← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.

стр. 11866

والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ قِياسَ غيرِ الثَّلاثةِ عليهَا يُبيحُ ما يَتناولُ الخبَرُ تَحريمَه. قالَ القاضِي: وليسَ هو في مَعناها، فقدْ يَحتالُ اللِّصُّ لإخراجِه بشَيءٍ يُطعمُه إياهُ ثم يَسرقُ المَتاعَ. وأما الذِّئبُ فلا يُحتمَلُ هذا في حقِّه، ولأنَّ اقتِناءَه في البُيوتِ يُؤذِي المارَّةَ، بخِلافِ الصَّحراءِ. فَصلٌ: فأما تَربيةُ الجَروِ الصَّغيرِ لأحَدِ الأمورِ الثَّلاثةِ فيَجوزُ في أقوَى الوَجهينِ؛ لأنه قصَدَه لذلكَ، فيَأخذُ حُكمَه، كما يَجوزُ بَيعُ العَبدِ الصَّغيرِ والجَحشِ الصَّغيرِ الذي لا نفْعَ فيه في الحالِ؛ لمَآلِه إلى الانتِفاعِ، ولأنه لو لم يَتَّخذِ الصَّغيرَ ما أمكَنَ جَعلُ الكَلبِ للصيدِ؛ إذْ لا يَصيرُ مُعلَّمًا إلا بالتعليمِ، ولا يُمكِنُ تَعلُّمُه إلا بتَربيتِه واقتِنائِه مُدَّةً يُعلِّمُه فيها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يُوجَدُ كلبٌ مُعلَّمٌ بغيرِ تَعليمٍ. والوَجهُ الثاني: لا يَجوزُ؛ لأنه ليسَ مِنْ الثلاثةِ (١).

стр. 11867

كتاب الذَّبائح تَعريفُ الذَّبائحِ: الذَّبائحُ: جَمعُ ذَبيحةٍ: وهيَ اسمُ لما يُذبَحُ، والذَّبحُ: قَطعُ الحُلقومِ مِنْ باطنٍ عندَ النَّصيلِ، وهو مَوضعُ الذَّبحِ مِنْ الحَلقِ (١). قالَ ابنُ مَنظورٍ ﵀: الذَّبحُ: قَطعُ الحُلقومِ مِنْ باطنٍ عندَ النِّصيلِ وهو مَوضعُ الذَّبحِ مِنْ الحَلقِ. والذَّبحُ: مَصدرُ ذَبَحتُ الشَّاةَ، يُقالَ: ذَبَحَه يَذبَحُه ذَبحًا فهو مَذبوحٌ وذَبِيحٌ، مِنْ قَومٍ ذَبْحَى و ذَبَاحَى، وكذلكَ التَّيسُ والكَبشُ مِنْ كِباشٍ ذَبْحَى و ذَبَاحَى. والذَّبيحةُ: الشَّاةُ المَذبوحةُ، وشاةٌ ذَبيحةٌ وذَبيحٌ: مِنْ نِعاجٍ ذَبْحَى

стр. 11868

وذَباحَى وذَبائحُ، وكذلكَ الناقةُ، وإنمَّا جاءَتْ ذَبيحةٌ بالهاءِ لغَلبةِ الاسمِ عليهَا. قالَ الأزهَريُّ: الذَّبيحةُ: اسمٌ لِما يُذبَحُ مِنْ الحَيوانِ، وأُنِّثَ لأنهُ ذُهبَ به مَذهبَ الأسماءِ لا مَذهبَ النَّعتِ، فإنْ قُلتَ: شاةٌ ذَبيحٌ أو كَبشٌ ذَبيحٌ أو نَعجةٌ ذَبيحٌ لم تَدخلْ فيه الهاءُ؛ لأنَّ فَعيلًا إذا كانَ نَعتًا في معنَى مَفعولٍ يُذكَّرُ، يقالَ: امرَأةٌ قَتيلٌ وكَفٌّ خَضيبٌ. وقالَ الأزهَريُّ: الذَّبيحُ: المَذبوحُ، والأُنثى ذَبيحةٌ، وإنَّما جاءَتْ بالهاءِ لغَلبةِ الاسمِ عليها (١). وسَيأتي بَيانُ تَعريفِها في أنواعِها. والمَقصودُ هُنا هو ذَكاةُ الحَيوانِ، وهيَ في الاصطِلاحِ: السببُ المُوصِلُ لحِلِّ أكلِ الحَيوانِ البَرِّيِّ حال الاختِيار لا الضَّرورةَ (٢).

стр. 11869

أركانُ الذَّبحُ: أركانُ الذَّبحُ أربَعةٌ: ذَبحٌ وذابِحٌ وآلةٌ وذَبيحةٌ. الرُّكنُ الأولُ: الذَّبحُ: ذَكاةُ الحَيوانِ المأكولِ البَريِّ المُفيدِ لحِلِّ أكلِه، إنسِيًّا كانَ الحَيوانُ أو وَحشيًا تأنَّسَ، تَحصلُ شَرعًا بطَريقَتينِ: الطَّريقةُ الأُولى: الاختِياريةُ: وهيَ الذَّبحُ في الحَلقِ -وهو أعلَى العُنقِ- أو في لَبةٍ -وهيَ أسفَلُ العُنقِ- في كُلِّ حَيوانٍ مَقدورٍ عليهِ بالإجماعِ، فلا يَجوزُ العُدولُ عنها عندَ القُدرةِ عليهَا بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ، فلا يَحلُّ شَيءٌ مِنْ الحَيوانِ المأكولِ بغَيرِ ذَكاةٍ شَرعيةٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلى قَولِه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وقَولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «إنَّ الذَّكاةَ في الحَلقِ واللَّبةِ» (١). فكُلُّ حَيوانٍ مَقدورٍ عليهِ فلا تَحلُّ ذَكاتُه إلا في الحَلقِ واللَّبةِ، سَواءٌ كانَ أهليًّا أو وَحشيًّا، بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَقدورُ عليهِ منهُما -أي الصَّيدِ والأنعامِ- فلا يُباحُ إلا بالذَّكاةِ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ (٢).

стр. 11870

وقالَ أيضًا: وأمَّا المَحلُّ فالحَلقُّ واللَّبةُ، وهي الوَهدةُ التي بينَ أصلِ العُنقِ والصَّدرِ، ولا يَجوزُ الذَّبحُ في غَيرِ هذا المَحلِّ بالإجماعِ، وقد رُويَ في حَديثٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «الذَّكاةُ في الحَلقِ واللَّبةِ»، قالَ أحمَدُ: الذَّكاةُ في الحَلقِ واللَّبةِ، واحتَجَّ بحَديثِ عُمرَ، وهو ما رَوى سَعيدٌ والأثرَمُ بإسنادِهِما عن الفُرافِصةِ قالَ: كُنَّا عندَ عُمرَ فنادَى أنَّ النَّحرَ في اللَّبةِ والحَلقِ لمَن قدَرَ، وإنَّما نرَى أنَّ الذَّكاةَ اختَصَّتْ بهذا المَحلِّ لأنه مَجمَعُ العُروقِ، فتَنفسخُ بالذَّبحِ فيهِ الدِّماءُ السيَّالةُ، ويَسرعُ زُهوقُ النَّفسِ، فيَكونُ أطيَبَ للَّحمِ وأخَفَّ على الحيَوانِ، قالَ أحمَدُ: لو كانَ حَديثُ أبي العُشَراءِ حَديثًا -يَعني ما روَى أبو العُشراءِ عن أبيهِ عن النبيِّ ﷺ أنه سُئلَ: أمَا تَكونُ الذَّكاةُ إلا في الحَلقِ واللَّبةِ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لو طعَنْتَ في فَخذِها لَأجزَأَ عنكَ» - قالَ أحمَدُ: أبو العُشراءِ هذا ليسَ بمَعروفٍ (١). ولأنَّ الحُرمةَ في الحَيوانِ المَأكولِ لمَكانَ الدمِ المَسفوحِ، وأنه لا يَزولُ إلا بالذَّبحِ والنَّحرِ، ولأنَّ الشَّرعَ إنما ورَدَ بإحلالِ الطيِّباتِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقالَ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولا يَطيبُ إلا بخُروجِ الدمِ المَسفوحِ، وذلكَ بالذبحِ والنَّحرِ، ولهذا حُرِّمَتِ المَيتةُ؛ لأنَّ المُحرَّمَ -وهو الدمُ المَسفوحُ فيها- قائِمٌ، ولذا لا يَطيبُ مع

стр. 11871

قِيامِه، ولهذا يَفسدُ في أدنَى مُدةِ ما يَفسدُ في مثلِها المَذبوحُ، وكذا المُنخنِقةُ والمَوقوذةُ والمُتَرديةُ والنَّطيحةِ؛ لِما قُلنَا (١). الطَّريقةُ الثانيةُ: الاضطِراريةُ: وهي الجَرحُ في أيِّ مَوضعٍ اتَّفقَ -أي: عَقرُ الحَيوانِ- في أيِّ مَوضعٍ كانَ، وهي مَشروعةٌ حالةَ العَجزِ عن الاختِياريةِ، وذلكَ مثلَ الصَّيد، فلو رَماهُ فقتَلَه حَلَّ أكلُه؛ لأنَّ الجرحَ في غيرِ المَذبحِ أُقيمَ مَقامَ الذبحِ عندَ تَعذُّرِ الذَّبحِ للحاجةِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ في المُتوحِّشِ، وقد تَقدَّمَ في كتابِ الصَّيدِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الحَيوانِ الإنسِيِّ إذا توحَّشَ ونَدَّ. إذا نَدَّ البَعيرُ أو شرَدَ، وكذا كلُّ حَيوانٍ إنسيٍّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الحَيوانِ الإنسِيِّ إذا نَدَّ وشرَدَ، أو البَهائمِ والدَّواجِنِ تَستوحِشُ، هل يَجوزُ عَقرُها في أيِّ مَوضعٍ؟ أم لا تَؤكلُ إلا أنْ يُنحرَ أو يُذبحَ ما يُذبحُ مِنْ ذلكَ؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إلى أنَّ الحَيوانَ المُتأنسَ كبَهيمةِ الأنعامِ وغيرِها إذا تَوحَّشَ ولم يُقدرْ عليهِ لم تَنتقلْ ذَكاتُه، ولا يُستباحُ إلا بالذَّبحِ أو النَّحرِ؛ لقَولِه ﷺ : «إنَّما الذَّكاةُ في الحَلقِ واللَّبةِ» (٢)، فأشارَ إلى جُملةِ الذَّكاةِ، ولأنَّ تَوحُّشَه لمَّا لم يَنقلْهُ عن أحكامِ المُتأنسِ مِنْ سُقوطِ الجَزاءِ عن المُحرِمِ بقَتلِه وجَوازِه في الضَّحايا والهَدايا والعَقيقةِ، كذلكَ الذَّكاةُ.

стр. 11872

وكذا إذا تَردَّى البَعيرُ أو البَقرةُ أو الشاةُ في بِئرٍ ولم يُقدرْ على إخراجِه ولا على تَذكيتِه في حَلقِه أو لَبَّتِه لم يُؤكلْ بعَقرِه في مَوضعٍ مِنْ بَدنِه؛ لقَولِه ﷺ : «إنما الذَّكاةُ في الحَلقِ واللبَّةِ»، ولأنَّ تَعذُّرَ الوصولِ إلى مَوضعِ الذكاةِ في المَقدورِ عليهِ لا يُبيحُ تَذكيتَه في غيرِه، كتعذُّرِ الوُصولِ إلى ما يُذكَّى فيه أنه لا يُبيحُ التذكِيةَ بغيرِه (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وابنُ عبدِ البَرِّ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه يَجوزُ قَتلُ البَعيرِ الشارِدِ، وكذا كلُّ حَيوانٍ استَوحشَ، ويَحلُّ أكلُه؛ لِما رَواهُ رافِع بن خَديجٍ ﵁ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفرٍ فنَدَّ بَعيرٌ مِنْ الإبلِ، قالَ: فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحَبَسَه، قالَ: ثمَّ قالَ: إنَّ لها أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكُم منها فاصْنَعوا به هكذا، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنا نَكونُ في المغازِي والأسفارِ فنُريدُ أنْ نَذبحَ فلا تَكونُ مُدًى، قالَ: أَرِنْ، ما نهَرَ -أو أنهَرَ- الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظُّفرِ، فإنَّ السِّنَّ عَظمٌ والظُّفرَ مُدَى الحَبَشةِ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: مالِكٌ أنه بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ كانَ يَكرهُ أنْ تُقتلَ الإنسِيةُ بما يُقتلُ به الصَّيدُ مِنْ الرميِ وأشباهِه.

стр. 11873

قالَ أبو عُمرَ: اختَلفَ العُلماءُ في هذهِ المَسألةِ، وهي البَهيمةُ الدَّاجنُ تَستوحِشُ والبَعيرُ يَشردُ: فقالَ مالِكٌ ورَبيعةُ والليثُ بنُ سَعدٍ: لا يُؤكَلُ إلا أنْ يَنحرَ البَعيرَ أو يَذبحَ ما يُذبحُ مِنْ ذلكَ. وقالَ الثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: إذا لم يَقدرْ على ذَكاةِ البَعيرِ الشاردِ فإنه يُقتلُ كالصَّيدِ، ويكونُ بذلكَ مُذكًّى. قالَ أبو عُمرَ: هذا القَولُ أظهَرُ في أهلِ العِلمِ؛ لحَديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ قالَ: «نَدَّ لنا بَعيرٌ فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحبَسَه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ لهذهِ البَهائمِ أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكم منها فاصنَعُوا به هَكذا وكُلُوا»، رواهُ سَعيدُ بنُ مَسروقٍ عن عَبايةَ بنِ رِفاعةَ عن رافعِ بنِ خَديجٍ عن النبيِّ ﷺ . وروَى الثَّوريُّ عن حَبيبِ بنِ أبي ثابتٍ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى عليٍّ ﵁ فقالَ: إنَّ بَعيرًا لي نَدَّ فطَعنْتُه برُمحِي، فقالَ عليٌّ: اهْدِ لي عَجُزَه». ورَوى إسرائيلُ عن سِماكِ بنِ حَربٍ عن عِكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «إذا نَدَّ البَعيرُ فارْمِهِ بسَهمِكَ واذكُرِ اسمَ اللهِ»، وعنِ ابنِ مَسعودٍ مَعناهُ. ومَعمرٌ عن طاوسٍ عن أبيهِ في البَهيمةِ تَستوحِشُ قالَ: هي صَيدٌ، أو قالَ: هي بمَنزلةِ الصَّيدِ. قالَ أبو عُمرَ: مِنْ جِهةِ القِياسِ لمَّا كانَ الوَحشيُّ إذا قُدرَ عليهِ لم يَحلَّ إلا بما يَحلُّ به الإنسِيُّ؛ لأنه صارَ مَقدورًا عليهِ؛ فكذلكَ ينبغِي في الإنسِيِّ

стр. 11874

إذا تَوحَّشَ أو صارَ في معنَى الوَحشيِّ مِنْ الامتناعِ، أنْ يَحلَّ بما يَحلُّ به الوَحشيُّ. وحُجةُ مالكٍ أنهُم قد أجمَعُوا أنه لو لم يَندَّ الإنسِيُّ أنه لا يُذكَّى إلا بما يُذكَّى به المَقدورُ عليهِ، ثمَّ اختَلفُوا، فهو على أصلِه حتَّى يتَّفِقوا. وهذا لا حُجةَ فيه؛ لأنَّ إجماعَهُم إنما انعَقدَ على مَقدورٍ عليهِ، وهذا غيرُ مَقدورٍ عليهِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو رمَى حَيوانًا غيرَ مَقدورٍ عليهِ فصارَ مَقدورًا فأصابَ غيرَ المَذبحِ لم يَحلَّ، ولو رَمى مَقدورًا عليهِ فصارَ غيرَ مَقدورٍ عليهِ فأصابَ غيرَ مَذبحَه حَلَّ. فَرعٌ في مَذاهبِ العُلماءِ فيمَا إذا تَوحَّشَ الحيَوانُ الإنسيُّ المأكولُ فلم يَقدرْ عليهِ كالبَعيرِ النادِّ أو الشاةِ أو البَقرةِ، أو تَردَّى في بئرٍ وعجَزَ عن عَقرِه في مَحلِّ الذَّكاةِ. فمَذهبُنا أنَّ كلَّ مَوضعٍ مِنْ بَدنِه مَحلٌّ لذَكاتِه، فحَيثُ جرَحَه فقتَلَه حَلَّ أكلُه، وبه قالَ جُمهورُ العُلماءِ، منهُم عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ وطاوسٌ وعطاءٌ والشَّعبيُّ والحَسنُ البَصريُّ والأسودُ بنُ يَزيدَ والحَكمُ وحمَّادٌ والنخَعيُّ والثوريُّ وأبو حَنيفةَ وأحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ والمُزنِيُّ وداودُ.

стр. 11875

وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ ورَبيعةُ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ ومالكٌ: لا يَحلُّ إلا بذَكاتِه في مَوضعِ الذَّبحِ، وهو الحَلقُ واللَّبةُ، ولا يَتغيرُ مَوضعُ الذَّكاةِ بتَوحُّشِه وتَردِّيهِ. دَليلُنا حَديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ السابقُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا نَدَّ بَعيرٌ فلمْ يَقدرْ عليهِ فرَماهُ بسَهمٍ أو نحوِه مما يَسيلُ به دَمُه فقتَلَه أُكلَ). وكذلكَ إنْ تَردَّى في بِئرٍ فلمْ يَقدرْ على تَذكيتِه فجرَحَه في أيِّ مَوضعٍ قدَرَ عليهِ فقتَلَه أُكلَ، إلا أنْ تَكونَ رأسُه في الماءِ فلا يُؤكلُ؛ لأنَّ الماءَ يُعِينُ على قَتلِه، هذا قَولُ أكثرِ الفُقهاءِ، رُويَ ذلكَ عن عليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ ﵃، وبه قالَ مَسروقٌ والأسوَدُ والحَسنُ وعَطاءٌ وطاوسٌ وإسحاقُ والشَّعبيُّ والحكَمُ وحمَّادٌ والثوريُّ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ. وقالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ أكلُه إلا أنْ يُذكَّى، وهو قَولُ رَبيعةَ والليثِ، قالَ أحمَدُ: لَعلَّ مالِكًا لم يَسمعْ حَديثَ رافعِ بنِ خَديجٍ. واحتُجَّ لمالكٍ بأنَّ الحيَوانَ الإنسيَّ إذا توحَّشَ لم يَثبتْ له حُكمُ الوَحشيِّ؛ بدَليلِ أنه لا يَجبُ على المُحرِمِ الجَزاءُ بقَتلِه، ولا يَصيرُ الحِمارُ الأهليُّ مُباحًا إذا توحَّشَ.

стр. 11876

ولنا: ما رَوى رافعُ بنُ خَديجٍ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ فنَدَّ بَعيرٌ، وكانَ في القَومِ خَيلٌ يَسيرةٌ، فطَلَبوهُ فأعيَاهُم، فأهوَى إليهِ رَجلٌ بسَهمٍ فحبَسَه اللهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : إنَّ لهذهِ البَهائمِ أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكم منها فاصنَعُوا به هَكذا»، وفي لفظٍ: «فما نَدَّ عَليكُم فاصنَعُوا به هكَذا» مُتفَقٌ عليهِ، «وحرن ثَورٌ في بَعضِ دُورِ الأنصارِ فضرَبَه رَجلٌ بالسَّيفِ وذكَرَ اسمَ اللهِ عليهِ، فسُئلَ عنه عليٌّ فقالَ: «ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ» فأمَرَهم بأكلِه»، و «ترَدَّى بَعيرٌ في بِئرٍ فذُكِّيَ مِنْ قِبلِ شاكِلَتِه فبِيعَ بعِشرينَ دِرهمًا، فأخَذَ ابنُ عُمرَ عُشرَه بدِرهَمينِ»، ولأنَّ الاعتِبارَ في الذَّكاةِ بحالِ الحيَوانِ وقتَ ذَبحِه، لا بأصلِه؛ بدَليلِ الوَحشيِّ إذا قُدرَ عليهِ وجَبَتْ تَذكيتُه في الحَلقِ واللبَّةِ، وكذلكَ الأهليُّ إذا تَوحشَ يُعتبَرُ بحالِه، وبهذا فارَقَ ما ذَكروهُ، فإذا تَردَّى فلم يُقدرْ على تَذكيتِه فهو مَعجوزٌ عن تَذكيتِه، فأشبَهَ الوَحشيَّ، فأمَّا إنْ كانَ رأسُ المُتَردِّي في الماءِ لم يُبَحْ؛ لأنَّ الماءَ يُعِينُ على قتلِه، فيَحصلُ قَتلُه بمُبيحٍ وحاظِرٍ، فيَحرمُ كما لو جرَحَه مُسلمٌ ومَجوسيٌّ (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في الحيَوانِ الأهليِّ إذا تَوحشَ، وكذلكَ اختَلفُوا إذا وقَعَ بعيرٌ أو بَقرةٌ أو شاةٌ في بئرٍ فلمْ يُقدرْ عليهِ إلا بأنْ يُطعَنَ في سَنامِه أو غيرِه، هل يَنتقلُ ذَكاتُه مِنْ الذَّبحِ والنَّحرِ إلى العَقرِ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمَدُ: تَنتقلُ ذَكاتُه في ذلكَ كلِّه إلى العَقرِ. ومِن أصحابِ أبي حَنيفةَ مَنْ قالَ: لا بُدَّ مِنْ أنْ يَرميَه بجُرحٍ يُعلَمُ أنه ماتَ منهُ، وإلا فلا يَحلُّ.

стр. 11877

وقالَ المَراوِزةُ مِنْ الشافِعيةِ: لا بُدَّ مِنْ جرحٍ في الخاصِرةٍ مُذفِّفٍ. ومِن أصحابِ الشافِعيِّ مَنْ اشتَرطَ الجرحَ المُذفِّفَ مُطلَقًا. وقالَ مالِكٌ: لا تَنتقلُ ذَكاتُه ولا يُستباحُ بعَقرٍ في مَوضعٍ في بَدنِه، وإنما يُستباحُ بالذبحِ والنَّحرِ، ولا ذَكاةَ إلا في الحَلقِ واللبَّةِ. ورَوى ابنُ حَبيبٍ خاصةً عنهُ أنه يَكونُ له حُكمُ الوَحشِ، فيُستباحُ بما يُستباحُ به الوَحشُ، فإنْ أصابَ منه العَاقِر أبيحَ بهِ (١). قالَ الموصليُّ ﵀: البَعيرُ النادُّ لو رَماهُ فقتَلَه حَلَّ أكلُه؛ لأنَّ الجرحَ في غيرِ المَذبحِ أُقيمَ مَقامِ الذبحِ عندَ تعذُّرِ الذَّبحِ للحاجةِ، والبَقرُ والبَعيرُ لو نَدَّا في الصحراءِ أو المِصرِ بمَنزلةِ الصَّيدِ، وكذلكَ الشاةُ في الصحراءِ، ولو نَدَّتْ في المِصرِ لا تَحلُّ بالعَقرِ؛ لأنه يُمكِنُ أخذُها، أما البَقرُ والبَعيرُ فرُبَّما عضَّهُ البَعيرُ ونطَحَه البقرُ، فتَحقَّقَ العَجزُ فيها؛ والمُتردِّي في بئرٍ لا يُقدَرُ على ذَكاتِه في العُروقِ كالصَّيدِ؛ إذْ لا يُتوهَّمُ مَوتُه بالماءِ (٢). ذَبحُ ما يُنحَرُ ونَحرُ ما يُذبَحُ: الأصلُ أنَّ الذبحَ يَكونُ في بَقرٍ وغَنمٍ وطَيرٍ وصَيدٍ مَقدورٍ عليهِ. والنَحرُ -وهو الطَّعنُ بحَربةٍ ونحوِها في الوَهْدةِ التي بينَ أصلِ العُنقِ والصَّدرِ- يكونُ في إبلٍ. ولو نحَرَ ما يُذبَحُ وذبَحَ ما يُنحرُ يَحلُّ؛ لوُجودِ فَريِ الأوداجِ، ولكنَّه

стр. 11878

يُكرهُ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّ السُّنةَ في الإبلِ النَّحرُ، وفي غيرِها الذبحُ، ألَا ترَى أنَّ اللهَ تعالَى ذكَرَ في الإبلِ النحرَ وفي البقرِ والغنمِ الذبحَ فقالَ : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، قيلَ في التأويلَ: أيِ انحَرِ الجَزورَ، وقالَ اللهُ عَزَّ شَأنُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وقالَ تعالَى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]، والذِّبحُ بمَعنى المَذبوحِ، كالطَّحنِ بمَعنى المَطحونِ، وهو الكَبشُ الذي فَدَى به سيِّدَنا إسماعيلَ، وكذا النبيُّ ﵊ نحَرَ الإبلَ وذبَحَ البَقرَ والغنَمَ، فدلَّ أنَّ ذلكَ هو السُّنةُ (١). وهذا قَولُ الجُمهورِ، أنه يَجوزُ نَحرُ ما يُذبحُ وذَبحُ ما يُنحرُ، خِلافًا للمالِكيةِ الذينَ أوجَبُوا النحرَ في الإبلِ خاصَّةً إذا لم تَكنْ ضَرورةٌ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ بطَّال ﵀: فأمَّا البَقرُ فالأئمَّةُ مُجمِعونَ على جَوازِ النَّحرِ والذَّبحِ فيها، قالَ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، ورَوتْ عَمرةُ عن عائِشةَ أنها قالَت: «دخلَ علينا يَوم النَّحرِ بلَحمٍ، فقيلَ: نحَرَ رَسولُ اللهِ عن أزواجِه البقَرةَ» فجازَ فيها الوَجهانِ … واختَلفُوا في ذَبحِ ما يُنحرُ مِنْ الإبلِ ونَحرِ ما يُذبحُ مِنْ الغَنمِ، فأجازَ أكثَرُ الفُقهاءِ أيَّ ذلكَ فعَلَ المُذكِّي، قالَ ابنُ المُنذرِ: رُويَ ذلكَ عن عَطاءٍ والزُّهريِّ وقَتادةَ، وقالَ أبو حَنيفةَ والثوريُّ واللَّيثُ والشافِعيُّ نحوَ ذلكَ

стр. 11879

ويَكرهونَه، ولم يَكرهْه أحمَدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، وهو قَولُ عبدِ العَزيزِ بنِ أبي سَلمةَ في ذَبحِ الإبلِ أو نَحرِ ما يُذبحُ مِنْ طيرٍ أو غيرِه مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، وقالَ أشهَبُ: إنْ ذبَحَ بَعيرًا مِنْ غيرِ ضَرورةٍ لم يُؤكلْ، واعتَلَّ أصحابُه بأنَّ النبيَّ ﷺ بيَّنَ وَجهَ الذَّكاةِ فنحَرَ الإبلَ وذبَحَ الغنَمَ والطيرَ، ولا يَجوزُ تَحويلُ شيءٍ مِنْ ذلكَ عن مَوضعِه مع القُدرةِ عليهِ إلا بحُجةٍ واضِحةٍ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: لا أعلَمُ أحَدًا حرَّمَ أكْلَ ما نُحرَ ممَّا يُذبحُ أو ذُبحَ ما يُنحرُ، وإنما كَرهَ ذلكَ مالِكٌ ولم يُحرِّمْه، وقد يَكرهُ المرءُ الشيءَ ولا يُحرِّمُه، وحُجةُ الجُمهورِ أنه لمَّا جازَ في البَقرِ والخَيلِ الذبحُ والنَّحرُ، جازَ ذلكَ في كلِّ ما تَجوزُ تَذكيتُه، ألَا تَرى قولَ ابنِ عبَّاسٍ: «الذَّكاةُ جائزةٌ في الحَلقِ واللبَّةِ»، ولم يَخصَّ شَيئًا مِنْ ذلكَ دونَ شيءٍ، فهو عامٌّ في كلِّ ذِي حَلقٍ وكلِّ ذي لبَّةٍ، والناسُ على هذا، ولم يُخالِفْ ذلكَ غيرُ مالِكٍ وحْدَه، وأما قَولُ ابنِ عبَّاسٍ: «إنَّ الذَّكاةَ في الحَلقِ واللَّبةِ» فمَعناهُ أنَّ الذكاةَ لا تَكونُ إلا في هَذينِ المَوضعينِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ المُستحَبَّ نَحرُ الإبلِ وذَبحُ ما سِواها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، قالَ مُجاهِدٌ: أُمِرْنا بالنَّحرِ وأُمِرَ بَنو إسرائيلَ بالذَّبحِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ في قَومٍ ماشِيتُهم الإبلُ فسَنَّ النَّحرَ، وكانَتْ بَنو إسرائيلَ ماشِيتُهم البقرُ

стр. 11880

فأُمِروا بالذَّبحِ، وثبَتَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نحَرَ بَدنةً، وضَحَّى بكَبشينِ أقرَنينِ ذبَحَهُما بَيدِه» مُتفَقٌ عليهِ، ومعنَى النَّحرِ أنْ يَضربَها بحَربةٍ أو نَحوِها في الوَهْدةِ التي بينَ أصلِ عُنقِها وصَدرِها (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: السُّنةُ في الإبلِ النَّحرُ، وهو قَطعُ الحَلقِ أسفَلَ العُنقِ، وفي البَقرِ والغَنمِ الذَّبحُ، وهو قَطعُ الحَلقِ أعلَى العُنقِ، والمُعتبَرُ في المَوضعينِ قَطعُ الحُلقومِ والمَريءِ، وحَكى صاحِبُ «البَيَان» وغيرُه وَجهًا شاذًّا أنه يَتخيَّرُ في البَقرِ بينَ الذَّبحِ والنَّحرِ، والصَّوابُ الأولُ، والخَيلُ كالبقرِ، وكذا حِمارُ الوَحشِ وبَقرُه ونَحوُها، فلو خالَفَ وذبَحَ الإبلَ ونحَرَ البقرَ والغَنمَ حلَّتِ المُذكَّاةُ وكانَ تارِكًا للمُستحَبِّ، وهل هو مَكروهٌ؟ فيه قَولانِ: الصَّحيحُ المَشهورُ: لا يُكرهُ؛ لأنَّ المَكروهَ هو ما ورَدَ فيه نهيٌ. والثاني: يُكرَه (٢). بأيِّ شَيءٍ تَحصلُ الذَّكاةُ: للذَّكاةِ حالَتانِ: حالَةُ كمالٍ وحالةُ جَوازٍ. الحالةُ الأُولى: حالةُ الكَمالِ: فتَكونُ بقَطعِ أربَعةٍ: الحُلقومِ والمَريءِ والوَدَجينِ. فأما الحُلقومُ: فهو مَجرَى النفَسِ في مُقدَّمِ الرَّقبةِ.

стр. 11881

وأما المَريءُ: فهو مَجرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، يَلي الحُلقومَ، وبهِما تُوجَدُ الحياةُ، وبفَقدِهما تُفقَدُ الحياةُ. وأما الوَدَجانِ: فهُمَا عِرقانِ في جَنبيِ العُنقِ مِنْ مقدَّمِهِ، ولا تَفوتُ الحَياةُ بفَواتِهما؛ لأنهُما قد يَنسلَّانِ مِنْ الإنسانِ والبَهيمةِ ثمَّ يَحيَيانِ، والوَدَجانِ اسمٌ لهُمَا في البَهيمةِ، ويُسمَّيانِ في الإنسانِ الوَريدانِ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦]، فهذا حالُ الكَمالِ في الذَّكاةِ بقَطعِ هذهِ الأربَعةِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ الأكمَلَ قَطعُ الأربَعةِ: الحُلقومِ والمَريءِ والوَدجينِ، فالحُلقومُ مَجرَى النفَسِ، والمَريءُ وهو مَجرَى الطَّعامِ والشَّرابِ، والوَدجانِ وهُمَا عِرقانِ مُحيطانِ بالحُلقومِ؛ لأنه أسرَعُ لخُروجِ رُوحِ الحَيوانِ، فيَخفُّ عليهِ ويخرجُ مِنْ الخِلافِ، فيَكونُ أَولى (٢). الحالةُ الثانِيةُ: حالةُ الجَوازِ: فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه على مَذاهبَ: فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الأوداجَ أربَعةٌ: الحُلقومُ والمَريءُ والعِرقانِ اللَّذانِ بينَهُما الحُلقومُ والمَريءُ، فإذا فَرَى ذلكَ كلَّه فقدْ أتَى بالذَّكاةِ بكَمالِها وسُنَنِها، وإنْ فَرَى البعضَ دونَ البَعضِ فعندَ أبي حَنيفةَ إذا قطَعَ أكثرَ الأوداجِ -وهو ثَلاثةٌ مِنها، أيَّ ثَلاثةٍ كانَتْ- وترَكَ واحِدًا يَحلُّ؛ لأنَّ للأكثَرِ

стр. 11882

حُكمَ الكلِّ فيما بُنيَ على التوسِعةِ في أصولِ الشَّرعِ، والذكاةُ بُنيَتْ على التَّوسعةِ حيثُ يُكتفَى فيها بالبعضِ، فيُقامُ الأكثرُ مَقامَ الجَميعِ. وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: لا يَحلُّ حتَّى يَقطعَ الحُلقومَ والمَريءَ وأحَدَ العِرقينِ، وإلا فَلا، حتى لو قطَعَ الحُلقومَ والمَريءَ أو اقتَصرَ على أحَدِهما مع الوَدجينِ لم يَجُزْ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنْ العُروقِ يُقصدُ بقَطعِه غيرُ ما يُقصدُ به الآخَرُ؛ لأنَّ الحُلقومَ مجرَى النفَسِ، والمَريءَ مَجرَى الطَّعامِ، والوَدجينِ مَجرَى الدمِ، فإذا قُطعَ أحدُ الوَدجينِ حصَلَ بقَطعِه المَقصودُ منهُما، وإذا تُركَ الحُلقومُ لم يَحصلْ بقَطعِ ما سِواهُ المَقصودُ منه، ولذلكَ اختَلفَا. وقالَ مُحمدٌ ﵀: لا يَحلُّ حتَّى يَقطعَ مِنْ كلِّ واحِدٍ مِنْ الأربَعةِ أكثَرَه؛ لأنه إذا قطَعَ الأكثَرَ مِنْ كلِّ واحِدٍ مِنْ الأربَعةِ فقدْ حصَلَ المَقصودُ بالذَّبحِ، وهو خُروجُ الدمِ؛ لأنه يخرجُ ما يَخرجُ بقَطعِ الكُلِّ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ شرْطَ صِحةِ الذَّكاةِ أنْ يكونَ القَطعُ لجَميعِ الحُلقومِ -وهي القَصبةُ التي هي مَجرَى النفَسِ- ولجَميعِ الوَدجينِ -وهُمَا عِرقانِ في صَفحتَي العُنقِ يَتصلُ بهمَا أكثَرُ عُروقِ البَدنِ، ويَتصِلانِ بالدِّماغِ-، فلو قطَعَ أحَدَهُما وأبقَى الآخرَ أو بعضَه لم تُؤكلْ. ولا يُشترطُ قَطعُ المَريءِ الذي يَكونُ مع الحُلقومِ، وهو عِرقٌ أحمَرُ

стр. 11883

تحتَ الحُلقومِ مُتصِلٌ بالفَمِ ورأسِ المَعدةِ والكَرشِ يَجري فيه الطعامِ إليها، ويُسمَّى البَلعومَ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ إجزاءَ الذَّبحِ بقَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ دونَ الوَدجينِ، فإنْ قطَعَ الحُلقومَ والمَريءَ واستَثنَى الوَدجينِ حَلَّ الذَّبحُ؛ لأنه قطَعَ في مَحلِّ الذَّبحِ ما لا تَبقَى الحياةُ مع قَطعِه، فأشبَهَ ما لو قطَعَ الأربَعةَ (٢). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُباحُ إلا أنْ يَقطعَ الحُلقومَ والمَريءَ وعِرقانِ مِنْ الجانبَينِ مِنْ كلِّ جانِبٍ واحِدٌ (٣). وبيَّنَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ السببَ في اختِلافِ العُلماءِ فقالَ: وسَببُ اختِلافِهم أنه لم يأت في ذلكَ شَرطٌ مَنقولٌ، وإنما جاءَ في ذلكَ أثَرانِ أحَدُهما يَقتضِي إنهارَ الدمِ فقطْ، والآخَرُ يَقتضِي قطْعَ الأوداجِ مع إنهارِ الدمِ، ففِي حَديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ أنه قالَ ﵊: «ما أنهَرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليهِ فكُلْ»، وهو حَديثٌ مُتفَقٌ على صحَّتهِ، ورُويَ عن

стр. 11884

أبي أُمامةَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «ما فَرَى الأوداجَ فكُلوا، ما لم يَكنْ رَضَّ نَابٍ أو نحْرَ ظُفرٍ» (١). فظاهِرُ الحَديثِ الأولِ يَقتضِي قطْعَ بعضِ الأوداجِ فقطْ؛ لأنَّ إنهارِ الدمِ يَكونُ بذلكَ، وفي الثاني قَطعُ جَميعِ الأوداجِ، فالحَديثانِ -واللهُ أعلَمُ- مُتفِقانِ على قَطعِ الودَجينِ، إمَّا أحَدِهما أو البَعضِ مِنْ كَليهِما أو مِنْ واحِدٍ منهُما، ولذلكَ وَجهُ الجَمعُ بينَ الحَديثينِ أنْ يُفهَمَ مِنْ لامِ التَّعريفِ في قَولِه ﵊: «مَا فَرَى الأوداجَ» البَعضُ لا الكُلُّ؛ إذْ كانَتْ لامُ التَّعريفِ في كلامِ العَربِ قد تَدلُّ على البَعضِ. وأمَّا مَنْ اشتَرطَ قطْعَ الحُلقومِ والمَريءِ فليسَ له حُجةٌ مِنْ السَّماعِ، وأكثَرُ مِنْ ذلكَ مَنْ اشتَرطَ المَريءَ والحُلقومَ دونَ الوَدجينِ، ولهذا ذهَبَ قَومٌ إلى أنَّ الواجِبَ هو قَطعُ ما وقَعَ الإجماعُ على جَوازِه؛ لأنَّ الذكاةَ لمَّا كانَت شَرطًا في التَّحليلِ ولم يَكنْ في ذلكَ نَصٌّ فيما يُجزِي وجَبَ أنْ يكونَ الواجِبُ في ذلكَ ما وقَعَ الإجماعُ على جَوازِه، إلا أنْ يَقومَ الدَّليلُ على جَوازِ الاستِثناءِ مِنْ ذلكَ، وهو ضَعيفٌ؛ لأنَّ ما وقَعَ الإجماعُ على إجزائِه ليسَ يَلزمُ أنْ يكونَ شَرطًا في الصِّحةِ (٢). ذَبحُ الحَيوانِ مِنْ القَفا: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الذبحِ مِنْ القَفَا، هل تَحرمُ ولا تَحلُّ ولا تَكونُ ذَكاةٌ بهذا؟ أم إنْ بَقِيتْ حَيةً حتَّى قطَعَ العُروقَ حلَّتْ وإلا فلا تَحلُّ؟ فذهَبَ المالِكيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ الذبحُ مِنْ

стр. 11885

المُقدَّمِ، فإنْ ذبَحَها مِنْ قَفاها أو إحدَى صَفحتَي العُنقِ فإنها لا تُؤكَلُ، سَواءٌ فعَلَ ذلكَ في ضَوءٍ أو ظُلمةٍ، عَمدًا أو خَطأً أو غَلبةً؛ لأنَّ مَنْ ذبَحَ مِنْ القَفَا قد قطَعَ النُّخاعَ -وهو المُخُّ الذي في عِظامِ الرَّقبةِ- قبلَ أنْ يَصلَ إلى مَوضعِ الذَّبحِ، فيَكونُ بفِعلِه قد قتَلَ البَهيمةَ بقَطعِه نُخاعَها -إذْ هو مَقتلٌ مِنْ مَقاتلِها- قبلَ أنْ يُذكِّيَها في مَوضعِ ذَكاتِها (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ ذبَحَ حَيوانًا مَقدورًا عليهِ مِنْ قَفاهُ فإنْ أسرَعَ وقطَعَ العُروقَ أو الحُلقومَ والمَريءَ وبه حَياةٌ مُستقِرةٌ حَلَّ أكلُه؛ لأنَّ الذَّكاةَ صَادفتْه وهو حَيٌّ، كما لو قطَعَ يَدَ الحَيوانِ ثمَّ ذكَّاهُ، ولعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «ما أنهَرَ الدمَ وذُكرَ اسمُ اللهِ عليهِ فكُلوهُ»، ولأنها ذَكاةٌ حصَلَتْ وفيه حَياةٌ مُستقِرةٌ، فأُبيحَ كما لو قطَعَ رِجلَها ثمَّ ذبَحَها ولكنْ يَحرمُ عليهِ عندَ الشافِعيةِ، ويُكرَهُ له عِنْدَ الحَنفيةِ؛ لأنه خِلافُ المَسنونِ. وإلا بأنْ ماتَ قبلَ قَطعِ العُروقِ أو الحُلقومِ والمَريءِ لم يَحلَّ ولم يُؤكلْ؛ لأنه ماتَ قبلَ وُجودِ الذَّكاةِ في مَحلِّها، فلا تُفيدُ الذَّبحَ بعدَ ذلكَ كما لو ماتَ حتْفَ أنفِه (٢).

стр. 11886

قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: «ولو ذبَحَها مِنْ قَفاها فإنْ تَحرَّكتْ بعدَ قَطعِ الرأسِ أُكلَتْ، وإلا لم تُؤكلْ». قالَ الماوَرديُّ: ذَبحُ الشاةِ مِنْ القفَا مَكروهٌ، وإنما كَرِهناهُ لأمرَينِ: أحَدُهما: لِما فيه مِنْ تَعذيبِها، والثاني: لِما يُخافُ مِنْ مَوتِها قبلَ الوُصولِ إلى ذَكاتِها، فإنْ فعَلَ لم يَخلُ حَالُها مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ يُعلمَ مَوتُها بقَطعِ القَفَا قبلَ وُصولِ السكِّينِ إلى قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ، فتَكونُ مَيتةً لا تُؤكَلُ، وكذلكَ لو بَقيتْ فيها عندَ وُصولِ السكِّينِ إلى قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ حَياةٌ غيرُ مُستقرةٍ لحَياةِ المَذبوحِ لم تُؤكلْ، وإنما كانَ كذلكَ لأنَّ الذَّكاةَ لا تُستباحُ إلا بقَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ، وقَطعُ قَفاها يَجرِي في فَواتِ نَفسِها مَجرَى كسرِ صُلبِها وبَقرِ بَطنِها، ولا تَحصلُ به ذَكاةٌ وإنْ وَحى. والقِسمُ الثاني: إنْ قطَعَ حُلقومَها ومَريئَها فهذهِ ذَكيَّةٌ تُؤكلُ، وقالَ مالِكٌ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ: هيَ مَيتةٌ لا تُؤكلُ، وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ: إنْ فعَلَ ذلكَ عَمدًا لم تُؤكلْ، وإنْ فعَلَه سَهوًا أُكلَتْ؛ احتِجاجًا بأنَّ قطْعَ القَفا مُوحٍ، والذكاةُ بعدَ التَّوحيةِ لا تَصحُّ، كالتي أخرَجَ السَّبعُ حَشوتَها. ودَليلُنا هو أنَّ ما كانَتْ حَياتُه مُستقِرةٌ وإنْ لم تَدُمْ صَحَّتْ ذكاتُه

стр. 11887

كالمَقطوعةِ الأطرافِ، ولأنه لو انتَهى بها النَّزعُ إلى حَدِّ الإياسِ حلَّتْ ذَكاتُها مع استِقرارِ الحَياةِ، فلذلكَ قُطعَ القَفا، وخالَفَ قطْعَ الحَشوةِ؛ لأنَّ بقاءَ الحَياةِ معَها مُستقِرةً كحَياةِ المَذبوحِ. والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يُشكِلَ حالُها عندَ قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ، هل كانَتْ حَياتُها مُستقِرةً أو غيرَ مُستقِرةٍ؟ ففي إباحةِ أكلِها وَجهانِ: أحَدُهما: وهو ظاهِرُ قَولِ أبي إسحاقَ المَروزيِّ: أنها غَيرُ مَأكولةٍ؛ لأنَّ الأصلَ الحَظرُ حتَّى تُعلَمَ الإباحةُ. والوَجهُ الثاني: وهو ظاهِرُ قَولِ أبي عَليٍّ ابنِ أبي هُريرةَ: أنها مَأكولةٌ؛ لأنَّ الأصلَ فيها الحَياةُ حتَّى يُعلَمَ فَواتُها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا ذبَحَها مِنْ قَفاها وهو مُخطِئٌ فأتَتِ السِّكينُ على مَوضعِ ذَبحِها وهيَ في الحَياةِ أُكلَتْ). قالَ القاضي: معنَى الخَطأِ أنْ تَلتويَ الذَّبيحةُ عليهِ فتأتِيَ السكينُ على القَفا؛ لأنها معَ التِوائِها مَعجوزٌ عن ذَبحِها، فسقَطَ اعتِبارُ المَحلِّ كالمُتردِّيةِ في بئرٍ، فأما مع عَدمِ التِوائِها فلا تُباحُ بذلكَ؛ لأنَّ الجَرحَ في القَفا سَببٌ للزُّهوقِ، وهو في غيرِ مَحلِّ الذَّبحِ، فإذا اجتَمعَ مع الذَّبحِ منَعَ حِلَّه كما لو بقَرَ بَطنَها، وقد رُويَ عن أحمَدَ ما يَدلُّ على هذا المعنَى؛ فإنَّ الفَضلَ بنَ زيادٍ قالَ: سألتُ أبا عَبدِ اللهِ عمَّن ذبَحَ في القَفا، قالَ: عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ؟ قلتُ: عامِدًا، قالَ: لا تُؤكلُ، فإذا كانَ غيرَ عامِدٍ كأنِ التَوَى عليهِ فلا بأسَ.

стр. 11888

فَصلٌ: فإنْ ذبَحَها مِنْ قَفاها اختِيارًا فقدْ ذكَرْنا عن أحمَدَ أنها لا تُؤكلُ، وهو مَفهومُ كَلامِ الخِرقيِّ، وحُكيَ هذا عن عليٍّ وسَعيدِ بنِ المُسيبِ ومالكٍ وإسحاقَ، قالَ إبراهيمُ النخَعيُّ: تُسمَّى هذهِ الذَّبيحةُ القَفِينةُ. وقالَ القاضي: إنْ بَقيتْ فيها حَياةٌ مُستقرةٌ قبلَ قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ حلَّتْ، وإلا فلا، ويُعتبَرُ ذلكَ بالحَركةِ القَويةِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ الذبحَ إذا أتَى على ما فيهِ حَياةٌ مُستقرةٌ أحَلَّه كأكِيلةِ السَّبعِ والمُتردِّيةِ والنطيحةِ، ولو ضرَبَ عُنقَها بالسَّيفِ فأطارَ رأسَها حلَّتْ بذلكَ، نَصَّ عليهِ أحمَدُ فقالَ: لو أنَّ رَجلًا ضرَبَ رأسَ بَطةٍ أو شَاةٍ بالسيفِ يُريدَ بذلكَ الذَّبيحةَ كانَ له أنْ يَأكلَه، ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «تِلكَ ذَكاةٌ وَحِيَّةٌ»، وأفتَى بأكلِها عِمرانُ بنُ حُصينٍ، وبه قالَ الشَّعبيُّ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ. وقالَ أبو بَكرٍ: لأبي عَبدِ اللهِ فيها قَولانِ: والصَّحيحُ أنها مُباحةٌ؛ لأنه اجتَمعَ قَطعُ ما تَبقَى الحَياةُ معهُ مع الذَّبحِ، فأُبيحَ كما ذكَرْنا مع قَولِ مَنْ ذكَرْنا قولَه مِنْ الصَّحابةِ مِنْ غيرِ مُخالِفٍ. فَصلٌ: فإنْ ذبَحَها مِنْ قَفاها فلمْ يَعلمْ هل كانَتْ فيها حياةٌ مُستقرةٌ قبلَ قَطعِ الحُلقومِ والمَريءِ أو لا نَظَرْتَ؛ فإنْ كانَ الغالِبُ بقاءُ ذلكَ لحِدَّةِ الآلةِ وسُرعةِ القَتلِ فالأَولى إباحتُه؛ لأنه بمَنزلةِ ما قُطعَتْ عُنقُه بضَربةِ السيفِ، وإنْ كانَتِ الآلةُ كالَّةً وأبطَأَ قَطعُه وطالَ تَعذيبُه لم يُبَحْ؛ لأنه مَشكوكٌ في وُجودِ ما يُحلِّه، فيَحرمُ كما لو أرسَلَ كلْبَه على الصَّيدِ فوجَدَ معهُ كَلبًا آخَرَ لا يَعرفُه (١).

стр. 11889

الرُّكن الثانِي: الذَّابحُ: يُشترطُ في الذابحِ عدَّةُ شُروطٍ حتَّى تُؤكلَ ذَبيحتُه: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ عاقِلًا مُميِّزًا: يُشترطُ في الذابحِ أنْ يكونَ عاقِلًا مُميِّزًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابلةِ، فلا يَحلُّ ذَبحُ مَجنونٍ ولا صَغيرٍ لا يُميِّزُ؛ لفَسادِ قَصدِهم؛ لأنَّ الذبحَ يَحتاجُ إلى القَصدِ والتسميةِ، وهُمَا لا يَصحَّانِ ممَّن لا يَعقلُ (١). وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: يَصحُّ ذَبحُ مَجنونٍ وغيرِ مُميِّزٍ وسَكرانَ؛ لأنَّ لهم قَصدًا وإرادةً في الجُملةِ، لكنْ معَ الكَراهةِ؛ خَوفًا مِنْ عُدولِهم عن مَحلِّ الذبحِ. ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ في السكرانِ والمَجنونِ إذا لم يكنْ لهُمَا تَمييزٌ أصلًا، فإنْ كانَ لهُمَا أدنَى تَمييزٍ حَلَّ قَطعًا (٢).

стр. 11890

قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ ذَكاةَ المَجنونِ وصَيدَه لا يُستباحُ أكلُه (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: الذَّكاةُ لا تَصحُّ مِنْ المَجنونِ ومَن لا يَعقلُ، خِلافًا للشافِعيِّ؛ لأنَّ الذَّكاةَ لا تَصحُّ إلا بنيَّةٍ؛ بدَليلِ أنها لا تَصحُّ مِنْ المَجوسيِّ، ولو كانَتْ تَصحُّ مِنْ غيرِ نيةٍ لم يَختلفِ الحُكمُ فيها ممَّن وقَعَتْ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُشترطُ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فإنْ كانَ طِفلًا أو مَجنونًا أو سَكرانَ لا يَعقلُ لم يَصحُّ منه الذبحُ، وبهذا قالَ مالِكٌ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يُعتبَرُ العَقلُ، ولهُ فيما إذا أرسَلَ المَجنونُ الكلَبَ على صَيدٍ وَجهانٍ. ولنا: إنَّ الذكاةَ يُعتبَرُ لها القَصدُ، فيُعتبَرُ لها العَقلُ كالعِبادةِ، فإنَّ مَنْ لا عقْلَ له لا يَصحُّ منه القَصدُ، فيَصيرُ ذَبحُه كما لو وقَعَتِ الحَديدةُ بنَفسِها على حَلقِ شاةٍ فذَبحتْها (٣). ولا يُشترطُ البلوغُ ولا الذُّكوريةُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فتَحلُّ ذَبيحةُ المَرأةِ والصبيِّ الذي يُطيقُ الذبحَ.

стр. 11891

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على إباحةِ ذَبيحةِ الصَّبيِّ والمَرأةِ إذا أطاقَا الذبحَ وأتَيَا على ما يَجبُ أنْ يَؤتَى عليهِ (١). وقالَ الإمامُ ابن قُدامةَ ﵀: كلُّ مَنْ أمكَنَه الذبحُ مِنْ المُسلمينَ وأهلِ الكِتابِ إذا ذبَحَ حَلَّ أكلُ ذَبيحتِه، رَجلًا كانَ أو امرأةً، بالِغًا أو صَبيًّا، حرًّا كانَ أو عَبدًا، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا. قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على إباحةِ ذَبيحةِ المَرأةِ والصبيِّ. وقد رُويَ أنَّ جارِيةً لكَعبِ بنِ مالكٍ كانَت تَرعَى غَنمًا بسَلْعٍ فأُصيبَتْ شاةٌ منها فأدرَكَتْها فذَكَّتْها بحَجرٍ، فسألَ النبيَّ ﷺ فقالَ: «كُلُوها» مُتفَقٌ عليهِ، وفي هذا الحَديثِ فَوائدُ سَبعٌ: إحدَاها: إباحةُ ذَبيحةِ المَرأةِ. والثانيةُ: إباحةُ ذَبيحةِ الأمَةِ. والثالِثةُ: إباحةُ ذَبيحةِ الحائضِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَستفصِلْ. والرابعةُ: إباحةُ الذَّبحِ بالحَجرِ. والخامِسةُ: إباحةُ ذَبحِ ما خِيفِ عليهِ المَوتُ. والسادِسةُ: حِلُّ ما يَذبحُه غيرُ مالِكِه بغيرِ إذنِه. والسابعةُ: إباحةُ ذَبحِه لغيرِ مالكِه عندَ الخَوفِ عليهِ (٢).

стр. 11892

الشَّرطُ الثاني: أنْ يكونَ مِنْ أهلِ الذَّكاةِ (مُسلِمًا أو كِتابيًّا): أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حِلِّ ذَبيحةِ المُسلمِ والكِتابيِّ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ ذَبائحَ أهلِ الكِتابِ لنا حَلالٌ إذا ذكَرُوا اسمَ اللهِ عليهِا. وأجمَعُوا على أنَّ ذَبائحَ أهلِ الحَربِ حَلالٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الذَّبائحَ المُعتدَّ بها ذَبيحةُ المُسلمِ العاقِلِ والمُسلمةِ العاقِلةِ القاصدَينِ للتَّذكيةِ الذَينِ يَتأتَّى منهُما الذبحُ، وكذلكَ أجمَعُوا على أنَّ ذَبائحَ أهلِ الكِتابِ العُقلاءِ مُباحةٌ مُعتدٌّ بها. واختَلفُوا في ذَبائحِ نَصارَى العَربِ مِنْ تَنوخَ وبَهراءَ وتَغلبَ وفِهرٍ، فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: يَجوزُ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ، وعن أحمَدَ رِوايتانِ كالمَذهبينِ، أظهَرُهما: إنها لا يَجوزُ. وأجمَعُوا على أنَّ ذبائحَ الكُفارِ مِنْ غيرِ أهلِ الكِتابِ غيرُ مُباحةٍ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إباحةِ ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يَعنِي ذَبائحَهم، قالَ البُخاريُّ: قالَ ابنُ عبَّاسٍ: طَعامُهم ذَبائحُهم، وكذلكَ قالَ مُجاهدٌ وقَتادةُ، ورُويَ معناهُ عن ابنِ مَسعودٍ.

стр. 11893

وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ إباحةَ صَيدِهم أيضًا، قالَ ذلكَ عطاءٌ والليثُ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَعلمُ أحَدًا ثبَتَ عنه تَحريمُ صيدِ أهلِ الكِتابِ، إلا مالِكًا أباحَ ذَبائِحَهم وحرَّمَ صيدَهُم، ولا يَصحُّ؛ لأنَّ صَيدَهم مِنْ طَعامِهم، فيَدخلُ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّ مَنْ حلَّتْ ذَبيحتُه حَلَّ صَيدُه كالمُسلمِ. فَصلٌ: ولا فرْقَ بينَ العَدلِ والفاسِقِ مِنْ المُسلمينَ وأهلِ الكِتابِ .... ولا فرْقَ بينَ الحَربيِّ والذمِّيِّ في إباحةِ ذَبيحةِ الكِتابيِّ منهُم، وتَحريمِ ذَبيحةِ مَنْ سِواهُ، وسُئلَ أحمَدُ عن ذَبائحِ نصارَى أهلِ الحَربِ فقالَ: لا بأسَ بها … ، وقالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ على هذا كُلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ، منهُم مُجاهدٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا فرْقَ بينَ الكِتابيِّ العرَبيِّ وغَيرِه؛ لعُمومِ الآيةِ فيهِم (١). وقد نقَلَ الإجماعَ على حِلِّ ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ كَثيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ، منهُم ابنُ رُشدٍ وابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ والنَّوويُّ وغَيرُهم كَثيرٌ. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأما أهلُ الكِتابِ فالعُلماءُ مُجمِعونَ على جَوازِ ذَبائحِهم؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] (٢).

стр. 11894

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ﵀ عن جَماعةٍ مِنْ المُسلمينَ اشتَدَّ نَكيرُهم على مَنْ أكَلَ ذَبيحةَ يَهوديٍّ أو نَصرانيٍّ مُطلَقًا، ولا يَدرِي ما حالُهم، هل دَخَلوا في دِينِهم قبلَ نَسخِه وتَحريفِه وقبلَ مَبعثِ النبيِّ أم بعدَ ذلكَ؟ بل يَتناكَحونَ وتُقَرُّ مُناكَحتُهم عندَ جَميعِ الناسِ وهُم أهلُ ذِمةٍ يُؤدُّونَ الجِزيةِ ولا يُعرَفُ مَنْ هُمْ ولا مَنْ أباؤُهم، فهلْ للمُنكِرينَ عليهِم مَنعُهم مِنْ الذبحِ للمُسلمينَ؟ أم لهُم الأكلُ مِنْ ذَبائحِهم كَسائرِ بلادِ المُسلمينَ؟ فأجابَ ﵁: ليسَ لأحَدٍ أنْ يُنكِرَ على أحَدٍ أكَلَ مِنْ ذَبيحةِ اليَهودِ والنَّصارى في هذا الزَّمانِ، ولا يَحرمُ ذَبحُهم للمُسلمينَ، ومَن أنكَرَ ذلكَ فهو جاهِلٌ مُخطِئٌ مُخالِفٌ لإجماعِ المُسلمينَ. ثمَّ قالَ: وسَببُ هذا أنَّ أصلَ دِينِهم الذي أنزَلَ اللهُ به الكُتبَ وأرسَلَ به الرُّسلَ ليسَ فيه شِركٌ، كما قالَ تعالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تعالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف: ٤٥] وقالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ولكنَّهم بَدَّلوا وغَيَّروا فابتَدَعوا مِنْ الشِّركِ ما لم يُنزلْ به اللهُ سُلطانًا، فصارَ فيهم شِركٌ باعتبارِ ما ابتَدَعوا، لا باعتبارِ أصلِ الدينِ. ثمَّ قالَ: وقد ثبَتَ حِلُّ طَعامِ أهلِ الكِتابِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. وأيضًا فقدْ ثبَتَ في الصِّحاحِ بل بالنَّقلِ المُستفيضِ أنَّ النبيَّ ﷺ أهدَتْ له اليَهوديةُ عامَ خيبَرَ شاةً مَشويةً، فأكَلَ مِنها لُقمةً ثمَّ قالَ: «إنَّ هَذهِ

стр. 11895

تُخبرُنِي أنَّ فيها سُمًّا» (١)، ولولا أنَّ ذَبائحَهم حَلالٌ لَما تَناولَ مِنْ تلكَ الشاةِ. وثبَتَ في الصَّحيحِ: «أنهُم لمَّا غَزَوا خَيبَرَ، أخَذَ بعضُ الصحابةِ جِرَابًا فيه شَحمٌ، قالَ: قُلتُ: لا أُطعِمُ اليَومَ مِنْ هذا أحَدًا، فالتَفَتَ فإذا رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَضحكُ ولم يُنكِرْ عليهِ»، وهذا ممَّا استَدلَّ به العُلماءُ على جَوازِ أكلِ جَيشِ المُسلمينَ مِنْ طَعامِ أهلِ الحَربِ قبلَ القِسمةِ. وأيضًا: «فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أجابَ دَعوةَ يَهوديٍّ إلى خُبزِ شَعيرٍ وإِهالةٍ سَنِخةٍ» (٢) رواهُ الإمامُ أحمَدُ، و «الإِهالةُ» مِنْ الوَدَكِ الذي يَكونُ مِنْ الذَّبيحةِ مِنْ السَّمنِ ونَحوِه الذي يكونُ في أَوعيَتِهم التي يَطبخونَ فيها في العادةِ … وأيضًا: فقدِ استَفاضَ أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَّا فَتَحوا الشامَ والعِراقَ ومِصرَ كانوا يَأكلونَ مِنْ ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ اليَهودِ والنَّصارَى. المأخَذُ الثاني: الإنكارُ على مَنْ يَأكلُ ذَبائحَ أهلِ الكِتابِ هو كَونُ هَؤلاءِ المَوجودينَ لا يُعلَمُ أنهُم مِنْ ذُريةِ مَنْ دخَلَ في دِينِهم قبلَ النَّسخِ والتَّبديلِ، وهو المَأخذُ الذي دَلَّ عليهِ كَلامُ السائلِ، وهو المَأخذُ الذي تَنازعَ فيهِ عُلماءُ المُسلمينَ أهلُ السُّنةِ والجَماعةِ، وهذا مَبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ قولَه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] هلِ المُرادُ به

стр. 11896

مَنْ هو بعدَ نُزولِ القُرآنِ مُتديِّنٌ بدِينِ أهلِ الكِتابِ؟ أو المُرادُ به مَنْ كانَ آباؤُه قد دَخَلوا في دِينِ أهلِ الكِتابِ قبلَ النَّسخِ والتَّبديلِ؟ على قَولينِ للعُلماءِ. فالقَولُ الأولُ: هو قَولُ جُمهورُ المُسلمينَ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحَدُ القَولينِ في مَذهبِ أحمَدَ، بل هو المَنصوصُ عنهُ صَريحًا. والثَّاني: قَولُ الشافِعيِّ وطائِفةٍ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وأصلُ هذا القَولِ أنَّ عليًّا وابنَ عبَّاسٍ تَنازعَا في ذَبائحِ بَني تَغلبَ، فقالَ عليٌّ: «لا تُباحُ ذَبائحُهم ولا نِساؤُهم؛ فإنهُم لم يَتمسَّكوا مِنْ النَّصرانيةِ إلا بشُربِ الخَمرِ»، ورُويَ عنه أنه قالَ: «نَغزُوهُم لأنهُم لم يَقومُوا بالشُّروطِ التي شرَطَها عليهِم عُثمانُ، فإنه شرَطَ عليهِم أنْ لا (١) وغيرَ ذلكَ مِنْ الشُّروطِ»، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «بل تُباحُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]» وعامَّةُ المُسلمينَ مِنْ الصَّحابةِ وغَيرِهم لم يُحرِّموا ذَبائحَهم، ولا يُعرَفُ ذلكَ إلا عن عَليٍّ وحْدَه، وقد رُويَ معنَى قولِ ابنِ عبَّاسٍ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ. فمِن العُلماءِ مَنْ رجَّحَ قَولَ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ، وهو قَولُ الجُمهورِ كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمَدَ في إحدَى الرِّوايتينِ عنه، وصحَّحَها طائِفةٌ مِنْ أصحابِه، بل هي آخِرُ قَوليهِ، بل عامَّةُ المُسلمينَ مِنْ الصَّحابةِ والتابعينَ وتابِعيهِم على هذا القَولِ، وقالَ أبو بَكرٍ الأثرَمُ: ما عَلِمتُ أحَدًا مِنْ

стр. 11897

أصحابِ النبيِّ ﷺ كَرِهَه إلا عَليًّا، وهذا قَولُ جَماهيرِ فُقهاءِ الحِجازِ والعِراقِ وفُقهاءِ الحَديثِ والرأيِ كالحَسنِ وإبراهيمَ النخَعيِّ والزُّهريِّ وغَيرِهم، وهو الذي نقَلَه عن أحمَدَ أكثَرُ أصحابِه، وقالَ إبراهِيمُ ابنُ الحارثِ: كانَ آخِرُ قَولِ أحمَدَ على أنه لا يَرَى بذَبائحِهم بأسًا. ومِن العُلماءِ مَنْ رجَّحَ قولَ عليٍّ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأحمَدَ في إحدَى الرِّوايتينِ عنهُ، وأحمَدُ إنما اختَلفَ اجتِهادُه في بَني تَغلبَ، وهُم الذينَ تَنازعَ فيهِم الصَّحابةُ، فأما سائِرُ اليَهودِ والنَّصارَى مِنْ العَربِ مثلَ تَنوخَ وبَهراءَ وغيرِهما مِنْ اليَهودِ فلا أَعرفُ عن أحمَدَ في حِلِّ ذَبائحِهم نِزاعًا، ولا عن الصَّحابةِ ولا عن التابعِينَ وغيرِهم مِنْ السَّلفِ، وإنَّما كانَ النزاعُ بينَهم في بَني تَغلبَ خاصَّةً، ولكنْ مِنْ أصحابِ أحمَدَ مَنْ جعَلَ فيهِم رِوايتينِ كبَني تَغلبَ، والحِلُّ مَذهبُ الجُمهورِ كأبي حَنيفةَ ومالِكٍ، وما أعلَمُ للقَولِ الآخَرِ قُدوةً مِنْ السَّلفِ. ثمَّ هَؤلاءِ المَذكورونَ مِنْ أصحابِ أحمَدَ (قالَوا): مَنْ كانَ أحَدُ أبوَيهِ غيرَ كِتابيٍّ بل مَجوسيًّا لم تَحلَّ ذَبيحتُه ومُناكَحةُ نِسائِه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ فيما إذا كانَ الأبُ مَجوسيًّا، وأما الأمُّ فلهُ فيها قَولانِ: فإنْ كانَ الأبوانِ مَجوسيَّينِ حَرُمتْ ذَبيحتُه عندَ الشافِعيِّ ومَن وافَقَه مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وحُكيَ ذلكَ عن مالِكٍ، وغالِبُ ظنِّي أنَّ هذا غَلطٌ على مالِكٍ؛ فإني لم أَجدْه في كُتبِ أصحابِه، وهذا تَفريعٌ على الرِّوايةِ المُخرَّجةِ عن أحمَدَ في سائرِ اليَهودِ والنَّصارَى مِنْ العَربِ، وهذا مَبنيٌّ على إحدَى الرِّوايتينِ عنهِ في

стр. 11898

نَصارَى بَني تَغلبَ، وهي الرِّوايةُ التي اختارَها هَؤلاءِ، فأما إذا جعَلَ الرِّوايتيِن في بَني تَغلبَ دونَ غيرِهم مِنْ العَربِ، أو قيلَ: «إنَّ النِّزاعَ عامٌّ» وفَرَّعْنا على القَولِ بحِلِّ ذَبائحِ بَني تَغلبَ ونِسائِهم كما هو قَولُ الأكثَرينَ فإنه على هذهِ الرِّوايةِ لا عِبرةَ بالنَّسبِ، بل لو كانَ الأبَوانِ جَميعًا مَجوسيَّينِ أو وَثنيَّينِ والولدُ مِنْ أهلِ الكِتابِ فحُكمُه حُكمُ أهلِ الكِتابِ على هذا القَولِ بلا رَيبٍ، كما صرَّحَ بذلكَ الفُقهاءُ مِنْ أصحابِ أحمَدَ وأبي حَنيفةَ وغيرِهم، ومَن ظَنَّ مِنْ أصحابِ أحمَدَ وغيرِهم أنَّ تَحريمَ نِكاحِ مَنْ أبَواهُ مَجوسيانِ أو أحَدُهما مَجوسيٌّ قَولٌ واحِدٌ في مَذهبِه فهو مُخطئٌ خَطأً لا رَيبَ فيهِ؛ لأنه لم يُعرَفْ أصلُ النِّزاعِ في هذهِ المَسألةِ. ولهذا كانَ مِنْ هَؤلاءِ مَنْ يَتناقضُ، فيُجوِّزُ أنْ يُقَرَّ بالجِزيةِ مَنْ دخَلَ في دِينِهم بعدَ النَّسخِ والتَّبديلِ، ويَقولُ معَ هذا بتَحريمِ نكاحِ نَصرانِيِّ العَربِ مُطلَقًا ومَن كانَ أحَدُ أبوَيهِ غيرَ كتابيٍّ كما فعَلَ ذلكَ طائِفةٌ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وهذا تَناقضٌ، والقاضي أبو يَعلى وإنْ كانَ قد قالَ هذا القَولَ هوَ وطائفةٌ مِنْ أتباعِه فقدْ رجَعَ عن هذا القَولِ فى «الجامِع الكَبِير» وهوَ آخِرُ كُتبِه، فذكَرَ فيمَن انتَقلَ إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ مِنْ عَبدةِ الأوثانِ كالرُّومِ وقَبائلَ مِنْ العَربِ -وهُم تَنوخُ وبَهراءُ ومِن بَني تَغلبَ- هل تَجوزُ مُناكَحتُهم وأكلُ ذَبائحِهم؟ وذكَرَ أنَّ المَنصوصَ عن أحمَدَ أنه لا بأسَ بنكاحِ نَصارَى بَني تَغلبَ، وأنَّ الرِّوايةَ الأخرَى مُخرَّجةٌ على الرِّوايتينِ عنه في ذَبائحِهم، واختارَ أنَّ المُنتقِلَ إلى دِينِهم حُكمُه حُكمُهم، سَواءٌ كانَ انتِقالُه

стр. 11899

بعدَ مَجيءِ شَريعتِنا أو قبلَها، وسَواءٌ انتَقلَ إلى دِينِ المُبدِّلينَ أو دِينِ لم يُبدِّلْ، ويَجوزُ مُناكَحتُه وأكلُ ذَبيحتُه. وإذا كانَ هذا فيمَن أبَواهُ مُشرِكانَ مِنْ العَربِ والرُّومِ فمَن كانَ أحدُ أبوَيهِ مُشرِكًا فهو أَولى بذلكَ، هذا هو المَنصوصُ عن أحمَدَ؛ فإنه قد نَصَّ على أنه مَنْ دخَلَ في دِينِهم بعدَ النَّسخِ والتَّبديلِ كمَن دخَلَ في دِينِهم في هذا الزَّمانِ فإنه يُقَرُّ بالجِزيةِ، قالَ أصحابُه: وإذ أقرَرْناهُ بالجِزيةِ حلَّتْ ذَبائحُهم ونِساؤُهم، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وغيرِهما. وأصلُ النزاعِ في هذهِ المَسألةِ ما ذَكرتُه مِنْ نِزاعِ عليٍّ وغيرِه مِنْ الصحابةِ في بَني تَغلبَ، والشافعيِّ وأحمَدَ في إحدَى الرِّوايتينِ عنه والجُمهورُ أحَلُّوها، وهي الرِّوايةُ الأُخرى عن أحمَدَ. ثمَّ قالَ: وبالجُملةِ فالقَولُ بأنَّ أهلَ الكِتابِ المَذكورينَ في القُرآنِ هُمْ مَنْ كانَ دخَلَ جَدُّه في ذلكَ قبلَ النَّسخِ والتَّبديلِ قَولٌ ضَعيفٌ، والقَولُ بأنَّ عليَّ ابنَ أبي طالِبٍ ﵁ أرادَ ذلكَ قولٌ ضَعيفٌ، بل الصَّوابُ المَقطوعُ به أنَّ كَونَ الرَّجلِ كِتابيًّا أو غيرَ كِتابيٍّ هو حُكمٌ مُستقِلٌّ بنَفسِه لا بنَسبِه. وكلُّ مَنْ تَديَّنَ بدينِ أهلِ الكِتابِ فهو منهُم، سَواءٌ كانَ أبوهُ أو جَدُّه دخَلَ في دِينِهم أو لم يَدخلْ، وسَواءٌ كانَ دُخولُه قبلَ النسخِ والتَّبديلِ أو بعدَ ذلكَ، وهذا مَذهبُ جُمهورِ العُلماءِ كأبي حَنيفةَ ومالكٍ والمَنصوصُ الصَّريحُ عن أحمَدَ وإنْ كانَ بينَ أصحابِه في ذلكَ نِزاعٌ مَعروفٌ، وهذا القَولُ هو الثابِتُ عن الصَّحابةِ ﵃، ولا أعلَمُ بينَ الصَّحابةِ في ذلكَ نِزاعًا،

стр. 11900

وقد ذكَرَ الطَّحاويُّ أنَّ هذا إجماعٌ قَديمٌ، واحتَجَّ بذلكَ في هذهِ المَسألةِ على مَنْ لا يُقَرُّ الرجلُ في دِينِهم بعدَ النَّسخِ والتَّبديلِ كمَن هو في زَمانِنا إذا انتَقلَ إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ فإنه تُؤكلُ ذَبيحتُه وتُنكَحُ نِساؤُه، وهذا يُبيِّنُ خطَأَ مَنْ يُناقِضُ منهُم، وأصحابُ هذا القَولِ الذي هو قَولُ الجُمهورِ يَقولونَ: مَنْ دخَلَ هو أو أبَواهُ أو جَدُّه فى دِينِهم بعدَ النسخِ والتبديلِ أُقِرَّ بالجِزيةِ، سَواءٌ دخَلَ في زَمانِنا هذا أو قبلَه، وأصحابُ القَولِ الآخَرِ يَقولونَ: متَى عَلِمْنا أنه لم يَدخلْ إلا بعدَ النَّسخِ والتبديلِ لم تُقبلْ منه الجِزيةُ، كما يَقولُه بعضُ أصحابِ أحمَدَ مع أصحابِ الشافِعيِّ، والصَّوابُ قَولُ الجُمهورِ، والدَّليلُ عليهِ وُجوهٌ، (ثمَّ ذكَرَها ﵀. ثمَّ قالَ: وهذهِ الوُجوهُ كلُّها لبَيانِ رُجحانِ القَولِ بالتَّحليلِ وأنه مُقتضَى الدليلِ. فأما أنَّ مِثلَ هذهِ المَسألةِ أو نَحوَها مِنْ مَسائلِ الاجتِهادِ يَجوزُ لمَن تَمسَّكَ فيها بأحَدِ القَولينِ أنْ يُنكِرَ على الآخَرِ بغَيرِ حُجةٍ ودَليلٍ فهذا خِلافُ إجماعِ المُسلمينَ، فقدْ تَنازعَ المُسلمونَ في جُبْنِ المَجوسِ والمُشركينَ، وليسَ لمَن رجَّحَ أحَدَ القَولينِ أنْ يُنكِرَ على صاحِبِ القَولِ الآخَرِ إلا بحُجةٍ شَرعيةٍ، وكذلكَ تنازَعوا في مَتروكِ التَّسميةِ، وفي ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ إذا سَمَّوا عليهَا غيرَ اللهِ، وفي شَحمِ الثَّرْبِ والكُلْيتَينِ، وذَبحِهم لذَواتِ الظُّفرِ كالإبلِ والبَطِّ ونحوِ ذلكَ ممَّا حرَّمَه اللهُ عليهِم، وتَنازَعوا في ذَبحِ الكِتابيِّ للضَّحايا ونحوِ ذلكَ مِنْ المَسائلِ.

стр. 11901

وقد قالَ بكلِّ قَولٍ طائِفةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ المَشهورينَ، فمَن صارَ إلى قَولٍ مُقلِّدًا لقائلِه لم يَكنْ له أنْ يُنكِرَ على مَنْ صارَ إلى القَولِ الآخَرِ مُقلِّدًا لقائلِه، لكنْ إنْ كانَ مع أحَدِهما حجَّةٌ شَرعيةٌ وجَبَ الانقيادُ للحُججِ الشرعيةِ إذا ظهَرَتْ. ولا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يُرجِّحَ قولًا على قَولٍ بغيرِ دَليلٍ، ولا يَتعصَّبَ لقَولٍ على قَولٍ ولا لقائِلٍ على قائلٍ بغَيرِ حُجةٍ، بل مَنْ كانَ مُقلِّدًا لَزمَ حُكمَ التَّقليدِ، فلمْ يُرجِّحْ ولم يُزيِّفْ ولم يُصوِّبْ ولم يُخطِّئْ، ومَن كانَ عندَه مِنْ العِلمِ والبَيانِ ما يَقولُه سُمعَ ذلكَ منه، فقُبِلَ ما تَبيَّنَ أنه حَقٌّ، ورُدَّ ما تَبيَّنَ أنه باطلٌ، ووُقفَ ما لم يَتبيَّنْ فيه أحَدُ الأمرَينِ، واللهُ تعالَى قد فاوَتَ بينَ الناسِ في قِوَى الأذهانِ كما فاوَتَ بينهُم في قِوَى الأبدانِ. وهذه المَسألةُ ونَحوُها فيها مِنْ أغوارِ الفِقهِ وحَقائقِه ما لا يَعرفُه إلا مَنْ عرَفَ أقاويلَ العُلماءِ ومَآخذَهم، فأمَّا مَنْ لم يَعرفْ إلا قولَ عالِمٍ واحدٍ وحُجَّتَه دونَ قولِ العالِمِ الآخَرِ وحُجتِه فإنه مِنْ العَوامِّ المُقلِّدينَ، لا مِنْ العُلماءِ الذين يُرجِّحونَ ويُزيِّفونَ، واللهُ تعالَى يَهدينَا وإخوانَنَا لِما يُحبُّه ويَرضاهُ، وباللهِ التَّوفيقُ، واللهُ أعلَمُ (١). إذَا ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عندَ الذَّبحِ: نَصَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على أنَّ ذَبيحةَ الكِتابيِّ حَلالٌ، سَواءٌ ذكَرَ اسمَ اللهِ عليهَا أم لا، إلا قَولًا للحَنابلةِ.

стр. 11902

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعُوا في ذَبيحةِ الكِتابيِّ أنها تُؤكَلُ وإنْ لم يُسَمِّ اللهَ عليهَا إذا لم يُسَمِّ عليهَا غيرَ اللهِ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا لم يُعلَمْ أنَّ أهلَ الكِتابِ سَمَّوا اللهَ على الذَّبيحةِ فقالَ الجُمهورُ: تُؤكلُ، وهو مَرويٌّ عن عَليٍّ، ولستُ أذكُرُ فيهِ في هذا الوَقتِ خِلافًا، ويَتطرَّقُ إليه الاحتِمالُ بأنْ يُقالَ: إنَّ الأصلَ هو أنْ لا يُؤكلَ مِنْ تَذكيتِهم إلا ما كانَ على شُروطِ الإسلامِ، فإذا قيلَ على هذا: «إنَّ التسميةَ مِنْ شَرطِ التذكيةِ» وجَبَ أنْ لا تُؤكلُ ذَبائحُهم بالشكِّ في ذلكَ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ إباحتُها، سَواءٌ سَمَّوا اللهَ تعالَى عليهَا أم لا، وقالَ قَومٌ: لا يَحلُّ إلا أنْ يُسمُّوا اللهَ تعالَى (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: التَّسميةُ مُشترطةٌ في كلِّ ذابحٍ مع العَمدِ، سواءٌ كانَ مُسلمًا أو كِتابيًّا، فإنْ ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عن عَمدٍ أو ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ لم تَحلَّ ذَبيحتُه (٤). وقالَ ابنُ القَيمِّ ﵀: ومَن حرَّمَ مَتروكَ التَّسميةِ مِنْ المُسلمِ فلهُم قَولانِ في مَتروكِها مِنْ الكِتابيِّ: أحَدُهما: أنه يُباحُ، وهذا مَرويٌّ عن عَطاءٍ ومُجاهدٍ ومَكحولٍ.

стр. 11903

والثَّاني: أنه يَحرمُ كما يَحرمُ مِنْ المُسلمِ، وهذا قَولُ إسحاقَ وأحمَدَ وأبي حَنيفةَ وغيرِهم (١). إذا ذَكَروا اسمًا غيرَ اسمِ اللهِ تَعالَى على ذَبائحِهِم: قالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: ولو ذبَحَ يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ على اسمِ غيرِ اللهِ -كالنصرانِيِّ يَذبحُ باسمِ المَسيحِ- فاختَلفُوا فيه: قالَ عُمرُ: لا يَحلُّ، وهو قَولُ رَبيعةَ، وذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنه يَحلُّ، وهو قَولُ الشَّعبيِّ وعَطاءٍ والزُّهريِّ ومَكحولٍ، سُئلَ الشعبيُّ وعطاءٌ عن النصرانِيِّ يَذبحُ باسمِ المَسيحِ؟ قالَا: يَحلُّ، فإنَّ اللهَ تعالَى قد أحَلَّ ذَبائحَهم وهو يَعلمُ ما يَقولونَ. وقالَ الحَسنُ: إذا ذبَحَ اليَهوديُّ أو النصرانِيُّ فذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ وأنتَ تَسمعُ فلا تَأكلْه، فإذا غابَ عنكَ فكُلْ فقدْ أحَلَّه لكَ قَولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما اختِلافُ العُلماءِ فيما ذبَحَ النصارَى لكَنائسِهم وأعيادِهم أو ما سَمَّوا عليهِ المسيحَ: فقالَ مالِكٌ: ما ذَبَحوهُ لكَنائسِهم أكرَهُ أكلَه، وما سُميَّ عليهِ باسمِ المَسيحِ لا يُؤكلُ، والعَربُ عندَه والعَجمُ في ذلكَ سواءٌ. وقالَ الثوريُّ: إذا ذبَحَ وأهَلَّ به لغيرِ اللهِ كَرهتُه، وهو قَولُ إبراهيمَ.

стр. 11904

قالَ سُفيانُ: وبَلَغنا عن عَطاءٍ أنه قالَ: قد أحَلَّ اللهُ ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ؛ لأنه قد عَلِمَ أنهُم سيَقولونَ هذا القَولَ وقد أحَلَّ ذَبائحَهم. ورُويَ عن أبي الدَّرداءِ وعُبادةَ بنِ الصَّامتِ قالَا: لا بأسَ بما ذبَحَ النصارَى لكَنائسِهم ومَوتاهُم. قالَ أبو الدَّرداءِ: طَعامهُم كلُّه لنا حِلٌّ، وطَعامُنا لهم حِلٌّ. وإلى هذا ذهَبَ فُقهاءُ الشاميِّينَ مَكحولٌ والقاسِمُ بنُ مُخَيمرةَ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ يَزيدَ بن جابرٍ وسَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ والأوزاعيُّ، وقالَوا: سَواءٌ سمَّى النصرانِيُّ المَسيحَ على ذَبيحتِه أو سمَّى جِرجسَ أو ذبَحَ لعِيدِه أو لكَنيستِه، كُلَّ ذلكَ حَلالٌ؛ لأنه كِتابيٌّ ذبَحَ بدِينِه، وقد أحَلَّ اللهُ ذَبائحُهم في كِتابِه. وقالَ المُزنِيُّ عن الشافِعيِّ: لا تَحلُّ ذَبيحةُ نَصارَى العَربِ، ورُوي ذلكَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ. ورَوى قَيسُ بنُ الرَّبيعِ عن عَطاءِ بنِ السائبِ عن زَاذانَ عن عَليٍّ قالَ: إذا سَمِعتَ النصرانِيَّ يَقولُ: «باسمِ المَسيحِ» فلا تَأكلْ، وإذا لم يُسَمِّ فكُلْ، فقدْ أحَلَّ اللهُ ذَبائحَهم. وعن عائِشةَ قالَت: لا تَأكلْ ما ذُبحَ لأعيادِهم، وعن ابنِ عُمرَ مِثلُه. وعن الحَسنِ ومَيمونَ بنِ مَهرانَ أنهُما كانَا يَكرهانِ ما ذبَحَ النصارَى لأعيادِهم وكَنائسِهم وآلِهتِهم.

стр. 11905

وقد قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كانَ مالِكٌ يَكرهُه مِنْ غيرِ أنْ يُوجِبَ فيه تَحريمًا. وذكَرَ عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَنا مَعمرٌ عن عَمرِو بنِ مَيمونَ بنِ مَهرانَ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كانَ يُوكِلُ بقَومٍ مِنْ النصارَى قومًا مِنْ المُسلمينَ إذا ذَبَحوا أنْ يُسمُّوا اللهَ ولا يَتركُوهم أنْ يُهِلُّوا لغيرِ اللهِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فأما إذا ذَبَحوا على اسمِ المَسيحِ أو كَنيسةٍ ونَحوِها فلا تَحلُّ تلكَ الذَّبيحةُ عندَنا، وبه قالَ جَماهيرُ العُلماءِ، واللهُ أعلَمُ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما ما ذَبَحوهُ لكَنائسِهم وأعيادِهِم فنَنظرُ فيه؛ فإنْ ذبَحَه لهُم مُسلمٌ فهو مُباحٌ، نَصَّ عليهِ، وقالَ أحمَدُ وسُفيانُ الثَّوريُّ في المَجوسيِّ يَذبحُ لإلهِه ويَدفعُ الشاةَ إلى المُسلمِ يَذبحُها فيُسمِّي: يَجوزُ الأكلُ منها، وقالَ إسماعيلُ بنُ سَعيدٍ: سألتُ أحمَدَ عمَّا يُقرَّبُ لآلِهتِهم يَذبحُه رَجلٌ مُسلمٌ؟ قالَ: لا بأسَ به. وإنْ ذبَحَها الكِتابيُّ وسمَّى اللهَ وحْدَه حَلَّتْ أيضًا؛ لأنَّ شرْطَ الحِلِّ وُجدَ، وإنْ عُلمَ أنه ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ عليهَا أو ترَكَ التَّسميةَ عمدًا لم تَحلَّ، قالَ حَنبلٌ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ قالَ: إنْ ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ عليهَا أو ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا لم تَحلَّ، قالَ حَنبلٌ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ قالَ: لا يُؤكلُ، يَعني ما ذُبحَ لأعيادِهم وكَنائسِهم؛ لأنه أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به، وقالَ في مَوضعٍ: يَدَعونَ
следующие страницы →