← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

صَلاةِ العِشاءِ -كمَن صلَّى العِشاءَ على غيرِ وُضوءٍ، وهو لا يَعلَمُ، ثم تَوضَّأَ، فأوتَرَ، ثم تذكَّر- فإنَّه يُعيدُ صَلاةَ العِشاءِ بالاتِّفاقِ، ولا يُعيدُ الوِترَ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهما -أي: أبي يُوسفَ ومُحمدٍ- يُعيدُ. ووَجهُ قولِ أبي حَنيفةَ أنَّ تَرتيبَ أحَدِهما على الآخَرِ واجِبٌ حالةَ التَّذكُّرِ، فعندَ النِّسيانِ يسقطُ. ووَجهُ قولِهما أنَّه لمَّا كانَ سُنَّةً كانَ وقتُه ما بعدَ وقتِ العِشاءِ؛ لكَونِه تَبَعًا لِلعِشاءِ، كوقتِ رَكعتَيِ الفَجرِ، ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «زادَنِي رَبِّي صَلاةً، وَهي الوِترُ، وَوقتُهَا مَا بينَ العِشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ» (١)، ووُجودُ (ما) بينَ شَيئَينِ -سابِقًا على وُجودِهما- مُحالٌ، والجَوابُ أنَّ إطلاقَ الفِعلِ بعدَ العِشاءِ لا يَنفي الإطلاقَ قبلَه، وعلى هذا الاختِلافِ إذا صلَّى الوِترَ على ظَنِّ أنَّه صلَّى العِشاءَ، ثم تَبيَّن أنَّه لم يُصلِّ العِشاءَ، فإنَّه يُصلِّي العِشاءَ بِالإجماعِ، ولا يُعيدُ الوِترَ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهما: يُعيدُ. ثم إنَّه إذا ذكرَ وهو يُصلِّي الصُّبحَ أنَّه لم يُوتِر، وفي الوقتِ سَعَةٌ، لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ ﵀، ويَقطعُ الصُّبحَ ويُصلِّي الوِترَ؛ لأنَّ الواجِبَ مُلحَقٌ بالفَرضِ في العملِ؛ فيجبُ مُراعاةُ التَّرتيبِ بينَه وبينَ الفَرضِ، وعندَهما يَجوزُ؛ لأنَّ مُراعاةَ التَّرتيبِ بينَ السُّنةِ والمَكتوبةِ غيرُ واجِبةٍ (٢).

стр. 1227

قَضاءُ الوِترِ: ذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ مَنْ تركَ الوِترَ عندَ وقتِه فإنَّه يجبُ عليه القَضاءُ، وهذا على قولِ أبي حَنيفةَ لا يُشكِلُ؛ لأنَّ الوِترَ واجِبٌ؛ فكان مَضمونًا بالقَضاءِ، كالفَرضِ، وكانَ القِياسُ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ ألَّا يَقضيَ، وهكذا رُويَ عنهما في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ، لكنَّهما استَحسَنا في القَضاءِ بالأثَرِ، وهو قولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنِ الوِترِ، أو نَسيَهُ، فَليُصلِّ إذا أصبَحَ، أو ذكرَهُ» (١)، ولم يَفصِل بينَ ما إذا تَذكَّر في الوقتِ أو بعدَه، ولأنَّه مَحَلُّ الاجتِهادِ؛ فأوجَبَ القَضاءَ احتِياطًا (٢). وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّه إذا تَذكَّر الوِترَ بعدَ صَلاةِ الصُّبحِ فإنَّه لا يَقضِيه (٣). وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّه يُستحبُّ قَضاءُ الوِترِ إذا فاتَه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عن الوِترِ أو نَسيَهُ، فَليُصلِّ إذا أصبَحَ، أو ذكرَهُ». والقولُ الثاني عندَ الشافِعيَّة والحَنابِلةِ أنَّه لا يَقضِيه، وهو نَصُّ الشافِعيِّ في القَديمِ، وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ (٤).

стр. 1228

عدد رَكعاتِ الوِترِ: ذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الوِترَ ثَلاثُ رَكعاتٍ بتَشهُّدَينِ، وسَلامٍ، كما يُصلَّى المَغربُ، ولا يَجوزُ الوِترُ عندَهم بواحدةٍ، وذلك لمَا رَواه مُحمدُ بنُ كَعبٍ القُرَظِيُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «نَهى عَنِ البُتَيرَاءِ» (١)، وعَن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «الوِترُ ثَلَاثٌ، كَوِترِ النَّهَارِ، صَلاةِ المَغربِ» (٢). وعَن عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان: «لَا يسلِّمُ في رَكعتَيِ الوِترِ» (٣) (٤). أما المالِكيَّةُ: فإنَّ الوِترَ عندَهم رَكعةٌ واحدةٌ، ولا بدَّ مِنْ شَفعٍ يَسبِقُها. قال الباجِيُّ: هذا هو المَشهورُ. واختُلِفَ: هل تَقَدُّمُ الشَّفعِ شَرطُ صحَّةٍ أو كَمالٍ؟ قالوا: وقد تُسَمَّى الرَّكعاتُ الثَّلاثُ وِترًا، إلا أنَّ ذلك مَجازٌ، والوِترُ في الحَقيقةِ هو الرَّكعةُ الواحدةُ، ويُكرَهُ أن يُوتِرَ بثَلاثٍ بتَسلِيمةٍ واحدةٍ في آخرِها، ويُكرَهُ أن يُصلِّيَ واحدةً فَقط، بل بعدَ نافِلةٍ، وأقَلُّ تلك النَّافِلةِ رَكعَتانِ، ولا حَدَّ لأكثَرِها.

стр. 1229

قالوا: والأصلُ في ذلك حَديثُ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فإذا خَشِيَ أَحدُكُمُ الصُّبحَ صلَّى رَكعَةً واحدةً تُوتِرُ له ما قَدْ صلَّى» (١). ويُستَثنَى مِنْ كَراهَةِ الإيتار برَكعةٍ واحدةٍ مَنْ كانَ له عُذرٌ، كالمُسافرِ والمَريضِ، فقد قِيلَ: لا يُكرَهُ له ذلك، وقيلَ: يُكرَهُ له أيضًا. فإن أوتَرَ دونَ عُذرٍ بواحدةٍ دونَ شَفعٍ قبلَها، قال أشهَبُ: يُعيدُ وِترَه بإثرِ شَفعٍ، ما لم يُصلِّ الصُّبحَ، وقال سُحنُونُ: إن كان بحَضرةِ ذلك، أي: بالقُربِ، شَفَعَها برَكعةٍ، ثم أوتَرَ، وإن تباعد أجزَأَهُ. وقالوا: لا يُشترَطُ في الشَّفعِ قبلَ الوِترِ نيَّةٌ تَخُصُّه، بل يَنوبُ مَكانَ الشَّفعِ كلُّ نافِلةٍ. هذا هو الصَّحيحُ (٢). وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ أقَلَّ صَلاةِ الوِترِ رَكعةٌ واحدةٌ، ويَجوزُ ذلك بِلا كَراهَةٍ، لكنَّ الاقتصارَ عليها خِلافُ الأَولَى؛ لحَديثِ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فإذا خَشِيتَ الصُّبحَ فَأَوتِر بِواحدةٍ» (٣). ونَصَّ الحَنابلَةُ على أنَّه لا يُكرَهُ الإيتارُ بها مُفرَدَةً، ولو بِلا عُذرٍ مِنْ مرَضٍ أو سَفرٍ ونحوِهما؛ لِلحَديثِ السابقِ، وأكثرُ الوِترِ عندَهم إحدى عَشرَةَ رَكعةً، وفي وَجهٍ عندَ الشافِعيَّةِ أكثرُه ثَلاثَ عَشرَةَ رَكعةً، ويَجوزُ بِما

стр. 1230

بينَ ذلك مِنْ الأوتار، ويسلِّمُ مِنْ كلِّ رَكعتَينِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى … » الحَديثَ. ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الوِترُ حَقٌّ على كلِّ مُسلِمٍ، فمَن أَحبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمسٍ فَليَفعل، وَمَنْ أَحبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاث فَليَفعل، وَمَنْ أَحبَّ أَنْ يُوتِرَ بِواحدةٍ فَليَفعل» (١). وقولِه: «أَوتِرُوا بِخَمسٍ، أو بِسَبعٍ، أو بِتِسعٍ، أو بِإِحدَى عَشرَةَ» (٢)، وأدنَى الكَمالِ عندَهم ثَلاثُ رَكعاتٍ، فلو اقتَصرَ على رَكعةٍ، كان خِلافَ الأَولَى، كما سبقَ (٣). صِفةُ صَلاةِ الوِترِ: أولًا: الوَصلُ: المُصلِّي إمَّا أن يُوتِرَ برَكعةٍ، وإمَّا بثَلاثٍ، وإمَّا بأكثرَ: أ- فإن أوتَرَ المُصلِّي برَكعةٍ -عندَ القائِلينَ بجَوازِه- فالأمرُ واضِحٌ. ب- وإن أوتَرَ بثَلاثٍ فله ثَلاثُ صُوَرٍ: الصُّورةُ الأُولى: أن يَفصِلَ الشَّفعَ بالسَّلامِ، ثم يُصلِّيَ الرَّكعةَ الثالِثةَ بتَكبيرةِ إحرامٍ مُستَقِلَّةٍ، وهذه الصُّورةُ هي المُعَيَّنةٌ عندَ المالِكيَّةِ، وهي

стр. 1231

الأفضَلُ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ، قالوا: إنَّ الأفضَلَ أن يُصلِّيَها مَفصولةً بسَلامَينِ؛ لِكَثرَةِ الأحادِيثِ الصَّحيحةِ فيه، ولِكَثرَةِ العِباداتِ: فإنَّه تَتجدَّدُ النِّيةُ ودُعاءُ التَّوجُّهِ والدُّعاءُ في آخرِ الصَّلاةِ، والسَّلامُ، وغيرُ ذلك. وفي قَولٍ عندَ الشافِعيَّةِ: إن كانَ إمامًا فالوَصلُ أفضَلُ؛ حتى تَصحَّ صَلاتُه لكلِّ المُقتدِينَ، وإن كان مُنفرِدًا فالفَصلُ أفضَلُ. ودَليلُ ذلك ما رَواهُ مُسلِمٌ عن عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: «كانَ رَسولُ ﷺ يُصلِّي فِيمَا بينَ أَنْ يَفرُغَ مِنْ صَلاةِ العِشاءِ، وَهي الَّتِي يَدعُو النَّاسُ العَتَمةَ، إلى الفَجرِ، إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يسلِّمُ بينَ كلِّ رَكعتَينِ، وَيُوتِرُ بِواحدةٍ» (١). وعَنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يَفصِلُ بينَ الشَّفعِ وَالوِترِ بِتَسلِيمٍ يُسمِعُنَاهُ» (٢). الصُّورةُ الثَّانيةُ: أن يُصلِّيَ الثَّلاثَ مُتَّصِلةً سَردًا، أي: مِنْ غيرِ أن يَفصِلَ بينَها بسَلامٍ، ولا جُلوسٍ، وهي عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ جائِزةٌ، وهي أولَى مِنْ الصُّورةِ الثَّالثةِ التالِيةِ، واستدَلُّوا على هذه الصُّورةِ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يُوتِرُ بِخَمسٍ، ولا يَجلِسُ إلا في آخرِهِنَّ» (٣). وهذه الصُّورةُ مَكروهةٌ عندَ المالِكيَّةِ، لكن إن صلَّى خلفَ مَنْ فعلَ ذلك، يُواصِلُ معه.

стр. 1232

الصُّورةُ الثَّالثةُ: الوَصلُ بينَ الرَّكعاتِ الثَلاث، بأن يَجلِسَ بعدَ الثَّانيةِ فيتشهَّدَ ولا يسلِّمَ، بل يَقومُ لِلثالِثةِ ويسلِّمُ بعدَها؛ فتَكونُ في الهَيئةِ كصَلاةِ المَغربِ، إلا أنَّه يَقرأُ في الثَّالثَةِ سُورةً بعدَ الفاتِحةِ، خِلافًا لِلمَغربِ. وهذه الصُّورةُ هي المُتعيَّنةُ عندَ الحَنفيَّةِ، وهذا قولُ أبي زَيدٍ المَروَزِيِّ مِنْ الشافِعيَّةِ، قالَ: لِلخُروجِ مِنْ الخِلافِ؛ فإنَّ أبا حَنِيفَةَ لا يُصحِّحُ المَفصُولةَ. لكنَّ الصَّحيحَ عندَ الشافِعيَّةِ أنَّها جائِزةٌ مع الكَراهةِ؛ لأنَّ تَشبيهَ الوِترِ بالمَغربِ مَكروهٌ. وقالَ الحَنابلَةُ: يَجوزُ أن يُصلِّيَ الرَّكعاتِ الثَّلاثَ كالمَغربِ -كَما يَقولُ الحَنفيَّةُ-، قالَ القاضي أبو يَعلَى: إذا صلَّى الثَّلاثَ بسَلامٍ ولم يكن جلسَ عَقِبَ الثَّانيةِ جازَ، وإن كان جلسَ فَوَجهانِ، أصحُّهُما: لا يَكونُ وِترًا. وخَيَّرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ بينَ الفَصلِ والوَصلِ. ج- أن يُصلِّيَ أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ: وهذا جائِزٌ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ كما تَقدَّم. قال الشافِعيَّةُ: إذا أوتَرَ بإحدى عَشرَةَ رَكعةً فمَا دُونَها؛ فالأفضَلُ أن يسلِّمَ مِنْ كلِّ رَكعتَينِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي فِيمَا بينَ أَنْ يَفرُغَ مِنْ صَلاةِ العِشاءِ، وَهي التي يَدعُو النَّاسُ العَتَمةَ، إلى الفَجرِ، إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً، يسلِّمُ بينَ كلِّ رَكعتَينِ، وَيُوتِرُ بِواحدةٍ» (١). وإن أرادَ جَمعَها بتَشهُّدٍ واحدٍ في آخرِها كلِّها جازَ، وإن

стр. 1233

أرادَها بتَشهُّدَينِ وسَلامٍ واحدٍ يَجلِسُ في الأخيرةِ والَّتي قبلَها جازَ. وكذلك إذا أرادَ أن يُصلِّيَ أربَعًا بتَسليمةٍ، أو سِتًّا بتَسليمةٍ، ثم يُصلِّيَ رَكعةً، وله الوَصلُ بتَشهُّدٍ، أو تَشهُّدَينِ في الثَلاث الأخيرةِ. وقال الحَنابلَةُ: إن أوتَرَ بإحدى عَشرَةَ سلَّم مِنْ كلِّ رَكعتَينِ -لِحَديثِ عائِشةَ المُتقَدِّمِ- وإن صلَّاها، أي: الإحدى عَشرَةَ كلَّهَا بسَلامٍ واحدٍ، بأن سَرَدَ عَشرًا، وتَشهَّدَ التشهُّدَ الأوَّلَ، ثم قامَ فأتى بالرَّكعةِ، جازَ، أو سَرَدَ الجَميعَ، ولم يَجلِس إلا في الأخيرةِ جازَ، لكنَّ الصِّفةَ الأُولى أَولى؛ لأنَّها فِعلُه ﷺ . وإن أوتَرَ بخَمسٍ أو سَبعٍ فالأفضَلُ أن يَسرُدَهُنَّ سَردًا، فلَا يَجلِسَ إلا في آخرِهِنَّ، لِحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالَت: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي مِنْ اللَّيلِ ثَلاث عَشرَةَ رَكعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذلك بِخَمسٍ لَا يَجلِسُ في شَيءٍ إلا في آخرِها» (١)؛ ولِحَديثِ أُمِّ سَلمةَ ﵂ قالَت: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُوتِرُ بِسَبعٍ، أو بِخَمسٍ، لَا يَفصِلُ بينَهُنَّ بِتَسلِيمٍ» (٢). واختارَ ابنُ قُدامةَ أنَّه إذا صلَّى سَبعًا جلسَ عُقَيبَ السَّادِسةِ فتَشهَّدَ ولم يسلِّم، ثم يَجلِسُ بعدَ السابعةِ فيتشهَّدُ ويسلِّمُ. وإن أوتَرَ بتِسعٍ فالأفضَلُ أن يَسرُدَ ثَمانِيًا، ثم يَجلِسَ لِلتشهُّدِ، ولا يسلِّمَ، ثم يُصلِّيَ التَّاسِعةَ ويتشهَّدَ ويسلِّمَ.

стр. 1234

ويَجوزُ في الخَمسِ والسَّبعِ والتِّسعِ أن يسلِّمَ مِنْ كلِّ رَكعتَينِ (١). ما يُقرَأُ في صَلاةِ الوِترِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُقرَأُ في كلِّ رَكعةٍ مِنْ الوِترِ الفاتِحةُ وسُورةٌ، والسُّورةُ عندَ الجُمهورِ سُنَّةٌ، لا يَعودُ لها إن رَكَعَ وتركَها. ثم إنَّ الحَنفيَّةَ لم يُوقِّتوا في القِراءةِ في الوِترِ شَيئًا غيرَ الفاتِحةِ، فمَا قُرِئَ فيه مِنْ شَيءٍ فهو حَسَنٌ، وما وردَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قرأَ في الوِترِ في الرَّكعةِ الأُولى بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثَّانيةِ ب ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثَّالثةِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإن قرأَ هذا فهو حَسَنٌ؛ اتِّباعًا لِلنَّبيِّ ﷺ ، لكن لا يُواظِبُ عليه؛ كي لا يَظُنَّه الجُهَّالُ حَتمًا (٢). وَذَهب الحَنابلَةُ إلى أَنَّه يُستحبُّ أن يُقرَأَ في رَكعاتِ الوِترِ الثَّلاثِ بالسُّوَرِ الثَّلاثِ المَذكورةِ؛ لمَا رَواه أُبَيُّ بنُ كَعبٍ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ

стр. 1235

ﷺ يُوتِرُ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾» (١). وَذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ كذلك إلى أَنَّه يُندَبُ أن يُقرَأَ في الشَّفعِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، أمَّا في الثَّالثةِ فيُندَبُ أن يُقرَأَ بسُورةِ الإخلاصِ والمُعوِّذتَينِ؛ لمَا رَوَت عائِشةُ ﵂: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَقرأُ في الرَّكعةِ الأُولى: بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثَّانيةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثَّالثةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَينِ» (٢) (٣). فِعلُ الوِترِ على الرَّاحِلةِ في السَّفرِ: ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى جَوازِ صَلاةِ الوِترِ على الرَّاحِلةِ في السَّفرِ، كسائرِ النَّوافِلِ، سَواءٌ كانَ له عُذرٌ أو لا؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «يُسبِّحُ على الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عليها، غيرَ أَنَّه لَا يُصلِّي عليها المَكتُوبَةَ» (٤). وعن سَعيدِ بنِ يَسارٍ أَنَّه قالَ: «كُنْتُ أسيرُ مع ابنِ عمرَ ﵄ بطَريقِ مَكةَ، قالَ سَعيدٌ: فَلمَّا خَشِيتُ الصُّبحَ، نَزَلتُ فَأَوتَرتُ، ثم أَدرَكتُه، فقالَ ليَ

стр. 1236

ابنُ عمرَ: أَينَ كُنتَ؟ فقُلتُ له: خَشِيتُ الفَجرَ، فَنَزَلتُ فَأَوتَرتُ. فقالَ عَبدُ اللهِ: أَلَيسَ لكَ في رَسولِ اللهِ ﷺ أُسوَةٌ؟ فقُلتُ: بَلَى واللهِ. قالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُوتِرُ على البَعِيرِ» (١). وَذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ صَلاةَ الوِترِ لا تَصحُّ إلا عن قيامٍ، إلا لعاجِزٍ، ولا تَصحُّ على الرَّاحِلةِ إلا بعُذرٍ (٢). نَقضُ الوِترِ: مَنْ صلَّى الوِترَ ثم بَدا له بعدَ ذلك أن يُصلِّيَ نَفلًا جَازَ بِلَا كَراهةٍ، ودَليلُه حَديثُ عائِشةَ ﵂، وقد سُئِلت عن وِترِ رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَت: «كُنَّا نُعِدُّ له سِوَاكَه وَطَهُورَهُ، فَيَبعَثُهُ اللهُ ما شَاءَ أَنْ يَبعَثَهُ مِنْ اللَّيلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتوضَّأُ وَيُصلِّي تِسعَ رَكَعاتٍ، لَا يَجلِسُ فيها إلا في الثَّامِنَةِ، فَيَذكُرُ اللهَ وَيَحمدُهُ وَيَدعُوهُ، ثم يَنهَضُ ولا يسلِّمُ، ثم يَقومُ فيُصلِّي التَّاسِعَةَ، ثم يَقعُدُ فَيَذكُرُ اللهَ وَيَحمدُهُ وَيَدعُوهُ، ثم يسلِّمُ تَسلِيمًا يُسمِعُنَا، ثم يُصلِّي رَكعتَينِ بعدَما يسلِّمُ وهو قاعِدٌ» رَواه مُسلِم (٣)، وهو بَعضُ حَديثٍ طَويلٍ. قال النَّوويُّ ﵀: وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على أَنَّه ﷺ صلَّى الرَّكعتَينِ بعدَ الوِترِ، بَيانًا لِجَوازِ الصَّلاةِ بعدَ الوِترِ (٤).

стр. 1237

ثم إنَّه إذا أرادَ أن يُصلِّيَ بعدَ الوِترِ فإنَّ له عندَ الفُقهاءِ طَريقَتَينِ: الطَّريقةُ الأُولى: أن يُصلِّيَ شَفعًا ما شاءَ، ثم ألا يُوتِرَ بعدَ ذلك، وإلى هذا ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ والشافِعيَّةُ في المَشهورِ عندَهم، واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ عائِشةَ ﵂ المُتقدِّمِ أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يُصلِّي بعدَ الوِترِ رَكعتَينِ. وبِحَديثِ طَلقِ بنِ علِيٍّ ﵁ مَرفوعًا: «لَا وِترَانِ في لَيلَةٍ» (١)؛ وهو مَروِيٌّ عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وسَعدٍ وعمَّارٍ وابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ ﵂، وقد سُئلَت عن الذي يَنقُضُ وِترَه، فقالَت: «ذَاكَ الذي يَلعَبُ بِوِترِهِ» (٢). الطَّريقةُ الثَّانيةُ: أن يَبدَأَ نَفلَه برَكعةٍ يَشفَعُ بها وِترَه، ثم يُصلِّيَ شَفعًا ما شاءَ، ثم يُوتِرَ، وهو قولُ بعضِ الشافِعيَّةِ، وهو مَروِيٌّ عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ وعلِيٍّ وأُسامةَ، وسَعدٍ وعمرَ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَعلَّهم ذَهَبوا إلى قولِ النَّبيِّ ﷺ : «اجعَلوا آخر صَلاتِكم مِنْ اللَّيلِ وِترًا» (٣)، قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: هذا في الرَّجلِ يُريدُ الصَّلاةَ مِنْ اللَّيلِ، فإذا أرادَ ذلك، فالسُّنةُ أن يُصلِّيَ مَثنى مَثنَى، ثم يُوتِرَ آخر صَلاتِه، وليس ذلك لِمَنْ قد أوتَرَ مرَّةً؛ إذ ليس مِنْ السُّنةِ أن يُوتِرَ في لَيلةٍ مرَّتينِ، والدَّليلُ على مَعنى قولِ ابنِ عمرَ المَعنى الذي قُلنا أنَّ ابنَ عمرَ -وهو الرَّاوِي لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «اجعَلُوا آخر صَلاتِكُم بِاللَّيلِ وِترًا» -

стр. 1238

قد سُئلَ عن نَقضِ الوِترِ فقالَ: «إنَّما هو شَيءٌ أَفعَلُه بِرَأيٍ، لَا أَروِيهِ عَنْ أَحدٍ». قالَ ابنُ المُنذرِ -بعدَ أن ذكرَ سَندَه-: ولَا أعلَمُ اختِلافًا في أنَّ رَجلًا بعدَ أن أدَّى صَلاةَ فَرضٍ، كما فُرِضت عليه، ثم أرادَ بعدَ أن فرغَ منها نَقضًا أن لا سَبيلَ له إليه، فحكمُ المُختَلَفِ فيه مِنْ الوِترِ حكمُ ما لا نَعلمُهم اختَلَفوا فيه ممَّا ذكَرنا، وكذلك الحَجُّ والصَّومُ والعُمرةُ، والاعتِكافُ، لا سَبيلَ إلى نَقضِ شَيءٍ منها بعدَ أن يُكمِلَها (١). القُنوتُ في الوِترِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ القُنوتِ في صَلاةِ الوِترِ على أربَعةِ أقوالٍ: الأوَّل: لِأبي حَنيفَةَ ﵀، وهو أنَّ القُنوتَ واجِبٌ في الوِترِ قبلَ الرُّكوعِ في جَميعِ السَّنَةِ. وقالَ الصَّاحِبانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: هو سُنَّةٌ في كلِّ السنةِ قبلَ الرُّكوعِ. قال الكاسانيُّ ﵀: وذلك لمَا رُويَ عن عمرَ وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ ﵃ أَنَّهم قالوا: «رَاعَينَا صَلاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ بِاللَّيلِ، فقنَت قبلَ الرُّكُوعِ» (٢). ولم يَذكُروا وَقتًا في السنةِ.

стр. 1239

فعَلى هذا إذا فرغَ مُصلِّي الوِترِ مِنْ القِراءةِ في الرَّكعةِ الثَّالثةِ كبَّر رافِعًا يَديه، ثم يَقرأُ دُعاءَ القُنوتِ. أمَّا مِقدارُ القُنوتِ فقد ذكرَ الكَرخِيُّ أنَّ مِقدارَ القِيامِ في القُنوتِ مِقدارُ سُورةِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه كانَ يَقرأُ في القُنوتِ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ … » إلخ؛ «اللَّهُمَّ اهدِنَا فِيمَن هَدَيتَ … » إلخ؛ وكِلاهما على مِقدارِ هذه السُّورةِ. قالَ الكاسانيُّ: أمَّا دُعاءُ القُنوتِ فليس في القُنوتِ دُعاءٌ مُؤقَّتٌ، كذا ذكرَ الكَرخِيُّ في كتابِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه رُويَ عن الصَّحابةِ أدعِيةٌ مُختَلِفةٌ في حالِ القُنوتِ، ولأنَّ المُؤقَّتَ مِنْ الدُّعاءِ يَجري على لِسانِ الدَّاعي مِنْ غيرِ احتِياجِه إلى إحضارِ قَلبِه وصِدقِ الرَّغبةِ منه إلى اللهِ تَعالى، فيَبعُدُ عن الإجابةِ، ولِأَنَّه لا تَوقيتَ في القِراءةِ لِشَيءٍ مِنْ الصَّلواتِ، ففي دُعاءِ القُنوتِ أَولى. وقد رُويَ عن مُحمدٍ أَنَّه قالَ: التَّوقيتُ في الدُّعاءِ يُذهِبُ رِقَّةَ القَلبِ. وقالَ بَعضُ مَشايِخِنا: المُرادُ مِنْ قولِه: ليس في القُنوتِ دُعاءٌ مُؤقَّتٌ مَا سِوى قولِه: «اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ … »؛ لأنَّ الصَّحابَةَ ﵃ اتَّفَقوا على هذا في القُنوتِ، فالأَولى أن يَقرأَه، ولو قرأَ غيرَه جازَ، ولو قرأَ معَه غيرَه كانَ حَسَنًا، والأَولى أن يَقرأَ بعدَه ما علَّم رَسولُ اللهِ ﷺ الحَسنَ بنَ عَلِيٍّ ﵁ في قُنوتِه: «اللَّهُمَّ اهدِنَا فِيمَن هَدَيتَ … » إلى آخرِه. وقالَ بَعضُهم: الأفضَلُ في الوِترِ أن يَكونَ فيه دُعاءٌ مُؤقَّتٌ، لأنَّ الإمامَ رُبَّما يَكونُ جاهِلًا، فيأتي بدُعاءٍ يُشبِهُ كَلامَ النَّاسِ، فيُفسِدُ الصَّلاةَ، ومَا رُويَ

стр. 1240

عن مُحمدٍ أنَّ التَّوقيتَ في الدُّعاءِ يُذهِبُ رِقَّةَ القَلبِ مَحمولٌ على أدعيةِ المَناسِكِ دونَ الصَّلاةِ؛ لمَا ذكَرنا. وأمَّا صِفةُ دُعاءِ القُنوتِ مِنْ الجَهرِ والمُخافَتةِ فقد ذكرَ القاضي في شَرحِه: «مُختَصَر الطَّحاوي» أَنَّه إن كانَ مُنفرِدًا فهو بالخيارِ، إن شاءَ جهرَ وأسمعَ غيرَه، وإن شاءَ جهرَ وَأسمعَ نَفسَه، وإن شاءَ أسَرَّ، كما في القِراءةِ، وإن كانَ إمامًا يَجهَرُ بالقُنوتِ، لكن دونَ الجَهرِ بالقِراءةِ في الصَّلاةِ، والقَومُ يُتابِعونَه هكذا، إلى قولِه: «إنَّ عَذَابَكَ بِالكُفَّارِ مُلحَقٌ»، وإذا دَعا الإمامُ بعدَ ذلك، هل يُتابِعُه القَومُ؟ ذكرَ في الفَتاوى اختِلافًا بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ، في قولِ أبي يُوسفَ: يُتابِعُونَه ويَقرؤُونَ، وفي قولِ مُحمدٍ: لا يَقرؤُونَ، ولكن يُؤَمِّنُونَ، وقالَ بَعضُهم: إن شاءَ القَومُ سَكَتوا. وأمَّا الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ في القُنوتِ فقد قالَ أبو القاسِمِ الصَّفَّارُ: لا يَفعلُ، لأنَّ هذا ليس مَوضِعَها. وقالَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ: يَأتي بها؛ لأنَّ القُنوتَ دُعاءٌ؛ فالأفضَلُ أن يَكونَ فيه الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، ذكرَه في الفَتاوى. واختارَ مَشايِخُنا بما وَراءَ النَّهَرِ الإخفاءَ في دُعاءِ القُنوتِ في حقِّ الإمامِ والقَومِ جَميعًا؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقولِ النَّبيِّ ﷺ : «خَيرُ الدُّعاءِ الخَفِيُّ» (١).

стр. 1241

أمَّا حكمُ القُنوتِ إذا فاتَ عن مَحَلِّه فنَقولُ: إذا نَسيَ القُنوتَ حتى ركَع ثم تذكَّر بعدَما رفعَ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ لا يَعودُ، ويسقطُ عنه القُنوتُ، وإن كانَ في الرُّكوعِ فكذلك في ظاهِرِ الرِّوايةِ. ورُويَ عن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ أَنَّه يَعودُ إلى القُنوتِ؛ لأنَّ له شَبَهًا بالقِراءةِ، فيَعودُ، كما لو تركَ الفاتِحةَ أوِ السُّورةَ، فتذكَّرها في الرُّكوعِ، أو بعدَ رَفعِ الرَّأسِ منه، فإنَّه يَعودُ ويَنتَقِضُ رُكوعُه، كَذا ههنا (١). القولُ الثَّاني: لِلمالِكيَّةِ في المَشهورِ أَنَّه يُكرَه القُنوتُ في الوِترِ. وفي رِوايةٍ عنه -أي: الإمامِ مالِكٍ- أَنَّه يَقنُتُ في النِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ (٢). قال الزرقانيُّ ﵀: رَوى المدَنِيُّونَ وابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ أنَّ الإمامَ كانَ يَقنُتُ في النِّصفِ الآخَرِ مِنْ رَمضانَ، يَلعَنُ الكفَرةَ ويُؤمِّنُ مَنْ خلفَه. ورَوى ابنُ نافِعٍ عن مالِكٍ أنَّ القُنوتَ في الوِترِ واسِعٌ، إن شاءَ فعلَ، وإن شاءَ تركَ. ورَوى ابنُ القاسِمِ عنه: ليس عليه العملُ، ومعناه عِنْدِي: ليس بسُنَّةٍ، لكِن مُباحٌ. ذكرَ ابنُ عَبد البرِّ: لكِن رَوى المِصرِيُّونَ أنَّ مالِكًا، قال: لا يَقنُتُ في الوِترِ، أي: لا في رَمضانَ ولا في غيرِه، وهو المَذهبُ، وقد قالَ ابنُ القاسِمِ: كان مالِكٌ بعدَ ذلك يُنكِرُه إنكارًا شديدًا، ولا أرَى أن يُعمَلَ به (٣).

стр. 1242

القولُ الثَّالثُ: لِلشافِعيَّةِ في المَذهبِ: وهو أَنَّه يُستحبُّ القُنوتُ في الوِترِ في النِّصفِ الأخيرِ مِنْ شَهرِ رَمضانَ خاصَّةً، فإن أوتَرَ برَكعَةٍ قنَت فيها، وإن أوتَرَ بأكثرَ قنَت في الأخيرةِ. وفي وَجهٍ عندَهم أَنَّه يُستحبُّ أن يَقنُتَ في جَميعِ شَهرِ رَمضانَ. وفي وَجهٍ ثالِثٍ أَنَّه يُستحبُّ القُنوتُ في الوِترِ في جَميعِ السَّنَةِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا الوَجهُ قَويٌّ في الدَّليلٍ، لحَديثِ الحَسنِ بنِ عَلِيٍّ ﵁ في القُنوتِ، لكنَّ المَشهورَ في المَذهبِ ما سبقَ، وبه قالَ جُمهورُ الأصحابِ. قالَ الرَّافِعيُّ: وظاهرُ كَلامِ الشافِعيِّ ﵀ كَراهَةُ القُنوتِ في غيرِ النِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ (١). أمَّا مَحَلُّ القُنوتِ في الوِترِ عندَهم فهو بعدَ رَفعِ الرَّأسِ مِنْ الرُّكوعِ على الصَّحيحِ المَشهورِ، وفي وَجهٍ: قبلَ الرُّكوعِ، قالَه ابنُ سُرَيجٍ، والثَّالثُ: يَتخيَّرُ بينَهما، حَكاهُ الرَّافِعيُّ. أمَّا لَفظُ القُنوتِ في الوِترِ فالاختِيارُ أن يَقولَ ما رُويَ عن الحَسنِ بنِ علِيٍّ ﵁ قالَ: علَّمنِي رَسولُ اللهِ ﷺ كَلِماتٍ أقولُهنَّ في الوِترِ: «اللَّهُمَّ اهدِنِي فِيمَن هَدَيتَ، وَعافِنِي فِيمَن عافَيتَ، وَتَولَّنِي فِيمَن تَولَّيتَ، وَبارِك لي فِيمَا أَعطَيتَ، وَقِنِي شَرَّ ما قَضيتَ؛ إِنَّكَ تَقضِي ولا يُقضَى عَلَيكَ، وَإِنَّه لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيتَ، تَبارَكتَ رَبَّنَا وَتَعالَيتَ» (٢). وزادَ العُلماءُ فيه: «ولا

стр. 1243

يَعِزُّ مَنْ عادَيتَ». قبلَ: «تَبارَكتَ رَبَّنَا وَتَعالَيتَ». وبعدَه: «فلَكَ الحَمدُ على مَا قَضيتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيكَ». قالَ النَّوويُّ: قالَ أصحابُنا: لا بَأسَ بهذه الزِّيادةِ. وقالَ أبو حامِدٍ والبَندنيجِيُّ وآخَرونَ: مُستحَبَّةٌ (١). ويُسنُّ أن يَقولَ عَقِبَ هذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وَعلى آلِ مُحمَّدٍ. وذلك في الوَجهِ الصَّحيحِ المَشهورِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: واعلَم أنَّ القُنوتَ لا يَتعيَّنُ فيه دُعاءٌ على المَذهبِ المُختار، فأيُّ دُعاءٍ دَعا به حصَل القُنوتُ، ولو قنَت بآيةٍ، أو آياتٍ مِنْ القُرآنِ العَزيزِ، وهي مُشتمِلةٌ على الدُّعاءِ حصَل القُنوتُ، ولكنَّ الأفضَلَ ما جاءَت به السُّنةُ (٢). واستَحَبَّ الشافِعيَّةُ أن يُضَمَّ إلى ما ذكَرنا مِنْ دُعاءِ القُنوتِ قُنوتُ عمرَ ﵁، فقد رُويَ أَنَّه قنَت في الصُّبحِ بعدَ الرُّكوعِ، فقالَ: «اللَّهُمَّ اغفِر لنا ولِلمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ، وَالمُسلِمِينَ وَالمُسلمَاتِ، وَأَلِّف بينَ قُلُوبِهم، وَأصلِح ذَاتَ بَينِهم، وَانصُرهُم على عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمُ، اللَّهُمَّ العَن كفرَةَ أَهلِ الكتابِ الذينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقاتِلُونَ أَولِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِف بينَ كَلِمَتِهم، وَزَلزِل أَقدَامَهم، وَأَنزِل بِهم بَأسَكَ الذي لَا تَرُدُّهُ عَنِ القَومِ المُجرِمِينَ، بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ وَنَستَغفِرُكَ

стр. 1244

وَنُثنِي عَلَيكَ ولا نَكفُرُكَ، ونَخلَعُ ونَترُكُ مَنْ يَفجُرُكَ، بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسجُدُ، وَإِلَيكَ نَسعَى ونَحفِدُ، ونَخشى عَذابَكَ، ونَرجو رَحمَتَكَ؛ إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بِالكُفَّارِ مُلحَقٌ» (١). وأمَّا الجَهرُ بالقُنوتِ أوِ الإسرارُ بِه، فيُفرَّقُ فيه بينَ ما إذا كانَ المُصلِّي إمامًا، أو مُنفرِدًا، أو مَأمومًا. فإن كانَ إمامًا: يُستحبُّ له الجَهرُ بالقُنوتِ في الأصَحِّ، وإن كان مُنفرِدًا يُسِرُّ به بلا خِلافٍ. وإن كان مَأمومًا: فإن لم يَجهَرِ الإمامُ، قنَت سِرًّا كسائرِ الدَّعَواتِ، وإن جهرَ الإمامُ بالقُنوتِ، فإن كانَ المَأمومُ يَسمَعُه أمَّنَ على دُعائِه وشارَكَه في الثَّناءِ على آخرِه، وإن كان لا يَسمَعُه قنَت سِرًّا (٢). القولُ الرابِعُ: لِلحَنابلَةِ، وهو أَنَّه يُسنُّ القُنوتُ في الوِترِ في الرَّكعةِ الواحدةِ الأخيرةِ في جَميعِ السَّنَةِ، هذا هو المَنصوصُ، وتَعليلُ مَشروعيَّةِ كلِّ السَّنَةِ أَنَّه وِترٌ، فيُشرعُ فيه القُنوتُ، كالنِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ، ولِأَنَّه ذِكرٌ شُرِعَ في الوِترِ، فشُرِعَ في جَميعِ السَّنَةِ كسائرِ الأذكارِ. وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: أَنَّه لا يُقنَتُ إلا في النِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ.

стр. 1245

ويَكونُ القُنوتُ بعدَ الرُّكوعِ؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ وأنَسٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «قنَت بعدَ الرُّكُوعِ» (١). ولو كبَّر ورفعَ يَديهِ بعدَ القِراءةِ، ثم قنَت قبلَ الرُّكوعِ، جازَ، لمَا رَوى أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قنَت في الوِترِ قبلَ الرُّكُوعِ» (٢). وهَيئةُ القُنوتِ أن يَرفَعَ يَديهِ إلى صَدرِه ويَبسُطَهما وبَطنَاهُما نحوَ السَّماءِ، ولو كانَ مَأمومًا، ويَقولَ جَهرًا -سَواءٌ كانَ إمامًا، أو مُنفرِدًا-: «اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ وَنَستَهدِيكَ وَنَستَغفِرُكَ وَنَتُوبُ إلَيكَ، وَنُؤمِنُ بكَ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيكَ وَنُثنِي عَلَيكَ الخَيرَ كلَّهُ، وَنَشكُرُكَ ولا نَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسجُدُ، وَإِلَيكَ نَسعَى وَنَحفِدُ، نَرجو رَحمَتَكَ، وَنَخشَى عَذَابَكَ؛ إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بِالكُفَّارِ مُلحَقٌ، اللَّهُمَّ اهدِنَا فِيمَن هَدَيتَ، وَعافِنَا فِيمَن عافَيتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَن تَوَلَّيتَ، وَبارِك لنا فِيمَا أَعطَيتَ، وَقِنَا شَرَّ ما قَضيتَ؛ إنَّكَ تَقضِي ولا يُقضَى عَلَيكَ، إِنَّه لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيتَ، ولا يَعِزُّ مَنْ عادَيتَ، تَبارَكتَ رَبَّنَا وَتَعالَيتَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنكَ، لَا نُحصِي ثَنَاءً عَلَيكَ، أنتَ كما أثنَيتَ على نَفسِكَ». وله أن يَزيدَ ما شاءَ ممَّا يَجوزُ به الدُّعاءُ في الصَّلاةِ. قال المَجدُ، ابنُ تيميَّةَ: فقد صحَّ عن عمرَ ﵁ أَنَّه كانَ يَقنُتُ بقَدرِ مئةِ آيةٍ، ثم يُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ويُفرِدُ المُنفرِدُ الضَّميرَ، فيَقولُ: اللَّهُمَّ اهدِني … اللَّهمَّ

стр. 1246

إنِّي أستعيذُكَ … إلخ، وهو الصَّحيحُ في المَذهبِ، ونَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، وعندَ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ، يَجمَعُه، لأنَّه يَدعُو لِنَفسِه ولِلمُؤمِنينَ. والمَأمومُ إذا سمِع قُنوتَ إمامِه أمَّنَ عليه بلا قُنوتٍ، وإن لم يَسمَعه دَعا (١). التَّسبيحُ بعدَ الوِترِ: يُستحبُّ أن يَقولَ بعدَ الوِترِ: «سُبحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ»، ثَلاثَ مرَاتٍ، ويَمدَّ صَوتَه في الثَّالثةِ (٢)؛ لِحَديثِ عَبد الرَّحمنِ بنِ أبزَى، قال: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وإذا أرادَ أن يَنصرِفَ مِنْ الوِترِ قالَ: «سُبحَانَ المَلِكِ القُدُّوسِ»، ثَلاث مرَاتٍ، ثم يَرفَعُ صَوتَه بِهَا في الثَّالثةِ (٣).

стр. 1247

صَلاةُ الضُّحَى الصَّلاة في اللُّغةِ والاصطِلاحِ قد سبقَ الكَلامُ عنها. أمَّا الضُّحَى في اللُّغةِ: فيُستَعملُ مُفرَدًا، وهو فَريقُ الضَّحوةِ، وهو حينَ تُشرِقُ الشَّمسُ إلى أن يَمتدَّ النَّهارُ، أو إلى أن يَصفُوَ ضَوؤُها، وبعدَه الضَّحَاءُ، والضَّحَاءُ -بالفَتحِ والمَدِّ- هو إذا عَلَتِ الشَّمسُ إلى رُبُعِ السَّماءِ فمَا بعدَه (١)، وعندَ الفُقهاءِ الضُّحَى: ما بينَ ارتِفاعِ الشَّمسِ إلى زَوالِها. الحكمُ التَّكليفيُّ: ذَهب فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ صَلاةَ الضُّحَى نافِلةٌ مُستحَبَّةٌ، وصرَّح المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ بأَنَّها سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، أي: راتِبةٌ (٢)، لمَا رَوى أبو ذَرٍّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «يُصبِحُ على كلِّ سُلَامَى مِنْ أَحدِكُم صَدَقَةٌ، فَكلُّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكلُّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكلُّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكلُّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عن المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجزِئُ مِنْ ذلك رَكعتَانِ يَركَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» (٣).

стр. 1248

وعن بُرَيدَةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «فِي الإِنسَانِ ثَلاثمِئَةٍ وَسِتُّونَ مَفصِلًا، فَعليه أَنْ يَتصدَّقَ عَنْ كلِّ مَفصِلٍ مِنهُ صَدَقَةً»، قالَ: وَمَنْ يُطِيقُ ذلك يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قالَ: «النُّخَامَةُ في المَسجدِ تَدفِنُهَا، أَوِ الشَّيءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَم تَقدِر فَرَكعتَا الضُّحَى تُجزِئُكَ» (١). وعن أبي الدَّرداءِ ﵁ قالَ: «أَوصَانِي حَبِيبِي بِثَلاث، لَنْ أَدَعَهنَّ مَا عِشتُ: بِصِيَامِ ثَلاثةِ أَيَّامٍ مِنْ كلِّ شَهرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَأَلَّا أَنَامَ حتى أُوتِرَ» (٢). وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «أَوصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاث: بِصِيَامِ ثَلاثةِ أَيَّامٍ مِنْ كلِّ شَهرٍ، وَرَكعتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قبلَ أَنْ أَرقُدَ» (٣). وعن جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ عن أبي الدَّرداءِ وأبي ذَرٍّ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّ اللهَ قالَ: «ابنَ آدَمَ، اركَع لي مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ أَربعَ رَكَعاتٍ، أَكفِكَ آخرهُ» (٤). المُواظَبةُ على صَلاةِ الضُّحَى: اختَلفَ العُلماءُ في صَلاةِ الضُّحَى: هلِ الأفضَلُ المُواظَبةُ عليها، أو فِعلُها في وَقتٍ وتَركُها في وَقتٍ؟

стр. 1249

فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وبَعضُ الحَنابلَةِ كابنِ عَقيلٍ والآجُرِّيِّ وأبي الخطَّابِ (١) -وقالَ البُهوتيُّ: وهو أصوَبُ- إلى أَنَّه تُستَحبُّ المُواظَبةُ عليها؛ لعُمومِ الأحادِيثِ الصَّحيحةِ مِنْ قولِه ﷺ : «أَحبُّ العملِ إلى اللهِ ما دَاوَمَ عليه صَاحِبُه، وَإِنْ قَلَّ» (٢)، ونحوِ ذلك. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا يُحَافِظُ على صَلاةِ الضُّحَى إِلَّا أَوَّابٌ»، قالَ: «وَهي صَلاةُ الأَوَّابِينَ» (٣). وعن مُعاذَةَ العدويَّةَ قالَت: قُلتُ لِعائِشةَ ﵂: أكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي الضُّحَى؟ قالَت: «نَعم، أَربَعًا وَيَزِيدُ ما شَاءَ اللهُ» (٤). ولعُمومِ الأحادِيثِ المُتقدِّمةِ في ذلك، مثلَ حَديثِ أبي هُريرةَ وأبي ذَرٍّ وغيرِهما. وقالَ الحَطَّابُ المالِكيُّ ﵀: فائِدةٌ: شاعَ عندَ العَوامِّ أنَّ مَنْ صلَّى الضُّحَى يَلزمُه المُواظَبةُ عليها، وأَنَّه إن تركَها عَمِيَ، أو أصابَه شَيءٌ، وذلك

стр. 1250

باطِلٌ، بل حكمُها حكمُ سائرِ النَّوافِلِ: يُستحبُّ المُداوَمةُ عليها، ومَن تركَها فلا إثم عليه، ولا حَرجَ (١). وَذَهب الحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أَنَّه لا تُستَحَبُّ -ويُكرَهُ- المُداوَمةُ على صَلاةِ الضُّحَى، بل تُفعَلُ غِبًّا؛ لمَا رَواه مُسلِمٌ عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ أَنَّه قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي الضُّحَى حتى نَقولَ: لَا يَدعُهَا؛ وَيَدعُهَا حتى نَقولَ: لَا يُصلِّيهَا» (٢). ولمَا رَواه مُسلِمٌ عن عَبد اللهِ بنِ شَقيقٍ قالَ: قُلتُ لِعائِشةَ: أكانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي الضُّحَى؟ قالَت: «لَا، إلا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِه» (٣). وعن عائِشةَ ﵂ أَنَّها قالَت: «ما رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُصلِّي سُبحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا، وَإِنْ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ لَيَدعُ العملَ وهو يُحِبُّ أَنْ يَعمَلَ بِه؛ خَشيَةَ أَنْ يَعمَلَ بِه النَّاسُ فَيُفرضَ عليهم» (٤)؛ ولأنَّ في المُداوَمةِ عليها تَشبيهًا بالفَرائِضِ (٥). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الجَمعُ بينَ حَديثَي عائِشةَ في نَفيِ صَلاتِه ﷺ الضُّحَى، وإثباتِها، فهو أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ

стр. 1251

يُصلِّيها بَعضَ الأوقاتِ؛ لِفَضلِها، ويترُكُها في بعضِها؛ خَشيةَ أن تُفرَضَ، كما ذكرَته عائِشةُ، ويُتأَوَّلُ قولُها: «مَا كانَ يُصلِّيها إلا أن يَجيءَ مِنْ مَغِيبِه»، على أنَّ مَعناه: ما رَأَيتُه، كما قالَت في الرِّوايةِ الثَّانيةِ: «ما رَأَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُصلِّي سُبحَةَ الضُّحَى»؛ وسَببُه أنَّ النَّبيَّ ﷺ ما كان يَكونُ عندَ عائِشةَ في وقتِ الضُّحَى إلا في نادِرٍ مِنْ الأوقاتِ، فإِنَّه قد يَكونُ في ذلك مُسافِرًا، وقد يَكونُ حاضِرًا، ولكنَّه في المَسجدِ أو في مَوضِعٍ آخرَ، وإذا كانَ عندَ نِسائِهِ، فإنَّما كانَ لها يَومٌ مِنْ تِسعةٍ؛ فيَصحُّ قولُها: ما رَأيتُه يُصلِّيها، وتَكونُ قد علِمت بخَبرِه، أو خَبرِ غيرِه أَنَّه صلَّاها. أو يُقالُ: قولُها: مَا كانَ يُصلِّيها: أي: ما يُداوِمُ عليها؛ فيَكونُ نَفيًا لِلمُداوَمةِ، لا لِأصلِها، واللهُ أعلَمُ. وأمَّا ما صحَّ عن ابنِ عمرَ أَنَّه قالَ في الضُّحَى: هي بِدعَةٌ؛ فمَحمولٌ على أنَّ صَلاتَها في المَسجدِ، والتَّظاهُرَ، بها كما كانوا يَفعلونَه، بِدعَةٌ، لا أنَّ أصلَها في البُيوتِ ونحوِها مَذمومٌ، أو يُقالُ: قولُه: بِدعةٌ، أي: المُواظَبةُ عليها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُواظِب عليها؛ خَشيةَ أن تُفرَضَ، وهذا مِنْ حقِّهِ ﷺ ، وقد ثَبت استِحبابُ المُحافَظةِ في حقِّنا بحَديثِ أبي الدَّرداءِ وأبي ذَرٍّ، أو يُقالُ: إنَّ ابنَ عمرَ لم يَبلُغه فِعلُ النَّبيِّ ﷺ الضُّحَى، وأمرُه بها، وكيفَ كان، فجُمهورُ العُلماءِ على استِحبابِ الضُّحَى، وإنَّما نُقِلَ التَّوَقُّفُ فيها عن ابنِ مَسعودٍ وابنِ عمرَ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 1252

وقتُ صَلاةِ الضُّحَى: ذَهب الفُقهاءُ إلى أنَّ وقتَ الضُّحَى يَبدَأُ مِنْ خُروجِ وقتِ النَّهيِ، أي: ارتفاعِ الشَّمسِ قَيدَ رُمحٍ؛ لقولِ اللهِ تَعالى في الحَديثِ القُدسيِّ: «ابنَ آدَمَ، اركَع لي مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ أَربعَ رَكَعاتٍ، أَكفِكَ آخرهُ» (١)؛ ويَمتَدُّ إلى قُبَيلِ الزَّوالِ، أي: إلى دُخولِ وقتِ النَّهيِ بقيامِ الشَّمسِ. ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ الأفضَلَ فِعلُها إذا عَلَتِ الشَّمسُ، واشتَدَّ الحَرُّ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «صَلاةُ الأَوَّابِينَ حينَ تَرمَضُ الفِصَالُ» (٢). قالَ النَّوويُّ: الرَّمضاءُ: الرَّملُ الذي اشتَدَّت حَرارَتُه بالشَّمسِ، أي: حينَ تحتَرِقُ أخفافُ الفِصالِ، وهي الصِّغارُ مِنْ أولادِ الإبِلِ، جَمعُ فَصيلٍ، مِنْ شِدَّةِ الرَّملِ، والأوَّابُ: المُطيعُ، وقيلَ: الرَّاجعُ إلى الطَّاعةِ، وفيه فَضيلةُ الصَّلاةِ هذا الوقتَ، قالَ أصحابُنا: هو أفضَلُ وقتِ صَلاةِ الضُّحَى (٣). عددُ رَكعاتِ الضُّحَى: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ القائِلينَ باستِحبابِ صَلاةِ الضُّحَى في أنَّ أقَلَّهَا رَكعتانِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «يُصبِحُ على كلِّ سُلَامى مِنْ أَحدِكُم

стр. 1253

صَدَقَةٌ، فَكلُّ تَسبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكلُّ تَحمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكلُّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكلُّ تَكبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمرٌ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عن المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجزِئُ مِنْ ذلك رَكعتَانِ يَركَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» (١). وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: أَوصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاث: « … وَرَكعتَيِ الضُّحَى … » (٢). ثم اختَلَفوا في أكثَرِها: فذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ عندَهم جَميعًا إلى أنَّ أكثرَ صَلاةِ الضُّحَى ثَمَاني رَكعاتٍ؛ لمَا رَوَت أُمُّ هانِئٍ ﵂: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ بَيتَهَا يومَ فَتحِ مَكَّةَ، فَاغتَسَل وَصلَّى ثَمَانِيَ رَكَعاتٍ، فلَم أَرَ صَلاةً قَطُّ أَخَفَّ منها، غيرَ أَنَّه يُتمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجودَ» (٣). وَذَهب الحَنفيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ -كالرُّويَانِيِّ والرَّافِعيِّ وغيرِهما- وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ أكثرَ صَلاةِ الضُّحَى اثنَتَا عَشرَةَ رَكعةً؛ لمَا رَواه أنَسٌ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ صلَّى الضُّحَى ثِنتَي عَشرَةَ رَكعَةً بَنَى اللهُ له قَصرًا مِنْ ذَهَبٍ في الجَنَّةِ» (٤). وصرَّح الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ بأنَّ أفضَلَها ثَماني رَكعاتٍ؛ لحَديثِ أُمِّ هَانِئٍ.

стр. 1254

وَذَهب أبو الوَليدِ الباجِيُّ مِنْ المالِكيَّةِ والحَليميُّ والرُّويانِيُّ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أَنَّه لا حَدَّ لأكثَرِها، وصوَّبه السُّيوطيُّ قائِلًا: فلَم يَرد شَيءٌ مِنْ الأحادِيثِ يدلُّ على حَصرِها في عددٍ مَخصوصٍ، وهو أيضًا قولُ بَدرِ الدِّينِ العينيِّ مِنْ الحَنفيَّةِ، فقد قالَ: مَفهومُ العددِ -وإن لم يكن حُجَّةً عندَ الجُمهورِ- فإنَّه لم يَرد في عددِ صَلاةِ الضُّحَى أكثرُ مِنْ ذلك، وعدمُ الوُرودِ بأكثرَ مِنْ ذلك لا يَستلزِمُ مَنعَ الزِّيادةِ، وقد رُويَ عن إبراهيمَ أَنَّه قال: سألَ رَجلٌ الأسوَدَ فقالَ: كم أُصَلِّي الضُّحَى؟ قالَ: كما شِئتَ. وقالَ الطَّبريُّ: والصَّوابُ أن يُصلِّيَ على غيرِ عددٍ (١)، ويُؤيِّدُه أيضًا حَديثُ مُعاذةَ قالَت: قُلتُ لِعائِشةَ: أكانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي الضُّحَى؟ قالَت: «نَعم، أَربَعًا، وَيَزِيدُ ما شَاءَ اللهُ» (٢).

стр. 1255

فصل في صَلاةِ الجَماعةِ صَلاةُ الجَماعةِ: المَقصودُ بصَلاةِ الجَماعةِ فِعلُ الصَّلاةِ في جَماعةٍ (١). فَضل صَلاةِ الجَماعةِ: قد وَرَدت أحادِيثُ كَثيرةٌ عن النَّبيِّ ﷺ في فَضلِ الجَماعةِ والحَثِّ عليها، مِنها: قولُه ﷺ : «صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٢)، وفي رِوايةٍ أُخرى: «بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٣). وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لو يَعلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ، ثم لَم يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَستَهمُوا عليه لَاستَهَمُوا، وَلَو يَعلمُونَ ما في التَّهجِيرِ، لَاستَبقُوا إليه، وَلَو يَعلَمُونَ ما في العتَمةِ وَالصُّبحِ لَأتَوهُمَا وَلَو حَبوًا» (٤).

стр. 1256

وعن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ صلَّى العِشاءَ في جَمَاعَةٍ فكأنَّما قامَ نِصفَ اللَّيلِ، وَمَنْ صلَّى الصُّبحَ في جَمَاعَةٍ فكأنَّما صلَّى اللَّيلَ كلَّهُ» (١). ولأهمِّيَّتها قالَ ابنُ العَربيِّ: الصَّلاةُ في جَماعةٍ مَعنى الدِّينِ، وشِعارُ الإسلامِ، ولو تركَها أهلُ مِصرٍ قُوتِلوا، وأهلُ حارَةٍ أُجبِروا عليها وأُكرِهوا (٢). حكمُ صَلاةِ الجَماعةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَلاةِ الجَماعةِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: القولُ الأوَّلُ: ذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ وابنُ المُنذرِ وابنُ خُزَيمةَ مِنْ الشافِعيَّةِ إلى أنَّ صَلاةَ الجَماعةِ واجِبةٌ على الأعيانِ، إلا مِنْ عُذرٍ، وليست شَرطًا لِصحَّةِ الصَّلاةِ، وهو نَصُّ الإمامِ الشافِعيِّ في مُختصَرِ المُزنيِّ (٣) فقالَ: وأمَّا الجَماعةُ فلَا أُرخِّصُ في تَركِها إلا مِنْ عُذرٍ. واستدَلُّوا على ذلك بالكتابِ والسُّنةِ وتَوارُثِ الأمَّةِ. أمَّا الكتابُ: فالدَّليلُ الأوَّلُ: قولُه تَعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، أمرَ اللهُ تَعالى بالرُّكوعِ مع الرَّاكعينَ، وذلك يَكونُ في

стр. 1257

حالِ المُشارَكةِ في الرُّكوعِ، فكانَ أمرًا بإقامةِ الصَّلاةِ بالجَماعةِ، ومُطلَقُ الأمرِ لوُجوبِ العملِ (١). الدَّليلُ الثَّاني: قولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. والاستِدلالُ بهذه الآيةِ مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أَنَّه لو لم تكُن واجِبةً لرَخَّصَ فيها حالةَ الخَوفِ، ولم يَجُزِ الإخلالُ بواجِباتِ الصَّلاةِ مِنْ أجلِها (٢). الثَّاني: لمَّا أمرَ اللهُ بالجَماعةِ في حالِ الخَوفِ، دلَّ على أنَّ ذلك في حالِ الأمنِ أوجَبُ. الثَّالثُ: أمرُه لهم بالصَّلاةِ في الجَماعةِ، ثم أعادَ هذا الأمرَ سبُحانَهُ مرَّةً ثانيةً في حقِّ الطَّائِفةِ الثَّانيةِ بقولِه: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، وفي هذا دَليلٌ على أنَّ الجَماعةَ فَرضٌ على الأعيانِ؛ إذ لم يُسقِطها سُبحانَه عن الطَّائِفةِ الثَّانيةِ بفِعلِ الأُولى، ولو كانَتِ الجَماعةُ سُنَّةً لكانَ أولى الأعذارِ بسُقوطِها عُذرُ الخَوفِ، ولو كانَت فَرضَ كِفايَةٍ لسقطَت بفِعلِ الطَّائِفةِ الأُولى؛ ففي الآيَةِ دَليلٌ على وُجوبِها على الأعيانِ؛ فهذه ثَلاثةُ أوجُهٍ أمرَهُ بها أوَّلًا، ثم أمرَه بها

стр. 1258

ثانِيًا، وأَنَّه لَم يُرخِّص لهم في تَركِها حالَ الخَوفِ (١). الدَّليلُ الثَّالثُ: قولُه تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣]، بأن حالَ بينَهم وبينَ السُّجودِ لمَّا دَعاهُم إلى السُّجودِ في الدُّنيا، فأبَوا أن يُجِيبوا الدَّاعيَ. إذا ثَبت هذا فإجابَةُ الدَّاعي هي إتيانُ المَسجدِ بحُضورِ الجَماعةِ، لا فِعلها في بَيتِه وَحدَه؛ فهَكَذا فسَّر النَّبيُّ ﷺ الإجابةَ، فرَوى مُسلِمٌ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: أتَى النَّبيَّ ﷺ رَجلٌ أَعمَى، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إِنَّه ليس لي قائِدٌ يَقودُنِي إلى المَسجدِ. فَسَأَلَ رَسولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرخِّصَ له فَيُصلِّيَ في بَيتِه، فَرخَّصَ له؛ فلمَّا وَلَّى دَعاهُ فقالَ: «هل تَسمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ فقالَ: نَعم. قالَ: فَأَجِب» (٢)، فلَم يُجعَل مُجيبًا له بصَلاتِه في بَيتِه إذا سمِع النِّداءَ؛ فدلَّ على أنَّ الإجابةَ المَأمورَ بها هي إتيانُ المَسجدِ لِلجَماعةِ. ويدلُّ عليه حَديثُ ابنِ أُمِّ مَكتومٍ قالَ: يَا رَسولَ اللهِ، إِنَّ المَدِينَةَ كَثِيرَةُ الهَوامِّ وَالسِّباعِ. قالَ: «هَلْ تَسمَعُ حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلَاحِ؟» قالَ: نَعم. قالَ: «فَحَيَّ هَلًا». وَلَم يُرَخِّص له (٣). وحَيَّ هَلًا اسمُ فِعلِ أمرٍ مَعناه: أقبِل وأجِب، وهو صَريحٌ في أنَّ إجابةَ

стр. 1259

هذا الأمرِ تَكُونُ بحُضورِ الجَماعةِ، وأنَّ المُتخلِّفَ عنها لَم يُجِبه (١). وأمَّا السُّنةُ: فمِنها عِدَّةُ أحادِيثَ: الأوَّلُ: عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «وَالذي نَفسِي بِيَدِه، لَقَدْ هَمَمتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ لِيُحطَبَ، ثم آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثم آمُرَ رَجلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثم أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهم، وَالذي نَفسِي بِيَدِه، لَو يَعلَمُ أَحدُهُم أَنَّه يَجِدُ عَرقًا سَمِينًا، أَوْ مِرمَاتَينِ (٢) حَسَنَتَينِ، لَشَهِدَ العِشاءَ» (٣). وفي اهتِمامِه ﷺ بأن يُحرِّقَ على قَومٍ تَخلَّفوا عن الصَّلاةِ في بُيوتِهم أبيَنُ البَيانِ على وُجوبِ فَرضِ الجَماعةِ؛ إذ غيرُ جائِزٍ أن يُهددَ رَسولُ اللهِ ﷺ مَنْ تَخلَّف عن ذَنبٍ، وعمَّا ليس بفَرضٍ. ويؤيِّدُه حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁: «أنَّ رَجلًا خرَج مِنْ المَسجدِ بعدَما أذَّنَ المُؤذِّنُ فقالَ: أَمَّا هذا فقد عَصَى أَبا القاسِمِ ﷺ » (٤)، ولو كانَ المَرءُ مُخيَّرًا في تَركِ الجَماعةِ وإتيانِها لَم يَجُز أن يَعصيَ مَنْ تَخلَّف عما لا يجبُ عليه أن يَحضُرَه. الدَّليلُ الثَّاني: ما رَواه مُسلِم عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: أتى النَّبيَّ ﷺ رَجلٌ أَعمَى، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إِنَّه ليس لي قائِدٌ يَقودُنِي إلى

стр. 1260

المَسجدِ. فَسَأَلَ رَسولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرخِّصَ له فَيُصلِّيَ في بَيتِه، فَرخَّصَ له، فلمَّا وَلَّى دَعاهُ، فقالَ: «هل تَسمَعُ النِّداءَ بِالصَّلاةِ؟» فقالَ: نَعم. قالَ: «فَأَجِب» (١). وهذا الرَّجلُ هو ابنُ أُمِّ مَكتومٍ، واختُلِفَ في اسمِه، فقِيلَ عَبد اللهِ، وقيلَ: عَمرٌو. وفي سُننِ أبي داودَ عن عَمرِو بنِ أُمِّ مَكتومٍ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي رَجلٌ ضَرِيرُ البَصرِ، شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِي قائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي؛ فَهَلْ لي رُخصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ في بَيتِي؟ قالَ: «هل تَسمَعُ النِّدَاءَ؟» قالَ: نَعم. قالَ: «لَا أَجِدُ لكَ رُخصَةً» (٢). قال ابنُ القَيِّمِ ﵀: قالَ المُوجِبونَ: الأمرُ مُطلَقٌ لِلوُجوبِ، فكَيفَ إذا صرَّح صاحِبُ الشَّرعِ بأَنَّه لا رُخصَةَ لِلعَبد في التَّخلُّفِ عنه لِضَريرٍ شاسِعِ الدَّارِ، لا يُلائِمُه قائِدُه، فلو كانَ العَبدُ مُخيَّرًا بينَ أن يُصلِّيَ وَحدَه أو جَماعةً، لكانَ أَولى النَّاسِ بهذا التَّخييرِ مِثلُ الأعمى. قال أبو بَكرِ ابنُ المُنذرِ ﵀: ذكرُ حُضورِ الجَماعةِ على العُميانِ، وإن بَعُدت مَنازِلُهم عن المَسجدِ، ويدلُّ ذلك على أنَّ شُهودَ الجَماعةِ فَرضٌ لا نَدبٌ، وقال: وإذا قالَ لابنِ أُمِّ مَكتومٍ وهو ضَريرٌ: لا أجِدُ لكَ رُخصةً؛ فالبَصيرُ أَولى ألَّا تَكونَ له رُخصةٌ (٣).

стр. 1261

الدَّليلُ الثَّالثُ: ما رَواه مُسلِمٌ في صَحيحِه عن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلقَى اللَّهَ غَدًا مُسلِمًا، فَليُحَافِظ على هَؤُلَاءِ الصَّلواتِ حيثُ يُنَادَى بِهنَّ؛ فإنَّ اللَّهَ شرعَ لِنَبِيِّكُم ﷺ سُننَ الهُدَى، وَإِنَّهنَّ مِنْ سُننِ الهُدَى، وَلَو أَنَّكُمْ صلَّيتُم في بُيُوتِكُم كما يُصلِّي هذا المُتَخلِّفُ في بَيتِه، لَتَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم، وَلَو تَرَكتُم سُنَّةَ نَبِيِّكُم لَضَلَلتُم، ومَا مِنْ رَجلٍ يَتطهَّرُ فَيُحسِنُ الطُّهُورَ، ثم يَعمِدُ إلى مَسجدٍ مِنْ هذه المَساجِدِ، إلا كَتَبَ اللهُ له بِكلِّ خُطوَةٍ يَخطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرفَعُه بها دَرَجةً، وَيَحُطُّ عنه بها سيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عنها إلا مُنَافِقٌ معلومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كان الرَّجلُ يُؤتى بِه يُهَادَى بينَ الرَّجلَينِ حتى يُقامَ في الصَّفِّ». وفي لَفظٍ قالَ: «إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ علَّمنَا سُننَ الهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُننِ الهُدَى الصَّلاةَ في المَسجدِ الذي يُؤَذَّنُ فيه» (١). قال ابنُ القَيِّمِ ﵀: فوَجهُ الدِّلالةِ أَنَّه جعلَ التَّخلُّفَ عن الجَماعةِ مِنْ عَلاماتِ المُنافِقينَ المَعلومِ نِفاقُهم، وعَلاماتُ النِّفاقِ لا تَكونُ بتَركِ مُستحَبٍّ، ولا بفِعلِ مَكروهٍ، ومَنِ استَقرَأَ عَلاماتِ النِّفاقِ في السُّنةِ وجدَها إمَّا تَركَ فَريضةٍ أو فِعلَ مُحَرمٍ، وقد أكَّدَ هذا المَعنى بقولِه: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلقَى اللَّهَ غَدًا مُسلِمًا، فَليُحَافِظ على هَؤُلَاءِ الصَّلواتِ حيثُ يُنَادَى بِهنَّ». وسُمِّيَ تاركُها المُصلِّي في بَيتِه مُتَخلِّفًا، تاركًا لِلسُّنَّةِ التي هي طَريقةُ رَسولِ اللهِ ﷺ التي كانَ عليها، وشَريعَتُه التي شَرَعها لأُمَّتِه، وليس المُرادُ بها السُّنةَ التي مَنْ شاءَ فعلَها،

стр. 1262

ومَن شاءَ تركَها، فإنَّ تَركَها لا يَكونُ ضَلالًا، ولا مِنْ عَلاماتِ النِّفاقِ، كتَركِ الضُّحَى، وقِيامِ اللَّيلِ، وصَومِ الاثنَينِ والخَميسِ (١). وأمَّا عن تَوارُثِ الأمَّةِ: فقالَ الكاسانيُّ: فلأنَّ الأُمةَ مِنْ لَدُن رَسولِ اللهِ ﷺ إلى يَومِنا هذا واظَبَت عليها، وعلى النَّكيرِ على تاركِها، والمُواظَبةُ على هذا الوَجهِ دَليلُ الوُجوبِ، وليس هذا اختِلافًا في الحَقيقةِ مِنْ حيثُ العِبارةُ، لأنَّ السُّنةَ المُؤكَّدةَ والواجِبَ سَواءٌ، خُصوصًا ما كانَ مِنْ شَعائرِ الإسلامِ، ألَا تَرى أنَّ الكَرخِيَّ سَمَّاها سُنَّةً، ثم فسَّرها بالواجِبِ، فقالَ: الجَماعةُ سُنَّةٌ لا يُرخَّصُ لِأحَدٍ التَّأخُّرُ عنها إلا لِعُذرٍ؟ وهو تَفسيرُ الواجِبِ عندَ العامَّةِ. القولُ الثَّاني: ذَهب المالِكيَّةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ صَلاةَ الجَماعةِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ. واحتَجوا على ذلك بمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: «صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً، أو بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرَجةً» (٢)؛ جعلَ الجَماعةَ لِإحرازِ الفَضلِيَّةِ، وذا آيةُ السُّننِ، أي: عَلامَةُ السُّننِ (٣). وقالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: لا يَخلُو قولُه ﷺ : «صَلاةُ الجَمَاعَةِ

стр. 1263

تَفضُلُ صَلاةَ الفَذِّ»، مِنْ أحَدِ ثَلاثَةِ أوجُهٍ: إمَّا أن يَكونَ المُرادُ بذلك صَلاةَ النافِلةِ، أو يَكونَ المُرادُ بذلك مَنْ تَخلَّف بعُذرٍ، أو يَكونَ المُرادُ بذلك مَنْ تَخلَّف مِنْ غيرِ عُذرٍ. وقد ثَبت عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: «صَلاةُ المَرءِ في بَيتِه أَفضَلُ مِنْ صَلاتِه في مَسجدِي هذا، إلا المَكتُوبَةَ»، فعَلِمنا بذلك أَنَّه لم يَرد بحَديثِ هذا البابِ صَلاةُ النَّافِلةِ؛ لأنَّه قد فَضَّلَ صَلاةَ المُنفرِدِ النَّافِلةَ في بَيتِه. وكذلك لمَا قالَ ﷺ : «مَنْ كانَ له صَلاةٌ بِلَيلٍ، فَغلَبه عَلَيهَا نَومٌ، كُتِبُ له أَجرُ صَلاتِه، وَكانَ نَومُه عليه صَدَقَةً» (١). وقالَ ﷺ : «إِذَا شَغَلَ العَبدَ عَنْ عمَلٍ كانَ يَعمَلُه مرَضٌ ابتَلَاهُ اللَّهُ بِه، كُتِبَ له أَجرُ ذلك العملِ مَا دَامَ في وَثَاقِ مرَضِهِ» (٢)، عَلِمنا بذلك أنَّ مَنْ تَخلَّف مِنْ عُذرٍ لم يَدخُل في مَعنى الحَديثِ، وإذا بطَل هذانِ الوَجهانِ صحَّ أنَّ المُرادَ بذلك هو المُتخَلِّفُ عمَّا نُدِبَ إليه، وجبَ وُجوبَ سُنَّةٍ عليه بغيرِ عُذرٍ، وعَلِمنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُفاضِل بينَهما إلا وهما جائِزانِ، إلا أنَّ أحَدهما أفضَلُ مِنْ الآخَرِ (٣). قالوا: ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُنكِر على اللَّذَينِ قالَا: صلَّينا في رِحالِنا، ولو كانَت واجِبةً لَأنكَرَ عليهما؛ فعَنِ الأسوَدِ بنِ يَزيدَ عن أبيه أَنَّه صلى مع رَسولِ اللهِ ﷺ وهو غُلَامٌ شَابٌّ، فلمَّا صلَّى إذا رَجلَانِ لم يُصلِّيَا

стр. 1264

في نَاحِيَةِ المَسجدِ، فَدَعا بِهمَا، فَجِيءَ بِهمَا تُرعَدُ فَرائِصُهما، فقالَ: «ما منعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا معَنَا؟ قالَا: قد صلَّينَا في رِحَالِنَا. فقالَ: لَا تَفعَلُوا، إذا صلَّى أحَدُكم في رَحلِه ثم أَدرَكَ الإِمَامَ ولم يُصلِّ، فَليُصلِّ معه، فَإنَّها له نَافِلَةٌ» (١). القولُ الثَّالثُ: أَنَّها فَرضُ كِفايةٍ، وإلى هذا ذَهب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ، وبَعضُ المالِكيَّةِ، ووَجهٌ لِلحَنَابِلةِ ذكرَه ابنُ مُفلِحٍ عن الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّين -أي: ابنِ تيميَّةَ (٢). واستدَلُّوا على ذلك بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ما مِنْ ثَلاثةٍ في قَريَةٍ، ولا بَدوٍ، لَا تُقامُ فيهمُ الصَّلاةُ، إلا قدِ استَحوَذَ عليهمُ الشَّيطَانُ؛ فعلَيكَ بِالجَمَاعَةِ؛ فَإنَّما يَأكُلُ الذِّئبُ القاصِيَةَ» (٣). قالَ الشافِعيَّةُ: فتَجِبُ بحيثُ يَظهرُ شِعارُ الجَماعةِ بإقامَتِها بمَحَلٍّ في القَريةِ الصَّغيرةِ، وفي الكَبيرةِ، والبَلَدِ، بمَحالَّ يَظهرُ بها الشِّعارُ، وذلك يختلِفُ باختِلافِ البِلادِ وسُكَّانِها فيَكفي في القَريةِ الصَّغيرةِ إقامَتُها في مَوضِعٍ واحدٍ، وفي البَلَدِ الكَبيرِ إقامَتُها في مَحَالَّ، ولا يسقطُ بفِعلِها في البُيوتِ في الأصَحِّ، ولو أظهَرَها طَوائفُ وتَخلَّف عنها الجُمهورُ، حصَلت،

стр. 1265

وأقَلُّ جَماعةٍ يسقطُ بها الفَرضُ عن الباقِينَ ثَلاثَةٌ، أوِ اثنانِ، فيه وَجهانِ، أظهَرُهما الثَّاني، فَإِنِ امتنَعُوا كُلُّهم قُوتِلُوا؛ لأنَّ هذا شَأنُ فُروضِ الكِفاياتِ إذا عُطِّلت، والمُقاتِلُ لهمُ الإمامُ، ويسقطُ الطَّلَبُ بطائِفةٍ، وإن قَلَّت؛ فلو أطبَقوا على إقامَتِها في البُيوتِ، ولم يَظهَر بها شِعارٌ، لم يسقُطِ الفَرضُ؛ فإنِ امتنَعوا كلُّهم مِنْ إقامَتِها على ما ذُكر، قاتَلَهمُ الإمامُ أو نائِبُه، دونَ آحادِ النَّاسِ، وهكذا لو تركَها أهلُ محَلِّةٍ في القَريةِ الكَبيرةِ أوِ البَلَدِ (١). حكمُ صَلاةِ الجَماعةِ لِلنِّساءِ: قد ذكَرنا فيما سبقَ حُكمَ صَلاةِ الجَماعةِ لِلرِّجالِ، أمَّا بِالنِّسبةِ لِلنِّساءِ فعندَ الشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ يُسنُّ لَهنَّ الجَماعةُ مُنفرِداتٍ عن الرِّجالِ، سَواءٌ أمَّهُنَّ رَجلٌ أو امرأةٌ؛ لِفِعلِ عائِشةَ وأُمِّ سَلمةَ، فعَن رَيطَةَ الحَنفيَّةِ قالَت: «أَمَّتنَا عائِشَةُ ﵂، فَقامَت بينَهُنَّ في الصَّلاةِ المَكتُوبَةِ» (٢). وعَن حُجَيرَةَ بِنتِ حُصَينٍ قالَت: «أَمَّتنَا أُمُّ سَلمةَ ﵂ في صَلاةِ العَصرِ، فَقامَت بينَنَا» (٣). وقد: «أَمرَ النَّبيُّ ﷺ أُمَّ وَرَقَةَ بِأَنْ تَجعَلَ لَهَا مُؤذِّنًا يُؤذِّنُ لَهَا،
следующие страницы →