الرُّكن الثَّالثُ: آلةُ الذَّبحِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ ما أنهَرَ الدمَ وفرَى الأوداجَ مِنْ حَديدٍ أو رَصاصٍ أو نُحاسٍ أو ذَهبٍ أو حَجرٍ أو خَشبٍ مُحدَّدٍ أو قَصبٍ أو زُجاحٍ فإنه يَحصلُ به الذَّبحُ ويَحلُّ الصَّيدُ المَقتولُ بها، إلا السِّنَّ والعَظمَ إذا لم يَكونَا مَنزوعينِ؛ لِما رواهُ رافِعُ بنُ خَديجٍ ﵁ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفرٍ فنَدَّ بَعيرٌ مِنْ الإبلِ، قالَ: فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحَبَسَه، قالَ: ثمَّ قالَ: إنَّ لها أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكُم منها فاصْنَعوا به هكذا، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنا نَكونُ في المغازِي والأسفارِ فنُريدُ أنْ نَذبحَ فلا تَكونُ مُدًى، قالَ: أَرِنْ، ما نهَرَ -أو أنهَرَ- الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظُّفرِ، فإنَّ السِّنَّ عَظمٌ والظُّفرَ مُدَى الحَبَشةِ» (١).
وفي رِوايةٍ عن رافِعِ بن خَديجٍ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : «كُلْ، يَعني: ما أنهَرَ الدَّمَ إلا السِّنَّ والظُّفرَ» (٢).
وعن عَديِّ بن حاتمٍ قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ أحَدُنا أصابَ صَيدًا وليسَ معَه سِكِّينٌ أيَذبَحُ بالمَرْوةِ وشِقَّةِ العَصَا؟ فقالَ: «أَمرِرِ الدَّمَ بما شِئتَ واذكُرِ اسمَ اللهِ » (٣).
إلا أنهُم اختَلفُوا في السِّنِّ والعَظمِ إذا كانَا مَنزوعَينِ، هل يَجوزُ الذبحُ به بهمَا أم لا؟
стр. 11937
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُباحُ كلُّ شَيءٍ يُنهِرُ الدمَ ويَفرِي الأوداجَ إلا السِّنَّ والعَظمَ؛ لِما رواهُ رافِعُ بن خَديجٍ ﵁ قالَ: «كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفرٍ فنَدَّ بَعيرٌ مِنْ الإبلِ، قالَ: فرَماهُ رَجلٌ بسَهمٍ فحَبَسَه، قالَ: ثمَّ قالَ: إنَّ لها أوابِدَ كأوابِدِ الوَحشِ، فما غلَبَكُم منها فاصْنَعوا به هكذا، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنا نَكونُ في المغازِي والأسفارِ فنُريدُ أنْ نَذبحَ فلا تَكونُ مُدًى، قالَ: أَرِنْ، ما نهَرَ -أو أنهَرَ- الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ فكُلْ، غيرَ السِّنِّ والظُّفرِ، فإنَّ السِّنَّ عَظمٌ والظُّفرَ مُدَى الحَبَشةِ» (١).
وسَواءٌ عَظمُ الآدَميِّ أو غيرُه المُتَّصلُ والمُنفصِلُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ علَّلَ تَحريمَ الذَّبحِ بالسِّنِّ بكَونِه عَظمًا.
وقالَ الحَنابلةُ في قَولٍ: لو ذبَحَ بعَظمٍ غيرِ السِّنِّ جازَ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الذكاةَ تَجوزُ بالسِّنِّ والظُّفرِ المَنزوعَينِ، فأما إنْ كانَا غيرَ مَنزوعَينِ فإنهُ لا يَجوزُ ذلكَ؛ لأنه يَصيرُ خَنقًا، وفي ذلكَ ورَدَ النهيُ، وكذلكَ قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «ذلكَ الخَنقُ»؛ لأنَّ ما ذبَحَ به إنما يَذبحُ بكَفٍّ لا بغَيرِها، فهو مَخنوقٌ، وكذلكَ ما نُهيَ عنه مِنْ السِّنِّ إنما هو المُركَّبةُ؛ لأنَّ ذلكَ يكونُ عَضًّا، فأما إنْ كانَا مَنزوعَينِ وفَرَيَا الأوداجَ فجائزٌ
стр. 11938
الذَّكاةُ بهِما؛ لأنَّ في حُكمِ الحَجرِ كلُّ ما قطَعَ ولمْ يشردْ، وإذا جازَتِ التَّذكيةُ بغيرِ الحَديدِ جازَتْ بكلِّ شَيءٍ في مَعناهُ.
قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: الظُّفرُ والسِّنُّ المَنهيُّ عن الذَّبيحةِ بهما إذا كانَتَا قائمَتَينِ في صاحِبِهما؛ وذلكَ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في الظُّفرِ: «إنها مُدَى الحَبشةِ»، وهُم إنما يَذبحونَ بالظُّفرِ القائمِ في مَوضعِه غيرِ المَنزوعِ، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «ذلكَ الخَنقُ»، وعن أبي بِشرٍ قالَ: سألتُ عِكرمةَ عن الذَّبيحةِ بالمَرْوةِ قالَ: «إذا كانَتْ حَديدةً لا تُتردُّ الأوداجَ فكُلْ»، فشرَطَ في ذلكَ أنْ لا تَتردَّ الأوداجُ وهو ألَّا تَفرِيها، ولكنَّه يَقطعُها قِطعةً قِطعةً، والذَّبحُ بالظُّفرِ والسِّنِّ غيرِ المَنزوعِ يَتردُّ ولا يَفرِي، فلذلكَ لم تَصحَّ الذَّكاةُ بهما، وأما إذا كانَا مَنزوعَينِ ففَرَيَا الأوداجَ فلا بأسَ، وإنما كَرهَ أصحابُنا منها ما كانَ بمَنزلةِ السِّكينِ الكَلَالةِ، ولهذا المَعنَى كَرِهوا الذَّبحَ بالقَرنِ والعَظمِ (١).
стр. 11939
الرُّكنُ الرَّابعُ: الذَّبيحةُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ كلَّ حَيوانٍ يُباحُ أكلُه وله نَفسٌ سائِلةٌ كالأنعامِ والخَيلِ والصَّيدِ فلا يُباحُ ولا يَحلُّ إلا بالذَّكاةِ، إلا السَّمكَ والجَرادَ، فإنْ ماتَ شَيءٌ مما يُباحُ أكلُه حَتْفَ أنفِه لم يَحلَّ، وكذا الطيورُ التي تَعيشُ تارةً في البَرِّ وتَارةً في البَحرِ كالبطِّ والإوزِّ فلا تَحلُّ بلا ذَكاةٍ، سَواءٌ ماتَتْ في البَحرِ أو في البَرِّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
فكلُّ حَيوانٍ مَقدورٍ عليهِ فلا يَحلُّ إلا بالذكاةِ قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَقدورُ عليهِ منهُما -أي الصَّيدِ والأنعامِ- فلا يُباحُ إلا بالذَّكاةِ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ ما لا يَحتاجُ مِنْ الأطعِمةِ إلى ذكاةٍ كالنَّباتِ وغَيرِه مِنْ الجامِداتِ والمائِعاتِ فإنه يَحلُّ أكلُه، ما لم يَكنْ نَجسًا أو مُخالِطًا لنَجسٍ أو ضارًّا.
فأما الحَيوانُ فهو على ضَربينِ: بَريٌّ وبَحريٌّ، فأمَّا البَريُّ فإنهُم أجمَعُوا على أنَّ ما أُبيحَ أكلُه منه لا يُستباحُ إلا بالذَّكاةِ، وإنها مُختلِفةٌ باختِلافِ أنواعِه، ما بينَ ذَبحٍ ونَحرٍ وعَقرٍ، على ما سَيأتي بَيانُه فيما بعدُ، وقد مضَى منه ما بُيِّنَ، وأما البَحريُّ فما أُبيحَ منه كالسَّمكِ فلا يَحتاجُ إلى ذَكاةٍ، وأما غيرُه فسَيأتي ذِكرُ خِلافِهم فيه (٢).
стр. 11940
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: والحَيوانُ في اشتِراطِ الذَّكاةِ في أكلِه على قِسمينِ: حَيوانٌ لا يَحلُّ إلا بذَكاةٍ، وحَيوانٌ يَحلُّ بغيرِ ذَكاةٍ.
ومِن هذهِ ما اتَّفقُوا عليهِ، ومنها ما اختَلفُوا فيه.
واتَّفقوا على أنَّ الحَيوانَ الذي يَعملُ فيه الذَّبحُ هو الحَيوانُ البَريُّ ذو الدمِ الذي ليسَ بمُحرَّمٍ ولا مَنفوذِ المَقاتِلِ ولا مَيئُوسٍ منه بوَقذٍ أو نَطحٍ أو تَرَدٍّ أو افتِراسِ سَبُعٍ أو مَرضٍ، وأنَّ الحَيوانَ البحريَّ ليسَ يَحتاجُ إلى ذَكاةٍ.
واختَلفُوا في الحَيوانِ الذي ليسَ يَدمَى ممَّا يَجوزُ أكلُه مثلَ الجَرادِ وغيرِه، هل له ذَكاةٌ أم لا؟ وفي الحَيوانِ المُدمَى الذي يَكونُ تَارةً في البَحرِ وتارةً في البَرِّ مثلَ السُّلحفاةِ وغيرِه (١).
وقالَ الماوَرديُّ: اعلَمْ أنَّ الحَيوانَ يَتنوَّعُ ثَلاثةَ أنواعٍ: بَريٌّ وبَحريٌّ وما جمَعَ بينَ البَرِّ والبَحرِ.
فأما البَرَّي: فالمَأكولُ منه لا يَحلُّ أكلُه إلا بالذَّكاةِ، سِوى الجَرادِ وحْدَه، فإنهُ يَحلُّ أكلُه مَيتًا؛ سَواءٌ ماتَ بسَببٍ أو غيرِ سَببٍ، رَوى ابنُ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أحلَّتْ لنا مَيتتانِ ودَمَانِ، المَيتتانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والدمَانِ: الكَبدُ والطُّحالُ» (٢).
стр. 11941
وأمَّا البَحريُّ: فيَنقسمُ ثَلاثةَ أقسامٍ: مُباحٌ ومَحظورٌ ومُختلَفٍ فيهِ، وأما المُباحُ فهو السَّمكُ على اختِلافِ أنواعِه، ويَختصُّ بحُكمينِ: أحَدُهما: أنه مُباحُ الأكلِ، والثَّاني: أنه لا يَفتقرُ إلى الذَّكاةِ ويَحلُّ أكلُه مَيتًا، لقَولِ النبيِّ ﷺ في البَحرِ: «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه» (١).
واختَلفَ أصحابُنا في إباحةِ أكلِه حيًّا على وَجهينِ:
أحَدُهما: لا يَحلُّ أكلُه حيًّا حتى يَموتَ؛ لوُرودِ السُّنةِ بإحلاله بعدَ المَوتِ؛ لأنَّ موتَه ذَكاةٌ.
والوَجهُ الثَّاني: يَحلُّ أنْ يُؤكلَ حيًّا ومَيتًا؛ لأنه لا يَفتقرُ إلى ذَكاةٍ، وليسَ له حالُ تَحريمٍ، فعَمَّتْ فيه الإباحةُ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قولُه ﷺ : «فإنْ أمسَكَ عليكَ فأدرَكْتَه حيًّا فأذبَحْهُ»، هذا تَصريحٌ بأنه إذا أدرَكَ ذكاتَه وجَبَ ذَبحُه ولم يَحلَّ إلا بالذَّكاةِ، وهو مُجمَعٌ عليهِ، وما نُقلَ عن الحَسنِ والنخَعيِّ خلافَه فباطلٌ لا أظنُّه يَصحُّ عنهُما، وأما إذا أدرَكَه ولم تَبْقَ فيه حَياةٌ مُستقِرةٌ بأنْ كانَ قد قطَعَ حُلقومَه ومَريَّه أو أجافَه أو خرَقَ أمعاءَه أو أخرَجَ حَشوتَه فيَحلُّ مِنْ غيرِ ذَكاةٍ بالإجماعِ (٣).
وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ.
стр. 11942
ذَكاةُ الجَنينِ:
البَهيمةُ إذا ذُبحَتْ فوُجدَ في بَطنِها جَنينٌ فإنْ كانَ حيًّا مَقدورًا على ذَكاتِه لم يَحلَّ أكلُه إلا بالذَّكاةِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، فإنْ ماتَ قبلَ الذبحِ لا يُؤكلُ بلا خِلافٍ.
وإنْ خرَجَ مَيتًا فإنْ لم يَكنْ كامِلَ الخَلْقِ لا يُؤكلُ أيضًا في قَولِهم جَميعًا؛ لأنه بمَعنى المُضغَةِ.
وإنْ كانَ كامِلَ الخَلقِ وخرَجَ مَيتًا أو حيًّا قَصُرتْ مُدةُ حَياتِه عن ذَكاتِه فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه:
فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ -وهو إجماعُ الصَّحابةِ- إلى أنَّ ذَكاتَه تَكونُ بذَكاةِ أمِّه، ويَحلُّ أكلُه أشعَرَ أو لم يُشعرْ عندَهم إلا المالِكيةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ ﵄: «بهيمةُ الأنعامِ هي أَجِنَّتُها إذا وُجِدتْ مَيتةً في بُطونِ أمَّهاتِها يَحلُّ أكلُها بذَكاةِ الأمَّهاتِ».
ولِما رَواهُ أبو سَعيدٌ الخُدريُّ ﵁ قالَ: «قُلنا: يا رَسولَ اللهِ نَنحَرُ الناقَةَ ونَذبحُ البَقرةَ والشَّاةَ فنَجدُ في بَطنِها الجَنينَ، أنُلقيهِ أم نَأكلُه؟ قالَ: كُلوهُ إنْ شِئتُم؛ فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أمِّهِ» (١).
стр. 11943
وعن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه» (١)، فجعَلَ إحدَى الذَّكاتينِ نائِبةً عنهُما أو قائِمةً مَقامَهما، كما يُقالَ: «مالُ زَيدٍ مالِي، ومالِي مالُ زَيدٍ» يريدُ أنَّ أحَدَ المالَينِ يَنوبُ عن الآخَرِ ويَقومُ مَقامَه.
ولأنَّ هذا إجماعٌ مِنْ الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، فلا يُعوَّلُ على ما خالَفَه، ولأنَّ الجَنينَ مُتصِلٌ بها اتِّصالَ خِلقةٍ يَتغذَّى بغِذائِها، فتَكونُ ذَكاتُها ذَكاتَه كأعضائِها، ولأنَّ الذكاةَ في الحَيوانِ تَختلفُ على حَسبِ الإمكانِ فيه والقُدرةِ؛ بدَليلِ الصَّيدِ المُمتنِعِ والمَقدورِ عليهِ والمُتردِّيةِ، والجَنينُ لا يُتوصَّلُ إلى ذَبحِه بأكثرَ مِنْ ذَبحِ أمِّه، فيَكونُ ذَكاةً له (٢).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ والحَسنُ بنُ زِيادٍ إلى أنَّ مَنْ نحَرَ ناقةً أو ذبَحَ بَقرةً أو شاةً فوجَدَ في بَطنِها جَنينًا مَيتًا لم يُؤكلْ، أشعَرَ أم لم يُشعِرْ، أي: تَمَّ خَلقُه أو لم يَتمَّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهي اسمٌ لِما ماتَ حَتفَ أنفِه، وهذا مَوجودٌ في الجَنينِ؛ لأنه لا يَموتُ بمَوتِ أمِّه؛ لأنَّها قد تَموتُ ويَبقَى الجَنينُ في بَطنِها حيًّا، ويَموتُ وهي حيَّةٌ، فحَياتُه غيرُ مُتعلِّقةٍ بحَياتِها، فلا تَكونُ ذَكاتُها ذَكاةً له، فصارَا كالشاتَينِ لا تَكونُ
стр. 11944
ذَكاةُ إحداهُما ذَكاةً للأُخرَى، ولأنه أصلٌ في الحَياةِ والدمِ؛ لأنه لا يُتصوَّرُ حَياتُه بعدَ مَوتِها، وله دَمٌ على حِدةٍ غيرُ دَمِها، والذَّبحُ شُرعَ لتَنهيرِ الدمِ النَّجسِ مِنْ اللحمِ الطاهرِ، وذَبحُها لا يَكونُ سَببًا لخُروجِ الدمِ منه.
ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقالَ في آخِرِها: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فحرَّمَ اللهُ المَيتةَ مُطلَقًا واستَثنَى المُذكَّى منها، وبيَّنَ النبيُّ ﷺ الذَّكاةَ في المَقدورِ على ذَكاتِه في النَّحرِ واللبَّةِ، وفي غيرِ مَقدورٍ على ذَكاتِه بسَفحِ دَمِه، فلمَّا كانَتِ الذَّكاةُ مُنقِسمةٌ إلى هَذينِ الوَجهينِ وحكَمَ اللهُ بتَحريمِ المَيتةِ حُكمًا عامًّا، واستَثنَى منه المُذكَّى بالصِّفةِ التي ذكَرْنا على لِسانِ نَبيِّه ولم تَكنْ هذه الصِّفةُ مَوجودةً في الجَنينِ كانَ مُحرَّمًا بظاهرِ الآيةِ.
وبقَولِ النبيِّ ﷺ : «أحلَّتْ لنا مَيتتانِ ودَمانِ، المَيتتانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ: الكَبدُ والطُّحالُ»، وهذه مَيتةٌ ثالِثةٌ يُوجِبُ الخبَرُ أنْ تَكونَ مُحرَّمةً، ولأنه مِنْ جِنسِ ما يُذكَّى، فوجَبَ أنْ لا يَحلَّ إلا بالذَّكاةِ كالأمِّ، ولأنه ذَبحٌ واحِدٌ، فلمْ يَجُزْ أنْ تَكونَ ذَكاةُ الاثنَينِ كما لو خرَجَ الجَنينُ حيًّا، ولأنَّ ما كانَ مَوتُه ذَكاةً في غَيرِ المَقدورِ عليهِ كانَ موتُه ذَكاةً في المَقدورِ عليهِ، وما لم يَكنْ مُوتُه ذَكاةً في المَقدورِ عليهِ لم يَكنْ ذَكاةً في غيرِ المَقدورِ عليهِ كالصَّيدِ والنَّعَمِ، فلمَّا لم يَكنْ مَوتُ المَقدورِ عليهِ مِنْ الأجنَّةِ ذَكاةً لم يكنْ مَوتُ غيرِ المَقدورِ عليهِ ذكاةً (١).
стр. 11945
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في ذَكاةِ الجَنينِ:
فقالَ مالِكٌ بما رَواهُ عن ابنِ عُمرَ وسَعيدِ بنِ المُسيبِ في ذلكَ، قالَ: إذا تَمَّ خَلقُه وأشعَرَ أُكلَ، وإلا لم يُؤكلْ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وزُفرُ: لا يُؤكلُ الجَنينُ إلا أنْ يَخرجَ حيًّا مِنْ بَطنِ أمِّه فيُذكَّى.
وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والثوريُّ والليثُ بنُ سَعدٍ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: يُؤكلُ وإنْ كانَ مَيتًا إذا ذُكِّيَتِ الأمُّ، وذَكاةُ أمِّه ذَكاتُه.
قالَ أبو عُمرَ: رُويَ قولُ مالِكٍ في اعتبارِ إشعاره وتَمامِ خَلقِه عن جَماعةٍ مِنْ أهلِ المَدينةِ والحِجازِ وغَيرِهم، منهُم ابنُ عُمرَ وسَعيدُ بنُ المَسيبِ وابنُ شِهابٍ ومُجاهدٌ وطاوسٌ والحَسنُ وقَتادةُ.
ورَوى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن عَبدِ اللهِ بنِ كَعبِ بنِ مالكٍ قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَقولونُ: «إذا أشعَرَ الجَنينُ فذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه».
وحَدَّثني عبدُ اللهِ بنُ مُحمدٍ قالَ: حدَّثَني مُحمدُ بنُ عُثمانَ قالَ: حَدَّثني إسماعيلُ بنُ إسحاقَ قالَ: حَدَّثني عليُّ بنُ المَدينيُّ قالَ: حَدَّثني سُفيانُ بنُ عُيينةَ قالَ: حَفِظتُ مِنْ الزُّهريِّ عن ابنِ كَعبِ بنِ مالكٍ أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ
стр. 11946
ﷺ كانَوا يَقولونُ: «إذا أشعَرَ الجَنينُ فذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه»، قالَ سُفيانُ: وقالَ أبانُ بنُ تَغلبَ -وكانَ صاحِبَ عرَبيةٍ-: «إذا أشعَرَ الجَنينُ»، قالَ سُفيانُ: فأمَّا الذي حَفِظتُ أنا مِنْ الزُّهريِّ: «إذا أشعَرَ».
قالَ أبو عمر: قيلَ: أشعَرَ: إذا تَمَّ خَلقُه وإنْ لم يُشعِرْ.
قالَ أبو عَمرٍو الشَّيبانِيُّ: المُشعِرُ: التامُّ الخَلقِ الطَّويلُ.
ورَوى أبو إسحاقَ عن الحارثِ عن عَليٍّ ﵁ قالَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه إذا أشعَرَ».
ورُويَ مثلُ قَولِ الشافِعيِّ ومَن ذكَرْنا معَه عن إبراهيمَ النخَعيِّ.
ورَوى الثَّوريُّ عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ قالَ: ذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه، أشعَرَ أو لم يُشعرْ، إلا أنْ يَقذِرَه.
وابنُ عُيينةَ عن الحَسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ النخَعيِّ قالَ: سألتُ إبراهيمَ عن جَنينِ البَقرةِ فقالَ: هو رُكنٌ مِنْ أركانِها.
وابنُ خَديجٍ عن داودَ بنِ أبي عاصِمٍ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: كُلْه إنْ لم يُشعِرْ.
ورَوى ابنُ المُبارَكِ وغيرُه عن مُجالدِ بنِ سَعيدٍ عن أبي الودَّاكِ جَبْرِ بنِ نَوفٍ قالَ: سَمِعتُ أبا سَعيدٍ الخُدريِّ يَقولُ: «سَألْنا رَسولَ اللهِ ﷺ عن البَقرةِ أو الناقَةِ أو الشَّاةِ يَنحرُها أحَدُنا فيَجدُ في بَطنِها جَنينًا، أيَأكلُه أم يُلقيهِ؟ قالَ: كُلوهُ إنْ شِئتُم؛ فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أمِّه» (١).
стр. 11947
قالَ أبو عُمرَ: ليسَ في هذا الحَديثِ المُسنَدِ اشتِراطُ إشعاره ولا غيرُه.
ورَوى ابنُ المُبارَكِ عن ابنِ أبي ليلَى عن أخيهِ عن أبيهِ أو عن الحَكمِ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلَى -الشكُّ مِنْ ابنِ المُبارَكِ- عن عَطيةَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: رَسولُ اللهِ ﷺ : «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه أشعَرَ أو لم يُشعرْ».
ورَواهُ غيرُ ابنُ المُباركِ عن ابنِ أبي ليلَى عن عَطيةَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وابنِ أبي ليلَى، سَيئُ الحِفظِ عندَهم جِدًّا.
ومِن حَديثِ زُهيرِ بنِ مُعاويةَ عن أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه».
وأما قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفرَ فليسَ له في حَديثِ النبيِّ ﵇ ولا في قَولٍ أصحابِه ولا في قَولِ الجُمهورِ أصلٌ.
وزعَمَ أبو حَنيفةَ أنه لم يَرَ ذَكاةً واحِدةً تكونُ لاثنَينِ.
واستَحالَ غيرُه أنْ تكونَ ذَكاةً لنَفسينِ، وهو يَرَى أنَّ مَنْ أعتَقَ حامِلًا فإنَّ عِتقَها عِتقٌ لجَنينِها، فإذا جازَ أنْ يكونَ عِتقٌ واحِدٌ عِتقًا لاثنَينِ فغيرُ نَكيرٍ أنْ تكونَ ذَكاةُ نَفسٍ ذَكاةَ نَفسينِ هذا مِنْ جِهةِ القياسِ، فكيفَ والسُّنةُ مُغنِيةٌ عن كلِّ رَأيٍ؟! وباللهِ التوفيقُ.
وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ في قَولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] قالَ: الجَنينُ.
стр. 11948
وعن الحَسنِ قالَ: بَهيمةُ الأنعامِ: الشاةُ والبَقرةُ والبَعيرُ (١).
وقالَ الإمامُ ابن رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا هل تَعملُ ذَكاةُ الأمِّ في جَنينِها أم ليسَ تَعملُ فيه وإنما هو مَيتةٌ؟ أعنِي إذا خرَجَ منها بعدَ ذَبحِ الأمِّ.
فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّ ذَكاةَ الأمِّ ذَكاةٌ لجَنينِها، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ خرَجَ حيًّا ذُبحَ وأُكلَ، وإنْ خرَجَ مَيتًا فهو مَيتةٌ.
والذينَ قالَوا: «إنَّ ذَكاةَ الأمِّ ذَكاةٌ له» بَعضُهم اشتَرطَ في ذلكَ تَمامَ خِلقتِه ونَباتَ شَعرِه، وبه قالَ مالِكٌ، وبعضُهم لم يَشترطْ ذلكَ، وبه قالَ الشافِعيُّ.
وسَببُ اختِلافِهم: اختِلافُهم في صِحةِ الأثَرِ المَرويِّ في ذلكَ مِنْ حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، معَ مُخالَفتِه للأصولِ، وحَديثُ أبي سَعيدٍ هو: قالَ: «سَألْنا رَسولَ اللهِ ﷺ عن البَقرةِ أو الناقةِ أو الشاةِ يَنحرُها أحَدُنا فنَجدُ في بَطنِها جَنينًا، أنَأكلُه أو نُلقيهِ؟ فقالَ: كُلوهُ إنْ شِئتُم؛ فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةَ أمِّه»، وخرَّجَ مثلَه التِّرمذيُّ وأبو داودَ عن جابِرٍ.
واختَلفُوا في تَصحيحِ هذا الأثَرِ، فلمْ يُصحِّحْه بعضُهم وصحَّحَه بعضُهم، وأحَدُ مَنْ صحَّحَه التِّرمذيُّ.
وأما مُخالَفةُ الأصلِ في هذا البابِ للأثَرِ فهو أنَّ الجَنينَ إذا كانَ حيًّا ثم ماتَ بمَوتِ أمِّه فإنما يَموتُ خَنقًا، فهو مِنْ المُنخنِقةِ التي ورَدَ
стр. 11949
النصُّ بتَحريمِها، وإلى تَحريمِه ذهَبَ أبو مُحمدٍ ابنُ حَزمٍ ولم يَرْضَ سنَدَ الحَديثِ.
وأما اختِلافُ القائِلينَ بحِلِّيتَه في اشتِراطِهم نَباتَ الشَّعرِ فيه أو لا اشتِراطِه فالسَّببُ فيه مُعارَضةُ العُمومِ للقياسِ، وذلكَ أنَّ عُمومَ قولِه ﵊: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه» يَقتضي أنْ لا يقَعَ هنالكَ تَفصيلٌ، وكونُه مَحلًّا للذَّكاةِ يَقتضي أنْ يُشترطَ فيه الحَياةُ قياسًا على الأشياءِ التي تَعملُ فيها التذكيةُ، والحَياةُ لا تُوجَدُ فيه إلا إذا نبَتَ شَعرُه وتَمَّ خَلقُه، ويَعضدُ هذا القياسَ أنَّ هذا الشَّرطَ مَرويٌّ عن ابنِ عُمرَ وعن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ.
ورَوى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن عبدِ اللهِ بنِ كَعبِ بن مالك قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَقولونَ: «إذا أشعَرَ الجَنينُ فذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه».
ورَوى ابنُ المُبارَكِ عن ابنِ أبي ليلَى قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه أشعَرَ أو لم يُشعِرْ»، إلا أنَّ ابنَ أبي ليلَى سيِّئُ الحِفظِ عندَهم، والقياسُ يَقتضي أنْ تكونَ ذَكاتُه في ذَكاةِ أمِّه مِنْ قِبَلِ أنه جُزءٌ منها، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلا معنَى لاشتِراطِ الحَياةِ فيهِ، فيَضعفُ أنْ يُخصَّصَ العُمومُ الواردُ في ذلكَ بالقياسِ الذي تَقدَّمَ ذِكرُه عن أصحابِ مالكٍ (١).
стр. 11950
ذَكاةُ الموقُوذةِ:
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في ذَكاةِ ما نزَلَ به المَوتُ مِنْ الأنعامِ مثلَ المُتردِّيةِ والنَّطيحةِ والمَوقوذةِ وأكيلَةِ السَّبُعِ والمُنخنقةِ.
فقالَ أبو قُرَّةَ موسَى بنُ طارقٍ: سألتُ مالِكًا عن المُتردِّيةِ والمَفروسةِ تُدرَكُ ذَكاتُها وهي تَتحركُ فقالَ: لا بأسَ بها إذا لم يَكنْ قُطعَ رَأسُها أو نُثرَ بَطنُها.
قالَ: وسَمعتُ مالِكًا يقولُ: إذا غُيِّرَ ما بينَ المَنحرِ إلى المَذبحِ لم تُؤكلْ.
وفي «المُستخرَجة» لمالكٍ وابنِ القاسِمِ أنَّ ما فيه الحَياةُ وإنْ كانَ لا يَعيشُ ولا يُرجَى له بالعَيشِ يُذكَّى ويُؤكلُ في ذلكَ.
وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ: إذا كانَتْ حيَّةً وأخرَجَ السَّبعُ بَطنَها أكَلْنا إلا ما بانَ مِنها، وهو قولُ ابنِ وَهبٍ، وهو الأشهَرُ مِنْ مَذهبِ الشافِعيِّ، وبه قالَ إسحاقُ بنُ راهَويهِ.
قالَ المُزنِيُّ: وأحفَظُ للشافعيِّ قولًا آخَرَ أنها لا تُؤكلُ إذا بلَغَ منها السَّبعُ أو التَّردِّي إلى ما لا حَياةَ معه، قالَ المُزنِيُّ: وهو قَولُ المَدنيينَ.
وقالَ أبو حَنيفةَ في كلِّ ما تُدركُه ذُكاتُه وفيهِ حَياةٌ ما كانَتِ الحَياةُ بأنه ذَكِيٌّ إذا ذُكِّيَ قبلَ أنْ يَموتَ.
ورَوى الشعبيُّ عن الحارِثِ عن عليٍّ ﵁ قالَ: «إذا أدرَكْتَ ذَكاةَ المَوقوذةِ أو المُتَرديةِ أو النَّطيحةِ وهي تُحرِّكُ يَدًا أو رِجلًا فكُلْها».
стр. 11951
وكانَ الشعبيُّ وإبراهيمُ النخَعيُّ وعَطاءٌ وطاوسُ والحَسنُ وقَتادةُ كلُّ هؤلاءِ يَقولُ في قَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]: إذا أطرَفَتْ بعَينَيها أو مصَعَت بذَنبِها -يعنِي: حرَّكَتْه- وضرَبَتْ بهِ أو ركَضَتْ برِجلِها فذَكَّيتَه فقدْ أحَلَّ اللهُ لكَ ذلكَ، وذكَرَه عن أصحابِه، وهو قَولُ أبي هُريرةَ وابنِ عبَّاسٍ، وإليهِ ذهَبَ ابنُ حَبيبٍ وذكَرَه عن أصحابِ مالكٍ.
ورَوى ابنُ عُيينةَ وشَريكٌ وجَريرٌ عن الرُّكينِ بنِ الرَّبيعِ عن أبي طَلحةَ الأسديِّ قالَ: سَألتُ ابنَ عبَّاسٍ عن ذِئبٍ عَدَا على شاةٍ فشَقَّ بَطنَها حتَّى انتَثرَ فسقَطَ منه شَيءٌ إلى الأرضِ فقالَ: «كُلْ، وما انتَثرَ مِنْ بَطنِها فلا تَأكلْ» (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا في الأصلِ: المُتردِّيةُ إذا أدرَكَ ذَكاتَها قبلَ أنْ تَموتَ أُكلَتْ، وكذلكَ النَّطيحةُ والمَوقوذةُ، وكذلكَ ما أكَلَ السَّبعُ.
وعن أبي يُوسفَ في «الإِملَاء» أنه إذا بلَغَ به ذلكَ حَالًا لا يَعيشُ مِنْ مِثلِها لم يُؤكلْ وإنْ ذَكَّى قبلَ المَوتِ.
وذكَرَ ابنُ سَماعةَ عن مُحمدٍ أنه إنْ كانَ يَعيشُ منه اليَومِ ونَحوِه أو دُونَه فذَكَّاها حلَّتْ، وإنْ كانَ لا يَبقَى إلا كبَقاءِ المَذبوحِ لم يُؤكلْ وإنْ ذُبحَ، واحتَجَّ بأنَّ عُمرَ ﵁ كانَتْ جِراحتُه مُتلِفةً وصَحَّتْ عُهودُه أوامِرُه، ولو قتَلَه قاتلٌ في ذلكَ الوَقتِ كانَ عليهِ القوَدُ.
стр. 11952
وقالَ مالِكٌ ﵁: إذا أدرَكَ ذَكاتَها وهي حيَّةً تَضربُ أكلَ.
وقالَ الحَسنُ بنُ حَيٍّ: إذا صارَتْ بحالٍ لا تَعيشُ أبَدًا لم تُؤكلْ وإنْ ذُبحَتْ.
وقالَ الأوزاعِيُّ: إذا كانَ فيها حَياةٌ فذُبحَتْ أُكلَتْ، و المَصبورةُ إذا ذُبحَتْ لا تُؤكلُ.
وقالَ الشافِعيُّ ﵁ في السَّبعُ إذا شَقَّ بَطنَ الشاةِ فاستيقنَ أنها تَموتُ إنْ لم تُذَكَّ فذُكِّيَت فلا بأسَ بأكلِها.
قالَ أبو جَعفرٍ: لم يَختلفُوا في الأنعامِ إذا أصابَتْها الأمراضُ المُتلِفةُ التي قد تَعيشُ معَها مُدةً قَصيرةً أو طَويلةً إنَّ ذَكاتَها بالذَّبحِ؛ فإنها لو صارَتْ في حالِ النَّزعِ و الاضطِرابِ للمَوتِ أنه لا ذَكاةَ لها، فكذلكَ يَنبغي في القياسِ أنْ يَكونَ حُكمُ المُتردِّيةِ ونَحوِها (١).
قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قَولُه تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ نُصبَ على الاستثناءِ المُتصِلِ عندَ الجُمهورِ مِنْ العُلماءِ والفُقهاءِ، وهو راجِعٌ على كُلِّ ما أُدركَ ذَكاتُه مِنْ المَذكوراتِ وفيه حَياةٌ، فإنَّ الذَّكاةَ عامِلةٌ فيه، لأنَّ حَقَّ الاستثناءِ أنْ يَكونَ مَصروفًا إلى ما تَقدَّمَ مِنْ الكَلامِ، ولا يُجعلُ مُنقطِعًا إلا بدَليلٍ يجبُ التَّسليمُ له.
رَوى ابنُ عُيينةَ وشَريكٌ وجَريرٌ عن الرُّكينِ بنِ الرَّبيعِ عن أبي طَلحةَ الأسديِّ قالَ: سَألتُ ابنَ عبَّاسٍ عن ذِئبٍ عَدَا على شاةٍ فشَقَّ بَطنَها حتَّى
стр. 11953
انتَثرَ قُصْبُها فأدرَكْتُ ذَكاتَها فذَكَّيتُها فقالَ: «كُلْ، وما انتَثرَ مِنْ قُصبِها فلا تَأكلْ».
قالَ إسحاقُ بنُ راهَويهِ: السُّنةُ في الشاةِ على ما وصَفَ ابنُ عبَّاسٍ؛ فإنها وإنْ خرَجَتْ مَصارينُها فإنها حيَّةٌ بعدُ، ومَوضعُ الذَّكاةِ منها سالمٌ، وإنما يُنظرُ عندَ الذَّبحِ أحيَّةٌ هي أم مَيتةٌ؟ ولا يُنظرُ إلى فِعلٍ هل يَعيشُ مثلُها؟ فكذلكَ المَريضةُ، قالَ إسحاقُ: ومَن خالَفَ هذا فقدْ خالَفَ السُّنةَ مِنْ جُمهورِ الصَّحابةِ وعامَّةِ العُلماءِ.
قلتُ: وإليهِ ذهَبَ ابنُ حَبيبٍ، وذُكرَ عن أصحابِ مالكٍ، وهو قولُ ابنِ وَهبٍ والأشهَرُ مِنْ مَذهبِ الشافِعيِّ، قالَ المُزنِيُّ: وأحفَظُ للشافِعيِّ قَولًا آخَرَ أنها لا تُؤكلُ إذا بلَغَ منها السبُعُ أو التَّردِّي إلى ما لَا حَياةَ معه، وهو قَولُ المَدنيينَ والمَشهورُ مِنْ قولِ مالِكٍ، وهو الذي ذكَرَه عبدُ الوهابِ في «تَلقينِه»، ورُويَ عن زَيد بنِ ثابِتٍ، ذكَرَه مالِكٌ في «مُوَطئِه»، وإليه ذهَبَ إسماعيلُ القاضِي وجَماعةُ المالِكيينَ البَغداديينَ، والاستِثناءُ على هذا القَولِ مُنقطعٍ، أي: حُرِّمَتْ عليكُم هذهِ الأشياءُ، لكنْ ما ذَكَّيتُم فهو الذي لم يُحرَّمْ.
قالَ ابنُ العرَبيِّ: اختَلفَ قَولُ مالِكٍ في هذهِ الأشياءِ، فرُويَ عنه أنه لا يُؤكلُ إلا ما ذُكِّيَ بذَكاةٍ صَحيحةٍ، والذي في «المُوطَّأ» أنه إنْ كانَ ذبَحَها ونَفَسُها يَجري وهي تَضطربُ فلْيَأكلْ، وهو الصَّحيحُ مِنْ قولِه الذي كتَبَه بيَدِه وقرَأَه على الناسِ مِنْ كُلِّ بلدٍ طُولَ عُمرِه، فهو أَولى مِنْ الرِّواياتِ
стр. 11954
النادِرةِ، وقد أطلَقَ عُلماؤُنا على المَريضةِ أنَّ المَذهبَ جَوازُ تَذكيتِها ولو أشرَفَتْ على المَوتِ إذا كانَتْ فيها بَقيةُ حَياةٍ، وليتَ شِعرِي أيُّ فَرقٍ بينَ بَقيةِ حَياةٍ مِنْ مَرضٍ وبَقيةِ حَياةٍ مِنْ سَبعٍ لو اتَّسقَ النَّظرُ وسَلِمَتْ مِنْ الشُّبهةِ الفِكَرُ.
وقالَ أبو عُمرَ: قد أجمَعُوا في المَريضةِ التي لا تُرجَى حَياتُها أنَّ ذبْحَها ذَكاةٌ لها إذا كانَتْ فيها الحَياةُ في حينِ ذَبحِها، وعُلِمَ ذلكَ منها بما ذَكَروا مِنْ حَركةِ يَدِها أو رِجلِها أو ذَنبِها أو نحوِ ذلكَ، وأجمَعُوا أنها إذا صارَتْ في حالِ النَّزعِ ولم تُحرِّكْ يَدًا ولا رِجلًا أنه لا ذَكاةَ فيها، وكذلكَ يَنبغي في القِياسِ أنْ يكونَ حُكمُ المُتردِّيةِ وما ذُكرَ معَها في الآيةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
آدابُ ومَكروهاتُ الذَّبحِ:
١ - يُكرهُ الذَّبحُ بالسكِّينِ الكَليلةِ؛ لِما فيه مِنْ تَعذيبِ الحَيوانِ، وهو مَنهيٌّ عنه؛ لأنه تَعذيبٌ للحَيوانِ؛ لقَولِه ﷺ : «إنَّ اللهَ كتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شَيءٍ، فإذا قَتلتُم فأَحسِنُوا القِتلةَ، وإذا ذَبحْتُم فأَحسِنُوا الذَّبحَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفرتَه ولْيُرحْ ذَبيحتَه» (٢).
٢ - ويُكرهُ أنْ يُحِدَّ الآلةَ والحَيوانُ يُبصرُه؛ لقَولِ ابنِ عُمرَ ﵄: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ أنْ تُحَدَّ الشِّفارُ، وأنْ تَوارَى عن البَهائمِ» (٣)،
стр. 11955
ولأنَّ البَهائمَ تُحسُّ بما يُجزَعُ منه، فإذا فعَلَ ذلكَ زادَ في ألَمِها، وذلكَ لا يَجوزُ.
٣ - ويُكرهُ أنْ يَجُرَّ برِجلِها إذا أرادَ ذبْحَها، ويُستحَبُّ أنْ يَسوقَها برِفقٍ ويُضجِعَها برِفقٍ ويَعرضَ عليهَا الماءَ قبلَ الذَّبحِ.
٤ - ويُكرهُ أنْ يَبلغَ بالسِّكينِ النُّخاعَ أو يَقطعَ الرَّأسَ، وتُؤكلُ ذَبيحتُه.
النُّخاعُ: عِرقٌ أبيَضُ في عَظمِ الرَّقبةِ.
٥ - ويُكرهُ أنْ يَكسرَ العُنقَ قبلَ زُهوقِ نَفسِه؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁: «بعَثَ النبيُّ ﷺ بُديلَ بنَ وَرقاءَ الخُزاعيَّ على جَملٍ أورَقَ، يَصيحُ في فِجاجِ مِنًى بكَلماتٍ، منها: لا تَعجَلَوا الأنفُسَ أنْ تُزهقَ، وأيامُ مِنًى أيامُ أكلٍ وشُربٍ وبِعالٍ» (١)، ولا يَحرمُ؛ لحُصولِه بعدَ الذَّبحِ، وقالَ البُخاريُّ: قالَ ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ: «إذا قطَعَ الرَّأسَ فلا بأسَ بهِ» (٢).
٦ - ويُكرهُ أنْ يَسلخَ جِلدَها قبلَ أنْ تَبْرُدَ (٣).
стр. 11956
كتاب الأطعمة
تَعريفُ الطَّعامِ:
الأطعِمةُ: جَمعُ طَعامٍ، قالَ الجَوهريُّ: الطَّعامُ: ما يُؤكلُ، وربَّما خُصَّ به البُرُّ، والأطعِمةُ جَمعُ قِلَّةٍ، لكنَّه بتَعريفِه بالألفِ واللَّامِ أفادَ العُمومَ (١).
والطَّعمُ -بالفَتحِ-: ما يُؤدِّيه ذوق الشَّيءِ مِنْ حَلاوةٍ ومَرارةٍ وغيرِهما، والطُّعمُ -بالضَّمِ-: الأكلُ، يُقالَ: طَعِمَ يَطعَمُ طُعمًا فهو طاعِمٌ إذا أكَلَ أو ذاقَ، مثلَ: غَنِمَ يَغنَمُ غُنمًا فهو غانِمٌ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: الطَّعامُ: ما يُؤكلُ ويُشربُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
стр. 11957
مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١).
والمُرادُ هُنا بَيانُ ما يَحرمُ أكلُه وشُربُه وما يُباحُ.
ولا يُمكِنُ حَصرُ أنواعِه، لكنَّ الأصلَ في الجَميعِ الحِلُّ، إلا ما يَستثنيهِ أحَدُ أُصولِ نَصِّ كِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ.
والأصلُ في إباحةِ الأطعِمةِ قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقولُ اللهِ تعالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧، ١٧٢]، وقولُه: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقولُه تعالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقولُه تعالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فجعَلَ الطَّيِّبَ صِفةً في المُباحِ عامَّةً تُميِّزُه عن المُحرَّمِ، وجعَلَ الخَبيثَ صِفةً في المُحرَّمِ تُميزُه عن المُباحِ.
والمُرادُ بالخَبيثِ هُنا: كُلُّ مُستخبَثٍ في العُرفِ؛ لأنه لو أرادَ به الحَرامَ لم يَكنْ جَوابًا؛ لأنهُم سَألُوهُ عمَّا يَحلُّ، فلو به أُريدَ الحرامُ وبالطَّيِّبِ الحَلالُ لَكانَ مَعناهُ: الحَلالُ هو الحَلالُ، وليسَ كذلكَ.
стр. 11958
فيباحُ كلُّ طَعامٍ طاهِرٍ لا مَضرَّةَ فيه مِنْ الحُبوبِ والثِّمارِ وغيرِها، ولا يُباحُ أكلُ النَّجاساتِ كالمَيتةِ والدَّمِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقَولِه ﷺ في الخَمرِ: «أَكفِئُوها فإنها رِجسٌ» (١).
وكذا البَولُ والرَّوثُ ولو طاهِرَينِ؛ لاستِقذارِهما، فإنِ اضطرَّ إليهما أو إلى أحَدِهما أُبيحَا؛ لقصَّةِ العُرَنيينَ.
ولا يُمكِنُ حَصرُ الطيِّباتِ كما قُلنا، إلا أنَّني أذكُرُ هُنا ما يَحرمُ مِنْ حَيوانِ البَرِّ والبَحرِ، وإنْ كانَ الأصلُ في كُلِّ شَيءٍ الحِلَّ، إلا ما جاءَ به نَصٌّ مِنْ قُرآنٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ أنه حَرامٌ.
ما يَحرمُ مِنْ حَيوانِ البَرِّ:
الأصلُ أنَّ جَميعَ حَيوانِ البَرِّ مِنْ الأنعامِ حَلالٌ أكلُه، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على إباحةِ لُحومِ الأنعامِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ (٢).
ولا يَحرمُ إلَّا ما ورَدَ فيه نَصٌّ بالحُرمةِ، ومِن ذلكَ ما يلي:
أولاً: الحُمُرُ الأهليَّةُ:
ذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والمالِكيةُ في المُعتمدِ إلى أنَّ الحِمارَ الأهلِيَّ لا يَجوزُ أكلُه وأنه مُحرَّمٌ؛ لِما ورَدَ مِنْ
стр. 11959
الأحاديثِ الكَثيرةِ الثابِتةِ عن النبيِّ ﷺ في حُرمتِه، منها ما رَواهُ ابنُ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى يومَ خَيبَرَ عن لُحومِ الحُمرِ الأهليَّةِ» (١).
وعن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن مُتعةِ النِّساءِ يومَ خَيبَرَ، وعن أَكلِ لُحومِ الحُمرِ الإنسِيةِ» (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما لَحمُ الحُمُرِ الإنسِيةِ فلا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ اليومَ في تَحريمِها، وعلى ذلكَ جَماعةُ السَّلفِ، إلا ابنَ عبَّاسٍ وعائِشةَ فإنهُما كانَا لا يَرَيانِ بأكلِها بأسًا ويَتأوَّلانِ قولَ اللهِ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، على الاختِلافِ في ذلكَ عن ابنِ عبَّاسٍ، والصَّحيحُ فيه ما عليهِ الناسُ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسيُّ ﵀: ولا خِلافَ اليومَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ أنَّ الحُمرَ الأهلِيةَ لا يَجوزُ أكلُها؛ لنَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ عنها، وعليهِ السَّلفُ (٤).
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ البِغالَ والحَميرَ الأهلِيةَ حَرامٌ أكلُها، إلا مالِكًا فإنه اختُلفَ عنه، فرُويَ عنه أنها مَكروهةٌ، إلا أنها
стр. 11960
مُغلَّظةُ الكَراهةِ جِدًّا فوقَ كَراهيةِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وقيلَ عنه: إنها مُحرَّمةٌ بالسُّنةِ دونَ تَحريمِ الخِنزيرِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لَحمُ الحُمرِ الأهلِيةِ حَرامٌ عندَنا، وبه قالَ جَماهيرُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ، قالَ الخَطابيُّ: هو قَولُ عامَّةِ العُلماءِ، قالَ: وإنما رُويَتِ الرُّخصةُ فيه عن ابنِ عبَّاسٍ، رواهُ عنه أبو داودَ في سُننِه، قلتُ: ورَواهُ عن ابنِ عبَّاسٍ البُخاريُّ في صَحيحِه كما سنُوضحُه إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وعندَ مالِكٍ ثَلاثُ رِواياتٍ في لَحمِها، أشهَرُها أنه مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ شَديدةً، والثانيةُ: حَرامٌ: والثالِثةُ: مُباحٌ، واحتَجَّ لابنِ عبَّاسٍ بقولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، وبحَديثِ غالِبِ بنِ أبجَرَ قالَ: «أصابَتْنا سَنةٌ، فلم يَكنْ في مالي شَيءٌ أطعمُ إلا الحُمرَ الأهلِيةَ، وقد كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ حرَّمَ لُحومَ الحُمرِ الأهلِيةِ، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ أصابَتْنا السَّنةُ، ولم يَكنْ في مالي ما أُطعِمُ أهلِي إلا سِمانَ حُمُرٍ، وإنكَ حرَّمْتَ الحُمرَ الأهليةَ، فقالَ: أَطعِمْ أهلَكَ مِنْ سَمينِ حُمُرِكَ، فإنما حرَّمتُها مِنْ أجلِ جَوَالِّ القَريةِ»، -يَعني بالجَوَالِّ التي تَأكلُ الجَلَّةَ، وهي العَذرةُ- رَواهُ أبو داودَ (٢)،
стр. 11961
واتَّفقَ الحُفاظُ على تَضعيفِه، قالَ الخطَّابيُّ والبَيهقيُّ وغَيرُهما: هو حَديثٌ يُختلَفُ في إسنادِه، يَعنُونَ مُضطربًا، قالَ البَيهقيُّ وغيرُه: وهذا الحَديثُ لا يُعارِضُ الأحاديثَ الصَّحيحةِ … ولو صَحَّ حُمِلَ على الأكلِ منها في حالِ الاضطِرارِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أكثَرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ تَحريمَ الحُمرِ الأهلِيةِ، قالَ أحمَدُ: خَمسةَ عشَرَ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ كَرِهُوها، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ اليومَ في تَحريمِها (٢).
وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: وأما الخَيلُ والبِغالُ والحَميرُ فالمَشهورُ أنها حَرامٌ، ولو كانَ الحِمارُ وَحشيًّا دجَنَ وصارَ يعمَلُ عليهِ عندَ مالِكٍ في «المُدوَّنة» خِلافًا لابنِ القاسِمِ (٣).
وقالَ المَواقُ ﵀: مِنْ «المُدوَّنة»: قالَ مالِكٌ: لا تُؤكلُ البِغالُ والخَيلُ والحُمرُ (٤).
وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: أكلُ الحُمرِ الأهلِيةِ مغلَّظٌ عندَ مالكٍ في الكَراهيةِ، وليسَ كالخِنزيرِ، ومِن أصحابِنا مَنْ يقولُ: هو مُحرَّمٌ، وكذلكَ البِغالُ، فدَليلُنا الظاهِرُ، ولأنه حَيوانٌ للرُّكوبِ كالخَيلِ (٥).
стр. 11962
أَلْبانُ الحُمرِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وألبانُ الحُمرِ مُحرَّمةٌ في قَولِ أكثَرِهم، ورخَّصَ فيها عَطاءٌ وطاوسٌ والزُّهريُّ، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ حُكمَ الألبانِ حُكمُ اللحمَانِ (١).
ثانياً: أكلُ البَغلِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على حُرمةِ أكلِ البِغالِ؛ لأنها مُتولِّدةٌ مِنْ الحُمرِ الأهلِيةِ، والمُتولِّدُ مِنْ الشيءِ له حُكمُه في التَّحريمِ، وهكذا إنْ تَولَّدَ مِنْ بينِ الأنسِيِّ والوَحشيِّ ولَدٌ فهو مُحرَّمٌ؛ تَغليبًا للتَّحريمِ، والسِّمْعُ المُتولِّدُ مِنْ بينِ الذِّئبِ والضَّبعِ مُحرَّمٌ، قالَ قَتادةُ: ما البَغلُ إلا شَيءٌ مِنْ الحِمارِ.
والدَّليلُ على تَحريمِه ما رواهُ جابرٌ ﵁ قالَ: «ذبَحْنَا يومَ خَيبَرَ الخَيلَ والبِغالَ والحَميرَ فنَهانَا رَسولُ اللهِ ﷺ عن البِغالِ والحَميرِ ولم يَنْهَنا عن الخَيلِ» (٢).
قالَ الإمامُ ابن هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ البِغالَ والحَميرَ الأهلِيةَ حَرامٌ أكلُها، إلا مالِكًا فإنه اختُلفَ عنه، فرُويَ عنه أنها مَكروهةٌ، إلا أنها مُغلَّظةُ الكَراهةِ جِدًّا فوقَ كَراهيةِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وقيلَ عنه: إنها مُحرَّمةٌ بالسُّنةِ دونَ تَحريمِ الخِنزيرِ (٣).
стр. 11963
وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: وأما الخَيلُ والبِغالُ والحَميرُ فالمَشهورُ أنها حَرامٌ، ولو كانَ الحِمارُ وَحشيًّا دجَنَ وصارَ يعمَلُ عليهِ عندَ مالِكٍ في «المُدوَّنة» خِلافًا لابنِ القاسِمِ (١).
ثالِثًا: أكلُ الخَيلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أكلِ الخَيلِ، هل هو مُباحٌ أم مَكروهٌ أم مُحرَّمٌ؟
فذهَبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى إباحةِ أكلِ الخَيلِ مُطلَقًا.
واستَدلُّوا على إباحةِ أكلِ لَحمِها بما رَواهُ جابر ﵁ أنه قالَ: «نَهَى النبيُّ ﷺ يومَ خَيبَرَ عن لُحومِ الحُمرِ ورخَّصَ في لُحومِ الخَيلِ» (٢).
وعن أسماءَ ﵂ قالَتْ: «ذبَحْنَا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فَرسًا ونَحنُ بالمَدينةِ فأكَلْناهُ» (٣).
ولأنه حَيوانٌ طاهِرٌ مُستَطابٌ ليسَ بذِي نابٍ ولا مِخلبٍ، فيَحلُّ كبَهيمةِ الأنعامِ، ولأنه دخَلَ في عُمومِ الآياتِ والأخبارِ المُبيحةِ (٤).
стр. 11964
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ إلى حُرمةِ أكلِ الخَيلِ، وعلى هذهِ الرِّوايةِ عندَ أبي حَنيفةَ أنه مَكروهٌ تَحريمًا.
واستدلَّ على عَدمِ جَوازِ أكلِ لَحمِ الفَرسِ بالكِتابِ والسُّنةِ ودَلالةِ الإجماعِ.
(أما) الكِتابُ العَزيزُ: فقَولُه جَلَّ شَأنُه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ففرَّقَ اللهُ بينَها وبينَ الأنعامِ، فإنَّ اللهَ ﵎ ذكَرَ الأنعامَ فيما تقدَّمَ ومَنافعَها وبالَغَ في ذلكَ بقَولِه تعالَى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥]، وكذا ذكَرَ فيما بعدَ هذهِ الآيةِ الشَّريفةِ مُتصِلًا بها مَنافعَ الماءِ المُنزَّلِ مِنْ السَّماءِ، والمَنافعَ المُتعلِّقةَ باللَّيلِ والنهارِ والشَّمسِ والقَمرِ والنُّجومِ، والمَنافعَ المُتعلِّقةَ بالبَحرِ، على سَبيلِ المُبالغةِ بَيانَ شِفاءٍ لا بَيانَ كِفايةٍ، وذكَرَ في هذهِ الآيةِ أنه خلَقَ الخَيلَ والبِغالَ والحَميرَ للرُّكوبِ والزِّينةِ، ذكَرَ مَنفعةَ الرُّكوبِ والزِّينةِ ولم يَذكرْ مَنفعةَ الأكلِ، فدَلَّ أنه ليسَ فيها مَنفعةٌ أُخرى سِوى ما ذكَرْناهُ، ولو كانَ هناكَ مَنفعةٌ أُخرى سِوى ما ذكَرْنا لم يُحتملْ أنْ لا يَذكرَها عندَ ذِكرِ المَنافعِ المُتعلِّقةِ بها على سَبيلِ المُبالَغةِ والاستِقصاءِ.
стр. 11965
فأخبَرَ عن المَقصودِ منها وهو الرُّكوبُ والتجمُّلُ بخِلافِ المَقصودِ مِنْ الأنعامِ.
وقولُه : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولَحمُ الخَيلِ ليسَ بطيِّبٍ بل هو خَبيثٌ؛ لأنَّ الطِّباعَ السَّليمةَ لا تَستطيبُه، بل تَستخبثُه، حتَّى لا تَجدُ أحَدًا تُركَ بطَبعِه إلا ويَستخبثُه ويُنقِّي طبْعَه عن أكلِه، وإنما يَرغبونَ في رُكوبِه ألا يَرغبَ طَبعُه فيما كانَ مَجبولًا عليهِ، وبه تَبيَّنَ أنَّ الشرعَ إنما جاءَ بإحلالِ ما هو مُستطابٌ في الطَّبعِ، لا بما هو مُستخبَثٌ، ولهذا لم يَجعَلِ المُستخبَثَ في الطَّبعِ غِذاءَ اليُسرِ، وإنما جعَلَ ما هو مُستطابٌ بلَغَ في الطِّيبِ غايَتَه.
ولأنَّ الخَيلَ آلةُ إرهابِ العَدوِّ، فيُكرهُ أكلُها؛ احتِرامًا لها، ولهذا يُضرَبُ للفَرسِ سَهمانِ في الغَنيمةِ، ولأنَّ في إباحتِها تَقليلًا للجِهادِ.
وأما لَبنُها فلا بأسَ به؛ لأنه ليسَ في شُربِه تَقليلًا للجِهادِ.
(وأمَّا) السُّنةُ: فما رُويَ عن جابرٍ ﵁ أنه قالَ: «لمَّا كانَ يومُ خَيبَرَ أصابَ الناسَ مَجاعةٌ، فأخَذُوا الحُمرَ الأهليةِ فذَبَحوها، فحرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ لُحومَ الحُمرِ الإنسِيةِ، ولُحومَ الخَيلِ والبِغالِ، وكُلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، وحرَّمَ الخِلسةَ والنُّهبةَ» (١).
وعن خالِدِ بنِ الوَليدِ ﵁ أنه قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن أكلِ لُحومِ الخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ» (٢).
стр. 11966
وفي لَفظٍ: «وحَرامٌ عَليكُم حُمرُ الأهليَّةِ وخَيلُها وبِغالُها وكلُّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلُّ ذي مِخلَبٍ مِنْ الطَّيرِ» (١)، وهذا نَصٌّ على التَّحريمِ.
وعن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «الخَيلُ لثَلاثةٍ، فهي لرَجلٍ سِتْرٌ، ولرَجلٍ أجرٌ، ولرَجلٍ وِزرٌ» (٢)، ولو صَلحَتْ للأكلِ لَقالَ ﵊: الخَيلُ لأربَعةٍ، لرُجلٍ سِتْرٌ، ولرَجلٍ أجرٌ، ولرَجلٍ وِزرٌ، ولرَجلٍ طَعامٌ.
(وأمَّا) دَلالةُ الإجماعِ: فهي أنَّ البَغلَ حَرامٌ بالإجماعِ، وهو وَلدُ الفَرسِ، فلو كانَتْ أمُّه حَلالًا لَكانَ هو حَلالًا أيضًا؛ لأنَّ حُكمَ الوَلدِ حُكمُ أمِّه؛ لأنه مِنها وهو كبَعضِها، ألَا تَرَى أنَّ حِمارَ وَحشٍ لو نُزِّيَ على حِمارةٍ أهلِيةٍ فوَلَدتْ لم يُؤكلْ وَلدُها؟! ولو نَزَا حِمارٌ أهليٌّ على حِمارةٍ وَحشيةٍ وولَدَتْ يُؤكلُ وَلدُها؟! ليُعلَمَ أنَّ حُكمَ الوَلدِ حُكمُ أمِّه في الحِلِّ والحُرمةِ دونَ الفَحلِ، فلما كانَ لَحمُ الفَرسِ حَرامًا كانَ لَحمُ البغلِ كذلكَ.
ولأنه ذُو حافرٍ، فَجازَ أنْ يَتعلقَ المَنعُ بأكلِه كالحَميرِ والبِغالِ، ولأنَّ الخَيلَ يُحتاجُ إليها للجِهادِ، وفي إباحةِ أكلِها تَطرُّقٌ إلى انقِطاعِ نَسلِها.
وما رُويَ في بَعضِ الرِّواياتِ عن جابرٍ وما في رِوايةٍ سيِّدتِنا أسماءَ ﵂ يُحتملُ أنه كانَ ذلكَ في الحالِ التي كانَ يُؤكلُ فيها الحُمرُ؛ لأنَّ
стр. 11967
النبيَّ ﵊ إنما نهَى عن أكلِ لُحومِ الحُمرِ يومَ خَيبَرَ، وكانَتِ الخَيلُ تُؤكلُ في ذلكَ الوَقتِ ثم حُرِّمتْ، يَدلُّ عليهِ ما رُويَ عن الزُّهريِّ أنه قالَ: ما عَلِمْنا الخيلَ أُكلَتْ إلا في حِصارٍ.
وعن الحَسنِ ﵁ أنه قالَ: «كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَأكلونَ لُحومَ الخَيلِ في مَغازيهِم»، فهذا يَدلُّ على أنهُم كانُوا يَأكلونَها في حالِ الضَّرورةِ كما قالَ الزُّهريُّ ﵀، أو يُحملُ على هذا؛ عَملًا بالدَّليلِ صِيانةً لها عن التَّناقضِ، أو يَترجَّحُ الحاظِرُ على المُبيحِ احتِياطًا، وهذا الذي ذكَرْنا حُجَجُ أبي حَنيفةَ ﵁ على رِوايةِ الحَسنِ أنه يَحرمُ أكلُ لَحمِ الخَيلِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ إلى كَراهةِ أكلِ لُحومِ الخَيلِ؛ لاختِلافِ الأحاديثِ المَرويةِ في البابِ واختلافِ السلَفِ، فكَرِهَ أكْلَ لَحمِه احتِياطًا لبابِ الحُرمةِ (٢).
стр. 11968
أكلُ كُلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، هل يَحلُّ أكلُه أم لا؟
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنهُ يُكرهُ أكلُ سِباعِ الوَحشِ مِنْ غيرِ تَحريمٍ، كالسَّبعِ والثَّعلبِ والذِّئبِ والضَّبعِ والهِرِّ الوَحشيِّ ولا الأنسِيِّ ولا شَيئًا مِنْ السِّباعِ وفِيلٍ.
والدَّليلُ على أنَّ السِّباعَ ليسَتْ بمُحرَّمةٍ كالخِنزيرِ اختِلافُ الصَّحابةِ فيها، وقد كانَ ابنُ عبَّاسٍ وعائِشةُ إذا سُئِلا عن أكلِها احتَجَّا بقَولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، ولا يَجوزُ أنْ يَذهبَ التَّحريمُ على مِثلِ ابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ مع مَكانِهما مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ويُدرِكَه غيرَهُما، ولا يَجوزُ أنْ يُنسخَ القُرآنُ بالسُّنةِ إلا بتاريخٍ مُتفَقٍ عليهِ، فوجَبَ مع هذا الخِلافِ ألا نُحرِّمَها كالمَيتةِ، ونَكرهُها؛ لأنه لو ثبَتَ تَحريمُها لَوجَبَ نَقلُه مِنْ حَيثُ يُقطعُ العُذرُ، وقد رُويَ عن الرَّسولِ أنه أجازَ أكْلَ الضَّبعِ وهو ذُو نابٍ، فبانَ بهذا أنه ﷺ أرادَ بتَحريمِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ الكَراهيةَ، فبانَ أنَّ النهيَ الوارِدَ في الأحاديثِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ نَهيُ كَراهةٍ وليسَ تَحريمٌ.
ولأنَّ كلَّ حَيوانٍ يَطهرُ جِلدُه بذَبحِه فلا يَحرمُ أكلُه (١).
стр. 11969
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والإمامُ مالكٌ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَحلُّ أكلُ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ولا ذِي مِخلبٍ مِنْ الطيرِ؛ لِما رواهُ الشَّيخانِ عن أبي ثَعلبةَ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» (١).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كلُّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ فأكلُه حَرامٌ» (٢).
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: المِخلبُ -بكَسرِ المِيمِ وفَتحِ اللَّامِ- قالَ أهلُ اللُّغةِ: المِخلبُ للطَّيرِ والسِّباعِ بمَنزلةِ الظُّفرِ للإنسانِ في هذهِ الأحاديثِ دَلالةٌ لمَذهبِ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ وداودَ والجُمهورِ أنه يَحرمُ أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ (٤).
стр. 11970
فهذهِ الأحادِيثُ نَصٌّ صَريحٌ على حُرمةِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ومِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ الحَديثَ: وفيهِ مِنْ الفِقهِ أنَّ النهيَ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ نهيُ تَحريمٍ لا نهيُ أدَبٍ وإرشادٍ، ولو لم يَأتِ هذا اللَّفظِ عن النبيِّ ﷺ لَكانَ الواجِبُ في النَّظرِ أنْ يَكونَ نَهيُه ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ نَهيَ تَحريمٍ، فكيفَ وقد جاءَ مُفسَّرًا في هذا الخبَرِ؛ لأنَّ النهيَ حَقيقتُه الإبعادُ والزَّجرُ والانتهاءُ، وهذا غايةُ التَّحريمِ؛ لأنَّ التَّحريمَ في كَلامِ العَربِ الحِرمانُ والمَنعُ …
إلا أنَّ بعضَ أصحابِنا زعَمَ أنَّ النهيَ عن ذلكَ نَهيُ تَنزُّهٍ وتَقذُّرٍ، ولا أدرِي ما معنَى قَولِه: «نَهيُ تَنزُّهٍ وتَقذُّرٍ»، فإنْ أرادَ به نَهيَ أدَبٍ فهذا ما لا يُوافَقُ عليهِ، وإنْ أرادَ أنَّ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ يَجبُ التنزُّهُ عنه كما يَجبُ التنزُّهُ عن النَّجاسةِ والأقذارِ فهذا غايةٌ في التَّحريمِ؛ لأنَّ المُسلمينَ لا يَختلفونَ في أنَّ النَّجاساتِ مُحرَّماتُ العَينِ أشَدَّ التَّحريمِ لا يَحلُّ استِباحةُ أكلِ شَيءٍ منها، ولم يُرِدْه القائِلونَ مِنْ أصحابِنا ما حَكَيْنا هذا عنهُم، ولكنَّهم أرادُوا: الوجهُ الذي عندَ أهلِ العِلمِ نَدبٌ وأدبٌ؛ لأنَّ بعضَهم احتَجَّ بظاهِرِ قَولِ اللهِ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، وذُكرَ أنَّ مِنْ الصَّحابةِ مَنْ استَعملَ هذهِ الآيةَ ولم يُحرِّمْ ما عدَاها، فكأنَّه لا حَرامَ عندَه على طاعِمٍ إلا ما ذُكرَ في هذهِ الآيةِ، ويَلزمُه على أصلِه هذا أنْ يُحِلَّ أكْلَ
стр. 11971
الحُمرِ الأهلِيةِ، وهو لا يَقولُ هذا في الحُمرِ الأهليةِ؛ لأنه لا تَعملُ الذَّكاةُ عندَه في لُحومِها ولا في جُلودِها، ولو لم يَكنْ عندَه مُحرَّمًا إلا ما في هذهِ الآيةِ لَكانَتِ الحُمرُ الأهلِيةُ عندَه حَلالًا، وهو لا يَقولُ هذا ولا أحَدٌ مِنْ أصحابِه، وهذهِ مُناقَضةٌ (١).
فليسَ في قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] حُجةٌ لمَن خالَفَنا؛ لأنَّ سُورةَ الأنعَام مَكيَّةٌ، وقد نزَلَ بعدَ هذا قُرآنٌ فيه أشياءُ مُحرَّماتٌ، ونزَلَتْ سُورةُ المائِدَة بالمَدينةِ وهيَ مِنْ آخِرِ ما نزَلَ، وفيها تَحريمُ الخَمرِ وتَحريمُ المُنخنِقةِ والمَوقوذةِ والمُتردِّيةِ والنَّطيحةِ، وحرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ البُيوعِ أشياءَ كَثيرةً، ونَهيُه ﷺ عن أكلِ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ كانَ بالمَدينةِ؛ لأنه رواهُ عنهُ مُتأخِّرُو أصحابِه أبو هُريرةَ وأبو ثَعلبةَ وابنُ عبَّاسٍ ﵃، وقد حرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ نِكاحَ المَرأةِ على عَمَّتِها وخالَتِها، ولم يَقلْ أحَدٌ مِنْ العُلماءِ أنَّ قولَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يُعارِضُ ذلكَ، بل جعَلُوا نَهيَه عن نِكاحِ المَرأةِ على عَمَّتِها وخالتِها زِيادةَ بَيانٍ على ما في الكِتابِ.
فذُو النابِ مِنْ السِّباعِ الأسدُ والذِّئبُ والنَّمرُ والفَهدُ والثَّعلبُ والضَّبعُ والكَلبُ والسِّنورُ البَريُّ والأهليُّ وكذلكَ الفيلُ وابنُ عُرسٍ مِنْ جُملةِ ذِي النابِ ونَحوُها، وذو المِخلبِ مِنْ الطُّيورِ الصَّقرُ والبازِي والنِّسرُ والعُقابُ والشاهينُ ونحوُها.
стр. 11972
وما سِوى ذلكَ مِنْ المُستوحشِ مِنْ البَهائمِ والطُّيورِ فهو حَلالٌ كالظَّبيِ وبَقرِ الوَحشِ وحُمرِ الوَحشِ والإبلِ ونَحوِها.
ومِن الطُّيورِ الحَمامُ والعُصفورُ والعقعقُ وغُرابُ الزَّرعِ الذي يَأكلُ الزَّرعَ ولا يَأكلُ الجِيفَ ونَحوَها، إلا أنه يُكرهُ أكلُ الغُرابِ الأبقَعِ والغُرابِ الأسوَدِ الذي يَأكلُ الجِيفَ (١).
أكلُ الضَّبعِ والثَّعلبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ الذين قالَوا بتَحريمِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، هل يَشملُ هذا الضَّبعَ والثَّعلبَ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ -والحَنابلةُ في المَذهبِ في الضَّبعِ- وهو قَولُ المالِكيةِ كما تَقدَّمَ- إلى أنه لا يَحرمُ الضَّبعُ، وكذا الثعلبُ.
قالَ الشافِعيةُ: المُحرَّمُ مِنْ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ما كانَ يَعدُو على الناسِ ويَفترسُ، مثلُ الأسَدِ والذِّئبِ والنَّمرِ والكَلبِ العادِي وشَبهِه ممَّا في طَبعِه في الأغلَبِ أنْ يَعدُو، وما لم يَكنْ يَعدُو فلمْ يَدخلْ في النَّهيِ، فلا بأسَ بأكلِه كالضَّبعِ والثعلبِ.
стр. 11973
لِما رواه عَبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمَّارٍ قالَ: «سَألتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الضَّبُعِ أصَيدٌ هوَ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: آكُلُها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أشَيءٌ سَمعتَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: نعمْ» (١).
وهذا نَصٌّ، وقد ورَدَ عن الصَّحابةِ فيه ما صارَ في الحُجةِ كالإجماعِ، فرُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ ﵄ أنهما قالَا: «الضَّبعُ حَلالٌ»، وقالَ أبو هُريرةَ ﵁: «الضَّبعُ شاةٌ مِنْ الضَّأنِ»، وقالَ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ ﵁: «الضَّبعُ أحَبُّ إليَّ مِنْ دَجاجةٍ سَمينةٍ»، وقدِ انتَشرَ هذا عنهُم ولم يَظهرْ مُخالِفٌ لهُم، فكانَ مُتردِّدًا بينَ أنْ يكونَ إجماعًا أو حُجةً في كُلِّ واحِدٍ منهُما دَليلٌ، ولأنه حَيوانٌ لا يَنجسُ بالذَّبحِ، فوجَبَ أنْ يَحلَّ أكلُه كالنَّعَمِ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ -والحَنابلةُ في قَولٍ- إلى أنَّ الضَّبعَ سَبعٌ ذو نابٍ، وكذا الثَّعلبُ في الأصَحِّ عندَ الحَنابلةِ، فيَدخلُ تحتَ الأحاديثِ المَشهورةِ، منها ما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي ثَعلبةَ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» (٣).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كلُّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ فأكلُه حَرامٌ» (٤).
стр. 11974
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (١).
وما رُويَ ليسَ بمَشهورٍ، فالعَملُ بالمَشهورِ أَولى، على أنَّ ما روينَا مُحرِّمٌ، وما رَواهُ مُحلِّلٌ، والمُحرِّمُ يَقضِي على المُبيحِ احتِياطًا (٢).
ومالَ ابنُ القَيِّمِ لمَذهبِ الشافِعيِّ في الضَّبعِ، فقالَ ﵀: الفَرقُ بينَ الضَّبعِ وغيرِه مِنْ كلِّ ذِي نابٍ يُوافقُ القِياسَ.
وأمَّا قولُهم: «وحرَّمَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وأباحَ الضَّبعَ ولها نابٌ» فلا رَيبَ أنه حَرَّمَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وإنْ كانَ بعضُ العُلماءِ خَفيَ عليهِ تَحريمُه فقالَ بمَبلغِ عِلمِه: «وأما الضَّبعُ فرُويَ عنهُ فيها حَديثٌ صحَّحَه كثيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ»، فذَهَبوا إليهِ وجَعَلوهُ مُخصِّصًا لعُمومِ أحاديثِ التَّحريمِ، كما خصَّتِ العَرايَا لأحاديثِ المُزابَنةِ، وطائِفةٌ لم تُصحِّحْه وحَرَّموا الضَّبعَ؛ لأنها مِنْ جُملةِ ذاتِ الأنيابِ، وقالَوا: «وقد تَواترَتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ بالنهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وصحَّتْ صِحَّةً لا مَطعنَ فيها، مِنْ حَديثِ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وأبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ».
стр. 11975
قالُوا: وأما حَديثُ الضَّبعُ فتَفرَّدَ به عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمارةَ، وأحادِيثُ تَحريمِ ذَواتِ الأنيابِ كلُّها تُخالِفُه، قالَوا: ولَفظُ الحَديثِ يَحتملُ مَعنيَينِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ جابرٌ رفَعَ الأكلَ إلى النبيِّ ﷺ ، وأنْ يَكونَ إنما رفَعَ إليه كَونَها صَيدًا فقطْ، ولا يَلزمُ مِنْ كَونِها صَيدًا جَوازُ أكلِها، فظَنَّ جابرٌ أنَّ كونَها صَيدًا يَدلُّ على أكلِها، فأفتَى به مِنْ قَولِه ورفَعَ إلى النبيَّ ﷺ ما سَمِعَه مِنْ كَونِها صَيدًا.
ونَحنُ نَذكرُ لفْظَ الحَديثِ ليَتبيَّنَ ما ذكَرْناهُ، فرَوى التِّرمذيُّ في جَامعِه مِنْ حَديثِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ اللَّيثيِّ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عمارةَ قالَ: «قلتُ لجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ: آكُلُ الضَّبعَ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: أصَيدٌ هيَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أسَمعْتَ ذلكَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نَعمْ» قالَ التِّرمذيُّ: سَألتُ مُحمدَ بنَ إسماعِيلَ عن هذا الحَديثِ فقالَ: هو صَحيحٌ، وهذا يَحتملُ أنَّ المَرفوعَ منهُ هو كَونُها صَيدًا، ويَدلُّ على ذلكَ أنَّ جَريرَ بنَ حازمٍ قالَ: عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ عن ابنِ أبي عمارةَ عن جابرٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنه سُئلَ عن الضبُعِ فقالَ: هي صَيدٌ وفيها كَبشٌ»، قالَوا: وكذلكَ حَديثُ إبراهيمَ الصائغِ عن عَطاءٍ عن جابرٍ يَرفعُه: «الضَّبعُ صَيدٌ، فإذا أصابَه المُحرِمُ ففيهِ جَزاءٌ كَبشٌ مُسِنُّ، ويُؤكلُ»، قالَ الحاكِمُ: حَديثٌ صَحيحٌ، وقولُه: «ويُؤكلُ» يَحتملُ الوَقفَ والرَّفعَ، وإذا احتَملَ ذلكَ لم تُعارَضْ به الأحاديثُ الصَّحيحةُ الصَّريحةُ التي تَبلغُ مَبلغَ التَّواترِ في التَّحريمِ.