أركانُ الصَّيدُ:
أركانُ الصَّيدِ ثَلاثةٌ: صائِدٌ ومَصيدٌ وآلةٌ للصَيدِ، ولكُلِّ رُكنٍ مِنْ هذهِ الثلاثةِ شُروطٌ لا بُدَّ مِنْ تَوافُرِها حتى يَصحَّ الصَّيدُ، وبَيانُ ذلكَ فيما يَلي:
الرُّكنُ الأولُ: الصائِدُ:
يُشترطُ في الصائِدِ عِدةُ شُروطٍ، وبَيانُها فيما يلي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ عاقِلًا مُميِّزًا:
يُشترطُ في الصائِدِ أنْ يكونَ عاقِلًا مُميِّزًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابلةِ، فلا يَحلُّ صَيدُ مَجنونٍ ولا صَغيرٍ لا يُميِّزُ؛ لفَسادِ قَصدِهم؛ لأنَّ الصَّيدَ يَحتاجُ إلى القَصدِ والتَّسميةِ، وهُمَا لا يَصحَّانِ ممَّن لا يَعقلُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: يَصحُّ صَيدُ مَجنونٍ وغَيرِ مُميزٍ وسَكرانَ؛ لأنَّ لهُم قَصدًا وإرادةً في الجُملةِ، لكنْ مع الكَراهةِ؛ خَوفًا مِنْ عُدولِهم عَنْ مَحلِّ الذَّبحِ.
стр. 11797
ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ في السَّكرانِ والمَجنونِ إذا لم يَكنْ لهُمَا تَمييزٌ أصلًا، فإنْ كانَ لهُمَا أدنَى تَمييزٍ حَلَّ قَطعًا (١).
قالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ ذَكاةَ المَجنونِ وصَيدَه لا يُستباحُ أكلُه (٢).
ولا يُشترطُ البُلوغُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فيَحلُّ صَيدُ صَبيٍّ صَغيرٍ مُميِّزٍ.
الشَّرطُ الثاني: أنْ يكونَ مِنْ أهلِ الذَّكاةِ (مُسلِمًا أو كِتابيًّا):
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حِلِّ صَيدِ المُسلمِ البالغِ العاقِلِ كما تَقدَّمَ.
واتَّفقَتِ المَذاهبُ الأربَعةُ على أنه لا يَحلُّ صَيدُ الوَثنيِّ ولا المُرتدِّ ولا المَجوسيِّ؛ لأنَّ الاصطِيادَ أُقيمَ مَقامَ الذَّكاةِ، والجارِحُ آلةٌ كالسِّكينِ، وعَقرُه للحيَوانِ بمَنزلةِ إفراءِ الأوداجِ، قالَ ﷺ : «فإنَّ أخْذَ الكَلبِ ذَكاةٌ» (٣)، والصَّائدُ بمَنزلةِ المُذكِّي، فتُشترطُ الأهليةُ فيهِ (٤).
إلا أنهُم اختَلفُوا في الكِتابيِّ اليَهوديِّ أو النصرانِيِّ، هل يَحلُّ صَيدُه أم لا؟
стр. 11798
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَحِلُّ صَيدُ الكِتابيِّ، فإذا أرسَلَ جارِحةً مُعلَّمًا أو سَهمًا فقتَلَ صَيدًا حَلَّ؛ لعُمومِ قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولأنها ذَكاةٌ كلُّها؛ ولا فرْقَ بينَ تَذكيتِهم الإنسِيِّ والوَحشيِّ، وهو طَعامٌ لهم داخِلٌ في عُمومِ الآيةِ.
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنه لا يَحلُّ صَيدُ الكِتابيِّ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فالمُرادُ به المُسلمُ دونَ غيرِه.
وفَرَّقَ المالِكيةُ بينَ حِلِّ ذَبيحةِ الكِتابيِّ وبينَ صَيدِه بأنَّ الصَّيدَ رُخصةٌ، والكافِرُ ولو كِتابيًّا ليسَ مِنْ أهلِها (١).
الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يكونَ حَلالًا غيرَ مُحرِمٍ أو في الحَرمِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ صَيدِ البَرِّ على المُحرِمِ مُطلَقًا أو الصَّيدِ في الحَرمِ، سواءٌ كانَ حلالًا أو مُحرِمًا، وحَلالٌ له صَيدُ البَحرِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
стр. 11799
ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٥، ٩٦].
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ صَيدَ البحرِ حَلالٌ للحَلالِ والمُحرِمِ، اصطِيادُه وأكلُه وبَيعُه وشِراؤُه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ التَصيُّدَ في حَرمِ مَكةَ لصَيدِ البَرِّ الذي يُؤكلُ حَرامٌ (٢).
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسيُّ ﵀: وللحَلالِ أنْ يَصطادَ الصَّيدَ حيثُ وجَدَه، إلا أنْ يَكونَ في الحَرمِ؛ لمَنعِ اللهِ تعالَى منهُ في ذلكَ المَوضعِ باتِّفاقِ الجَميعِ (٣).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا صَيدُ المُحرِمِ -أي صَيدُ البَحرِ- فحَلالٌ للمُحرِمِ والحَلالِ بنَصِّ الكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمَّةِ (٤).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ المُحرِمَ لا يُباحُ له أنْ يَصيدَ، واتَّفقُوا على أنه لا يَحلُّ للمُحرمِ أنْ يأكلَ ممَّا صِيدَ لأجلِه، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ: ما صِيدَ لأجلِه بغيرِ أمرِه وهو مِنْ غيرِ صَيدِ الحَرمِ يَجوزُ له أكلُه، وإنْ صِيدَ بأمرِه فعنهُ فيه رَوايتانِ (٥).
стр. 11800
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ صَيدَ البَحرِ حَلالٌ كلُّه للمُحرِمِ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: التَّسميةُ عندَ الرَّميِ أو الإرسالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ التَّسميةُ عندَ الرَّميِ أو عندَ الإرسالِ مُطلَقًا؟ أم هيَ سُنةٌ وليسَتْ واجِبةً؟ أم واجِبةٌ عندَ الذِّكرِ وتَسقطُ عندَ النِّسيانِ؟
فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسميةَ واجِبةٌ عندَ إرسالِ الجارِحِ أو رَميِ السِّلاحِ، فإنْ ترَكَ التسميةَ عَمدًا أو سَهوًا لم يُبَحِ الصَّيدُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
وقالَ النبيُّ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فكُلْ، قلتُ: أُرسِلُ كَلبِي فأخَذَ معه كَلبًا آخَرَ؟ قالَ: لا تَأكلْ، فإنَّكَ إنما سَمَّيتَ على كَلبِكَ ولم تُسَمِّ على الآخَرِ»، مُتفَقٌ عليهِ، وفي لَفظٍ: «وإذا خالَطَ كِلابًا لم يُذكرِ اسمَ اللهِ عليهَا فأمسَكْنَ وقَتَلْنَ فلا تَأكلْ»، وفي حَديثِ أبي ثَعلبةَ: «وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ».
وهذهِ نُصوصٌ صَحيحةٌ لا يُعرَّجُ على ما خالَفَها، وقولُه ﷺ : «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» يَقتضِي نفيَ الإثمِ لا جعْلَ الشَّرطِ المَعدومِ كالمَوجودِ؛ بدَليلِ ما لو نَسيَ شرْطَ الصلاةِ.
والفَرقُ بينَ الصَّيدِ والذَّبيحةِ أنَّ الذَّبحَ وقَعَ في مَحلِّه، فجازَ أنْ يُتسامَحَ فيه بخِلافِ الصَّيدِ.
стр. 11801
ولا يَضرُّ تَقدُّمٌ يَسيرٌ عُرفًا للتَّسميةِ على الإرسالِ أو الرميِ كالعِباداتِ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ يَسيرٌ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ كَثيرٌ في جارحٍ إذا زجَرَه فانزجَرَ؛ إقامةً لذلكَ مَقامَ ابتِداءِ إرسالِه.
إذا ثبَتَ هذا فالتَّسميةُ المُعتبَرةُ قولُه: «بِسمِ اللهِ»؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ يَنصرفُ إلى ذلكَ، وقد ثبَتَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا ذبَحَ قالَ: بِسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ»، وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يَقولُه، ولا خِلافَ في أنَّ قولَه: «بِسمِ اللهِ» يُجزِئُه، وإنْ قالَ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم يَكفِ؛ لأنَّ ذلكَ طَلبُ حاجَةٍ، وإنْ هلَّلَ أو سبَّحَ أو كبَّرَ أو حَمدَ اللهَ تعالَى احتَملَ الإجزاءَ؛ لأنه ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ، واحتَملَ المَنعَ؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ لا يَتناولُه.
وإنْ ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى بغيرِ العرَبيةِ أجزَأَه وإنْ أحسَنَ العرَبيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ ذِكرُ اسمِ اللهِ، وهو يَحصلُ بجَميعِ اللُّغاتِ، بخِلافِ التَّكبيرِ في الصلاةِ؛ فإنَّ المَقصودَ لفظُه.
وتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَ الإرسالِ؛ لأنه الفِعلُ المَوجودُ مِنْ المُرسِلِ، فتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَه كما تُعتبَرُ عندَ الذبحِ مِنْ الذابحِ وعندَ إرسالِ السَّهمِ مِنْ الرَّامِي، نَصَّ أحمَدُ على هذا، ولا تُشرَعُ الصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ مع التَّسميةِ في ذَبحٍ ولا صَيدٍ.
واختارَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا استِحبابَ ذلكَ.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ أنَّ التَّسميةَ تُشترطُ على إرسالِ الكَلبِ في العَمدِ
стр. 11802
والنِّسيانِ، ولا يَلزمُ ذلكَ في إرسالِ السَّهمِ؛ لأنَّ السهمَ آلةٌ حَقيقةً وليسَ له اختِيارٌ، فهو بمَنزلةِ السِّكينِ، بخِلافِ الحيَوانِ؛ فإنه يَفعلُ باختِيارِه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ التسميةَ تَجبُ في حالِ الإرسالِ عندَ الذِّكرِ، وتَسقطُ عندَ النِّسيانِ؛ لحَديثِ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» مُتفَقٌ عليهِ.
ولا بُدَّ مِنْ التسميةِ وقتَ الرميِ والإرسالِ، فإنْ رمَى ولمْ يُسمِّ عامِدًا أو أرسَلَ كَلبَه ولمْ يُسمِّ عامِدًا فالصَّيدُ مَيتةٌ لا يَحلُّ أكلُه، وإنْ ترَكَ التسميةَ عندَ ذلكَ ناسيًا حَلَّ أكلُه.
قالَ الحَنفيةُ: وإنْ رمَى ثمَّ سَمَّى بعدَ ذلكَ أو أرسَلَ كَلبَه ثمَّ سمَّى بعدَ ذلكَ لا يَحِلُّ أكلُه؛ لأنَّ المُعتبَرَ وقتُ الرَّميِ ووقتُ الإرسالِ بالاتِّفاقِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ لعَديِّ بنِ حاتِمٍ ﵁ حينَ سألَه عن صَيدِ المِعراضِ والكَلبِ: «إذا رَمَيتَ بالمِعراضِ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ، وإنْ أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» (٢).
وقَولُه: «عَليهِ» أي: على المِعراضِ والكَلبِ، ولا تَقعُ التسميةُ على السَّهمِ والكَلبِ إلا عندَ الرَّميِ والإرسالِ، فكانَ وقتُ التَّسميةِ فيها هو وُقتُ الرَّميِ والإرسالِ، والمَعنى هكذا يَقتضِي، وهو أنَّ التسميةَ شَرطٌ، والشَّرائطُ
стр. 11803
يُعتبَرُ وُجودُها حالَ وُجودِ الرُّكنِ؛ لأنَّ عندَ وُجودِها يَصيرُ الرُّكنُ عِلةً كما في سائرِ الأركانِ معَ شَرائطِها …
والرُّكنُ في الذَّكاةِ الاختِياريةِ هو الذَّبحُ، وفي الاضطِراريةِ هو الجَرحُ، وذلكَ مُضافٌ إلى الرامِي والمُرسِلِ، وإنما السَّهمُ والكَلبُ آلةُ الجَرحِ، والفِعلُ يُضافُ إلى مُستعمِلِ الآلةِ، لذلكَ اعتُبِرَ وُجودُ التَّسميةِ وقتَ الذبحِ والجَرحِ، وهو وَقتُ الرَّميِ والإرسالِ، ولا يُعتبَرُ وقتُ الإصابةِ في الذَّكاةِ الاضطِراريةِ؛ لأنَّ الإصابةَ ليسَتْ مِنْ صُنعِ العَبدِ، لا مُباشَرةً ولا سَببًا، بل مَحضُ صُنعِ اللهِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: التسميةُ واجِبةٌ معَ الذِّكرِ في الذَّكاةِ عندَ الرميِ وعندَ إرسالِ الجَوارحِ وعندَ الذَبحِ، فيَقولُ: «بِاسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ» عندَ الذبحِ وعندَ النَّحرِ وعندَ الإرسالِ في العَقرِ، ولا خُصوصيةَ لهذا اللفظِ، بل لو قالَ غيرَه مِنْ الأذكارِ يُجزئُه، وما مضَى عليهِ الناسُ أحسَنُ، وهو: «بِاسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ»، فإنْ ترَكَ التسميةَ مع الذِّكرِ والقُدرةِ لم تُؤكلْ، سَواءٌ كانَ جاهِلًا أو لا، خِلافًا لأشهَبَ في الجاهلِ.
وأما إذا كانَ ناسِيًا للتسميةِ فتَحلُّ، وحِينئذٍ فيُقيَّدُ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: لا تَأكُلوا ممَّا تُرِكَتِ
стр. 11804
التسميةُ عليهِ عَمدًا مع القُدرةِ عليهَا، وأما ما تُركَتِ التَّسميةُ عليهِ نِسيانًا أو عَجزًا فإنه يُؤكلُ، والجاهِلُ بالحُكمِ كالعامِدِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التسميةَ عندَ الذبحِ وعندَ إرسالِ الجارِحةِ أو إرسالِ السَّهمِ على الصَّيدِ مُستحَبةٌ استِحبابًا مُتأكدًا؛ فإنْ ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا أو سَهوًا حَلَّ الصَّيدُ بلا خِلافٍ في المَذهبِ؛ لِما رَوتْ عائِشةُ ﵂: «أنَّ قَومًا قالوا: يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا يَأتونَنا باللَّحمِ لا نَدرِي أذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ أم لا؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : سَمُّوا اللهَ عليهِ وكُلُوهُ» (٢).
لكنْ في تَركِها عَمدًا ثَلاثةُ أوجُهٍ:
الصَّحيحُ: أنه مَكروهٌ، والثاني: لا يُكرَهُ، والثالثُ: يَأثمُ به (٣).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَقصدَ الصَّيدَ عندَ إرسالِ الآلةِ أو الجارحةِ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ قَصدُ الفِعلِ، وهو أنْ يُرسِلَ الآلةَ أو الجارِحةَ بقَصدِ الصَّيدِ؛ لأنَّ قتْلَ الصَّيدِ أمرٌ يُعتبَرُ له الدِّينُ، فاعتُبِرَ له القَصدُ، كطَهارةِ الحَدثِ، فإذا سقَطَ السَّيفُ مَثلًا مِنْ يَدِه فعقَرَه لم يَحِلَّ.
стр. 11805
قالَ الحَنابلةُ: فلو سَمَّى وأرسَلَها، لا لقَصدِ الصَّيدِ، أو لقَصدِه ولمْ يَرَه، أو استَرسَلَ الجارِحُ بنَفسِه فقتَلَ صَيدًا؛ لم يُبَحْ؛ لحَديثِ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» مُتفَقٌ عليهِ.
ولأنَّ إرسالَ الجارحِ جُعلَ بمَنزلةِ الذَّبحِ، ولهذا اعتُبِرَت التسميةُ معهُ، فإنْ زجَرَه فزادَ عَدْوُه بزَجرِه حَلَّ حيثُ سمَّى عندَ زَجرِه، وبه قالَ مالكٌ والشافِعيُّ؛ لأنَّ زجْرَه أثَّرَ في عَدوِه، أشبَهَ ما لو أرسَلَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يُرسلَ الجارِحةَ على الصَّيدِ، فإنِ استَرسَلَتْ بنَفسِها فقتَلَتْ لم يُبَحْ، وبهذا قالَ رَبيعةُ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، وقالَ عطاءٌ والأوزاعِيُّ: يُؤكَلُ صيدُه إذا أخرَجَه للصَّيدِ، وقالَ إسحاقُ: إذا سمَّى عندَ انفِلاتِه أبيحَ صَيدُه، ورَوى بإسنادِه عنِ ابنِ عُمرَ «أنه سُئلَ عن الكِلابِ تَنفلِتُ مِنْ مَرابضِها فتَصيدُ الصَّيدَ قالَ: اذكُرِ اسمَ اللهِ وكُلْ»، قالَ إسحاقُ: فهذا الذي أختارُ إذا لم يَتعمَّدْ هو إرسالَه مِنْ غيرِ ذِكرِ اسمِ اللهِ عليهِ، قالَ الخلَّالُ: هذا على معنَى قولِ أبي عبدِ اللهِ.
ولنا: قولُ النبيِّ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فكُلْ»، ولأنَّ إرسالَ الجارِحةِ جُعلَ بمَنزلةِ الذَّبحِ، ولهذا اعتُبِرَت التسميةُ معهُ.
وإنِ استَرسَلَ بنَفسِه فسمَّى صاحبُه وزجَرَه فزادَ في عَدْوِه أبيحَ صَيدُه، وبه قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يُباحُ، وعن عَطاءٍ كالمَذهبَينِ.
ولنَا: إنَّ زجْرَه أثَّرَ في عَدوِه، فصارَ كما لو أرسَلَه؛ وذلكَ لأنَّ فِعلَ الإنسانِ متَى انضافَ إلى فِعلِ غيرِه فالاعتبارُ بفِعلِ الإنسانِ؛ بدَليلِ ما لو
стр. 11806
صالَ الكَلبُ على إنسانٍ فأغراهُ إنسانٌ فالضَّمانُ على مَنْ أغراهُ، وإنْ أرسَلَه بغيرِ تَسميةٍ ثم سمَّى وزجَرَه فزادَ في عَدوِه فظاهِرُ كلامِ أحمَدَ أنه يُباحُ؛ فإنه قالَ: إذا أرسَلَ ثمَّ سمَّى فانزَجرَ أو أرسَلَ وسمَّى فالمعنَى قَريبٌ مِنْ السَّواءِ، وظاهِرُ هذا الإباحةُ؛ لأنه انزَجرَ بتَسميتِه وزَجرِه، فأشبَهَ التي قبلَها، وقالَ القاضي: لا يُباحُ صَيدُه؛ لأنَّ الحُكمَ يتَعلقُ بالإرسالِ الأولِ، بخِلافِ ما إذا استَرسلَ بنَفسِه، فإنه لا يَتعلقُ به حَظرٌ ولا إباحةٌ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الإرسالُ والرميُ على الصَّيدِ وإليهِ، حتى لو أرسَلَ على غيرِ صَيدٍ أو رَمَى إلى غَيرِ صَيدٍ فأصابَ صيدًا لا يَحلُّ؛ لأنَّ الإرسالَ إلى غَيرِ الصَّيدِ والرَّميَ إلى غيرِه لا يَكونُ اصطِيادًا، فلا يَكونُ قَتلُ الصَّيدِ وجَرحُه مُضافًا إلى المُرسِلِ والرامِي، فلا تَتعلقُ به الإباحةُ.
وعلى هذا يُخرَّجُ ما إذا سَمِعَ حِسًّا فظَنَّه صَيدًا فأرسَلَ عليهِ كَلبَه أو بازَه أو رَماهُ بسَهمٍ فأصابَ صَيدًا أو بانَ لهُ أنَّ الحِسَّ الذي سَمعَه لم يَكنْ حِسَّ صَيدٍ وإنما كانَ شاةً أو بَقرةً أو آدميًّا أنهُ لا يُؤكلُ الصَّيدُ الذي أصابَه؛ لأنه تَبيَّنَ أنه أرسَلَ على ما ليسَ بصَيدٍ ورَمَى إلى ما ليسَ بصَيدٍ، فلا يَتعلقُ به الحِلُّ، وصارَ كأنه رَمَى إلى آدَميٍّ أو شاةٍ أو بَقرةٍ وهو يَعلمُ به فأصابَ صَيدًا أنه لا يُؤكَلُ، كذا هذا.
وإنْ كانَ الحِسُّ حِسَّ صَيدٍ فأصابَ صَيدًا يُؤكلُ، سَواءٌ كانَ ذلكَ الحِسُّ حِسَّ صَيدٍ مأكولٍ أو غيرِ مَأكولٍ بعدَ أنْ كانَ المُصابُ صَيدًا مَأكولًا.
стр. 11807
ولو رَمَى طائِرًا فأصابَ صَيدًا وذهَبَ المَرمِيُّ إليهِ ولم يَعلمْ أوَحشِيٌّ أو مُستأنِسٌ أُكِلَ الصَّيدُ؛ لأنَّ الأصلَ في الطَّيرِ التوحُّشُ، فيَجبُ التمسُّكُ بالأصلِ حتى يُعلَمَ الاستِئناسُ.
ولو عَلِمَ أنَّ المَرميَّ إليه داجِنٌ تأوِي البُيوتَ لا يُؤكلُ الصَّيدُ؛ لأنَّ الداجِنَ يأويهِ البَيتُ وتَثبتُ اليدُ عليهِ، فكانَ الرميُ إليه كالرميِ إلى الشاةِ، وذلكَ لا يَتعلقُ به الحِلُّ، كذا هذا (١).
وقالَ المالِكيةُ: تَجبُ نِيةُ الذكاةِ بأقسامِها الأربَعةِ الذَّبحِ والنَّحرِ والعَقرِ وما يُعجِّلُ الموتَ كإلقاءِ في نارٍ ونحوها أو قَطعِ جَناحٍ لجَرادٍ ونحوِه ممَّا مَيتتُه طاهِرةٌ مِنْ البَرِّ، لكنَّ النيةَ في العَقرِ عندَ إرسالِ الجارحِ أو السَّهمِ، فيَجبُ قَصدُ الذَّكاةِ على كُلِّ تَقديرٍ، فلو رمَى بحَجرٍ أو غيرِه ولم يَنوِ الاصطِيادَ فوافَقَ الإصابةَ فإنه لا يُؤكلُ، كما إذا ضرَبَ شاةً أو غيرَها لا يُريدُ ذبْحَها فوافَقَ الذَّبحَ أو النَّحرَ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ قَصدُ العَينِ بالفِعلِ وإنْ أخطَأَ في الظَّنِّ، أو قَصدُ الجِنسِ وإنْ أخطَأَ في الإصابةِ، فعَلى هذا لو كانَ بيَدِه سِكينٌ مَثلًا فسقَطَ مِنْ يَدِه وانجَرحَ به صَيدٌ مَثلًا وماتَ، أو احتكَّتْ به شاةٌ مَثلًا وهو في يَدِه -سَواءٌ أحَرَّكَه أم لا- فانقَطعَ حُلقومُها ومَريئُها، أو تَعقَّرَ به صَيدٌ، أو استَرسلَ
стр. 11808
كلَبٌ مُعلَّمٌ بنَفسِه فقتَلَ صَيدًا؛ لم يَحِلَّ واحِدٌ ممَّا ذُكِرَ قَطعًا؛ لانتِفاءِ الذَّبحِ وقَصدِه والإرسالِ.
وكذا لو استَرسلَ كَلبٌ فأغراهُ صاحِبُه أو غيرُه فزادَ عَدْوُه لم يَحلَّ الصَّيد في الأصَحِّ المَنصوصِ؛ لاجتِماعِ الاستِرسالِ المانعِ والإغراءِ المُبيحِ، فغُلِّبَ جانبُ المَنعِ.
والثاني: يَحلُّ؛ لظُهورِ أثَرِ الإغراءِ بزِيادةِ العَدوِ.
ومَحلُّ الوَجهينِ إذا لم يَتقدمْ إغراءٌ وزَجرٌ، فإنْ تَقدمَ بأنِ انزَجرَ ثم أغراهُ فاستَرسلَ واصطادَ حَلَّ قَطعًا، وإنْ لم يَنزجرْ فأغراهُ فزادَ عَدوُه فعلى الوَجهينِ، وأَولى بالتَّحريمِ.
ولو أرسَلَ سَهمًا مَثلًا لاختِبارِ قُوَّتِه أو إلى غَرضٍ يَرمي إليهِ فاعتَرضَه صَيدٌ فقتَلَه ذلكَ السهمُ حَرُمَ في الأصَحِّ المَنصوصِ؛ لأنه لم يَقصدْ صَيدًا مُعيَّنًا ولا مُبهَمًا.
والثاني: لا يَحرمُ؛ نَظرًا إلى قَصدِ الفِعلِ دونَ مَوردِه، كما لو قطَعَ ما ظنَّه ثَوبًا فبانَ حَلْقَ شاةٍ، وفارَقَ الأولَ بأنه هُناكَ قصَدَ عَينًا بخِلافِه هُنا.
ولو رمَى صَيدًا ظنَّه حَجرًا أو حيَوانًا لا يُؤكلُ فأصابَ صَيدًا حَلَّ، أو رَمَى سِربَ -بكَسرِ السِّينِ، أي: قَطيعَ- ظِباءٍ ونَحوِها مِنْ الوُحوشِ فأصابَ واحِدةً مِنْ ذلكَ السِّربِ حلَّتْ، وإنْ قصَدَ واحِدةً مِنْ السِّربِ فأصابَ غيرَها منه حلَّتْ في الأصَحِّ المَنصوصِ.
والثَّاني: المَنعُ؛ نَظرًا إلى أنها غيرُ المَقصودةِ.
стр. 11809
ولو أرسَلَ كَلبًا على صَيدٍ فعدَلَ إلى غيرِه ولو إلى غيرِ جِهةِ الإرسالِ فأصابَه وماتَ حَلَّ كما في السَّهمِ؛ لأنه يَعسُرُ تَكليفُه ترْكَ العُدولِ، ولأنَّ الصَّيدَ لو عدَلَ فتَبِعَه حَلَّ قَطعًا، والظاهِرُ حِلُّه، وإنْ ظهَرَ للكَلبِ بعدَ إرسالِه كما لو أرسَلَه على صَيدٍ فأمسَكَه ثمَّ عَنَّ له آخَرُ فأمسَكَه فإنهُ يَحلُّ، سَواءٌ أكانَ عندَ الإرسالِ مَوجودًا أم لا؛ لأنَّ المُعتبَرَ أنْ يُرسِلَه على صَيدٍ، وقد وُجدَ.
ولو قصَدَ وأخطَأَ في الظنِّ والإصابةِ مَعًا كمَن رَمَى صَيدًا ظنَّه حَجرًا أو خِنزيرًا فأصابَ صَيدًا غيرَه حَرُمَ؛ لأنه قصَدَ مُحرَّمًا، فلا يَستفيدُ الحِلَّ، بخِلافِ عَكسِه بأنْ رمَى حَجرًا أو خِنزيرًا ظنَّه صَيدًا فأصابَ صَيدًا فماتَ حَلَّ؛ لأنه قصَدَ مُباحًا.
ولو رَمَى في ظُلمةٍ لعلَّه يُصادِفُ صَيدًا فصادَفَه وماتَ لم يَحِلَّ؛ لأنه لم يَقصدْ قَصدًا صَحيحًا، وقد يُعَدُّ مِثلُه سَفهًا وعَبثًا.
ولو رَمَى شاةً فأصابَ مَذبحَها -ولو اتِّفاقًا بأنْ لم يَقصدْه- فقطَعَه حلَّتْ؛ لأنه قصَدَ الرميَ إليها.
ولو أحَسَّ بصَيدٍ في ظُلمةٍ أو مِنْ وَراءِ شَجرةٍ أو غيرِها فرَماهُ فأصابَه وماتَ حَلَّ؛ لأنَّ له به نوعَ عِلمٍ، ولا يَقدحُ هذا في عَدمِ الحِلِّ برَميِ الأعمَى؛ إذِ البَصيرُ يَصحُّ رَميُه في الجُملةِ، بخِلافِ الأعمَى (١).
стр. 11810
ثانيًا: ما يُشترطُ في الْمَصِيدِ:
يُشترطُ في المَصيدِ عِدةُ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ المَصيدُ مَأكولَ اللَّحمِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَصيدَ إذا كانَ حَيوانًا مَأكولَ اللَّحمِ فإنهُ يَحلُّ صَيدُه إذا كانَ الصَّيدُ مِنْ أجلِ الأكلِ.
إلا أنهُم اختَلفُوا في صَيدِ ما لا يُؤكلُ، هل يَجوزُ صَيدُه أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنه يَجوزُ صَيدُ جَميعِ الحيَواناتِ، سَواءٌ كانَتْ مأكولَةَ اللحمِ أم لا، فيَجوزُ لمَنفعةِ جِلدِه أو شَعرِه أو رِيشِه أو لدَفعِ شَرِّه، وكُلُّ ذلكَ مَشروعٌ (١).
وأما الشافِعيةُ والحَنابلةُ فيُفهَمُ مِنْ كَلامِهم أنه لا يَجوزُ صَيدُ ولا ذَبحُ ما لا يُؤكلُ (٢).
الشَّرطُ الثاني: أنْ يكونَ المَصيدُ حَيوانًا مُتوحِّشًا مُمتنِعًا عن الآدَميِّ بقَوائمِه أو بجَناحَيهِ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ في المَصيدِ أنْ يَكونَ حَيوانًا مُتوحِّشًا
стр. 11811
مُمتنِعًا لا يُمكِنُ أخذُه إلا باصطِيادِه، فأما الدَّجاجُ والبَطُّ والشاةُ وغيرُها ممَّا ليسَ بمُتوحِّشٍ فلا يَجوزُ صَيدُه، وإنما يُذبحُ ويُذكَّى.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا أنه لو لم يَندَّ الإنسِيُّ أنه لا يُذكَّى إلا بما يُذكَّى به المَقدورُ عليهِ (١).
صَيدُ البَحرِ: ما يَحلُ منه وما يَحرمُ؟
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ صَيدَ البَحرِ حَلالٌ للحِلِّ والمُحرِمِ على السَّواءِ، ولا يُشترطُ فيهِ التَّذكيةُ عندَ عامَّةِ العُلماءِ؛ لِما رَواهُ أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّا نَركَبُ البحرَ ونَحملُ مَعنَا القَليلَ منَ الماءِ، فإنْ تَوَضَّأنا بهِ عَطشنَا، أفنَتوَضَّأُ به؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هوَ الطَّهورُ مَاؤهُ الحِلُّ مَيتتُه» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ صَيدَ البَحرِ حَلالٌ للحَلالِ والمُحرِمِ، اصطِيادُه وأكلُه وبَيعُه وشِراؤُه (٣).
وقالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أما صَيدُ البَحرِ فحَلالٌ للمُحرِمِ والحَلالِ بنَصِّ الكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمَّةِ (٤).
стр. 11812
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ صَيدَ البَحرِ حَلالٌ كلُّه للمُحرِمِ (١).
واتَّفقَ العُلماءُ على إباحَةِ السَّمكِ غيرِ الطَّافي.
قالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: ولا خِلافَ بينَ المُسلمينَ في إباحةِ السَّمكِ غيرِ الطافي، وفي الجَرادِ (٢).
السَّمكُ إذا ماتَ حَتْفَ أنفِه ثمَّ طَفَا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّمكِ إذا ماتَ حَتْفَ أنفِه في الماءِ مِنْ غَيرِ سَببٍ ثمَّ طَفَا، هل يَحلُّ أكلُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ السَّمكَ الطافِيَ -وهو الذي يَموتُ في الماءِ حَتْفَ أنفِه مِنْ غَيرِ سَببٍ مَعلومٍ، ويَعلُو على وَجهِ الماءِ- لا يَحلُّ أكلُه، والذي يَدلُّ على حَظرِ أكلِه ظاهِرُ قَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، واتَّفقَ المُسلمونَ على تَخصيصِ غيرِ الطَّافي مِنْ الجُملةِ فخَصَّصناهُ، واختَلفُوا في الطافِي، فوجَبَ استِعمالُ حُكمِ العُمومِ فيهِ.
ولِما رَوى جابِرٌ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَا ألقَى البَحرُ أو جزَرَ عنهُ فكُلُوهُ، وما ماتَ فيهِ وطَفَا فلا تأكُلوهُ» (٣).
وأمَّا الآيةُ فلا حُجةَ فيها؛ لأنَّ المُرادَ مِنْ قَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذَفَه البَحرُ إلى الشَّطِّ فماتَ، كذا قالَ أهلُ التأويلِ، وذلكَ حَلالٌ؛
стр. 11813
لأنه ليسَ بطافٍ، إنما الطَّافي اسمٌ لِمَا ماتَ في الماءِ مِنْ غَيرِ آفةٍ وسَببٍ حادِثٍ، وهذا ماتَ بسَببٍ حادِثٍ وهو قَذفُ البَحرِ، فلا يَكونُ طافِيًا.
ثمَّ السَّمكُ الطَّافي الذي لا يَحلُّ أكلُه هو الذي يَموتُ في الماءِ حَتْفَ أنفِه بغَيرِ سَببٍ حادِثٍ منهُ، سَواءٌ عَلا على وَجهِ الماءِ أو لم يَعْلُ بعدَ أنْ ماتَ في الماءِ حَتفَ أنفِه مِنْ غيرِ سَببٍ حادِثٍ.
ولو ماتَ مِنْ الحَرِّ والبَردِ وكَدرِ الماءِ ففيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: لا يُؤكلُ؛ لأنَّ الحَرَّ والبَردَ وكدَرَ الماءِ ليسَ مِنْ أسبابِ المَوتِ ظاهِرًا، فلمْ يُوجَدِ المَوتُ بسَببٍ حادِثٍ يُوجِبُ المَوتَ ظاهِرًا وغالبًا، فلا يُؤكلُ.
والثَّانيةُ: يُؤكلُ؛ لأنَّ هذهِ أسبابُ المَوتِ في الجُملةِ، فقدْ وُجدَ المَوتُ بسَببٍ حادِثٍ، فلمْ يَكنْ طافيًا، فيُؤكلُ، ويَستوِي في حِلِّ الأكلِ جَميعُ أنواعِ السَّمكِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى إباحَةِ الطَّافي مِنْ السَّمكِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقالَ عُمرُ ﵁: «صَيدُه ما اصطِيدَ، وطَعامُه ما رَمَى به»، وقالَ أبو بَكرٍ ﵁: «الطَّافي حَلالٌ»، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «طَعامُه مَيتتُه، إلا ما قَذِرْتَ مِنها» (٢).
стр. 11814
وعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «هو الطَّهورُ مَاؤهُ الحِلُّ مَيتتُه» (١)، وأحَقُّ ما يَتناولُه اسمُ المَيتةِ الطَّافي؛ لأنه المَيتُ حَقيقةً.
وقَولِه ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ، فأمَّا المَيتَتانِ فالحُوتُ والجَرادُ، وأما الدَّمَانِ فالكَبدُ والطِّحالُ» (٢)، فسَّرَ النبيُّ ﷺ المَيتةَ بالسَّمكِ مِنْ غَيرِ فَصلٍ بينَ الطَّافي وغيرِه، فكانَ على عُمومِه.
ولِما رواهُ مُسلمٌ عن أبي الزُّبيرِ عن جابِرٍ ﵁ قالَ: «بعَثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ وأمَّرَ عَلينَا أبا عُبيدةَ نَتلقَّى عِيرًا لقُريشٍ وزَوَّدَنا جِرابًا مِنْ تَمرٍ لم يَجدْ لنا غيرَهُ، فكانَ أبو عُبيدةَ يُعطِينا تَمرةً تَمرةً، قالَ: فقُلتُ: كيفَ كُنتمْ تَصنعونَ بها؟ قالَ: نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبيُّ ثمَّ نَشربُ عَليها مِنْ الماءِ فتَكفينَا يَومَنا إلى اللَّيلِ، وكنَّا نَضربُ بعِصِيِّنا الخبَطَ ثمَّ نَبُلُّه بالماءِ فنأكُلُه، قالَ: وانطَلَقْنا على ساحِلِ البَحرِ فرُفعَ لنا على ساحِلِ البَحرِ كهَيئةِ الكثِيبِ الضَّخمِ، فأتَينَاهُ فإذا هي دابَّةٌ تُدعَى العَنبَرَ، قالَ: قالَ أبو عُبيدةَ: مَيْتةٌ، ثمَّ قالَ: لا، بل نحنُ رُسلُ رَسولِ اللهِ ﷺ وفي سَبيلِ اللهِ، وقدِ اضطُرِرتُم فكُلُوا، قالَ: فأقَمْنَا عليهِ شَهرًا ونحنُ ثَلاثُ مائةٍ حتى سَمِنَّا، قالَ: ولقدْ رَأيتُنَا نَغترفُ مِنْ وَقبِ عَينِه بالقِلالِ الدُّهنَ ونَقتطعُ منهُ الفِدرَ كالثَّورِ -أو كقَدرِ الثَّورِ- فلقدْ أخَذَ منَّا أبو عُبيدةَ ثَلاثةَ عشَرَ رَجلًا فأقعَدَهُم في وَقبِ عَينِه،
стр. 11815
وأخَذَ ضِلعًا مِنْ أضلاعِه فأقامَها ثمَّ رحَلَ أعظَمَ بَعيرٍ مَعنَا فمَرَّ مِنْ تَحتِها، وتَزوَّدْنا مِنْ لَحمِه وَشائقَ، فلمَّا قَدِمْنا المَدينةَ أتَينَا رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرْنا ذلكَ له فقالَ: هو رِزقٌ أخرَجَه اللهُ لكم، فهَل مَعكُم مِنْ لَحمِه شيءٌ فتَطعِمُونَا؟ قالَ: فأرسَلْنا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ منهُ فأكَلَه» (١)، فدَلَّ هذا الخبَرُ على أمرَينِ:
أحدَهُما: إباحةُ أكلِ الطَّافي، والثاني: إباحَةُ أكلِ دَوابِّ البَحرِ وإنْ لم يَكنْ حُوتًا.
ولأنَّ كلَّ حيَوانِ استَغنَى عن الذَّكاةِ في إباحتِه استغنى في مَوتِه كالجَرادِ؛ ولأنَّ ما حَلَّ أكلُه قبلَ الظَّفرِ حَلَّ أكلُه بعدَ الظَّفرِ كالمُذكَّى.
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «أشهَدُ على أبي بَكرٍ ﵁ أنه قالَ: السَّمكةُ الطافِيةُ فيه حَلالٌ لمَن أرادَ أكْلَها» رَواهُ البَيهقيُّ بإسنادٍ صَحيحٍ، وروَى البَيهقيُّ بإسنادِه عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ عن علي بنِ أبي طالبٍ قالَا: «الجَرادُ والنُّونُ زَكيٌّ كلُّه»، وعن أبي أيُّوبَ وأبي صرمةَ الأنصاريَّينِ «أنهُما أكَلَا السَّمكَ الطافِيَ»، وعنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لا بأسَ بالسَّمكِ الطَّافي»، وعن أبي هُريرةَ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ أنهُما «كانَا لا يَرَيانِ بأكلِ ما لفَظَ بأسًا»، وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ مثلُه، قالَ النَّوويُّ ﵀: رَوى البَيهقيُّ هذا كلَّه بأسانيدِه المُتصِلةِ (٢).
стр. 11816
ما يُباحُ مِنْ السَّمكِ وما لا يُباحُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُباحُ مِنْ سَمكِ البَحرِ وما لا يُباحُ:
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ جَميعَ ما في البَحرِ مِنْ الحيَوانِ مُحرَّمُ الأكلِ إلا السَّمكَ خاصَّةً بجَميعِ أنواعِه الجَريثِ والمارماهيِّ، فإنهُ يَحلُّ أكلُه إلا ما طفَا منهُ.
وأما غَيرُ السَّمكِ كالسَّرطانِ والسُّلحفاةِ والضِّفدعِ وخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه وإنسانِه فلا يَحلُّ أكلُه ولا بَيعُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما سِوى السَّمكِ خَبيثٌ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حِلِّ جَميعِ ما في البَحرِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ عندَهُم.
قالَ المالِكيةُ: صَيدُ البَحرِ كلُّه جائزٌ أكلُه، كَلبُه وخِنزيرُه، ما لَهُ شَبهٌ في البَرِّ وما لا شَبهَ له، لقَولِه تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فعَمَّ، وقولِه ﷺ : «هوَ الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»، ولأنهُ مِنْ صَيدِ البَحرِ كالسَّمكِ.
стр. 11817
ولا فصْلَ بينَ ما لهُ شَبهٌ في البَرِّ وبينَ ما لا شبَهَ له في جَوازِ أكلِه مِثلَ كَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وغيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ صُورِه؛ لعُمومِ الظَّواهرِ، ولأنه مِنْ صَيدِ البَحرِ كالذي لا شبهَ له، ولا يَحتاجُ شَيءٌ منهُ إلى ذَكاةٍ، وهو حَلالٌ حَيًّا ومَيتًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الحيَوانُ الذي لا يُهلِكُه الماءُ ضَربانِ:
أحَدُهما: ما يَعيشُ في الماءِ وإذا خرَجَ منهُ كانَ عَيشُه عَيشَ المَذبوحِ كالسَّمكِ بأنواعِه فهو حَلالٌ، ولا حاجَةَ إلى ذَبحِه بلا خِلافٍ، بل يَحلُّ مُطلَقًا سَواءٌ ماتَ بسَببٍ ظاهرٍ كضَغطةٍ أو صَدمةِ حَجرٍ أو انحِسارِ ماءٍ أو ضَربٍ مِنْ الصيَّادِ أو غيرِه أو ماتَ حَتْفَ أنفِه، سَواءٌ طَفَا على وَجهِ الماءِ أم لا، وكلُّه حَلالٌ بلا خِلافٍ.
وأما ما ليسَ على صُورةِ السُّموكِ المَشهورةِ ففيهِ ثَلاثةُ أوجُهٍ مَشهورةٍ:
أصَحُّها عندَ الأصحابِ: يَحلُّ الجَميعُ، وهو المَنصوصُ للشافِعيِّ في «الأُم» و «مُختصَر المُزَني» و «اختِلاف العِراقيينَ»؛ لأنَّ الصَّحيحَ أنَّ اسمَ السَّمكِ يَقعُ على جَميعِها، وقدْ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وغَيرُه: «صَيدُه ما صِيدَ، وطَعامُه ما قذَفَ»، ولقَولِه ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه».
стр. 11818
والوَجهُ الثاني: يَحرمُ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ.
الثالِثُ: ما يُؤكلُ نَظيرُه في البَرِّ كالبَقرِ والشاةِ وغَيرِهما فحَلالٌ، وما لا يُؤكلُ كخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه فحَرامٌ، فعَلى هذا ما لا نَظيرَ له حَلالٌ.
ولا تُشترطُ الذَّكاةُ في الجَميعِ علَى الصَّحيحِ.
الضَّربُ الثاني: ما يَعيشُ في الماءِ وفي البَرِّ أيضًا، فمِنهُ طَيرُ الماءِ كالبَطِّ والإوزِّ ونَحوِهما، وهو حَلالٌ، ولا يَحلُّ مَيتتُه بلا خِلافٍ، بل تُشترطُ ذَكاتُه، ومِن هذا الضَّربِ الضِّفدعُ والسَّرطانِ، وهُمَا مُحرَّمانِ على المَذهبِ الصَّحيحِ المَنصوصِ، وبه قطَعَ الجُمهورُ؛ لِما رَواهُ سَعيدُ بنُ المُسيبِ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عُثمانَ قالَ: «ذكَرَ طَبيبٌ عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ دَواءً وذكَرَ الضُّفدعَ يُجعلُ فيه، فنَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن قَتلِ الضُّفدعِ» (١)، ولو حَلَّ أكلُه لم يَنْهَ عن قَتلِه.
وفيهِما قَولٌ ضَعيفٌ أنها حَلالٌ.
وذَواتُ السُّمومِ الضَّارةِ كالحَيةِ وغيرِها وما يُفضِي إلى مَوتٍ أو سُقمٍ فحَرامٌ بلا خِلافٍ ولا يَحلُّ أنْ يُؤكلَ.
وأما التِّمساحُ فحَرامٌ على الصَّحيحِ المَشهورِ، وكذا السُّلحفاةُ حَرامٌ على أصَحِّ الوَجهينِ (٢).
стр. 11819
وقالَ الحَنابلةُ: كلُّ صَيدِ البَحرِ مُباحٌ إلا الضُّفدعَ، ورُويَ عن أبي بَكرٍ الصدِّيقِ ﵁ أنه قالَ في كُلِّ ما في البَحرِ «قد ذكَّاهُ اللهُ لكُم»، وعُمومُ قَولِه تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] يَدلُّ على إباحةِ جَميعِ صَيدِه، ورَوى عَطاءٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ أنهُما بلَغَهُما عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ ذبَحَ كُلَّ شَيءٍ في البَحرِ لابنِ آدَمَ».
فأمَّا الضُّفدعُ «فإنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن قَتلِه» (١)، فيَدلُّ ذلكَ على تَحريمِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما التِّمساحُ فقدْ نُقلَ عنه ما يَدلُّ على أنه لا يُؤكلُ، وقالَ الأوزاعيُّ: لا بأسَ به لمَن اشتَهاهُ، وقالَ ابنُ حامِدٍ: لا يُؤكلُ التِّمساحُ ولا الكَوسَجُ؛ لأنهُما يَأكلانِ النَّاسَ، وقد رُويَ عن إبراهيمَ النخَعيِّ وغيرِه أنه قالَ: كانُوا يَكرهونَ سِباعَ البَحرِ كما يَكرهونَ سِباعَ البَرِّ؛ وذلكَ «لنَهيِ النبيِّ ﷺ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ».
وقالَ أبو عليٍّ النجَّادُ: ما حَرُمَ نَظيرُه في البَرِّ فهو حَرامٌ في البَحرِ ككَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وإنسانِه …
وكَلبُ الماءِ مُباحٌ، ورَكِبَ الحَسنُ بنُ عليٍّ ﵁ سرجًا عليهِ جِلدٌ مِنْ جُلودِ كِلابِ الماءِ، وهذا قولُ مالكٍ والشافِعيِّ والليثِ، ويَقتضيهِ قولُ الشعبيِّ والأوزاعيِّ، ولا يُباحُ عندَ أبي حَنيفةَ، وهو قولُ أبي عَليٍّ النجَّادِ وبعضِ أصحابِ الشافِعيِّ.
ولنا: عُمومُ الآيةِ والخبَرِ، قالَ عبدُ اللهِ: «سألتُ أبي عن كَلبِ الماءِ
стр. 11820
فقالَ: حدَّثَنا يَحيَى بنُ سَعيدٍ عن ابنِ جُريجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ وأبي الزُّبيرِ سَمِعَا شُريحًا -رَجلٌ أدرَكَ النبيَّ ﷺ يَقولُ: كُلُّ شَيءٍ في البَحرِ فهوَ مَذبوحٌ، قالَ: فذَكَرتُ ذلكَ لعَطاءٍ فقالَ: أما الطَّيرُ فنَذبحُه، وقالَ أبو عبدِ اللهِ: كَلبُ الماءِ نَذبحُه (١).
وقالَ قبْلَ ذلكَ: كُلُّ ما يَعيشُ في البَرِّ مِنْ دَوابِّ البَحرِ لا يَحلُّ بغَيرِ ذَكاةٍ كطَيرِ الماءِ والسُّلحفاةِ وكَلبِ الماءِ، إلا ما لا دَمَ فيه كالسَّرطانِ فإنه يُباحُ بغَيرِ ذَكاةٍ، قالَ أحمَدُ: السَّرطانُ لا بأسَ به، قيلَ له: يُذبحُ؟ قالَ: لا؛ وذلكَ لأنَّ مَقصودَ الذَّبحِ إنما هو إخراجُ الدَّمِ منهُ وتَطييبُ اللَّحمِ بإزالتِه عنه، فما لا دَمَ فيه لا حاجَةَ إلى ذَبحِه، وأما سائرُ ما ذكَرْنَا فلا يَحلُّ إلا أنْ يُذبحَ، قالَ أحمَدُ: كَلبُ الماءِ يَذبحُه، ولا أرَى بأسًا بالسُّلحفاةِ إذا ذبَحَ، والرَّقُّ -العَظيمُ مِنْ السحَالفِ- يَذبحُه، وقالَ قَومٌ: يَحلُّ مِنْ غيرِ ذَكاةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ في البَحرِ: «هوَ الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»، ولأنه مِنْ حَيوانِ البَحرِ، فأُبيحَ بغيرِ ذَكاةٍ كالسَّمكِ والسَّرطانِ، وقالَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ ﵁: «كلُّ ما في البَحرِ قد ذكَّاهُ اللهُ تعالَى لكُم»، ورَوى الإمامُ أحمَدُ بإسنادِه عن شُريحٍ -رَجلٌ أدرَكَ النبيَّ ﷺ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كُلُّ شَيءٍ في البَحرِ مَذبوحٌ»، ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ ذبَحَ كلَّ شَيءٍ في البَحرِ لابنِ آدَمَ».
ولنا: إنه حَيوانُ يَعيشُ في البَرِّ له نَفسٌ سائِلةٌ، فلمْ يُبَحْ بغير ذَبحٍ كالطَّيرِ،
стр. 11821
ولا خِلافَ في الطَّيرِ فيما عَلِمناهُ، والأخبارُ مَحمولةٌ على ما لا يَعيشُ إلا في البَحرِ كالسَّمكِ وشَبهِه؛ لأنهُ لا يَتمكنُ مِنْ تَذكيتِه؛ لأنه لا يُذبحُ إلا بعدَ إخراجِه مِنْ الماءِ، وإذا خرَجَ ماتَ.
فَصلٌ: فأما ما لا يَعيشُ إلا في الماءِ كالسَّمكِ وشَبهِه فإنهُ يُباحُ بغَيرِ ذَكاةٍ، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ الأخبارِ، وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فأما المَيتَتانِ فالسَّمكُ والجَرادُ»، وقد صَحَّ «أنَّ أبا عُبيدةَ وأصحابَه وَجَدوا على ساحِلِ البَحرِ دابَّةً يُقالَ لها العَنبَرُ مَيتةً، فأكَلُوا منها شَهرًا حتى سَمِنُوا وادَّهَنوا، فلما قَدِموا على النبيِّ ﷺ أخبَرُوهُ فقالَ: هو رِزقٌ أخرَجَه اللهُ لكُم، فهلْ مَعكُم مِنْ لَحمِه شيءٌ تُطعِمونَا؟» مُتفَقٌ عليهِ (١).
وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما يُباحُ مِنْ دَوابِّ البَحرِ وما لا يُباحُ.
فقالَ أبو حَنيفةَ: لا يُباحُ شَيءٌ منه سِوى السَّمكِ.
وقالَ مالكٌ: يُباحُ جَميعُه، سواءٌ كانَ ممَّا له شَبهٌ في البَرِّ أو ممَّا لا شَبهَ له، مِنْ غيرِ احتِياجٍ إلى ذَكاةٍ، وسَواءٌ تَلفَ بنَفسِه أو بسَببٍ، وسَواءٌ أتلَفَه مُسلمٌ أو مَجوسيٌّ، طَفَا أو لم يَطْفُ، وتَوقَّفَ في خِنزيرِ الماءِ خاصَّةً.
وقالَ أحمَدُ: يُؤكَلُ جَميعُ ما في البَحرِ إلا الضُّفدعُ والتِّمساحُ والكَوشَجُ، ومِن أصحابِه مَنْ منَعَ مِنْ كَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وحَيَّتِه وفأرَتِه
стр. 11822
وعَقربِه، وأنَّ كلَّ ما لهُ شبهٌ في البَرِّ لا يُؤكلُ فإنهُ لا يُؤكلُ في البَحرِ، وهو أبو عَليٍّ النجَّادُ، ويَفتقرُ عندَ أحمَدَ إباحةُ غيرِ السَّمكِ مِنْ ذلكَ إلى الذَّكاةِ كخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه وإنسانِه ونحوِ ذلكَ.
واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ، فمِنهُم مَنْ قالَ: يُؤكلُ جَميعُه إلا الضُّفدعَ، ومنهُم مَنْ منَعَ إباحةَ الكُلِّ سِوى السَّمكِ كقَولِ أبي حَنيفةَ، ومنهُم مَنْ قالَ كقَولِ النجَّادِ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وقالَ أبو الطَّيبِ الطبَريُّ منهُم: لا يَحلُّ النَّسناسُ؛ لأنه على خِلقةِ الآدَميِّ (١).
حُكمُ أكلِ الجَرادِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على حِلِّ أكلِ الجَرادِ إذا صادَهُ المُسلمُ؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ عن أبي يَعفورٍ قالَ: سَمِعتُ بنَ أبي أَوفَى ﵄ قالَ: «غَزَونَا مع النبيِّ ﷺ سَبعَ غَزَواتٍ أو سِتًّا، كُنَّا نَأكلُ معه الجَرادَ» (٢).
ولقَولِه ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فأما المَيتَتانِ فالحُوتُ والجَرادُ، وأما الدَّمَانِ فالكَبدُ والطِّحَالُ» (٣).
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على إباحةِ الجَرادِ إذا صادَهُ المُسلمُ.
واختَلفُوا فيهِ إذا ماتَ بغَيرِ سَببٍ، فقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: يَحلُّ أكلُه، وقالَ مالِكٌ: لا يُؤكلُ الجَرادُ إلا إذا تَلفَ بسَببٍ، قالَ عبدُ الوَهابِ في
стр. 11823
«التَّلقِين»: ومِن أصحابِنا مَنْ لا يُراعِي فيه السَّببَ، وعن أحمَدَ رِوايتانِ: أظهَرُهما: حِلهُّ مِنْ غيرِ اعتِبارِ السَّببِ، والثانيةُ: اعتِبارُ السَّببِ في حِلِّه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على إباحَةِ أكلِ الجَرادِ إذا وُجدَ مَيتًا، وانفَردَ مالكُ بنُ أنسٍ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ فحَرَّماهُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: يُباحُ أكلُ الجَرادِ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، وقد قالَ عَبدُ اللهِ بنُ أبِي أَوفى: «غَزَونا معَ رَسولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نأكلُ الجَرادَ» رواهُ البُخاريُّ وأبو داودَ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَموتَ بسَببٍ أو بغَيرِ سَببٍ في قَولٍ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، منهُم الشافِعيُّ وأصحابُ الحَديثِ وأصحابُ الرأيِ وابنُ المُنذرِ.
وعن أحمَدَ أنه إذا قتَلَه البَردُ لم يُؤكلْ، وعنهُ: لا يُؤكلُ إذا ماتَ بغَيرِ سَببٍ، وهو قولُ مالكٍ، ويُروَى أيضًا عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ.
ولنا: عُمومُ قَولِه ﵇: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فالمَيتتَانِ السَّمكُ والجَرادُ» ولم يُفصِّلْ، ولأنه تُباحُ مَيتتُه، فلمْ يُعتبَرْ له سَببٌ كالسَّمكِ، ولأنه لو افتَقرَ إلى سَببٍ لَافتَقرَ إلى ذَبحٍ وذابحٍ وآلةٍ كبَهيمةِ الأنعامِ (٣).
وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: الجَرادُ عندَ مالِكٍ لا يُؤكلُ إلا إذا ماتَ بسَببٍ، وقالَ مُحمدُ بنُ عَبدِ الحَكمِ: يُؤكلُ وإنْ ماتَ بغَيرِ سَببٍ، فوَجهُ
стр. 11824
قولِ مالِكٍ: أنه مِنْ حَيوانِ البَرِّ كسائرِ الحَيوانِ، ووَجهُ قولِ مُحمدٍ قَولُه ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ، فذَكَر: السَّمكَ والجَرادَ» (١).
قَليُ وشَويُ السَّمكِ دُونَ شَقِّ بَطنِه:
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُباحُ أكلُ الجَرادِ بما فيه، وكذلكَ السَّمكُ يَجوزُ أنْ يُقلَى مِنْ غيرِ أنْ يُشقَّ بَطنُه.
وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ في السمكِ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ رَجيعَه نَجسٌ.
ولنا: عُمومُ النصِّ في إباحتِه، وما ذكَرُوهُ غيرُ مُسلَّمٍ، وإنْ بلَعَ إنسانٌ شَيئًا منه حَيًّا كُرهَ؛ لأنَّ فيه تَعذيبًا له (٢).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: قالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: وأما السَّمكُ الهازي -وهو السَّمكُ الصِّغارُ الذي يُقلَى ببَغدادَ ولا يُخرَجُ ما في جَوفِه مِنْ الرَّجيعِ- .. فلا يَحلُّ أكلُه ورَجيعُه فيهِ؛ لأنَّ رَجيعَه نَجسٌ، فلا يَحلُّ أكلُه.
فعِندَ الشيخِ أبي حامِدٍ: رَوثُ السَّمكِ نَجسٌ وجهًا واحِدًا، وفي دَمِه وَجهانِ.
وأما صاحِبُ «الإبانَة»: فقالَ: في رَوثِ السَّمكِ وَجهانِ كدَمِه، أصَحُّهما: أنه ليسَ بنَجسٍ، فعَلى هذا: يَحلُّ أكلُه قبلَ أنْ يخرجَ (٣).
стр. 11825
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أما السَّمكُ الصِّغارُ الذي يُقلَى ويُشوَى ولا يُشقُّ جَوفُه ولا يُخرَجُ ما فيها ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَحلُّ أكلُه، وبهِ قالَ الشيخُ أبو حامِدٍ؛ لأنَّ رَوثَه نَجسٌ.
والثاني: يَحلُّ، وبه قالَ القفَّالُ، وصحَّحَه الفَورانِيُّ وغيرُه، قالَ الرُّويانِيُّ: وبه أُفتي، قالَ: ورَجيعُه طاهِرٌ عندِي، واحتَجَّ له غيرُه بأنه يُعتدُّ ببَيعِه، وقد جرَى الأوَّلونَ على المُسامَحةِ (١).
وَضعُ السَّمكِ والجَرادِ على النارِ قبلَ مَوتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّمكِ وكذا الجَرادِ، هل يَجوزُ تَقْطيعُه أو وَضعُه على النارِ قبلَ مَوتِه أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ قَليُ الجَرادِ وشَويُه قبلَ مَوتِه، وكذا السَّمكُ قبلَ مَوتِه عندَ المالِكيةِ، ويُكرَهُ عندَ الحَنابلةِ.
قالَ المالِكيةُ: يَجوزُ تَقطيعُ السَّمكِ وإلقاؤُه في النارِ قبلَ مَوتِه؛ لأنه لمَّا كانَ غيرَ مُحتاجٍ لذَكاةٍ فكانَ ما وقَعَ فيه مِنْ الإلقاءِ وما معَه بمَنزلةِ ما وقَعَ في غيرِه بعدَ إتمامِ ذَكاتِه (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسُئلَ أحمَدُ عن السَّمكِ يُلقَى في النارِ؟ فقالَ: ما يُعجبُني، والجَرادِ؟ فقالَ: ما يُعجبُني والجَرادُ أسهَلُ؛ فإنَّ
стр. 11826
هذا له دَمٌ، ولم يَكرهْ أكْلَ السَّمكِ إذا أُلقيَ في النارِ، إنما كَرِهَ تَعذيبَه بالنارِ، وأما الجَرادُ فسهَّلَ في إلقائِه؛ لأنه لا دَمَ له، ولأنَّ السَّمكَ لا حاجَةَ إلى إلقائِه في النارِ؛ لإمكانِ تَركِه حتى يَموتَ بسُرعةٍ، والجَرادُ لا يَموتُ في الحالِ، بل يَبقَى مُدةً طَويلةً، وفي مُسندِ الشافِعيِّ «أنَّ كَعبًا كانَ مُحرِمًا فمَرَّتْ به رِجلٌ مِنْ جَرادٍ فنَسيَ وأخَذَ جَرادَتينِ فألقاهُمَا في النارِ وشَواهُما وذكَرَ ذلكَ لعُمرَ، فلمْ يُنكِرْ عُمرُ ترْكَهُما في النارِ»، وذكَرَ له حديثَ ابنِ عُمرَ: «كانَ الجَرادُ يُقلَى له فقالَ: إنما يُؤخَذُ الجَرادُ فتُقطعُ أجنِحَتُه ثم يُلقَى في الزَّيتِ وهو حيٌّ» (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنه يَحرمُ قَليُ السَّمكِ قبلَ مَوتِه، قالَ العَمرانِيُّ ﵀: لا يَحلُّ أنْ يَقليَ السَّمكَ قبلَ مَوتِه، أنْ يأخُذَه وهو يَضطربُ فيَطرحَه في الزَّيتِ المَغليِّ؛ لأنه تَعذيبٌ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولو قَلَى السَّمكَ قبلَ مَوتِها وطرَحَها في الزَّيتِ المَغليِّ وهي تَضطربُ، قالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: لا يَحِلُّ فِعلُه؛ لأنه تَعذيبٌ، وهذا تَفريعٌ على اختِيارِه في ابتلاعِ السَّمكةِ حَيةً أنه حَرامٌ، فإنْ قُلنَا بكَراهةِ ذلكَ فلا يَحرمُ، فكَذا هذا (٣).
стр. 11827
ثالثًا: شُروطُ آلةِ الصَّيدِ:
آلةُ الصَّيدِ ثَلاثةُ أنواعٍ: المُحدَّداتُ الجارِحةُ، والآلاتُ المُثقَّلاتُ، والجَوارحُ.
النَّوعُ الأولُ: المُحدَّداتُ الجارِحةُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ ما أنهَرَ الدَّمَ وفَرَى الأوداجَ مِنْ حَديدٍ أو رَصاصٍ أو نُحاسٍ أو ذَهبٍ أو حَجرٍ أو خَشبٍ مُحدَّدٍ أو قَصبٍ أو زُجاحٍ فإنه يَحصلُ به الذَّبحُ ويَحلُّ الصَّيدُ المَقتولُ بها إلا السِّنَّ والعَظْمَ إذا لم يَكونَا مَنزوعَينِ؛ لِما رواهُ رافِعُ بن خَديجٍ ﵁ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفرٍ فنَدَّ بَعيرٌ مِنْ الإبلِ، قالَ: فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحَبَسَه، قالَ: ثمَّ قالَ: إنَّ لها أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكُم منها فاصْنَعوا به هكذا، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنا نَكونُ في المغازِي والأسفارِ فنُريدُ أنْ نَذبحَ فلا تَكونُ مُدًى، قالَ: أَرِنْ، ما نهَرَ -أو أنهَرَ- الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظُّفرِ، فإنَّ السِّنَّ عَظمٌ والظُّفرَ مُدَى الحَبَشةِ» (١).
وفي رِوايةٍ عن رافِعِ بن خَديجٍ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : «كُلْ، يَعني: ما أنهَرَ الدَّمَ إلا السِّنَّ والظُّفرَ» (٢).
وعن عَديِّ بن حاتمٍ قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ أحَدُنا أصابَ
стр. 11828
صَيدًا وليسَ معَه سِكِّينٌ أيَذبَحُ بالمَرْوةِ وشِقَّةِ العَصَا؟ فقالَ: «أَمرِرِ الدَّمَ بما شِئتَ واذكُرِ اسمَ اللهِ » (١).
إلا أنهُم اختَلفُوا في السِّنِّ والعَظمِ إذا كانَا مَنزوعَينِ، هل يَجوزُ الذبحُ بهمَا أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُباحُ كلُّ شَيءٍ يُنهِرُ الدمَ ويَفرِي الأوداجَ إلا السِّنَّ والعَظمَ؛ لِما رواهُ رافِعُ بن خَديجٍ ﵁ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفرٍ فنَدَّ بَعيرٌ مِنْ الإبلِ، قالَ: فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحَبَسَه، قالَ: ثمَّ قالَ: إنَّ لها أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكُم منها فاصْنَعوا به هكذا، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنا نَكونُ في المغازِي والأسفارِ فنُريدُ أنْ نَذبحَ فلا تَكونُ مُدًى، قالَ: أَرِنْ، ما نهَرَ -أو أنهَرَ- الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظُّفرِ، فإنَّ السِّنَّ عَظمٌ والظُّفرَ مُدَى الحَبَشةِ» (٢).
وسَواءٌ عَظمُ الآدَميِّ أو غيرُه المُتَّصلُ والمُنفصِلُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ تَحريمَ الذَّبحِ بالسِّنِّ بكَونِه عَظمًا.
وقالَ الحَنابلةُ في قَولٍ: لو ذبَحَ بعَظمٍ غيرِ السِّنِّ جازَ (٣).
стр. 11829
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الذكاةَ تَجوزُ بالسِّنِّ والظُّفرِ المَنزوعَينِ، فأما إنْ كانَا غيرَ مَنزوعَينِ فإنهُ لا يَجوزُ ذلكَ؛ لأنه يَصيرُ خَنقًا، وفي ذلكَ ورَدَ النهيُ، وكذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «ذلكَ الخَنقُ»؛ لأنَّ ما ذبَحَ به إنما يَذبحُ بكَفٍّ لا بغَيرِها، فهو مَخنوقٌ، وكذلكَ ما نُهيَ عنه مِنْ السِّنِّ إنما هو المُركَّبةُ؛ لأنَّ ذلكَ يكونُ عَضًّا، فأما إنْ كانَا مَنزوعَينِ وفَرَيَا الأوداجَ فجائزٌ الذَّكاةُ بهِما؛ لأنَّ في حُكمِ الحَجرِ كلُّ ما قطَعَ ولمْ يشردْ، وإذا جازَتِ التَّذكيةُ بغيرِ الحَديدِ جازَتْ بكلِّ شَيءٍ في مَعناهُ.
قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: الظُّفرُ والسِّنُّ المَنهيُّ عن الذَّبيحةِ بهما إذا كانَتَا قائمَتَينِ في صاحِبِهما؛ وذلكَ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في الظُّفرِ: «إنها مُدَى الحَبشةِ»، وهُم إنما يَذبحونَ بالظُّفرِ القائمِ في مَوضعِه غيرِ المَنزوعِ، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «ذلكَ الخَنقُ»، وعن أبي بِشرٍ قالَ: سألتُ عِكرمةَ عن الذَّبيحةِ بالمَرْوةِ قالَ: «إذا كانَتْ حَديدةً لا تُتردُّ الأوداجَ فكُلْ»، فشرَطَ في ذلكَ أنْ لا تَتردَّ الأوداجُ وهو ألَّا تَفرِيها، ولكنَّه يَقطعُها قِطعةً قِطعةً، والذَّبحُ بالظُّفرِ والسِّنِّ غيرِ المَنزوعِ يَتردُّ ولا يَفرِي، فلذلكَ لم تَصحَّ الذَّكاةُ بهما، وأما إذا كانَا مَنزوعَينِ ففَرَيَا الأوداجَ فلا بأسَ، وإنما كَرهَ أصحابُنا منها ما كانَ بمَنزلةِ السِّكينِ الكَلَالةِ، ولهذا المَعنَى كَرِهوا الذَّبحَ بالقَرنِ والعَظمِ (١).
стр. 11830
النَّوعُ الثانِي: الآلاتُ المُثقَّلاتُ (وحُكمُ الصَّيدِ بالمِعراضِ):
نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ ما كانَ يَقتلُ بثِقَلِه دَقًّا أو خَنقًا لم يَحلَّ الحَيوانُ به ولو كانَ مُحدَّدًا قتَلَ بثِقلِه لا بجَرحِه؛ لحَديثِ عَديِّ بنِ حاتمٍ قالَ: سَألتُ النبيَّ ﷺ : إني أَرمِي بالمِعراضِ الصَّيدَ فأُصِيبُ، فقالَ: «إذا رَمَيتَ بالمِعراضِ فخَزَقَ فكُلْه، وإنْ أصابَهُ بعَرضِه فلا تَأكُلْه» (١).
وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «إذا أصابَ بحَدِّه فكُلْ، وإذا أصابَ بعَرضِه فقتَلَ فإنه وَقيذٌ فلا تَأكُلْ» (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: المِعراضُ - بكَسرِ المِيمِ وبالعَينِ المُهمَلةِ-: وهي خَشبةٌ ثَقيلةٌ أو عَصًا في طَرفِها حَديدةٌ، وقد تَكونُ بغَيرِ حَديدةٍ، هذا هو الصَّحيحُ في تَفسيرِه، وقالَ الهَرويُّ: هو سَهمٌ لا رِيشَ فيه ولا نَصْلَ، وقالَ ابنُ دُريدٍ: هو سَهمٌ طَويلٌ له أربَعُ قُذَذٍ رِقاقٍ، فإذا رَمَى به اعتَرضَ، وقالَ الخَليلُ كقَولِ الهَرويِّ، ونحوُه عن الأصمَعيِّ، وقيلَ: هو عُودٌ رَقيقُ الطَّرفينِ غَليظُ الوَسطِ إذا رُمِيَ به ذهَبَ مُستويًا.
وأمَّا «خَزَقَ» فهو بالخاءِ المُعجَمةِ والزايِ، ومعناهُ: نفَذَ، والوَقذُ والمَوقوذُ: هو الذي يُقتَلُ بغَيرِ مُحدَّدٍ مِنْ عصًا أو حَجرٍ وغيرِهِما، ومَذهبُ الشافعيِّ ومالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ والجَماهيرِ أنه إذا اصطادَ بالمِعراضِ فقتَلَ الصَّيدَ بحَدِّه حَلَّ، وإنْ قتَلَه بعَرضِه لم يَحلَّ؛ لهذا الحَديثِ (٣).
стр. 11831
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا صادَ بالمِعراضِ أكَلَ ما قتَلَ بحَدِّه، ولا يَأكلُ ما قتَلَ بعَرضِه).
المِعراضُ: عُودٌ مُحدَّدٌ، ورُبَّما جُعلَ في رأسِه حَديدةٌ، قالَ أحمَدُ: المِعراضُ يُشبِهُ السهمَ يُحذَفُ به الصَّيدُ، فرُبَّما أصابَ الصَّيدَ بحَدِّه فخَرَقَ وقتَلَ فيُباحُ، ورُبَّما أصابَ بعَرضِه فقتَلَ بثِقَلِه فيكونُ مَوقوذًا فلا يُباحُ، وهذا قولُ عليٍّ وعُثمانَ وعمَّارٍ وابنِ عبَّاسٍ، وبه قالَ النخَعيُّ والحَكمُ ومالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ.
وقالَ الأوزاعيُّ وأهلُ الشامِ: يُباحُ ما قتَلَه بحَدِّه وعَرضِه، وقالَ ابنُ عُمرَ: «ما رُميَ مِنْ الصَّيدِ بجُلَّاهِقَ (١) أو مِعراضٍ هو مِنْ المَوقوذةِ»، وبه قالَ الحَسنُ.
ولنَا: ما روَى عَديُّ بنُ حاتمٍ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن صَيدِ المِعراضِ فقالَ: «ما خرَقَ فكُلْ، وما قتَلَ بعَرضِه فهو وَقيذٌ فلا تَأكلْ» مُتفَقٌ عليهِ، وهذا نَصٌّ؛ ولأنَّ ما قتَلَه بحَدِّه بمَنزلةِ ما طعَنَه برُمحِه أو رَماهُ بسَهمِه، ولأنه مُحدَّدٌ خرَقَ وقتَلَ بحَدِّه، وما قتَلَ بعَرضِه إنما يَقتلُه بثِقلِه، فهو مَوقوذٌ، كالذي رَماهُ بحَجرٍ أو ببُندُقةٍ.
فَصلٌ: قالَ: وحُكمُ سائرِ آلاتِ الصَّيدِ حُكمُ المِعراضِ في أنها إذا قَتَلتْ بعَرضِها ولم تَجرحْ لم يُبَحِ الصَّيدُ، كالسَّهمِ يُصيبُ الطائرَ بعَرضِه
стр. 11832
فيَقتلُه، والرُّمحِ والحَربةِ والسَّيفِ يضربُ به صَفحًا فيَقتلُ، فكُلُّ ذلكَ حَرامٌ، وهكذا إنْ أصابَ بحَدِّه فلمْ يَجرحْ وقتَلَه بثِقلِه لم يُبَحْ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «ما خَرَقَ فكُلْ»، ولأنه إذا لم يَجرحْه فإنما يَقتلُه بثِقلِه، فأشبَهَ ما أصابَ بعَرضِه (١).
الاصطِيادُ بالبُندُقةِ:
البُندُقةُ -بضَمِّ الباءِ والداِل وسُكونِ النونِ-: هي طِينةٌ مُدوَّرةٌ يُرمَى بها؛ لأنه يَدقُّ ويَكسرُ ولا يَجرحُ (٢).
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الصيدَ بالبُندُقةِ مَكروهٌ، وما قُتلَ ببُندُقةِ الطِّينِ الثَّقيلةِ لا يَحلُّ أكلُه، وهو وَقيذةٌ؛ لأنها تَقتلُ بالثِّقلِ لا بالحَدِّ؛ لِما رواهُ الإمامُ أحمَدُ عن عَديِّ بن حاتمٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فخالَطَ كِلابًا أُخرَى فأخَذَتْه جَميعًا فلا تَأكُلْ، فإنَّكَ لَا تدرِي أيُّهُما أخَذَه، وإذا رَمَيتَ فسَمَّيتَ فخَزَقَتْ فكُلْ، فإنْ لم يَنخزِقْ فلا تَأكُلْ، ولا تَأكُلْ مِنْ المِعراضِ إلا ما ذَكَّيتَ، ولا تَأكُلْ مِنْ البُندُقةِ إلا ما ذَكَّيتَ» (٣).
قالَ الإمامُ ابن بطَّالٍ ﵀: وأمَّا البُندُقةُ والحَجرُ فأكثرُ العُلماءِ على كَراهةِ صَيدِها، وهو عِندَهم وَقيذٌ، كقَولِ ابنِ عبَّاسٍ، إلا أنْ يُدرِكَ ذَكاتَه، وبه
стр. 11833
قالَ النخَعيُّ، وذهَبَ إليه مالكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، ورخَّصَ في صَيدِ البُندقةِ عمَّارُ بنُ ياسرٍ، وهو قَولُ سَعيدِ ابنِ المُسيبِ وابنِ أبي ليلَى، وبه قالَ الشامِيُّونَ، الأصلُ في ذلكَ حَديثُ عَديِّ بنِ حاتمٍ «أنَّ النبيَّ أباحَ له أكْلَ ما أصابَ بحَدِّه، ومنَعَه أكْلَ ما أصابَ بعَرضِه»؛ لأنه وَقيذٌ، ولا حُجَّةَ لمَن خالَفَ السُّنةَ، وإنما كَرِهَ الحَسنُ البُندقةَ للقُرَى والأمصارِ؛ لإمكانَ وُجودِهم للسَّكاكينِ وما تَقعُ به الذَّكاةُ، وأجازَها في البَرارِي وفي مَواضعَ يَتعذَّرُ وُجودُ ذلكَ فيهِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ الجَماهيرُ: لا يَحلُّ صَيدُ البُندقيةِ مُطلَقًا؛ لحَديثِ المِعراضِ؛ لأنه كُلَّه رَضٌّ ووَقذٌ، وهو معنَى الرِّوايِة الأخرَى: «فإنه وَقيذٌ» أي: مَقتولٌ بغَيرِ مُحدَّدٍ، والمَوقوذةُ المَقتولةُ بالعَصا ونحوِها، وأصلُه مِنْ الكَسرِ والرَّضِّ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يُؤكلُ ما قُتلَ بالبُندُقِ أو الحَجرِ؛ لأنه مَوقوذٌ) يعني الحَجرَ الذي لا حَدَّ له، فأما المُحدَّدُ كالصوَّانِ فهو كالمِعراضِ إنْ قتَلَ بحَدِّه أُبيحَ، وإنْ قتَلَ بعَرضِه أو ثِقلِه فهو وَقيذٌ لا يُباحُ، وهذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ، وقالَ ابنُ عُمرَ في المَقتولةِ بالبُندقِ: «تِلكَ المَوقوذةُ»، وكَرِهَ ذلكَ سالمٌ والقاسِمُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والحَسنُ وإبراهيمُ
стр. 11834
ومالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ، ورخَّصَ فيما قُتلَ بها ابنُ المُسيبِ، ورُويَ أيضًا عن عمَّارٍ وعَبدِ الرَّحمنِ ابنِ أبي ليلَى.
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ورَوى سَعيدٌ بإسنادِه عن إبراهيمَ عن عَديٍّ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ولا تَأكلْ مِنْ البُندُقةِ إلا ما ذَكَّيتَ»، وقالَ في المِعراضِ: «إذا أُصيبَ بعَرضِه فَقتلَ فإنهُ وَقيذٌ»، وقالَ عُمرُ: «لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَحذِفَ الأرنبَ بالعَصَا والحَجرِ، ثمَّ قالَ: ولْيُذَكِّ لكُم الأسَلُ الرِّماحُ والنَّبلُ».
إذا ثبَتَ هذا فسَواءٌ شَدَخَه أو لم يَشدَخْه، حتَّى لو رَماهُ ببُندقةٍ فقَطَعتْ حُلقومَ طائرٍ ومَريئَهُ أو أطارَتْ رأسَه لم يَحِلَّ، وكذلكَ إنْ فعَلَ ذلكَ بحَجرٍ غيرِ مُحدَّدٍ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ قاضِيخَان: لا يَحلُّ صَيدُ البُندقةِ والحَجرِ والمِعراضِ والعَصا وما أشبَهَ ذلكَ وإنْ جرَحَ؛ لأنه لا يَخرِقُ، إلا أنْ يكونَ شَيءٌ مِنْ ذلكَ قد حَدَّدَه وطوَّلَه كالسَّهمِ وأمكَنَ أنْ يَرميَ به، فإن كانَ كذلكَ وخرَقَه بحَدِّه حَلَّ أكلُه، فأما الجَرحُ الذي يدقُّ في الباطنِ ولا يَخرقُ في الظاهرِ لا يَحلُّ؛ لأنه لا يَحصلُ به إنهارُ الدَّمِ، ومُثقَّلُ الحَديدِ وغيرِ الحَديدِ سَواءٌ، إنْ خزَقَ حَلَّ، وإلا فلا. اه (٢).
стр. 11835
الاصطِيادُ ببُندقيةِ الرَّصاصِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الاصطِيادِ ببُندقيةِ الرَّصاصِ المَوجودةِ حاليًّا، هل يَجوزُ الاصطِيادُ بها وما يُصيبُه حَلالٌ؟ أم لا يَجوزُ وهيَ مَوقوذةٌ لا يَحلُّ أكلُ ما صِيدَ بها؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ما صِيدَ ببُندقِ الرَّصاصِ حَلالٌ.
قالَ الإمامُ الدِّرديرُ ﵀: وأما الرَّصاصُ فيُؤكَلُ به؛ لأنه أقوَى مِنْ السَّلاحِ، كذا اعتَمدَه بعضُهُم.
قالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: (قَولُه: كذا اعتَمدَه بَعضُهم) الحاصِلُ أنَّ الصَّيدَ ببُندقِ الرَّصاصِ لم يُوجَدْ فيه نَصٌّ للمُتقدِّمينَ؛ لحُدوثِ الرَّميِ به بحُدوثِ البارودِ في وَسطِ المِائةِ الثامِنةِ، واختَلفَ فيه المُتأخِّرونَ، فمنهُم مَنْ قالَ بالمَنعِ؛ قياسًا على بُندقِ الطِّينِ، ومنهُم مَنْ قالَ بالجَوازِ كأبي عَبدِ اللهِ القوريِّ وابنِ غازِي والشَّيخِ المَنجورِ وسيدِي عبدِ الرَّحمنِ الفاسِيِّ والشيخِ عبدِ القادرِ الفاسِيِّ؛ لِما فيه مِنْ الإنهارِ والإجهازِ بسُرعةِ الذي شُرِعَتِ الذَّكاةُ لأجْلِه، وقياسُه على بُندقِ الطِّينِ فاسدٌ؛ لوُجودِ الفارقِ، وهو وُجودُ الخَرقِ والنَّفوذِ في الرَّصاصِ تَحقيقًا، وعَدمِ ذلكَ في بُندقِ الطِّينِ، وإنما شَأنُه الرَّضُّ والكَسرُ، وما كانَ هذا شَأنَه لا يُستعملُ؛ لأنه مِنْ الوَقذِ المُحرَّمِ بنَصِّ القُرآنِ (١).