← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

الرَّضاعَ على الإطلاقِ، وقَومٌ لم يُوجِبوا ذلكَ عليها بإطلاقٍ، وقَومٌ أوجَبُوا ذلكَ على الدَّنيئةِ ولم يُوجِبوا ذلكَ على الشَّريفةِ إلا أنْ يكونَ الطِّفلُ لا يَقبلُ إلا ثَدْيَها، وهو مَشهورُ قَولِ مالكٍ. وسَببُ اختِلافِهم: هل آيةُ الرَّضاعِ مُتضمِّنةٌ حُكمَ الرَّضاعِ -أعنِي إيجابَه-؟ أو مُتضمِّنةٌ أمْرَه فقطْ؟ فمَن قالَ: «أَمْرهُ» قالَ: لا يَجبُ عليها الرَّضاعُ؛ إذْ لا دَليلَ هُنا على الوُجوبِ، ومَن قالَ: «تَتضمَّنُ الأمرَ بالرَّضاعِ وإيجابَه وأنها مِنْ الأخبارِ التي مَفهومُها مَفهومُ الأمرِ» قالَ: يَجبُ عليها الإرضاعُ. وأما مَنْ فرَّقَ بينَ الدَّنيئةِ والشريفةِ فاعتبَرَ في ذلك العُرفَ والعادةَ. وأما المُطلَّقةُ فلا رَضاعَ عليها إلا أنْ لا يَقبلَ ثَدْيَ غيرِها، فعلَيها الإرضاعُ وعلى الزَّوجُ أجرُ الرَّضاعِ، هذا إجماعٌ؛ لقَولِه : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] (١).

стр. 11727

كتاب الحضانة تَعريفُ الحَضانةِ: الحَضانةُ لغةً: مَصدرُ حضَنَ، الحِضنُ: ما دُونَ الإبطِ إلى الكَشحِ، وحضَنَ الطائِرُ بَيضَه مِنْ بابِ نصَرَ ودخَلَ، إذا ضَمَّه إلى نَفسِه تحتَ جَناحَيهِ، وكذلكَ إذا حَضَنَتِ المَرأةُ ولَدَها حَضانةً، وحاضِنةُ الصَّبيِ: التي تَقومُ عليه في تَربيتِه، واحتَضنَ الشَّيءَ: جعَلَه في حضنِه (١). والحَضانةُ شَرعًا: عُرِّفتْ بعدَّةِ تَعريفاتٍ كلُّها في معنًى واحِدٍ: قيلَ: هي مُعاقَدةٌ على حِفظِ مَنْ لا يَستقلُّ بحِفظِ نَفسِه مِنْ نحوِ طِفلٍ، وعلى تَربيتِه وتَعهُّدِه (٢).

стр. 11728

وقيلَ: حِفظُ مَنْ لا يَستقلُّ بأمورِه ككَبيرٍ مَجنونٍ وتَربيتِه بما يُصلحُه ويَقيهِ عمَّا يَضرُّه حتَّى يَستقلَّ بنَفسِه (١). وقيلَ: حِفظُه عمَّا يَضرُّه وتَربيتُه بغَسلِ رأسِه وبَدنِه وثيابِه ودهنِهِ وتَكحيلِه ورَبطِه في المَهدِ وتَحريكِه ليَنامَ ونحوِ ذلكَ ممَّا يَتعلقُ بمَصالحِه (٢). حُكمُ الحَضانةِ: كَفالةُ الطِّفلُ وحَضانتُه واجِبةٌ شَرعًا؛ لأنَّ المَحضونَ يَهلكُ بتَركِه، فيَجبُ حِفظُه عن الهَلاكِ كما يَجبُ الإنفاقُ عليهِ وإنجاؤُه مِنْ المَهالكِ. وحُكمُها الوُجوبُ العَينيُّ إنْ لم يُوجَدْ إلا الحاضِنُ ولو أجنَبيًّا مِنْ المَحضونِ، والوُجوبُ الكِفائيُّ عندَ تَعدُّدِ الحاضنِ، ولذا إذا وجَدَ جَماعةٌ طِفلًا مَنبوذًا وجَبَ عليهِم التِقاطُه وحضنُه، فإذا قامَ به البَعضُ سقَطَ عن غيرِه كسائرِ فُروضِ الكِفايةِ. وقد نقَلَ ابنُ رُشدٍ والمَتيطيُّ الإجماعَ على وُجوبِ كَفالةِ الأطفالِ الصِّغارِ؛ لأنه خَلقٌ ضَعيفٌ يَفتقرُ لكافلٍ يُربِّيِه حتى يَقومَ بنَفسِه، فهو فَرضٌ كِفايةٍ إنْ قامَ به قائمٌ سقَطَ عن الثَّاني، لا يَتعيَّنُ إلا على الأبِ والأمِّ في حَولَي رَضاعِه إنْ لم يَكنْ له أبٌ ولا مالٌ، أو كانَ ولا يَقبلُ غيرَها (٣).

стр. 11729

والأصلُ في الحَضانةِ قَولُ اللهُ تعالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] والأحاديثُ الآتيةُ. وتَنتهي الحَضانةُ بالنِّسبةِ للصَّغيرِ إلى سِنِّ التَّمييزِ. أمَّا رِعايتُه بعدَ ذلكَ إلى سِنِّ البُلوغِ فتُسمَّى كَفالةً لا حَضانةً (١). صِفةُ المحضُونِ (مَنْ تَثبتُ عليهِ الحَضانةُ): تَثبتُ الحَضانةُ على الصَّغيرِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ إلى سِنِّ البُلوغِ. واختَلفُوا إذا كانَ مَجنونًا أو مَعتوهًا هل تَثبتُ حَضانتُه أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها تَثبتُ للمَعتوهِ والمَجنونِ. وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الذكَرَ تَستمرُّ حَضانتُه للبُلوغِ، فإنْ بلَغَ زَمِنًا أو مَجنونًا سقَطَتْ حَضانتُه عن الأمِ واستَمرَّتْ حَضانتُه على الأبِ (٢). المستحِقُّونَ للحضانةِ وترتيبُهم: الحَضانةُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ تكونُ للنِّساءِ في وَقتٍ، وتكونُ للرِّجالِ في وَقتٍ، والأصلُ فيها النِّساءُ؛ لأنَّهنَّ أشفَقُ وأرفَقُ وأهدَى إلى تربيَةِ الصِّغارِ،

стр. 11730

ثمَّ تُصرَفُ إلى الرِّجالِ؛ لأنَّهم على الحمايَةِ والصِّيانةِ وإقامةِ مَصالحِ الصِّغارِ أقْدَرُ (١). وحَضانةُ الطِّفلِ إذا كانَ النِّكاحُ قائمًا بينَ الزَّوجينِ، تَكونُ عندَ أبوَيهِ، فإنِ افتَرقَا تكونُ الحَضانةُ للأمِّ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ إنْ لم تَتزوَّجْ؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابني هذا كانَ بَطني له وِعاءً وثَديِي له سِقاءً وحَجرِي له حوَاءً، وإنَّ أباهُ طَلَّقني وأرادَ أنْ يَنتزعَه مِنِّي، فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي» (٢). وسَيأتي بَيانُ ذلكَ مُفصَّلًا. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيمَن يَستحقُّ الحَضانةَ بعدَ الأمِّ، ومَن يُقدَّمُ منهُم عندَ الاستواءِ في الاستِحقاقِ، على تَفصيلٍ بينَهُم في ذلكَ، وبَيانُ هذا التَّفصيلِ على النَّحوِ التالي: قالَ الحَنفيةُ: إذا وَقعَتِ الفُرقةُ بينَ الزَّوجَينِ وبيْنَهُما ولَدٌ صَغيرٌ فالأمُّ أحقُّ به ما لَم تَتزوَّجْ، ولا تُجبَرُ الأمُّ على الحَضانةِ؛ لأنها قد تَعجزُ عنها، فإنْ لم تكنْ أمٌّ أو كانَتْ إلا أنها تَزوَّجتْ فأمُّ الأمِّ وإنْ بَعُدَتْ أَولى مِنْ أمِّ الأبِ؛ لأنها مِنْ قِبَلِ الأمِّ، وهذه الوِلايةُ مُستفادةٌ منها، فمَن أَولى بها أَولى.

стр. 11731

فإنْ لم يَكنْ فأمُّ الأبِ وإنْ بَعُدتْ أَولى مِنْ الأخَواتِ؛ لأنَّ لها وِلايةً، فهي أدخَلُ في الولايةِ وأكثَرُ شَفقةً. فإنْ لم يَكنْ له جَدَّةٌ فالأخَواتُ أَولى مِنْ العمَّاتَ والخالاتِ؛ لأنهُنَّ أقرَبُ؛ لأنهُنَّ أولادُ الأبَوينِ، ولهذا قُدِّمنَ في المِيراثِ، وأَولاهُنَّ مَنْ كانَتْ لأبٍ وأمٍّ، ثمَّ الأختُ مِنْ الأمِّ أَولى مِنْ الأختِ للأبِ، ثمَّ الأختُ مِنْ الأبِ، ثمَّ الخالاتُ أَولى مِنْ العمَّاتَ؛ تَرجيحًا بقَرابةِ الأمِّ، ويَنزلنَ كما تَنزلُ الأخَواتُ، أي: تُرجَّحُ ذَواتُ قَرابتَينِ. ولا حَضانةَ لبَناتِ العمِّ وبَناتِ الخالِ وبناتِ العمَّةِ وبناتِ الخالةِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِها أنْ تَكونَ المَرأةُ ذاتَ رَحمٍ مَحرمٍ. فإذا لم يَكنْ للصَّبيِّ امرَأةٌ مِنْ أهلِه واختَصمَ فيه الرِّجالُ فأَولاهُم به أقرَبُهم تَعصيبًا، وكذا إذا استَغنَى الصَّبيُّ بنَفسِه أو بلَغَتِ الجارِيةُ فالعَصَباتُ أَولى بهما على التَّرتيبِ في القَرابةِ. والأقرَبُ الأبُ ثمَّ الجدُّ أبو الأبِ ثمَّ الأخُ للأبَوينِ ثمَّ الأخُ للأبِ كما في المِيراثِ. وإذا اجتَمعَ مُستحِقُّو الحَضانةِ في دَرجةٍ واحِدةٍ فأورَعُهم أَولى، ثمَّ أكبَرُهم سِنًّا، ولا حَقَّ لابنِ العمِّ وابنِ الخالِ في كَفالةِ الجارِيةِ، ولهُمَا حَقٌّ في كَفالةِ الغُلامِ؛ لأنهما ليسَا بمَحرَمٍ لها، فلا يُؤمَنانِ عليها (١).

стр. 11732

وقالَ المالِكيةُ: الحَضانةُ للأمِّ إذا طلِّقَتْ أو ماتَ زوجُها، وهي تَختلفُ مِنْ الذَّكرِ للأُنثَى. فحَضانةُ الذَّكرِ المُحقَّقِ وهي: القِيامُ بشَأنِه في نَومِه ويَقَظتِه للبُلوغِ، فإنْ بلَغَ ولو زَمِنًا أو مَجنونًا سقَطَتْ عن الأمِّ واستَمرَّتِ النَّفقةُ على الأبِ إذا بلَغَ زَمنًا أو مَجنونًا، وعليه القِيامُ بحقِّه، ولا تَسقطُ حَضانتُها عن المُشكِلِ ما دامَ مُشكِلًا. وحَضانةُ الأُنثى لدُخولِ الزَّوجِ بها كائِنةٌ للأمِّ ولو كانَتِ الأمُّ كافِرةً، وهذا في الأمِّ المُطلَّقةِ، أو مَنْ ماتَ زَوجُها، وأمَّا مَنْ في عِصمةِ زَوجِها فهي حَقٌّ لهُما. فإذا لم تُوجدِ الأمُّ -بأنْ ماتَتْ- فهي على التَّرتيبِ الآتي: أمُّها: أي أمُّ الأمِّ، وهي جَدَّةُ الوَلدِ، فإذا لم تُوجدْ فجدُّتُها: أي جدَّةُ الأمِّ أحَقُّ بالحَضانةِ مِنْ غيرِها وإنْ عَلَتْ. فإنْ لم تُوجدْ فخالَتُه أختُ أمِّهِ. فإنْ لم تُوجدْ فخالتُها: أي خالةُ أمِّه أحَقُّ مِنْ غيرِها، فعمَّةُ الأمِّ. فإنْ لم تُوجَدْ فجَدَّتُه لأبيه: أي جدَّتُه مِنْ قِبلِ أبيه وهي أمُّ الأبِ، فأمُّها، فأمُّ أبيه، فالتي مِنْ جِهةِ أمِّ الأبِ تُقدَّمُ على التي مِنْ جِهةِ أمِّ أبيهِ. فإنْ لم تُوجَدْ فأبوهُ: أي أبو المَحضونِ، فأُختُ المَحضونِ، فعمَّتُه، فعمَّةُ أبيهِ، فخالةُ أبيهِ، فبِنتُ أخيهِ- أي المَحضونِ- شَقيقةً أو لأمٍّ أو لأبٍ،

стр. 11733

وبنتُ أختِه كذلكَ، فإنْ لم تكنْ واحِدةً ممَّن ذُكرَ فالوَصيُّ، فالأخُ شَقيقًا أو لأمٍّ أو لأبٍ، فالجدُّ للأبِ- أي مِنْ جِهةِ الأبِ- الأقرَبُ فالأقربُ، فابنُ الأخِ للمَحضونِ فالعمُّ، فابنُه. ولا حَضانةَ لجَدٍّ لأمٍّ ولا لخالٍ، وقُدِّمَ في الحَضانةِ الشخصُ الشقيقُ ذكَرًا أو أُنثى على الذي للأمِّ، ثمَّ الذي للأمِّ؛ لأنَّ الشأنَ أنَّ مَنْ كانَ مِنْ جِهةِ الأمِّ أشفَقَ ممَّن كانَ مِنْ جِهةِ الأبِ فقط، ثمَّ الذي للأبِ في الجَميعِ، أي جَميعِ المَراتبِ التي يَتأتَّى فيها ذلكَ، كالإخوةِ والعُمومةِ وبَنيهِم. وقُدِّمَ في المُتساويَينِ كأُختَينِ وخالتَينِ وعمَّتَينِ بالصِّيانةِ والشفقةِ فإنْ تَساويَا فالأسَنُّ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا فارَقَ الرَّجلُ زوجَتَه وكانَ له مِنها ولدٌ ذكَرٌ أو أنثى وكان دونَ سِنِّ التمييزِ فإنَّ الأمَّ أحَقُّ مِنْ الأبِ بحَضانتِهِ. فإذا لم تُوجدْ أمُّ الطِّفلِ أو وُجدَتْ ولكنَّها رَفضَتْ أن تَحضُنَه كانَ الحقُّ في الحَضانةِ لمَن بعدَ الأمِّ وكانَتِ الأفضَليةُ لأمِّ الأمِّ، والمَقصودُ بها جدَّةٌ تُدلِي إلى الطفلِ بأنثى، تُقدَّمُ القُربَى فالقُربَى، ثمَّ أمُّ أبٍ، ثمَّ أمَّهاتُها، ثمَّ أمُّ أبي جَدٍّ، وتُقدَّمُ أختٌ -أي للرَّضيعِ- على خالةٍ، وخالةٌ على بنتِ أخٍ

стр. 11734

وبنتِ أختٍ، وبنتُ أخٍ وبنتُ أُختٍ على عمَّةٍ، وأختٌ مِنْ الأبَوينِ على أختٍ لأحَدِهما. وحقُّ النِّساءِ في الحضانةِ مُقدَّمٌ؛ لأنهُنَّ أليَقُ بها، ولكنْ إذا لم يَكنْ هناكَ امرَأةٌ قَريبةٌ للطفلِ، أو كانَتْ وأبَتْ أنْ تَحضنَه، فيَنتقلُ حقُّ الحضانةِ إلى الرِّجالِ، فيُقدَّمُ منهُم المَحرَمُ الوارِثُ على تَرتيبِ الإرثِ، إلا الجَدُّ فإنه يُقدَّمُ على الإخوةِ، ثمَّ الوارثُ غيرُ المَحرَمِ كابنِ عمٍّ على تَرتيبِ الإرثِ أيضًا، فيُقدَّمُ: الأبُ، ثمَّ الجَدُّ وإنْ عَلا، ثمَّ الأخُ الشقيقُ، ثمَّ الأخُ لأبٍ، ثم ابنُ الأخِ الشقيقِ، فابنُ الأخِ لأبٍ، ثم العمُّ الشقيقُ، ثم العمُّ لأبٍ، ثم ابنُ العمِّ الشقيقِ، ثم ابنُ العمِّ لأبٍ. وإنما قُدمَ الأقرَبُ فالأقربُ في حقِّ الحضانةِ لأنَّ الأقرَبَ أوفَرُ شَفقةً على الغالبِ مِنْ الأبعَدِ، وأكثَرُ حِرصًا على حقِّ الرِّعايةِ وحُسنِ التربيةِ ومَصلحةِ الصِّغارِ. وتَثبتُ الحضانةُ لكلِّ ذِي مَحرَمٍ وارِثٍ على تَرتيبِ الإرثِ عندَ الاجتِماعِ، فيُقدَّمُ أبٌ، ثم جدٌّ وإنْ عَلا، ثم أخٌ شَقيقٌ، ثم لأبٍ، وهكذا، فالجَدُّ هُنا مُقدَّمٌ على الأخِ، فإنْ فُقدَ في الذكَرِ الحاضِنِ الإرثُ والقَرابةُ كالأجنَبِّي أو الإرثُ دُونَ القَرابةِ كأبي أمٍّ وخالٍ وابنِ أختٍ وابنِ أخٍ لأمٍّ، فلا حَضانةَ لهم؛ لضَعفِ قَرابتِهم بانتِفاءِ الإرثِ والوِلايةِ والعَقلِ، ولانتِفائِها في الأخيرةِ.

стр. 11735

وإذا اجتَمعَ ذُكورٌ وإناثٌ مِنْ أقارِبِ الطِّفلِ وتَنازَعوا في الحَضانةِ قُدمَتِ الأمُّ، ثم أمَّهاتُها، ثم الأبُ، لأنه الأصلُ. ثم الجدَّةُ أمُّ الأبِ، ثم الجدُّ أبو الأبِ. ثم الأختُ الشقيقةُ، ثم الأخُ الشقيقُ، وهكذا. فإذا استَوَوا في القُربِ وكانوا ذُكورًا وإناثًا كإخوةٍ أشقَّاءَ وأخَواتٍ شَقيقاتٍ قُدمَ الإناثُ على الذُّكورِ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ أنَّ الحَضانةَ بهنَّ أليَقُ وهُنَّ لها أفضَلُ. وإنْ كانوا ذُكورًا فقط أو كنَّ إناثًا فقط وتَنازَعوا في الحَضانةِ أُقرعَ بينَهم، فأيُّهم خرَجَتْ قُرعتُه سُلِّمَ إليه الطفلُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: الأحَقُّ بالحَضانةِ الأمُّ؛ لشَفقتِها، ولو بأُجرةِ مِثلِها مع وُجودِ مُتبرعةٍ كالرَّضاعِ، وإذا تَزوَّجَتِ الأمُّ سقَطَتْ حَضانتُها. ثم أمَّهاتُها القُربَى فالقُربى؛ لأنهُنَّ في مَعنَى الأمِّ؛ لتَحقُّقِ وِلادتِهنَّ. ثم الأبُ؛ لأنه أصلُ النَّسبِ وأحَقُّ بوِلايةِ المالِ. ثم أمَّهاتُه؛ لأنهُنَّ يُدلِينَ بعَصبةٍ قَريبةٍ. ثم الجدُّ لأبٍ؛ لأنه في مَعنى الأبِ.

стр. 11736

ثم أمَّهاتُه القُربَى فالقُربى؛ لإدلائِهنَّ بعَصبةٍ. ثم الأختُ لأبَوينِ؛ لقُوةِ قَرابتِها ومُشارَكتِها له في النَّسبِ. ثم الأختُ لأمٍّ؛ لإدلائِها بالأمِّ كالجدَّاتِ. ثم الأختُ لأبٍ؛ لأنها تَقومُ مَقامَ الشقيقةِ وتَرثُ مِيراثَها. ثم الخالةُ لأبَوينِ، ثم لأمٍّ، ثم لأبٍ؛ لإدلاءِ الخالاتِ بالأمِّ. ثم العمَّاتَ كذلكَ، أي تُقدَّمُ العمَّةُ لأبوَينِ، ثم لأمٍّ، ثم لأبٍ؛ لأنهُنَّ يُدلِينَ بالأبِ. ثم خالاتُ أمِّه، ثم خالاتُ أبيهِ، ثم عمَّاتَ أبيه كَذلك؛ لأنهُنَّ نِساءٌ مِنْ أهلِ الحَضانةِ، فقُدِّمنَ على مَنْ بدَرجتِهنَّ مِنْ الرِّجالِ كتَقديمِ الأمِّ على الأبِ. ثم بَناتُ إخوَتِه وأخَواتِه، ثم بَناتُ أعمامِه وعَمَّاتِه على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ. ثم لباقي العَصبةِ، الأقرَبُ فالأقرَبُ، فتُقدَّمُ الإخوَةُ، ثم بَنُوهم، ثم الأعمامُ، ثم بَنوهُم، ثم أعمامُ الأبِ، ثم بَنوهم، وهكذا. وإنِ امتَنعَ مَنْ له الحَضانةُ منها أو كانَ مَنْ له الحَضانةُ غيرَ أهلٍ للحَضانةِ انتَقلَتْ إلى مَنْ بعدَه؛ لأنَّ وُجودَ غيرِ المُستحِقِّ كعَدمِه (١).

стр. 11737

إلا أنَّ الإمامَ ابنَ رُشدٍ ﵀ يَرَى أنه لا يُوجدُ دَليلٌ يُعتمَدُ عليهِ في نَقلِ الحَضانةِ مِنْ الأمِّ إلى غيرِ الأبِ، فقالَ: وأمَّا نَقلُ الحَضانةِ مِنْ الأمِّ إلى غيرِ الأبِ فليسَ في ذلكَ شَيءٌ يُعتمدُ عليهِ (١). وقد رَأى الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀ أنَّ الحَضانةَ لا تُنتزعُ مِنْ الأمِّ مُطلَقًا، وإنَّما المُراعَى في ذلكَ الطِّفلُ، فإنْ كانَ الأفضَلُ له أنْ يَكونَ مع أمِّه حتَّى وإنْ تَزوَّجتْ فيَكونُ معَها، ويَنبغِي للقاضِي أنْ يَنظرَ في هذا ويَحكمَ بما يَراهُ المَصلحةَ. فقالَ: قلتُ: الأصوَبُ التَّفصيلُ، وهو أنَّ الحاضِنةَ إذا كانَتْ تَأكلُ وحْدَها وابنُها معَها فلها حَقٌّ؛ لأنَّ الأجنَبيَّ لا سَبيلَ له عَليها ولا على وَلدِها، بخِلافِ ما إذا كانَتْ في عِيالِ ذلكَ الأجنَبيِّ، أو كانَتْ زَوجةً له، وأنتَ عَلِمتَ أنَّ سُقوطَ الحَضانةِ بذلكَ لدَفعِ الضَّررِ عن الصَّغيرِ، فيَنبغِي للمُفتِي أنْ يَكونَ ذا بَصيرةٍ ليُراعيَ الأصلَحَ للولدِ؛ فإنه قد يَكونُ له قَريبٌ مُبغِضٌ له يَتمنَّى مَوتَه ويكونُ زَوجُ أمِّه مُشفِقًا عليه يَعزُّ عليه فِراقُه، فيُريدُ قَريبُه أخْذَه منها ليُؤذيَه ويُؤذيَها، أو ليَأكلَ مِنْ نَفقتِه أو نحوِ ذلكَ، وقد يَكونُ له زَوجةٌ تُؤذيهِ أضعافَ ما يُؤذيهِ زَوجُ أمِّه الأجنبيِّ، وقد يَكونُ له أولادٌ يُخشَى على البنتِ منهُم الفِتنةُ لسُكناها معَهُم، فإذا عَلِمَ المُفتي أو القاضِي شَيئًا مِنْ ذلكَ لا يَحلُّ له نَزعُه مِنْ أمِّه؛ لأنَّ مَدارَ أمرِ الحَضانةِ على نَفعِ الوَلدِ (٢).

стр. 11738

الشُّروطُ المعتبَرةُ فيمَن يَستحقُّ الحَضانةَ: نَصَّ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في الحاضِنِ عدَّةُ شُروطٍ: الشَّرطُ الأولُ: البُلوغُ والعَقلُ: فلا تَثبتُ الحَضانةُ لطِفلٍ ولا مَعتوهٍ؛ لأنه لا يَقدرُ عليها، وهو مُحتاجٌ إلى مَنْ يَكفلُه، فكَيفَ يَكفلُ غيرَه؟! وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ. والعَقلُ الذي تَصحُّ به الوِلايةُ وتَقومُ معَه بالكَفالةُ، فإنْ كانَ أحَدُهما مَجنونًا أو مَعتوهًا أو مَخبولًا فلا كَفالةَ له؛ لأنه قد صارَ مَكفولًا، فلَم يَجُزْ أنْ يكونَ كافلًا، فلَو طرَأَ عليهِ بعدَ استِحقاقِ الكَفالةِ خرَجَ منها، فأما الذي يُجَنُّ زَمانًا ويَفيقُ زَمانًا فلا كَفالةَ له؛ لأنه في زَمانِ الجُنونِ زائِلُ الولايةِ، وفي زَمانِ الإفاقةِ مُختَلُّ التدبيرِ، وربَّما طرَأَ جُنونُه على عَقلِه، فلا يُؤمَنُ معه على الوَلدِ، إلا أنْ يَقلَّ جُنونُه في الأحيانِ النادِرةِ ولا يُؤثِّرَ في التَّمييزِ بعدَ زَوالِه، فلا يَمنعُ مِنْ الكَفالةِ. وأمَّا المَرضُ فإنْ كانَ طارِئًا يُرجَى زَوالُه لم يَمنعْ مِنْ استِحقاقِ الكَفالةِ، وإنْ كانَ مُلازِمًا كالفالجِ والسلِّ المُتطاوِلِ نُظرَ فيهِ، فإنْ أثَّرَ في عَقلِه أو تَشاغلَ بشِدَّةِ ألمِه فلا كَفالةَ له؛ لقُصورِه عن مُراعاةِ الوَلدِ وتَربيَتِه، وإنْ أثَّرَ في قُصورِ حَركتِه مع صِحةِ عَقلِه وقلَّةِ ألَمِه رُوعيَتْ حالُه، فإنْ كانَ ممَّن يُباشِرُ كَفالتَه بنَفسِه سقَطَ حقُّه منها؛ لِما يَدخلُ على الوَلدِ مِنْ التَّقصيرِ فيها، وإنْ كانَ ممَّن يُراعِي بنَفسِه التَّدبيرَ ويَستنيبُ فيما تَقتضيهِ المُباشَرةُ كانَ على حقِّه مِنْ الكَفالةِ، وسَواءٌ كانَ أبًا أو أمًّا، فلو أفاقَ المَجنونُ وبَرأَ المَريضُ عادَا إلى حَقِّهما مِنْ الكَفالةِ (١).

стр. 11739

الشَّرطُ الثَّاني: العَدالةُ: فلا تَثبتُ الحَضانةُ لفاسِقٍ. نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ في الحاضِنِ مِنْ ذَكرٍ أو أُنثى العَدالةُ والأمانةُ في نَفسِه ودِينِه، فلا تَصحُّ حَضانةُ الفاسقِ؛ لأنَّ الفاسِقَ لا يَلي ولا يُؤتَمنُ؛ لأنه غيرُ مَوثوقٍ به في أداءِ الواجِبِ مِنْ الحَضانةِ، ولأنَّ المَحضونَ لا حَظَّ له في حَضانتِه؛ لأنه ربُّما يَنشأُ على طَريقتِه، وتَكفي العَدالةُ الظاهِرةُ كشُهودِ النِّكاحِ (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀: لأنَّ العَدالةَ شَرطٌ في استِحقاقِ الوِلايةِ، فكانَتْ شَرطًا في استِحقاقِ الكَفالةِ، ولأنَّ الفاسقَ عادِلٌ عن صَلاحِ نَفسِه، فكانَ بأنْ يَعدلَ عن صَلاحِ وَلدِه أشبَهَ، ولأنه ربَّما اقتَدَى الوَلدُ بفَسادِه؛ لاقتِرانِه به ونُشوئِه معَه، والعَدالةُ المُعتبَرةُ فيه عَدالةُ الظاهِرِ المُعتبَرةُ في وِلايةِ النكاحِ، ولا يُراعَى عَدالةُ الباطِنِ المُعتبَرةُ في قَبولِ الشَّهادةِ؛ ليَكونَ بعَدالةِ ظاهرِه مَأمونًا على وَلدِه قيِّمًا بمَصالحِه، فلو صارَ بعدَ فِسقِه عَدلًا استَحقَّ الكَفالةَ،

стр. 11740

ولو فسَقَ بعدَ عَدالتِه خرَجَ مِنْ الكَفالةِ، ويَستوِي فيهِ الأبَوانِ، فلو ادَّعَى أحَدُهما فِسقَ صاحبِه ليَنفردَ بالكَفالةِ مِنْ غَيرِ تَخييرٍ لم يُقبلْ قَولُه فيه، ولم يَكنْ له إحلافُه عليهِ، وكانَ على ظاهِرِ العَدالةِ حتَّى يُقيمَ مُدَّعي الفِسقِ بيِّنةً عليهِ فيُثبتَ بها فِسقَه وتَسقطَ بها كَفالتُه (١). الشَّرطُ الثالِثُ: الإسلامُ (حَضانةُ الأمِّ الكافِرةِ): اختَلفَ الفُقهاءُ في الحاضِنِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مُسلِمًا؟ أم يَجوزُ إذا كانَتِ الأمُّ كافِرةً أنْ تَكونَ حاضِنةً للصَّغيرِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الأمَّ إذا كانَتْ كافِرةً تَحتَ مُسلمٍ بأنْ كانَتْ ذِميةً وطلقَتْ أو مَجوسيةً يُسلِمُ زَوجُها وتَأبى هي مِنْ الإسلامِ فيُفرَّقُ بينَهُما فإنَّ لها مِنْ الحَضانةِ ما للمُسلمةِ إنْ كانَتْ في حِرزٍ وتُؤمَنُ أنْ تُغذِّيَهم بخَمرٍ أو خِنزيرٍ، وإنْ خِيفَ أنْ تَفعلَ معَهُم ذلكَ ضُمَّتْ إلى ناسٍ مِنْ المُسلمينَ، ولا يَنتزعونَ منها إلى أنْ تَبلغَ الجارِيةُ وتَكونُ عندَها في غيرِ حِرزٍ كما يَقولُ المالِكيةُ. وقالَ الحَنفيةُ: الأمُّ أحَقُّ بوَلدِها مِنْ زَوجِها المُسلمِ ما لم يَعقلْ الأديانَ ويُخافُ عليهِ أنْ يَألفَ الكُفرَ، سَواءٌ كانَ الوَلدُ ذَكرًا أو أُنثى؛ لأنه متَى عَقلَ الأديانَ عوَّدَتْه أخلاقَ الكُفرِ، وفي ذلكَ ضَررٌ عليهِ. واستَدلُّوا على ذلكَ بحَديثِ رَافعِ بنِ سِنانٍ «أنهُ أسلَمَ وأبَتِ امرأتُه أنْ تُسلِمَ، فأتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: ابنَتِي وهيَ فَطيمٌ، أو شبَهُه، وقالَ

стр. 11741

رافعٌ: ابنَتِي، فقالَ له النبيُّ ﷺ : اقعُدْ ناحيةً، وقالَ لها: اقعُدِي ناحِيةً، قالَ: وأقعَدَ الصَّبيةَ بينَهُما، ثمَّ قالَ: ادعُواهَا، فمالَتِ الصَّبيةُ إلى أمِّها، فقالَ النبيُّ ﷺ : اللهمَّ اهدِها، فمالَتِ الصَّبيةُ إلى أبيهَا فأخَذَها» (١). فدَلَّ على أنَّ الكُفرَ لا يُسقطُ الكَفالةَ، ولأنَّ الكافِرَ مُتديِّنٌ باعتِقادِه، فكانَ مَأمونًا على وَلدِه (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ وبَعضُ المالِكيةِ كابنِ وَهبٍ وغيرِه إلى أنه يُشترطُ الإسلامُ في الحاضِنِ، فإنْ كانَتِ الأمُّ ذِميةً فلا تَثبتُ لها الحَضانةُ؛ لأنَّ الحَضانةَ وِلايةٌ، فلا تَثبتُ لكافِرٍ على مُسلمٍ كوِلايةِ النِّكاحِ والمالِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، ولأنَّ افتِراقَ الأديانِ يَمنعُ مِنْ ثُبوتِ الوِلايةِ كما يَمنعُ مِنها على المالِ، وفي النِّكاحِ وِلايةٌ لا يُؤمَنُ أنْ يَفتنَه عن دِينِه، وربَّما أَلِفَ مِنْ كُفرِها ما يَتعذَّرُ انتقالُه عنه بعدَ بُلوغِه، ولأنها إذا لم تَثبتْ للفاسِقِ فالكافرُ أَولى فإنَّ ضرَرَه أكثَرُ فإنه يَفتنُه عن دِينِه ويُخرِجُه عن الإسلامِ بتَعليمِه الكُفرَ وتَزيينِه له وتَربيتِه عليهِ، وهذا أعظَمُ الضَّررِ، والحَضانةُ إنما تَثبتُ لحَظِّ الوَلدِ، فلا تُشرَعُ على وَجهٍ يَكونُ فيها هَلاكُه وهَلاكُ دِينِه.

стр. 11742

فأما الاستِدلالُ بالخبَرِ فهو ضَعيفٌ عندَ أصحابِ الحَديثِ، ولو صَحَّ لَكانَ الجَوابُ عنه مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المَقصودَ به ظُهورُ المُعجزةِ باستِجابةِ دَعوتِه ﷺ . والثَّاني: أنها كانَتْ فَطيمًا، والفَطيمُ لا يُخيَّرُ. والثَّالثُ: أنه دَعَا بهِدايتِها إلى مُستحِقِّ كَفالتِها لا إلى الإسلامِ؛ لثُبوتِ إسلامِها بإسلامِ أبيها، فلو كانَ للأمِّ حَقٌّ لأقَرَّها عليهِ ولَمَا دعَا بهِدايتِها إلى مُستحِقِّها. وقَولُهم: إنَّ الكافرَ مَأمونٌ على وَلدِه. قيلَ: هو وإنْ كانَ مَأمونًا على بَدنِه فغيرُ مَأمونٍ على دِينِه، وحَظُّه في الدِّينِ أقوَى، فلو أسلَمَ الكافرُ منهُما عادَ إلى كَفالتِه، ولو ارتَدَّ المُسلمُ سقَطَتْ كَفالتُه (١). الشَّرطُ الرَّابعُ: الإقامَةُ في المِصرِ وعدَمُ السَّفرِ: نصَّ أكثرُ الفُقهاءِ على أنَّ الأبوَينِ إذا افتَرقَا وكانَا في مِصرٍ واحِدٍ أنَّ الأمَّ أحَقُّ بالولَدِ مِنْ الأبِ ما لم تَتزوَّجْ. وإذا أرادَ أحَدُ الوالِدَينِ السَّفرَ للنَّقلةِ والاستِيطانِ بحَيثِ يكونُ بَعيدًا عَنْ

стр. 11743

أحدَهِما فأكثَرُ الفُقهاءِ على أنَّ الولَدَ يكونُ عندَ الأبِ إذا أرادَ السَّفرَ للنَّقلةِ، إلَّا عَلى تَفصيلٍ للحَنفيَّةِ يأتي بَيانُه، وأنَّ الأبَ أحَقُّ بالولَدِ مِنْ الأمِّ، سواءٌ كانَ ذكَرًا أو أنثَى عندَ عامَّةِ العُلماءِ إذا كانَ السَّفرِ لغَيرِ الضِّرارِ وكانَ مأمُونًا وفي بلَدٍ آمِنٍ فهوَ أحَقُّ بهِ؛ لأنَّ كَونَه معَ الأبِ أصلَحُ لهُ؛ لحِفظِ نسَبِه وكَمالِ تَربيتِه وتَعليمِه وتأديبِهِ، وأنَّه معَ الأمِّ تَضيعُ مَصلحتُه. ولو أرادَتِ الأمُّ أنْ تُسافِرَ بالذَّكرِ أو الأُنثَى مِنْ المِصرِ الَّذي فيهِ عُقِدَ النكاحُ فالأبُ أحَقُّ بهِ، وبَيانُ ذلكَ فيما يَلي: قالَ الحَنفيةُ: مَكانُ الحَضانةِ مكانُ الزوجَينِ إذا كانَتِ الزوجيَّةُ بينَهُما قائِمةً، حتَّى لو أرادَ الزوجُ أنْ يَخرجَ مِنْ البَلدِ وأرادَ أنْ يَأخذَ ولَدَه الصَّغيرَ ممَّن له الحَضانةُ مِنْ النِّساءِ ليسَ له ذلكَ حتى يَستغنَي عنها؛ لأنها أحَقُّ بالحَضانةِ منه، فلا يَملكُ انتزاعَه مِنْ يَدِها؛ لِما فيه مِنْ إبطالِ حقِّها فَضلًا عن الإخراجِ مِنْ البَلدِ. وإنْ أرادَتِ المَرأةُ أنْ تَخرجَ مِنْ المِصرِ الذي هيَ فيه إلى غَيرِه فللزَّوجِ أنْ يَمنعَها مِنْ الخُروجِ، سَواءٌ كانَ معَها وَلدٌ أو لم يَكنْ؛ لأنَّ عليها المُقامَ في بَيتِ زَوجِها، وكذلكَ إذا كانَتْ مُعتدةً لا يَجوزُ لها الخُروجُ مع الوَلدِ وبدُونِه، ولا يَجوزُ للزوجِ إخراجُها؛ لقَولِه : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. وأمَّا إذا حصَلَ بينَهُما فِراقٌ وكانَتْ مُنقضِيةَ العدَّةِ فأرادَتْ أنْ تخرُجَ بوَلدِها مِنْ البلدِ الذي هي فيه إلى بَلدٍ فهذا على أقسامٍ:

стр. 11744

إنْ أرادَتْ أنْ تَخرجَ إلى بَلدِها وقد وقَعَ النكاحُ فيه فلها ذلكَ، مثلَ أنْ تَزوَّجَ كُوفيةً بالكُوفةِ ثم نقَلَها إلى الشامِ فولَدَتْ أولادًا ثمَّ وقَعَتِ الفُرقةُ بينَهُما وانقَضَتِ العدَّةُ فأرادَتْ أنْ تَنقلَ أولادَها إلى الكُوفةِ فلَها ذلكَ مِنْ غيرِ رِضا الأبِ؛ لأنَّ المانعَ هو ضَررُ التَّفريقِ بينَه وبينَ وَلدِه، وقد رَضيَ به؛ لوُجودِ دَليلَ الرِّضا وهو التزوُّجُ بها في بَلدِها؛ لأنَّ مَنْ تزوَّجَ امرَأةً في بلدِها فالظاهرُ أنه يُقيمُ فيه، والولدُ مِنْ ثَمراتِ النكاحِ، فكانَ راضِيًا بحَضانةِ الوَلدِ في ذلكَ البلدِ، فكانَ راضِيًا بالتَّفريقِ، إلا أنَّ النكاحَ ما دامَ قائمًا يَلزمُها اتِّباعُ الزوجِ، فإذا زالَ فقدْ زالَ المانعُ. وإنْ وقَعَ النكاحُ في غيرِ بلدِها لم يَكنْ لها أنْ تَنتقلَ بوَلدِها إلى بَلدِها، بأنْ تزوَّجَ امرأةً كُوفيةً بالشامِ فوقَعَتِ الفُرقةُ فأرادَتْ أنْ تَنقلَ ولَدَها إلى الكُوفةِ لم يَكنْ لها ذلكَ؛ لأنه إذا لم يَقعِ النكاحُ في بَلدِها لم تُوجَدْ دَلالةُ الرِّضا بالمُقامِ في بلدِها، فلَم يكنْ راضِيًا بحَضانةِ الوَلدِ فيه، فلَم يَكنْ راضِيًا بضَررِ التفريقِ. ولو أرادَتْ أنْ تَنقلَ الولَدَ إلى بَلدٍ ليسَ ذلكَ ببَلدِها ولكنْ وقَعَ النكاحُ فيه -كما إذا تزوَّجَ كُوفيةً بالشامِ فنقَلَها إلى البَصرةِ فوقَعَتِ الفُرقةُ بينَهُما فأرادَتْ أنْ تَنتقلَ بأولادِها إلى الشامِ- ليسَ لها ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ البلدَ الذي وقَعَ فيه النكاحُ ليسَ ببَلدِها ولا بلدِ الزوجِ، بل هو دارُ غُربةٍ لها كالبلدِ الذي فيه الزوجُ، فلَم يكنِ النكاحُ فيه دَليلَ الرِّضا بالمُقامِ فيه، فلَم يَكنْ راضيًا بحَضانةِ الولدِ الذي هو مِنْ ثَمراتِ النكاحِ فيه، فلَم يَكنْ راضِيًا بضَررِ التفريقِ، فاعتُبِرَ في الأصلِ شَرطانِ:

стр. 11745

أحَدُهما: أنْ يكونَ البلدُ الذي تُريدُ أنْ تَنقلَ إليه الولَدَ بلدَها. والثاني: وُقوعُ النكاحِ فيه، فما لم يُوجَدَا لا يَثبتُ لها وِلايةُ النقلِ. هذا إذا كانَتِ المَسافةُ بينَ البَلدينِ بَعيدةً، فإنْ كانَتْ قَريبةً بحَيثُ يَقدرُ الأبُ أنْ يَزورَ ولَدَه ويَعودَ إلى مَنزلِه قبلَ الليلِ فلها ذلكَ؛ لأنه لا يَلحقُ الأبَ كَبيرُ ضَررٍ بالنقلِ، بمَنزلةِ النقلِ إلى أطرافِ البلدِ. وإنْ كانَ الأبُ مُتوطِّنًا في المِصرِ فأرادَتْ نقْلَ الولدِ إلى القريةِ فإنْ كانَ تزوَّجَها فيها وهي قَريتُها فلها ذلكَ، وإنْ كانَتْ بَعيدةً عن المِصرِ فلا، وإنْ لم تَكنْ تلكَ قَريتَها فإنْ كانَتْ قَريتَه ووقَعَ فيها أصلُ النكاحِ فلَها ذلكَ كما في المِصرِ، وإنْ كانَ لم يَقعِ النكاحُ فيها فليسَ لها ذلكَ وإنْ كانَتْ قَريبةً مِنْ المِصرِ. وليسَ للمَرأةِ أنْ تَنقلَ ولَدَها إلى دارِ الحَربِ وإنْ كانَ قد تزوَّجَها هُناكَ وكانَتْ حَربيةً بعدَ أنْ يكونَ زَوجُها مُسلمًا أو ذِميًّا؛ لأنَّ في ذلكَ إضرارًا بالصبيِّ؛ لأنه يَتخلَّقُ بأخلاقِ الكفَرةِ، فيَتضررُ به، وإنْ كانَ كِلاهُما حَربيَّينِ فلَها ذلكَ؛ لأنَّ الصبيَّ تبَعٌ لهُما وهما مِنْ أهلِ دارِ الحَربِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا أرادَ الأبُ النُّقلةَ والاستِيطانَ إلى بَلدٍ آخَرَ فهو أحَقُّ بالوَلدِ مِنْ أمِّه، وكذلك إذا أرادَتِ الأمُّ النُّقلةَ إلى بَلدٍ آخَرَ فالأبُ أحَقُّ

стр. 11746

مِنْ الأمِّ وغيرِها إنْ لم تُرِدِ الانتِقالَ مع وَلدِها؛ لأنَّ كَونَه مع أبيه مَصلحةٌ مُتأبِّدةٌ، وكَونُه مع أمِّه مَصلحةٌ مُؤقتةٌ تَزولُ عن قريبٍ، ومُراعاةُ المَصلحةِ المتأبِّدةِ أَولى. ولو أرادَ الخُروجَ لتِجارةٍ لم يَكنْ ذلكَ له، وكذلكَ أولياءُ الصبيِّ الذين يَلُونَ مالَه إذا انتَقلُوا للاستيطانِ، فإنِ انتَقلَتِ الأمُّ معهُم فهي على حَضانتِها، وليسَ لها أنْ تَنقلَ ولَدَها عن مَوضعِ سُكنَى الأبِ إلا فيما يَقربُ نحوَ المَسافةِ التي لا تُقصَرُ الصلاةُ فيها، ولو شرَطَ عليها في حينِ انتِقالِه عن بلدِها أنه لا يَتركُ ولَدَه عندَها إلا أنْ تَلتزمَ نَفقتَه ومَؤونتَه سِنينَ مَعلومةً فالتَزمَتْ ذلكَ ثم ماتَتْ لم يَتبعْ بذلكَ ورَثَتَها في تَركتِها … كما لو ماتَ الولدُ، أو كما لو صالَحَها على نَفقةِ الحَملِ والرَّضاعِ فأسقَطَتْ لم يَتبعْ بشَيءٍ مِنْ ذلكَ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا بانَتِ المَرأةُ مِنْ زَوجِها وبينَهُما وَلدٌ صَغيرٌ وأرادَ أحدُ الأبوَينِ السَّفرَ إلى بَلدٍ، فهذا على ضَربينِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ سفَرَ الحاجةِ إذا نَجزَتْ عادَ، فالمُقيمُ منهُما أبًا كانَ أو أمًّا أحقُّ بكَفالتِه ابنًا كانَ أو بِنتًا؛ لأنَّ المُقامَ أودَعُ والسَّفرَ أخطَرُ. والضَّربُ الثَّاني: أنْ يكونَ سَفرُه لنُقلةٍ يَستوطنُ فيها بَلدًا غيرَ بَلدِ الآخَرِ، فهذا على ضَربينِ:

стр. 11747

أحَدُهما: أنْ يَكونَ مَسافةُ ما بينَ البَلدينِ قَريبةً لا يُقصَرُ في مثلِها الصلاةُ؛ لأنها أقَلُّ مِنْ يَومٍ وليلةٍ، فلا يمنَعُ مِنْ الكَفالةِ ولا يَسقطُ به تَخييرُ الابنِ، سَواءٌ انتَقلَ أبوه أو أمُّه، ويُخيَّرُ بينَهُما فأيَّهما اختارَه كانَ أحَقَّ بكَفالتِه، سواءٌ اختارَ المُقيمَ منهُما أو المُتنقِلَ، أبًا كانَ أو أمًّا؛ لأنَّ قُربَ المَسافةِ كالإقامةِ في انتِفاءِ أحكامِ السَّفرِ، وجَرَى ذلكَ مَجرى البَلدِ الواسِعِ إذا تَباعَدتْ، فحالُه لم يَمنعِ التنقُّلُ فيه مِنْ استِحقاقِ الكَفالةِ. والضَّربُ الثاني: أنْ تكونَ مَسافةُ ما بينَ البَلدينِ بَعيدةً يُقصَرُ في مثلِها الصَّلاةُ، فالأبُ أحَقُّ بكَفالةِ وَلدِه لحِفظِ نَسبِه مِنْ الأمِّ، سَواءٌ كانَ هو المُقيمَ أو المُنتقلَ، ولو عادَ مِنْ سَفرِ النُّقلةِ إلى بلدِ الأمِّ عادَ حقُّها. لكنْ كلُّ هذا بشَرطِ أمنِ الطريقِ والبلدِ المَقصودِ، فليسَ له أنْ يَسلكَ طَريقًا مَخُوفًا، ولا أنْ يُخرجَه إلى بَلدٍ مَخوفٍ، فإنْ كانَ أحَدُهما كذلكَ أُقِرَّ عند أمِّه، وليسَ له أنْ يُخرجَه إلى دارِ الحَربِ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا أرادَ أحَدُ الأبوَينِ السَّفرَ لحاجةٍ ثم يَعودُ والآخَرُ مُقيمٌ فالمُقيمُ أَولى بالحَضانةِ؛ لأنَّ في المُسافَرةِ بالولدِ إضرارًا به. وإنْ كانَ مُنتقِلًا إلى بَلدِ ليُقيمَ به وكانَ الطريقُ مَخوفًا أو البلدُ الذي يَنتقلُ إليه مَخوفًا فالمُقيمُ أَولى بالحَضانةِ؛ لأنَّ في السَّفرِ به خَطرًا به، ولو اختَارَ الولدُ السَّفرَ في هذهِ الحالِ لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّ فيه تَغريرًا به.

стр. 11748

وإنْ كانَ البلدُ الذي يَنتقلُ إليه آمِنًا وطَريقُه آمِنٌ فالأبُ أحَقُّ به، سَواءٌ كانَ هو المُقيمَ أو المُتنقلَ؛ لأنه الذي يَقومُ بتَأديبِه وتَخريجِه وحِفظِ نَسبِه، فإذا لم يَكنِ الوَلدُ في بَلدِ الأبِ ضاعَ، إلا أنْ يَكونَ بينَ البَلدينِ قَريبٌ بحَيثُ يَراهمُ الأبُ كلَّ يَومٍ ويَرَونَه، فتَكونُ الأمُّ على حَضانتِها؛ لأنها أتمُّ شَفقةً، ولأنَّ مُراعاةَ الأبِ له مُمكِنةٌ، وهذا كلُّه إنْ لم يَقصدِ المُسافرُ به مُضارَّةَ الآخَرِ، وإلا فالأمُّ أحَقُّ، كما ذكَرَه الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ وابنُ القيِّمِ -رحمهما الله-. وإنْ انتَقلَا جَميعًا إلى بلدٍ واحدٍ فالأمُّ باقيةٌ على حَضانتِها، وكذلكَ إنْ أخذَه الأبُ؛ لافتِراقِ البلدَينِ، ثمَّ اجتَمعَا عادَتْ إلى الأمِّ حَضانتُها، وغيرُ الأمِّ ممَّن له الحَضانةُ مِنْ النِّساءِ يَقومُ مَقامَها، وغيرُ الأبِ مِنْ عَصباتِ الوَلدِ يَقومُ مَقامَه عندَ عَدمِهما أو كَونِهما مِنْ غيرِ أهلِ الحَضانةِ (١). وأما الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀ وكذا ابنُ حَزمٍ ﵀ فذهَبَا إلى أنَّ الولَدَ لا يَنتقلُ إلى الأبِ إذا سافَرَ الأبُ وانتَقلَ مِنْ بَلدِه. قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: (حِيلةٌ باطِلةٌ في إسقاطِ حَقِّ الحَضانةِ للأمِّ). ومِن الحِيلِ الباطِلةِ المُحرَّمةِ ما لو أرادَ الأبُ إسقاطَ حَضانةِ الأمِّ أنْ يُسافِرَ إلى غيرِ بَلدِها، فيَتبعُه الوَلدُ. وهذه الحِيلةُ مُناقِضةٌ لِما قصَدَه الشارعُ؛ فإنه جعَلَ الأمَّ أحَقَّ بالوَلدِ مِنْ

стр. 11749

الأبِ مع قُربِ الدارِ وإمكانِ اللِّقاءِ كلَّ وقتٍ لو قضَى به للأبِ، وقضَى أنْ لا تُوَلَّهُ والِدةٌ على وَلدِها، وأخبَرَ أنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ والِدةٍ ووَلدِها فرَّقَ اللَّهُ بينَه وبينَ أحِبَّتِه يومَ القِيامةِ، ومنَعَ أنْ تُباعَ الأمُّ دونَ وَلدِها والوَلدُ دُونَها وإنْ كانَا في بلدٍ واحدٍ، فكيفَ يَجوزُ مع هذا التَّحيُّلُ على التَّفريقِ بينَها وبينَ وَلدِها تَفريقًا تَعِزُّ معه رُؤيتُه ولِقاؤُه ويَعزُّ عليها الصبْرُ عنه وفَقدُه؟ وهذا مِنْ أمحَلِ المُحالِ، بل قَضاءُ اللهِ ورَسولِه أحَقُّ أنَّ الوَلدَ للأُمِّ، سَافرَ الأبُ أو أقامَ، والنبيُّ ﷺ قالَ للأمِّ: «أنتِ أحَقُّ به ما لم تَنكِحي»، فكيفَ يُقالُ: أنتِ أحَقُّ به ما لم يُسافِرِ الأبُ؟ وأينَ هذا في كِتابِ اللهِ أو في سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أو فَتاوَى أصحابِه أو القِياسِ الصحيحِ؟ فلا نصَّ ولا قِياسَ ولا مَصلحةَ (١). فهذهِ الشُّروطُ التي يَشتركُ الأبَوانِ في اعتِبارِهما فيهما. فإنْ لم تَكنِ الأمُّ مِنْ أهلِ الحَضانةِ لفُقدانِ الشُّروطِ التي ذكَرْنا فيها أو بعضِها فهي كالمَعدومةِ، وتَنتقلُ إلى مَنْ يَليها في الاستحقاقِ، ولو كانَ الأبَوانِ مِنْ غيرِ أهلِ الحَضانةِ انتَقلتْ إلى مَنْ يَليهما؛ لأنهما كالمَعدومَينِ (٢). وهُناكَ شَرطٌ خاصٌّ بالأمِّ، وهو: الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ تَكونَ الأمُّ خَليَّةً مِنْ زَوجٍ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأمَّ إذا فارَقَتْ زوْجَها أنها أحَقُّ بوَلدِها مِنْ أبيه إذا توَّفرتْ فيها الشُّروطُ السابقةُ مِنْ العَقلِ والعَدالةِ والرُّشدِ وعَدمِ

стр. 11750

السَّفرِ، ولم يَبلغِ الطفلُ سِنَّ التمييزِ؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابني هذا كانَ بَطني له وِعاءً وثَديِي له سِقاءً وحَجرِي له حوَاءً، وإنَّ أباهُ طَلَّقني وأرادَ أنْ يَنتزعَه مِنِّي، فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي» (١). وعن أبي أيُّوبَ ﵁ قالَ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ فرَّقَ بينَ والِدةٍ ووَلدِها فرَّقَ اللهُ بينَه وبينَ أحِبَّتِه يومَ القِيامةِ» (٢)، ولأنَّ الأمَةَ أو المَسبيةَ إذا لم يفرَّقْ بينَها وبينَ وَلدِها فأخَصُّ بذلكَ الحُرةَ (٣). و «قضَى أبو بَكرٍ الصدِّيقُ ﵁ بعاصِمِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ لأمِّه أمِّ عاصِمٍ، وقالَ لعُمرَ: رِيحُها وشمُّها ولُطفُها خيرٌ له مِنْكَ» (٤). وقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على ذلكَ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الزَّوجينِ إذا افتَرقَا ولهُمَا وَلدٌ طِفلٌ أنَّ الأمَّ أحَقُّ به ما لم تَنكحْ. وممَّن حَفِظْنا ذلكَ عنه يَحيَى الأنصاريُّ والزُّهريُّ ومالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ. وبه نَقولُ.

стр. 11751

وقد روينَا عن أبي بَكرٍ الصدِّيقِ أنه حكَمَ على عُمرَ بنِ الخطَّابِ وقَضَى بعاصِمٍ لأمِّه أمِّ عاصِمٍ، وقالَ: «حِجرُها ورِيحُها ومَسُّها خيرٌ له منكَ حتَّى يَشبَّ فيختارَ» (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ الحَضانةَ للأمِّ ما لم تَتزوجْ (٢). وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ ﵀: ولم يَختلفُوا أنَّ الأمَ أحَقُّ بالولدِ الطفلِ مِنْ الأبِ ما لم تَتزوجْ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: لا أعلَمُ خِلافًا بينَ السَّلفِ مِنْ العُلماءِ والخلَفِ في المَرأةِ المُطلَّقةِ إذا لم تَتزوَّجْ أنها أحَقُّ بوَلدِها مِنْ أبيهِ ما دامِ طِفلًا صَغيرًا لا يُميِّزُ شَيئًا إذا كانَ عندَها في حِرزٍ وكِفايةٍ ولم يَثبتْ منها فِسقٌ ولم تَتزوجْ (٤). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الزَّوجانِ إذا افتَرقَا ولهُما وَلدٌ طِفلٌ أو مَعتوهٌ فأمُّه أَولى الناسِ بكَفالتِه إذا كَملَتِ الشَّرائطُ فيها، ذكَرًا كانَ أو أُنثى، وهذا قَولُ يَحيَى الأنصاريِّ والزُّهريُّ والثوريِّ ومالكٍ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وأصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ أحَدًا خالَفَهم … ولأنها أقرَبُ إليه وأشفَقُ عليه، ولا يُشارِكُها في القُربِ إلا أبوه، وليسَ له مِثلُ شَفقتِها،

стр. 11752

ولا يَتولَّى الحَضانةَ بنَفسِه، وإنما يَدفعُه إلى امرَأتِه، وأمُّه أَولى به مِنْ امرأةِ أبيه (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأما تَقديمُ الأمِّ على الأبِ في حَقِّ الصَّغيرِ فمُتفَقٌ عليه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: فالأمُّ أحقُّ بالوَلدِ بالإجماعِ (٣). وقالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ ﵀: وإنما كانَتْ أحَقَّ؛ لأنَّ الأمَّةَ أجمَعَتْ على أنَّ الأمَّ أحَقُّ بالوَلدِ ما لم تَتزوَّجْ، يَعني بزَوجٍ آخَرَ … ولأنَّ الصِّغارَ لمَّا عَجَزوا عن مَصالحِهم جعَلَ الشرعُ وِلايتَها إلى غيرِهم، فجعَلَ وِلايةَ التصرُّفِ في النَّفسِ والمالِ إلى الآباءِ؛ لأنهم أقوَى رَأيًا مع الشَّفقةِ الكامِلةِ، وأوجَبَ النَّفقةَ عليهِم؛ لكَونِهم أقدَرَ عليها، وجعَلَ الحَضانةَ إلى الأمَّهاتِ؛ لأنهُنَّ أشفَقُ وأرفَقُ وأقدَرُ وأصبَرُ على تَحمُّلِ المَشاقِ بسَببِ الوَلدِ على طُولِ الأعصارِ وأفرَغُ للقِيامِ بخِدمتِه، فكانَ في تَفويضِ الحَضانةِ إليهِنَّ، وغيرِها مِنْ المَصالحِ إلى الآباءِ؛ زِيادةَ مَنفعةٍ على الصَّغيرِ، فكانَ حسنًا وأنظَرَ للصَّغيرِ، فيكونُ مَشروعًا، ولهذا قالَ أبو بَكرٍ لعُمرَ حينَ فارَقَ امرَأتَه: «رِيحُها ومَسُّها ومَسحُها ورِيقُها خَيرٌ له مِنْ الشَّهدِ عندَكَ»، ولم يُنكِرْ عليه أحَدٌ فكانَ إجماعًا (٤).

стр. 11753

إذا تزوَّجَتِ الأمُّ هل تَنتقلُ الحَضانةُ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الأمِّ إذا طلقَتْ ثم تزوَّجتْ والأبُ مَوجودٌ، هل يَسقطُ حقُّها مِنْ الحَضانةِ أم لا؟ فذهَبَ أكثرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ -وحكَى ابنُ المُنذِرِ وغيرُه فيه الإجماعَ- إلى أنَّ الأمَّ إذا تزوَّجتْ سَقطتْ حَضانتُها؛ لِما رواهُ عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابني هذا كانَ بَطني له وِعاءً وثَديِي له سِقاءً وحَجرِي له حوَاءً، وإنَّ أباهُ طَلَّقني وأرادَ أنْ يَنتزعَه مِنِّي، فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي» (١). ولأنها إذا تزوَّجتْ اشتَغلَتْ بحُقوقِ الزوجِ عن الحَضانةِ، فكانَ الأبُ أحَظَّ له، ولأنَّ مَنافعَها تَكونُ مَملوكةً لغَيرِها، فأشبَهَتِ المَملوكةَ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنْ لا حَقَّ للأمِّ في الوَلدِ إذا تزوَّجتْ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الأمَّ إذا تزوَّجتْ ودخَلَ بها الزوجُ تَسقطُ حَضانتُها (٣).

стр. 11754

وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ ﵀: ولم يَختلفُوا أنَّ الأمَّ أحَقُّ بالولدِ الطِّفلِ مِنْ الأبِ ما لم تتزوَّجْ، فإذا تزوَّجتْ فلا حَقَّ لها في حَضانةٍ، فإنْ كانَتْ لها أمٌّ فأمُّها تَقومُ مَقامَها، ثم الجَدَّاتُ مِنْ قِبلِ الأمِّ أحَقُّ به ما بَقيَتْ منهُنَّ واحِدةٌ (١). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ حَقَّ الأمِّ في حَضانةِ البِنتِ خاصَّةً لا يَسقطُ حقُّها وإنْ تزوَّجتْ، أمَّا في الغُلامُ فيَسقطُ حقُّها إنْ تزوَّجتْ. ثمَّ اختَلفَتِ الروايةُ عنه في الجارِيةِ، فقالَ في رِوايةٍ: حتَّى تَبلغَ سَبعَ سِنينَ، وفي رِوايةٍ ثانيةٍ: حتَّى تَبلغَ بحَيضٍ أو غَيرِه. وكذلكَ هو قَولُ الحَسنِ البَصريِّ وابنِ حَزمٍ مُطلَقًا أنَّ الحَضانةَ لا تَنتقلُ ولا تَسقطُ عن الأمِّ بزَواجِها، سَواءٌ كانَ الطِّفلُ ذكَرًا أو أنثَى، واحتَجُّوا على ذلكَ ما رواهُ نَافعُ بنُ عُجيرٍ عن أبيه عن عَليٍّ ﵁ قالَ: «خرَجَ زيدُ بنُ حارِثةَ إلى مكَّةَ فقَدِمَ بابنَةِ حَمزةَ فقالَ جَعفرٌ: أنا آخُذُها أنا أحَقُّ بها، ابنَةُ عمِّي وعِندي خالتُها، وإنَّما الخالةُ أمٌّ، فقالَ عَليٌّ: أنا أحَقُّ بها، ابنَةُ عمِّي وَعِندِي ابنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وهي أحَقُّ بها، فقالَ زَيدٌ: أنا أحَقُّ بها، أنا خَرَجتُ إليها وسافَرتُ وقَدِمتُ بها، فخرَجَ النبيُّ ﷺ فذكَرَ حَديثًا قالَ: وأمَّا الجارِيةُ فأَقضِي بها لجَعفرٍ تَكونُ معَ خالَتِها، وإنَّما الخالَةُ أمٌّ» (٢)، فقَضَى بها للخالةِ وهي مزوَّجةٌ، وقالَ ﷺ : «الخالةُ أمٌّ»، فدَلَّ على أنَّ الأمَّ لا يَسقطُ حقُّها في حَضانةِ الجارِيةِ إنْ تزوَّجتْ (٣).

стр. 11755

وبقول الله تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وَجهُ الدَّلالةِ: أنَّ هذهِ الآيةَ جاءَتْ تُبيِّنُ أنَّ للأمِ أنْ تُرضعَ طِفلَها الصَّغيرِ، ولم يَأتِ نَصٌّ صَحيحٌ قطُّ يُبيِّنُ أنَّ حقَّها في الحَضانةِ يَسقطُ إنْ تزوَّجتْ. ولقَولِه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]. ولِما رَواهُ البُخاريُّ عن أنسٍ ﵁ قالَ: «قَدِمَ رَسولُ اللهِ ﷺ المدِينةَ ليسَ له خادِمٌ، فأخَذَ أبو طَلحةَ بيَدِي فانطَلقَ بي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أنسًا غُلامٌ كَيِّسٌ فليَخدُمْكَ، قالَ: فخَدَمتُه في السفرِ والحضَرِ ما قالَ لي لشَيءٍ صَنَعتُه: لِمَ صَنَعتَ هذا هكَذا، ولا لشَيءٍ لم أصنَعهُ: لِمَ لَمْ تَصنعْ هذا هَكذا» (١). ولا فرْقَ في النَّظرِ والحِياطةِ بينَ الرَّبيبِ زَوجِ الأمِّ والرَّبيبةِ زَوجةِ الأبِ، بل في الأغلبِ الرَّبيبُ أشفَقُ وأقَلُّ ضَررًا مِنْ الرَّبيبةِ، وإنما يُراعَى في كلِّ ذلكَ الدِّينُ ثم صَلاحُ الدُّنيا فقطْ. ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا تزوَّجَ أمَّ سَلمةَ أقَرَّها على كَفالةِ بِنتها زَينبَ، وجعَلَ كَفالةَ بنتِ حَمزةَ لخالتِها وزوَّجَها جَعفرَ بنَ أبي طالِبٍ ﵁ كما تَقدَّمَ (٢).

стр. 11756

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الأمُّ إذا تزوَّجتْ سقَطَتْ حَضانتُها. قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحفَظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ، قضَى به شُريحٌ، وهو قَولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ، وحُكيَ عن الحَسنِ أنها لا تَسقطُ بالتَّزويجِ. ونقَلَ مُهنَّا عن أحمَدَ: إذا تزوَّجَتِ الأمُّ وابنُها صَغيرٌ أُخذَ منها، قيلَ له: فالجارِيةُ مِثلُ الصبيِّ؟ قالَ: لا، الجارِيةُ تكونُ معَها إلى سَبعِ سِنينَ. فظاهِرُ هذا أنه لم يُزِلِ الحَضانةَ عن الجارِيةِ لتَزويجِ أمِّها وأزالَها عن الغُلامِ. ووَجهُ ذلكَ ما رُويَ أنَّ عَليًّا وجَعفرًا وزَيدَ بنَ حارِثةَ تَنازَعوا في حَضانةِ ابنةِ حَمزةَ، فقالَ عليٌّ: ابنةُ عمِّي وأنا أخَذْتُها، وقالَ زَيدٌ: بنتُ أخِي؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ آخَى بينَ زَيدٍ وحَمزةَ، وقالَ جَعفرٌ: بنتُ عمِّي وعندِي خالَتُها، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «الخالَةُ أمٌّ، وسلَّمَها إلى جَعفرٍ» رَواهُ أبو داودَ بنَحوِ هذا المعنَى، فجعَلَ لها الحَضانةَ وهي مُزوَّجةٌ. والرِّوايةُ الأُولى هي الصَّحيحةُ، قالَ ابنُ أبي مُوسَى: وعليها العَملُ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ للمَرأةِ: «أنتِ أحَقُّ به ما لم تَنكِحي»؛ لأنها إذا تَزوَّجتِ اشتَغلَتْ بحُقوقِ الزوجِ عن الحَضانةِ، فكانَ الأبُ أحَظَّ له، ولأنَّ مَنافعَها تَكونُ مَملوكةً لغَيرِها، فأشبَهَتِ المَملوكةَ، فأما بنتُ حَمزةَ فإنما قضَى بها لخالتِها؛ لأنَّ زوْجَها مِنْ أهلِ الحَضانةِ، ولأنه لا يُساويهِ

стр. 11757

في الاستِحقاقِ إلا عَليٌّ، وقد تَرجَّحَ جَعفرٌ بأنَّ امرَأتَه مِنْ أهلِ الحَضانةِ، فكانَ أَولى. وعلى هذا متَى كانَتِ المَرأةُ مُتزوِّجةً لرَجلٍ مِنْ أهلِ الحَضانةِ كالجدَّةِ تكونُ مُتزوِّجةً للجَدِّ لم تَسقطْ حَضانتُها؛ لأنه يُشارِكُها في الوِلادةِ والشَّفقةِ على الوَلدِ، فأشبَهَ الأمَّ إذا كانَتْ مُتزوِّجةً للأبِ، ولو تَنازعَ العمَّانِ في الحَضانةِ وأحَدُهما مُتزوِّجٌ للأمِّ أو الخالةِ فهو أحَقُّ؛ لحَديثِ بنتِ حَمزةَ، وكذلكَ كلُّ عَصَبتينِ تَساويَا وأحَدُهما مُتزوِّجٌ بمَن هي مِنْ أهلِ الحَضانةِ قدِّمَ بها لذلكَ (١). واختَلفُوا هل تَسقطُ الحَضانةُ مِنْ حينِ العَقدِ أم بالدُّخولِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه تَسقطُ حَضانتُها مِنْ حينِ العَقدِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي»، وقد وُجدَ النكاحُ قبلَ الدُّخولِ، ولأنَّ بالعَقدِ يَملكُ مَنافعَها ويَستحقُّ زَوجُها منْعَها مِنْ حَضانتِه، فزالَ حقُّها كما لو دخَلَ بها. وذهَبَ المالِكيةُ -وهو احتِمالٌ ذكَرَه ابنُ قُدامةَ- إلى أنه تَسقطُ حَضانتُها مِنْ حينِ الدُّخولِ؛ لأنَّ به تَشتغلُ عن الحَضانةِ. قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقَولُه: «ما لم تَنكحِي» اختُلفَ فيه، هل المُرادُ به مُجرَّدُ العَقدِ؟ أو العَقدُ مع الدُّخولِ؟ وفي ذلكَ وَجهانِ:

стр. 11758

أحَدُهما: أنَّ بمُجرَّدِ العَقدِ تَزولُ حَضانتُها، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ؛ لأنه بالعَقدِ يَملكُ الزوجُ مَنافعَ الاستِمتاعِ بها ويَملكُ منْعَها مِنْ حَضانةِ الولدِ. والثاني: أنها لا تَزولُ إلا بالدُّخولِ وهو قَولُ مالِكٍ؛ فإنَّ بالدُّخولِ يَتحققُ اشتِغالُها عن الحَضانةِ، والحَديثُ يَحتملُ الأمرَينِ، والأشبَهَ سُقوطُ حَضانتِها بالعَقدِ؛ لأنها حِينئذٍ صارَتْ في مَظنةِ الاشتِغالِ عن الوَلدِ والتَّهيؤِ للدُّخولِ وأخذِها حِينئذٍ في أسبابِه، وهذا قَولُ الجُمهورِ (١).

стр. 11759

الحالاتُ التي لا تَسقطُ فيها حَضانةُ الأمِّ إذا تَزوَّجتْ: الأمُّ إذا تزوَّجتْ لا تَسقطُ حَضانتُها في بَعضِ الحالاتِ: أولاً: إذا لم يَطلُبِ الأبُ إسقاطَ الحَضانةِ عن الأمِّ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ المَرأةَ إذا تزوَّجتْ ولها طِفلٌ ممَّن طلَّقَها ولم يُطالِبْ زَوجُها بأنْ تَتركَ حَضانتَه ولم يُطالِبْ أبُ الطِّفلِ بحَضانتِه فلها أنْ تَقومَ بحَضانتِه وتَربيتِه، ونُقلَ الاتفاقُ على ذلكَ. قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: ولا رَيبَ أنه لا يَحرمُ على المرأةِ المُزوَّجةِ حَضانةُ ابنِها إذا اتَّفقتْ هي والزَّوجُ وأقارِبُ الطِّفلِ على ذلكَ، ولا رَيبَ أنه لا يَجبُ بل لا يَجوزُ أنْ يُفرَّقَ بينَ الأمِّ ووَلدِها إذا تَزوَّجتْ مِنْ غيرِ أنْ يُخاصِمَها مَنْ له الحَضانةُ ويَطلبَ انتِزاعَ الوَلدِ (١). وقالَ الإمامُ الصَّنعانِيُّ ﵀: وأما معَ عَدمِ طَلبِه فلا نِزاعَ في أنَّ للأمِّ المُزوَّجةِ أنْ تَقومَ بوَلدِها (٢). وقالَ ابنُ قاسِمٍ ﵀: وأنها إذا نكَحَتْ سقَطَ حقُّها في الحَضانةِ، وذلكَ مع طَلبِ مَنْ تَنتقلُ إليهِ الحَضانةُ ومُنازَعتِه، وإلا فلِلأمِّ المُزوَّجةِ أنْ تَقومَ بوَلدِها بالاتِّفاقِ (٣).

стр. 11760

وقالَ المالِكيةُ: لو عَلِمَ الوالدُ وليُّ المَحضونِ أنَّ الحاضِنةَ قد تزوَّجتْ ودخَلَ بها زَوجُها وسكَتَ مع ذلكَ عامًا فصاعِدًا فلا قِيامَ له وليسَ له أخذُه منها؛ لأنه يُعَدُّ بذلكَ تارِكًا لحَقِّه؛ لأنَّ سُكوتَه مع العِلمِ في هذهِ المُدةِ دَليلٌ على أنه أسقَطَ حقَّه مِنْ ذلكَ (١). ثَانيًا: أنْ تَتزوَّجَ الأمُّ مِنْ ذي رَحمٍ مَحرمٍ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ على أنَّ الأمَّ لو تَزوَّجتْ بذِي رَحمٍ مَحرمٍ مِنْ الصبيِّ لا يَسقطُ حَقُّها في الحَضانةِ، كما لو تَزوَّجتِ الأمُّ بعَمِّ الصبيِّ أو بابنِ عمِّه، أو الجَدُّ إذا تزوَّجَ بالجدَّةِ؛ لأنَّ مَنْ نكَحَتْه له حقٌّ في الحضانةِ وشَفقتُه تَحملُه على رِعايتِه، فيَتعاونانِ على كَفالتِه، كما لو كانَتْ في نكاحِ الأبِ؛ لأنه لا يَلحقُه الجَفاءُ منهُما؛ لوُجودِ المانعِ مِنْ ذلكَ وهو القَرابةُ الباعِثةُ على الشَّفقةِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى بابنةِ حَمزةَ لخالتِها وهي مُتزوِّجةٌ بابنِّ عمِّ أبيها، فعَن نَافعِ بنِ عُجيرٍ عن أبيه عن عَليٍّ ﵁ قالَ: «خرَجَ زيدُ بنُ حارِثةَ إلى مكَّةَ فقَدِمَ بابنَةِ حَمزةَ فقالَ جَعفرٌ: أنا آخُذُها أنا أحَقُّ بها، ابنَةُ عمِّي وعِندي خالتُها، وإنَّما الخالةُ أمٌّ، فقالَ عَليٌّ: أنا أحَقُّ بها، ابنَةُ عمِّي وَعِندِي ابنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وهي أحَقُّ بها، فقالَ زَيدٌ: أنا أحَقُّ بها، أنا خَرَجتُ إليها وسافَرتُ وقَدِمتُ بها، فخرَجَ النبيُّ

стр. 11761

ﷺ فذكَرَ حَديثًا قالَ: وأمَّا الجارِيةُ فأَقضِي بها لجَعفرٍ تَكونُ معَ خالَتِها، وإنَّما الخالَةُ أمٌّ» (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ وبَعضُ المالِكيةِ إلى أنه يَبطلُ حقُّها؛ لاشتِغالِها بالزَّوجِ ولا حَقَّ له في الحَضانةِ الآنَ، فأشبَهَ الأجنَبيَّ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ومَحلُّ الخِلافِ إذا رَضيَ الزوجُ الذي نكَحَها بحَضانتِها، وإلا فتَسقطُ جَزمًا؛ لأنَّ له الامتناعَ مِنها (٢). ثالثًا: أنْ لا يَقبلَ الولَدُ المحضُونَ غيرَ أمِّه: زادَ المالِكيةُ بعضَ الحالاتِ التي لا تَسقطُ فيها الحَضانةُ منها: نَصَّ المالِكيةُ على أنَّ الأمَّ إذا كانَتْ مُتزوِّجةً بأجنَبيٍّ فلا يَسقطُ حقُّها في الحَضانةِ في هذهِ الحالاتِ: ١ - إذا كانَ الولدُ رَضيعًا، أو لا يَقبلُ غيرَها. ٢ - أو يَقبلُ إلا أنَّ الظِّئرَ لم تُرضِعْه عندَ أمِّه. ٣ - أو لا يكونُ للوَلدِ مَنْ يَحضنُه، أو له إلا أنه غيرُ مَأمونٍ أو عاجِزٌ عن القِيامِ بمَصالحِ الوَلدِ.

стр. 11762

٤ - أنْ لا تكونَ الحاضِنةُ التي تَزوَّجتْ بأجنَبيٍّ وَصيةً على المَحضونِ في رِوايةٍ، فعِندئذٍ لا تَسقطُ حَضانةُ الأمِّ في هذهِ الحالاتِ. وفي الرِّوايةِ الثانيةِ عندَ المالِكيةِ أنها تَسقطُ حَضانتُها إذا كانَتْ وَصيةً (١). عَودُ الحَضانةِ إذا زالَ المانعُ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَضانةِ ومُستحِقًّا لها إذا سقَطَتْ عنه بوُجودِ مانعٍ أو بسَببِ إسقاطِ المُستحِقِّ لها ثمَّ زالَ المانعُ مِنْ جُنونٍ أو فِسقٍ أو أسقَطَ الحاضِنُ حقَّه ثمَّ عادَ وطلَبَه أنَّ الحَضانةَ تَعودُ إليهِم؛ لأنَّ سبَبَها قائمٌ وأنها امتَنعَتْ لمانعٍ، فإذا زالَ المانعُ عادَ الحقُّ بالسَّببِ السابقِ، وهذا مُتفَقٌ عليهِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ إلا قَولًا للمالِكيةِ يَأتي بَيانُه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكلُّ قَرابةٍ تُستحَقُّ بها الحَضانةُ منَعَ منها مانعٌ كرِقٍّ أو كُفرٍ أو فُسوقٍ أو جُنونٍ أو صِغرٍ إذا زالَ المانعُ مثلَ أنْ عُتقَ الرَّقيقُ وأسلَمَ الكافرُ وعدلَ الفاسِقُ وعَقلَ المَجنونُ وبلَغَ الصَّغيرُ عادَ حقُّهم مِنْ الحَضانةِ؛ لأنَّ سبَبَها قائمٌ وإنما امتَنعَتْ لمانعٍ، فإذا زالَ المانعُ عادَ الحقُّ بالسَّببِ السابقِ المُلازِمِ كالزَّوجةِ إذا طلقَتْ (٢). إلا أنهُم اختَلفُوا في مَسألةٍ وهي:

стр. 11763

إذا طلقَتِ الأمُّ هل تَعودُ لها الحَضانةُ أم لا؟ الأمُّ إذا تَزوَّجتْ سقَطَتْ حَضانتُها، إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو طلقَتْ أو ماتَ زَوجُها، هل تَعودُ لها الحَضانةُ مرَّةً ثانيةً أم لا؟ وهذا لا يَخلُو مِنْ صُورتَينِ: إما أنْ يَكونَ الطَّلاقُ بائِنًا أو رَجعيًّا: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الطلاقُ بائِنًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلقَتِ الأمُّ طَلاقًا بائنًا، هل تَعودُ إليها الحَضانةُ مرَّةً ثانيةً أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وبعضُ المالِكيةِ إلى أنَّ الحَضانةَ تَعودُ إليها إذا طلقَتْ أو ماتَ زَوجُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ سُقوطَ حَضانتِها بقَولِه: «أنتِ أحَقُّ به ما لَم تَنكحِي»، فتَعودُ الحَضانةُ بالطَّلاقِ؛ لأنَّ الحُكمَ إذا ثبَتَ بعِلةٍ زالَ بزَوالِها، وعلَّةُ سُقوطِ الحَضانةِ التَّزويجُ، فإنْ طلقَتْ زالَتِ العلَّةُ، فزالَ حُكمُها؛ لأنَّ المانعَ قد زالَ، فيَزولُ المَنعُ ويَعودُ حقُّها وتكونُ هي أَولى ممَّن هي أبعَدُ مِنها كما كانَتْ. ولأنَّ المُقتضِي لحَقِّها مِنْ الحَضانةِ هو قَرابتُها الخاصَّةُ، وإنما عارَضَها مانعُ النكاحِ؛ لِما يُوجِبُه مِنْ إضاعةِ الطِّفلِ واشتغالِها بحُقوقِ الزَّوجِ الأجنَبيِّ منه عن مَصالِحِه، ولِما فيه مِنْ تَغذيتِه وتَربيتِه في نِعمةِ غيرِ أقاربِه، وعليهِم في ذلكَ مِنَّةٌ وغَضاضةٌ، فإذا انقَطعَ النكاحُ بمَوتٍ أو فُرقةٍ زالَ المانعُ، والمُقتضِي قائمٌ، فتَرتَّبَ عليه أثرُه، وأنَّ سُقوطَ حَضانتِها بالزَّواجِ كسُقوطِها

стр. 11764

بجُنونٍ أو فِسقٍ، وهي تَعودُ إلى حقِّها بالإفاقةِ مِنْ الجُنونِ، والعَدالةِ بعدَ الفِسقِ، فكَذلكَ تَعودُ بالطلاقِ بعدَ النكاحِ؛ لأنَّ تعلُّقَ الحُكمِ بعلَّةٍ يُوجبُ إسقاطَها بزَوالِ تلكَ العلَّةِ. وهكذا كلُّ مَنْ قامَ به مِنْ أهلِ الحَضانةِ مانعٌ منها ككُفرٍ أو رِقٍّ أو فِسقٍ أو بَدوٍ فإنه لا حَضانةَ له، فإنْ زالَتِ المَوانعُ عادَ حقُّهم مِنْ الحَضانةِ، فهكذا النكاحُ والفُرقةُ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الحَضانةَ لا تَعودُ إلى الأمِّ إذا طلقَتْ أو ماتَ عنها زَوجُها، وكذا لو تَزوَّجتْ بعَقدٍ فاسِدٍ وفُسخَ النكاحُ، أو أسقَطَتْ حقَّها مِنْ الحَضانةِ؛ فإنه لا يَعودُ لها حَقُّ الحَضانةِ وتَسقطُ عنها. وهذا بِناءً على أنَّ قولَه ﷺ : «ما لم تَنكحِي» للتَّوقيتِ، أي: حقُّكِ مِنْ الحَضانةِ مُوقَّتٌ إلى حينِ نِكاحِكِ، فإذا نكَحَتِ انقَضَى وَقتُ الحَضانةِ، فلا تَعودُ بعدَ انقِضاءِ وَقتِها، كما لو انقَضَى وَقتُها ببُلوغِ الطفلِ واستِغنائِه عنها (٢).

стр. 11765

الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَكونَ الطَّلاقُ رَجعيًّا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلقَتِ الزَّوجةُ طَلاقًا رَجعيًّا، هل يَعودُ الحقُّ إليها وإنْ لم تَنْتَهِ عدَّتُها؟ أم لا يَعودُ إلا بعدَ انتِهاءِ العدَّةِ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا فرْقَ بينَ الطلاقِ الرَّجعيِّ والبائنِ؛ لأنها لمَّا ملَكَتْ نفْسَها بالطَّلاقِ قبلَ الرَّجعةِ صارَتْ به كالخَليةِ في استِحقاقِ الحَضانةِ، كما صارَتْ كالخَليةِ في جَوازِ التصرُّفِ، فإنْ راجَعَها الزوجُ في عدَّتِها سقَطَتْ حَضانتُها برَجعتِه. ولأنها مُطلَّقةٌ فعادَ حقُّها مِنْ الحَضانةِ كالبائنِ، ولأنه قد عزَلَها عن فِراشِه ولم يَبْقَ لها عليهِ قَسْمٌ ولا لها به شُغلٌ وعُقدَ سَببُ زَوالِ نكاحِها، فأشبَهتِ البائنَ في عدَّتِها. ولو ظاهَرَ منها أو آلَى لم تَستحقَّ الحَضانةَ؛ لبَقائِها على الزَّوجيةِ، بخِلافِ المطلَّقةِ الرَّجعيةِ. وذهَبَ الحَنفيةُ والمُزنِيُّ مِنْ الشافِعيةِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الطَّلاقَ إذا كانَ رَجعيًّا لم تَعُدِ الحَضانةُ إلا بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ؛ لأنَّ الرَّجعيةَ غيرُ مُحرَّمةٍ تَجرِي عليها أحكامُ الزَّوجيةِ (١).
следующие страницы →