← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

الحُمرِ الأهلِيةِ، وهو لا يَقولُ هذا في الحُمرِ الأهليةِ؛ لأنه لا تَعملُ الذَّكاةُ عندَه في لُحومِها ولا في جُلودِها، ولو لم يَكنْ عندَه مُحرَّمًا إلا ما في هذهِ الآيةِ لَكانَتِ الحُمرُ الأهلِيةُ عندَه حَلالًا، وهو لا يَقولُ هذا ولا أحَدٌ مِنْ أصحابِه، وهذهِ مُناقَضةٌ (١). فليسَ في قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] حُجةٌ لمَن خالَفَنا؛ لأنَّ سُورةَ الأنعَام مَكيَّةٌ، وقد نزَلَ بعدَ هذا قُرآنٌ فيه أشياءُ مُحرَّماتٌ، ونزَلَتْ سُورةُ المائِدَة بالمَدينةِ وهيَ مِنْ آخِرِ ما نزَلَ، وفيها تَحريمُ الخَمرِ وتَحريمُ المُنخنِقةِ والمَوقوذةِ والمُتردِّيةِ والنَّطيحةِ، وحرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنْ البُيوعِ أشياءَ كَثيرةً، ونَهيُه ﷺ عن أكلِ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ كانَ بالمَدينةِ؛ لأنه رواهُ عنهُ مُتأخِّرُو أصحابِه أبو هُريرةَ وأبو ثَعلبةَ وابنُ عبَّاسٍ ﵃، وقد حرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ نِكاحَ المَرأةِ على عَمَّتِها وخالَتِها، ولم يَقلْ أحَدٌ مِنْ العُلماءِ أنَّ قولَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يُعارِضُ ذلكَ، بل جعَلُوا نَهيَه عن نِكاحِ المَرأةِ على عَمَّتِها وخالتِها زِيادةَ بَيانٍ على ما في الكِتابِ. فذُو النابِ مِنْ السِّباعِ الأسدُ والذِّئبُ والنَّمرُ والفَهدُ والثَّعلبُ والضَّبعُ والكَلبُ والسِّنورُ البَريُّ والأهليُّ وكذلكَ الفيلُ وابنُ عُرسٍ مِنْ جُملةِ ذِي النابِ ونَحوُها، وذو المِخلبِ مِنْ الطُّيورِ الصَّقرُ والبازِي والنِّسرُ والعُقابُ والشاهينُ ونحوُها.

стр. 11972

وما سِوى ذلكَ مِنْ المُستوحشِ مِنْ البَهائمِ والطُّيورِ فهو حَلالٌ كالظَّبيِ وبَقرِ الوَحشِ وحُمرِ الوَحشِ والإبلِ ونَحوِها. ومِن الطُّيورِ الحَمامُ والعُصفورُ والعقعقُ وغُرابُ الزَّرعِ الذي يَأكلُ الزَّرعَ ولا يَأكلُ الجِيفَ ونَحوَها، إلا أنه يُكرهُ أكلُ الغُرابِ الأبقَعِ والغُرابِ الأسوَدِ الذي يَأكلُ الجِيفَ (١). أكلُ الضَّبعِ والثَّعلبِ: اختَلفَ الفُقهاءُ الذين قالَوا بتَحريمِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، هل يَشملُ هذا الضَّبعَ والثَّعلبَ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ -والحَنابلةُ في المَذهبِ في الضَّبعِ- وهو قَولُ المالِكيةِ كما تَقدَّمَ- إلى أنه لا يَحرمُ الضَّبعُ، وكذا الثعلبُ. قالَ الشافِعيةُ: المُحرَّمُ مِنْ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ما كانَ يَعدُو على الناسِ ويَفترسُ، مثلُ الأسَدِ والذِّئبِ والنَّمرِ والكَلبِ العادِي وشَبهِه ممَّا في طَبعِه في الأغلَبِ أنْ يَعدُو، وما لم يَكنْ يَعدُو فلمْ يَدخلْ في النَّهيِ، فلا بأسَ بأكلِه كالضَّبعِ والثعلبِ.

стр. 11973

لِما رواه عَبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمَّارٍ قالَ: «سَألتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن الضَّبُعِ أصَيدٌ هوَ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: آكُلُها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أشَيءٌ سَمعتَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: نعمْ» (١). وهذا نَصٌّ، وقد ورَدَ عن الصَّحابةِ فيه ما صارَ في الحُجةِ كالإجماعِ، فرُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ ﵄ أنهما قالَا: «الضَّبعُ حَلالٌ»، وقالَ أبو هُريرةَ ﵁: «الضَّبعُ شاةٌ مِنْ الضَّأنِ»، وقالَ أبو سَعيدٍ الخُدريُّ ﵁: «الضَّبعُ أحَبُّ إليَّ مِنْ دَجاجةٍ سَمينةٍ»، وقدِ انتَشرَ هذا عنهُم ولم يَظهرْ مُخالِفٌ لهُم، فكانَ مُتردِّدًا بينَ أنْ يكونَ إجماعًا أو حُجةً في كُلِّ واحِدٍ منهُما دَليلٌ، ولأنه حَيوانٌ لا يَنجسُ بالذَّبحِ، فوجَبَ أنْ يَحلَّ أكلُه كالنَّعَمِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ -والحَنابلةُ في قَولٍ- إلى أنَّ الضَّبعَ سَبعٌ ذو نابٍ، وكذا الثَّعلبُ في الأصَحِّ عندَ الحَنابلةِ، فيَدخلُ تحتَ الأحاديثِ المَشهورةِ، منها ما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي ثَعلبةَ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» (٣). وعن أبي هُريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كلُّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ فأكلُه حَرامٌ» (٤).

стр. 11974

وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (١). وما رُويَ ليسَ بمَشهورٍ، فالعَملُ بالمَشهورِ أَولى، على أنَّ ما روينَا مُحرِّمٌ، وما رَواهُ مُحلِّلٌ، والمُحرِّمُ يَقضِي على المُبيحِ احتِياطًا (٢). ومالَ ابنُ القَيِّمِ لمَذهبِ الشافِعيِّ في الضَّبعِ، فقالَ ﵀: الفَرقُ بينَ الضَّبعِ وغيرِه مِنْ كلِّ ذِي نابٍ يُوافقُ القِياسَ. وأمَّا قولُهم: «وحرَّمَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وأباحَ الضَّبعَ ولها نابٌ» فلا رَيبَ أنه حَرَّمَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وإنْ كانَ بعضُ العُلماءِ خَفيَ عليهِ تَحريمُه فقالَ بمَبلغِ عِلمِه: «وأما الضَّبعُ فرُويَ عنهُ فيها حَديثٌ صحَّحَه كثيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ»، فذَهَبوا إليهِ وجَعَلوهُ مُخصِّصًا لعُمومِ أحاديثِ التَّحريمِ، كما خصَّتِ العَرايَا لأحاديثِ المُزابَنةِ، وطائِفةٌ لم تُصحِّحْه وحَرَّموا الضَّبعَ؛ لأنها مِنْ جُملةِ ذاتِ الأنيابِ، وقالَوا: «وقد تَواترَتِ الآثارُ عن النبيِّ ﷺ بالنهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وصحَّتْ صِحَّةً لا مَطعنَ فيها، مِنْ حَديثِ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وأبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ».

стр. 11975

قالُوا: وأما حَديثُ الضَّبعُ فتَفرَّدَ به عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمارةَ، وأحادِيثُ تَحريمِ ذَواتِ الأنيابِ كلُّها تُخالِفُه، قالَوا: ولَفظُ الحَديثِ يَحتملُ مَعنيَينِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ جابرٌ رفَعَ الأكلَ إلى النبيِّ ﷺ ، وأنْ يَكونَ إنما رفَعَ إليه كَونَها صَيدًا فقطْ، ولا يَلزمُ مِنْ كَونِها صَيدًا جَوازُ أكلِها، فظَنَّ جابرٌ أنَّ كونَها صَيدًا يَدلُّ على أكلِها، فأفتَى به مِنْ قَولِه ورفَعَ إلى النبيَّ ﷺ ما سَمِعَه مِنْ كَونِها صَيدًا. ونَحنُ نَذكرُ لفْظَ الحَديثِ ليَتبيَّنَ ما ذكَرْناهُ، فرَوى التِّرمذيُّ في جَامعِه مِنْ حَديثِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ اللَّيثيِّ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عمارةَ قالَ: «قلتُ لجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ: آكُلُ الضَّبعَ؟ قالَ: نَعمْ، قلتُ: أصَيدٌ هيَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أسَمعْتَ ذلكَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نَعمْ» قالَ التِّرمذيُّ: سَألتُ مُحمدَ بنَ إسماعِيلَ عن هذا الحَديثِ فقالَ: هو صَحيحٌ، وهذا يَحتملُ أنَّ المَرفوعَ منهُ هو كَونُها صَيدًا، ويَدلُّ على ذلكَ أنَّ جَريرَ بنَ حازمٍ قالَ: عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ عن ابنِ أبي عمارةَ عن جابرٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنه سُئلَ عن الضبُعِ فقالَ: هي صَيدٌ وفيها كَبشٌ»، قالَوا: وكذلكَ حَديثُ إبراهيمَ الصائغِ عن عَطاءٍ عن جابرٍ يَرفعُه: «الضَّبعُ صَيدٌ، فإذا أصابَه المُحرِمُ ففيهِ جَزاءٌ كَبشٌ مُسِنُّ، ويُؤكلُ»، قالَ الحاكِمُ: حَديثٌ صَحيحٌ، وقولُه: «ويُؤكلُ» يَحتملُ الوَقفَ والرَّفعَ، وإذا احتَملَ ذلكَ لم تُعارَضْ به الأحاديثُ الصَّحيحةُ الصَّريحةُ التي تَبلغُ مَبلغَ التَّواترِ في التَّحريمِ.

стр. 11976

قالُوا: ولو كانَ حَديثُ جابرٍ صَريحًا في الإباحةِ لَكانَ فَردًا، وأحاديثُ تَحريمِ ذَواتِ الأنيابِ مُستفيضةٌ مُتعدِّدةٌ، ادَّعى الطَّحاويُّ وغيرُه تَواترَها، فلا يُقدَّمُ حَديثُ جابرٍ عليهَا. قالُوا: والضَّبعُ مِنْ أخبَثِ الحَيوانِ وأشرَهِه، وهو مُغرًى بأكلِ لُحومِ الناسِ ونَبشِ قُبورِ الأمواتِ وإخراجِهِم وأكلِهِم، ويَأكلُ الجِيَفَ ويَكسرُ بنابِه، قالَوا: واللهُ سُبحانَه قد حرَّمَ علينا الخَبائثَ، وحرَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ ذَواتَ الأنيابِ، والضَّبعُ لا يَخرجُ عن هذا وهذا. وقالُوا: وغايةُ حَديثِ جابرٍ يَدلُّ على أنها صَيدٌ يُفدَى في الإحرامِ، ولا يَلزمُ مِنْ ذلكَ أكلُها، وقد قالَ بَكرُ بنُ مُحمدٍ: سُئلَ أبو عبدُ اللهِ -يعنِي الإمامَ أحمَدَ- عن مُحرِمٍ قتَلَ ثَعلبًا فقالَ: عليهِ الجَزاءُ، هي صَيدٌ، ولكنْ لا يُؤكلُ، وقالَ جَعفرُ بنُ مُحمدٍ: سَمِعتُ أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن الثَّعلبِ فقالَ: الثعلبُ سَبُعٌ، فقدْ نَصَّ على أنه سَبعٌ وأنه يُفدَى في الإحرامِ، ولمَّا جعَلَ النبيُّ ﷺ في الضَّبعَ كَبشًا ظَنَّ جابرٌ أنه يُؤكلُ فأفتَى بهِ. والذينَ صَحَّحوا الحَديثَ جَعَلوهُ مُخصِّصًا لعُمومِ تَحريمِ ذي النابِ مِنْ غيرِ فَرقٍ بينَهُما، حتى قالُوا: «ويَحرمُ أكلُ كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ إلا الضَّبعَ»، وهذا لا يَقعُ مِثلُه في الشَّريعةِ، أنْ يُخصِّصَ مِثلًا على مِثلٍ مِنْ كلِّ وجهِ مِنْ غَيرِ فُرقانٍ بينَهُما. وبحَمدِ اللهِ إلى ساعَتِي هذهِ ما رَأيتُ في الشَّريعةِ مَسألةً واحِدةً كذلكَ -أعنِي شَريعةَ التَّنزيلِ، لا شَريعةَ التأويلِ-، ومَن تأمَّلَ ألفاظَه ﷺ

стр. 11977

الكَريمةَ تبيَّنَ له اندِفاعُ هذا السُّؤالِ؛ فإنه إنما حرَّمَ ما اشتَملَ على الوَصفينِ: أنْ يَكونَ له نابٌ، وأنْ يكونَ مِنْ السِّباعِ العادِيَةِ بطَبعِها كالأسَدِ والذِّئبِ والنَّمرِ والفَهدِ، وأما الضَّبعُ فإنَّما فيها أحَدُ الوَصفينِ: وهو كَونُها ذاتُ نابٍ، وليسَتْ مِنْ السِّباعِ العاديَةِ، ولا رَيبَ أنَّ السِّباعَ أخَصُّ مِنْ ذَواتِ الأنيابِ، والسَّبعُ إنما حُرِّمَ لِما فيه مِنْ القُوةِ السَّبُعيةِ التي تُورثُ المُغتذِّي بها شبَهَها؛ فإنَّ الغاذِيَ شَبيهٌ بالمُغتذِّي، ولا رَيبَ أنَّ القُوةَ السبُعيةَ التي في الذِّئبِ والأسَدِ والنَّمرِ والفَهدِ ليسَتْ في الضَّبعُ حتى تَجبَ التَّسويةُ بينَهُما في التَّحريمِ، ولا تُعَدُّ الضبعُ مِنْ السِّباعِ لُغةً ولا عُرفًا، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا في الضَّبعِ والثَّعلبِ: فقالَ أبو حَنيفةَ لا يَحلُّ أكلُهُما، وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: هُما مُباحانِ. وقالَ أحمَدُ: الضَّبعُ مُباحٌ رِوايةً واحِدةً. وفي الثَّعلبِ رِوايتانِ: إحداهُما: تَحريمُه، وهيَ التي اختارَها الخَلَّالُ، والأُخرى: إباحَتُه، وهيَ اختِيارُ عبدِ العَزيزِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما المُحرَّماتُ لعَينِها المُختلَفُ فيها فأربَعةٌ: أحَدُها: لُحومُ السِّباعِ مِنْ الطَّيرِ ومِن ذَواتِ الأربَعِ … فرَوى ابنُ القاسِمِ عن مالكٍ أنها مَكروهةٌ، وعلى هذا القَولِ عوَّلَ جُمهورُ أصحابِه، وهو المَنصورُ عِندَهم، وذكَرَ مالكٌ في «المُوطَّأ» ما

стр. 11978

دَليلُه أنها عندَه مُحرَّمةٌ؛ وذلكَ أنه قالَ بعَقبِ حَديثِ أبي هُريرةَ عن النبيِّ ﵊ أنه قالَ: «أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ حَرامٌ»: وعلى ذلكَ الأمرُ عندَنا، وإلى تَحريمِها ذهَبَ الشافِعيُّ وأشهَبُ وأصحابُ مالِكٍ وأبو حَنيفةَ. إلا أنهُم اختَلفُوا في جِنسِ السِّباعِ المُحرَّمةِ: فقالَ أبو حَنيفةَ: كلُّ ما أكَلَ اللَّحمَ فهو سَبعٌ، حتَّى الفيلُ والضَّبعُ واليَربوعُ عندَه مِنْ السِّباعِ، وكذلكَ السُّنورُ. وقالَ الشافِعيُّ: يُؤكلُ الضَّبعُ والثعلبُ، وإنما السِّباعُ المُحرَّمةُ التي تَعدُو على الناسِ كالأسَدِ والنَّمرِ والذِّئبِ. وكلا القَولينِ في المَذهبِ، وجُمهورُهم على أنَّ القِردَ لا يُؤكلُ ولا يُنتفعُ بهِ، وعندَ الشافِعيِّ أيضًا أنَّ الكَلبَ حَرامٌ لا يُنتفعُ به؛ لأنه فَهِمَ مِنْ النهيِ عن سُؤرِه نَجاسةَ عَينِه. وسَببُ اختِلافِهم في تَحريمِ لُحومِ السِّباعِ مِنْ ذَواتِ الأربَعِ مُعارَضةُ الكِتابِ للآثارِ؛ وذلكَ أنَّ ظاهِرَ قولِه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة: أنَّ ما عَدَا المَذكورَ في هذهِ الآيةِ حَلالٌ. وظاهِرُ حَديثِ أبي ثَعلبةَ الخُشنيِّ أنه قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن أكلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» أنَّ السِّباعَ مُحرَّمةٌ، هكذا رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ.

стр. 11979

وأما مالِكٌ فما رَواهُ في هذا المَعنى مِنْ طَريقِ أبي هُريرةَ هو أبيَنُ في المُعارَضةِ، وهو أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ حَرامٌ»، وذلكَ أنَّ الحَديثَ الأولَ قد يُمكِنُ الجَمعُ بينَه وبينَ الآيةِ بأن يُحمَلَ النهيُ المَذكورُ فيه على الكَراهيةِ. وأما حَديثُ أبي هُريرةَ فليسَ يُمكِنُ الجَمعُ بينَه وبينَ الآيةِ، إلا أنْ يُعتقدَ أنه ناسِخٌ للآيةِ عندَ مَنْ رَأى أنَّ الزِّيادةَ نَسخٌ وأنَّ القُرآنَ يُنسَخُ بالسُّنةِ المُتواتِرةِ. فمَن جمَعَ بينَ حَديثِ أبي ثَعلبةَ والآيَةِ حمَلَ حَديثَ لُحومَ السِّباعِ على الكَراهيةِ. ومَن رَأى أنَّ حَديثَ أبي هُريرةَ يَتضمَّنُ زِيادةً على ما في الآيَةِ حرَّمَ لُحومَ السِّباعِ. ومَن اعتَقدَ أنَّ الضَّبعَ والثعلبَ مُحرَّمانٍ فاستِدلالًا بعُمومِ لَفظِ السِّباعِ. ومَن خصَّصَ مِنْ ذلكَ العاديَةَ فمَصيرًا لِما رَوى عبدُ الرَّحمنِ بنُ عمَّارٍ قالَ: «سَألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ عن الضبُعِ آكلُها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: أصَيدٌ هيَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: فأنتَ سَمِعتَ ذلكَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: نعَمْ»، وهَذا الحَديثُ وإنْ كانَ انفَردَ به عَبدُ الرَّحمنِ فهو ثِقةٌ عندَ جَماعةِ أئمَّةِ الحَديثِ، ولِما ثبَتَ مِنْ إقرارِه ﵊ على أكلِ الضَّبِّ بينَ يَديهِ (١).

стр. 11980

حُكمُ أكلِ الضَّبِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أكلِ الضَّبِّ، هل هو مُباحٌ حَلالٌ؟ أم حَرامٌ لا يَحلُّ أكلُه؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنه لا بأسَ بأكلِ الضَّبِّ؛ لأنَّ اللهَ ﵎ لم يُحرِّمْه ولا رَسولُه ﷺ ، وقد أُكلَ على مائِدةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وبحَضرتِه، ولو كانَ حَرامًا لم يَتركْ رَسولُ اللهِ ﷺ أحَدًا يَأكلُه. والدَّليلُ على أنَّ اللهَ ﵎ ولا رَسولُه ﷺ لم يُحرِّمْه ما رَواهُ مُسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ أنه سَمعَ ابنَ عُمرَ يَقولُ: «سُئلَ النبيُّ ﷺ عن الضّبِّ فقالَ لَستُ بآكِلِهِ ولا محَرِّمِهِ» (١). وعن ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ معَه ناسٌ مِنْ أصحابِه فيهم سَعدٌ وأُتوا بلَحمِ ضَبٍّ فنادَتِ امرَأةٌ مِنْ نِساءِ النبيِّ ﷺ : إنه لَحمُ ضَبٍّ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : كُلُوا فإنه حَلالٌ، ولكنَّه ليسَ مِنْ طَعامِي» (٢). والدليلُ على أنهُ أُكلَ على مائِدةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولم يَمنَعِ الكُلَّ منهُ ما رَواهُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «دَخَلتُ أنا وخالِدُ بنُ الوليدِ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ بَيتَ مَيمونةَ فأُتِيَ بضَبٍّ مَحنوذٍ فأهوَى

стр. 11981

إليه رَسولُ اللهِ ﷺ بيَدِه فقالَ بَعضُ النِّسوةِ اللاتِي في بَيتِ مَيمونةَ: أَخبِروا رَسولَ اللهِ ﷺ بما يُريدُ أنْ يَأكُلَ، فرفَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَه، فقُلتُ: أحَرامٌ هو يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: لا، ولكنَّه لم يَكنْ بأرضِ قَومِي، فأَجِدُني أعافُه، قالَ خالدٌ: فاجتَررْتُه فأكَلتُه ورَسولُ اللهِ ﷺ يَنظرُ» (١). قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «ترَكَ رَسولُ اللهِ ﷺ الضَّبَّ تَقذُّرًا وأُكلَ على مائِدتِه، ولو كانَ حَرامًا ما أُكلَ على مائِدةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ». وقالَ عُمرُ ﵁: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يُحرِّمِ الضَّبَّ، ولكنَّه قَذرَه، ولو كانَ عندِي لَأكَلتُه». ولأنَّ الأصلَ الحِلَّ، ولم يُوجَدِ المُحرِّمُ، فبَقيَ على الإباحةِ، ولم يَثبتْ فيه عن النبيِّ ﷺ نَهيٌ ولا تَحريمٌ، ولأنَّ الإباحةَ قَولُ مَنْ سَمَّينا مِنْ الصَّحابةِ، ولم يَثبتْ عنهُم خِلافُه، فيَكونُ إجماعًا (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه يَحرمُ أكلُ الضَّبِّ؛ لِما رُويَ عن شُريحِ بنِ عُبيدٍ عن أبي راشدٍ الحُبرانِيِّ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ شِبلٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن أَكلِ لَحمِ الضَّبِّ» (٣). وعن عائِشةَ ﵂ «أنَّ النبيَّ ﷺ أُهديَ له ضَبٌّ فلمْ يَأكلْه،

стр. 11982

فقامَ عليهِم سائِلٌ، فأرادَتْ عائِشةُ أنْ تُعطيَه، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : أتُعطينَه ما لا تَأكُلينَ؟!» (١). ففِي حَديثِ عائِشةَ يبينُ أنَّ امتِناعَ رَسولِ اللهِ ﷺ عن أكلِه لحُرمتِه، لا لأنه كانَ يَعافُه، ألَا ترَى أنه نَهاها عن التصدُّقِ به، ولو لم يَكنْ كَراهيةُ الأكلِ للحُرمةِ لَأمرَها بالتَّصدقِ به كما أمَرَها به في شاةِ الأنصارِيِّ بقَولِه: «أَطعِمُوها الأسارَى». والحَديثُ الذي فيه دَليلُ الإباحةِ مَحمولٌ على أنهُ كانَ قبلَ ثُبوتِ الحُرمةِ. ثمَّ الأصلُّ أنه متَى تَعارَضَ الدَّليلانِ أحَدُهما يُوجِبُ الحَظرَ والآخَرُ يُوجبُ الإباحةَ يغلبُ المُوجِبُ للحَظرِ (٢). أكلُ الكَلبِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أكلِ الكَلبِ، هل هو جائزٌ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حُرمةِ أكلِ الكَلبِ؛ لأنه ذو نابٍ مِنْ السِّباعِ، وهو داخِلٌ في الأحاديثِ التي نهَى فيها عن

стр. 11983

أكَلَ كلَّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ، ومنها ما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي ثَعلبةَ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نهَى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ» (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كلُّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ فأَكلُه حَرامٌ» (٢). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (٣). (٤). وأما المالِكيةُ فذَهَبوا في المُعتمدِ عندَهم إلى أنه مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ. قالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: ومَذهبُ «المُدوَّنة» كَراهةُ أكلِ كَلبِ غيرِ الماءِ (٥). وقالَ الدِّرديرُ: والمُعتمَدُ أنَّ الكَلبَ الإنسِيَّ مَكروهٌ، وقيلَ: حَرامٌ، ولم يَرِدْ قَولٌ بإباحتِه. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: (وقيلَ: حَرامٌ): الذي حَصلَه ح في الكَلبِ قَولانِ: الحُرمةُ والكَراهةُ، وصحَّحَ ابنُ عَبدِ البَرِّ التَّحريمَ، قالَ الحَطابُ، ولم أرَ في المَذهبِ مَنْ نقَلَ إباحةَ أكلِ الكِلابِ. اه

стр. 11984

لكنْ نقَلَ قبلَه القَولَ بإباحتِه، واعتَرضَه فانظُرْه. اه بن (١). قالَ أبو عُمرَ: لا أعلَمُ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ خِلافًا أنَّ القِردَ لا يُؤكلُ ولا يَجوزُ بَيعُه؛ لأنه ممَّا لا مَنفعةَ فيه، وما عَلِمْنا أحَدًا أرخَصَ في أكلِه، والكَلبُ والفيلُ وذو النابِ كلُّه عندِي مِثلُه، والحُجةُ في قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لا في قَولِ غيرِه، وما يَحتاجُ القِردُ ومِثلُه أنْ يَنهَى عنه؛ لأنه يُنهِي عن نَفسِه بزَجرِ الطِّباعِ والنُّفوسِ لنا عنهُ، ولم يَبلُغْنا عن العَربِ ولا عن غيرِهم أكلُه، وقد زعَمَ ناسٌ أنه لم يَكنْ في العَربِ مَنْ يَأكلُ الكَلبَ الأقومَ، منهُم نَفرٌ مِنْ فَقعسَ، وفي أحَدِهم قالَ الشاعِرُ الأسديُّ: يا فَقعَسيُّ لِمَ أكَلتَهُ لِمَهْ لو خافَكَ اللهُ عليهِ حرَّمَهْ فمَا أكَلْتَ لحَمَه ولا دَمَهْ قالَ أبو عُمرَ: يَعني قولُه: «لو خافَكَ اللهُ عليهِ حرَّمَه» أي أنَّ الكَلبَ عندَه كانَ ممَّا لا يَأكلُه أحَدٌ ولا يَخافُ أحَدًا على أكلِه إلا المُضطرَّ، واللهُ لا يَخافُ أحَدًا على شَيءٍ ولا على غَيرِ شَيءٍ، ولا يَلحقُه الخَوفُ جَلَّ وتعالَى عن ذلكَ، وأظُنَّ الشِّعرَ لأعرابِيٍّ لا يَقفُ على مثلِ هذا مِنْ المعنَى، واللهُ أعلَمُ. حدَّثَنا أحمَدُ بنُ عبدِ اللهِ قالَ: حدَّثَني أبي قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يُونسَ قالَ: حدَّثَنا بَقيُّ بنُ مَخلدٍ قالَ: حدَّثَنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيبةَ قالَ: حدَّثَنا

стр. 11985

مُحمدُ بنُ أبي عَديٍّ عن داودَ قالَ: سُئلَ الشَّعبيُّ عن رَجلٍ يَتداوَى بلَحمِ كَلبٍ قالَ: إنْ تَداوَى به فلا شَفاهُ اللهُ (١). أَكلُ القِردِ: قالَ أبو عُمرَ: لا أعلَمُ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ خِلافًا أنَّ القِردَ لا يُؤكلُ ولا يَجوزُ بَيعُه؛ لأنه ممَّا لا مَنفعةَ فيه، وما عَلِمْنا أحَدًا أرخَصَ في أكلِه، والكَلبُ والفيلُ وذو النابِ كلُّه عندِي مِثلُه، والحُجةُ في قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لا في قَولِ غيرِه، وما يَحتاجُ القِردُ ومِثلُه أنْ يَنهَى عنه؛ لأنه يُنهِي عن نَفسِه بزَجرِ الطِّباعِ والنُّفوسِ لنا عنهُ، ولم يَبلُغْنا عن العَربِ ولا عن غيرِهم أكلُه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وجُمهورُهم على أنَّ القِردَ لا يُؤكلُ ولا يُنتفعُ به (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُباحُ أكلُ القِردِ، وكَرِهَه عُمرُ وعَطاءٌ ومَكحولٌ والحَسنُ ولم يُجيزُوا بَيعَه، وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ: لا أعلَمُ بينَ عُلماءِ المُسلمينَ خِلافًا أنَّ القِردَ لا يُؤكلُ ولا يَجوزُ بَيعُه، ورُويَ عن الشَّعبيِّ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن لَحمِ القِردِ»، ولأنه سَبعٌ، فيَدخلُ في عُمومِ الخبَرِ، وهو مَسخٌ أيضًا، فيَكونُ مِنْ الخَبائثِ المُحرَّمةِ (٤).

стр. 11986

أكلُ الخِنزيرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ أكلِ الخِنزيرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] الآيَة. وقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة. فنَصَّ في هذهِ الآياتِ على تَحريمِ لَحمِ الخِنزيرِ، والأمَّةُ عَقلَتْ مِنْ تَأويلِه ومَعناهُ مِثلَ ما عَقلتْ مِنْ تَنزيلِه، واللَّحمُ وإنْ كانَ مَخصوصًا بالذِّكرِ فإنَّ المُرادَ جَميعُ أجزائِه، وإنما خُصَّ اللَّحمُ بالذِّكرِ لأنه أعظَمُ مَنفعتِه وما يُبتغَى منه (١). وحكَى عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على نَجاستِه وعلى حُرمةِ أكلِه. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِ الخِنزيرِ، والخِنزيرُ مُحرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنةِ واتِّفاقِ الأمَّةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ لَحمَ المَيتةِ وشَحمَها ووَدكَها وغضرُوفَها ومُخَّها وأنَّ لَحمَ الخِنزيرِ وشَحمَه ووَدكَه وغضروفَه ومُخَّه وعصَبَه حَرامٌ كلُّه، وكُلُّ ذلكَ نَجسٌ (٣).

стр. 11987

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا أنواعُ النَّجاساتِ فإنَّ العُلماءَ اتَّفقُوا مِنْ أعيانِها على أربَعةٍ: مَيتةِ الحَيوانِ ذي الدَّمِ الذي ليسَ بمَائيٍّ، وعلى لَحمِ الخِنزيرِ بأيِّ سَببٍ اتَّفقَ أنْ تَذهبَ حَياتُه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وحُكمُ الخِنزيرِ حُكمُ الكَلبِ؛ لأنَّ النصَّ وقَعَ في الكَلبِ، والخِنزيرُ شَرٌّ منه وأغلَظُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على تَحريمِه، وأجمَعَ المُسلمونَ على ذلكَ، وحَرُمَ اقتناؤُه (٢). تَحريمُ كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، هل يَحرمُ أكلُه أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا يَحرمُ شَيءٌ مِنْ الطَّيرِ، سَواءٌ كانَ مِنْ سِباعِ الطَّيرِ أو لا، سَواءٌ كانَ له نابٌ أم لا. جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ) لابنِ القاسِمِ: هل كانَ مالِكٌ يَكرهُ أكْلَ كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطيرِ؟ (قالَ): لم يَكنْ مالِكٌ يَكرهُ أكْلَ كلِّ شَيءٍ مِنْ الطَّيرِ، سِباعِها وغيرِ سِباعِها، (قلتُ): والغُرابُ لم يَكنْ مالِكٌ يَرَى به بأسًا؟ (قالَ): نَعمْ، لا بأسَ به عِندَه، (قلتُ): وكذلكَ الهُدهدُ عندَه والخطَّافُ؟ (قالَ): جَميعُ الطَّيرِ كلُّها فلا بأسَ بأكلِها عندَ مالكٍ (٣).

стр. 11988

وقالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: واختَلفُوا في سِباعِ الطَّيرِ، فرَوى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ أنه قالَ: لم أسمَعْ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ قَديمًا ولا حَديثًا بأرضِنا يَنهَى عن أكلِ كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا يُؤكلُ، ورَوَوا في ذلكَ حَديثَ شُعبةَ عن الحَكمِ عن مَيمونَ بنِ مَهرانَ عن ابنِ عبَّاسٍ عن النبيِّ ﷺ : «أنه نهَى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ ومِخلبٍ مِنْ الطيرِ»، ودفَعَ أصحابُ مالِكٍ هذا الحَديثَ وقالُوا: لا يَثبتُ، وقد أوقَفَه جَماعةٌ على ابنِ عبَّاسٍ، ولم يَسمعْه منهُ مَيمونُ، وإنما رَواهُ عن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنهُ، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ خِلافُه وما يَدلُّ على أنه ليسَ عن النبيِّ ﷺ ، وإنما هو قَولٌ لابنِ عبَّاسٍ ثمَّ رجَعَ عنه، وقد رَوى عَمرُو بنُ دِينارٍ عن أبي الشَّعثاءِ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قالَ: «كانَ أهلُ الجَاهليةِ يَأكلونَ أشياءَ ويَتركونَ أشياءَ تَقذُّرًا، فبعَثَ اللهُ نَبيَّه وأنزَلَ كِتابَه وأحَلَّ حَلالَه، وحرَّمَ حَرامَه، وما سكَتَ عنُه -يَعني لم يَنزلْ فيه شَيءٌ- فهو مَعفوٌّ، وتَلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيتَينِ، فإنْ صَحَّ حَديثُ النهيِ فيَجوزُ أنْ يكونَ نهَى عنها لأنَّ النفسَ تَعافُها؛ لأكلِها الأنجاسَ في الأغلَبِ، واللهُ أعلَمُ (١). قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: جائِزٌ عندَ مالِكٍ أكلُ الغُرابِ والحِدَأةِ وكلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، ولم يَصحَّ عندَه في ذلكَ النهيُ الذي رُويَ عن النبيِّ ﷺ .

стр. 11989

وقد صَحَّ عن أبي بَكرٍ الصِّديقِّ أنه قالَ: «كُلِ الطَّيرَ كُلَّه»، وقد ذكَرْنا الخبَرَ عنه في غيرِ هذا المَوضعِ، وهو قَولُ عَطاءٍ وجَماعةٍ مِنْ العُلماءِ. وذكَرَ ابنُ وَهبٍ عن خالِدِ بنِ حُميدٍ عن عقيلَ عن ابنِ شِهابٍ أنه سَألَه رَجلٌ عن أكلِ البازِي، فأمَرَه بأكلِه. قالَ ابنُ وَهبٍ: وأخبَرَني الليثُ قالَ: كَتبتُ إلى يَحيَى بنِ سَعيدٍ في لَحمِ الغُرابِ والحِدأةِ والنَّسرِ والصَّقرِ والبازِي والعُقابِ وأشباهِها، هل يُكرهُ أم لا؟ فقالَ يَحيَى بنُ سَعيدٍ: ليسَ يَنبغي أنْ تُحرِّمَ إلا ما حرَّمَ اللهُ أو بما تَكلَّمَ رَسولُ اللهِ ﷺ بالنَّهيِ عنهُ. قالَ ابنُ وَهبٍ: وسَألتُ مالِكًا عن أكلِ الغُرابِ والحِدأةِ وقُلتُ له: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سمَّاهُما فاسقَينِ وأمَرَ المُحرِمَ بقَتلِهما» فقالَ: لم أُدرِكْ أحَدًا يَنهَى عن أكلِهِما، قالَ: ولا بأسَ بأَكلِهما (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَحرمُ أكلُ كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ وغيرُه عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وعن كلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ» (٢). قالَ الحَنفيةُ: المُستأنسُ مِنْ الطُّيورِ كالدَّجاجِ والبَطِّ والأوزِّ فيَحلُّ بإجماعِ الأمَّةِ.

стр. 11990

وأما المُستوحشُ منه فيَحرمُ كلُّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلُّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيورِ، إلا الأرنَبَ خاصَّةً. وذو المِخلبِ مِنْ الطُّيورِ الصَّقرُ والبازِي والنَّسرُ والعُقابُ والشاهينُ ونحوُها. وما سِوى ذلكَ مِنْ الطُّيورِ فهو حَلالٌ، كالحَمامِ والعُصفورِ والعَقعقِ وغَرابِ الزَّرعِ الذي يَأكلُ الزَّرعَ ولا يَأكلُ الجِيفَ ونَحوَها، إلا أنه يُكرهُ أكلُ الغُرابِ الأبقَعِ والغُرابِ الأسوَدِ الذي يَأكلُ الجِيفَ (١). وقالَ الإمامُ النَّووي ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: المِخلبُ -بكَسرِ المِيمِ وفَتحِ اللَّامِ- قالَ أهلُ اللُّغةِ: المِخلبُ للطَّيرِ والسِّباعِ بمَنزلةِ الظُّفرِ للإنسانِ في هذهِ الأحاديثِ دَلالةٌ لمَذهبِ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ وداودَ والجُمهورِ أنه يَحرمُ أكلُ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: (وكذلكَ تَتركُ أكْلَ النَّسرِ والبازِي والصَّقرِ والشاهينِ، وهي ممَّا يَعدُو على حمَامِ الناسِ وطائِرِهم، وكانَتْ تَتركُ ممَّا لا يَعدُو مِنْ الطائرِ الغُرابَ والحِدأةَ والرَّخمةَ والبُغاثةَ).

стр. 11991

قالَ الماوَرديُّ: قد مَضَى الكَلامُ في البَهائمِ الماشِيةِ مِنْ الوَحشيةِ والإنسِيةِ، فأما الطَّيرُ فضَربانِ: أحَدُهما: ما فيه عَدوَى على الطَّائرِ بمِخلبِه وافتِراسٌ له بمَنسِرِه كالبازِي والصَّقرِ والشاهينِ والنَّسرِ والحِدأةِ والعُقابِ، فأكلُ جَميعِها حَرامٌ، وأباحَها مالِكٌ ولم يُحرِّمْ مِنْ الطائرِ كلِّه شَيئًا. ودَليلُنا: رِوايةُ عاصِمِ بنِ ضَمرةَ عن عليٍّ ﵇ ورِوايةُ سَعيدِ بنِ جُبيرِ عن ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن أكلِ كلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ». ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «يُؤكلُ ما دَفَّ ولا يُؤكلُ ما صَفَّ»، يُريدُ: ما حرَّكَ جَناحَه كالحمَامِ وغيرِه يُؤكلُ، وما صَفَّ جَناحَيهِ ولم يُحرِّكْهما كالصُّقورِ والنُّسورِ لا يُؤكلُ، ومنهُ قَولُه تعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [المُلك: ١٩]. والضَّربُ الثاني: ما لا عَدوَى فيه، فتَنقسمُ ثَلاثةَ أقسامٍ: أحَدُها: ما اغتَذَى بالمَيتةِ والجِيَفِ كالغباثِ والرَّخمِ، فأكلُه حَرامٌ؛ لخُبثِ غِذائِه. والقِسمُ الثَّاني: ما كانَ مُستخبَثًا كالخَطاطيفِ والخَشاشيفِ، فأكلُه حَرامٌ؛ لخُبثِ لَحمِه. والقِسمُ الثالِثُ: ما لم يَخبثْ غِذاؤُه ولا لَحمُه كالحُبَارَى والكَروانِ،

стр. 11992

فأكلُه حَلالٌ، رَوى سَفينةُ مَولَى رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «أكلْتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ لَحمْ حُبارَى». ويُقاسُ على أصلِه هذهِ الأقسامِ الثَّلاثةِ ما في نَظائرِها، فمِن ذلكَ الهُدهدُ أكلُه حَرامٌ، وقد ورَدَ الخبَرُ بالنَّهيِ عنه، وكذلكَ الشَّقرانُ والعَقعقُ؛ ولأنها مُستخبَثةٌ عندَ العَربِ. فأما الغُرابُ فأكلُه حَرامٌ، الأسوَدُ منه والأبقَعُ سَواءٌ،. وحُكيَ عن الشَّعبيِّ أنه أباحَ أكْلَه، وقالَ في دَجاجةٍ: ما أسمَنَها؟ وقالَ آخَرونَ: «يُؤكلُ منه الأسوَدُ دُونَ الأبقَعِ»، وهذا خَطأٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أباحَ قتْلَه في الحِلِّ والحَرمِ، وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ عن أبيهِ عن عائِشةَ أنها قالَتْ: «إنِّي لَأعجَبُ ممَّن يَأكلُ الغُرابَ، وقد أَذِنَ النبيُّ ﷺ في قَتلِه للمُحرِمِ وسمَّاهُ فاسِقًا، واللهِ ما هو مِنْ الطيِّباتِ» وما يُشبهُ الغُرابَ وليسَ بغُرابٍ الزَّاغُ والغُدَافُ، فأمَّا الزاغُ فهو غُرابُ الزَّرعِ، وأما الغُدَافُ فهوَ أصغَرُ منه أغبَرُ اللَّونِ كالرَّمادِ، ولأصحابِنا في إباحَةِ أكلِها وَجهانِ: أحَدُهما: أنَّ أكْلَها حَرامٌ؛ لشَبهِها بالغُرابِ وانطِلاقِ اسمِه عليهَا. والوَجهُ الثَّاني: وبه قالَ أبو حَنيفةَ: أنَّ أكْلَها حَلالٌ؛ لأنهُما يَلقُطانِ الحَبَّ ويَأكلانِ الزَّرعَ ولَحمُهما مُستَطابٌ. وكُلُّ طائرٍ حَرُمَ أكلُ لَحمِه حَلَّ أكلُ بَيضِه (١).

стр. 11993

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وكُلُّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، وهي التي تُعلِّقُ بمَخالبِها الشيءَ وتَصيدُ بها). هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والأوزاعِيُّ ويَحيَى بنُ سَعيدٍ: لا يَحرمُ مِنْ الطَّيرِ شَيءٌ، قالَ مالِكٌ: لم أَرَ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ يَكرهُ سِباعَ الطَّيرِ، واحتَجُّوا بعُمومِ الآياتِ المُبيحةِ وقُولِ أبي الدَّرداءِ وابنِ عبَّاسٍ: «ما سكَتَ اللهُ عنه هو ممَّا عفَا عنهُ». ولنا: ما رَوى ابنُ عبَّاسٍ قالَ «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ»، وعن خالدِ بنِ الوَليدِ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «حَرامٌ عَليكُم الحُمرُ الأهليَّةُ وكلُّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلُّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ»، رَواهُما أبو داودَ، وهذا يُخِصُّ عُمومَ الآياتِ ويُقدَّمُ على ما ذَكَروهُ، فيَدخلُ في هذا كُلُّ ما له مِخلبٌ يَعدُو به كالعُقابِ والبازِي والصَّقرِ والشاهينِ والباشقِ والحِدأةِ والبُومةِ وأشباهِها. فَصلٌ: ويَحرمُ منها ما يَأكلُ الجِيفَ كالنُّسورِ والرَّخمِ وغُرابِ البَينِ -وهو أكبَرُ الغِربانِ- والأبقَعِ، قالَ عُروةُ: «ومَن يَأكلُ الغُرابَ وقد سَمَّاهُ رَسولُ اللهِ ﷺ فاسِقًا، واللهِ ما هو مِنْ الطيِّباتِ»، ولعَلَّه يَعني قَولَ النبيِّ ﷺ : «خَمسٌ فَواسِقُ يُقتَلنَ في الحِلِّ والحَرمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والفَأرةُ والعَقربُ والكَلبُ العَقورُ»، فهذهِ الخَمسُ مُحرَّمةٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أباحَ قتْلَها في الحَرمِ، ولا يَجوزُ قَتلُ صَيدٍ مَأكولٍ في الحَرمِ، ولأنَّ ما يُؤكلُ لا يَحلُّ قَتلُه إذا قُدرَ عليهِ، وإنما يُذبَحُ ويُؤكلُ.

стр. 11994

وسُئلَ أحمَدُ عن العَقعقِ فقالَ: إنْ لم يَكنْ يَأكلُ الجِيَفَ فلا بأسَ به، قالَ بَعضُ أصحابِنا: هو يَأكلُ الجِيَفَ، فيَكونُ على هذا مُحرَّمًا. فَصلٌ: ويَحرمُ الخطَّافُ والخُشافُ والخفَّاشُ وهو الوَطواطُ. قالَ الشاعِرُ: مِثلُ النَّهارِ يَزيدُ أبصارَ الورَى نُورًا ويُعمِي أعيُنَ الخفَّاشِ قالَ أحمَدُ: ومَن يَأكلُ الخُشافَ؟، وسُئلَ عن الخطَّافِ فقالَ: لا أدرِي. وقالَ النَّخعيُّ: كُلُّ الطَّيرِ حَلالٌ إلا الخفَّاشَ، وإنما حُرَّمتْ هذه لأنها مُستخبَثةٌ لا تَستطيبُها العَربُ ولا تَأكلُها، ويَحرمُ الزَّنابيرُ واليَعاسيبُ والنَّحلُ وأشباهُها؛ لأنها مُستخبَثةٌ غير مُستطابةٍ. فَصلٌ: وما عَدا ما ذكَرْنا فهو مُباحٌ؛ لعُمومِ النُّصوصِ الدالَّةِ على الإباحةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ أكْلَ كلِّ ذي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ إذا كانَ قَويًّا يَعدوُ به على غَيرِه كالبازِي والصَّقرِ والعُقابِ والباشِقِ والشاهينِ وكُلِّ ما لا مِخلبَ له مِنْ الطَّيرِ إلا أنه يَأكلُ الجِيَفَ كالنَّسرِ والرَّخمِ والغُرابِ الأبقَعِ والغُرابِ الأسوَدِ الكَبيرِ حَرامٌ، إلا مالِكًا؛ فإنه أباحَ ذلكَ كلَّه على الإطلاقِ (٢).

стр. 11995

أكلُ الحَشراتِ والحَيَّاتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ حَشراتِ الأرضِ والحيَّاتِ، هل يَجوزُ أكلُها أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى حِلِّ أكلِ الحَشراتِ والحيَّاتِ؛ لِما رَوى مِلْقَامُ بنُ تَلِبٍ عن أبيهِ قالَ: «صَحِبتُ النبيَّ ﷺ فلمْ أسمَعْ لحَشرةِ الأرضِ تَحريمًا» (١). جاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: (قُلتُ) له: فهلْ كانَ يُوسعُ في أكلِ الحيَّاتِ والعَقاربِ؟ (قالَ): لم يَكنْ يَرَى بأكلِ الحيَّاتِ بأسًا، وقالَ: لا يُؤكلُ منها إلا الذَّكيُّ، (قالَ): ولا أحفَظُ في العَقربِ مِنْ قَولِه شَيئًا، ولا أَرَى به بأسًا (٢). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وجائزٌ عندَ مالِكٍ أكلُ الحيَّاتِ إذا ذُكِّيَتْ، وكذلكَ الأفاعِي والعظايةُ والقُنفذُ والضُّفدعُ (٣). وقالَ القُرطبيُّ ﵀: وجائِزٌ عندَه -أي مالِكٍ- أكلُ الحيَّاتِ إذا ذُكِّيتْ، وهو قَولُ ابنِ أبي ليلَى والأوزاعِيِّ، وكذلكَ الأفاعِي والعَقاربُ والفَأرُ والعظايةُ والقُنفذُ والضُّفدعُ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: ولا بأسَ بأكلِ خَشاشِ الأرضِ وعَقاربِها ودُودِها في قَولِ مالِكٍ؛ لأنه قالَ: مَوتُه في الماءِ لا يُفسِدُه، وقالَ مالِكٌ: لا بأسَ بأكلِ فِراخِ النَّحلِ ودُودِ الجُبنِ والتَّمرِ ونَحوِه.

стр. 11996

والحُجةُ له حَديثُ مِلقامِ بنِ تَلبٍ وقَولُ ابنِ عبَّاسٍ وأبِي الدَّرداءِ: «ما أحَلَّ اللهُ فهو حَلالٌ، وما حرَّمَ فهو حَرامٌ، وما سكَتَ عنه فهو عَفوٌ»، وقالَتْ عائِشةُ في الفَأرةِ: «ما هي بحَرامٍ، وقَرَأتْ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]» (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حُرمةِ أكلِ الحَشراتِ والحيَّاتِ، فلا يَحلُّ أكلُ حَشراتِ الأرضِ كالحيَّاتِ والعَقاربِ والفَأرِ والخَنافسِ والعِظاءِ والصراصرِ والعَناكبِ والوَزغِ وسامَ أبرَصَ والجُعلانِ والدِّيدانِ وبَناتِ وَردانَ وحِمارِ قبَّانَ؛ لقوله ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ في مَذاهبِ العُلماءِ في حَشراتِ الأرضِ كالحيَّاتِ والعَقاربِ والجُعلانِ وبَناتِ وَردانَ والفَأرةِ ونَحوِها: مَذهبُنا أنها حَرامٌ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ وداودُ. وقالَ مالِكٌ: حَلالٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، وبحَديثِ التَّلِبِ -بتَاءٍ مُثنَّاةٍ فَوقُ مَفتوحةٍ، ثمَّ لامٍ مَكسورةٍ، ثم باءٍ مُوحَّدةٍ، الصَّحابيُّ

стр. 11997

﵁ قالَ: «صَحِبتُ النبيَّ ﷺ فلمْ أسمَعْ لحَشرةِ الأرضِ تَحريمًا» رواهُ أبو داودَ. واحتَجَّ الشافِعيُّ والأصحابُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذا ممَّا يَستخبثُه العَربُ، وبقَولِه ﷺ : «خَمسٌ مِنْ الدَّوابِّ كُلُّهنَّ فاسِقٌ يُقتلْنَ في الحَرمِ: الغُرابُ والحِدأةُ والعَقربُ والفَأرةُ والكَلبُ العَقورُ»، رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ مِنْ رِوايةِ عائِشةَ وحَفصةَ وابنِ عُمرَ. وعن أمِّ شَريكٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بقَتلِ الأَوزاغِ» رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ. وأما قَولُه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَة، فقالَ الشافِعيُّ وغَيرُه مِنْ العُلماءِ: مَعناهَا: ممَّا كُنْتُمْ تَأكلونَ وتَستطيبونَ، قالَ الشافِعيُّ: وهذا أَولى مَعانِي الآيَةِ استِدلالًا بالسُّنةِ، واللهُ أعلَمُ. وأما حَديثُ التَّلبِ فإنْ ثبَتَ لم يَكنْ فيه دَليلٌ؛ لأنَّ قَولَه: «لم أسمَعَ» لا يَدلُّ على عَدمِ سَماعِ غيرِه، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ حَشراتِ الأرضِ مُحرَّمةٌ، إلا مالِكًا فإنه كَرِهَها مِنْ غَيرِ تَحريمٍ في إحدَى الرِّوايتينِ، وفي الأُخرى قالَ: هي حَرامٌ (٢).

стр. 11998

أَكلُ الأرنَبِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرِهم على حِلِّ أكلِ الأرنَبِ؛ لِما رَواهُ أنسُ بنُ مالكٍ قالَ: «كُنْتُ غُلامًا حَزَوَّرًا فَصِدتُ أرنبًا فشَويتُها، فبعَثَ معِي أبو طَلحةَ بعَجُزِها إلى النبيِّ ﷺ ، فأتَيتُه بها فقَبِلَها» (١). وعن مُحمدِ بنِ خالدٍ قالَ: سَمِعتُ أبي خالدَ بنَ الحُويرثِ يَقولُ: «إنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو كانَ بالصِّفاحِ -قالَ مُحمدٌ: مَكانَ بمكَّةَ- وإنَّ رَجلًا جاءَ بأرنَبٍ قد صادَها، فقالَ: يا عبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو ما تَقولُ؟ قالَ: قد جِيءَ بها إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وأنَا جالِسٌ فلمْ يَأكلْها ولم يَنْهَ عن أَكلِها، وزعَمَ أنها تَحيضُ» (٢). وعن هِشامِ بنِ زَيدِ بن أنسٍ قالَ: سَمِعتُ أنسًا يَقولُ: «أنفَجْنا أرنبًا بمَرِّ الظَّهرانِ، فسَعَى أصحابُ النبيِّ ﷺ خلْفَها، فأدرَكتُها فأخَذتُها فأتَيتُ بها أبا طَلحةَ فذَبحَها بمَروةٍ، فبعَثَ معِي بفَخِذِها أو بورِكِها إلى النبيِّ ﷺ فأكَلَه، قالَ: قلتُ: أكَلَه؟ قالَ: قَبِلَه» (٣). قالَ الإمامُ أبو عِيسى التِّرمذيُّ ﵀: وفي البابِ عن جابرٍ وعمَّارٍ ومُحمدِ بنِ صَفوانَ -ويُقالَ مُحمدُ بنُ صَيفِيٍّ-، وهذا حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، والعَملُ على هذا عندَ أكثَرِ أهلِ العِلمِ لا يَرَونَ بأكلِ الأرنَبِ

стр. 11999

بأسًا، وقد كَرِهَ بعضُ أهلِ العِلمِ أكْلَ الأرنَبِ وقالُوا: إنها تُدْمِي (١). قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ الأرنَبَ مُباحٌ أَكلُه (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأكلُ الأرنَبِ حَلالٌ عندَ مالكَ وأبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمَدَ والعُلماءِ كافَّةً، إلا ما حُكيَ عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو ابنِ العاصِ وابنِ أبي ليلَى أنهُما كَرِهاهَا، دَليلُ الجُمهورِ هذا الحَديثُ معَ أحاديثَ مِثلِه، ولم يَثبتْ في النَّهيِ عنها شَيءٌ (٣). أكلُ الجَلاَّلةِ: الجَلَّالةُ: هي التي يَكونُ أكثَرُ طَعامِها العَذرةُ، فأمَّا إذا رَعَتِ الكَلَأَ واعتَلفَتِ الحَبَّ وكانَت تَنالُ مع ذلكَ شَيئًا مِنْ الجَلَّةِ فليسَتْ بجَلَّالةٍ، وإنما هي كالدَّجاجِ المُخلَّاةِ ونحوِها مِنْ الحَيوانِ الذي ربَّما نالَ الشَّيءَ منها وغالِبُ غِذائِه وعَلفِه مِنْ غيرِها. اختَلفَ الفُقهاءُ في أكلِ لُحومِ الجلَّالةِ وألبانِها إذا لم تُحبَسْ، فإنْ حُبِسَتْ وقتًا مِنْ الزَّمنِ وأكَلَتِ الطَّيبِ جازَ أكلُها اتِّفاقًا، وإذا لم تُحبَسْ فاختَلفُوا فيه، هل يَحلُّ مع الكَراهةِ؟ أم يَحرمُ أكلُها حتَّى تُحبَسَ؟ أم يُكرَهُ؟ أم يُباحُ بدُونِ كَراهةٍ؟

стр. 12000

فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ وبَعضُ الشافِعيةِ إلى أنه يَحرمُ أكلُ الجَلَّالةُ، وهيَ التي أكثَرُ عَلفِها النَّجاسةُ، فإنْ كانَ أكثَرُ عَلفِها الطاهرُ لم يَحرمْ أكلُها. وكذا يَحرمُ لَبنُها وبَيضُها في أصَحِّ الرِّوايتينِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «نهَى النبيُّ ﷺ عن أكلِ الجَلَّالةِ وألبانِها»، وفي رِوايةٍ له: «نهَى عن رُكوبِ جَلَّالةِ الإبلِ» (١). وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «نَهى النبيُّ ﷺ عن شُربِ لَبنِ الجَلالةِ» (٢)، وبَيضُها كلَبنِها؛ لأنه مُتولِّدٌ منها. حتَّى تُحبَسَ ثلاثًا وتُطعَمَ الطاهِرَ؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ «كانَ إذا أرادَ أكْلَها حبَسَها ثَلاثًا» (٣). وقيلَ: تُحبَسُ الناقةُ والبَقرةُ أربعِينَ يَومًا، لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ: «نهَى النبيُّ ﷺ عن الإبلِ الجلَّالةِ، أنْ لا يُؤكلَ لَحمُها، ولا يُشربَ لَبنُها، ولا يُحمَلَ عليهَا إلا الأدمُ، ولا يَركبَها الناسُ، حتَّى تُعلَفَ أربعِينَ لَيلةً» (٤) والبَقرةُ في مَعناها. ويُحبَسُ الطائِرُ ثلاثًا؛ لفِعلِ ابنِ عُمرَ ﵄، والأولُ المَذهبُ (٥).

стр. 12001

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ وبَعضُ المالِكيةِ إلى كَراهةِ أكلِ لُحومِ الجَلالةِ التي تَأكلُ العَذرةَ أو يَكونُ أكثَرُ عَلفِها العَذرةَ مِنْ نَاقةٍ أو شاةٍ أو بَقرةٍ أو دِيكٍ أو دَجاجةٍ؛ للنهيِ الوارِدِ فيها عن النبيِّ ﷺ ، والنهيُ الوارِدُ هو على الكَراهةِ دونَ التَّحريمِ؛ لأنَّ النهيَ عنها وارِدٌ لأجلِ ما تَأكلُه مِنْ الأنجاسِ، وهي تَغتذيهِ في كَرشِها، والعَلفُ الطاهِرُ يَنجسُ في الكَرشِ، فساوَى في حُصولِه منه حالَ النَّجسِ، ولأنَّ لُحومَ ما تَرعَى الأنجاسَ نَتنٌ، وأكلُ اللَّحمِ إذا نَتنَ يَحرمُ، وإذا كانَ هكذا فكُلَّما كانَ أكثَرُ غِذائِه رَعيُ الأنجاسِ كانَ أكلُ لَحمِه وشُربُ لَبنِه مَكروهًا. فأما رُكوبُه فيُكرهُ إذا كانَ عَرِيًّا؛ لنَتنِ عَرَقِه، ولا يُكرهُ إذا كانَ مُوكَّفًا أو مُسرَّجًا، فإنْ كانَ أكثَرُ ما يَغتذيهِ طاهِرًا -وإنِ اغتَذَى في بَعضِها نَجسًا- لم يُكرهْ؛ اعتِبارًا بالأغلَبِ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: ويُختارُ في الجلَّالةِ إذا أُريدَ شُربُ لَبنِها أو أَكلُ لَحمِها أنْ تُحبَسَ عن الأقذارِ بالعَلفِ الطاهِرِ في البَعيرِ أربعَينَ يَومًا، وفي البَقرةِ ثَلاثينَ يَومًا، وفي الشاةِ سَبعةَ أيامٍ، وفي الدَّجاجةِ ثَلاثةَ أيامٍ، وليسَتْ هذه المَقاديرُ تَوقيفًا لا يُزادُ عليهِ ولا يُنْقَصُ منهُ؛ لأنَّ المَقصودَ زَوالُ ما أنتَنَ مِنْ أبدانِها، والأغلَبُ أنها تَزولُ بهذهِ المَقاديرِ، فإنْ زالَتْ بأقَلَّ منها زالَتِ الكَراهةُ، وإنْ لم تَزلْ فيها بَقيَتِ الكَراهةُ حتَّى تَزولَ ممَّا زادَ عليهَا، فإنْ أكَلَ منها قبلَ عَلفِها نظَرَ في رائِحةِ لَحمِها، فإنْ لم يَتغيرْ بأكلِ النَّجاسةِ كانَ حَلالًا، وإنْ تَغيَّرَ بها فإنْ كانَ يَسيرًا لم يَستوعِبْ رائِحةَ تلكَ النَّجاسةِ حَلَّ

стр. 12002

أكلُه، وإنْ كانَتْ كَثيرةً قد استَوعبَتْ رائِحةُ تلك النجاسةِ أو قارَبَها ففِي إباحةِ أكلِه وَجهانِ حَكاهُما ابنُ أبي هُريرةَ: أحَدُهما: مُباحٌ؛ لأنه مِنْ أصلٍ مَأكولٍ. والثَّاني: أنه حَرامٌ؛ لأنه قد صارَ مِنْ الخَبائثِ، وهَكذا نَقولُ في الجَديِ إذا ارتَضعَ مِنْ لَبنِ كَلبةٍ أو خِنزيرةٍ حتَّى نبَتَ له لَحمُه كانَتْ إباحةُ أكلِه على هَذينِ الوَجهينِ (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: الجَلَّالةُ: هي التي تَأكلُ العَذرةَ والنَّجاساتِ، وتَكونُ مِنْ الإبلِ والبَقرةِ والغَنمِ والدَّجاجِ، وقيلَ: إنْ كانَ أكثَرُ أكلِها النَّجاسةَ فهي جلَّالةٌ، وإنْ كانَ الطاهِرُ أكثَرَ فلا، والصَّحيحُ الذي عليهِ الجُمهورُ أنه لا اعتِبارَ بالكَثرةِ، وإنما الاعتِبارُ بالرَّائحةِ والنَّتنِ، فإنْ وُجدَ في عُرفِها وغيرِه رِيحُ النَّجاسةِ فجلَّالةٌ، وإلا فَلا، وإذا تَغيَّرَ لَحمُ الجلَّالةِ فهو مَكروهٌ بلا خِلافٍ، وهل هي كَراهةُ تَنزيهٍ أو تَحريمٍ؟ فيه وَجهانِ مَشهورانِ في طَريقةِ الخُراسانيِّينَ: أصَحُّهما عندَ الجُمهورِ وبه قطَعَ المُصنِّفُ وجُمهورُ العِراقيينَ وصحَّحَه الرُّويانِيُّ وغيرُه مِنْ المُعتمدينَ: أنه كَراهةُ تَنزيهٍ، قالَ الرَّافعيُّ: صحَّحَه الأكثَرونَ، والثاني: كَراهةُ تَحريمٍ، قالَه أبو إسحاقَ المَروزيُّ والقفَّالُ وصحَّحَه الإمامُ والغَزاليُّ والبَغويُّ، وقيلَ: هذا الخِلافُ

стр. 12003

فيما إذا وُجِدتْ رائِحةُ النَّجاسةِ بتَمامِها أو قَرُبَتِ الرائحةُ مِنْ الرائِحةِ، فإنْ قلَّتِ الرائِحةُ المَوجودةُ لم تَضُرَّ قَطعًا. قالَ أصحابُنا: ولو حُبسَتْ بعدَ ظُهورِ النَّتنِ وعُلفَتْ شَيئًا طاهِرًا فزالَتِ الرائِحةُ ثم ذُبحَتْ فلا كَراهةَ فيها قَطعًا. قالَ أصحابُنا: وليسَ للقَدرِ الذي تعلفُه مِنْ حَدٍّ، ولا لزَمانِه مِنْ ضَبطٍ، وإنما الاعتِبارُ بما يُعلَمُ في العادةِ أو يُظَنُّ أنَّ رائحةَ النجاسةِ تَزولُ به، ولو لم تُعلفْ لم يَزُلِ المنعُ بغَسلِ اللَّحمِ بعدَ الذَّبحِ ولا بالطَّبخِ وإنْ زالَتِ الرائحةُ به، ولو زالَتْ بمُرورِ الزَّمانِ قالَ البَغويُّ: لا يَزولُ المَنعُ، وقالَ غيرُه: يَزولُ. قالَ أصحابُنا: وكَما مُنعَ لَحمُها يُمنعُ لَبنُها وبَيضُها؛ للحَديثِ الصَّحيحِ في لَبنِها (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ليسَ لحَبسِها تَقديرٌ في ظاهرِ الرِّوايةِ، هكذا رُويَ عن مُحمدٍ ﵀ أنه قالَ: كانَ أبو حَنيفةَ ﵁ لا يُوقِّتُ في حَبسِها، وقالَ: تُحبَسُ حتى تَطيبَ، وهو قَولُهما أيضًا. ورَوى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ عليهِ الرَّحمةُ أنها تُحبَسُ ثَلاثةَ أيَّامٍ، ورَوى ابنُ رُستمٍ ﵀ عن مُحمدٍ في الناقةِ الجلَّالةِ والشاةِ والبَقرِ الجلَّالِ أنها إنما تَكونُ جلَّالةً إذا تَفتَّتتْ وتَغيَّرتْ ووُجدَ منها رِيحٌ مُنتنةٌ فهي الجلَّالةُ حِينئذٍ، لا يُشربُ لَبنُها ولا يُؤكلُ لَحمُها، وبَيعُها وهِبتُها جائِزٌ.

стр. 12004

هذا إذا كانَتْ لا تَخلطُ ولا تَأكلُ إلا العَذرةَ غالبًا، فإنْ خَلطَتْ فليسَتْ جلَّالةً فلا تُكرهُ؛ لأنها لا تَنتنُ. ولا يُكرهُ أكلُ الدَّجاجِ المُخلَّى وإنْ كانَ يَتناولُ النَّجاسةَ؛ لأنه لا يَغلبُ عليهِ أكلُ النَّجاسةِ، بل يَخلطُها بغَيرِها وهو الحَبُّ فيَأكلُ ذا وذا. وقيلَ: إنما لا يَكرهُ لأنه لا يَنتنُ كما يَنتنُ الإبلُ، والحُكمُ مُتعلِّقٌ بالنَّتنِ، ولهذا قالَ أصحابُنا في جَديٍ ارتَضعَ بلَبنِ خِنزيرٍ حتى كَبِرَ: إنه لا يُكرهُ أكلُه؛ لأنَّ لَحمَه لا يَتغيرُ ولا يَنتنُ. فهذا يَدلُّ على أنَّ الكَراهةَ في الجلَّالةِ لمَكانَ التَّغيرِ والنَّتنِ، لا لتَناولِ النَّجاسةِ، ولهذا إذا خَلطَتْ لا يُكرهُ وإنْ وُجدَ تَناولُ النَّجاسةِ؛ لأنها لا تَنتنُ، فدَلَّ أنَّ العِبرةَ للنَّتنِ لا لتَناولِ النَّجاسةِ. والأفضَلُ أنْ تُحبَسَ الدَّجاجُ حتَّى يَذهبَ ما في بَطنِها مِنْ النَّجاسةِ؛ لِما رُويَ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَحبسُ الدَّجاجَ ثَلاثةَ أيَّامٍ ثم يَأكلُه»، وذلكَ على طَريقِ التنزُّهِ، وهو رِوايةُ أبي يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ عليهِما الرَّحمةُ أنها تُحبَسُ ثَلاثَة أيامٍ، كأنَّه ذهَبَ إلى ذلكَ للخبَرِ ولِما ذكَرْنا أنَّ ما في جَوفِها مِنْ النَّجاسةِ يَزولُ في هذهِ المُدةِ ظاهِرًا وغالِبًا (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يَجوزُ أكلُ لُحومِ الجلَّالةِ مِنْ غيرِ كَراهةٍ، فيَجوزُ أكلُ لَحمِ الماشِيةِ والطَّيرِ الذي يَتغذَّى بالنَّجاسةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بأنَّ

стр. 12005

الخَروفَ إذا ارضَعَتْه خِنزيرةٌ أو كَلبةٌ أنه غَيرُ حَرامٍ أكلُه، ولا خِلافَ أنَّ ألبانَ الخَنازيرِ نَجسةٌ كالعَذرةِ. والمَعنى فيه أنَّ لبَنَ الخِنزيرةِ لا يُدركُ في الخَروفِ إذا ذُبحَ بذُوقٍ ولا شَمٍّ ولا رائِحةٍ، فقدْ نقَلَه اللهُ وأحالَه كما يُحيلُ الغِذاءَ، فإنما حرَّمَ اللهُ أعيانَ النَّجاساتِ المُدرَكاتِ بالحَواسِّ، فالدَّجاجةُ والإبلُ الجلَّالةُ وما شاكَلَها لا يُوجدُ فيها أعيانُ العَذراتِ، وليسَ ذلكَ بأكثَرَ مِنْ النَّباتِ الذي يَنبتُ في العَذرةِ، وهو طاهِرٌ حَلالٌ بإجماعٍ، ولا يَخلو الزَّرعُ مِنْ ذلكَ. وإنما النَّهيُ عن الجلَّالةِ مِنْ جِهةِ التقذُّرِ والتنزُّهِ؛ لِئلَّا يَكونَ الشأنُ في عَلفِ الحَيوانِ النَّجاساتِ، والنَّهيُ عن الجلَّالةِ ليسَ بقَويِّ الإسنادِ (١). أكلُ الدَّمِ أو شُربُه: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ الدَّمِ المَسفوحِ، وعلى أنه نَجسٌ لا يُؤكلُ ولا يُنتفعُ به؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ولقَولِه تَعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الدمَّ حَرامٌ نَجسٌ لا يُؤكلُ ولا يُنتفعُ به، وقد عيَّنَه اللهُ هاهُنا مُطلَقًا، وعيَّنَه في سُورةِ الأنعَام بالمَسفوحِ، وحمَلَ العُلماءُ هاهنا المُطلَقَ على المُقيَّدِ إجماعًا (٢).

стр. 12006

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الدمَ حَرامٌ نَجسٌ لا يُؤكلُ ولا يُنتفعُ بهِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الدمَ المَسفوحَ حَرامٌ (٢). أكلُ السُّمومِ القاتِلةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ أكْلَ السُّمومِ القاتِلةِ حَرامٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ السُّمومَ القتَّالةَ حَرامٌ (٣). المائِعُ إذا غيَّرَتْه نَجاسةٌ أو الفَأرةُ تَقعُ في السَّمنِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الفَأرةَ إذا وَقَعتْ في السَّمنِ أنه لا يَجوزُ أكلُ السَّمنِ الذي حَولَها؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ عن الزُّهريُّ قالَ: أخبَرنِي عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ أنه سَمعَ ابنَ عبَّاسٍ يُحدِّثُه عن مَيمونةَ أنَّ فَأرةً وقَعَتْ في سَمنٍ فماتَتْ فسُئلَ النبيُّ ﷺ عنها فقالَ: «ألقُوهَا وما حَوْلَها وكُلوهُ» (٤).

стр. 12007

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: والعُلماءُ مُجمِعونَ أنَّ هذا حُكمُ السَّمنِ الجامِدِ تَقعُ فيه المَيتةُ أنها تُلقَى وما حَولَها ويُؤكلُ سائِرُه؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ حكَمَ للسَّمنِ المُلاصِقِ للفَأرةِ بحُكمِ الفَأرةِ؛ لتَحريمِ اللهِ المَيتةِ، فأمَرَ بإلقاءِ ما مَسَّها منه. وأما السَّمنُ المائعُ والزَّيتُ والخَلُّ والمُرِّيِّ والعَسلُ وسائِرُ المائِعاتِ تَقعُ فيها المَيتةُ فلا خِلافَ أيضًا بينَ أئمَّةِ الفَتوَى أنه لا يُؤكلُ منها شَيءٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ كلَّ مائعٍ غيَّرَتْه نَجاسةٌ أو مَيتةٌ فأحالَتْ لَونَه أو طَعمَه أو رائِحتَه إلى لَونِها أو طَعمِها أو رائِحتِها فحَرامٌ أكلُه وشُربُه على المُسلمِ، واختَلفُوا إذا لم تُغيرْه. واتَّفقوا أنَّ السَّمنَ إذا وقَعَ فيه فَأرٌ أو فَأرةٌ فماتَ أو ماتَتْ فيه وهو مائعٌ أنه لا يُؤكلُ، واختَلفُوا في بَيعِه والانتفاعِ به. واختَلفُوا في سائرِ المائِعاتِ وفي السَّمنِ الجامِدِ وفي كُلِّ شَيءٍ جامِدٍ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ أكْلَ الفَأرةِ المَيتةِ وما باشَرَها مِنْ السَّمنِ الجامِدِ حَرامٌ لا يَحلُّ أكلُ شَيءٍ مِنْ ذلكَ. واختَلفُوا في السَّمنِ المائعِ الذائِبِ والزَّيتِ المائعِ والخَلِّ والعَسلِ والمُرِّيِّ وسائرِ المائِعاتِ.

стр. 12008

فقالَ جُمهورُ العُلماءِ وجَماعةُ أئمَّةِ الفُتيَا بالأمصارِ: لا يُؤكلُ شَيءٌ مِنْ ذلكَ كلِّه إذا ماتَ فيه شَيءٌ مِنْ الحَيوانِ الذي له دمٌ سائلٌ كالفَأرةِ والعُصفورِ والدَّجاجةِ والوَزغةِ وسائرِ الحَيوانِ المَأكولِ بالذَّكاةِ، وما يُؤكلُ مِنْ الحَيوانِ أصلًا فهو بذلكَ عندَهم أحرَى. وشذَّتْ طائِفةٌ عَنْ الجَماعةِ منهُم داودُ فقالُوا: لا يُؤكلُ الجامِدُ المُتصلُ بالفَأرةِ مِنْ السَّمنِ، ويُؤكلُ غيرُ ذلكَ كلُّه مِنْ مائعٍ وجامِدٍ إذا لم تَظهرْ فيه النَّجاسةُ الواقِعةُ فيه ولم تُغيِّرْ شَيئًا منه، وحَكَموا هنا للمائِعاتِ حُكمَ الماءِ. ومِن أهلِ البِدعِ أيضًا مَنْ أجازَ أكْلَ الجامِدِ وغيرِ الجامِدِ إذا وقَعَتْ فيه الفَأرةُ، ورَدُّوا الحَديثَ كرَدِّهم لسائرِ أخبارِ الآحادِ العُدولِ، عَصَمَنا اللهُ برَحمتِه مِنْ الخُذلانِ. ويَلزمُ داوُدَ ومَن قالَ بقَولِه أنْ لا يَتعدَّى الفَأرةَ كما لا يَتعدَّى السَّمنَ، وأظَنُّه قالَه أو قالَه بعضُ أصحابِه، ويَلزمُهم أيضًا أنْ لا يَعتبِروا إلقاءَها في السَّمنِ الجامِدِ حتى تَكونَ هي التي وقَعَتْ بنَفسِها فماتَتْ؛ لأنَّ الحَديثَ إنما ورَدَ في فَأرةٍ وقَعَ في سَمنٍ، ليسَ فيه أُلقيَتْ، وكَفَى بقَولٍ يَؤولُ برَدِّ أصلِه إلى هذا فَسادًا وقُبحًا. فهذا ما كانَ في أكلِ المائعِ إذا وقَعَتْ فيه المَيتةُ والحَيوانُ فماتَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا وقَعَتِ النَّجاسةُ في مائعٍ كالدُّهنِ وما أشبَهَه نَجِسَ، واستَصبحَ به إنْ أحَبَّ، ولم يَحلَّ أكلُه ولا ثَمنُه).

стр. 12009

ظاهِرُ هذا أنَّ النَّجاسةَ إذا وقَعَتْ في مائعٍ غيرِ الماءِ نجَّسَتْه وإنْ كَثُرَ، وهذا ظاهِرُ المَذهبِ. وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى أنه لا يَنجسُ إذا كَثُرَ، قالَ حَربٌ: سألْتُ أحمَدَ عن كَلبٍ ولَغَ في سَمنٍ أو زَيتٍ قالَ: «إذا كانَ في آنِيةٍ كَبيرةٍ مِثلَ حبٍّ أو نَحوِه رَجوتُ أنْ لا يَكونَ به بأسٌ، يُؤكلُ، وإذا كانَ في آنيةٍ صَغيرةٍ فلا يُعجبُني أنْ يُؤكلَ»، وسُئلَ عن كَلبٍ وقَعَ في خَلٍّ أكثَرَ مِنْ قُلَّتينِ فخرَجَ منه وهو حَيٌّ فقالَ: هذا أسهَلُ مِنْ أنه لو ماتَ. وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: ما أصلُه الماءُ كالخَلِّ التَّمرِي يَدفعُ النَّجاسةَ عن نَفسِه إذا كَثُرَ، وما ليسَ أصلُه الماءُ لا يَدفعُ عن نَفسِه، قالَ المَروذيُّ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فإنْ وقَعَتِ النَّجاسةُ في خَلٍّ أو دِبسٍ؟ فقالَ: أما الخَلُّ فأصلُه الماءُ، يَعودُ إلى أنْ يَكونَ ماءً إذا حُملَ عليهِ، وقالَ ابنُ مَسعودٍ في فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمنٍ: «إنَّما حَرُمَ مِنْ المَيتةِ لَحمُها ودَمُها». ولنا: ما رَوى أبو هُريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ «أنه سُئلَ عن فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمنٍ قالَ: إنْ كانَ جامِدًا فخُذُوها، وما حَولَها فأَلقُوهُ، وإنْ كانَ مائِعًا فلا تَقرَبوهُ»، ولأنَّ غيرَ الماءِ ليسَ بطَهورٍ، فلا يَدفعُ النَّجاسةَ عن نَفسِه (١). ما يُباحُ مِنْ سَمكِ البَحرِ وما لا يُباحُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُباحُ مِنْ سَمكِ البَحرِ وما لا يُباحُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ جَميعَ ما في البَحرِ مِنْ الحَيوانِ مُحرَّمُ الأكلِ،

стр. 12010

إلا السَّمكَ خاصَّةً بجَميعِ أنواعِه، الجَريثِ والمَارماهيِّ، فإنه يَحلُّ أكلُه إلا ما طَفَا منه. وأما غَيرُ السَّمكِ كالسَّرطانِ والسُّلحفاةِ والضُّفدعِ وخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه وإنسانِه فلا يَحلُّ أكلُه ولا بَيعُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما سِوى السَّمكِ خَبيثٌ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حِلِّ جَميعِ ما في البَّحرِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ عِندَهم تَقدَّمَ في كتابِ الصَّيدِ، ولكنْ لأهَميتِه هُنا أذكُرُه بالتَّفصيلِ. قالَ المالِكيةُ: صَيدُ البَحرِ كلُّه جائزٌ أكلُه، كَلبُه وخِنزيرُه، ما لَهُ شَبهٌ في البَرِّ وما لا شَبهَ له، لقَولِه تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فعَمَّ، وقولِه ﷺ : «هوَ الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»، ولأنهُ مِنْ صَيدِ البَحرِ كالسَّمكِ. ولا فصْلَ بينَ ما لهُ شَبهٌ في البَرِّ وبينَ ما لا شبَهَ له في جَوازِ أكلِه مِثلَ كَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وغيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ صُورِه؛ لعُمومِ الظَّواهرِ، ولأنه مِنْ صَيدِ البَحرِ كالذي لا شُبه له، ولا يَحتاجُ شَيءٌ منهُ إلى ذَكاةٍ، وهو حَلالٌ حَيًّا ومَيتًا (٢).
следующие страницы →