← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

وقد قالَ بكلِّ قَولٍ طائِفةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ المَشهورينَ، فمَن صارَ إلى قَولٍ مُقلِّدًا لقائلِه لم يَكنْ له أنْ يُنكِرَ على مَنْ صارَ إلى القَولِ الآخَرِ مُقلِّدًا لقائلِه، لكنْ إنْ كانَ مع أحَدِهما حجَّةٌ شَرعيةٌ وجَبَ الانقيادُ للحُججِ الشرعيةِ إذا ظهَرَتْ. ولا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يُرجِّحَ قولًا على قَولٍ بغيرِ دَليلٍ، ولا يَتعصَّبَ لقَولٍ على قَولٍ ولا لقائِلٍ على قائلٍ بغَيرِ حُجةٍ، بل مَنْ كانَ مُقلِّدًا لَزمَ حُكمَ التَّقليدِ، فلمْ يُرجِّحْ ولم يُزيِّفْ ولم يُصوِّبْ ولم يُخطِّئْ، ومَن كانَ عندَه مِنْ العِلمِ والبَيانِ ما يَقولُه سُمعَ ذلكَ منه، فقُبِلَ ما تَبيَّنَ أنه حَقٌّ، ورُدَّ ما تَبيَّنَ أنه باطلٌ، ووُقفَ ما لم يَتبيَّنْ فيه أحَدُ الأمرَينِ، واللهُ تعالَى قد فاوَتَ بينَ الناسِ في قِوَى الأذهانِ كما فاوَتَ بينهُم في قِوَى الأبدانِ. وهذه المَسألةُ ونَحوُها فيها مِنْ أغوارِ الفِقهِ وحَقائقِه ما لا يَعرفُه إلا مَنْ عرَفَ أقاويلَ العُلماءِ ومَآخذَهم، فأمَّا مَنْ لم يَعرفْ إلا قولَ عالِمٍ واحدٍ وحُجَّتَه دونَ قولِ العالِمِ الآخَرِ وحُجتِه فإنه مِنْ العَوامِّ المُقلِّدينَ، لا مِنْ العُلماءِ الذين يُرجِّحونَ ويُزيِّفونَ، واللهُ تعالَى يَهدينَا وإخوانَنَا لِما يُحبُّه ويَرضاهُ، وباللهِ التَّوفيقُ، واللهُ أعلَمُ (١). إذَا ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عندَ الذَّبحِ: نَصَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على أنَّ ذَبيحةَ الكِتابيِّ حَلالٌ، سَواءٌ ذكَرَ اسمَ اللهِ عليهَا أم لا، إلا قَولًا للحَنابلةِ.

стр. 11902

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعُوا في ذَبيحةِ الكِتابيِّ أنها تُؤكَلُ وإنْ لم يُسَمِّ اللهَ عليهَا إذا لم يُسَمِّ عليهَا غيرَ اللهِ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا لم يُعلَمْ أنَّ أهلَ الكِتابِ سَمَّوا اللهَ على الذَّبيحةِ فقالَ الجُمهورُ: تُؤكلُ، وهو مَرويٌّ عن عَليٍّ، ولستُ أذكُرُ فيهِ في هذا الوَقتِ خِلافًا، ويَتطرَّقُ إليه الاحتِمالُ بأنْ يُقالَ: إنَّ الأصلَ هو أنْ لا يُؤكلَ مِنْ تَذكيتِهم إلا ما كانَ على شُروطِ الإسلامِ، فإذا قيلَ على هذا: «إنَّ التسميةَ مِنْ شَرطِ التذكيةِ» وجَبَ أنْ لا تُؤكلُ ذَبائحُهم بالشكِّ في ذلكَ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ إباحتُها، سَواءٌ سَمَّوا اللهَ تعالَى عليهَا أم لا، وقالَ قَومٌ: لا يَحلُّ إلا أنْ يُسمُّوا اللهَ تعالَى (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: التَّسميةُ مُشترطةٌ في كلِّ ذابحٍ مع العَمدِ، سواءٌ كانَ مُسلمًا أو كِتابيًّا، فإنْ ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عن عَمدٍ أو ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ لم تَحلَّ ذَبيحتُه (٤). وقالَ ابنُ القَيمِّ ﵀: ومَن حرَّمَ مَتروكَ التَّسميةِ مِنْ المُسلمِ فلهُم قَولانِ في مَتروكِها مِنْ الكِتابيِّ: أحَدُهما: أنه يُباحُ، وهذا مَرويٌّ عن عَطاءٍ ومُجاهدٍ ومَكحولٍ.

стр. 11903

والثَّاني: أنه يَحرمُ كما يَحرمُ مِنْ المُسلمِ، وهذا قَولُ إسحاقَ وأحمَدَ وأبي حَنيفةَ وغيرِهم (١). إذا ذَكَروا اسمًا غيرَ اسمِ اللهِ تَعالَى على ذَبائحِهِم: قالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: ولو ذبَحَ يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ على اسمِ غيرِ اللهِ -كالنصرانِيِّ يَذبحُ باسمِ المَسيحِ- فاختَلفُوا فيه: قالَ عُمرُ: لا يَحلُّ، وهو قَولُ رَبيعةَ، وذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنه يَحلُّ، وهو قَولُ الشَّعبيِّ وعَطاءٍ والزُّهريِّ ومَكحولٍ، سُئلَ الشعبيُّ وعطاءٌ عن النصرانِيِّ يَذبحُ باسمِ المَسيحِ؟ قالَا: يَحلُّ، فإنَّ اللهَ تعالَى قد أحَلَّ ذَبائحَهم وهو يَعلمُ ما يَقولونَ. وقالَ الحَسنُ: إذا ذبَحَ اليَهوديُّ أو النصرانِيُّ فذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ وأنتَ تَسمعُ فلا تَأكلْه، فإذا غابَ عنكَ فكُلْ فقدْ أحَلَّه لكَ قَولُه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما اختِلافُ العُلماءِ فيما ذبَحَ النصارَى لكَنائسِهم وأعيادِهم أو ما سَمَّوا عليهِ المسيحَ: فقالَ مالِكٌ: ما ذَبَحوهُ لكَنائسِهم أكرَهُ أكلَه، وما سُميَّ عليهِ باسمِ المَسيحِ لا يُؤكلُ، والعَربُ عندَه والعَجمُ في ذلكَ سواءٌ. وقالَ الثوريُّ: إذا ذبَحَ وأهَلَّ به لغيرِ اللهِ كَرهتُه، وهو قَولُ إبراهيمَ.

стр. 11904

قالَ سُفيانُ: وبَلَغنا عن عَطاءٍ أنه قالَ: قد أحَلَّ اللهُ ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ؛ لأنه قد عَلِمَ أنهُم سيَقولونَ هذا القَولَ وقد أحَلَّ ذَبائحَهم. ورُويَ عن أبي الدَّرداءِ وعُبادةَ بنِ الصَّامتِ قالَا: لا بأسَ بما ذبَحَ النصارَى لكَنائسِهم ومَوتاهُم. قالَ أبو الدَّرداءِ: طَعامهُم كلُّه لنا حِلٌّ، وطَعامُنا لهم حِلٌّ. وإلى هذا ذهَبَ فُقهاءُ الشاميِّينَ مَكحولٌ والقاسِمُ بنُ مُخَيمرةَ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ يَزيدَ بن جابرٍ وسَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ والأوزاعيُّ، وقالَوا: سَواءٌ سمَّى النصرانِيُّ المَسيحَ على ذَبيحتِه أو سمَّى جِرجسَ أو ذبَحَ لعِيدِه أو لكَنيستِه، كُلَّ ذلكَ حَلالٌ؛ لأنه كِتابيٌّ ذبَحَ بدِينِه، وقد أحَلَّ اللهُ ذَبائحُهم في كِتابِه. وقالَ المُزنِيُّ عن الشافِعيِّ: لا تَحلُّ ذَبيحةُ نَصارَى العَربِ، ورُوي ذلكَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ. ورَوى قَيسُ بنُ الرَّبيعِ عن عَطاءِ بنِ السائبِ عن زَاذانَ عن عَليٍّ قالَ: إذا سَمِعتَ النصرانِيَّ يَقولُ: «باسمِ المَسيحِ» فلا تَأكلْ، وإذا لم يُسَمِّ فكُلْ، فقدْ أحَلَّ اللهُ ذَبائحَهم. وعن عائِشةَ قالَت: لا تَأكلْ ما ذُبحَ لأعيادِهم، وعن ابنِ عُمرَ مِثلُه. وعن الحَسنِ ومَيمونَ بنِ مَهرانَ أنهُما كانَا يَكرهانِ ما ذبَحَ النصارَى لأعيادِهم وكَنائسِهم وآلِهتِهم.

стр. 11905

وقد قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كانَ مالِكٌ يَكرهُه مِنْ غيرِ أنْ يُوجِبَ فيه تَحريمًا. وذكَرَ عبدُ الرَّزاقِ قالَ: أخبَرَنا مَعمرٌ عن عَمرِو بنِ مَيمونَ بنِ مَهرانَ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كانَ يُوكِلُ بقَومٍ مِنْ النصارَى قومًا مِنْ المُسلمينَ إذا ذَبَحوا أنْ يُسمُّوا اللهَ ولا يَتركُوهم أنْ يُهِلُّوا لغيرِ اللهِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فأما إذا ذَبَحوا على اسمِ المَسيحِ أو كَنيسةٍ ونَحوِها فلا تَحلُّ تلكَ الذَّبيحةُ عندَنا، وبه قالَ جَماهيرُ العُلماءِ، واللهُ أعلَمُ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما ما ذَبَحوهُ لكَنائسِهم وأعيادِهِم فنَنظرُ فيه؛ فإنْ ذبَحَه لهُم مُسلمٌ فهو مُباحٌ، نَصَّ عليهِ، وقالَ أحمَدُ وسُفيانُ الثَّوريُّ في المَجوسيِّ يَذبحُ لإلهِه ويَدفعُ الشاةَ إلى المُسلمِ يَذبحُها فيُسمِّي: يَجوزُ الأكلُ منها، وقالَ إسماعيلُ بنُ سَعيدٍ: سألتُ أحمَدَ عمَّا يُقرَّبُ لآلِهتِهم يَذبحُه رَجلٌ مُسلمٌ؟ قالَ: لا بأسَ به. وإنْ ذبَحَها الكِتابيُّ وسمَّى اللهَ وحْدَه حَلَّتْ أيضًا؛ لأنَّ شرْطَ الحِلِّ وُجدَ، وإنْ عُلمَ أنه ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ عليهَا أو ترَكَ التَّسميةَ عمدًا لم تَحلَّ، قالَ حَنبلٌ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ قالَ: إنْ ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ عليهَا أو ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا لم تَحلَّ، قالَ حَنبلٌ: سَمعتُ أبا عبدِ اللهِ قالَ: لا يُؤكلُ، يَعني ما ذُبحَ لأعيادِهم وكَنائسِهم؛ لأنه أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به، وقالَ في مَوضعٍ: يَدَعونَ

стр. 11906

التسميةَ على عَمدٍ، إنما يَذبحونَ للمَسيحِ، فأما ما سِوى ذلكَ فرُويَتْ عن أحمَدَ الكَراهةُ فيما ذُبحَ لكَنائسِهم وأعيادِهم مُطلقًا، وهو قَولُ مَيمونَ بنِ مَهرانَ؛ لأنه ذُبحَ لغيرِ اللهِ، ورُويَ عن أحمَدَ إباحتُه، وسُئلَ عنه العِرباضُ بنُ سارِيةٍ فقالَ: كُلُوا وأَطعِمُوني، ورُويَ مِثلُ ذلكَ عن أبي أمامةَ الباهِليِّ وأبي مُسلمٍ الخَولانِيِّ، وأكَلَه أبو الدَّرداءِ وجُبيرُ بنُ نُفيرٍ، ورخَّصَ فيه عَمرُو بنُ الأسوَدِ ومَكحولٌ وضَمرةُ بنُ حَبيبٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهذا مِنْ طَعامِهم. قالَ القاضِي: ما ذبَحَه الكِتابيُّ لعِيدِه أو نَجمٍ أو صَنمٍ أو نَبيٍّ فسمَّاهُ على ذَبيحتِه حَرُمَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]، وإنْ سَمَّى اللهَ وحْدَه حَلَّ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]. لكنَّه يُكرهُ؛ لقَصدِه بقَلبِه الذبحَ لغيرِ اللهِ (١). وقالَ أيضاً: التَّسميةُ مُشترطةٌ في كلِّ ذابحٍ مع العَمدِ، سواءٌ كانَ مُسلمًا أو كِتابيًّا، فإنْ ترَكَ الكِتابيُّ التَّسميةَ عن عَمدٍ أو ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ لم تَحلَّ ذَبيحتُه، رُويَ ذلكَ عن عَليٍّ، وبه قالَ النخَعيُّ والشافِعيُّ وحمَّادٌ وإسحاقُ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ عَطاءٌ ومُجاهدٌ ومَكحولٌ: إذا ذبَحَ النصرانِيُّ باسمِ المَسيحِ حَلَّ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى أحَلَّ لنا ذَبيحتَه وقد عَلِمَ أنه سيَقولُ ذلكَ. ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]، والآيةُ أُريدَ بها ما ذَبحوهُ

стр. 11907

بشَرطِه كالمُسلمِ، فإنْ لم يُعلَمْ أَسمَّى الذابحُ أم لا؟ أو ذكَرَ اسمَ غيرِ اللهِ أم لا؟ فذَبيحتُه حَلالٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أباحَ لنا أكْلَ ما ذبَحَه المُسلمُ والكِتابيُّ وقد عَلِمَ أنَّنا لا نَقفُ على كلِّ ذابحٍ. وقد رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنهُم قالَوا: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا حَديثُو عَهدٍ بشِركٍ يَأتونَنا بلَحمٍ لا نَدرِي أذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ أو لم يَذكُروا؟ قالَ: سَمُّوا أنتُم وكُلُوا» أخرَجَه البُخاريُّ (١). وقالَ المِرداويُّ ﵀: فأما إذا ذُكرَ اسمُ غيرِ اللهِ عليهِ فقالَ في «المُحرَّر» و «الحاوِي الكَبِير»: فيهِ رِوايتانِ مَنصوصتانِ: أصَحُّها عندِي تَحريمُه. قالَ في «الفُرُوع»: ويَحرمُ على الأصَحِّ أنْ يُذكرَ غيرُ اسمِ اللهِ تعالَى، وقطَعَ به المُصنِّفُ وغيرُه، وقدَّمَه في «الرِّعايتَين» و «الحاوِي الصَّغِير»، وعَنهُ: لا يَحرمُ، ونقَلَ عبدُ اللهِ: لا يُعجِبُني ما ذُبحَ للزُّهرةِ والكَواكبِ والكَنيسةِ وكلُّ شَيءٌ ذُبحَ لغيرِ اللهِ، وذكَرَ الآيةَ (٢). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: ولا يَحلُّ أكلُ ما ذُبحَ أو نُحرَ لغيرِ اللهِ تعالَى، ولا ما سُمِّيَ عليهِ غيرُ اللهِ تعالَى مُتقربًا بتلكِ الذَّكاةِ إليهِ، سَواءٌ ذُكرَ اللهُ تعالَى معَه أو لم يُذكرْ، وكذلكَ ما ذُكِّيَ مِنْ الصَّيدِ لغيرِه تعالَى، فلو قالَ: «باسمِ اللهِ وصلَّى اللهُ على المَسيحِ، أو قالَ: على مُحمدٍ» أو ذكَرَ سائرَ الأنبياءِ فهو حَلالٌ؛ لأنه لم يُهِلَّ به لهُم، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾

стр. 11908

[الأنعام: ١٤٥]، فسَواءٌ ذُكرَ اللهُ تعالَى عليهِ أو لم يُذكرْ هوَ ممَّا أُهلَّ لغيرِ اللهِ تعالَى به فهو حَرامٌ، سَواءٌ ذبَحَه مُسلمٌ أو كِتابيٌّ. وقالَ بَعضُ القائِلينَ: «قد أباحُ اللهُ تعالَى لنا أكْلَ ذَبائحِهم وهوَ يَعلمُ ما يَقولونَ»، وهذا ليسَ حُجةً في إباحةِ ما حرَّمَ اللهُ تعالَى؛ لأنَّ الذي أباحَ لنا ذَبائحَهم وعَلِمَ ما يَقولونَ هو اللهُ المُحرِّمُ علينا ما أُهلَّ لغيرِ اللهِ به، فلا يَحلُّ تَركُ شَيءٍ مِنْ أمرِه تعالَى لأمرٍ آخَرَ، ولا بُدَّ مِنْ استِعمالِهما جَميعًا، وليسَ ذلكَ إلا باستِثناءِ الأقلِّ مِنْ الأعَمِّ. ورُويَتْ في هذا رِواياتٌ عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ وأبي الدَّرداءِ والعِرباضِ بنِ ساريةَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأبي أُمامةَ، كلُّها عن مَجاهيلَ أو عن كَذَّابٍ أو عن ضَعيفٍ؛ ولكنَّه صَحيحٌ عن بَعضِ التابعِينَ، وروينَا عن عائِشةَ أمِّ المُؤمنينَ «أنَّ امرأةً سَألَتْها عمَّا ذُبحَ لعيدِ النصارَى؟ فقالَتْ عائِشةُ: أما ما ذُبحَ لذلكَ اليومِ فلا تَأكلُوا منه». ومِن طَريقِ ابنِ عُمرَ: «ما ذُبحَ للكَنيسةِ فلا تَأكلُه». ومِن طَريقِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ عن قَيسٍ عن عَطاءِ بنِ السائبِ عن زاذانَ عن عَليِّ بنِ أبي طالبٍ قالَ: «إذا سَمعتَ النصرانِيَّ يَقولُ: «باسمِ المَسيحِ» فلا تَأكلْ، وإذا لم تَسمعْ فكُلْ». وصَحَّ عن إبراهيمَ النَّخعيِّ في ذَبيحةِ النصرانِيِّ: إذا تَوارَى عنكَ فكُلْ. وعن حمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ في ذَبائحِ أهلِ الكِتابِ قالَ: كُلْ ما لم تَسمعْه أهَلَّ به لغيرِ اللهِ تعالَى.

стр. 11909

وعنِ الحَسنِ وطاوسٍ ومُجاهدٍ أنهم كَرِهوا ما ذُبحَ للآلهةِ. وعن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أنه وكَّلَ بهم مَنْ يَمنعُهم أنْ يُشرِكوا على ذَبائحِهم، ويَأمرُهم أنْ يُسمُّوا اللهَ تعالَى. ومِن طَريقِ ابنِ أبي شَيبةَ: نا عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ قالَ: إذا سَمعتَ في الذَّبيحةِ غيرَ اسمِ اللهِ تعالَى فلا تَأكلْ. ومِن طَريقِ وَكيعٍ عن عَليِّ بنِ صالحٍ عن مُحمدِ بنِ جُحادةَ عن إبراهيمَ النخَعيِّ قالَ: إذا سَمعتَه يُهِلُّ بالمَسيحِ فلا تَأكلْ، وهو قَولُ الحارثِ العُكليِّ ومُحمدِ بنِ سِيرينَ. قالَ عليٌّ: ويُقالَ لمَن خالَفَ هذا: قد أحَلَّ اللهُ تعالَى ذَبائحَهم، وهو تعالَى يَعلمُ أنهُم يَذبحونَ الخِنزيرَ، أفَيأكلُه؟ فمِن قَولِهم: لا؛ لأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ الخِنزيرِ؟ فيُقالَ لهُم: واللهُ تعالَى حرَّمَ ما أُهِلَّ به لغيرِه كما حرَّمَ الخنزيرَ سَواءً سَواءً، ولا فرْقَ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما إذا عُلِمَ أنهُم ذَبَحوا ذلكَ لأعيادِهم وكَنائسِهم فإنَّ مِنْ العُلماءِ مَنْ كَرِهَه، وهو قَولُ مالِكٍ، ومنهُم مَنْ أباحَه، وهو قَولُ أشهَبَ، ومنهُم مَنْ حرَّمَه، وهو الشافِعيُّ. وسَببُ اختِلافِهم: تَعارضُ عُمومَيِ الكِتابِ في هذا البابِ، وذلكَ أنَّ قولَه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يُحتملُ أنْ يَكونَ مُخصِّصًا لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥]، ويُحتملُ أنْ

стр. 11910

يكونَ قولُه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] مُخصِّصًا لقَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ إذْ كانَ كُلُّ واحدٍ منهُما يَصحُّ أنْ يُستثنَى مِنْ الآخَرِ، فمَن جعَلَ قولَه تعالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٥] مُخصِّصًا لقَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قالَ: لا يَجوزُ ما أُهِلَّ بهِ للكَنائسِ والأعيادِ، ومَن عكَسَ الأمرَ قالَ: يَجوزُ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ بعدَما ذكَرَ أقوالَ الفَريقينِ: قالَ المُبيحونَ: هذا مِنْ طَعامِهم، وقد أباحَ اللهُ لنا طَعامَهم مِنْ غيرِ تَخصيصٍ، وقد عَلِمَ سُبحانَه أنهُم يُسمُّونَ غيرَ اسمِه. قالَ المُحرِّمونَ: قد صرَّحَ القُرآنُ بتَحريمِ ما أُهِلَّ به لغَيرِ اللهِ، وهذا عامٌّ في ذَبيحةِ الوَثنيِّ والكِتابيِّ إذا أُهِلَّ بها لغيرِ اللهِ، وإباحةُ ذَبائحِهم وإنْ كانَتْ مُطلَقةً لكنَّها مُقيَّدةٌ بما لم يُهِلُّوا به لغيرِه، فلا يَجوزُ تَعطيلُ المُقيَّدِ وإلغاؤُه، بل يُحمَلُ المُطلَقُ على المُقيَّدِ. قالَ الآخرُونَ: بل هذا مِنْ بابِ العامِّ والخاصِ، فأما ما أُهِلَّ به لغَيرِ اللهِ فعامٌّ في الكِتابيِّ وغيرِه خُصَّ منه ذَبيحةُ الكِتابيِّ، فبَقيَتِ الآيةُ على عُمومِها في غَيرِه. قالَ الآخَرونَ: بل قَولُه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] عامٌّ فيما أهَلُّوا به للهِ وما أهَلُّوا بهِ لغيرِه خُصَّ منه ما أُهلَّ به لغيرِه، فبقيَ اللفظُ على عُمومِه فيما عَداهُ، قالَوا: وهذا أَولى لوُجوهٍ:

стр. 11911

أحَدُها: أنه قد نَصَّ سُبحانَه على تَحريمِ ما لم يُذكَرْ عليهِ اسمُه، ونهَى عن أكلِه، وأخبَرَ أنه فِسقٌ، وهذا تَنبيهٌ على أنَّ ما ذُكرَ عليهِ اسمُ غيرِه أشَدُّ تَحريمًا وأَولى بأنْ يكونَ فِسقًا. الثاني: أنَّ قولَه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قد خُصَّ بالإجماعِ، وأما ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ فلم يُخَصَّ بالإجماعِ، فكانَ الأخذُ بالعُمومِ الذي لم يُجمَعْ على تَخصيصِه أَولى مِنْ العُمومِ الذي قد أُجمعَ على تَخصيصِه. الثالِثُ: أنَّ اللهَ سُبحانَه قالَ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فحصَرَ التحريمَ في هذهِ الأربعةِ، فإنها مُحرَّمةٌ في كلِّ مِلةٍ، لا تُباحُ بحالٍ إلا عندَ الضَّرورةِ، وبدَأَ بالأخفِّ تَحريمًا ثمَّ بما هو أشَدُّ منه، فإنَّ تَحريمَ المَيتةِ دونَ تَحريمِ الدمِ؛ فإنه أخبَثُ منها، ولَحمُ الخنزيرِ أخبَثُ منها، وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ أخبَثُ الأربَعةِ. ونَظيرُ هذا قَولُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، فبدَأَ بالأسهَلِ تَحريمًا ثمَّ ما هو أشَدُّ منه إلى أنْ ختَمَ بأغلَظِ المُحرَّماتِ، وهو القَولُ عليهِ بلا عِلمٍ، فما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ في الدَّرجةِ الرابعةِ مِنْ المُحرَّماتِ. الرابعُ: أنَّ ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ لا يَجوزُ أنْ تأتِيَ شَريعةٌ بإباحتِه أصلًا؛ فإنه بمَنزلةِ عِبادةِ غيرِ اللهِ.

стр. 11912

وكلُّ مِلةٍ لا بُدَّ فيها مِنْ صَلاةٍ ونُسكٍ، ولم يُشرِّعِ اللهُ على لِسانِ رَسولٍ مِنْ رُسلِه أنْ يُصلَّى لغيرِه ولا يُنسَكَ لغيرِه، فقالَ تعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. الخامِسُ: أنَّ ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ تَحريمُه مِنْ بابِ تَحريمِ الشِّركِ، وتَحريمُ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ مِنْ بابِ تَحريمِ الخَبائثِ والمَعاصي. السادِسُ: أنه إذا خُصَّ مِنْ طَعامِ الذينَ أوتُوا الكِتابَ ما يَستحلِّونَه مِنْ المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ فلَأنْ يُخَصَّ منه ما يَستحلُّونَه ممَّا أُهلَّ به لغيرِ اللهِ أَولى وأحرَى. السابعُ: أنه ليسَ المُرادُ مِنْ طَعامِهم ما يَستحلِّونَه وإنْ كانَ مُحرَّمًا عليهِم، فهذا لا يُمكِنُ القَولُ به؛ بل المُرادُ به ما أباحَه اللهُ لهُم، فلا يَحرمُ علينا أكلُه، فإنَّ الخِنزيرَ مِنْ طَعامِهم الذي يَستحلِّونَه ولا يُباحُ لنا، وتَحريمُ ما أُهلَّ به لغيرِ اللهِ عليهِم أعظَمُ مِنْ تَحريمِ الخِنزيرِ، وسِرُّ المَسألةِ أنَّ طَعامَهم ما أُبيحَ لهُم، لا ما يَستحلِّونَه مما حرمَ عليهِم. الثامِنُ: أنَّ بابَ الذَّبائحِ على التَّحريمِ إلا ما أباحَه اللهُ ورَسولُه، فلو قُدِّرَ تَعارضُ دَليلَيِ الحَظرِ والإباحةِ لَكانَ العَملُ بدَليلِ الحظرِ أَولى؛ لثَلاثةِ أوجُهٍ: أحَدُها: تَأيُّدُه بالأصلِ الحاظرِ. الثاني: أنه أحوَطُ. الثالِثُ: أنَّ الدَّليلَينِ إذا تَعارضَا تَساقَطَا ورُجعَ إلى أصلِ التَّحريمِ (١).

стр. 11913

ذَبيحةُ المَجوسيِّ والوَثنيِّ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ ذَبيحةِ المَجوسيِّ والوَثنيِّ والدُّرذيِّ والإسماعيليِّ والعَلويِّ وكلِّ كافرٍ غيرِ الكِتابيِّ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ ذَبائحَ المَجوسِ حَرامٌ لا تُؤكلُ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ المَجوسيَّ والوَثنيَّ لو سمَّى اللهَ لم تُؤكلْ ذَبيحتُه (٢). وقالَ أيضًا: الخِلافُ في ذَبائحِ المَجوسيِّ ليسَ بخِلافِ عندَ أهلِ العلمِ، والفُقهاءُ أئمَّةُ الفتوَى مُتفِقونَ على ألا تُؤكلَ ذَبائحُهم ولا صَيدُهم ولا تُنكحَ نِساؤُهم، مَنْ قالَ منهُم: «إنهُم كانُوا أهلَ كِتابٍ» ومَن أنكَرَ ذلكَ منهُم كلُّه يَقولُ: لا تُنكَحُ نِساؤُهم ولا تُؤكلُ ذَبائحُهم ولا صَيدُهم. على هذا مضَى جُمهورُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ، وهو الصَّحيحُ عن سَعيدِ ابنِ المُسيبِ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مسألة: قال: (ولا يُؤكلُ صَيدُ المَجوسيِّ وذَبيحتُه، إلا ما كانَ مِنْ حُوتٍ، فإنه لا ذَكاةَ له).

стр. 11914

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِ صَيدِ المَجوسيِّ وذَبيحتِه، إلا ما لا ذَكاةَ له كالسَّمكِ والجَرادِ، فإنهُم أجمَعُوا على إباحتِه .... وممَّن رُويَتْ عنه كَراهيةُ ذَبائحِهم ابنُ مَسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وعليٌّ وجابرٌ وأبو بُردةَ وسَعيدُ بنُ المُسيبِ وعِكرمةُ والحَسنُ بنُ مُحمدٍ وعَطاءٌ ومُجاهدٌ وعَبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلَى وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومُرَّةُ الهَمذانِيُّ والزُّهريُّ ومالِكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، قالَ أحمَدُ: ولا أعلَمُ أحَدًا قالَ بخِلافِه إلا أنْ يكونَ صاحِبَ بِدعةٍ. ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فمَفهومُه تَحريمُ طَعامِ غيرِهم مِنْ الكُفارِ، ولأنهُم لا كِتابَ لهم، فلمْ تَحلَّ ذَبائحُهم كأهلِ الأوثانِ .... ولا خِلافَ في إباحةِ ما صادُوه مِنْ الحِيتانِ، حُكيَ عن الحَسنِ البَصريِّ أنه قالَ: رَأيتُ سَبعينَ مِنْ الصحابةِ يَأكلونَ صيدَ المَجوسيِّ مِنْ الحِيتانِ لا يَختلجُ في صُدورِهم شَيءٌ مِنْ ذلكَ، رَواهُ سَعيدُ بنُ مَنصورٍ، والجُرادُ كالحِيتانِ في ذلكَ؛ لأنه لا ذَكاةَ له، ولأنه تُباحُ مَيتتُه، فلمْ يَحرمْ بصَيدِ المَجوسيِّ كالحُوتِ. فَصلٌ: وحُكمُ سائرِ الكفَّارِ مِنْ عَبدةِ الأوثانِ والزنادِقةِ وغيرِهم حُكمُ المَجوسيِّ في تَحريمِ ذَبائحِهم وصَيدِهم، إلا الحِيتانَ والجَرادَ وسائرَ ما تُباحُ مَيتتُه فإنَّ ما صادوهُ مباحٌ؛ لأنه لا يَزيدُ بذلكَ عن موتِه بغيرِ سَببٍ (١).

стр. 11915

ذَبيحةُ المُرتَدِّ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على حُرمةِ ذَبيحةِ المُرتدِّ، وأنها لا تُؤكلُ، سَواءٌ انتَقلَ إلى دِينٍ أو إلى غيرِ دِينٍ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ذَبيحةُ المُرتدِّ حرامٌ عندَنا، وبه قالَ أكثَرُ العُلماءِ، منهُم أبو حَنيفةَ وأحمَدُ وأبو يُوسفَ ومُحمدُ وأبو ثورٍ، وكَرهَها الثوريُّ، قالَ ابنُ المُنذرِ: وكانَ الأوزاعيُّ يَقولُ في هذهِ المَسألةِ: معنَى قَولِ الفُقهاءِ: «إنَّ مَنْ تَولَّى قومًا فهو منهُم»، وقالَ إسحاقُ: إنِ ارتَدَّ إلى النَّصرانيةِ حلَّتْ ذَبيحتُه (١). وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا ومالكٌ والليثُ والشافِعيُّ والثوريُّ ﵃: لا تُؤكلُ ذَبيحةُ المُرتدِ وإنْ تَهوَّدَ أو تَنصَّرَ. وقالَ الأوزاعيُّ: تُؤكلُ ذَبيحتُه إذا تنصَّرَ أو تهوَّدَ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، المُرادُ: مَنْ تَولَّاهُم مِنْ مُشرِكي العَربِ فصارَ إلى دينِهم، فأما مَنْ كانَ مُسلمًا فلا؛ لأنه لا يُقَرُّ عليهِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وذَبيحةُ المُرتدِّ حَرامٌ وإنْ كانَت رِدتُه إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ)، هذا قَولُ مالكٍ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ، وقالَ إسحاقُ: إنْ تَديَّنَ بدِينِ أهلِ الكتابِ حلَّتْ ذَبيحتُه، ويُحكى ذلكَ عن الأوزاعيِّ؛ لأنَّ عليًّا ﵁ قالَ: «مَنْ تَولَّى قَومًا فهو مِنهُم».

стр. 11916

ولنا: إنه كافرٌ لا يُقَرُّ على دِينِه، فلم تَحِلَّ ذَبيحتُه كالوَثنيِّ، ولأنه لا تَثبتُ له أحكامُ أهلِ الكِتابِ إذا تَديَّنَ بدِينِهم؛ فإنه لا يُقَرُّ بالجِزيةِ ولا يُستَرقُّ ولا يَحلُّ نِكاحُ المُرتدةِ، وأما قَولُ عليٍّ: «فهو منهُم» فلمْ يُرِدْ أنه منهُم في جَميعِ الأحكامِ؛ بدَليلِ ما ذكَرْنا، ولأنه لم يَكنْ يرَى حِلَّ ذَبائحِ نَصارَى بَني تَغلبَ ولا نِكاحَ نِسائِهم مع تَوليتِهم للنَّصارَى ودُخولِهم في دِينِهم ومع إقرارِهم بما صُولِحوا عليهِ، فلَأنْ لا يَعتقدَ ذلكَ في المُرتدينَ أَولى. إذا ثبَتَ هذا فإنه إذا ذبَحَ حَيوانًا لغيرِه بغيرِ إذنِه ضَمِنَه بقِيمتِه حيًّا؛ لأنه أتلَفَه عليهِ وحرَّمَه، وإنْ ذبَحَه بإذنِه لم يَضمنْه؛ لأنه أَذِنَ في إتلافِه (١). ذَبيحةُ الصابِئةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ ذَبيحةِ الصابِئةِ، هل تُؤكلُ ذَبيحتُهم أم لا؟ بناءً على أنه هل لهُم كِتابٌ أم لا؟ قال الحَنفيةُ: وأما ذَبيحةُ الصابِئينَ -وهُمْ فِرقةٌ مِنْ النَّصارَى- فعندَ أبي حَنيفةَ: تُؤكلُ إذا كانُوا يُؤمِنونَ بنَبيٍّ ويُقرونَ بكِتابٍ، وإنْ كانُوا يَعبدونَ الكَواكبَ ولا يُقرِّونَ بنُبوَّةِ عيسَى ﵇ لم تُؤكلْ (٢). وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: ولا تَجوزُ ذَبيحةُ مَنْ ليسَ بكِتابيٍّ، ولا الصابِئةِ المُعتقِدةِ تَأثيرَ النجومِ؛ لأنهُم كالمَجوسِ (٣).

стр. 11917

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ في ذَبائحِ الصابئِينَ والسامِرةِ. قالَ الشافِعيُّ وجُمهورُ الأصحابِ: إنْ وافَقَتِ الصابِئونَ النصارَى والسامِرةُ اليهودَ في أصولِ العَقائدِ حلَّتْ ذَبائحُهم ومُناكَحتُهم، وإلا فلا، قالَ ابنُ المُنذرِ: وأباحَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ ذَبائحَ السامِرةِ، وقالَ إسحاقُ بنُ رَاهويهِ: لا بأسَ بذَبائحِ أهلِ الصابِئينَ؛ لأنهُم أهلُ كِتابٍ، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ ومُجاهدٌ وأبو يُوسفَ: لا يَحلُّ، قالَ ابنُ المُنذرِ: أمَّا السامِرةُ فحُكمُهم ما ذكَرَه الشافِعيُّ، وأما الصابِئونَ فلا تَحلُّ ذَبائحُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالَى عطَفَهم على اليَهودِ والنَّصارَى بالواوِ (١). وقالَ المِرداويُّ ﵀: وقالَ في «التَّرغِيب»: في ذَبيحةِ الصابئةِ رِوايتانِ مَأخذُهُما: هل هُمْ مِنْ النصارَى أم لا؟ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنه يُنظَرُ فيهِم؛ فإنْ كانَوا يُوافِقونَ أحَدَ أهلِ الكِتابينِ في نبيِّهم وكِتابِهم فهُم منهُم، وإنْ خالَفُوهم في ذلكَ فليسَ هُمْ مِنْ أهلِ الكِتابِ (٣). ذَبائحُ العَلَويةِ والدُّروزِ والإسماعِيليةِ والقَرامِطةِ: اتَّفقَتْ كَلمةُ العُلماءِ على أنَّ النُّصيريةَ والإسماعيليةَ والدُّرزيةَ والقَرامطةَ كفَّارٌ خارِجينَ عن مِلةِ الإسلامِ، وأنَّ كُفرَهم أكفَرُ وأغلَظُ مِنْ كُفرِ اليَهودِ

стр. 11918

والنَّصارَى وكَثيرٍ مِنْ المُشركينَ، وأنَّ ضرَرَهم على أمَّةِ مُحمدٍ ﷺ أعظَمُ مِنْ ضَررِ الكفَّارِ المُحارِبينَ، وأنَّ قِتالَهم أوجَبُ مِنْ قِتالِ اليَهودِ والنَّصارَى وإنْ تَظاهَروا بنُطقِ الشهادَتينِ وصَلُّوا وصامُوا، وأنه لا تَحلُّ ذَبائحُهم. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: هَؤلاءِ القَومُ المُسمَّونَ بالنُّصيريةِ هُمْ وسائرُ أصنافِ القَرامطةِ الباطِنيةِ أكفَرُ مِنْ اليَهودِ والنصارَى، بل وأكفَرُ مِنْ كَثيرٍ مِنْ المُشركينَ، وضَررُهم على أمَّةِ مُحمدٍ ﷺ أعظَمُ مِنْ ضَررِ الكفَّارِ المُحارِبينَ مثلِ كفَّارِ التَّتارِ والفِرنجِ وغيرِهم، فإنَّ هَؤلاءِ يَتظاهرونَ عندَ جهَّالِ المُسلمينَ بالتشيُّعِ ومُوالاةِ أهلِ البَيتِ، وهُم في الحَقيقةِ لا يُؤمنونَ باللهِ ولا برَسولِه ولا بكِتابِه ولا بأمرٍ ولا نَهيٍ ولا ثَوابٍ ولا عِقابٍ ولا جَنةٍ ولا نارٍ ولا بأحَدٍ مِنْ المُرسَلينَ قبلَ مُحمدٍ ﷺ ولا بمِلةٍ مِنْ المِلَلِ السالِفةِ، بل يَأخذونَ كَلامَ اللهِ ورَسولِه المَعروفِ عندَ عُلماءِ المُسلمينَ يَتأوَّلونَه على أمورٍ يَفترونَها يَدَّعونَ أنها عِلمُ الباطِنِ … فإنه ليسَ لهُم حَدٌّ مَحدودٌ فيما يَدَّعونَه مِنْ الإلحادِ في أسماءِ اللهِ تعالَى وآياتِه وتَحريفِ كَلامِ اللهِ تعالَى ورَسولِه عن مَواضعِه؛ إذ مَقصودُهم إنكارُ الإيمانِ وشَرائعِ الإسلامِ بكلِّ طَريقٍ مع التظاهُرِ بأنَّ لهذهِ الأمورِ حَقائقُ يَعرفونَها … ولهُم في مُعاداةِ الإسلامِ وأهلِه وَقائعُ مَشهورةٌ وكُتبٌ مُصنَّفةٌ، فإذا كانَتْ لهم مُكنَةٌ سَفكوا دماءَ المُسلمينَ كما قَتَلوا مَرةً الحُجَّاجَ وألقَوهُم في بئرِ

стр. 11919

زَمزمَ، وأخَذُوا مَرةً الحَجرَ الأسودَ وبَقيَ عندَهم مُدةً، وقَتَلوا مِنْ عُلماءِ المُسلمينَ ومَشايخِهم ما لا يُحصِي عدَدَه إلا اللهُ تعالَى، وصَنَّفوا كُتبًا كَثيرةً، وصنَّفَ عُلماءُ المُسلمينَ كُتبًا في كَشفِ أسرارِهم وهَتكِ أستارِهم، وبَيَّنوا فيها ما هُمْ عليهِ مِنْ الكُفرِ والزَّندقةِ والإلحادِ الذي هُمْ به أكفَرُ مِنْ اليَهودِ والنَّصارَى ومِن بَراهمةِ الهندِ الذينَ يَعبدونَ الأصنامَ … ومِن المَعلومِ عندَنا أنَّ السواحِلَ الشامِيةَ إنما استَولى عليهَا النصارَى مِنْ جِهتِهم، وهُم دائمًا مع كلِّ عَدوٍّ للمُسلمينَ، فهُم مع النصارَى على المُسلمينَ … ثمَّ قالَ ﵀: وقد اتَّفقَ عُلماءُ المُسلمينَ على أنَّ هؤلاءِ لا تَجوزُ مُناكَحتُهم، ولا يَجوزُ أنْ يُنكِحَ الرجلُ مَولاتَه منهُم، ولا يَتزوَّجَ منهم امرأةً، ولا تُباحُ ذَبائحُهم (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀ أيضًا: والقَرامطةِ الخارِجينَ بأرضِ العِراقِ الذينَ كانُوا سَلفًا لهؤلاءِ القَرامطةِ ذَهَبوا مِنْ العِراقِ إلى المَغربِ، ثم جاؤوا مِنْ المَغربِ إلى مِصرَ، فإنَّ كُفرَ هَؤلاءِ ورِدتَّهُم مِنْ أعظَمِ الكُفرِ والردَّةِ، وهُم أعظَمُ كُفرًا ورِدةً مِنْ كُفرِ أتباعِ مُسيلمةَ الكذَّابِ ونحوِه مِنْ الكذَّابينِ، فإنَّ أولئكَ لم يَقولُوا في الإلَهيةِ والرُّبوبيةِ والشرائعِ ما قالَه أئمَّةُ هؤلاءِ (٢).

стр. 11920

وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ﵀ عن الدُّرزيةِ والنُّصيريةِ ما حُكمُهم؟ فأجابَ: هَؤلاءِ الدُّرزيةُ والنُّصيريةُ كفَّارٌ باتفاقِ المُسلمينَ، لا يَحلُّ أكلُ ذَبائحِهم ولا نِكاحُ نِسائِهم، بل ولا يُقَرونَ بالجِزيةِ؛ فإنهم مُرتدُّونَ عن دينِ الإسلامِ، ليسوا مُسلمينَ ولا يَهودَ ولا نَصارَى، لا يُقِرونَ بوُجوبِ الصَّلواتِ الخَمسِ ولا وُجوبِ صَومِ رَمضانَ ولا وُجوبِ الحَجِّ، ولا تَحريمِ ما حرَّمَ اللهُ ورَسولُه مِنْ المَيتةِ والخَمرِ وغيرِهما، وإنْ أظهَرُوا الشهادتَينِ مع هذهِ العَقائدِ، فهُم كفَّارٌ باتفاقِ المُسلمينَ. ثمَّ قالَ: كُفرُ هَؤلاءِ ممَّا لا يَختلفُ فيه المُسلمونَ، بل مَنْ شَكَّ في كُفرِهم فهو كافرٌ مثلُهم، لا هُمْ بمَنزلةِ أهلِ الكتابِ ولا المُشركينَ، بل هُمْ الكفَرةُ الضالُّونَ، فلا يُباحُ أكلُ طَعامِهم وتُسبَى نِساؤُهم وتُؤخَذُ أموالُهم، فإنهُم زَنادقةٌ مُرتدُّونَ لا تُقبلُ تَوبتُهم، بل يُقتلونَ أينَما ثُقِفوا ويُلعَنونَ كما وُصِفوا، ولا يَجوزُ استِخدامُهم للحِراسةِ والبِوابةِ والحِفاظِ، ويَجبُ قتلُ عُلمائِهم وصُلَحائِهم؛ لئلَّا يُضِلُّوا غيرَهم، ويَحرمُ النومُ معهُم في بُيوتِهم ورِفقتُهم والمَشيُ معَهم وتَشييعُ جَنائزِهم إذا عُلِمَ مَوتُها، ويَحرمُ على وُلاةِ أمورِ المُسلمينَ إضاعةُ ما أمَرَ اللهُ مِنْ إقامةِ الحُدودِ عليهِم بأيِّ شَيءٍ يَراهُ المُقيمُ لا المُقامُ عليهِ، واللهُ المُستعانُ وعليهِ التُّكلانُ (١). وقالَ الإمامُ الأسيُوطيُّ ﵀: طائِفةُ الدُّرزيةِ، وهي تُسمَّى الطائِفةَ الآمِنةَ الخائِفةَ، وشَأنُهم شَأنُ النُّصيريةِ في استِباحةِ فُروجِ المَحارمِ وسائرِ

стр. 11921

الفُروجِ المُحرَّمةِ، وهُم أشَدُّ كُفرًا ونِفاقًا مِنهم، وأجدَرُ أنْ لا يَعلَموا حُدودَ ما أنزَلَ اللهُ على رَسولِه، وهُم أبعَدُ مِنْ كلِّ خَيرٍ وأقرَبُ مِنْ كلِّ شَرٍّ، وانتماؤُهم إلى أبي مُحمدٍ الدُّرزيِّ … وكانَ الشيخُ تَقيُّ الدينِ ابنُ تَيميةَ ﵀ تعالَى يَرَى أنَّ قِتالَهم وقتالَ النُّصيريةِ أَولى مِنْ قتالِ الأرمَنِ؛ لأنهُم أعداءٌ في دارِ الإسلامِ وشَرَّ بقائِهم أضَرُّ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ ﵀: أما النُّصيريةُ فهُم مِنْ الغُلاةِ الذينَ يَعتقدونَ إلَهيةَ عليٍّ، والغُلاةُ مع أنهُم أكفَرُ مِنْ اليَهودِ و النصارَى فأولئكَ الإسماعِيليةُ في الباطِنِ أعظَمُ كُفرًا و إلحادًا منهُم (٢). وقالَ الإمامُ أبو الحَسنِ الهَرويُّ القاريُّ ﵀: غُلاةُ الشيعةِ القائِلونَ بإلَهيةِ عليٍّ ويُسمَّونَ النُّصيريةَ، ولا شُبهةَ في كُفرِهم إجماعًا (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: حُكمُ الدُّروزِ والتَّيامِنةِ والنُّصيريةِ والإسماعيليةِ: تَنبيهٌ: يُعلَمُ ممَّا هُنا حُكمُ الدُّروزِ والتيامِنةِ، فإنهُم في البلادِ الشاميةِ يُظهِرونَ الإسلامَ والصَّومَ والصلاةَ مع أنهُم يَعتقدونَ تَناسُخَ الأرواحِ وحِلَّ الخَمرِ والزِّنا، وأنَّ الألوهِيةَ تَظهرُ في شَخصٍ بعدَ شَخصٍ، ويَجحدونَ الحَشرَ والصَّومَ والصَّلاةَ والحَجَّ، ويَقولونَ: «المُسمَّى به غَيرُ المَعنى

стр. 11922

المُرادِ»، ويَتكلَّمونَ في جَنابِ نبيِّنَا ﷺ كَلماتٍ فَظيعةً، وللعلَّامةِ المُحقِّقِ عبدِ الرحمنِ العِماديِّ فيهم فَتوًى مُطوَّلةٌ، وذَكَر فيها أنهم يَنتحِلونَ عَقائدَ النُّصيريةِ والإسماعيليةِ الذينَ يُلقَّبونَ بالقَرامطةِ والباطِنيةِ الذينَ ذكَرَهم صاحِبُ «المَواقِف»، ونقَلَ عن عُلماءِ المَذاهبِ الأربَعةِ أنه لا يَحلُّ إقرارُهم في دِيارِ الإسلامِ بجِزيةٍ ولا غيرِها، ولا تَحلُّ مُناكَحتُهم ولا ذَبائحُهم، وفيهم فَتوًى في «الخَيريَّة» أيضًا فراجِعْها (١). وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: والدُّروزُ والنُّصيريةُ والتَّبَّانِيةُ فِرَقٌ بجَبلِ الشَّوفِ وكِسروانَ، لهُم أحوالٌ شَنيعةٌ، وظهَرَتْ لهم شَوكةٌ أزالَها اللهُ تعالَى، لا تَحِلُّ ذَبائحُهم ولا يَحلُّ نِكاحُ نِسائِهم، ولا أنْ يُنكِحَهم المُسلمُ وَليَّتَه، قلتُ: حُكمُهم كالمُرتدينَ (٢). وقالَ أيضًا: (ولا) تُباحُ (ذَكاةُ مُرتدٍّ وإنْ كانَتْ رِدتُه إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ، ولا مَجوسيٍّ ولا وَثنيٍّ ولا زِنديقٍ، وكذا الدُّروزُ والتَّيامِنةُ والنصيريةُ بالشامِ)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فمَفهومُه تَحريمُ طَعامِ غيرِهم مِنْ الكفَّارِ، وإنما أُخِذتْ مِنْ المَجوسِ الجِزيةُ؛ لأنَّ شبهَ الكِتابِ تَقتضي التَّحريمَ لدِمائِهم، فلما غُلِّبَ التَّحريمُ في دِمائِهم وجَبَ أنْ يُغلَّبَ عَدمُ الكِتابِ في تَحريمِ ذَبائحِهم ونِسائِهم؛ احتياطًا للتحريمِ في المَوضعينِ، (ويُؤكلُ مِنْ طَعامِهم) أي: المُرتدِّينَ والمَجوسِ والوَثنيِّ

стр. 11923

والزِّنديقِ والدُّروزِ والتَّيامِنةِ والنُّصيريةِ (غيرُ اللَّحمِ والدَّسمِ) أي: الشَّحمِ والكَوارعِ والرُّؤوسِ ونحوِها مِنْ أجزاءِ الذَّبيحةِ؛ لأنها مَيتةٌ وكلُّ أجزائِها مَيتةٌ (١). الشَّرطُ الثالثُ: التَّسميةُ عندَ الذبحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ التَّسميةُ عندَ الذبحِ مُطلَقًا؟ أم هي سُنةٌ وليسَتْ واجبةً؟ أم واجِبةٌ عندَ الذِّكرِ وتَسقطُ عندَ النسيانِ؟ فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسميةَ واجِبةٌ عندَ إرسالِ الجارِحِ أو رَميِ السِّلاحِ، فإنْ ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا أو سَهوًا لم يُبَحِ الصَّيدُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقالَ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. وقالَ النبيُّ ﷺ : «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ وسَمَّيتَ فكُلْ، قلتُ: أُرسِلُ كَلبِي فأخَذَ معه كَلبًا آخَرَ؟ قالَ: لا تَأكلْ، فإنَّكَ إنما سَمَّيتَ على كَلبِكَ ولم تُسَمِّ على الآخَرِ»، مُتفَقٌ عليهِ، وفي لَفظٍ: «وإذا خالَطَ كِلابًا لم يُذكرِ اسمُ اللهِ عليهَا فأمسَكْنَ وقَتَلْنَ فلا تَأكلْ»، وفي حَديثِ أبي ثَعلبةَ: «وما صِدْتَ بقَوسِكَ فذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» وهذهِ نُصوصٌ صَحيحةٌ لا يُعرَّجُ على ما خالَفَها، وقولُه ﷺ : «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» يَقتضِي نفيَ الإثمِ لا جعْلَ الشَّرطِ المَعدومِ كالمَوجودِ؛ بدَليلِ ما لو نَسيَ شرْطَ الصلاةِ.

стр. 11924

والفَرقُ بينَ الصَّيدِ والذَّبيحةِ أنَّ الذَّبحَ وقَعَ في مَحلِّه، فجازَ أنْ يُتسامَحَ فيه بخِلافِ الصَّيدِ. ولا يَضرُّ تَقدُّمٌ يَسيرٌ عُرفًا للتَّسميةِ على الإرسالِ أو الرميِ كالعِباداتِ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ يَسيرٌ، وكذا لا يَضرُّ تَأخرٌ كَثيرٌ في جارحٍ إذا زجَرَه فانزجَرَ؛ إقامةً لذلكَ مَقامَ ابتِداءِ إرسالِه. إذا ثبَتَ هذا فالتَّسميةُ المُعتبَرةُ قولُه: «بِسمِ اللهِ»؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ يَنصرفُ إلى ذلكَ، وقد ثبَتَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا ذبَحَ قالَ: بِسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ»، وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يَقولُه، ولا خِلافَ في أنَّ قولَه: «بِسمِ اللهِ» يُجزِئُه، وإنْ قالَ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم يَكفِ؛ لأنَّ ذلكَ طَلبُ حاجَةٍ، وإنْ هلَّلَ أو سبَّحَ أو كبَّرَ أو حَمدَ اللهَ تعالَى احتَملَ الإجزاءَ؛ لأنه ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ، واحتَملَ المَنعَ؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ لا يَتناولُه. وإنْ ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى بغيرِ العرَبيةِ أجزَأَه وإنْ أحسَنَ العرَبيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ ذِكرُ اسمِ اللهِ، وهو يَحصلُ بجَميعِ اللُّغاتِ، بخِلافِ التَّكبيرِ في الصلاةِ؛ فإنَّ المَقصودَ لفظُه. وتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَ الإرسالِ؛ لأنه الفِعلُ المَوجودُ مِنْ المُرسِلِ، فتُعتبَرُ التَّسميةُ عندَه كما تُعتبَرُ عندَ الذبحِ مِنْ الذابحِ وعندَ إرسالِ السَّهمِ مِنْ الرَّامِي، نَصَّ أحمَدُ على هذا، ولا تُشرَعُ الصَّلاةُ على النبيِّ ﷺ مع التَّسميةِ في ذَبحٍ ولا صَيدٍ. واختارَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا استِحبابَ ذلكَ.

стр. 11925

وعنِ الإمامِ أحمَدَ أنَّ التَّسميةَ تُشترطُ على إرسالِ الكَلبِ في العَمدِ والنِّسيانِ، ولا يَلزمُ ذلكَ في إرسالِ السَّهمِ؛ لأنَّ السهمَ آلةٌ حَقيقةً وليسَ له اختِيارٌ، فهو بمَنزلةِ السِّكينِ، بخِلافِ الحيَوانِ؛ فإنه يَفعلُ باختِيارِه (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ التَّسميةَ تَجبُ في حالِ الذِّكرِ وتَسقطُ عندَ النسيانِ عندَ الذَّبحِ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: حَرامٌ، ولحَديثِ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُعلَّمَ وذَكَرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ» مُتفَقٌ عليهِ. ولا بُدَّ مِنْ التَّسميةِ وقتَ الذَّبحِ، فإنْ ذبَحَ ولمْ يُسَمِّ فالذَّبيحةُ مَيتةٌ لا يَحلُّ أكلُها، وإنْ ترَكَ التَّسميةَ عندَ ذلكَ ناسِيًا حَلَّ أكلُه. وأمَّا إذا كانَ ناسِيًا للتَّسميةِ فتَحلُّ، وحِينئذٍ فيُقيَّدُ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] أي: لا تَأكلُوا ممَّا تُركَتِ التَّسميةُ عليهِ عَمدًا مع القُدرةِ عليهَا، وأما ما تُركَتِ التسميةُ عليهِ نِسيانًا أو عَجزًا فإنه يُؤكلُ؛ لأنَّ في تَحريمِه حَرجًا عظيمًا؛ لأنَّ الإنسانَ قَلَّما يَخلو عن النِّسيانِ، فكانَ في اعتِبارِه حَرجٌ؛ ولأنَّ الناسِيَ غيرُ مُخاطَبٍ بما نَسيَه؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» (٢). فلمْ يَتركْ فرضًا عليهِ عندَ الذبحِ، بخِلافِ العامِدِ.

стр. 11926

والجاهِلُ بالحُكمِ كالعامِدِ عندَ المالِكيةِ -خِلافًا لأشهَبَ- والحَنابلةِ (١). وصُورةُ التَّسميةِ عندَ الحَنفيةِ أنْ يَقولَ: «بِسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ». وقالَ الحَلوانِيُّ: «بِسمِ اللهِ اللهُ أكبَرُ» بدُونِ الواوِ. وإنْ قالَ: «بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ» فهو حَسنٌ. والشَّرطُ هو الذِّكرُ الخالِصُ المُجرَّدُ على ما قالَ ابنُ مَسعودٍ: «جَرِّدوا التسميةَ»، حتى لو قالَ مَكانَ التَّسميةِ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم تُؤكَلْ؛ لأنه دُعاءٌ وسُؤالٌ. ولو قالَ: «سُبحانَ اللهِ، أو الحَمدُ للهِ، أو لا إلهَ إلا اللهُ» يُريدُ التسميةَ أجزَأَه؛ لأنَّ المأمورَ به ذِكرُ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ. ولو عطَسَ عندَ الذَّبحِ فقالَ: «الحَمدُ للهِ» لا يُجزِيهِ عن التسميةِ، وكذا إذا قالَ: «الحَمدُ للهِ» يريدُ الشكرَ دونَ التسميةِ لا تُؤكلُ. ولا يَنبغي أنْ يَذكرَ مع اسمِ اللهِ تعالَى شَيئًا غيرَه، مثلَ أنْ يَقولَ: «بسمِ اللهِ مُحمدٌ رَسولُ اللهِ»، والكَلامُ فيه على ثَلاثةِ أَوجهٍ:

стр. 11927

أحَدُها: أنْ يَذكرَه مَوصولًا له لا مَعطوفًا، مثلَ أنْ يَقولَ ما ذكَرْنا، فهذا يُكرهُ ولا تَحرمُ الذبيحةُ. والثاني: أنْ يَذكرَه مَعطوفًا، مثلَ أنْ يَقولَ: «بِسمِ اللهِ ومُحمدٍ رَسولِ اللهِ» بكَسرِ الدالِ، فتَحرمُ الذَّبيحةُ؛ لأنه أهَلَّ بها لغَيرِ اللهِ تعالَى. والثالِثُ: أنْ يَقولَ مَفصولًا عنه صُورةً ومعنًى، بأنْ يقولَ قبلَ التَّسميةِ أو بعدَها وقبلَ أنْ يُضجعَ الذَّبيحةَ؛ لأنه لا بأسَ بهِ، وقد قالَ ﵇: «مَوضِعانِ لا ذِكرَ فيهِما: عندَ الذَّبيحةِ وعندَ العُطاسِ». وإن قالَ: «بِسمِ اللهِ وصلَّى اللهُ على مُحمدٍ» تُؤكلُ، والأَولى أنْ لا يَقولَ ذلكَ. ولو سَمَّى بالفارِسيةِ أو الرُّوميةِ وهو يُحسِنُ العرَبيةَ أو لا يُحسِنُها أجزَأَه (١). والتَّسميةُ عندَ المالِكيةِ أنْ يَقولَ: «باسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ» عندَ الذبحِ وعندَ النَّحرِ وعندَ الإرسالِ في العَقرِ، ولا خُصوصيةَ لهذا اللَّفظِ، بل لو قالَ غيرَه مِنْ الأذكارِ يُجزئُه، وما مَضَى عليهِ الناسُ أحسَنُ، وهو «باسمِ اللهِ واللهُ أكبَرُ» (٢). وعندَ الحَنابلةِ: أنْ يقولَ: «بِسمِ اللهِ»؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ يَنصرفُ إلى ذلكَ، وقد ثبَتَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا ذبَحَ قالَ: بِسمِ اللهِ واللهُ

стр. 11928

أكبَرُ»، وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يَقولُه، ولا خِلافَ في أنَّ قولَه: «بِسمِ اللهِ» يُجزِئُه، وإنْ قالَ: «اللهُمَّ اغفِرْ لي» لم يَكفِ؛ لأنَّ ذلكَ طَلبُ حاجَةٍ، وإنْ هلَّلَ أو سبَّحَ أو كبَّرَ أو حَمدَ اللهَ تعالَى احتَملَ الإجزاءَ؛ لأنه ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى على وَجهِ التَّعظيمِ، واحتَملَ المَنعَ؛ لأنَّ إطلاقَ التَّسميةِ لا يَتناولُه. وإنْ ذكَرَ اسمَ اللهِ تعالَى بغيرِ العرَبيةِ أجزَأَه وإنْ أحسَنَ العرَبيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ ذِكرُ اسمِ اللهِ، وهو يَحصلُ بجَميعِ اللُّغاتِ، بخِلافِ التَّكبيرِ في الصلاةِ؛ فإنَّ المَقصودَ لفظُه (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التسميةَ عندَ الذبحِ وعندَ إرسالِ الجارِحةِ أو إرسالِ السَّهمِ على الصَّيدِ مُستحَبةٌ استِحبابًا مُتأكدًا؛ فإنْ ترَكَ التَّسميةَ عَمدًا أو سَهوًا حَلَّ الصَّيدُ بلا خِلافٍ في المَذهبِ؛ لِما رَوتْ عائِشةُ ﵂: «أنَّ قَومًا قالوا: يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا يَأتونَنا باللَّحمِ لا نَدرِي أذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ أم لا؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : سَمُّوا اللهَ عليهِ وكُلُوهُ» (٢). ولأنَّ الإجماعَ مُنعقدٌ في ذَبيحةِ الكِتابيِّ أنها تُؤكلُ وإنْ لم يُسَمِّ اللهَ عليهَا إذا لم يُسَمِّ عليهَا غيرَ اللهِ، وأجمَعُوا أنَّ المَجوسيَّ والوَثنيَّ لو سَمَّى اللهَ لم تُؤكلْ ذَبيحتُه، وفي ذلكَ بَيانُ أنَّ ذَبيحةَ المُسلمِ حَلالٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنه ذبَحَ بدِينِه.

стр. 11929

لكنْ في تَركِها عَمدًا ثَلاثةُ أوجُهٍ: الصَّحيحُ: أنه مَكروهٌ، والثاني: لا يُكرَهُ، والثالثُ: يَأثمُ به (١). قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «وإذا أرسَلَ أحبَبْتُ له أنْ يُسمِّيَ اللهَ تعالَى، فإنْ نَسِيَ فلا بأسَ؛ لأنَّ المُسلمَ يَذبحُ على اسمِ اللهِ». قالَ الماوَرديُّ: التَّسميةُ على الصَّيدِ والذَّبيحةِ سُنةٌ وليسَتْ بواجِبةٍ، فإنْ ترَكَها عامِدًا أو ناسِيًا حَلَّ أكلُه، وبه قالَ مِنْ الصحابةِ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ وأبو هُريرةَ، ومِن الفُقهاءِ عَطاءٌ ومالكٌ. وقالَ الشعبيُّ وداودُ وأبو ثَورٍ: التسميةُ واجِبةٌ، فإنْ ترَكَها عامِدًا أو ناسِيًا حَرُمَ الأكلُ. وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه وإسحاقُ بنُ راهَويهِ: تَجبُ مع الذِّكرِ تَسقطُ مع النِّسيانِ، فإنْ ترَكَها عامِدًا حَرُمَ، وإنْ ترَكَها ناسِيًا حَلَّ؛ استِدلالًا بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهذا نَصٌّ، وبقَولِ النبيِّ ﷺ لعَديٍّ وأبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ: «إذا أرسَلْتَ كَلبَكَ المُكلَّبَ وذكَرْتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُلْ»، فعلَّقَ الإباحةَ بشَرطينِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يَتعلَّقَ بأحَدِهما، ولأنه لمَّا كانَ مِنْ شَرطِ الذَّكاةِ أنْ يَكونَ المُذكِّي مِنْ أهلِ التَّسميةِ، فحَلَّتْ ذَكاةُ المُسلمِ والكِتابيِّ؛ لأنه مِنْ أهلِها، ولم تَحِلَّ ذَكاةُ المَجوسيِّ والوَثنيِّ؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِها، كانَتِ التسميةُ أَولى أنْ تكونَ مِنْ

стр. 11930

شَرطِ الذكاةِ؛ لأنه حُرمةُ أهلِها بها، وبعَكسِه لمَّا لم تَكنِ التسميةُ شَرطًا في صَيدِ السَّمكِ لم تَكنْ مِنْ شَرطِ صائدِه أنْ يكونَ مِنْ أهلِ التَّسميةِ مِنْ مَجوسيٍّ ووَثنيٍّ كما حَلَّ صَيدُ مَنْ كانَ مِنْ أهلِها مِنْ مُسلمٍ وكِتابيٍّ. ودَليلُنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فكانَ على عُمومِه، وإنْ قيلَ: «فالتَّسميةُ هي الذَّكاةُ» كانَ فاسِدًا مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ التَّسميةَ قَولٌ والذَّكاةَ فِعلٌ، فافتَرقَا. والثَّاني: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئلَ عن الذَّكاةِ فقالَ: «في الحَلقِ واللَّبةِ»، وقالَ تعالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يَعني: ذَبائحَهم، والظاهِرُ الغالِبُ مِنْ أحوالِهم أنهُم لا يُسمُّونَ عليهَا، فدَلَّ على إباحتِها. ورَوى البَراءُ بنُ عازِبٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «المُسلمُ يَذبحُ على اسمِ اللهِ، سمَّى أو لم يُسَمِّ» (١).

стр. 11931

وروَى أبو هُريرةَ أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ الرَّجلَ منَّا يَذبحُ ويَنسى أنْ يُسميَ اللهَ تعالى؟ فقالَ: «اسمُ اللهِ على قَلبِ كلِّ مُسلمٍ» (١). ورَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ قَومًا قالَوا: يا رَسولَ اللهِ إنَّ قَومًا يَأتونَ بلَحمٍ لا نَدرِي أذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ أم لا؟ فقالَ: «اذكُرُوا اسمَ اللهِ عليهِ ثمَّ كُلوهُ» (٢)، وأباحَ الذَّبيحةَ مِنْ غَيرِ تَسميةٍ، والتَّسميةُ عندَ الأكلِ لا تَجبُ، فدلَّ على أنها مُستحَبةٌ.

стр. 11932

ورَوى أبو العُشَراءِ الدارِميُّ عن أبيه أنه سألَ رَسولَ اللهِ ﷺ عن المُتردِّيةِ مِنْ الإبلِ في بئرٍ لا نَصِلُ إلى مَنحرِها، فقالَ: «وأبيكَ لو طَعنْتَ في فَخذِها أجزَأكَ»، فعلَّقَ الإجزاءَ بالعُقودِ دُونَ التَّسميةِ، فدلَّ على الإباحةِ. وقالَ ﷺ : «ما أنهَرَ الدمَ وفرَىَ الأوداجَ فكُلْ» (١). ولأنَّ ما يُوجدُ فيه فِعلُ الذَّكاةِ لم تَحرمْ بتَركِ التَّسميةِ كالناسِي، ولأنَّ ما لم تَحرمْ به ذَكاةُ الناسِي لم تَحرمْ به ذَكاةُ العامِدِ كالأخرَسِ، ولأنَّ ما لم يَكنْ للذِّكرِ شَرطٌ في انتِهائِه لم يَكنْ شَرطًا في ابتِدائِه كالطَّهارةِ طَردًا والصَّلاةِ عَكسًا، ولأنَّ ما لم يَكنْ شَرطًا في الذَّكاةِ مع النِّسيانِ لم يَكنْ شَرطًا فيها مع الذِّكرِ كالصَّلاةِ على النبيِّ، ولأنَّ الحُوتَ يُستباحُ بتارِكِها كما يَحلُّ الصَّيدُ بذَكاتِه، فلمَّا لم تَكنِ التَّسميةُ شَرطًا في استِباحةِ الحُوتِ لم تَكنْ شَرطًا في استِباحةِ غيرِه. فأما الجَوابُ عن الآيةِ فمِن وَجهينِ: أحَدُهما: أنه حَقيقةُ الذِّكرِ بالقَلبِ؛ لأنَّ ضِدَّه النِّسيانُ المُضافُ إلى القَلبِ، فيَكونُ مَحمولًا على مَنْ لم يُوحِّدِ اللهَ مِنْ عَبدةِ الأوثانِ، ألَا ترَى إلى قَولِه تعالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، والمُشرِكونَ هم أولياءُ الشَّياطينِ دُونِ المُسلمينَ. والثاني: مَحمولٌ على المَيتةِ؛ لأمرَينِ:

стр. 11933

أحَدُهما: قولُه تعالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وذَكاةُ ما لم يُسَمَّ عليهِ لا تَكونُ فِسقًا. والثَّاني: «أنَّ قَومًا مِنْ المُشركينَ قالَوا لرَسولِ اللهِ ﷺ : تَأكلونَ ما قَتلتُموهُ ولا تَأكلونَ ما قتَلَه اللهُ؟ فأنزَلَ اللهُ تعالَى هذه الآيةَ». وأمَّا الجَوابُ عن الخبَرِ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ نُطقَ الخبَرِ إباحةُ الأكلِ مع التَّسميةِ، ودَليلُ خِطابِه مَتروكٌ عندَنا بدَليلٍ، ومَتروكٌ عندَه بغيرِ دليلٍ؛ لأنه لا يَجعلُ إثباتَ الشَّيءِ دَليلًا على نَفيِ ما عَداهُ. والثاني: أنه مَحمولٌ على الاستِحبابِ؛ بدَليلِ ما ذكَرْناهُ. والجَوابُ عمَّا استدلَّ به مِنْ ذَكاةِ المَجوسيِّ والوَثنيِّ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ التَّسميةِ، وهو أنهُ ليسَ لهذا المعنَى حَرَّمَ ذَكاتَه، ولكنْ لتَغليظِ كُفرِه، ولذلكَ حُرِّمَتْ مُناكَحتُه وإنْ لم تَكنِ التسميةُ شَرطًا في النكاحِ (١). الشَّرطُ الرَّابعُ: أنْ لا تُذبحَ لغيرِ اللهِ: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الذَّبيحةَ إذا ذُبِحتْ لغيرِ اللهِ فإنه لا يَجوزُ أكلُها وأنها مَيتةٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل: ١١٤].

стр. 11934

ولِما رواهُ مُسلمٌ عن أبي الطُّفيلِ عامرِ بنِ واثِلةَ قالَ: كنتُ عندَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فأتاهُ رَجلٌ فقالَ: ما كانَ النبيُّ ﷺ يُسِرُّ إليكَ؟ قالَ: فغَضِبَ وقالَ: ما كانَ النبيُّ ﷺ يُسِرُّ إليَّ شَيئًا يَكتمُه الناسَ، غيرَ أنه قد حَدَّثني بكَلماتٍ أربَعٍ، قالَ: فقالَ: ما هُنَّ يا أميرَ المُؤمنينَ؟ قالَ: قالَ: لعَنَ اللهُ مَنْ لعَنَ والِدَه، ولعَنَ اللهُ مَنْ ذبَحَ لغَيرِ اللهِ، ولعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحدِثًا، ولعَنَ اللهُ مَنْ غيَّرَ مَنارَ الأرضِ» (١). والمُرادُ بالذَّبحِ لغَيرِ اللهِ أنْ يَذبحَ باسمِ غيرِ اللهِ تعالَى، كمَن ذبَحَ للصَّنمِ أو الصَّليبِ أو لمُوسَى أو لعيسَى صلَّى اللهُ عليهِما أو للكُعبةَ ونحوِ ذلكَ، فكلُّ هذا حَرامٌ ولا تَحلُّ هذهِ الذَّبيحةُ … فإنْ قصَدَ مع ذلكَ تَعظيمَ المَذبوحِ له غيرَ اللهِ تعالَى والعِبادةِ له كانَ ذلكَ كُفرًا، فإنْ كانَ الذابحُ مُسلِمًا قبلَ ذلكَ صارَ بالذبحِ مُرتدًّا (٢). وذكَرَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ أنَّ مُجرَّدَ الذبحِ رِياءً لقُدومِ أميرٍ أو ضَيفٍ يُعتبَرُ حَرامًا ولا تَحلُّ الذَّبيحةُ. قالَ الحَنفيةُ: الذبحُ عندَ مَرأَى الضَّيفِ تَعظيمًا له لا يَحلُّ أكلُها، وكذا عندَ قُدومِ الأميرِ أو غيرِه كواحِدٍ مِنْ العُظماءِ تَعظيمًا؛ لأنه أُهِلَّ به لغَيرِ اللهِ،

стр. 11935

وأما إذا ذُبحَ عندَ غَيبةِ الضَّيفِ لأجلِ الضِّيافةِ فإنه لا بأسَ بهِ؛ لأنه سُنةُ الخَليلِ ﵇. والفارِقُ بينَ ما أُهلَّ به لغَيرِ اللهِ بسَببِ تَعظيمِ المَخلوقِ وبينَ غيرِه أنه إنْ قدَّمَها ليَأكلَ منها كانَ الذَّبحُ للهِ والمَنفعةُ للضَّيفِ أو للوَليمةِ أو للرِّبحِ، وإنْ لم يُقدِّمْها ليَأكلَ منها بل يَدفعُها لغيرِه كانَ لتَعظيمِ غيرِ اللهِ فتَحرُمُ. قالَ في «الدُّر المُختَار»: وهل يَكفرُ؟ قَولانِ: «بزَّازيَّة» و «شَرح وَهبَانيةٍ». قلتُ: وفي صَيدِ المُنيةِ أنه يُكرهُ ولا يَكفرُ؛ لأنَّا لا نُسيءُ الظنَّ بالمُسلمِ أنه يَتقرَّبُ إلى الآدَميِّ بهذا النَّحرِ، ونَحوُه في «شَرح الوَهبانيةِ» عن «الذَّخيرَة»، ونظَمَه فقالَ: وفاعِلُه جُمهورُهم قالَ كافِرٌ … وفَضلِي وإسماعيلُ ليسَ يُكفَّرُ (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: وذكَرَ الشَّيخُ إبراهيمُ المَروزيُّ مِنْ أصحابِنا أنَّ ما يُذبَحُ عندَ استقبالِ السُّلطانِ تقرُّبًا إليهِ أفتَى أهلُ بُخارةَ بتَحريمِه؛ لأنه ممَّا أُهلَّ به لغَيرِ اللهِ تعالَى، قالَ الرافِعيُّ: هذا إنما يَذبحونَه استِبشارًا بقُدومِه فهو كذَبحِ العَقيقةِ لوِلادةِ المَولودِ، ومثلُ هذا لا يُوجِبُ التَّحريمَ، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 11936

الرُّكن الثَّالثُ: آلةُ الذَّبحِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ ما أنهَرَ الدمَ وفرَى الأوداجَ مِنْ حَديدٍ أو رَصاصٍ أو نُحاسٍ أو ذَهبٍ أو حَجرٍ أو خَشبٍ مُحدَّدٍ أو قَصبٍ أو زُجاحٍ فإنه يَحصلُ به الذَّبحُ ويَحلُّ الصَّيدُ المَقتولُ بها، إلا السِّنَّ والعَظمَ إذا لم يَكونَا مَنزوعينِ؛ لِما رواهُ رافِعُ بنُ خَديجٍ ﵁ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفرٍ فنَدَّ بَعيرٌ مِنْ الإبلِ، قالَ: فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحَبَسَه، قالَ: ثمَّ قالَ: إنَّ لها أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكُم منها فاصْنَعوا به هكذا، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنا نَكونُ في المغازِي والأسفارِ فنُريدُ أنْ نَذبحَ فلا تَكونُ مُدًى، قالَ: أَرِنْ، ما نهَرَ -أو أنهَرَ- الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظُّفرِ، فإنَّ السِّنَّ عَظمٌ والظُّفرَ مُدَى الحَبَشةِ» (١). وفي رِوايةٍ عن رافِعِ بن خَديجٍ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : «كُلْ، يَعني: ما أنهَرَ الدَّمَ إلا السِّنَّ والظُّفرَ» (٢). وعن عَديِّ بن حاتمٍ قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ أحَدُنا أصابَ صَيدًا وليسَ معَه سِكِّينٌ أيَذبَحُ بالمَرْوةِ وشِقَّةِ العَصَا؟ فقالَ: «أَمرِرِ الدَّمَ بما شِئتَ واذكُرِ اسمَ اللهِ » (٣). إلا أنهُم اختَلفُوا في السِّنِّ والعَظمِ إذا كانَا مَنزوعَينِ، هل يَجوزُ الذبحُ به بهمَا أم لا؟

стр. 11937

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُباحُ كلُّ شَيءٍ يُنهِرُ الدمَ ويَفرِي الأوداجَ إلا السِّنَّ والعَظمَ؛ لِما رواهُ رافِعُ بن خَديجٍ ﵁ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفرٍ فنَدَّ بَعيرٌ مِنْ الإبلِ، قالَ: فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحَبَسَه، قالَ: ثمَّ قالَ: إنَّ لها أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكُم منها فاصْنَعوا به هكذا، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنا نَكونُ في المغازِي والأسفارِ فنُريدُ أنْ نَذبحَ فلا تَكونُ مُدًى، قالَ: أَرِنْ، ما نهَرَ -أو أنهَرَ- الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظُّفرِ، فإنَّ السِّنَّ عَظمٌ والظُّفرَ مُدَى الحَبَشةِ» (١). وسَواءٌ عَظمُ الآدَميِّ أو غيرُه المُتَّصلُ والمُنفصِلُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ تَحريمَ الذَّبحِ بالسِّنِّ بكَونِه عَظمًا. وقالَ الحَنابلةُ في قَولٍ: لو ذبَحَ بعَظمٍ غيرِ السِّنِّ جازَ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الذكاةَ تَجوزُ بالسِّنِّ والظُّفرِ المَنزوعَينِ، فأما إنْ كانَا غيرَ مَنزوعَينِ فإنهُ لا يَجوزُ ذلكَ؛ لأنه يَصيرُ خَنقًا، وفي ذلكَ ورَدَ النهيُ، وكذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «ذلكَ الخَنقُ»؛ لأنَّ ما ذبَحَ به إنما يَذبحُ بكَفٍّ لا بغَيرِها، فهو مَخنوقٌ، وكذلكَ ما نُهيَ عنه مِنْ السِّنِّ إنما هو المُركَّبةُ؛ لأنَّ ذلكَ يكونُ عَضًّا، فأما إنْ كانَا مَنزوعَينِ وفَرَيَا الأوداجَ فجائزٌ

стр. 11938

الذَّكاةُ بهِما؛ لأنَّ في حُكمِ الحَجرِ كلُّ ما قطَعَ ولمْ يشردْ، وإذا جازَتِ التَّذكيةُ بغيرِ الحَديدِ جازَتْ بكلِّ شَيءٍ في مَعناهُ. قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: الظُّفرُ والسِّنُّ المَنهيُّ عن الذَّبيحةِ بهما إذا كانَتَا قائمَتَينِ في صاحِبِهما؛ وذلكَ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في الظُّفرِ: «إنها مُدَى الحَبشةِ»، وهُم إنما يَذبحونَ بالظُّفرِ القائمِ في مَوضعِه غيرِ المَنزوعِ، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «ذلكَ الخَنقُ»، وعن أبي بِشرٍ قالَ: سألتُ عِكرمةَ عن الذَّبيحةِ بالمَرْوةِ قالَ: «إذا كانَتْ حَديدةً لا تُتردُّ الأوداجَ فكُلْ»، فشرَطَ في ذلكَ أنْ لا تَتردَّ الأوداجُ وهو ألَّا تَفرِيها، ولكنَّه يَقطعُها قِطعةً قِطعةً، والذَّبحُ بالظُّفرِ والسِّنِّ غيرِ المَنزوعِ يَتردُّ ولا يَفرِي، فلذلكَ لم تَصحَّ الذَّكاةُ بهما، وأما إذا كانَا مَنزوعَينِ ففَرَيَا الأوداجَ فلا بأسَ، وإنما كَرهَ أصحابُنا منها ما كانَ بمَنزلةِ السِّكينِ الكَلَالةِ، ولهذا المَعنَى كَرِهوا الذَّبحَ بالقَرنِ والعَظمِ (١).

стр. 11939

الرُّكنُ الرَّابعُ: الذَّبيحةُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ حَيوانٍ يُباحُ أكلُه وله نَفسٌ سائِلةٌ كالأنعامِ والخَيلِ والصَّيدِ فلا يُباحُ ولا يَحلُّ إلا بالذَّكاةِ، إلا السَّمكَ والجَرادَ، فإنْ ماتَ شَيءٌ مما يُباحُ أكلُه حَتْفَ أنفِه لم يَحلَّ، وكذا الطيورُ التي تَعيشُ تارةً في البَرِّ وتَارةً في البَحرِ كالبطِّ والإوزِّ فلا تَحلُّ بلا ذَكاةٍ، سَواءٌ ماتَتْ في البَحرِ أو في البَرِّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. فكلُّ حَيوانٍ مَقدورٍ عليهِ فلا يَحلُّ إلا بالذكاةِ قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَقدورُ عليهِ منهُما -أي الصَّيدِ والأنعامِ- فلا يُباحُ إلا بالذَّكاةِ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ ما لا يَحتاجُ مِنْ الأطعِمةِ إلى ذكاةٍ كالنَّباتِ وغَيرِه مِنْ الجامِداتِ والمائِعاتِ فإنه يَحلُّ أكلُه، ما لم يَكنْ نَجسًا أو مُخالِطًا لنَجسٍ أو ضارًّا. فأما الحَيوانُ فهو على ضَربينِ: بَريٌّ وبَحريٌّ، فأمَّا البَريُّ فإنهُم أجمَعُوا على أنَّ ما أُبيحَ أكلُه منه لا يُستباحُ إلا بالذَّكاةِ، وإنها مُختلِفةٌ باختِلافِ أنواعِه، ما بينَ ذَبحٍ ونَحرٍ وعَقرٍ، على ما سَيأتي بَيانُه فيما بعدُ، وقد مضَى منه ما بُيِّنَ، وأما البَحريُّ فما أُبيحَ منه كالسَّمكِ فلا يَحتاجُ إلى ذَكاةٍ، وأما غيرُه فسَيأتي ذِكرُ خِلافِهم فيه (٢).

стр. 11940

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: والحَيوانُ في اشتِراطِ الذَّكاةِ في أكلِه على قِسمينِ: حَيوانٌ لا يَحلُّ إلا بذَكاةٍ، وحَيوانٌ يَحلُّ بغيرِ ذَكاةٍ. ومِن هذهِ ما اتَّفقُوا عليهِ، ومنها ما اختَلفُوا فيه. واتَّفقوا على أنَّ الحَيوانَ الذي يَعملُ فيه الذَّبحُ هو الحَيوانُ البَريُّ ذو الدمِ الذي ليسَ بمُحرَّمٍ ولا مَنفوذِ المَقاتِلِ ولا مَيئُوسٍ منه بوَقذٍ أو نَطحٍ أو تَرَدٍّ أو افتِراسِ سَبُعٍ أو مَرضٍ، وأنَّ الحَيوانَ البحريَّ ليسَ يَحتاجُ إلى ذَكاةٍ. واختَلفُوا في الحَيوانِ الذي ليسَ يَدمَى ممَّا يَجوزُ أكلُه مثلَ الجَرادِ وغيرِه، هل له ذَكاةٌ أم لا؟ وفي الحَيوانِ المُدمَى الذي يَكونُ تَارةً في البَحرِ وتارةً في البَرِّ مثلَ السُّلحفاةِ وغيرِه (١). وقالَ الماوَرديُّ: اعلَمْ أنَّ الحَيوانَ يَتنوَّعُ ثَلاثةَ أنواعٍ: بَريٌّ وبَحريٌّ وما جمَعَ بينَ البَرِّ والبَحرِ. فأما البَرَّي: فالمَأكولُ منه لا يَحلُّ أكلُه إلا بالذَّكاةِ، سِوى الجَرادِ وحْدَه، فإنهُ يَحلُّ أكلُه مَيتًا؛ سَواءٌ ماتَ بسَببٍ أو غيرِ سَببٍ، رَوى ابنُ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أحلَّتْ لنا مَيتتانِ ودَمَانِ، المَيتتانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والدمَانِ: الكَبدُ والطُّحالُ» (٢).
следующие страницы →