتْ أجرةَ المِثلِ وللأبِ مَنْ يُرضعُه بغَيرِ عِوضٍ أو بُدونِ أجرةِ المثلِ، ففيه قَولانِ عندَ الشافِعيةِ: أحَدُهما: أنَّ الأمَّ أحَقُّ بأجرةِ المِثلِ؛ لأنَّ الرَّضاعَ لحَقِّ الولدِ، ولأنَّ لبَنَ الأمِّ أصلَحُ له وأنفَعُ، وقد رَضيتْ بعِوضِ المِثلِ، فكانَتْ أحَقَّ. والثَّاني: أنَّ الأبَ أحَقُّ؛ لأنَّ الرَّضاعَ في حَقِّ الصَّغيرِ كالنَّفقةِ في حَقِّ الكَبيرِ، ولو وجَدَ الكَبيرُ مَنْ يَتبرعُ بنَفقتِه لم يَستحقَّ على الأبِ النَّفقةَ،

стр. 11718

فكَذلكَ إذا وُجدَ مَنْ يَتبرعُ بإرضاعِه لم تُستحقَّ على الأبِ أجرةُ الرَّضاعِ، وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ أنَّ الأبَ لا يَجدُ غيرَها فالقَولُ قولُ الأبِ؛ لأنها تدَّعي استِحقاقَ أجرةِ المِثلِ والأصلُ عَدمُه (١). وأما الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الأمُّ إذا طلبَتْ إرضاعَه بأجرِ مِثلِها فهيَ أحَقُّ به، سَواءٌ كانَتْ في حالِ الزَّوجيةِ أو بعدَها، وسواءٌ وجَدَ الأبُ مُرضِعةً مُتبرعةً أو لم يَجدْ. وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: إنْ كانَتْ في حِبالِ الزوجِ فلزَوجِها منعُها مِنْ إرضاعِه؛ لأنه يُفوِّتُ حَقَّ الاستمتاعِ بها في بَعضِ الأحيانِ، وإنِ استَأجرَها على رَضاعِه لم يَجزْ؛ لأنَّ المَنافعَ حَقٌّ له، فلا يَجوزُ أنْ يَستأجرَ منها ما هوَ أو بَعضُه حَقٌّ له، وإنْ أرضَعَتِ الوَلدَ فهل لها أجرُ المِثلِ على وَجهينِ. وإنْ كانَتْ مُطلَّقةً وطلَبَتْ أجْرَ المثلِ فأرادَ انتِزاعَه منها ليُسلِّمَه إلى مَنْ تُرضعُه بأجرِ المثلِ أو أكثرَ لم يَكنْ له ذلكَ، وإنْ وجَدَ مُتبرعةً أو مَنْ تُرضِعُه بدونِ أجرِ المِثلِ له انتِزاعُه منها في ظاهِرِ المَذهبِ؛ لأنه لا يَلزمُه التزامُ المُؤنةِ مع دَفعِ حاجةِ الولدِ بدُونِها. وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ طلبَتِ الأجرَ لم يَلزمِ الأبَ بَذلُه لها، ولا يَسقطُ حَقُّها مِنْ الحَضانةِ، وتَأتي المُرضِعةُ تُرضعُه عندَها؛ لأنه أمكَنَ الجَمعُ بينَ الحقَّينِ، فلمْ يَجُزِ الإخلالُ بأحدِهما.

стр. 11719

ولنا على الأوَّلِ ما تقدَّمَ، وعلى جَوازِ الاستِئجارِ أنه عَقدُ إجارةٍ يَجوزُ مِنْ غيرِ الزَّوجِ إذا أَذِنَ فيه، فجازَ مع الزوجِ كإجارةِ نَفسِها للخِياطةِ أو الخِدمةِ، وقَولُهم: «إنَّ المَنافعَ مَملوكةٌ له» غيرُ صَحيحٍ؛ فإنه لو ملَكَ مَنفعةَ الحَضانةِ لَملَكَ إجبارَها عليها ولم تَجُزْ إجارةُ نفسِها لغيرِها بإذنِه ولَكانَتِ الأجرةُ له، وإنما امتَنعَتْ إجارةُ نفسِها لأجنَبيٍّ بغيرِ إذنِه لِما فيه مِنْ تَفويتِ الاستِمتاعِ في بَعضِ الأوقاتِ، ولهذا جازَتْ بإذنِه، وإذا استأجَرَها فقدْ أَذِنَ لها في إجارةِ نفسِها، فصَحَّ كما يَصحُّ مِنْ الأجنَبيِّ. وأما الدَّليلُ على وُجوبِ تَقديمِ الأمِّ إذا طلَبَتْ أجْرَ مثلِها على المُتبرعةِ فقَولُه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقَولُه سُبحانَه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولأنَّ الأمَّ أحنَى وأشفَقُ، ولَبنُها أمرَأُ مِنْ لَبنِ غيرِها، فكانَتْ أحَقَّ به مِنْ غيرِها كما لو طلَبَتِ الأجنَبيةُ رَضاعُه بأجرِ مثلِها، ولأنَّ في رَضاعِ غيرِها تَفويتًا لحَقِّ الأمِّ مِنْ الحَضانةِ وإضرارًا بالوَلدِ، ولا يَجوزُ تَفويتُ حَقِّ الحَضانةِ الواجِبِ والإضرارُ بالولَدِ لغَرضِ إسقاطِ حَقٍّ أوجَبَه اللهُ تعالَى على الأبِ، وقولُ أبي حَنيفةَ يُفضِي إلى تَفويتِ حَقِّ الوَلدِ مِنْ لَبنِ أمِّه وتَفويتِ حقِّ الأمِّ في إرضاعِه لبَنَها، فلمْ يَجُزْ ذلكَ كما لو تَبرعَتْ برَضاعِه. فأما إنْ طلَبَتِ الأمُّ أكثرَ مِنْ أجرِ مثلِها ووجَدَ الأبُ مَنْ تُرضِعُه بأجرِ مثلِها أو مُتبرعةً جازَ انتِزاعُه منها؛ لأنها أسقَطَتْ حقَّها باشتطِاطِها وطلبِها ما ليسَ لها، فدخَلَتْ في عُمومِ قولِه: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، وإنْ

стр. 11720

لم يَجِدْ مُرضِعةً إلا بمثلِ تلكَ الأجرةِ فالأمُّ أحَقُّ؛ لأنهُما تَساوتَا في الأجرِ، فكانَتِ الأمُّ أحَقَّ كما لو طلَبَتْ كلُّ واحدةٍ منهُما أجْرَ مثلِها. فَصلٌ: وإنْ طلبَتْ ذاتُ الزَّوجِ الأجنَبيِّ إرضاعَ ولَدِها بأجرةِ مثلِها بإذنِ زَوجِها ثبَتَ حقُّها وكانَتْ أحَقَّ به مِنْ غيرِها؛ لأنَّ الأمَّ إنما مُنِعتْ مِنْ الإرضاعِ لحَقِّ الزوجِ، فإذا أَذِنَ فيه زالَ المانعُ، فصارَتْ كغيرِ ذاتِ الزوجِ، وإنْ منَعَها الزَّوجُ سقَطَ حقُّها؛ لتَعذُّرِ وُصولِها إلى ذلكَ. فَصلٌ: وإنْ أرضَعَتِ المَرأةُ ولَدَها وهي في حِبالِ والِدِه فاحتاجَتْ إلى زِيادةِ نَفقةٍ لَزمَه؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولأنها تَستحقُّ عليهِ قدْرَ كِفايتِها، فإذا زادَتْ حاجَتُها زادَتْ كِفايتُها، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما إذا طلبَتِ المَبتوتةُ أجرةَ مثلِها في إرضاعِ وَلدِها: فقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ ثَمَّ مُتطوِّعٌ أو مَنْ تُرضِعُه بدونِ أجرةِ المثلِ كانَ للأبِ أنْ يَسترضعَ غيرَها، بشَرطِ أنْ يكونَ الصَّغيرُ عندَ الأمِّ؛ لأنَّ الحَضانةَ لها. وعن مالِكٍ رِوايتانِ: أحَدُهما كمَذهبِ أبي حَنيفةَ، والأخرَى: أنَّ الأمَّ أَولى بكُلِّ حالٍ.

стр. 11721

وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: هو أحَقُّ، وإنْ وجَدَ الأبُ مَنْ يُرضِعُ ولَدَه بأقلَّ مِنْ ذلكَ أو يَتبرعَ بالرَّضاعِ فإنهُ يُجبَرُ على أنْ يُعطيَها أُجرةَ مثلِها، وعن الشافِعيِّ قَولٌ آخَرُ كمَذهبِ أبي حَنيفةَ (١). الحَالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ الأمُّ في عِصمةِ الزَّوجِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَتِ الأمُّ في عِصمةِ الزَّوجِ هل يَجبُ عليها إرضاعُ الصَّغيرِ؟ أم يَجبُ على الأبِ الاستِرضاعُ لوَلدِه؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَجبُ على الأمِّ إرضاعُ وَلدُها، إلا أنْ يكونَ مِثلُها لا يُرضِعُ لشَرفٍ وعِزٍّ وعُلوِّ قَدرٍ، أو لسُقمٍ وقلَّةِ لَبنٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ المُرادُ به الخبَرَ؛ لأنه لا فائِدةَ فيه، فثبَتَ أنَّ المُرادَ به الأمرُ. ولأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ الوالِداتِ الزَّوجاتِ بإرضاعِ أولادِهنَّ، وأوجَبَ لهُنَّ على الأزواجِ النَّفقةَ والكِسوةَ، والزَّوجيةُ قائِمةٌ، فلَم يَجمعْ لها النَّفقةِ والأجرةِ، فلو كانَ الرَّضاعُ على الأبِ لَذكَرَه مع ما ذكَرَ مِنْ رِزقِهنَّ وكِسوتِهنَّ، ولم يُوجِبْ ذلك على الوالِداتِ. ولأنَّ العُرفَ جارٍ بذلكَ في غالِبِ أمورِ النَّاسِ أنَّ المَرأةَ تَلي رَضاعَ وَلدِها بنَفسِها مِنْ غيرِ أنْ يُكلَّفَ زوجُها أجرةً، وما يَجري العُرفُ به فهو كالمَشروطِ، ولأنه لو كانَ لا يَقبلُ مِنْ الرَّضاعِ غيرَها لَلزِمَها إرضاعُه، وما يُستحقُّ على الإنسانِ الجَبْرُ عليهِ لا يَستحقُّ عليهِ أجرةً، عَكسُه الأجنبيةُ.

стр. 11722

ودَليلُنا على أنه إذا كانَ مثلُها لا يُرضِعُ لشَرفٍ وعِزٍّ وعُلوِّ قَدرٍ أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ مِثلَها لا يُرضِعُ، ففي تَكليفِها خِلافَ العُرفِ مِنْ حَدِّ ما دَخلَا عليهِ إضرارٌ بها، فلَم يَلزمْ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجبُ على الأبِ استِرضاعُ وَلدِه، ولا يَجبُ على الأمِّ إرضاعُ وَلدِها الصغيرِ، وليسَ للأبِ أنْ يُجبِرَها على إرضاعِه، سَواءٌ كانَتِ الأمُّ شَريفةً أم دَنيئةً، وسَواءٌ كانَتْ في عِصمةِ الأبِ أم بائِنةً منه، إلا إذا تَعيَّنتْ بأنْ لم يَجدِ الأبُ مَنْ تُرضعُه غيرَها، أو لم يَقبلِ الطِّفلُ ثَديَ غيرِها، أو لم يَكنْ للأبِ ولا للطِّفلِ مالٌ، فيَجبُ عليها حِينئذٍ إرضاعُ وَلدِها. واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، دلَّ على أنها مُخيَّرةٌ إنْ شاءَتْ أرضَعَتْ، وإنْ شاءَتْ لم تُرضِعْ، وقالَ سُبحانَه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، وإنْ كانَ الرَّضاعُ مُستحَقًّا لَمَا استَحقَّتْ عليهِ أجرًا. ولأنه لا يَخلو مِنْ أنْ تُجبَرَ على رَضاعِه لحُرمةِ الوَلدِ أو لحُرمةِ الزَّوجِ أو لهُما. ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لحُرمةِ الوَلدِ؛ لأنها لا تُجبَرُ عليهِ إذا كانَتْ مُطلَّقةً ثَلاثًا بإجماعٍ، وحُرمةُ الوَلدِ مَوجودةٌ.

стр. 11723

ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لحُرمةِ الزَّوجِ؛ لأنه لو أرادَ أنْ يَستخدمَها في حَقِّ نَفسِه لم يَكنْ له ذلكَ، فلَئلَّا يَكونَ له ذلك في حَقِّ غيرِه أَولى، فصَحَّ أنها لا تُجبَرُ عليهِ أصلًا. ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ لهُما؛ لأنَّ ما لا مُناسَبةَ فيه لا يُثبتُ الحُكمَ بانضِمامِ بَعضِه إلى بَعضٍ، ولأنه لو كانَ لهُما لَثبَتَ الحُكمُ به بعدَ الفُرقةِ، والآيةُ مَحمولةٌ على حالِ الإنفاقِ وعَدمِ التعاسُرِ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولأنَّ الإرضاعَ إنفاقٌ على الوَلدِ، ونَفقةُ الوَلدِ يَختصُّ بها الوالِدُ لا يُشارِكُه فيها الأمُّ، كنَفقتِه بعدَ الاستِغناءِ، فكَمَا لا تَجبُ عليها نَفقتُه بعدَ الاستِغناءِ لا تَجبُ عليها قبلَه وهو إرضاعُه (١). إلا أنَّ الشافِعيةَ قالُوا: يَجبُ على الأمِّ إرضاعِ وَلدِها اللِّبَأَ -وهو بهَمزٍ وقَصرٍ: اللَّبنُ النازِلُ أوَّلَ الوِلادةِ-؛ لأنَّ الولَدَ لا يَعيشُ بدُونِه غالِبًا، أو أنه لا يَقوَى وتَشتدُّ بِنيتُه إلا به، ولها أنْ تَأخذَ الأجرةَ إنْ كانَ لمِثلِه أجرةٌ، ولا يَلزمُها التَّبرعُ بإرضاعِه كما لا يَلزمُ بَذلُ الطعامِ للمُضطرِّ إلا بالبَدلِ (٢).

стр. 11724

إلا أنَّ الحَنفية قالُوا: هذا في الحُكمِ، وأما في الفَتوَى فتُفتَى بأنها تُرضِعُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قيلَ في بَعضِ تَأويلاتِ الآيةِ: أي لا تُضارَّ بوَلدِها بأنْ تَرميَه على الزَّوجِ بعدَ ما عرَفَها وأَلِفَها ولا تُرضِعُه فيَتضرَّرَ الولدُ، ومتَى تَضررَ الولدُ تَضررَ الوالِدُ؛ لأنه يَتألَّمُ قَلبُه بذلكَ، وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي: لا يُضارَّ المَولودُ له بسَببِ الإضرارِ بوَلدِه، كذا قيلَ في بَعضِ وُجوهِ التأويلِ، ولأنَّ النكاحَ عَقدُ سَكنٍ وازدِواجٍ، وذلكَ لا يَحصلُ إلا باجتِماعِهما على مَصالحِ النكاحِ. ولكنَّها إنْ أبَتْ لا تُجبَرُ عليه؛ لِما قُلنا، إلا إذا كانَ لا يُوجَدُ مَنْ يُرضعُه، فحِينئذٍ تُجبَرُ على إرضاعِه؛ إذ لو لم تُجبَرْ عليهِ لَهلَكَ الولدُ (١). إذَا أرادَتِ الأمُّ أخْذَ الأُجرةِ على إرضاعِ وَلدِها وهيَ في عِصمةِ الزَّوجِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أرادَتِ الأمُّ أخْذَ الأُجرةِ على إرضاعِ وَلدِها وهيَ في عِصمةِ الزَّوجِ، هل لها ذلكَ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ -وهو مُقتضَى مَذهبِ المالِكيةِ كما تَقدَّمَ- والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنه لا يَجوزُ لها أخْذُ الأجرةِ على الإرضاعِ؛ لأنَّ الإرضاعَ وإنْ لم يَكنْ مُستحَقًّا عليها في الحُكمِ فهو مُستحَقٌّ في الفتَوى، ولا يَجوزُ أخذُ الأَجرِ على أمرٍ مُستحَقٍّ؛ لأنه يَكونُ رشوةً، ولأنها قد استَحقَتْ نَفقةَ النكاحِ وأُجرةَ الرَّضاعِ، وأُجرةُ الرَّضاعِ بمَنزلةِ النَّفقة، فلا تَستحِقُّ نَفقتَينِ، ولأنَّ أجْرَ الرَّضاعِ يَجبُ لحِفظِ الصَّبيِ وغَسلِه، وهو مِنْ نَظافةِ البَيتِ، ومَنفعةُ البَيتِ

стр. 11725

تَحصلُ للزَّوجينِ، فلا يَجوزُ لها أنْ تَأخذَ عِوضًا عن مَنفعةٍ تَحصلُ لها، حتى لو استَأجرَها على إرضاعِ وَلدِه مِنْ غَيرِها جازَ؛ لأنَّ ذلكَ غيرُ واجبٍ عليها، فلا يَكونُ أخذُ الأجرةِ على فِعلٍ واجِبٍ عليها، وكذا ليسَ في حِفظِه مَنفعةٌ تَعودُ إليها؛ لأنه لا يَجبُ عليها أنْ تُسكِنَه معها. وكذلكَ إذا كانَتْ مُعتدَّةً مِنْ طَلاقٍ رَجعيٍّ لا يَحلُّ لها أنْ تَأخذَ الأجرةَ كما لا يَجوزُ في صُلبِ النكاحِ؛ لأنَّ النكاحَ بعدَ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ قائمٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ. ولأنَّ أوقاتَ الرَّضاعِ مُستحَقةٌ لاستِمتاعِ الزَّوجِ ببَدلٍ وهو النَّفقة، فلا يَجوزُ أنْ تَأخذَ بَدلًا آخَرَ، وإنْ أبَتْ أنْ تُرضِعَ لم تُكرَهْ على ذلكَ؛ لأنَّ المُستحَقَّ عليها بالنكاحِ تَسليمُ النَّفسِ إلى الزوجِ للاستِمتاعِ، وما سِوَى ذلكَ مِنْ الأعمالِ تُؤمَرُ به تَديُّنًا ولا تُجبَرُ عليهِ في الحُكمِ، نحوَ كَنسِ البَيتِ وغَسلِ الثِّيابِ والطبخِ والخَبزِ، فكذلكَ إرضاعُ الولدِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ أخذُ الأجرةِ؛ لأنه عَملٌ يَجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهِ بعدَ البَينونةِ، فجازَ أخذُ الأجرةِ عليه قبلَ البَينونةِ كالنَّسجِ، وتَقدَّمَ كلامُ الإمامِ ابنِ قُدامةَ بالتَّفصيلِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما حُقوقُ الزَّوجِ على الزَّوجةِ بالرَّضاعِ وخِدمةِ البَيتِ على اختِلافٍ بينَهُم في ذلكَ؛ وذلكَ أنَّ قَومًا أَوجَبُوا عليها

стр. 11726

الرَّضاعَ على الإطلاقِ، وقَومٌ لم يُوجِبوا ذلكَ عليها بإطلاقٍ، وقَومٌ أوجَبُوا ذلكَ على الدَّنيئةِ ولم يُوجِبوا ذلكَ على الشَّريفةِ إلا أنْ يكونَ الطِّفلُ لا يَقبلُ إلا ثَدْيَها، وهو مَشهورُ قَولِ مالكٍ. وسَببُ اختِلافِهم: هل آيةُ الرَّضاعِ مُتضمِّنةٌ حُكمَ الرَّضاعِ -أعنِي إيجابَه-؟ أو مُتضمِّنةٌ أمْرَه فقطْ؟ فمَن قالَ: «أَمْرهُ» قالَ: لا يَجبُ عليها الرَّضاعُ؛ إذْ لا دَليلَ هُنا على الوُجوبِ، ومَن قالَ: «تَتضمَّنُ الأمرَ بالرَّضاعِ وإيجابَه وأنها مِنْ الأخبارِ التي مَفهومُها مَفهومُ الأمرِ» قالَ: يَجبُ عليها الإرضاعُ. وأما مَنْ فرَّقَ بينَ الدَّنيئةِ والشريفةِ فاعتبَرَ في ذلك العُرفَ والعادةَ. وأما المُطلَّقةُ فلا رَضاعَ عليها إلا أنْ لا يَقبلَ ثَدْيَ غيرِها، فعلَيها الإرضاعُ وعلى الزَّوجُ أجرُ الرَّضاعِ، هذا إجماعٌ؛ لقَولِه : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (١).

стр. 11727

كتاب الحضانة تَعريفُ الحَضانةِ: الحَضانةُ لغةً: مَصدرُ حضَنَ، الحِضنُ: ما دُونَ الإبطِ إلى الكَشحِ، وحضَنَ الطائِرُ بَيضَه مِنْ بابِ نصَرَ ودخَلَ، إذا ضَمَّه إلى نَفسِه تحتَ جَناحَيهِ، وكذلكَ إذا حَضَنَتِ المَرأةُ ولَدَها حَضانةً، وحاضِنةُ الصَّبيِ: التي تَقومُ عليه في تَربيتِه، واحتَضنَ الشَّيءَ: جعَلَه في حضنِه (١). والحَضانةُ شَرعًا: عُرِّفتْ بعدَّةِ تَعريفاتٍ كلُّها في معنًى واحِدٍ: قيلَ: هي مُعاقَدةٌ على حِفظِ مَنْ لا يَستقلُّ بحِفظِ نَفسِه مِنْ نحوِ طِفلٍ، وعلى تَربيتِه وتَعهُّدِه (٢).

стр. 11728

وقيلَ: حِفظُ مَنْ لا يَستقلُّ بأمورِه ككَبيرٍ مَجنونٍ وتَربيتِه بما يُصلحُه ويَقيهِ عمَّا يَضرُّه حتَّى يَستقلَّ بنَفسِه (١). وقيلَ: حِفظُه عمَّا يَضرُّه وتَربيتُه بغَسلِ رأسِه وبَدنِه وثيابِه ودهنِهِ وتَكحيلِه ورَبطِه في المَهدِ وتَحريكِه ليَنامَ ونحوِ ذلكَ ممَّا يَتعلقُ بمَصالحِه (٢). حُكمُ الحَضانةِ: كَفالةُ الطِّفلُ وحَضانتُه واجِبةٌ شَرعًا؛ لأنَّ المَحضونَ يَهلكُ بتَركِه، فيَجبُ حِفظُه عن الهَلاكِ كما يَجبُ الإنفاقُ عليهِ وإنجاؤُه مِنْ المَهالكِ. وحُكمُها الوُجوبُ العَينيُّ إنْ لم يُوجَدْ إلا الحاضِنُ ولو أجنَبيًّا مِنْ المَحضونِ، والوُجوبُ الكِفائيُّ عندَ تَعدُّدِ الحاضنِ، ولذا إذا وجَدَ جَماعةٌ طِفلًا مَنبوذًا وجَبَ عليهِم التِقاطُه وحضنُه، فإذا قامَ به البَعضُ سقَطَ عن غيرِه كسائرِ فُروضِ الكِفايةِ. وقد نقَلَ ابنُ رُشدٍ والمَتيطيُّ الإجماعَ على وُجوبِ كَفالةِ الأطفالِ الصِّغارِ؛ لأنه خَلقٌ ضَعيفٌ يَفتقرُ لكافلٍ يُربِّيِه حتى يَقومَ بنَفسِه، فهو فَرضٌ كِفايةٍ إنْ قامَ به قائمٌ سقَطَ عن الثَّاني، لا يَتعيَّنُ إلا على الأبِ والأمِّ في حَولَي رَضاعِه إنْ لم يَكنْ له أبٌ ولا مالٌ، أو كانَ ولا يَقبلُ غيرَها (٣).

стр. 11729

والأصلُ في الحَضانةِ قَولُ اللهُ تعالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] والأحاديثُ الآتيةُ. وتَنتهي الحَضانةُ بالنِّسبةِ للصَّغيرِ إلى سِنِّ التَّمييزِ. أمَّا رِعايتُه بعدَ ذلكَ إلى سِنِّ البُلوغِ فتُسمَّى كَفالةً لا حَضانةً (١). صِفةُ المحضُونِ (مَنْ تَثبتُ عليهِ الحَضانةُ): تَثبتُ الحَضانةُ على الصَّغيرِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ إلى سِنِّ البُلوغِ. واختَلفُوا إذا كانَ مَجنونًا أو مَعتوهًا هل تَثبتُ حَضانتُه أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها تَثبتُ للمَعتوهِ والمَجنونِ. وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الذكَرَ تَستمرُّ حَضانتُه للبُلوغِ، فإنْ بلَغَ زَمِنًا أو مَجنونًا سقَطَتْ حَضانتُه عن الأمِ واستَمرَّتْ حَضانتُه على الأبِ (٢). المستحِقُّونَ للحضانةِ وترتيبُهم: الحَضانةُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ تكونُ للنِّساءِ في وَقتٍ، وتكونُ للرِّجالِ في وَقتٍ، والأصلُ فيها النِّساءُ؛ لأنَّهنَّ أشفَقُ وأرفَقُ وأهدَى إلى تربيَةِ الصِّغارِ،

стр. 11730

ثمَّ تُصرَفُ إلى الرِّجالِ؛ لأنَّهم على الحمايَةِ والصِّيانةِ وإقامةِ مَصالحِ الصِّغارِ أقْدَرُ (١). وحَضانةُ الطِّفلِ إذا كانَ النِّكاحُ قائمًا بينَ الزَّوجينِ، تَكونُ عندَ أبوَيهِ، فإنِ افتَرقَا تكونُ الحَضانةُ للأمِّ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ إنْ لم تَتزوَّجْ؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابني هذا كانَ بَطني له وِعاءً وثَديِي له سِقاءً وحَجرِي له حوَاءً، وإنَّ أباهُ طَلَّقني وأرادَ أنْ يَنتزعَه مِنِّي، فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي» (٢). وسَيأتي بَيانُ ذلكَ مُفصَّلًا. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيمَن يَستحقُّ الحَضانةَ بعدَ الأمِّ، ومَن يُقدَّمُ منهُم عندَ الاستواءِ في الاستِحقاقِ، على تَفصيلٍ بينَهُم في ذلكَ، وبَيانُ هذا التَّفصيلِ على النَّحوِ التالي: قالَ الحَنفيةُ: إذا وَقعَتِ الفُرقةُ بينَ الزَّوجَينِ وبيْنَهُما ولَدٌ صَغيرٌ فالأمُّ أحقُّ به ما لَم تَتزوَّجْ، ولا تُجبَرُ الأمُّ على الحَضانةِ؛ لأنها قد تَعجزُ عنها، فإنْ لم تكنْ أمٌّ أو كانَتْ إلا أنها تَزوَّجتْ فأمُّ الأمِّ وإنْ بَعُدَتْ أَولى مِنْ أمِّ الأبِ؛ لأنها مِنْ قِبَلِ الأمِّ، وهذه الوِلايةُ مُستفادةٌ منها، فمَن أَولى بها أَولى.
следующие страницы →