وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا صادَ بالمِعراضِ أكَلَ ما قتَلَ بحَدِّه، ولا يَأكلُ ما قتَلَ بعَرضِه).
المِعراضُ: عُودٌ مُحدَّدٌ، ورُبَّما جُعلَ في رأسِه حَديدةٌ، قالَ أحمَدُ: المِعراضُ يُشبِهُ السهمَ يُحذَفُ به الصَّيدُ، فرُبَّما أصابَ الصَّيدَ بحَدِّه فخَرَقَ وقتَلَ فيُباحُ، ورُبَّما أصابَ بعَرضِه فقتَلَ بثِقَلِه فيكونُ مَوقوذًا فلا يُباحُ، وهذا قولُ عليٍّ وعُثمانَ وعمَّارٍ وابنِ عبَّاسٍ، وبه قالَ النخَعيُّ والحَكمُ ومالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ.
وقالَ الأوزاعيُّ وأهلُ الشامِ: يُباحُ ما قتَلَه بحَدِّه وعَرضِه، وقالَ ابنُ عُمرَ: «ما رُميَ مِنْ الصَّيدِ بجُلَّاهِقَ (١) أو مِعراضٍ هو مِنْ المَوقوذةِ»، وبه قالَ الحَسنُ.
ولنَا: ما روَى عَديُّ بنُ حاتمٍ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن صَيدِ المِعراضِ فقالَ: «ما خرَقَ فكُلْ، وما قتَلَ بعَرضِه فهو وَقيذٌ فلا تَأكلْ» مُتفَقٌ عليهِ، وهذا نَصٌّ؛ ولأنَّ ما قتَلَه بحَدِّه بمَنزلةِ ما طعَنَه برُمحِه أو رَماهُ بسَهمِه، ولأنه مُحدَّدٌ خرَقَ وقتَلَ بحَدِّه، وما قتَلَ بعَرضِه إنما يَقتلُه بثِقلِه، فهو مَوقوذٌ، كالذي رَماهُ بحَجرٍ أو ببُندُقةٍ.
فَصلٌ: قالَ: وحُكمُ سائرِ آلاتِ الصَّيدِ حُكمُ المِعراضِ في أنها إذا قَتَلتْ بعَرضِها ولم تَجرحْ لم يُبَحِ الصَّيدُ، كالسَّهمِ يُصيبُ الطائرَ بعَرضِه
стр. 11832
فيَقتلُه، والرُّمحِ والحَربةِ والسَّيفِ يضربُ به صَفحًا فيَقتلُ، فكُلُّ ذلكَ حَرامٌ، وهكذا إنْ أصابَ بحَدِّه فلمْ يَجرحْ وقتَلَه بثِقلِه لم يُبَحْ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «ما خَرَقَ فكُلْ»، ولأنه إذا لم يَجرحْه فإنما يَقتلُه بثِقلِه، فأشبَهَ ما أصابَ بعَرضِه (١).
الاصطِيادُ بالبُندُقةِ:
البُندُقةُ -بضَمِّ الباءِ والداِل وسُكونِ النونِ-: هي طِينةٌ مُدوَّرةٌ يُرمَى بها؛ لأنه يَدقُّ ويَكسرُ ولا يَجرحُ (٢).
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الصيدَ بالبُندُقةِ مَكروهٌ، وما قُتلَ ببُندُقةِ الطِّينِ الثَّقيلةِ لا يَحلُّ أكلُه، وهو وَقيذةٌ؛ لأنها تَقتلُ بالثِّقلِ لا بالحَدِّ؛ لِما رواهُ الإمامُ أحمَدُ عن عَديِّ بن حاتمٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فخالَطَ كِلابًا أُخرَى فأخَذَتْه جَميعًا فلا تَأكُلْ، فإنَّكَ لَا تدرِي أيُّهُما أخَذَه، وإذا رَمَيتَ فسَمَّيتَ فخَزَقَتْ فكُلْ، فإنْ لم يَنخزِقْ فلا تَأكُلْ، ولا تَأكُلْ مِنْ المِعراضِ إلا ما ذَكَّيتَ، ولا تَأكُلْ مِنْ البُندُقةِ إلا ما ذَكَّيتَ» (٣).
قالَ الإمامُ ابن بطَّالٍ ﵀: وأمَّا البُندُقةُ والحَجرُ فأكثرُ العُلماءِ على كَراهةِ صَيدِها، وهو عِندَهم وَقيذٌ، كقَولِ ابنِ عبَّاسٍ، إلا أنْ يُدرِكَ ذَكاتَه، وبه
стр. 11833
قالَ النخَعيُّ، وذهَبَ إليه مالكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، ورخَّصَ في صَيدِ البُندقةِ عمَّارُ بنُ ياسرٍ، وهو قَولُ سَعيدِ ابنِ المُسيبِ وابنِ أبي ليلَى، وبه قالَ الشامِيُّونَ، الأصلُ في ذلكَ حَديثُ عَديِّ بنِ حاتمٍ «أنَّ النبيَّ أباحَ له أكْلَ ما أصابَ بحَدِّه، ومنَعَه أكْلَ ما أصابَ بعَرضِه»؛ لأنه وَقيذٌ، ولا حُجَّةَ لمَن خالَفَ السُّنةَ، وإنما كَرِهَ الحَسنُ البُندقةَ للقُرَى والأمصارِ؛ لإمكانَ وُجودِهم للسَّكاكينِ وما تَقعُ به الذَّكاةُ، وأجازَها في البَرارِي وفي مَواضعَ يَتعذَّرُ وُجودُ ذلكَ فيهِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ الجَماهيرُ: لا يَحلُّ صَيدُ البُندقيةِ مُطلَقًا؛ لحَديثِ المِعراضِ؛ لأنه كُلَّه رَضٌّ ووَقذٌ، وهو معنَى الرِّوايِة الأخرَى: «فإنه وَقيذٌ» أي: مَقتولٌ بغَيرِ مُحدَّدٍ، والمَوقوذةُ المَقتولةُ بالعَصا ونحوِها، وأصلُه مِنْ الكَسرِ والرَّضِّ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يُؤكلُ ما قُتلَ بالبُندُقِ أو الحَجرِ؛ لأنه مَوقوذٌ) يعني الحَجرَ الذي لا حَدَّ له، فأما المُحدَّدُ كالصوَّانِ فهو كالمِعراضِ إنْ قتَلَ بحَدِّه أُبيحَ، وإنْ قتَلَ بعَرضِه أو ثِقلِه فهو وَقيذٌ لا يُباحُ، وهذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ، وقالَ ابنُ عُمرَ في المَقتولةِ بالبُندقِ: «تِلكَ المَوقوذةُ»، وكَرِهَ ذلكَ سالمٌ والقاسِمُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والحَسنُ وإبراهيمُ
стр. 11834
ومالكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ، ورخَّصَ فيما قُتلَ بها ابنُ المُسيبِ، ورُويَ أيضًا عن عمَّارٍ وعَبدِ الرَّحمنِ ابنِ أبي ليلَى.
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ورَوى سَعيدٌ بإسنادِه عن إبراهيمَ عن عَديٍّ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ولا تَأكلْ مِنْ البُندُقةِ إلا ما ذَكَّيتَ»، وقالَ في المِعراضِ: «إذا أُصيبَ بعَرضِه فَقتلَ فإنهُ وَقيذٌ»، وقالَ عُمرُ: «لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَحذِفَ الأرنبَ بالعَصَا والحَجرِ، ثمَّ قالَ: ولْيُذَكِّ لكُم الأسَلُ الرِّماحُ والنَّبلُ».
إذا ثبَتَ هذا فسَواءٌ شَدَخَه أو لم يَشدَخْه، حتَّى لو رَماهُ ببُندقةٍ فقَطَعتْ حُلقومَ طائرٍ ومَريئَهُ أو أطارَتْ رأسَه لم يَحِلَّ، وكذلكَ إنْ فعَلَ ذلكَ بحَجرٍ غيرِ مُحدَّدٍ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ قاضِيخَان: لا يَحلُّ صَيدُ البُندقةِ والحَجرِ والمِعراضِ والعَصا وما أشبَهَ ذلكَ وإنْ جرَحَ؛ لأنه لا يَخرِقُ، إلا أنْ يكونَ شَيءٌ مِنْ ذلكَ قد حَدَّدَه وطوَّلَه كالسَّهمِ وأمكَنَ أنْ يَرميَ به، فإن كانَ كذلكَ وخرَقَه بحَدِّه حَلَّ أكلُه، فأما الجَرحُ الذي يدقُّ في الباطنِ ولا يَخرقُ في الظاهرِ لا يَحلُّ؛ لأنه لا يَحصلُ به إنهارُ الدَّمِ، ومُثقَّلُ الحَديدِ وغيرِ الحَديدِ سَواءٌ، إنْ خزَقَ حَلَّ، وإلا فلا. اه (٢).
стр. 11835
الاصطِيادُ ببُندقيةِ الرَّصاصِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الاصطِيادِ ببُندقيةِ الرَّصاصِ المَوجودةِ حاليًّا، هل يَجوزُ الاصطِيادُ بها وما يُصيبُه حَلالٌ؟ أم لا يَجوزُ وهيَ مَوقوذةٌ لا يَحلُّ أكلُ ما صِيدَ بها؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ما صِيدَ ببُندقِ الرَّصاصِ حَلالٌ.
قالَ الإمامُ الدِّرديرُ ﵀: وأما الرَّصاصُ فيُؤكَلُ به؛ لأنه أقوَى مِنْ السَّلاحِ، كذا اعتَمدَه بعضُهُم.
قالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: (قَولُه: كذا اعتَمدَه بَعضُهم) الحاصِلُ أنَّ الصَّيدَ ببُندقِ الرَّصاصِ لم يُوجَدْ فيه نَصٌّ للمُتقدِّمينَ؛ لحُدوثِ الرَّميِ به بحُدوثِ البارودِ في وَسطِ المِائةِ الثامِنةِ، واختَلفَ فيه المُتأخِّرونَ، فمنهُم مَنْ قالَ بالمَنعِ؛ قياسًا على بُندقِ الطِّينِ، ومنهُم مَنْ قالَ بالجَوازِ كأبي عَبدِ اللهِ القوريِّ وابنِ غازِي والشَّيخِ المَنجورِ وسيدِي عبدِ الرَّحمنِ الفاسِيِّ والشيخِ عبدِ القادرِ الفاسِيِّ؛ لِما فيه مِنْ الإنهارِ والإجهازِ بسُرعةِ الذي شُرِعَتِ الذَّكاةُ لأجْلِه، وقياسُه على بُندقِ الطِّينِ فاسدٌ؛ لوُجودِ الفارقِ، وهو وُجودُ الخَرقِ والنَّفوذِ في الرَّصاصِ تَحقيقًا، وعَدمِ ذلكَ في بُندقِ الطِّينِ، وإنما شَأنُه الرَّضُّ والكَسرُ، وما كانَ هذا شَأنَه لا يُستعملُ؛ لأنه مِنْ الوَقذِ المُحرَّمِ بنَصِّ القُرآنِ (١).
стр. 11836
وقالَ ابنُ ضُوَيَّانِ الحَنبليُّ ﵀: قالَ العَمروسيُّ مِنْ المالِكيةِ: وأما بُندقُ الرَّصاصِ فهيَ أقوَى مِنْ كلِّ مُحدَّدٍ، فيَحلُّ بها الصَّيدُ، قالَ الشَّيخُ عبدُ القادِرِ الفاسِيُّ:
وما ببُندُقِ الرَّصاصِ صِيدَا جَوازُ أكلِه قدِ استُفيدَا
أفتَى به والِدُنا الأوَّاهُ وانعَقدَ الإجماعُ مِنْ فَتواهُ (١)
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَحرمُ ما صِيدَ به، على تَفصيلٍ عندَ الشافِعيةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: ولا يَخفَى أنَّ الجرحَ بالرَّصاصِ إنما هو بالإحراقِ والثِّقلِ بواسِطةِ اندِفاعِه العَنيفِ؛ إذْ ليسَ له حَدٌّ، فلا يَحلُّ، وبه أفتَى ابنُ نُجيمٍ (٢).
وقالَ الميلبارِيُّ مِنْ الشافِعيةِ ﵀: ويَحرمُ قَطعًا رَميُ الصَّيدِ بالبُندقِ المُعتادِ الآنَ، وهو ما يُصنَعُ بالحَديدِ ويُرمَى بالنارِ؛ لأنه مُحرِّقٌ مُذفِّفٌ سَريعًا غالبًا.
قالَ شَيخُنا: نعمْ، إنْ عَلِمَ حاذِقٌ أنه إنما يُصيبُ نحوَ جَناحٍ كَبيرٍ فيَشقُّه فقطْ احتُملَ الجَوازُ.
قالَ ابنُ شَطَا الدمياطيُّ ﵀: قَولُه: (ويَحرمُ قَطعًا رَمي إلخ) والحاصِلُ أنَّ الرَّميَ ببُندقِ الرَّصاصِ بواسِطةِ النارِ حَرامٌ مُطلَقًا، إلا
стр. 11837
أنْ يكونَ الرامِي حاذِقًا ويَعلمَ أنه إنَّما يُصيبُ جَناحَه فلا يَحرمُ (١).
وقالَ الإمامُ القَليوبِيُّ ﵀: قَولُه: (وبُندُقةٍ) ويَجوزُ الاصطِيادُ بالبُندقِ في صَيدٍ لا يَموتُ به، وإلا فيَحرمُ كالعَصافيرِ، والبُندقُ شامِلٌ لِما كانَ بواسِطةِ نارٍ أو لا، وهو مِثالٌ، فكُلِّ مُثقَّلٍ كذلكَ (٢).
الاصطِيادُ بالشَّبكةِ والأَحبُولةِ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الإنسانَ إذا نصَبَ شَبكةً أو أَحبولةً وسَمَّى فوقَعَ فيها صَيدٌ وماتَ مَجروحًا لم يَحلَّ إذا لم تَكنْ بها آلةٌ جارِحةٌ، وأما إنْ كانَ بها آلةٌ جارِحةٌ كمِنجلٍ أو نصَبَ سِكينًا وسَمَّى حَلَّ كما لو رَماهُ بها، وقد صرَّحَ بهذا الحَنفيةُ والحَنابلةُ.
قالَ الإمامُ العينِيُّ ﵀: نصَبَ أَحبولةً فوقَعَ فيها صَيدٌ وماتَ، إنْ ماتَ بالشَّبكةِ والحَبلِ لا يَحلُّ باتِّفاقِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، إلا عندَ الحَسنِ البَصريِّ ﵀ فإنه قالَ: لو سَمَّى على الحَبلِ ودخَلَ فيه وجرَحَه يَحلُّ، وهذا قَولٌ شاذٌّ مُخالِفٌ لعامَّةِ أهلِ العِلمِ.
أما لو كانَ فيها آلةٌ جارِحةٌ مثلَ المِنجلِ وسَمَّى عليهَا وجرَحَه يَحلُّ، وهذا عندَنا وعندَ أحمَدَ، وبه قالَ الحسَنُ وقَتادةُ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يَحلُّ (٣).
стр. 11838
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: ولو نصَبَ شَبكةً أَحبُولةً وسَمَّى ووقَعَ بها صَيدٌ وماتَ مَجروحًا لا يَحلُّ، ولو كانَ بها آلةٌ جارِحةٌ كمِنجلٍ وسَمَّى عليهِ وجرَحَه حَلَّ عندَنا كما لو رَماهُ بها.
وفي «البزَّازيَّة»: وضَعَ مِنجلًا في الصَّحراءِ لصَيدِ حِمارِ الوَحشِ فَجاءَه فإذا هو مُتعلِّقٌ به وهو مَيتٌ وكانَ سمَّى عندَ الوَضعِ لا يَحلُّ.
قالَ المَقدسيُّ: وهذا مَحمولٌ على ما إذا قعَدَ عن طَلبهِ. اه (١).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: (وإنْ نصَبَ مَناجِلَ أو) نصَبَ (سَكاكينَ) للصَّيدِ (وسَمَّى عندَ نَصبِها فقَتَلتْ صَيدًا ولو بعدَ مَوتِ ناصبِه أو رِدَّتِه) اعتِبارًا بوَقتِ النَّصبِ؛ لأنه كالرَّميِ (أبيحَ) الصَّيدُ (إنْ جرَحَه) المَنصوبُ مِنْ سِكينٍ أو مِنجلٍ، رُويَ عن ابنِ عُمرَ؛ لأنَّ النَّصبَ جَرَى مَجرَى المُباشَرةِ في الضَّمانِ، فكذا في الإباحةِ، ولقَولِه ﷺ : «كُلْ ما رَدَّتْ عَليكَ يَدُكَ»، ولأنه قَتلُ الصَّيدِ بما له حَدٌّ جَرَتِ العادةُ بالصَّيد بهِ، أشبَهَ ما لو رَماهُ، وفارَقَ ما إذا نصَبَ سِكينًا؛ فإنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالصَّيدِ بها، ذكَرَه في «المُبدِع»، مع أنَّ عِبارةَ «المُنتهَى»: مَنْ نصَبَ مِنجلًا أو سِكينًا، لكنَّ عِبارةَ «المُقنِع» بالجَمعِ كالمُصنِّفْ، ولم يُغيِّرْها في «التَّنقِيح»، ولا تَعرَّضِ لهؤلاءِ في «الإنصَاف»، (وإلَّا) أي: وإنْ لم يَجرَحْه ما نصَبَه مِنْ مَناجِلَ أو سَكاكينَ (فلا) يُباحُ الصَّيدُ؛ لعَدمِ الجرحِ (٢).
стр. 11839
وقالَ الإمامُ المِرداويُّ ﵀: قَولهُ: (وإنْ نصَبَ مَناجِلَ أو سَكاكينَ وسَمَّى عندَ نَصبِها فقَتَلتْ صَيدًا أُبيحَ) إذا سَمَّى عندَ نَصبِها وقَتَلتْ صَيدًا، فلا يَخلُو: إما أنْ يَجرَحَه أو لا، فإنْ جرَحَه حَلَّ بلا نِزاعٍ أعلَمُه، وإنْ لم يَجرحْه لم يَحلَّ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، نَصَّ عليهِ، وهو ظاهِرُ ما جزَمَ به في المَذهبِ والمُصنِّفُ هُنا وغيرُه، وقدَّمَه في «الفُروع».
وقيلَ: يَحلُّ مُطلَقًا، ويَحتملُه كَلامُ المُصنِّفِ هنا، قالَ في «الفُروعِ»: ويَتوجَّهُ عليهِ حِلُّ ما قبلَها.
تَنبيهٌ: حَيثُ قُلنا: «يَحِلُّ» فظاهِرُه: ولو ارتَدَّ الناصِبُ أو ماتَ.
قالَ في «الفُروع»: وهو كقَولِهم: إذا ارتَدَّ أو ماتَ بينَ رَميِه وإصابتِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَحلُّ الصَّيدُ في هذه الحالةِ.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قلتُ): أرَأيتَ ما قَتَلَتِ الحِبالاتُ مِنْ الصَّيد أيُؤكَلُ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: لا يُؤكَلُ إلا ما أُدرِكَتْ ذَكاتُه مِنْ ذلكَ، (قالَ): فقُلتُ لمالكٍ: فإنْ كانَتْ في الحِبالاتِ حَديدةٌ فأنفَذَتِ الحَديدةُ مَقاتلَ الصَّيدِ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: لا يُؤكلُ منهُ إلا ما أُدرِكَتْ ذَكاتُه، (قلتُ): فهذا الذي قد أنفَذَتِ الحِبالاتُ مَقاتِلَه إنْ أدرَكَه لم يَكنْ له ذَكاةٌ في قَولٍ مالكٍ؟ قالَ: نعمْ، لا ذَكاةَ لهُ (٢).
стр. 11840
وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وإنْ نصَبَ أَحبولةً وفيها حَديدةٌ فوقَعَ فيها صَيدٌ فقتَلَتْه الحَديدةُ لم يَحلَّ؛ لأنه ماتَ بغَيرِ فِعلٍ مِنْ جِهةِ أحَدِ، فلمْ يَحلَّ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الشَّرحُ: قالَ الشافِعيُّ ﵀: ولا يُؤكلُ ما قتَلَتْه الأَحبولةُ، كانَ فيها سِلاحٌ أو لم يَكنْ، قالَ أصحابُنا: الأَحبولةُ -بفَتحِ الهَمزةِ-: هو ما يُنصَبُ للصَّيدِ فيَعلَقُ به مِنْ حَبلٍ أو شَبكةٍ أو شَرَكٍ، ويُقالَ لها أيضًا: حِبالةٌ -بكَسرِ الحاءِ- جَمعُها حَبائلُ، فإذا وقَعَ في الأَحبولةِ صَيدٌ فماتَ لم يَحلَّ أكلُه بلا خِلافٍ؛ لأنه لم يُذَكِّه أحدٌ وإنما ماتَ بفِعلِ نَفسِه ولم يُوجَدْ مِنْ الصائدِ إلا سَببٌ فهو كمَن نصَبَ سِكينًا فرَبَضتْ عليها شاةٌ فقَطَعتْ حَلْقَها فإنها حَرامٌ قَطعًا، ولو كانَ رأسُ الحَبلِ الذي في الأَحبولةِ في يَدِه فجَرَّه وماتَ به الصَّيدُ فحَرامٌ أيضًا؛ لأنه مِنْ جُملةِ المُنخنِقةِ، واللهُ أعلَمُ.
فَرعٌ: هذا الذي ذكَرْناهُ مِنْ تَحريمِ صَيدِ الأَحبولةِ ونَحوِها إذا لم يُدرَكْ ذَكاتُه هو مَذهبُنا ومَذهبُ العُلماءِ كافَّةً، إلا ما حَكاهُ ابنُ المُنذِرِ عن الحَسنِ البصريِّ أنه يَحلُّ إنْ كانَ سَمَّى وقتَ نَصبِها (١).
النَّوعُ الثالثُ: الجَوارحُ (الحَيَوانُ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَجوزُ الاصطِيادُ بالحَيوانِ المُعلَّمِ، وهو ما يُسمَّى بالجَوارحِ مِنْ الكِلابِ والسِّباعِ والطُّيورِ ممَّا له نابٌ أو مِخلبٌ وكُلِّ ما يَقبلُ التَّعليمَ كالكَلبِ والأسدِ والنَّمرِ والبازِي والشاهِينِ والباشِقِ والعُقَابِ
стр. 11841
والصَّقرِ ونحوِها ممَّا يَقبلُ التَّعليمَ إلا الكَلبَ الأسوَدَ عندَ الحَنابلةِ فإنه لا يَجوزُ الاصطِيادُ به، خِلافًا للجُمهورِ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنه يَجوزُ الاصطِيادُ بالجَوارحِ المُعلَّمةِ، إلا الأسودَ البَهيمَ مِنْ الكِلابِ فإنهُم اختَلفُوا في جَوازِ الاصطِيادِ به فأجازَ الاصطِيادَ به أبو حَنيفةَ ومالكٌ والشافِعيُّ وأباحُوا أكْلَ ما قتَلَ.
ومنَعَ مِنْ جَوازِ ذلكَ أحمَدُ وحْدَه فقالَ: لا يَجوزُ الاصطِيادُ به، ولا يُباحُ أكلُ ما قتَلَ؛ اتِّباعًا للحَديثِ، وهو مَذهبُ إبراهيمَ النخَعيِّ وقَتادةَ بنِ دِعامةَ (١).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا أعلَمُ في صَيدِ سِباعِ الطَّيرِ المُعلَّمةِ خِلافًا إنه جائزٌ كالكَلبِ المُعلَّمِ سَواءٌ، إلا مُجاهِدَ بنَ جَبْرٍ فإنه كانَ يَكرهُ صَيدَ الطيرِ ويَقولُ: إنما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فإنما هيَ الكِلابُ.
وخالَفَه عامَّةُ العُلماءِ قَديمًا وحَديثًا فأجازُوا الاصطِيادَ بالبازِي والشُّوذَنِينَ وسائرِ سِباعِ الطَّيرِ المُعلَّمةِ (٢).
ويُشتَرطُ في الحيَوانِ ما يلي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونَ الجارحُ مُعلَّمًا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ أنْ يكونَ الجارِحُ مُعلَّمًا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ
стр. 11842
عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «هيَ الكِلابُ المُعلَّمةُ والبازِي وكُلُّ ما تَعلَّمَ الصَّيدَ» (١).
وعن عَديِّ بن حَاتمٍ ﵁ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقُلتُ: إنَّا قَومٌ نَتصيَّدُ بهذه الكِلابِ؟ فقال: «إذا أرسَلْتَ كِلابَكَ المُعلَّمةَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ ممَّا أمسَكْنَ عليكَ، إلا أنْ يَأكلَ الكَلبُ فلا تَأكلْ، فإني أخافُ أنْ يَكونَ إنِّما أمسَكَ على نَفسِهِ، وإنْ خالَطَها كَلبٌ مِنْ غَيرِها فلا تَأكلْ» (٢).
وعن أبي ثَعلبةَ الخُشَنيِّ ﵁ قالَ: قلتُ: يا نَبيَّ اللهِ إنَّا بأرضِ قَومٍ مِنْ أهلِ الكِتابِ أفَنَأكلُ في آنِيتِهم؟ وبأرضِ صَيدٍ أصِيدُ بقَوسِي وبكَلبِي الذي ليسَ بمُعلَّمٍ وبكَلبِي المُعلَّمِ فما يَصلحُ لي؟ قالَ: «أمَّا ما ذكَرْتَ مِنْ أهلِ الكِتابِ فإنْ وَجدْتُم غيرَها فلا تَأكلُوا فيها، وإنْ لم تَجدُوا فاغسِلُوها وكُلُوا فيها، وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ المُعلَّمِ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ غيرِ مُعلَّمٍ فأدرَكْتَ ذَكاتَه فكُلْ» (٣).
стр. 11843
ويُعتبَرُ في تَعليمِه ثَلاثةُ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: إذا أرسَلَه استَرسَلَ.
الشَّرطُ الثاني: إذا زجَرَه انزَجرَ.
وهذانِ الشَّرطانِ مُتفَقٌ عليها عندَ أهلِ العِلمِ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ مِنْ شَرطِ تَعليمِ سِباعِ البَهائمِ أنْ تكونَ إذا أرسَلَه استَرسلَ وإذا زجَرَه انزَجرَ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: إذا أمسَكَ لم يَأكلْ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجارِحةِ إذا أكلَتْ مما صادَتْه، هل يَحِلُّ أكلُه أم لا؟
فهَذا لا يَخلُو مِنْ حالتَينِ:
إمَّا أنْ تكونَ الجارِحةُ مِنْ سِباعِ الطَّيرِ، وإما أنْ تكونَ مِنْ سِباعِ البَهائمِ.
أوَّلًا: حُكمُ الجارِحةِ مِنْ سِباعِ الطَّيرِ إذا أكلَتْ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ على أنَّ الجارِحةَ مِنْ سِباعِ الطَّيرِ كالصَّقرِ والبازِي والعُقابِ والباشِقِ لا يُعتبَرُ في حَدِّ تَعليمِه تَركُ الأكلِ ممَّا صادَه، فيَجوزُ الأكلُ ممَّا صادَه وأكَلَ منه
стр. 11844
ويَحِلُّ؛ لأنه لا يُمكِنُ أنْ يُضرِبَ عنِ الأكلِ، وكذا إنْ شَربَ مِنْ دَمِه، ولأنهُ إجماعُ الصَّحابةِ؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «إذا أكَلَ الكَلبُ فلا تَأكلْ، وإنْ أكَلَ الصَّقرُ فكُلْ» (١)، وقالَ أيضًا: «لأنَّكَ تَستطيعُ أنْ تَضربَ الكَلبَ، ولا تَستطيعُ أنْ تَضربَ الصَّقرَ» (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَحِلُّ أكلُ ما أكَلَ منه.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ الفُقهاءُ في صَيدِ البازِي وما كانَ مِثلَه مِنْ سِباعِ الطَّيرِ فأكَلَ مِنْ صَيدِه:
فقالَ الجُمهورُ: لا يَضرُّ ذلكَ صَيدَه، وهو ذَكِيٌّ كلُّه إذا قتَلَه وإنْ أكَلَ منه؛ لأنَّ تَعليمَه بالأكلِ.
وللشافِعيِّ في هذه المَسألةِ قَولانِ:
أحَدُهما: أنَّ البازِي كالكَلبِ، إنْ أكَلَ مِنْ صَيدِه فلا يَأكلُ.
والقَولِ الثاني: أنه لا بأسَ بصَيدِ سِباعِ الطَّير أكلَتْ أو لم تَأكلْ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ سائرَ الجَوارحِ سِوى الكَلبِ لا يُعتبَرُ في حَدِّ تَعليمِه تَركُ الأكلِ ممَّا صادَه، وإنما هوَ أنْ يَرجعَ على صاحبِه إذا دَعاهُ (٤).
стр. 11845
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: يُشترطُ في الصَّيدِ بالبازِي ما يُشترطُ في الصَّيدِ بالكَلبِ، إلا ترْكَ الأكلِ فلا يُشتَرطُ، ويُباحُ صَيدُه وإنْ أكَلَ منه، وبهذا قالَ ابنُ عبَّاسٍ، وإليه ذهَبَ النَّخعيُّ وحمَّادٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه، ونَصَّ الشافِعيُّ على أنه كالكَلبِ في تَحريمِ ما أكَلَ منهُ مِنْ صَيدِه؛ لأنَّ مُجالدًا روَى عن الشَّعبيِّ عن عَديِّ بنِ حاتمٍ عن النبيِّ ﷺ : «فإنْ أكَلَ الكَلبُ والبازِي فلا تَأكلْ»، ولأنه جارِحٌ أكَلَ ممَّا صادَه عَقيبَ قَتلِه، فأشبَهَ سِباعَ البَهائمِ.
ولنَا: إجماعُ الصَّحابةِ، روَى الخلَّالُ بإسنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «إذا أكَلَ الكَلبُ فلا تَأكلْ مِنْ الصَّيدِ، وإذا أكَلَ الصَّقرُ فكُلْ؛ لأنكَ تَستطيعُ أنْ تَضربَ الكَلبَ ولا تَستطيعُ أنْ تَضربَ الصَّقرَ»، وقد ذكَرْنا عن أربَعةٍ مِنْ الصَّحابةٍ إباحَةَ ما أكَلَ منه الكَلبُ، وخالَفَهُم ابنُ عبَّاسٍ فيه ووافَقَهُم في الصَّقرِ، ولم يُنقَلْ عن أحَدٍ في عَصرِهم خِلافُهم، ولأنَّ جَوارحَ الطَّيرِ تُعلَّمُ بالأكلِ، ويَتعذَّرُ تَعليمُها بتَركِ الأكلِ، فلمْ يَقدحْ في تَعليمِها، بخِلافِ الكَلبِ والفَهدِ.
وأمَّا الخبَرُ فلا يَصحَّ، يَرويهِ مُجالدٌ وهو ضَعيفٌ، قالَ أحمَدُ: مُجالِدُ يُصيِّرُ القِصةَ واحدةً، كمْ مِنْ أُعجُوبةٍ لمُجالدٍ، والرِّواياتُ الصَّحيحةُ تُخالِفُه، ولا يَصحُّ قِياسُ الطيرِ على السِّباعِ؛ لِمَا بينَهُما مِنْ الفَرقِ.
فإذا ثبَتَ هذا فكُلُّ جارِحٍ مِنْ الطَّيرِ أمكَنَ تَعليمُه والاصطِيادُ به مِنْ البازِي والصَّقرِ والشاهِينِ والعُقابِ حَلَّ صَيدُها على ما ذكَرْناهُ (١).
стр. 11846
الثَّاني: سِباعُ البَهائمِ إذا أكلَتْ ممَّا صادَتْهُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في سِباعِ البَهائمِ كالكَلبِ والنَّمرِ والأسدِ، هل مِنْ شَرطِ صحَّةِ أكلِ صَيدِه أنْ لا يَأكلَ ممَّا صادَهُ؟ أم لا يُشتَرطُ ويَصحُّ أكلُ صَيدِه وإنْ أكَلَ منه؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلة في رِوايةٍ -وبه قالَ ابنُ عُمرَ وسَعدُ بنُ أبِي وقَّاصٍ وسَلمانُ الفارسيُّ وأبو هُريرةَ ﵃ إلى أنه لا يُشتَرطُ تَركُ الأكلِ، فيَصحُّ صَيدُه وإنْ أكَلَ منهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولم يُفرِّقْ بينَ أنْ يَأكلَ منه أو لا يَأكلَ.
وفي سُنَنِ أبي داودَ عن أبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ في صَيدِ الكَلبِ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ وإنْ أكَلَ منه، وكُلْ ما ردَّتْ عليكَ يدَاكَ» (١).
ورواهُ الإمامُ أحمَدُ عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرٍو ﵄ «أنَّ أبا ثَعلبةَ الخُشنيِّ أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ لي كِلابًا مُكلَّبةً فأَفتِني في صَيدِها، فقالَ: إنْ كانتْ لكَ كِلابٌ مُكلَّبةٌ فكُلْ ممَّا أمسَكَتْ عليكَ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ ذَكِيٌّ وغيرُ ذَكِيٍّ؟ قالَ: ذَكِيٌّ وغيرُ ذَكِيٍّ، قالَ: وإنْ أكَلَ منه؟ قالَ: وإنْ أكَلَ منه» (٢).
ولأنه قَتلٌ إذا لم يَتعقَّبْه أكلٌ كانَ ذَكاةً، فوجَبَ أنْ يَكونَ ذَكاةً وإنْ تَعقَّبَه
стр. 11847
الأكلُ كالذَّبحِ، ولأنه جارحٌ أبيحَ صَيدُه، فلمْ يَمنعْ أكلُه مِنْ الصَّيدِ كالبازِي، ولأنه يَأتمرُ إذا أُمِرَ ويَنزجرُ إذا زُجِرَ، فإذا صادَ بعدَ الإرسالِ جازَ أكلُه، أصلُه إذا أمسَكَ عن أكلِهِ، ولأنَّ أكْلَ الجارحِ بعدَ تَلفِ المَصيدِ لا يَمنعُ أكْلَه، أصلُه إذا كانَ بعدَ مُهلةٍ، ولأنَّ ترْكَ الأكلِ لو كانَ مِنْ شَرطِ التَّعليمِ لم يَجُزِ البِدارُ بأخذِ الصَّيدِ مِنْ فَمِ الكَلبِ حينَ عَقرِه ووجَبَ التوقُّفُ عليهِ ليُنظَرَ هل أكَلَ منهُ أو لا، وذلكَ باطلٌ، ولأنَّ عقْرَه له قبْلَ الأكلِ لا يَخلُو أنْ يكونَ ذَكاةً أو غيرَ ذَكاةٍ، فإنْ لم يَكنْ ذَكاةً فلمْ يَجُزْ أكلُه وإنْ أمسَكَ عنه، وذلكَ باطلٌ، وإنْ كانَ ذَكاةً لم يَضرَّ ما طرَأَ عليهِ مِنْ بعدُ، كما لو أكَلَ منهُ غيرُه، فإنْ كانَ نِزاعًا وجَبَ التوقُّفُ عنه على ما ذكَرْناهُ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ -وهو مَرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ ﵄ إلى أنَّ مِنْ شَرطِ صحَّةِ الأكلِ ممَّا صادَه أنْ لا يَأكلَ منه؛ لقَولِه : ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، في الآيَةِ الكَريمةِ إشارةٌ إلى أنَّ حَدَّ تَعليمِ الكَلبِ وما هو في مَعناهُ ما قُلنَا، وهو الإمساكُ على صاحبِه وتَركُ الأكلِ منهُ؛ لأنه
стр. 11848
شرَطَ التَّعليمَ ثمَّ أباحَ أكْلَ ما أمسَكَ علينَا، فكانَ هذا إشارةً إلى أنَّ التَّعليمَ هو أنْ يُمسِكَ علينَا الصَّيدَ ولا يَأكلَ منه.
يُقرِّرُه أنَّ اللهَ تعالَى إنما أباحَ أكْلَ صَيدِ المُعلَّمِ مِنْ الجَوارحِ المُمسِكِ على صاحبِه، ولو لم يَكنْ تَركُ الأكلِ مِنْ حَدِّ التَّعليمِ وكانَ ما أكَلَ منهُ حَلالًا لَاستَوى فيهِ المُعلَّمُ وغيرُ المُعلَّمُ والمُمسِكُ على صاحبِه وعلى نَفسِه؛ لأنَّ كلَّ كَلبٍ يَطلبُ الصَّيدَ ويُمسِكُه لنَفسِه حتى يَموتَ إنْ أرسَلْتَ عليهِ وأغرَيتَه إلا المُعلَّمَ.
وعن عَديِّ بنِ حاتمٍ الطَّائيِّ قالَ: سَألتُ النبيَّ ﷺ فقالَ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ فقتَلَ فكُلْ، وإذا أكَلَ فلا تَأكلْ، فإنمَا أمسَكَهُ على نَفسهِ، قلتُ: أُرسِلُ كَلبِي فأجدُ معه كَلبًا آخَرَ؟ قالَ: فلا تَأكُلْ، فإنَّما سَمَّيتَ على كَلبِكَ ولم تُسَمِّ على كَلبٍ آخرَ» (١).
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ: «إذا أكَلَ الكَلبُ مِنْ الصَّيدِ فليسَ بمُعلَّمٍ»، وعنه أيضًا أنه قالَ: «إذا أكَلَ الكَلبُ فلا تَأكلْ، وإذا أكَلَ الصَّقرُ فكُلْ؛ لأنَّ الكَلبَ تَستطيعُ أنْ تَضربَه، والصَّقرُ لا».
وعن ابنِ سيِّدِنا عُمرَ ﵄ أنه قالَ: «إذا أكَلَ الكَلبُ مِنْ الصَّيدِ فلا تَأكلْ واضرِبْهُ».
وأما المَعقولُ فمِن وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ أخْذَ الصَّيدِ وقتْلَه مُضافٌ إلى المُرسِلِ، وإنما الكَلبُ آلةُ
стр. 11849
الأخَذِ والقَتلِ، وإنما يَكونُ مُضافًا إليهِ إذا أمسَكَ لصاحبِهِ لا لنَفسِه؛ لأنَّ العامِلَ لنَفسِه يكونُ عمَلُه مُضافًا إليهِ لا إلى غيرِه، والإمساكُ على صاحبِه أنْ يَتركَ الأكلَ منهُ، وهو حَدُّ التَّعليمِ.
والثاني: أنَّ تَعليمَ الكَلبِ ونَحوِه هو تَبديلُ طَبعِه وفِطامُه عن العادةِ المَألوفةِ، ولا يَتحقَّقُ ذلكَ إلا بإمساكِ الصَّيدِ لصاحبِه وتَركِ الأكلِ منه؛ لأنَّ الكَلبَ ونحوَه مِنْ السِّباعِ مِنْ طِباعِهم أنهُم إذا أخَذُوا الصَّيدَ فإنما يَأخذونَه لأنفُسِهم ولا يَصبِرونَ على أنْ لا يَتناوَلُوا منهُ، فإذا أخَذَ واحدٌ منهُم الصَّيدَ ولم يَتناولْ منه دَلَّ أنه ترَكَ عادَتَه حَيثُ أمسَكَ لصاحبِه ولم يَأكلْ منهُ، فإذا أكَلَ منهُ دَلَّ أنه على عادَتِه، سَواءٌ اتَّبعَ الصَّيدَ إذا أُغريَ واستَجابَ إذا دُعيَ أو لا؛ لأنه أَلوفٌ في الأصلِ يُجيبُ إذا دُعيَ ويَتبِعُ إذا أُغريَ فلا يَصلحُ ذلكَ دَليلًا على تَعلُّمِه، فثبَتَ أنَّ معنَى التَّعليمِ لا يَتحقَّقُ إلا بما قُلنا، وهو أنْ يُمسِكَ الصَّيدَ على صاحبِه ولا يَأكلَ منهُ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ الخِلافِ في اشتِراطِ الأكلِ أو عَدمِه شَيئانِ:
стр. 11850
أحَدُهما: اختِلافُ الآثارِ في ذلكَ.
والثاني: هل إذا أكَلَ فهو مُمسِكٌ أم لا؟
فأما الآثارُ فمِنها حَديثُ عَديِّ بنِ حاتِمٍ المُتقدِّمِ، وفيهِ: «فإنْ أكَلَ فلا تَأكلْ، فإني أخافُ أنْ يكونَ إنَّما أمسَكَ على نَفسِه».
والحَديثُ المُعارِضُ لهذا حَديثُ أبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، قلتُ: وإنْ أكَلَ منه يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: وإنْ أكلَ».
فمَن جمَعَ بينَ الحَديثَينِ بأنْ حمَلَ حَديثَ عَديِّ بنِ حاتمٍ على النَّدبِ وهذا على الجَوازِ قالَ: ليسَ مِنْ شَرطِه ألا يَأكلَ.
ومَن رجَّحَ حَديثَ عَديِّ بنِ حاتمٍ -إذْ هو حَديثٌ مُتفَقٌ عليهِ، وحَديثُ أبي ثَعلبةَ مُختلَفٌ فيه، ولذلكَ لم يُخرِّجْه الشيخانِ البُخاريُّ ومُسلمٌ- وقالَ: مِنْ شَرطِ الإمساكِ أنْ لا يَأكلَ؛ بدَليلِ الحَديثِ المَذكورِ، قالَ: إنْ أكَلَ مِنْ الصَّيدِ لم يُؤكلْ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأحمَدُ وإسحاقُ والثَّوريُّ، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، ورخَّصَ في أكلِ ما أكَلَ الكَلبُ كما قُلنا مالِكٌ وسَعيدُ بنُ مالكٍ وابنُ عُمرَ وسُليمانُ (١).
وهذا الخِلافُ فيما لو أكَلَ منه عَقيبَ قَتلِه، أما إذا قُتلَ الصَّيدُ ثمَّ مضَى عن الصَّيدِ ثمَّ رجَعَ وأكَلَ منه لم يَحرمْ عندَ أكثَرِ الفُقهاءِ.
стр. 11851
إذا شَرِبَ مِنْ دَمِه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على لا يُشترطُ أنْ لا يَشربَ مِنْ دَمِه، فإنْ شَربَ مِنْ دَمِه لم يَحرمْ؛ لعُمومِ الآيةِ والأخبارِ؛ لأنَّ الدمَ لا يَقصدُه الصائدُ منه ولا ينتفعُ بهِ، فلا يَخرجُ بشُربِه عن أنْ يَكونَ مُمسِكًا على صائِدِه (١).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَجرحَ الحَيوانُ الصَّيدَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجارِحةِ إذا قتَلَتِ الصَّيدَ بالخَنقِ أو بالصَّدمةِ دُونَ أنْ تَجرحَه، هل يَحلُّ أم لا بُدَّ مِنْ جَرحِ الصَّيدِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ -وهو المُفتَى به- والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَجرحَ الصَّيدَ في أيِّ مَوضعٍ كانَ مِنْ بَدنِ الصَّيدِ.
فإنْ خنَقَه أو قتَلَه بصَدمتِه ولم يَجرحْهُ بنابٍ ولا مِخلبٍ لم يُبَحْ؛ لأنه قتَلَه بغيرِ جَرحٍ، أشبَهَ ما قتْلَه بالحَجرِ والبُندقِ، ولأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ المَوقوذةَ، وهذا كذلكَ، وقَولُ النبيِّ ﷺ : «ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ فكُلْ» يَدلُّ على أنه لا يُباحُ ما لم يُنهَرِ الدمُ.
стр. 11852
ولأنَّ المَقصودَ إخراجُ الدمِ المَسفوحِ، وهو يَخرجُ بالجَرحِ عادةً ولا يَتخلَّفُ عنه إلا نادِرًا، فأُقيمَ الجَرحُ مَقامَه كما في الذَّكاةِ الاختِياريةِ والرَّميِ بالسَّهمِ، ولأنه إذا لم يَجرحْه صارَ مَوقوذةً وهي مُحرَّمةٌّ بالنصِّ.
ولا يَحلُّ بالكَسرِ؛ لأنه لا يُنهِرُ الدمَ، فصار كالخَنقِ، وعن أبي حَنيفةَ: إذا كسَرَ عُضوًا منه أُكلَ؛ لأنه جِراحةٌ باطِنةٌ، ولو أصابَ السَّهمُ ظِلفَ الصَّيدِ أو قَرنَه فإنْ وصَلَ إلى اللحمِ فأدماهُ أُكلَ، وإلا فلا.
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنهُما وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُشترطُ جَرحُ الصَّيدِ، ويُباحُ أكلُه إنْ تَحاملَتِ الجارِحةُ على الصَّيدِ فقتَلَتْه بثِقلِها ولم تَجرحْه؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] مُطلَقًا مِنْ غيرِ قَيدٍ بالجَرحِ، فمَن شرَطَه فقدْ زادَ على النصِّ.
وكذا ما جاءَ في حَديثِ عَديٍّ وثَعلبةَ يَدلُّ على ذلكَ؛ لأنه مُطلَقٌ، فيَجري على إطلاقِه، وإلا لَزمَ نَسخُه بالرأيِّ، وهو لا يَجوزُ.
فعَن عَديِّ بنِ حاتمٍ ﵁ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقُلتُ: إنَّا قَومٌ نَتصيَّدُ بهذه الكِلابِ؟ فقال: «إذا أرسَلْتَ كِلابَكَ المُعلَّمةَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ ممَّا أمسَكْنَ عليكَ، إلا أنْ يَأكلَ الكَلبُ فلا تَأكلْ، فإني أخافُ أنْ يَكونَ إنِّما أمسَكَ على نَفسِهِ، وإنْ خالَطَها كَلبٌ مِنْ غَيرِها فلا تَأكلْ» (١).
стр. 11853
وفي رِوايةٍ عن عَديِّ بنِ حاتمٍ ﵁ قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ أمسَكَ عليكَ فأدرَكْتَه حيًّا فاذبَحْهُ، وإنْ أدرَكْتَه قد قتَلَ ولم يَأكلْ منه فكُلْهُ، وإنْ وَجَدتَ مع كَلبِكَ كَلبًا غيرَه وقد قتَلَ فلا تَأكلْ، فإنكَ لا تَدرِي أيُّهمَا قتَلَه، وإنْ رَمَيتَ سَهمَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ غابَ عنكَ يَومًا فلمْ تَجِدْ فيه إلا أثَرَ سَهمِكَ فكُلْ إنْ شِئتَ، وإنْ وجَدْتَه غَريقًا في الماءِ فلا تَأكلْ» (١).
وفي رِوايةٍ عن عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ ﵁ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن الصَّيدِ، قالَ: «إذا رمَيْتَ سَهمَكَ فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإنْ وجَدْتَه قد قتَلَ فكُلْ، إلا أنْ تَجدَهُ قد وقَعَ في ماءٍ، فإنكَ لا تَدرِي الماءُ قتَلَه أو سَهمُكَ» (٢).
وعَن أبي ثَعلبةَ الخُشَنيِّ ﵁ قالَ: قلتُ: يا نَبيَّ اللهِ إنَّا بأرضِ قَومٍ مِنْ أهلِ الكِتابِ أفَنَأكلُ في آنِيتِهم؟ وبأرضِ صَيدٍ أصِيدُ بقَوسِي وبكَلبِي الذي ليسَ بمُعلَّمٍ وبكَلبِي المُعلَّمِ فما يَصلحُ لي؟ قالَ: «أمَّا ما ذكَرْتَ مِنْ أهلِ الكِتابِ فإنْ وَجدْتُم غيرَها فلا تَأكلُوا فيها، وإنْ لم تَجدُوا فاغسِلُوها وكُلُوا فيها، وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ المُعلَّمِ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ فكُلْ، وما صِدْتَ بكَلبِكَ غيرِ مُعلَّمٍ فأدرَكْتَ ذَكاتَه فكُلْ» (٣).
стр. 11854
ولأنه يَعُزُّ تَعليمُه أنْ لا يَقتلَ إلا جَرحًا، وليسَ كالإصابةِ بعَرضِ السَّهمِ؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ سُوءِ الرَّميِ (١).
قالَ الزَّركشيُّ ﵀: هل يُعتبَرُ في الجارحِ أنْ يَجرحَ الصَّيدَ، فلا يُباحُ ما قتَلَه بخَنقِه أو صَدمتِه، وهو اختِيارُ أبي الخطَّابِ في خِلافِه، وبه قطَعَ القاضي في «الجامِع» والشَّريفُ والشِّيرازيُّ وأبو مُحمدٍ في «المُغنِي»؟ أو لا يُعتبَرُ فيُباحُ ذلكَ، وهو اختِيارُ ابنِ حامِدٍ، وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ، وقالَ القاضِي في «المُجرَّد»: إنه ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ؟ على رِوايتَينِ، مَناطُهما أنَّ خَنْقَ الجارحِ أو صَدْمَه هل هوَ بمَنزلةِ قَتلِ المِعراضِ بعَرضِه أم لا؟ ويُرشِّحُ الأولَ مَفهومُ قولِ النبيِّ ﷺ : «ما أنهَرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليهِ فكُلْ»، ويُرشِّحُ الثَّاني قَولُ النبيِّ ﷺ : «فإنْ أدرَكْتَه حيًّا فاذبَحْهُ، وإنْ أدرَكْتَه قد قتَلَ ولم يَأكلْ منه فكُلْه، فإنَّ أخْذَ الكَلبِ ذَكاتُه» مُتفَقٌ عليهِ، وهو يَشملُ القَتلَ صَدمًا أو خَنقًا، وأيضًا فالجارِحُ حَيوانٌ له اختِيارٌ ما، وقد أمسَكَ على صاحبِه، فيَدخلُ تَحتَ قولِه:
стр. 11855
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، بخِلافِ المِعراضِ؛ فإنه لا يقالَ فيه: أمسَكَ عَليكَ (١).
الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَذبحَه إذا أمكَنَه ذلكَ:
نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ الصَّيدَ إذا ماتَ قبلَ أنْ يُمكِنَ ذَبحُه جازَ أكلُه، وإنْ أدرَكَه حيًّا لا يَحلُّ إلا بالتَّذكيةِ، وكذلكَ في الرميِ؛ لأنه قدَرَ على الذَّكاةِ الاختِياريةِ، فلا تُجزئُ الاضطِراريةُ؛ لاندِفاعِ الضَّرورةِ.
قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وأحسَنُ ما سَمعتُ في الذي يَتخلَّصُ الصَّيدَ مِنْ مَخالبِ البازِي أو مِنْ الكَلبِ ثمَّ يَتربَّصُ به فيَموتُ أنه لا يَحلُّ أكلُه، قالَ مالِكٌ: وكذلكَ كلُّ ما قَدرَ على ذَبحِه وهو في مُخالبِ البازِي أو في فِيِّ الكَلبِ فيَتركُه صاحبُه وهو قادِرٌ على ذَبحِه حتى يَقتلَه البازِي أو الكَلبُ فإنه لا يَحلُّ أكلُه، قالَ مالكٌ: وكذلكَ الذي يَرمِي الصَّيدَ فيَنالُه وهو حَيٌّ فيُفرِّطُ في ذَبحِه حتى يَموتَ فإنه لا يَحلُّ أكلُه (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: على قَولِ مالكٍ هذا جُمهورُ الفُقهاءِ، كلُّهم يَقولُ: إذا ماتَ الصَّيدُ قبلَ أنْ يُمكِنَه ذَبحُه جازَ أكلُه، وإنْ أمكَنَه ذَبحُه فلمْ يَفعلْ حتى ماتَ لم يَأكلْه.
وممَّن قالَ بهذا اللَّيثُ بنُ سَعدٍ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، وهو قَولُ الحَسنِ وقَتادةَ.
стр. 11856
وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: إذا حصَلَ الصَّيدُ في يَدِه حيًّا مِنْ فَمِ الكَلبِ أو الصَّيدُ لسَهمٍ ولم يُذَكِّهِ لم يُؤكلْ، سواءٌ قدَرَ على تَذكيتِه أو لم يَقدرْ.
وقد قالَ الليثُ: إنْ ذهَبَ يُخرجُ سِكينَه مِنْ حِقبِه أو خُفِّه فسبَقَه بنَفسِه فماتَ أكَلَه، وإنْ ذهَبَ يُخرجِ سكِّينَه مِنْ خُرجِه فماتَ قبلَ أنْ يُخرِجَه لم يَأكلْه.
وقد رُويَ عن إبراهِيمَ النخَعيِّ والحَسنِ البَصريِّ في هذه المَسألةِ قَولٌ شاذٌّ، قالَا: إذا لم تَكنْ معَكَ حَديدةٌ فأَرسِلْ عليهِ الكِلابَ حتَّى تَقتلَه (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الحَيوانُ المَأكولُ الذي لا تَحلُّ مَيتتُه ضَربانِ: مَقدورٌ على ذِبحِه ومُتوحِّشٌ، فالمَقدورُ عليهِ لا يَحلُّ إلا بالذَّبحِ في الحَلقِ واللَّبَّةِ، وهذا مُجمَعٌ عليهِ، وسواءٌ في هذا الإنسِيُّ والوحشِيُّ إذا قدَرَ على ذَبحِه، بأنْ أمسَكَ الصَّيدَ، أو كانَ مُتوحِّشًا فلا يَحلُّ إلا بالذَّبحِ في الحَلقِ واللَّبةِ؛ لِما ذكَرَه المُصنِّفُ، وأما المُتوحِّشُ كالصَّيدِ فجَميعُ أجزائِه مَذبَحٌ ما دام مُتوحِّشًا، فإذا رماهُ بسَهمٍ أو أرسَلَ عليهِ جارِحةً فأصابَ شَيئًا مِنْ بَدنِه وماتَ به حَلَّ بالإجماعِ (٢).
وقالَ الإمامُ الموصليُّ الحَنفيُّ ﵀: (وإنْ أدرَكَه حيًّا لا يَحلُّ إلا بالتَّذكيةِ، وكذلكَ في الرميِ)؛ لأنه قدَرَ على الذَّكاةِ الاختياريةِ، فلا تُجزئُ الاضطِراريةُ؛ لاندفاعِ الضَّرورةِ؛ وهذا إذا قدَرَ على ذَبحِه، فإنْ أدرَكَه حيًّا
стр. 11857
ولم يَتمكَّنْ مِنْ ذَبحِه إما لفَقدِ آلةٍ أو لضِيقِ الوقتِ وفيه مِنْ الحَياةِ فَوقَ حَياةِ المَذبوحِ لم يُؤكلْ.
وعن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ أنه يُؤكَلُ إذا لم يَقدرْ على الذَّكاةِ حَقيقةً، فصارَ كالمُتيمِّمِ إذا وجَدَ الماءَ ولم يَقدرْ على استِعمالِه.
وجهُ الظَّاهرِ أنه لمَّا قدَرَ عليهِ وبه حَياةٌ لم يَبْقَ صيدًا، فلا يَحلُّ إلا بالذَّكاةِ الاختياريةِ، وهذا إذا كانَ بحالٍ يَتوهَّمُ حياتَه؛ أما إذا بَقيَ فيه مِنْ الحَياةِ مثلُ المَذبوحِ أو بقَرَ بَطنَه وأخرَجَ ما فيها ثم أخَذَه وبه حَياةٌ فإنه يَحلُّ؛ لأنه مَيتٌ حُكمًا، ولهذا لو وقَعَ في هذهِ الحالةِ في الماءِ لا يَحرمُ، كما إذا وقَعَ وهو مَيتٌ.
وعن أبي حَنيفةَ أنه لا يُؤكَلُ أيضًا؛ لأنه أخَذَه حيًّا، فلا يَحلُّ إلا بالذَّكاةِ الاختِياريةِ، فلو أنه ذكَّاهُ حَلَّ بالإجماعِ، قالَ تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] مِنْ غيرِ فَصلٍ، وعلى هذا المُتَردِّيةُ والنَّطيحةُ والمَوقوذةُ والذي بقَرَ الذِّئبُ بَطنَها وفيها حَياةٌ خَفيفةٌ أو ظاهِرةٌ، وهو المُختارُ؛ لِما تَلَونا.
وعن مُحمدٍ: إذا كانَ بحالٍ يَعيشُ فَوقَ ما يَعيشُ المَذبوحُ حَلَّ، وإلا فلا؛ إذ لا اعتِبارَ بهذهِ الحَياةِ.
وعن أبي يُوسفَ: إذا كانَ بحالٍ لا يَعيشُ مِثلُه لا يَحلُّ، لأنَّ مَوتَه لا يَحصلُ بالذَّبحِ (١).
стр. 11858
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا أدرَكَ الصَّيدَ وفيه رُوحٌ فلم يُذَكِّه حتى ماتَ لم يُؤكلْ).
يَعني -واللهُ أعلَمُ- ما كانَ فيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ، فأما ما كانَت حَياتُه كحَياةِ المَذبوحِ فهذا يُباحُ مِنْ غيرِ ذَبحٍ في قَولِهم جَميعًا؛ فإنَّ الذَّكاةَ في مِثلِ هذا لا تُفيدُ شَيئًا، وكذلكَ لو ذبَحَه مَجوسيٌّ ثم أعادَ ذبْحَه مُسلمٌ لم يَحلَّ.
فأما إنْ أدرَكَه وفيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ فلم يَذبحْه حتى ماتَ نظَرْتَ؛ فإنْ لم يَتَّسعِ الزَّمانُ لذَكاتِه حتى ماتَ حَلَّ أيضًا، قالَ قَتادةُ: يَأكلُه ما لم يَتَوانَ في ذَكاتِه أو يَتركْه عَمدًا وهو قادِرٌ على أنْ يُذكِّيَه، ونَحوُه قولُ مالكٍ والشافِعيِّ، ورُويَ عن الحَسنِ والنخَعيِّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَحلُّ؛ لأنه أدرَكَه حيًّا حَياةً مُستقرَّةً، فتَعلَّقتْ إباحتُه بتَذكيتِه كما لو اتَّسعَ الزَّمانُ.
ولنا: إنه لم يَقدرْ على ذَكاتِه بوَجهٍ يُنسَبُ فيه إلى التَّفريطِ ولم يَتَّسعْ لها الزَّمانُ، فكانَ عَقرُه ذَكاتَه كالذي قتَلَه، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليهِ؛ لأنه أمكَنَه ذَكاتُه وفرَّطَ بتَركِها.
ولو أدرَكَه وفيه حَياةٌ مُستقرَّةٌ يَعيشُ بها طَويلًا وأمكَنَتْه ذَكاتُه فلم يُدركْه حتى ماتَ لم يُبَحْ، سَواءٌ كانَ به جُرحٌ يَعيشُ معَه أو لا، وبه قالَ مالِكٌ والليثُ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ؛ لأنَّ ما كانَ كذلكَ فهو في حُكمِ الحَيِّ؛ بدَليلِ أنَّ عُمرَ ﵁ كانَتْ جِراحاتُه مُوحِيةً فأوصَى وأُجيزَتْ وَصاياهُ وأقوالُه في تلكَ الحالِ ولا سقَطَتْ عنه الصَّلاةُ والعِباداتُ، ولأنه ترَكَ تَذكيتَه مع القُدرةِ عليهَا، فأشبَهَ غيرَ الصَّيدِ.
стр. 11859
مَسألةٌ: قالَ: (فإنْ لم يَكنْ معَه ما يُذكِّيهِ به أَشْلَى الصَّائدُ له عَليهِ حتَّى يَقتلَه فيُؤكَلَ).
يَعني: أغرَى الكَلبَ به وأرسَلَه عليهِ، ومَعنَى أَشْلَى في العَربيةِ: دعَا، إلَّا أنَّ العامَّةَ تَستعملُه بمَعنَى: أغراهُ، ويَحتملُ أنَّ الخِرقيَّ أرادَ: دَعاهُ ثمَّ أرسَلَه؛ لأنَّ إرسالَه على الصَّيدِ يَتضمَّنُ دُعاءَه إليهِ، واختَلفَ قَولُ أحمَدَ في هذهِ المَسألةِ، فعَنهُ مِثلُ قولِ الخِرقيِّ، وهو قَولُ الحَسنِ وإبراهِيمَ، وقالَ في مَوضعٍ: إني لَأقشَعِرُّ مِنْ هذا، يَعني أنه لا يَراهُ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنه مَقدورٌ عليهِ، فلمْ يُبَحْ بقَتلِ الجارحِ له كبَهيمةِ الأنعامِ، وكما لو أخَذَه سَليمًا.
ووَجهُ الأُولى أنه صَيدٌ قتَلَه الجارحُ له مِنْ غَيرِ إمكانِ ذَكاتِه، فأُبيحَ كما لو أدرَكَه مَيتًا، ولأنها حالٌ تَتعذَّرُ فيها الذَّكاةُ في الحَلقِ واللَّبةِ غالبًا، فجازَ أنْ تَكونَ ذَكاتُه على حَسبِ الإمكانِ كالمُتَردِّيةِ في بِئرٍ، وحُكيَ عن القاضِي أنه قالَ في هذا: يَتركُه حتَّى يَموتَ فيَحلَّ؛ لأنه صَيدٌ تَعذَّرتْ تَذكيتُه، فأُبيحَ بمَوتِه مِنْ عَقرِ الصَّائدِ له، كالذي تَعذَّرتْ تَذكيتُه لقِلَّةِ لَبتِه، والأولُ أصَحُّ؛ لأنه حَيوانٌ لا يُباحُ بغيرِ التَّذكيةِ إذا كانَ معه آلةُ الذَّكاةِ، فلمْ يُبَحْ بغَيرِها إذا لم يَكنْ معه آلةٌ كسائرِ المَقدورِ على تَذكيتِه، ومَسألةُ الخِرقيِّ مَحمولةٌ على ما يُخافُ مَوتُه إنْ لم يَقتلْه الحَيوانُ أو يُذكَّى، فإنْ كانَ به حياةٌ يُمكِنُ بَقاؤُه إلى أنْ يَأتِيَ به مَنزلَه فليسَ فيه اختِلافٌ أنه لا يُباحُ إلا بالذَّكاةِ؛ لأنه مَقدورٌ على تَذكيتِه (١).
стр. 11860
حُكمُ اقتِناءِ الكِلابِ:
اتَّفق أهلُ العِلمِ على جَوازِ اقتِناءِ كَلبِ الصَّيدِ والحِراثةِ والماشِيةِ؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ عن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أمسَكَ كَلبًا فإنه يَنقُصُ كلَّ يَومٍ مِنْ عَملِه قِيراطٌ، إلا كلْبَ حَرثٍ أو ماشِيةٍ»، قالَ ابنُ سِيرينَ وأبو صالحٍ عن أبي هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ : «إلا كَلبَ غَنمٍ أو حَرثٍ أو صَيدٍ»، وقالَ أبو حازِمٍ عن أبي هُرَيرةَ عن النبيِّ ﷺ : «كَلبَ صَيدٍ أو ماشِيةٍ» (١).
وفي لَفظٍ لمُسلمٍ عن أبي هُريرةَ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ اقتَنَى كَلبًا ليسَ بكَلبِ صَيدٍ ولا ماشِيةٍ ولا أرضٍ فإنه يَنقصُ مِنْ أَجرِه قِيراطانِ كلَّ يَومٍ» (٢).
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ اقتَنَى كَلبًا إلا كَلبَ ماشِيةٍ أو ضَاري نقَصَ مِنْ عَملهِ كلَّ يَومٍ قِيراطانِ»، وفي لفظٍ: «مَنْ اقتَنَى كَلبًا إلا كَلبَ صَيدٍ أو ماشِيةٍ نقَصَ مِنْ أَجرِه كلَّ يَومٍ قِيراطانِ» (٣).
ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إلى الكَلبِ في هَذهِ المَواضعِ، فجازَ اقتِناؤُه (٤).
стр. 11861
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ورَدَ هذا الحَديثُ بالتَّرخيصِ لأحَدِ ثَلاثةِ أشياءَ وهيَ: الزَّرعُ والماشِيةُ والصَّيدُ، وهذا جائِزٌ بلا خِلافٍ (١).
إلا أنهُم اختَلفُوا في غَيرِ هذهِ الأنواعِ الثَّلاثةِ، هل يَحرمُ أم يُكرَهُ أم يُباحُ؟ وهل يَجوزُ اقتِناؤُه لمَنفعةٍ غيرِ هذهِ الثلاثةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى جَوازِ اقتناءِ الكَلبِ لصَيدٍ أو لحِفظِ الزَّرعِ أو المَواشي أو البُيوتِ أو لأيِّ شَيءٍ جائزٌ، ويُكرَهُ إذا لم يَكنْ لمَنفعةٍ.
قالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: يُكرَهُ اقتِناءُ الكَلبِ لغيرِ مَنفعةٍ، فأما كَلبُ الزَّرعِ أو الضَّرعِ أو الصَّيدِ أو الحَرسِ فلا بأسَ به (٢).
وأما ما ورَدَ مِنْ النهيِ عن اقتِنائِه فإنَّ هذا قالَه النبيُّ ﷺ في الحالِ التي شدَّدَ في أمرِ الكِلابِ؛ لأنه قَدِمَ المدينةَ وقد أَلِفُوها وخالَطَتْ بُيوتَهم، فشدَّدَ فيها حتى حسَمَ المادَّةَ، ثمَّ خَفَّ حُكمُها (٣).
وقالَ المالِكيةُ -كما في «الرِّسالَة» لابنِ أبي زَيدٍ القَيروانِيِّ ﵀: لا يُتَّخذُ كَلبٌ في الدُّورِ في الحَضرِ ولا في دُورِ الباِديةِ إلا لزَرعٍ أو ماشِيةٍ يَصحَبُها في الصَّحراءِ ثمَّ يَروحُ معَها أو لصَيدٍ يَصطادُه لعَيشِه لا للَّهوِ (٤).
стр. 11862
قالَ ابنُ ناجِي في شَرحِه: يُريدُ إلا أنْ يُضطرَّ فيَتَّخذَه حتى يَزولَ المانعُ، ويُذكَرُ أنَّ أبا مُحمدٍ ابنَ أبي زَيدٍ -صاحِبَ «الرِّسالَة» - وقَعَ له حائِطٌ مِنْ دارِه وكانَ يَخافُ على نَفسِه مِنْ الشِّيعةِ، فاتَّخذَ كَلبًا لذلكَ، فقيلَ له في ذلكَ فقالَ: لو أدرَكَ مالكٌ زمَنَنا لَاتَّخذَ أسَدًا ضارِيًا (١).
وقالَ الإمامُ النَّفراويُّ في شَرحِه للرِّسالةِ: (ولا) يَحِلُّ أنْ (يُتَّخذَ) بالبِناءِ للمَجهولِ (كَلبٌ في الدُّورِ) الكائِنةِ (في الحَضرِ، ولا في دُورِ البادِيةِ)، ولعَلَّ المُرادَ بعَدمِ الحِلِّ الكَراهةُ، إلا أنْ يَكونَ عَقورًا فيَحرمُ، (وإلا) أنْ يُتَّخذَ (لزَرعٍ) أو غيرِه مما يَحتاجُ للحِراسةِ، (أو) إلا أنْ يُتَّخذَ لحِراسةِ (ماشِيةٍ يَصحبُها في الصَّحراءِ ثمَّ يَروحُ) أي يَرجعُ (معَها) لحراستِها مِنْ اللُّصوصِ في الطريقِ أو في المَبيتِ، (أو) أي: أو إلَّا أنْ تُتَّخذَ (لصَيدٍ يَصطادُه لعَيشِه) أو عَيشِ عِيالِه، فلا حرَجَ في اتِّخاذِه لواحِدٍ مِنْ هَذهِ الثَّلاثِ، ولكنْ اختُلفَ هل يَتقيَّدُ الجَوازُ بزَمنِ هذهِ المَذكوراتِ ويُطلَبُ إخراجُها مِنْ حَوزِه بعدَ الاستِغناءِ عنها؟ أو الجَوازُ غيرُ مُقيَّدٍ؟ قَولانِ، والمُرادُ بالماشِيةِ الغَنمُ، وكذا غيرُها إنِ احتاجَتْ إلى الحِراسةِ، (لا للَّهوِ) فيُكرَهُ؛ لِما تقدَّمَ مِنْ أنَّ الصَّيدَ تَعتريهِ الأحكامُ الخَمسةِ، يَجبُ لقُوتِه وقُوتِ مَنْ تَلزمُه نَفقتُه إنْ لم يُمكنْ إلا مِنْ الصَّيدِ، ويَحرمُ اصطِيادُ المأكولِ لا بنيَّةِ الذَّكاةِ، ويُندَبُ إذا كانَ للتَّوسعةِ، ويُكرَهُ إذا كانَ لمُجرَّدِ اللهوِ، ويُباحُ فيما عدا ذلكَ كأنَ يَشتري به فاكِهةً ونحوَها مِنْ كُلِّ مُباحٍ.
стр. 11863
(تَنبيهاتٌ): الأولُ: ما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ عَدمِ جَوازِ اتِّخاذِ الكِلابِ في غيرِ المَسائلِ الثَّلاثِ مُقيَّدٌ بما إذا لم يَضطرَّ إلى اتِّخاذِها لحِفظِ مَحلِّه أو حِفظِ نَفسِه، وإلا جازَ، كما وقَعَ للمُصنِّفِ حينَ سقَطَ حائِطُ دارِه وكانَ يَخافُ على نَفسِه مِنْ الشِّيعةِ فاتَّخذَ كَلبًا، ولمَّا قيلَ له: كيفَ تَتخذُه ومالِكٌ نهَى عن اتِّخاذِ الكِلابِ في غيرِ المَواضعِ الثلاثةِ؟ فقالَ: لو أدرَكَ مالكٌ زَماننَا لَاتَّخذَ أسدًا ضارِيًا (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ويَجوزُ اقتِناءُ الكِلابِ للمَنافعِ كُلِّها ودَفعِ المَضارِّ إذا احتاجَ الإنسانُ إلى ذلكَ، إلا أنه مَكروهٌ اقتِناؤُها في غيرِ الوُجوهِ المَذكورةِ في هذهِ الآثارِ؛ لنُقصانِ أجرِ مُقتَنيها، واللهُ أعلَمُ (٢).
وأما الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: وهل يَجوزُ اقتِناؤُه لحِفظِ الدُّروبِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ للخبَرِ.
والثاني: يَجوزُ؛ لأنه حِفظُ مالٍ، فأشبَهَ الزَّرعَ والماشِيةَ.
وهل يَجوزُ لمَن لا يَصطادُ أنْ يَقتنيَه فيَصطادَ به إذا أرادَ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَجوزُ؛ للخبَرِ.
والثاني: لا يَجوزُ؛ لأنه لا حاجَةَ به إليهِ.
وهل يَجوزُ اقتِناءُ الجَروِ للصَّيدِ والزَّرعِ والماشِيةِ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَجوزُ؛ لأنه ليسَ فيه مَنفعةٌ يحتاجُ إليها.
стр. 11864
والثَّاني: يَجوزُ؛ لأنه إذا جازَ اقتِناؤُه للصَّيدِ جازَ اقتِناؤُه لتَعليمِ ذلكَ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقد اتَّفقَ أصحابُنا وغَيرُهم على أنه يَحرمُ اقتِناءُ الكَلبِ لغيرِ حاجةٍ، مثلَ أنْ يَقتني كلبًا إعجابًا بصُورتِه أو للمُفاخَرةِ به، فهذا حَرامٌ بلا خِلافٍ.
وأما الحاجَةُ التي يَجوزُ الاقتِناءُ لها فقدْ ورَدَ هذا الحديثُ بالتَّرخيصِ لأحَدِ ثَلاثةِ أشياءَ وهيَ: الزَّرعُ والماشِيةُ والصَّيدُ، وهذا جائزٌ بلا خِلافٍ.
واختَلفَ أصحابُنا في اقتِنائِه لحِراسةِ الدُّورِ والدُّروبِ وفي اقتناءِ الجَروِ ليُعلَّمَ، فمِنهُم مَنْ حرَّمَه؛ لأنَّ الرُّخصةَ إنما ورَدَتْ في الثلاثةِ المُتقدِّمةِ، ومنهم مَنْ أباحَه وهو الأصَحُّ؛ لأنه في مَعناها (٢).
وقالَ: وفي جَوازِ إيجادِه (٣) لحِفظِ الدُّورِ والدُّروبِ وَجهانِ مَشهورانِ ذكَرَهُما المُصنِّفُ بدَليلِهما، أصَحُّهما: الجَوازُ، وهو المَصنوصُ في «المُختَصَر»، قالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ اقتناءُ الكَلبِ إلا للصَّيدِ أو ماشِيةٍ أو زَرعٍ وما في مَعناها. هذا نَصُّه في «المُختصَر»، قالَ القاضِي حُسينٌ في تَعليقِه: وفي جَوازِ إيجادِه في السَّفرِ للحِراسِة الوَجهانِ، أصَحُّهما: الجَوازُ.
وفي جَوازِ تَربيةِ الجَروِ للصَّيدِ أو الزَّرعِ أو غيرِهما ممَّا يُباحُ اقتِناءُ الكَبيرِ له فيه وَجهانِ مَشهورانِ ذكَرَهُما المُصنِّفُ بدَليلِهما، أصَحُّهما: الجَوازُ.
стр. 11865
ولو أرادَ إيجادَ الكَلبِ ليَصطادَ به إذا أرادَ ولا يَصطادُ بهِ في الحالِ، أو ليَحفظَ الزَّرعَ أو الماشِيةَ إذا سارَا لهُ فوَجهانِ، أصَحُّهما: الجَوازُ.
واتَّفقَ الأصحابُ على أنه يَجوزُ اقتِناءُ الكَلبِ الكَبيرِ لتَعليمِ الصَّيدِ وغَيرِه، وإنما الوَجهانِ في الجَروِ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «ولا يَجوزُ اقتِناؤُه إلا لصاحبِ صَيدٍ أو حَرثٍ أو ماشِيةٍ أو ما كانَ في مَعناهُم».
قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ، لا يَجوزُ اقتِناءُ الكَلبِ إلا أنْ يَكونَ مُنتفعًا به فيَجوزُ اقتِناؤُه.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ اقتِناؤُه بكُلِّ حالٍ وإنْ لم يَكنْ مُنتفعًا بهِ؛ استِدلالًا بأنَّ كلَّ حَيوانٍ جازَ اقتِناؤُه إذا كانَ مُنتفعًا به جازَ اقتِناءُ جَميعِ جِنسِه وإنْ كانَ غيرَ مُنتفعٍ به، كالبِغالِ والحَميرِ طَردًا، والخَنازيرِ عَكسًا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: ولا يَجوزُ اقتِناءُ الكَلبِ إلا كلبَ الصَّيدِ أو كلبَ ماشِيةٍ أو حَرثٍ …
وإنِ اقتِناهُ لحِفظِ البُيوتِ لم يَجُزْ؛ للخبَرِ.
ويَحتملُ الإباحةَ، وهو قَولُ أصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنه في مَعنى الثَّلاثةِ، فيُقاسُ عليهَا.
стр. 11866
والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ قِياسَ غيرِ الثَّلاثةِ عليهَا يُبيحُ ما يَتناولُ الخبَرُ تَحريمَه.
قالَ القاضِي: وليسَ هو في مَعناها، فقدْ يَحتالُ اللِّصُّ لإخراجِه بشَيءٍ يُطعمُه إياهُ ثم يَسرقُ المَتاعَ.
وأما الذِّئبُ فلا يُحتمَلُ هذا في حقِّه، ولأنَّ اقتِناءَه في البُيوتِ يُؤذِي المارَّةَ، بخِلافِ الصَّحراءِ.
فَصلٌ: فأما تَربيةُ الجَروِ الصَّغيرِ لأحَدِ الأمورِ الثَّلاثةِ فيَجوزُ في أقوَى الوَجهينِ؛ لأنه قصَدَه لذلكَ، فيَأخذُ حُكمَه، كما يَجوزُ بَيعُ العَبدِ الصَّغيرِ والجَحشِ الصَّغيرِ الذي لا نفْعَ فيه في الحالِ؛ لمَآلِه إلى الانتِفاعِ، ولأنه لو لم يَتَّخذِ الصَّغيرَ ما أمكَنَ جَعلُ الكَلبِ للصيدِ؛ إذْ لا يَصيرُ مُعلَّمًا إلا بالتعليمِ، ولا يُمكِنُ تَعلُّمُه إلا بتَربيتِه واقتِنائِه مُدَّةً يُعلِّمُه فيها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يُوجَدُ كلبٌ مُعلَّمٌ بغيرِ تَعليمٍ.
والوَجهُ الثاني: لا يَجوزُ؛ لأنه ليسَ مِنْ الثلاثةِ (١).