← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.

стр. 11761

ﷺ فذكَرَ حَديثًا قالَ: وأمَّا الجارِيةُ فأَقضِي بها لجَعفرٍ تَكونُ معَ خالَتِها، وإنَّما الخالَةُ أمٌّ» (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ وبَعضُ المالِكيةِ إلى أنه يَبطلُ حقُّها؛ لاشتِغالِها بالزَّوجِ ولا حَقَّ له في الحَضانةِ الآنَ، فأشبَهَ الأجنَبيَّ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ومَحلُّ الخِلافِ إذا رَضيَ الزوجُ الذي نكَحَها بحَضانتِها، وإلا فتَسقطُ جَزمًا؛ لأنَّ له الامتناعَ مِنها (٢). ثالثًا: أنْ لا يَقبلَ الولَدُ المحضُونَ غيرَ أمِّه: زادَ المالِكيةُ بعضَ الحالاتِ التي لا تَسقطُ فيها الحَضانةُ منها: نَصَّ المالِكيةُ على أنَّ الأمَّ إذا كانَتْ مُتزوِّجةً بأجنَبيٍّ فلا يَسقطُ حقُّها في الحَضانةِ في هذهِ الحالاتِ: ١ - إذا كانَ الولدُ رَضيعًا، أو لا يَقبلُ غيرَها. ٢ - أو يَقبلُ إلا أنَّ الظِّئرَ لم تُرضِعْه عندَ أمِّه. ٣ - أو لا يكونُ للوَلدِ مَنْ يَحضنُه، أو له إلا أنه غيرُ مَأمونٍ أو عاجِزٌ عن القِيامِ بمَصالحِ الوَلدِ.

стр. 11762

٤ - أنْ لا تكونَ الحاضِنةُ التي تَزوَّجتْ بأجنَبيٍّ وَصيةً على المَحضونِ في رِوايةٍ، فعِندئذٍ لا تَسقطُ حَضانةُ الأمِّ في هذهِ الحالاتِ. وفي الرِّوايةِ الثانيةِ عندَ المالِكيةِ أنها تَسقطُ حَضانتُها إذا كانَتْ وَصيةً (١). عَودُ الحَضانةِ إذا زالَ المانعُ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَضانةِ ومُستحِقًّا لها إذا سقَطَتْ عنه بوُجودِ مانعٍ أو بسَببِ إسقاطِ المُستحِقِّ لها ثمَّ زالَ المانعُ مِنْ جُنونٍ أو فِسقٍ أو أسقَطَ الحاضِنُ حقَّه ثمَّ عادَ وطلَبَه أنَّ الحَضانةَ تَعودُ إليهِم؛ لأنَّ سبَبَها قائمٌ وأنها امتَنعَتْ لمانعٍ، فإذا زالَ المانعُ عادَ الحقُّ بالسَّببِ السابقِ، وهذا مُتفَقٌ عليهِ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ إلا قَولًا للمالِكيةِ يَأتي بَيانُه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكلُّ قَرابةٍ تُستحَقُّ بها الحَضانةُ منَعَ منها مانعٌ كرِقٍّ أو كُفرٍ أو فُسوقٍ أو جُنونٍ أو صِغرٍ إذا زالَ المانعُ مثلَ أنْ عُتقَ الرَّقيقُ وأسلَمَ الكافرُ وعدلَ الفاسِقُ وعَقلَ المَجنونُ وبلَغَ الصَّغيرُ عادَ حقُّهم مِنْ الحَضانةِ؛ لأنَّ سبَبَها قائمٌ وإنما امتَنعَتْ لمانعٍ، فإذا زالَ المانعُ عادَ الحقُّ بالسَّببِ السابقِ المُلازِمِ كالزَّوجةِ إذا طلقَتْ (٢). إلا أنهُم اختَلفُوا في مَسألةٍ وهي:

стр. 11763

إذا طلقَتِ الأمُّ هل تَعودُ لها الحَضانةُ أم لا؟ الأمُّ إذا تَزوَّجتْ سقَطَتْ حَضانتُها، إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو طلقَتْ أو ماتَ زَوجُها، هل تَعودُ لها الحَضانةُ مرَّةً ثانيةً أم لا؟ وهذا لا يَخلُو مِنْ صُورتَينِ: إما أنْ يَكونَ الطَّلاقُ بائِنًا أو رَجعيًّا: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الطلاقُ بائِنًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلقَتِ الأمُّ طَلاقًا بائنًا، هل تَعودُ إليها الحَضانةُ مرَّةً ثانيةً أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وبعضُ المالِكيةِ إلى أنَّ الحَضانةَ تَعودُ إليها إذا طلقَتْ أو ماتَ زَوجُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ سُقوطَ حَضانتِها بقَولِه: «أنتِ أحَقُّ به ما لَم تَنكحِي»، فتَعودُ الحَضانةُ بالطَّلاقِ؛ لأنَّ الحُكمَ إذا ثبَتَ بعِلةٍ زالَ بزَوالِها، وعلَّةُ سُقوطِ الحَضانةِ التَّزويجُ، فإنْ طلقَتْ زالَتِ العلَّةُ، فزالَ حُكمُها؛ لأنَّ المانعَ قد زالَ، فيَزولُ المَنعُ ويَعودُ حقُّها وتكونُ هي أَولى ممَّن هي أبعَدُ مِنها كما كانَتْ. ولأنَّ المُقتضِي لحَقِّها مِنْ الحَضانةِ هو قَرابتُها الخاصَّةُ، وإنما عارَضَها مانعُ النكاحِ؛ لِما يُوجِبُه مِنْ إضاعةِ الطِّفلِ واشتغالِها بحُقوقِ الزَّوجِ الأجنَبيِّ منه عن مَصالِحِه، ولِما فيه مِنْ تَغذيتِه وتَربيتِه في نِعمةِ غيرِ أقاربِه، وعليهِم في ذلكَ مِنَّةٌ وغَضاضةٌ، فإذا انقَطعَ النكاحُ بمَوتٍ أو فُرقةٍ زالَ المانعُ، والمُقتضِي قائمٌ، فتَرتَّبَ عليه أثرُه، وأنَّ سُقوطَ حَضانتِها بالزَّواجِ كسُقوطِها

стр. 11764

بجُنونٍ أو فِسقٍ، وهي تَعودُ إلى حقِّها بالإفاقةِ مِنْ الجُنونِ، والعَدالةِ بعدَ الفِسقِ، فكَذلكَ تَعودُ بالطلاقِ بعدَ النكاحِ؛ لأنَّ تعلُّقَ الحُكمِ بعلَّةٍ يُوجبُ إسقاطَها بزَوالِ تلكَ العلَّةِ. وهكذا كلُّ مَنْ قامَ به مِنْ أهلِ الحَضانةِ مانعٌ منها ككُفرٍ أو رِقٍّ أو فِسقٍ أو بَدوٍ فإنه لا حَضانةَ له، فإنْ زالَتِ المَوانعُ عادَ حقُّهم مِنْ الحَضانةِ، فهكذا النكاحُ والفُرقةُ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الحَضانةَ لا تَعودُ إلى الأمِّ إذا طلقَتْ أو ماتَ عنها زَوجُها، وكذا لو تَزوَّجتْ بعَقدٍ فاسِدٍ وفُسخَ النكاحُ، أو أسقَطَتْ حقَّها مِنْ الحَضانةِ؛ فإنه لا يَعودُ لها حَقُّ الحَضانةِ وتَسقطُ عنها. وهذا بِناءً على أنَّ قولَه ﷺ : «ما لم تَنكحِي» للتَّوقيتِ، أي: حقُّكِ مِنْ الحَضانةِ مُوقَّتٌ إلى حينِ نِكاحِكِ، فإذا نكَحَتِ انقَضَى وَقتُ الحَضانةِ، فلا تَعودُ بعدَ انقِضاءِ وَقتِها، كما لو انقَضَى وَقتُها ببُلوغِ الطفلِ واستِغنائِه عنها (٢).

стр. 11765

الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَكونَ الطَّلاقُ رَجعيًّا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلقَتِ الزَّوجةُ طَلاقًا رَجعيًّا، هل يَعودُ الحقُّ إليها وإنْ لم تَنْتَهِ عدَّتُها؟ أم لا يَعودُ إلا بعدَ انتِهاءِ العدَّةِ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا فرْقَ بينَ الطلاقِ الرَّجعيِّ والبائنِ؛ لأنها لمَّا ملَكَتْ نفْسَها بالطَّلاقِ قبلَ الرَّجعةِ صارَتْ به كالخَليةِ في استِحقاقِ الحَضانةِ، كما صارَتْ كالخَليةِ في جَوازِ التصرُّفِ، فإنْ راجَعَها الزوجُ في عدَّتِها سقَطَتْ حَضانتُها برَجعتِه. ولأنها مُطلَّقةٌ فعادَ حقُّها مِنْ الحَضانةِ كالبائنِ، ولأنه قد عزَلَها عن فِراشِه ولم يَبْقَ لها عليهِ قَسْمٌ ولا لها به شُغلٌ وعُقدَ سَببُ زَوالِ نكاحِها، فأشبَهتِ البائنَ في عدَّتِها. ولو ظاهَرَ منها أو آلَى لم تَستحقَّ الحَضانةَ؛ لبَقائِها على الزَّوجيةِ، بخِلافِ المطلَّقةِ الرَّجعيةِ. وذهَبَ الحَنفيةُ والمُزنِيُّ مِنْ الشافِعيةِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الطَّلاقَ إذا كانَ رَجعيًّا لم تَعُدِ الحَضانةُ إلا بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ؛ لأنَّ الرَّجعيةَ غيرُ مُحرَّمةٍ تَجرِي عليها أحكامُ الزَّوجيةِ (١).

стр. 11766

هل تُجبَرُ الأمُّ على الحَضانةِ؟ ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الأمَّ لا تُجبَرُ على حَضانةِ ابنِها؛ لاحتِمالِ عَجزِها؛ لأنَّ شفَقَتَها حامِلةٌ على الحَضانةِ، ولا تَصبِرُ عنه غالبًا إلا عن عَجزٍ، فلا معنَى للإيجابِ؛ لوُجودِ الحَملِ بدُونِه، فلا تُجبَرُ عليهِ. وفي قَولٍ للحَنفيةِ أنها لا تُجبَرُ على الحَضانةِ إلا أنْ لا يَكونَ للوَلدِ ذُو رَحمٍ مَحرمٍ غيرَ الأمِّ، فحِينئذٍ تُجبَرُ على حَضانتِه كي لا يَضيعَ، بخِلافِ الأبِ حَيثُ يُجبَرُ على أخذِه إذا امتَنعَ بعدَ الاستغناءِ عن الأمِّ؛ لأنَّ نَفقتَه واجِبةٌ عليهِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لا تُجبَرُ الأمُّ على حَضانةِ وَلدِها إذا لم تَجبِ النَّفقةُ عليها للوَلدِ المَحضونِ، فإنْ وجَبَتْ كأنْ لم يَكنْ له أبٌ ولا مالٌ أُجبِرتْ؛ لأنها مِنْ جُملةِ النَّفقةِ، فهيَ حِينئذٍ كالأبِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: لو امتَنعَتِ الأمُّ مِنْ الحَضانةِ لم تُجبَرْ عليها؛ لأنها غيرُ واجِبةٍ عليها (٣).

стр. 11767

هل يُخيَّرُ الوَلدُ إذا بلَغَ سِنَّ التَّمييزِ أم لا؟ لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ -كما تَقدَّمَ- على أنَّ الأمَّ إذا طلقَتْ مِنْ زوجِها ولم تَتزوجْ أنها أحَقُّ بالوَلدِ. واتَّفقُوا أيضًا على أنَّ الغُلامَ الصَّغيرَ لا يُخيَّرُ إلى أنْ يَبلغَ سِنَّ التَّمييزِ وهو سَبعُ سَنواتٍ، ويَثبتُ للأمِّ الحَقُّ في الحَضانةِ إلى سِنِّ التَّمييزِ بلا خِلافٍ بينَهُم (١). ثمَّ اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَلدِ -الغُلامِ أو الأُنثى- إذا بلَغَ سبْعَ سِنينَ، هل يَثبتُ له التَّخييرُ بينَ أبوَيهِ عندَ تُنازعِ الأبوَينِ فيَذهبُ عندَ أيِّهما شاءَ؟ أم لا يَثبتُ له ويَكونُ عندَ الأمِّ إلى البُلوغِ أو الزَّواجِ بالبِنتِ؟ على خِلافٍ بينَهُم في ذلكَ. فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الولَدَ يَكونُ عندَ أمِّه ولا يُخيَّرُ قبلَ البُلوغِ. قالَ المالِكيةُ: ويَكونُ الغُلامُ عندَ أمِّه إلى أنْ يَبلغَ، والجاريةُ إلى أنْ تَتزوَّجَ ويَدخلَ بها زَوجُها؛ لأنَّ الابنةَ تَحتاجُ إلى الحِفظِ والمُراعاةِ إلى أكثَرَ ممَّا يَحتاجُ إليه الابنُ، وبُلوغُها لا يُزيلُ ذلكَ؛ لأنها مُعرَّضةٌ للأزواجِ، وبنَفسِ بُلوغِها لا تَعرفُ مَصالحَ نَفسِها، والأزواجُ يَرغَبونَ فيمَن يَكنفُها أبوها وأمُّها ومَن لم تَخرجْ عن حَضانتِهما ومُراعاتِهما أكثَرَ مِنْ رَغبتِهم في المُتخليةِ بنَفسِها، فكانَتِ المَصلحةُ لها في تَبقيةِ حقِّ الحَضانةِ عليها (٢).

стр. 11768

وقالَ الحَنفيةُ: يَكونُ الغُلامُ عندَ أمِّه أو جدَّتِه حتى يَستغنيَ فيَأكلَ وحْدَه ويَشربَ وحْدَه ويَلبسَ وحْدَه ويَستنجيَ وحْدَه؛ لأنه إذا استَغنَى يَحتاجُ إلى التأدُّبِ والتخلُّقِ بآدابِ الرِّجالِ وأخلاقِهم، والأبُ أقدَرُ على التأديبِ والتثقيفِ. والأمُّ والجدَّةُ أحَقُّ بالجارِيةِ حتى تَبلغَ؛ لأنَّ بعدَ الاستغناءِ تَحتاجُ إلى مَعرفةِ آدابِ النِّساءِ، والمَرأةُ على ذلكَ أقدَرُ، وبعدَ البلوغِ تَحتاجُ إلى التَّحصينِ والحِفظِ، والأبُ فيه أقوَى وأهدَى. وعن مُحمدٍ أنها تُدفَعُ إلى الأبِ إذا بلَغَتْ حَدَّ الشَّهوةِ؛ لتحقُّقِ الحاجةِ إلى الصيانةِ. ومَن سِوَى الأمِّ والجدَّةِ أحقُّ بالجارِيةِ حتى تَبلغَ حَدًّا تُشتهَى؛ لأنَّ حَقَّ هَؤلاءِ لا يُستحقُّ بالوِلادةِ، وإنما يَثبتُ لهُم ما دامَ الصغيرُ يَحتاجُ إلى الحَضانةِ، فإذا استَغنَى عنها زالَ ذلكَ المَعنَى (١). واستَدلَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ على عَدمِ التَّخييرِ بما رواه عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو «أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابني هذا كانَ بَطني له وِعاءً وثَديِي له سِقاءً وحَجرِي له حوَاءً، وإنَّ أباهُ طَلَّقني وأرادَ أنْ يَنتزعَه مِنِّي، فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : «أنتِ أحَقُّ بهِ ما لم تَنكحِي» (٢)، ولم يُخيِّرْه النبيُّ ﷺ ، ولأنَّ تَخييرَ الصبيِّ ليسَ بحِكمةٍ؛ لأنه لغَلبةِ

стр. 11769

هَواهُ يَميلُ إلى اللَّذةِ الحاضِرةِ مِنْ الفَراغِ والكَسلِ والهَربِ مِنْ الكِتابِ وتعلُّمِ آدابِ النفسِ ومَعالمِ الدِّينِ، فيَختارُ شَرَّ الأبوَينِ وهو الذي يُهملُه ولا يُؤدبُه. وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى في ابنةِ حَمزةَ للخالةِ مِنْ غيرِ تَخييرٍ، والأمُّ أحَقُّ به منها، والمَعنى يَعضدُه؛ فإنَّ الابنَ قد أَنِسَ بها، فنَقلُه عنها إضرارٌ به. وأما حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ الوارِدِ في التَّخييرِ فالمُرادُ منه التَّخييرُ في حقِّ البالغِ؛ لأنها قالَتْ: «نَفَعني وسَقاني مِنْ بئرِ أبي عنَبةَ». ومعنَى قَولِها: «نَفَعني»، أي: كسَبَ عليَّ، والبالغُ هو الذي يَقدرُ على الكَسبِ، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ منه التَّخييرُ في حَقِّ البالغِ، ونَحنُ به نقولُ: إنَّ الصبيَّ إذا بلَغَ يُخيَّرُ. ولأنه لم يَذكرْ فيه الفِراقَ، فالظاهرُ أنها كانَتْ في صُحبتِه، ألَا تَرى إلى قَولِها: «إنَّ زَوجِي يُريدُ»، ولَولا أنها في صُحبتِه لَمَا قالَتْ ذلكَ. وليسَ فيه دَليلٌ على أنه يُخيَّرُ في السَّبعِ؛ لأنه ليسَ في الحديثِ ذِكرُ عُمرِه (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المَرأةَ إذا بانَتْ مِنْ زَوجِها في حالِ الحَياةِ وبينَهُما وَلدٌ وله سَبعُ سِنينَ فما زادَ وهو مُميِّزٌ وتنازَعَ الأبوانِ فيمَن يكونُ

стр. 11770

عندَه فإنه يُخيَّرُ بينَهُما، فإذا اختارَ أحَدُهما كانَ عندَه، والغُلامُ والجارِيةُ في ذلكَ سَواءٌ؛ لِما رواهُ أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: «إنَّ امرَأةً جاءَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَتْ: فدَاكَ أبي وأمِّي، إنَّ زَوجِي يُريدُ أنْ يَذهبَ بابنِي، وقد نَفعَني وسَقاني مِنْ بئرِ أبي عنَبةَ، فجاءَ زَوجُها وقالَ: مَنْ يُخاصِمُني في ابني؟ فقالَ: يا غُلامُ هذا أَبوكَ وهذهِ أمُّكَ، فخُذْ بيَدِ أيِّهما شِئتَ، فأخَذَ بيَدِ أمِّه فانطَلقَتْ به» (١). ولا يَثبتُ التَّخييرُ بينَهُما إلا إذا كانَ كلُّ واحِدٍ منهُما يَصلحُ للحَضانةِ، فإنْ كانَ أحَدُهما مَملوكًا أو مَعتوهًا أو فاسِقًا أو كافرًا فلا تَخييرَ بينَه وبينَ الآخَرِ؛ لأنه لا حَقَّ له في كَفالتِه. فإنِ اختارَهُما أُقرعَ بينَهُما؛ لأنه لا يُمكنُ اجتِماعُهما على كَفالتِه ولا مَزيةَ لأحَدِهما على الآخَرِ، فوجَبَ التَّقديمُ بالقُرعةِ. وإنْ لم يَختَرْ واحِدًا منهُما أُقرعَ بينَهُما؛ لأنه لا يُمكِنُ تركُه وحْدَه ما لم يَبلغْ؛ لأنه يَضيعُ، ولا مَزيةَ لأحَدِهما على الآخَرِ، فوجَبَتِ القُرعةُ. وإنِ اختارَ أحَدَهما نَظَرْتَ، فإنْ كانَ ابنًا فاختارَ الأمَّ كانَ عندَها بالليلِ، ويَأخذُه الأبُ بالنَّهارِ ويُسلِّمُه في مَكتبٍ أو صَنعةٍ؛ لأنَّ القَصدَ حظُّ الوَلدِ، وحَظُّ الوَلدِ فيما ذكَرْناهُ. وإنِ اختارَ الأبَ كانَ عندَه باللَّيلِ والنهارِ، ولا يَمنعُه مِنْ زِيارةِ أمِّه؛ لأنَّ المَنعَ مِنْ ذلكَ إغراءٌ بالعُقوقِ وقَطعِ الرَّحمِ، فإنْ مَرضَ كانَتِ الأمُّ أحَقَّ

стр. 11771

بتَمريضِه؛ لأنَّ بالمَرضِ صارَ كالصَّغيرِ في الحاجةِ إلى مَنْ يَقومُ بأمرِه، فكانَتِ الأمُّ أحَقَّ به. وإنْ كانَتْ جارِيةً فاختارَتْ أحَدَهما كانَتْ عندَه بالليلِ والنهارِ، ولا يُمنَعُ الآخَرُ مِنْ زِيارتِها مِنْ غيرِ إطالةٍ وتَبسُّطٍ؛ لأنَّ الفُرقةَ بينَ الزَّوجينِ تَمنعُ مِنْ تبسُّطِ أحَدِهما في دارِ الآخَرِ. وإنْ مَرضَتْ كانَتِ الأمُّ أحَقَّ بتَمريضِها في بَيتِها، وإنْ مَرضَ أحَدُ الأبوَينِ والوَلدُ عند الآخَرِ لم يُمنعْ مِنْ عِيادتِه وحُضورِه عندَ مَوتِه. وإنِ اختارَ أحَدَهما فسُلِّمَ إليه ثم اختارَ الآخَرَ حُوِّلَ إليهِ، وإنْ عادَ فاختارَ الأولَ أُعيدَ إليهِ؛ لأنَّ الاختِيارَ إلى شَهوتِه، وقد يَشتهي المُقامَ عندَ أحَدِهما في وَقتٍ، وعندَ الآخَرِ في وَقتٍ، فاتبعَ ما يَشتهيهِ كما يتبعُ ما يَشتهيهِ مِنْ مَأكولٍ ومَشروبٍ. وإنْ لم يَكنْ له أبٌ وله أمٌّ وجَدٌّ خيِّرَ بينَهُما؛ لأنَّ الجَدَّ كالأبِ في الحَضانةِ في حَقِّ الصَّغيرِ، فكانَ كالأبِ في التَّخييرِ في الكَفالةِ (١). ومَذهبُ الحَنابلةِ كمَذهبِ الشافِعيةِ في الغُلامِ أنه يُخيَّرُ إذا بلَغَ سبعَ سِنينَ أو ثَماني سِنينَ وهو مُميِّزٌ، وتَنازعَا كَفالتَه خيِّرَ بينَهُما، وأما الجاريةُ فلا تُخيَّرُ وتَكونُ عندَ أبيها. والدليلُ على تَخييرِ الغُلامِ إذا بلَغَ سبعَ سِنينَ ما رَواهُ أبو هُريرةَ ﵁

стр. 11772

قال: «إنَّ امرَأةً جاءَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَتْ: فدَاكَ أبي وأمِّي، إنَّ زَوجِي يُريدُ أنْ يَذهبَ بابنِي، وقد نَفعَني وسَقاني مِنْ بئرِ أبي عنَبةَ، فجاءَ زَوجُها وقالَ: مَنْ يُخاصِمُني في ابني؟ فقالَ: يا غُلامُ هذا أَبوكَ وهذهِ أمُّكَ، فخُذْ بيَدِ أيِّهما شِئتَ، فأخَذَ بيَدِ أمِّه فانطَلقَتْ به» (١). ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ، فرُويَ عن عُمرَ ﵁ «أنه خيَّرَ غُلامًا بينَ أبيه وأمِّه» (٢). وعن عَمارةَ الجُرميِّ قالَ: «خيَّرَني عليٌّ بينَ أمِّي وعمِّي، وكنتُ ابنَ سَبعٍ أو ثَمانٍ» (٣). وهذه قِصصٌ في مَظنةِ الشُّهرةِ ولم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا، ولأنَّ التَّقديمَ في الحَضانةِ يلحَقُ به الوَلدُ، فيَتقدَّمُ مَنْ هو أشفَقُ؛ لأنَّ حَظَّ الوَلدِ عندَه أكثَرُ، واعتبَرْنا الشَّفقةَ بمَظنتِها إذا لم يَكنْ اعتِبارُها بنَفسِها، فإذا بلَغَ الغُلامُ حدًّا يُعرِبُ عن نَفسِه ويميزُ بينَ الإكرامِ وضِدِّه فمالَ إلى أحَدِ الأبوَينِ دَلَّ على أنه أرفَقُ به وأشفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلكَ، وقيَّدْناهُ بالسَّبعِ؛ لأنها أولُ حالٍ أمَرَ الشَّرعُ فيها بمُخاطبتِه بالأمرِ بالصَّلاةِ، ولأنَّ الأمَّ قُدِّمتْ في حالِ الصِّغرِ؛ لحاجتِه إلى حَملِه ومُباشرةِ خِدمتِه؛ لأنها أعرَفُ بذلكَ وأقوَمُ به، فإذا استَغنَى عن ذلكَ تَساوَى والِداهُ؛ لقُربِهما منه، فرُجِّحَ باختيارِه.

стр. 11773

فإنِ اختارَ أباهُ كانَ عندَه ليلًا ونهارًا ليَحفظَه ويُعلِّمَه ويُؤدِّبَه، ولا يُمنعُ مِنْ زِيارةِ أمِّه، ولا هي مِنْ زِيارتِه؛ لِما فيه مِنْ الإغراءِ بالعُقوقِ وقَطيعةِ الرَّحمِ. وإنِ اختارَ أمَّه كانَ عندَها ليلًا؛ لأنه وَقتُ الانحيازِ إلى المَساكنِ، وعندَ أبيهِ نهارًا؛ ليُؤدِّبَه ويُعلِّمَه لئلَّا يَضيعَ، ولأنَّ النهارَ وقتُ التصرُّفِ في الحَوائجِ وعَملِ الصَّنائعِ. ومتَى اختارَ أحَدُهما فسُلِّمَ إليه ثم اختارَ الآخَرَ رُدَّ إليهِ، وإنْ عادَ فاختارَ الأولَ أُعيدَ إليهِ، هكذا أبَدًا كلَّما اختارَ أحَدَهما صارَ إليهِ؛ لأنه اختِيارُ شَهوةٍ لحَظِّ نَفسِه، فاتبعَ ما يَشتهيهِ كما يتبعُ ما يَشتهيهِ مِنْ مَأكولٍ ومَشروبٍ، وقد يَشتهِي المُقامَ عندَ أحَدِهما في وَقتٍ وعندَ الآخَرِ في وَقتٍ، وقد يَشتهي التَّسويةَ بينَهُما وأنْ لا يَنقطعَ عنهُما، وإنْ خيَّرناهُ فلَم يَختَرْ واحِدًا منهُما أو اختارَهُما معًا قدِّمَ أحَدُهما بالقرعةِ؛ لأنه لا مَزيةَ لأحَدِهما على صاحبِه ولا يُمكِنُ اجتماعُهُما على حَضانتِه، فقُدِّمَ أحَدُهما بالقُرعةِ، فإذا قُدمَ بها ثم اختارَ الآخَرَ رُدَّ إليهِ؛ لأنَّنا قدَّمْنا اختيارَه الثاني على الأولِ، فعَلى القُرعةِ التي هي بَدلٌ أَولى. وأما الأُنثى إذا بلَغَتِ سَبعًا كانَتْ عندَ أبيها وُجوبًا إلى أنْ تَتزوَّجَ؛ لأنه أحفَظُ لها وأحَقُّ بوِلايتِها، ولمُقاربتِها الصَّلاحيةَ للتَّزويجِ، وإنما تُخطَبُ مِنْ أبيها؛ لأنه وَليُّها وأعلَمُ بالكُفءِ، ولم يَرِدِ الشرعُ بتَخييرِها، ولا يَصحُّ قياسُها على الغُلامِ؛ لأنه لا يَحتاجُ إلى ما تحتاجُ إليه الأُنثى.

стр. 11774

ويَمنعُها الأبُ ومَن يَقومُ مَقامَة مِنْ الانفِرادِ بنَفسِها خَشيةً عليها؛ لأنه لا يُؤمَنُ عليها دُخولُ المُفسدينَ، ولا تُمنعُ الأمُّ مِنْ زِيارتِها، ولا هي مِنْ زِيارةِ أمِّها، إنْ لم يُخَفِ الفَسادُ، وتُمنعُ مِنْ الخَلوةِ بها إنْ خِيفَ أنْ تُفسدَ قلْبَها. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كانَتِ الجارِيةُ عندَ الأمِّ أو عندَ الأبِ فإنها تَكونُ عندَه لَيلًا ونهارًا؛ لأنَّ تَأديبَها وتَخريجَها في جَوفِ البيتِ، مِنْ تَعليمِها الغزْلَ والطَّبخَ وغيرَها، ولا حاجَةَ بها إلى الإخراجِ منه، ولا يُمنعُ أحَدُهما مِنْ زِيارتِها عندَ الآخَرِ مِنْ غيرِ أنْ يَخلوَ الزَّوجُ بأمِّها، ولا يُطيلُ ولا يَتبسَّطُ؛ لأنَّ الفُرقةَ بينَهُما تَمنعُ تبسُّطَ أحَدِهما في مَنزلِ الآخَرِ، وإنْ مَرضَتْ فالأمُّ أحَقُّ بتَمريضِها في بيتِها (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولو كانَ الأبُ عاجزًا عن حِفظِها، أو يُهملُه لاشتِغالِه عنه أو قلَّةِ دِينِه، والأمُّ قائِمةٌ بحِفظِها قُدِّمتْ، وكذا إذا ترَكَها عندَ ضرَّةِ أمِّها لا تَعملُ مَصلحتَها بل تُؤذيها وأمُّها تَعملُ مَصلحتَها ولا تُؤذيها فالحَضانةُ هُنا للأمِّ قَطعًا، ولو قُدِّرَ أنَّ التخييرَ مَشروعٌ وأنها اختارَتِ الأمَّ فكيفَ إذا لم يَكنْ كذلكَ؟ وممَّا يَنبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ الشارعَ ليسَ له نصٌّ عامٌّ على تَقديمِ أحَدِ الأبوَينِ مُطلَقًا، ولا تَخييرِ أحَدِ الأبوَينِ مُطلقًا، والعُلماءُ مُتفِقونَ على أنه لا

стр. 11775

يَتعينُ أحَدُهما مُطلَقًا، بل مع العُدوانِ والتَّفريطِ والفَسادِ والضَّررِ لا يُقدَّمُ مَنْ يكونُ كذلكَ على البَرِّ العادِلِ المُحسنِ القائمِ بالواجِبِ (١). إذا بلَغَ الوَلدُ أينَ يَكونُ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في الغُلامِ أو الجارِيةِ إذا بلَغَا أينَ يَكونُ، هل له حَقُّ الانفرادِ بنَفسِه فيَسكنُ حيثُ أحَبَّ ولا يُجبَرُ على الكَونِ مع أحَدِهما؟ أم يُجبَرُ؟ فالَّذي عليهِ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ أنَّ الولدَ البالغَ الرَّشيدَ له الانفِرادُ بنَفسِه عن أبوَيهِ، ولا يُجبَرُ على الكَونِ عندَ أحَدِهما. وأما البِنتُ فعندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ تُجبَرُ على السُّكنى معَ أحَدِ أبوَيها على التَّفصيلِ التالي. وعندَ الشافِعيةِ لها الانفِرادُ إذا كانَتْ أمِينةً. وأما الثيِّبُ فيَجوزُ لها الانفِرادُ عندَ الجُمهورِ إذا كانَتْ أمينةً ولم يُخْشَ منها شَيءٌ. قالَ الحَنفيةُ: الغُلامُ إذا بلَغَ رَشيدًا فلَه أنْ يَنفردَ بالسُّكنى، وليسَ لأبيه أنْ يَضمَّه إلى نَفسِه بغيرِ اختِيارِه، إلا أنْ يَكونَ مُفسدًا مَخوفًا عليهِ، فحِينئذٍ له أنْ يَضمَّه إلى نَفسِه بغيرِ اختيارِه؛ اعتِبارًا لنَفسِه بمالِه، فإذا بلَغَ رَشيدًا لا يَبقَى للأبِ يَدٌّ في مالِه، فكذا في نَفسِه، وإذا بلَغَ مُبذِّرًا كانَ له وِلايةُ حِفظِ مالِه، فكذا له أنْ يَضمَّه إلى نَفسِه إمَّا لدَفعِ الفِتنةِ، أو لدَفعِ العارِ عن نَفسِه، فإنه يُعيَّرُ بفَسادِ ابنِه.

стр. 11776

وأما الجارِيةُ إذا كانَتْ بِكرًا فلِأبيها أنْ يَضمَّها إلى نَفسِه بعدَ البُلوغِ وإنْ كَرهَتْ، حتَّى وإنْ كانَتْ مَأمونةً؛ لأنها لم تَختبِرِ الرِّجالَ ولم تَعرفْ حِيلَهم، فيُخافُ عليها الخِداعُ منهُم. وأما الثيِّبُ فإنْ كانَتْ مَأمونةً لا يُخافُ عليها الفِتنُ فليسَ له أنْ يَضمَّها إلى نَفسِه؛ لأنها اختبَرتِ الرِّجالَ وعَرفَتْ كَيدَهم، فأمِنَ عليها مِنْ الخِداعِ، وقد زالَتْ وِلايتُه بالبلوغِ، فلا حاجَةَ إلى ضَمِّه، وإنْ كانَتْ مَخوفًا عليها فله أنْ يَضمَّها إليه؛ لِما ذكَرْنا في حَقِّ الغُلامِ. والجَدُّ بمَنزلةِ الأبِ فيهِ، وإنْ لم يكنْ لها أبٌ ولا جدٌّ وكانَ لها أخٌ أو عَمٌّ فلَه أنْ يَضمَّها إذا لم يَكنْ مُفسدًا، أما إذا كانَ مُفسدًا فلا يُمكَّنُ مِنْ ذلكَ، وكذا الحُكمُ في كلِّ عَصبةٍ ذِي رَحمٍ مَحرمٍ منها. وكذلك البِكرُ إذا طعَنَتْ في السنِّ، فإنْ كانَ لها عَقلٌ ورأيٌ ويُؤمَنُ عليها مِنْ الفَسادِ فليسَ لغَيرِ الأبِ والجَدِّ أنْ يَضمَّها إليه، وإنْ خيفَ عليها ذلكَ فلِلأخِ والعمِّ ونَحوِهما مِنْ العَصباتِ أنْ يَضمَّها إليه إذا لم يَكنْ مُفسدًا، وإنْ لم يَكنْ لها أبٌ ولا جَدٌّ ولا غيرُهما مِنْ العَصبةِ أو كانَ لها عَصبةٌ مُفسِدٌ فلِلقاضي أنْ يَنظرَ في حالِها، فإنْ كانَتْ مَأمونةً خَلَّاها تَنفردُ بالسُّكنى، سَواءٌ كانَتْ بِكرًا أو ثَيبًا، وإلا وضَعَها عندَ امرأةٍ أمينةٍ ثِقةٍ تَقدرُ على الحِفظِ؛ لأنه جُعلَ ناظِرًا للمُسلمينَ (١).

стр. 11777

وقالَ المالِكيةُ: تَكونُ البِنتُ عندَ أمِّها إلى أنْ تَنكحَ ويَدخلَ بها زَوجُها، ولا تَنفردُ بنَفسِها، وأما الغُلامُ فلَه ذلكَ إذا بلَغَ رَشيدًا (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا بلَغَ الغُلامُ رَشيدًا واكتَفى بنَفسِه لا يلزمُ أنْ يكونَ عندَ كلِّ واحِدٍ منهُما في مَنزلِه كما لا يلزَمُ أنْ يُنفقَ عليه؛ لأنَّ السُّكنى تَبعٌ للنَّفقةِ، ولو سَألاهُ المُقامَ عندَهُما أو عندَ أحَدِهما لم يَلزمْه المُقامُ فيه؛ لأنه قد ملَكَ تَصرُّفَ نفسِه، لكنْ يُكرَهُ له التفرُّدُ عنهُما؛ مُحافَظةً على بِرِّهما وحَذرًا مِنْ عُقوقِهما، ومُقامُه مع أبيه أَولى مِنْ مقامِه عندَ أمِّه؛ للتَّجانسِ وإنفاقِهما على التصرفِ والتعاوُنِ، فإنِ امتَنعَ مِنْ البقاءِ معَ واحدٍ منهُما لم يُجبَرْ ولم يَأثمْ، ما لم يَخرجْ عن حَدِّ البِرِّ إلى العُقوقِ. فأما الجارِيةُ إذا بلَغَتْ فحُكمُها أغلَظُ؛ لكَونِها عَورةٌ تَرمقُها العُيونُ وتَسبقُ إليها الظُّنونُ، فيَلزمُها ويَلزمُ أبوَيها مِنْ نَفيِ التُّهمةِ عنها ما لا يَلزمُها في حقِّ الابنِ، وإذا كانَ كذلكَ فالأَولى بها ألَّا تُفارِقَ أحَدَ أبوَيها، ومُقامُها مع أمِّها أَولى مِنْ مُقامِها مع أبيها؛ لأنها أقدَرُ على حِفظِها وأخبَرُ بتَدبيرِها؛ لأنَّ النساءَ أعرَفُ مِنْ الرِّجالِ بعَاداتِ النِّساءِ، كما كانَ الرِّجالُ أعرَفَ مِنْ النِّساءِ بعاداتِ الرِّجالِ؛ لأجلِ التَّجانسِ وتَشابهِ الأخلاقِ. فإنْ فارَقَتْ أبوَيها نُظرَ في حالِها، فإنْ انتَفتِ الرِّيبةُ عنها في فِراقِها لم يَكنْ لهُما عليهِا اعتِراضٌ، وإنْ كانَ الأَولى بها ألَّا تُفارِقَ بِرَّهما، وإنْ

стр. 11778

تَوجَّهتْ إليها رِيبةٌ كانَ لهُما في حَقِّ صِيانتِها أنْ يَأخذَاها بما يَنفِي الرِّيبةَ عنها مِنْ مُقامِها عندَ أحَدِهما أو عندَ مَنْ يُوثَقُ به مِنْ أهلِها، والنِّساءُ منهُم أَولى مِنْ الرِّجالِ؛ لفَضلِ الاحتِياطِ، وإنْ طلَبَتِ المُقامَ عندَ أحَدِ أبوَيها فامتَنعَ نُظرَ، فإنْ كانَ لخَوفِها على عَقِّها أُخذَا جَبْرًا بمُقامِها عندَ أحَدِهما، وإنْ كانَ لسُقوطِ مُؤنةِ السُّكنى لم يُجبَرْ واحِدٌ منهُما عليها كما لا يُجبَرُ على نَفقتِها، ويُكرهُ لهُما تَضييعُها، فإذا تزوَّجتْ صارَ الأبُ أحَقَّ بها منهُما. فإنْ أيِّمَتْ بمَوتِ الزَّوجِ أو طَلاقٍ كانَتْ حالُها في الانفِرادِ عن أبوَيها بعدَ الأَيمةِ أخَفَّ مِنْ حالِها قبْلَها؛ لأنها قد خَبرتْ وخَرَجتْ عن حَدِّ الغرَّةِ، فلا يُكرهُ لها الانفِرادُ، فإنْ ظهَرَ منها بعدَ الأيمَةِ رِيبةٌ تولَّى الأبَوانِ حسْمَها (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا كانَ الولدُ بالغًا رَشيدًا فلا حَضانةَ عليه؛ لأنه استَقلَّ بنَفسِه وقدَرَ على إصلاحِ أمورِه بنَفسِه، فوجَبَ انفكِاكُ الحَجرِ عنه، وإليه الخِيَرةُ في الإقامةِ عندَ مَنْ شاءَ مِنْ أبوَيهِ؛ لأنه لم تَثبتِ الوِلايةُ عليه لأحَدٍ، فإنْ كانَ رَجلًا فلهُ الانفِرادُ بنَفسِه؛ لاستِغنائِه عنهُما، ويُستحَبُّ أنْ لا يَنفردَ عنهُما ولا يَقطعَ بِرَّه عنهُما. وإنْ كانَتْ جارِيةً لم يَكنْ لها الانفِرادُ بنَفسِها، ولأبيها مَنعُها منه؛ لأنه لا يُؤمَنُ أنْ يَدخلَ عليها مَنْ يُفسدُها ويُلحقُ العارُ بها وبأهلِها، وإنْ لم يَكنْ لها أبٌ فلوَليِّها وأهلِها مَنعُها مِنْ ذلكَ (٢).

стр. 11779

رُؤيةُ المحضُونِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الولَدَ المَحضونَ إذا كانَ عندَ أحَدِ أبوَيهِ بعدَ الفراقِ أنه لا يُمنعُ الآخَرُ مِنْ زِيارتِه وتَعهُّدِه، على بعضِ التَّفصيلِ بينَهُم في ذلكَ. قالَ المالِكيةُ: إذا كانَ الابنُ في حَضانةِ أمِّه لم يُمنعْ مِنْ الذَّهابِ إلى أبيه يَتعهَّدُه ويُؤدِّبُه ويُسلِّمُه في المَكتبِ والصَّنائعِ، وله القِيامُ بجَميعِ أُمورِه، ويَختنُه في دارِه، وله تَأديبُه عندَ أمِّه، ولا يَبيتُ إلا عندَ أمِّه، وإنَّ البِنتَ تُزَفُّ مِنْ بيتِ أمِّها وإنْ لم يَرْضَ الأبُ بذلكَ (١). وقالَ الحَنفيةُ: يَكونُ الغُلامُ عندَ أمِّه أو جدَّتِه حتى يَستغنيَ فيَأكلَ وحْدَه ويَشربَ وحْدَه ويَلبسَ وحْدَه ويَستنجيَ وحْدَه؛ لأنه إذا استَغنَى يَحتاجُ إلى التأدُّبِ والتخلُّقِ بآدابِ الرِّجالِ وأخلاقِهم، والأبُ أقدَرُ على التأديبِ والتثقيفِ. والأمُّ والجدَّةُ أحَقُّ بالجارِيةِ حتى تَبلغَ؛ لأنَّ بعدَ الاستغناءِ تَحتاجُ إلى مَعرفةِ آدابِ النِّساءِ، والمَرأةُ على ذلكَ أقدَرُ، وبعدَ البلوغِ تَحتاجُ إلى التَّحصينِ والحِفظِ، والأبُ فيه أقوَى وأهدَى. وعن مُحمدٍ أنها تُدفَعُ إلى الأبِ إذا بلَغَتْ حَدَّ الشَّهوةِ؛ لتحقُّقِ الحاجةِ إلى الصيانةِ.

стр. 11780

ومَن سِوَى الأمِّ والجدَّةِ أحقُّ بالجارِيةِ حتى تَبلغَ حَدًّا تُشتهَى؛ لأنَّ حَقَّ هَؤلاءِ لا يُستحقُّ بالوِلادةِ، وإنما يَثبتُ لهُم ما دامَ الصغيرُ يَحتاجُ إلى الحَضانةِ، فإذا استَغنَى عنها زالَ ذلكَ المَعنَى (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنِ اختارَ أحَدَهما نَظَرْتَ، فإنْ كانَ ابنًا فاختارَ الأمَّ كانَ عندَها بالليلِ، ويَأخذُه الأبُ بالنَّهارِ ويُسلِّمُه في مَكتبٍ أو صَنعةٍ؛ لأنَّ القَصدَ حظُّ الوَلدِ، وحَظُّ الوَلدِ فيما ذكَرْناهُ. وإنِ اختارَ الأبَ كانَ عندَه باللَّيلِ والنهارِ، ولا يَمنعُه مِنْ زِيارةِ أمِّه؛ لأنَّ المَنعَ مِنْ ذلكَ إغراءٌ بالعُقوقِ وقَطعِ الرَّحمِ، ولا يَحوجُها إلى الخُروجِ لزِيارتِه، وإنْ زارَتْه لم يَمنعْها مِنْ الدُّخولِ عليهِ، وله مَنعُ الأنثى مِنْ زِيارةِ الأمِّ، فإنْ شاءَتِ الأمُّ خرَجَتْ إليها للزِّيارةِ؛ لأنها أَولى بالخُروجِ؛ لسِنِّها وخِبرتِها، فإنْ مَرضَ كانَتِ الأمُّ أحَقَّ بتَمريضِه؛ لأنَّ بالمَرضِ صارَ كالصَّغيرِ في الحاجةِ إلى مَنْ يَقومُ بأمرِه، فكانَتِ الأمُّ أحَقَّ به. وإنْ كانَتْ جارِيةً فاختارَتْ أحَدَهما كانَتْ عندَه بالليلِ والنهارِ، ولا يُمنَعُ الآخَرُ مِنْ زِيارتِها مِنْ غيرِ إطالةٍ وتَبسُّطٍ؛ لأنَّ الفُرقةَ بينَ الزَّوجينِ تَمنعُ مِنْ تبسُّطِ أحَدِهما في دارِ الآخَرِ. ثمَّ الزِّيارةُ تَكونُ على العادَةِ في كلِّ يَومينِ أو ثَلاثةٍ، لا في كلِّ يَومٍ، إلا إذا كانَ مَنزلُها قَريبًا فلا بأسَ أنْ تَدخلَ في كلِّ يَومٍ، وإنْ دخَلَتْ لا تُطيلُ المُكثَ.

стр. 11781

وإنْ مَرضَتْ كانَتِ الأمُّ أحَقَّ بتَمريضِها في بَيتِها، وإنْ مَرضَ أحَدُ الأبوَينِ والوَلدُ عند الآخَرِ لم يُمنعْ مِنْ عِيادتِه وحُضورِه عندَ مَوتِه (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا بلَغَ سبعَ سِنينَ أو ثَماني سِنينَ وهو مُميِّزٌ وتَنازعَا كَفالتَه خيِّرَ بينَهُما، وأما الجاريةُ فلا تُخيَّرُ وتكونُ عندَ أبيها. فإنِ اختارَ أباهُ كانَ عندَه ليلًا ونهارًا ليَحفظَه ويُعلِّمَه ويُؤدِّبَه، ولا يُمنعُ مِنْ زِيارةِ أمِّه، ولا هي مِنْ زِيارتِه؛ لِما فيه مِنْ الإغراءِ بالعُقوقِ وقَطيعةِ الرَّحمِ. وإنِ اختارَ أمَّه كانَ عندَها ليلًا؛ لأنه وَقتُ الانحيازِ إلى المَساكنِ، وعندَ أبيهِ نهارًا؛ ليُؤدِّبَه ويُعلِّمَه لئلَّا يَضيعَ، ولأنَّ النهارَ وقتُ التصرُّفِ في الحَوائجِ وعَملِ الصَّنائعِ. وأما الأُنثى إذا بلَغَتِ سَبعًا كانَتْ عندَ أبيها وُجوبًا إلى أنْ تَتزوَّجَ؛ لأنه أحفَظُ لها وأحَقُّ بوِلايتِها، ولمُقاربتِها الصَّلاحيةَ للتَّزويجِ، وإنما تُخطَبُ مِنْ أبيها؛ لأنه وَليُّها وأعلَمُ بالكُفءِ، ويَمنعُها الأبُ ومَن يَقومُ مَقامَة مِنْ الانفِرادِ بنَفسِها خَشيةً عليها؛ لأنه لا يُؤمَنُ عليها دُخولُ المُفسدينَ، ولا تُمنعُ الأمُّ مِنْ زِيارتِها، ولا هي مِنْ زِيارةِ أمِّها، إنْ لم يُخَفِ الفَسادُ، وتُمنعُ مِنْ الخَلوةِ بها إنْ خِيفَ أنْ تُفسدَ قلْبَها. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كانَتِ الجارِيةُ عندَ الأمِّ أو عندَ الأبِ فإنها تَكونُ عندَه لَيلًا ونهارًا؛ لأنَّ تَأديبَها وتَخريجَها في جَوفِ البيتِ، مِنْ تَعليمِها

стр. 11782

الغزْلَ والطَّبخَ وغيرَها، ولا حاجَةَ بها إلى الإخراجِ منه، ولا يُمنعُ أحَدُهما مِنْ زِيارتِها عندَ الآخَرِ مِنْ غيرِ أنْ يَخلوَ الزَّوجُ بأمِّها، ولا يُطيلُ ولا يَتبسَّطُ؛ لأنَّ الفُرقةَ بينَهُما تَمنعُ تبسُّطَ أحَدِهما في مَنزلِ الآخَرِ، وإنْ مَرضَتْ فالأمُّ أحَقُّ بتَمريضِها في بيتِها (١). أُجرةُ الحَضانةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الحاضِنةِ، هل تَستحقُّ أخْذَ أجرةٍ على حَضانةِ الوَلدِ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ للحاضِنةِ أمًّا كانَتْ أو غيرَ أمٍّ ممَّن لها حَقُّ الحَضانةِ طلَبَ الأجرةِ على الحَضانةِ؛ لأنَّ الحَضانةَ غيرُ واجِبةٍ على الأمِّ ولا على غيرِها، فلو امتَنعَتْ لم تُجبَرْ عليها كما تقدَّمَ مُفصَّلًا. وأجرةُ الحَضانةِ تكونُ مِنْ مالِ المَحضونِ إذا كانَ عندَه مالٌ، فإنْ لم يَكنْ له مالٌ فعَلى مَنْ يَلزمُه نَفقتُه؛ لأنها مِنْ أسبابِ الكِفايةِ كالنَّفقةِ، فإنْ لم يَكنْ أحَدٌ يُنفقُ عليهِ وليسَ عندَ الصغيرِ مالٌ فلا أجرةَ للأمِّ؛ لأنها الأحَقُّ بتَربيتِه في هذهِ الحالةِ، فلا تَطلبُ أجرةً مِنْ مالِه ولا ممَّن هو دونَها في ذلكَ. وتكونُ الأجرةُ أجرةَ المِثلِ، لا أكثَرَ مِنْ ذلك، ولا يُجبَرُ الأبُ على أكثَرَ

стр. 11783

مِنْ أجرةِ المثلِ، حتى لو مع وُجودِ مُتبرعةٍ بالحَضانةِ فالحَضانةُ تكونُ للأمِّ عندَ الحَنفيةِ على الصَّحيحِ والحَنابلةِ وقَولٍ للشافِعيةِ، ولو مع وُجودِ غيرِها يَتبرعُ بحَضانةِ الوَلدِ. وقالَ الحَنفيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ: إذا وُجِدتٌ مُتبرعةٌ بالحَضانةِ أو وُجدتْ مَنْ تَرضَى بحَضانتِه بأقلَّ مِنْ أجرةِ المِثلِ سقَطَتْ حَضانةُ الأمِّ. وأجرةُ الحَضانةِ غيرُ أجرةِ إرضاعِه ونَفقتِه، ولا يَلزمُ الأمَّ مع استِحقاقِها أجرةَ الحَضانةِ أنْ تُلزمَ بخِدمتِه إذا كانَ مِثلُها لا يَخدمُ؛ لأنَّ الحَضانةَ هي الحِفظُ والمُراعاةُ وتَربيةُ الوَلدِ والنَّظرُ في مَصالحِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الأمَّ مَيسورةً أو غيرَها ليسَ لها أجرةٌ في نَظيرِ الحَضانةِ، وليسَ لها أنْ تُنفِقَ على نَفسِها مِنْ نَفقةِ الوَلدِ لأجْلِ حَضانتِها، إلا إنْ كانَتِ الأمُّ مُعسرةً فلها النَّفقةُ على نَفسِها مِنْ مالِه لعُسرِها لا للحَضانةِ. وقيلَ: إنْ كانَ الأولادُ يَتامى كانَ للأمِّ أجرُ الحَضانةِ إذا كانَتْ فَقيرةً والأولادُ مَياسِيرَ؛ لأنها تَستحقُّ النَّفقةَ في مالِهم ولو لم تَحضنْهُم. واختُلفَ إذا كانَتْ مُوسِرةً، فقالَ مالِكٌ: لا نَفقةَ لها، ومرَّةً قالَ: لها النَّفقةُ إذا قامَتْ عليهِم بعدَ وَفاةِ الأبِ.

стр. 11784

وقالَ أيضًا: تُنفقُ بقَدرِ حَضانتِها إذا كانَتْ لو ترَكَتْهم لم يَكنْ لهُم بدٌّ مِنْ حاضِنٍ، فجعَلَ لها في هذا القَولِ الآخَرِ دونَ النَّفقةِ. وقيلَ: إنْ هي تأيَّمتْ لأجْلِهم وكانَتْ هي الحاضِنةَ والقائِمةَ بأمرِهم أنْ يكونَ لها النَّفقةُ وإنْ كانَتْ أكثَرَ مِنْ الأجرةِ؛ لأنها لو ترَكَتْهم وتزوَّجَتْ أتَى مَنْ يُنفقُ عليها، فكانَ مِنْ النَّظرِ للوَلدِ كَونُهم في نَظرِها وخِدمتِها. وإنْ لم تَكنْ تأيَّمتْ لأجْلِهم أو كانَتْ في سِنِّ مَنْ لا يَتزوجُ كانَ لها الأجرةُ وإنْ كانَتْ دونَ نَفقتِها. وعلى المَشهورِ أنَّ للحاضِنةِ أمًّا أو غيرَها قَبضُ نَفقتِه وكِسوتِه وما يَحتاجُ إليهِ مِنْ أبيه بالاجتِهادِ مِنْ الحاكِمِ أو غَيرِه على الأبِ بالنَّظرِ لحالِه مِنْ يومٍ أو جُمعةٍ أو شَهرٍ أو أعيانٍ أو أثمانٍ، وليسَ للأبِ أنْ يَقولَ للحاضِنةِ: «ابعَثيهِ ليَأكلَ عِندي ثمَّ يَعودُ لكِ»؛ لِما فيهِ مِنْ الضررِ بالطِّفلِ والإخلالِ بصِيانتِه، وليسَ لها مُوافَقتُه على ذلك (١). أجرةُ مَسكنِ الحضانةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الأمِّ إذا كانَ الوَلدُ في حَضانتِها، هل تَجبُ أجرةُ المَسكنِ في مالِه أو مالِ أبيه أو مَنْ تَلزمُه نَفقتُه؟ أم لا تَجبُ وتَكونُ على الأمِّ؟ أم تَجبُ إذا لم يَكنْ للأمِّ مَسكنٌ ولا تَجبُ إذا كانَ لها مَسكنٌ؟ أم

стр. 11785

تَجبُ على قَدرِ الرُّؤوسِ فتَجبُ أجرةُ المَحضونِ في مالِه أو مالِ أبيهِ وتَجبُ أجرَتُها في مالِها؟ لهم تَفصيلٍ في ذلكَ. اختَلفَ فُقهاءُ الحَنفيةِ في وُجوبِ أجرَةِ المَسكنِ على مَنْ تَكونُ؟ فقالَ بعضُهم: على الأبِ سُكنَى الحاضِنةِ، وعن أبي حَفصٍ سُئلَ عمَّن لها إمساكُ الولدِ وليسَ لها مَسكنٌ مع الوَلدِ، هل على الأبِ سُكناها وسُكنَى وَلدِها؟ قالَ: نَعمْ عليهِ سُكناهُما جَميعًا، وسُئلَ نَجمُ الأئمَّةِ البُخاريُّ عن المُختارِ في هذهِ المَسألةِ فقالَ: المُختارُ أنَّ عليهِ السُّكنى في الحَضانةِ، واعتَمدَه ابنُ الشِّحنةِ. وفي قَولٍ عندَهُم: تَجبُ إنْ كانَ للصبيِّ مالٌ، وإلا فعَلى مَنْ تَجبُ عليه نَفقتُه. وفي قَولٍ اختارُه ابنُ وَهبانَ وشَيخُه الطَّرسوسيُّ أنه لا يَجبُ للحاضِنةِ مَسكنٌ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: والحاصِلُ أنَّ الوجهَ الوَجيهَ لُزومُ أجرةِ المَسكنِ، وإلا لَزمَ ضَياعُ الولدِ إذا لم يَكنْ للحاضِنةِ مَسكنٌ، وأما إذا كانَ لها مَسكنٌ يُمكِنُها أنْ تَحضنَ فيه الوَلدَ ويَسكنَ تَبعًا لها فلا يَجبُ لها؛ لعَدمِ احتِياجِه إليهِ. ولا يَخفَى أنَّ هذا هو الأرفَقُ للجانبَينِ، فلْيَكنْ عليه العَملُ (١).

стр. 11786

وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ ﵀: في أجرةِ مَنزلِ مَنْ له حَضانةُ الصبيِّ. قالَ أبو جَعفرٍ: الذي تَعلَّمْناهُ ممَّن كانَ يَذهبُ إلى قَولِ أصحابِنا: إنَّ التي تَستحقُّ حَضانةَ الصبيِّ لا تَجبُ لها أجرةُ المَنزلِ التي تَحضنُ فيه الصبيَّ في مالِه، وكذلكَ قولُ مالكٍ. قالَ مالِكٌ: إنما تَجبُ لها أجرةُ المَنزلِ إذا كانَ لها النَّفقةُ على الرَّجلِ، وهذه بائنةٌ لا نَفقةَ لها، وكذلك قَولُ اللَّيثِ. وقالَ آخَرونَ: على الصبيِّ أجرةُ المَسكنِ الذي يَسكنُه للتي تَحضنُه إذا كانَ له مالٌ، فإنْ لم يَكنْ له فعَلى مَنْ عليهِ نَفقةُ الصبيِّ، وقد حُكيَ ذلكَ عن الشافِعيِّ ولم نَجدْه رِوايةً (١). وقالَ المالِكيةُ: سُكنَى المَحضونِ على أبيه قَولًا واحِدًا، واختُلفَ هل تَكونُ سُكنَى الأمِّ على أبيه أم عَليها؟ فمَذهبُ «المُدوَّنة» أنَّ سُكنَى الأمِّ تكونُ على الأبِ أيضًا، وهو قولُ الإمامِ مالكٍ، فالسُّكنَى للحاضِنةِ والمَحضونِ معًا تكونُ على الأبِ، ولا اجتهادَ فيه كما هو مَذهبُ «المُدوَّنة». وقالَ سَحنونٌ: سُكنَى الطفلِ على أبيه، وعلى الحاضِنةِ ما يَخصُّ نفسَها باجتهادِ الحاكِمِ، بمَعنَى أنه يُوزِّعُها عليهِما فيَجعلُ نِصفَ أجرةِ المَسكنِ مَثلًا على أبي المَحضونِ ونِصفَها على الحاضِنِ، أو ثُلثَها مَثلًا على أبي

стр. 11787

المَحضونِ وثُلثَيها على الحاضنِ، أو بالعَكسِ، فما يَخصُّ الوَلدَ ففي مالِه أو على أبيهِ، وما يَخصُّها فعليها. وقيلَ: تُوزَّعُ على قَدرِ الرُّؤوسِ، فقدْ يَكونُ المَحضونُ مُتعدِّدًا (١). وأما الشافِعيةُ فسُئلَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀ عن الأمِّ الحاضِنةِ إذا طلَبَتْ أجرةَ المَسكنِ الذي تَحضنُ فيه أولادَها، هل يَجبُ على الأبِ استِئجارُ المَسكنِ أو لا؟ وهل تَسقطُ حَضانتُها إذا لم يَكنْ لها مَسكنٌ أم لا؟ وهل يَدخلُ في مُؤنةِ الحَضانةِ أُجرةُ المَسكنِ أم لا؟ فأجابَ بقَولِه: الأمُّ الحاضِنةُ إنْ كانَتْ في عِصمةِ الزَّوجِ الأبِ فالإسكانُ عليهِ، وإلا فليسَ لها إلا أجرةُ الحَضانةِ، فتَستأجرُ منها مَسكنًا إنْ شاءَتْ، ولا تَسقطُ حَضانتُها بعَدمِ مِلكِها أو نحوِه لمَسكنٍ (٢). إذا أنفَقَ على البِنتِ هل يَرجعُ بما أنفَقَ؟ سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ عاجِزٍ عن نَفقةِ بِنتِه وكانَ غائبًا وهيَ عندَ أمِّها وجَدَّتُها تُنفقُ عليها مع أنها مُوسرةٌ وليسَ عليه فَرضٌ، فهلْ لها أنْ تَرجعَ بالنَّفقةِ المُدةَ التي كانَ عاجزًا عن النَّفقةِ فيها؟ وهل القَولُ قولُه في إعسارِه إذا لم يُعرَفْ له مالٌ؟ أو قولُ المُدَّعي؟ وإذا كانَ

стр. 11788

مُقيمًا في بلدٍ فيها خَيرُه ويُريدَ أخْذَ بنتِه معَه وهو يُسافرُ سفَرَ نُقلةٍ فيَستحقُّ السفرَ بها وتكونُ الحَضانةُ لأمِّها؟ فأجابَ: أما المُدةُ التي كانَ عاجِزًا عن النَّفقةِ فيها فلا نَفقةَ عليهِ، ولا رُجوعَ لمَن أنفَقَ فيها بغيرِ إذنهِ بغيرِ نِزاعٍ بينَ العُلماءِ، وإنما النِّزاعُ فيما إذا أنفَقَ مُنفِقٌ بدونِ إذنِه مع وُجوبِ النَّفقةِ على الأبِ، فقيلَ: يَرجعُ بما أنفَقَ غيرَ مُتبرعٍ، كما هو مَذهبُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمَدَ في قَولٍ، ولا يَجوزُ حَبسُه على هذهِ النَّفقةِ، ولا على الرُّجوعُ بها حتى يَثبتَ الوُجوبُ بيَسارِه، فإذا اختَلفَا في اليسارِ ولم يُعرَفْ له مالٌ فالقَولُ قولُه مع يَمينِه. وإذا كانَ مُقيمًا في غيرِ بَلدِ الأمِّ فالحَضانةُ له لا للأمِّ، وإنْ كانَتِ الأمُّ أحَقَّ بالحَضانةِ في البلدِ الواحدِ، وهذا أيضًا مَذهبُ الأئمَّةِ الأربَعةِ، واللهُ أعلَمُ (١). وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: عن رَجلٍ له مُطلَّقةٌ وله منها وَلدٌ وقد بلَغَ مِنْ العُمرِ سبعَ سِنينَ، وهُم يُريدونَ فرْضَه، وقد تزوَّجتْ أمُّه، وكَفلتْه جَدَّتُه ووجَّهَتْ كَفيلَه وسَافَروا به إلى الإسكَندرِيةِ وغيَّبوهُ مدَّةَ سبعِ سِنينَ، وطُلبَ منه فَرضُ السِّنينِ الماضِيةِ؟ فأجابَ: إذا حكَمَ له حاكِمٌ لم يَكنْ لأمِّه أنْ تُغيِّبَه عنه، وإذا غيَّبَتْه عنه والحالةُ هذهِ لم يَكنْ لها أنْ تُطالبَه بالنَّفقةِ المَفروضةِ، ولا بما أنفَقوهُ عليه في هذهِ الحالةِ، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 11789

كتاب الصَّيد تَعريفُ الصَّيدِ: الصَّيدُ في الأصلِ: مَصدرُ صَادَ يَصِيدُ صَيدًا فهو صائِدٌ، أي: قَنَصَه وأَخَذَه خِلسَةً وبحِيلةٍ، سَواءٌ أكانَ مَأكولًا أم غيرَ مأكولٍ، ثمَّ أُطلِقَ الصَّيدُ على المَصيدِ تَسميةً للمَفعولِ بالمَصدرِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: المَصِيدَ (١). والصَّيدُ في الاصطِلاحِ: عرَّفَه الفُقهاءُ بعِدَّةِ تَعريفاتٍ: قالَ الحَنفيةُ: الصَّيدُ: اسمٌ لِما يَتوحَّشُ ويَمتنعُ ولا يُمكِنُ أخذُه إلا بحِيلةٍ، إما لطَيرانِه أو لعَدْوِه (٢).

стр. 11790

وقالَ الحَنابلةُ: الصَّيدُ: ما كانَ مُمتنِعًا حَلالًا لا مالِكَ له. وقيلَ: ما كانَ مُتوحِّشًا طَبعًا، غيرَ مَقدورٍ عليهِ، مَأكولًا بنَوعِه، قالَ الزَّركشيُّ: هذا الحَدُّ أجوَدُ (١). وقيلَ: الصَّيدُ: اقتِناصُ حَيوانٍ حَلالٍ مُتوحِّشٍ طَبعًا غيرِ مَقدورٍ عليهِ ولا مَملوكٍ، فاقتِناصُ نحوِ ذِئبٍ ونَمرٍ وما نَدَّ مِنْ إبلٍ وبَقرٍ وما تأهَّلَ مِنْ نحوِ غِزلانٍ أو مُلِكَ منها ليسَ صَيدًا (٢). حُكمُ الصَّيدِ: الأصلُ في الصَّيدِ الإباحةُ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، إلَّا لمُحرِمٍ أو في الحَرمِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تعالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وقَولُه ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «هيَ الكِلابُ المُعلَّمةُ والبازِي وكلُّ ما تَعلَّمَ الصَّيدَ» (٣). وأمَّا السُّنةُ: فمِنها ما يَلي:

стр. 11791

عَنْ عَديِّ بنِ حاتمٍ ﵁ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقُلتُ: إنَّا قَومٌ نَتصيَّدُ بهذه الكِلابِ؟ فقال: «إذا أرسَلْتَ كِلابَكَ المُعلَّمةَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ ممَّا أمسَكْنَ عليكَ، إلا أنْ يَأكلَ الكَلبُ فلا تَأكلْ، فإني أخافُ أنْ يَكونَ إنِّما أمسَكَ على نَفسِهِ، وإنْ خالَطَها كَلبٌ مِنْ غَيرِها فلا تَأكلْ» (١). وفي رِوايةٍ عن عَديِّ بنِ حاتمٍ ﵁ قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ أمسَكَ عليكَ فأدرَكْتَه حيًّا فاذبَحْهُ، وإنْ أدرَكْتَه قد قتَلَ ولم يَأكلْ منه فكُلْهُ، وإنْ وَجَدتَ مع كَلبِكَ كَلبًا غيرَه وقد قتَلَ فلا تَأكلْ، فإنكَ لا تَدرِي أيُّهمَا قتَلَه، وإنْ رَمَيتَ سَهمَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ غابَ عنكَ يَومًا فلمْ تَجِدْ فيه إلا أثَرَ سَهمِكَ فكُلْ إنْ شِئتَ، وإنْ وجَدْتَه غَريقًا في الماءِ فلا تَأكلْ» (٢). وفي رِوايةٍ عن عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ ﵁ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن الصَّيدِ، قالَ: «إذا رمَيْتَ سَهمَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ وجَدْتَه قد قتَلَ فكُلْ، إلا أنْ تَجدَهُ قد وقَعَ في ماءٍ، فإنكَ لا تَدرِي الماءُ قتَلَه أو سَهمُكَ؟» (٣). وعن أبي ثَعلبةَ الخُشَنيِّ ﵁ قالَ: قلتُ: يا نَبيَّ اللهِ إنَّا بأرضِ قَومٍ مِنْ أهلِ الكِتابِ أفَنَأكلُ في آنِيتِهم؟ وبأرضِ صَيدٍ أصِيدُ بقَوسِي وبكَلبِي الذي

стр. 11792

ليسَ بمُعلَّمٍ وبكَلبِي المُعلَّمِ فما يَصلحُ لي؟ قالَ: «أمَّا ما ذكَرْتَ مِنْ أهلِ الكِتابِ فإنْ وَجدْتُم غيرَها فلا تَأكلُوا فيها، وإنْ لم تَجدُوا فاغسِلُوها وكُلُوا فيها، وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ المُعلَّمِ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ غيرِ مُعلَّمٍ فأدرَكْتَ ذَكاتَه فكُلْ» (١). وأمَّا الإجماعُ: فإنَّ الأمَّةَ مُجمِعةٌ على حِلِّ الصَّيدِ وجَوازِه، وقد نقَلَ عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على هذا. قالَ الإمامُ ابن بطَّالٍ ﵀: العُلماءُ مُجمِعونَ على جَوازِ الصَّيدِ للاكتِسابِ وطَلبِ المَعاشِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ اللهَ أباحَ الصَّيدَ، وكذلكَ اتَّفقُوا على أنَّ قولَه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] أمرُ إباحَةٍ لا أمرُ وُجوبٍ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على إباحَةِ الاصطِيادِ والأكلِ مِنْ الصَّيدِ (٤). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الأحادِيثُ المَذكورةُ في الاصطِيادِ فيها كلِّها إباحةُ الاصطِيادِ، وقد أجمَعَ المُسلمونَ عَليهِ، وتَظاهَرتْ عليهِ دَلائلُ الكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، قالَ القاضي عياضٌ: هو مُباحٌ لمَن اصطادَ

стр. 11793

للاكتِسابِ والحاجَةِ والانتفاعِ به بالأكلِ وثَمنِه، قالَ: واختَلفُوا فيمَن اصطادَ للَّهوِ ولكنْ قصَدَ تَذكيَتَه والانتِفاعَ به: فكَرهَه مالكٌ، وأجازَه الليثُ وابنُ عبدِ الحَكمِ، قالَ: فإنْ فعَلَه بغيرِ نيَّةِ التَذكيةِ فهو حَرامٌ؛ لأنه فَسادٌ في الأرضِ وإتلافُ نَفسٍ عَبثًا (١). وأما المَعقولُ: فلِأنهُ نوعُ اكتِسابٍ وانتِفاعٍ بما هو مَخلوقٌ لذلكَ، وفيهِ استيفاءُ المُكلَّفِ وتَمكينُه مِنْ إقامةِ التكاليفِ، فكانَ مُباحًا بمَنزلةِ الاحتِطابِ، ويَستوِي إنْ كانَ الصَّيدُ مَأكولَ اللَّحمِ أو غيرَ مَأكولِ اللَّحمِ؛ لِما في اصطِيادِه مِنْ تَحصيلِ المَنفعةِ بجِلدِه أو دَفعِ أذاهُ عن الناسِ (٢). الصَّيدُ للَّهوِ: قالَ العينِيُّ ﵀: اختَلفُوا فيمَن صادَ للَّهوِ والتنزُّهِ، فأباحَه بعضُهم وحَرَّمَه الأكثرونَ، وقالَ مالكٌ: إنْ فعَلَه ليُذكِّيَه فمَكروهٌ، وإنْ فعَلَه مِنْ غيرِ نيةِ التَّذكيةِ فحَرامٌ؛ لأنه فَسادٌ في الأرضِ وإتلافُ نَفسٍ (٣). وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ القاضي عِياضٌ: واختَلفُوا فيمَن اصطادَ للَّهوِ ولكنْ قصَدَ تَذكيَتَه والانتِفاعَ به: فكَرهَه مالكٌ، وأجازَه الليثُ وابنُ عبدِ الحَكمِ، قالَ: فإنْ فعَلَه بغيرِ نيَّةِ التَذكيةِ فهو حَرامٌ؛ لأنه فَسادٌ في الأرضِ وإتلافُ نَفسٍ عَبثًا (٤).

стр. 11794

وقالَ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: وكَرِهَ مالكٌ ﵀ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ الصَّيدَ على وَجهِ التلهِّي؛ لِما فيهِ مِنْ اللهوِ والعَذابِ وإتعابِ البَهائمِ في غيرِ وَجهِ مَنفعةٍ، ولم يَرَ أنْ تُقصَرَ الصلاةُ فيهِ، ولا بأسَ بالصَّيدِ لمَن كانَ عَيشَه، أو لمَن قرمَ إلى اللَّحمِ، وأباحَه مُحمدُ بنُ عبدِ الحَكمِ؛ لعُمومِ قولِ اللهِ : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، واستَخفَّ مالكٌ ﵀ الصَّيدَ لأهلِ البادِيةِ؛ لأنهُم مِنْ أهلِه وأنَّ ذلكَ شَأنُهم، ورَأى خُروجَ أهلِ الحَضرِ إليه مِنْ السَفهِ والخِفَّةِ، واللهُ أعلَمُ، وباللهِ التَّوفيقُ (١). اتِّخاذُ شَيءٍ فيه الرُّوحُ غَرضًا: نَصَّ عامةُ العَلماءِ على أنه يَحرمُ على الإنسانِ أنْ يَتخذَ شَيئًا فيه الرُّوحُ غَرضًا؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن هِشامِ بن زَيدِ بن أنَسِ بنِ مَالكٍ قالَ: دَخَلتُ مع جَدِّي أنسِ بن مالكٍ دارَ الحَكمِ بنِ أيوبَ فإذا قَومٌ قد نَصَبوا دَجاجةً يَرمونَها، قالَ: فقالَ أنسٌ: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تُصبَرَ البَهائمُ» (٢). وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَتَّخِذوا شَيئًا فيه الرُّوحُ غرَضًا» (٣). وعن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ قالَ: «مَرَّ ابنُ عُمرَ بنَفرٍ قد نَصَبوا دَجاجةً يَتَرامَونَها،

стр. 11795

فلمَّا رَأَوا ابنَ عُمرَ تَفرَّقوا عنها، فقالَ ابنُ عُمرَ: مَنْ فعَلَ هذا؟ إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لعَنَ مَنْ فعَلَ هذا» (١). قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وحرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ التَّمثيلَ بالبَهائمِ، ونهَى أنْ يَتخذَ شيئًا فيه الرُّوحُ غرَضًا، ونهَى أنْ تُصبَرَ البَهائمُ، وذلكَ فيما يَجوزُ أكلُه وفيما لا يَجوزُ، وإجماعُ العُلماءِ المُسلمينَ على ذلكَ، وقالَ ﷺ : «مَنْ قتَلَ عُصفورًا بغَيرِ حقِّه عُذِّبَ به يومَ القيامةِ، قيلَ: وما حَقُّه يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: يَذبحُه ولا يَقطعُ رَأسَه فيَرمِي به». وفي هذا كُلِّه دَليلٌ واضِحٌ أنَّ ما يَحلُّ أكلُه لا يَجوزُ قَتلُه؛ لِما فيه مِنْ الفَسادِ وإضاعةِ المالِ، واللهُ قد نهَى عن الفَسادِ وأخبَرَ أنه لا يُحبُّه، وقد نهَى عن إضاعةِ المالِ، وكلُّ مَقدورٍ عليهِ ذَكاتُه الذبحُ، وكلُّ مُمتنِعٍ مِنْ الصَّيدِ ذَكاتُه الحَديدُ حيثُ أدرَكَتْ منه، مع سُنةِ التَّسميةِ في ذلكَ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ العُلماءُ: صَبْرُ البَهائمِ أنْ تُحبَسَ وهي حَيةٌ لتُقتلَ بالرَّميِ ونحوِه، وهو معنَى: «لا تَتخِذوا شَيئًا فيهِ الرُّوحُ غَرضًا»، أي: لا تَتخِذوا الحيَوانَ الحَيَّ غَرضًا تَرمونَ إليهِ كالغَرضِ مِنْ الجُلودِ وغيرِها، وهذا النهيُ للتَّحريمِ، ولهذا قالَ ﷺ في رِوايةِ ابنِ عُمرَ التي بعدَ هذهِ: «لعَنَ اللهُ مَنْ فعَلَ هذا»، ولأنه تَعذيبٌ للحيَوانِ وإتلافٌ لنَفسِه وتَضييعٌ لماليَّتِه وتَفويتٌ لذَكاتِه إنْ كانَ مُذكًّى، ولمَنفعتِه إنْ لم يَكنْ مُذكًّى (٣).

стр. 11796

أركانُ الصَّيدُ: أركانُ الصَّيدِ ثَلاثةٌ: صائِدٌ ومَصيدٌ وآلةٌ للصَيدِ، ولكُلِّ رُكنٍ مِنْ هذهِ الثلاثةِ شُروطٌ لا بُدَّ مِنْ تَوافُرِها حتى يَصحَّ الصَّيدُ، وبَيانُ ذلكَ فيما يَلي: الرُّكنُ الأولُ: الصائِدُ: يُشترطُ في الصائِدِ عِدةُ شُروطٍ، وبَيانُها فيما يلي: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ عاقِلًا مُميِّزًا: يُشترطُ في الصائِدِ أنْ يكونَ عاقِلًا مُميِّزًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابلةِ، فلا يَحلُّ صَيدُ مَجنونٍ ولا صَغيرٍ لا يُميِّزُ؛ لفَسادِ قَصدِهم؛ لأنَّ الصَّيدَ يَحتاجُ إلى القَصدِ والتَّسميةِ، وهُمَا لا يَصحَّانِ ممَّن لا يَعقلُ (١). وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: يَصحُّ صَيدُ مَجنونٍ وغَيرِ مُميزٍ وسَكرانَ؛ لأنَّ لهُم قَصدًا وإرادةً في الجُملةِ، لكنْ مع الكَراهةِ؛ خَوفًا مِنْ عُدولِهم عَنْ مَحلِّ الذَّبحِ.

стр. 11797

ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ في السَّكرانِ والمَجنونِ إذا لم يَكنْ لهُمَا تَمييزٌ أصلًا، فإنْ كانَ لهُمَا أدنَى تَمييزٍ حَلَّ قَطعًا (١). قالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ ذَكاةَ المَجنونِ وصَيدَه لا يُستباحُ أكلُه (٢). ولا يُشترطُ البُلوغُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فيَحلُّ صَيدُ صَبيٍّ صَغيرٍ مُميِّزٍ. الشَّرطُ الثاني: أنْ يكونَ مِنْ أهلِ الذَّكاةِ (مُسلِمًا أو كِتابيًّا): أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حِلِّ صَيدِ المُسلمِ البالغِ العاقِلِ كما تَقدَّمَ. واتَّفقَتِ المَذاهبُ الأربَعةُ على أنه لا يَحلُّ صَيدُ الوَثنيِّ ولا المُرتدِّ ولا المَجوسيِّ؛ لأنَّ الاصطِيادَ أُقيمَ مَقامَ الذَّكاةِ، والجارِحُ آلةٌ كالسِّكينِ، وعَقرُه للحيَوانِ بمَنزلةِ إفراءِ الأوداجِ، قالَ ﷺ : «فإنَّ أخْذَ الكَلبِ ذَكاةٌ» (٣)، والصَّائدُ بمَنزلةِ المُذكِّي، فتُشترطُ الأهليةُ فيهِ (٤). إلا أنهُم اختَلفُوا في الكِتابيِّ اليَهوديِّ أو النصرانِيِّ، هل يَحلُّ صَيدُه أم لا؟

стр. 11798

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَحِلُّ صَيدُ الكِتابيِّ، فإذا أرسَلَ جارِحةً مُعلَّمًا أو سَهمًا فقتَلَ صَيدًا حَلَّ؛ لعُمومِ قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولأنها ذَكاةٌ كلُّها؛ ولا فرْقَ بينَ تَذكيتِهم الإنسِيِّ والوَحشيِّ، وهو طَعامٌ لهم داخِلٌ في عُمومِ الآيةِ. وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنه لا يَحلُّ صَيدُ الكِتابيِّ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فالمُرادُ به المُسلمُ دونَ غيرِه. وفَرَّقَ المالِكيةُ بينَ حِلِّ ذَبيحةِ الكِتابيِّ وبينَ صَيدِه بأنَّ الصَّيدَ رُخصةٌ، والكافِرُ ولو كِتابيًّا ليسَ مِنْ أهلِها (١). الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يكونَ حَلالًا غيرَ مُحرِمٍ أو في الحَرمِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ صَيدِ البَرِّ على المُحرِمِ مُطلَقًا أو الصَّيدِ في الحَرمِ، سواءٌ كانَ حلالًا أو مُحرِمًا، وحَلالٌ له صَيدُ البَحرِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ

стр. 11799

ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٥، ٩٦]. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ صَيدَ البحرِ حَلالٌ للحَلالِ والمُحرِمِ، اصطِيادُه وأكلُه وبَيعُه وشِراؤُه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ التَصيُّدَ في حَرمِ مَكةَ لصَيدِ البَرِّ الذي يُؤكلُ حَرامٌ (٢). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وللحَلالِ أنْ يَصطادَ الصَّيدَ حيثُ وجَدَه، إلا أنْ يَكونَ في الحَرمِ؛ لمَنعِ اللهِ تعالَى منهُ في ذلكَ المَوضعِ باتِّفاقِ الجَميعِ (٣). وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا صَيدُ المُحرِمِ -أي صَيدُ البَحرِ- فحَلالٌ للمُحرِمِ والحَلالِ بنَصِّ الكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمَّةِ (٤). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ المُحرِمَ لا يُباحُ له أنْ يَصيدَ، واتَّفقُوا على أنه لا يَحلُّ للمُحرمِ أنْ يأكلَ ممَّا صِيدَ لأجلِه، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ: ما صِيدَ لأجلِه بغيرِ أمرِه وهو مِنْ غيرِ صَيدِ الحَرمِ يَجوزُ له أكلُه، وإنْ صِيدَ بأمرِه فعنهُ فيه رَوايتانِ (٥).

стр. 11800

وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ صَيدَ البَحرِ حَلالٌ كلُّه للمُحرِمِ (١). الشَّرطُ الرابعُ: التَّسميةُ عندَ الرَّميِ أو الإرسالِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ التَّسميةُ عندَ الرَّميِ أو عندَ الإرسالِ مُطلَقًا؟ أم هيَ سُنةٌ وليسَتْ واجِبةً؟ أم واجِبةٌ عندَ الذِّكرِ وتَسقطُ عندَ النِّسيانِ؟ فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسميةَ واجِبةٌ عندَ إرسالِ الجارِحِ أو رَميِ السِّلاحِ، فإنْ ترَكَ التسميةَ عَمدًا أو سَهوًا لم يُبَحِ الصَّيدُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. وقالَ النبيُّ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فكُلْ، قلتُ: أُرسِلُ كَلبِي فأخَذَ معه كَلبًا آخَرَ؟ قالَ: لا تَأكلْ، فإنَّكَ إنما سَمَّيتَ على كَلبِكَ ولم تُسَمِّ على الآخَرِ»، مُتفَقٌ عليهِ، وفي لَفظٍ: «وإذا خالَطَ كِلابًا لم يُذكرِ اسمَ اللهِ عليهَا فأمسَكْنَ وقَتَلْنَ فلا تَأكلْ»، وفي حَديثِ أبي ثَعلبةَ: «وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ». وهذهِ نُصوصٌ صَحيحةٌ لا يُعرَّجُ على ما خالَفَها، وقولُه ﷺ : «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» يَقتضِي نفيَ الإثمِ لا جعْلَ الشَّرطِ المَعدومِ كالمَوجودِ؛ بدَليلِ ما لو نَسيَ شرْطَ الصلاةِ. والفَرقُ بينَ الصَّيدِ والذَّبيحةِ أنَّ الذَّبحَ وقَعَ في مَحلِّه، فجازَ أنْ يُتسامَحَ فيه بخِلافِ الصَّيدِ.
следующие страницы →