← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.

стр. 12006

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الدمَ حَرامٌ نَجسٌ لا يُؤكلُ ولا يُنتفعُ بهِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ الدمَ المَسفوحَ حَرامٌ (٢). أكلُ السُّمومِ القاتِلةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ أكْلَ السُّمومِ القاتِلةِ حَرامٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ السُّمومَ القتَّالةَ حَرامٌ (٣). المائِعُ إذا غيَّرَتْه نَجاسةٌ أو الفَأرةُ تَقعُ في السَّمنِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الفَأرةَ إذا وَقَعتْ في السَّمنِ أنه لا يَجوزُ أكلُ السَّمنِ الذي حَولَها؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ عن الزُّهريُّ قالَ: أخبَرنِي عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ أنه سَمعَ ابنَ عبَّاسٍ يُحدِّثُه عن مَيمونةَ أنَّ فَأرةً وقَعَتْ في سَمنٍ فماتَتْ فسُئلَ النبيُّ ﷺ عنها فقالَ: «ألقُوهَا وما حَوْلَها وكُلوهُ» (٤).

стр. 12007

قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: والعُلماءُ مُجمِعونَ أنَّ هذا حُكمُ السَّمنِ الجامِدِ تَقعُ فيه المَيتةُ أنها تُلقَى وما حَولَها ويُؤكلُ سائِرُه؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ حكَمَ للسَّمنِ المُلاصِقِ للفَأرةِ بحُكمِ الفَأرةِ؛ لتَحريمِ اللهِ المَيتةِ، فأمَرَ بإلقاءِ ما مَسَّها منه. وأما السَّمنُ المائعُ والزَّيتُ والخَلُّ والمُرِّيِّ والعَسلُ وسائِرُ المائِعاتِ تَقعُ فيها المَيتةُ فلا خِلافَ أيضًا بينَ أئمَّةِ الفَتوَى أنه لا يُؤكلُ منها شَيءٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ كلَّ مائعٍ غيَّرَتْه نَجاسةٌ أو مَيتةٌ فأحالَتْ لَونَه أو طَعمَه أو رائِحتَه إلى لَونِها أو طَعمِها أو رائِحتِها فحَرامٌ أكلُه وشُربُه على المُسلمِ، واختَلفُوا إذا لم تُغيرْه. واتَّفقوا أنَّ السَّمنَ إذا وقَعَ فيه فَأرٌ أو فَأرةٌ فماتَ أو ماتَتْ فيه وهو مائعٌ أنه لا يُؤكلُ، واختَلفُوا في بَيعِه والانتفاعِ به. واختَلفُوا في سائرِ المائِعاتِ وفي السَّمنِ الجامِدِ وفي كُلِّ شَيءٍ جامِدٍ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ أكْلَ الفَأرةِ المَيتةِ وما باشَرَها مِنْ السَّمنِ الجامِدِ حَرامٌ لا يَحلُّ أكلُ شَيءٍ مِنْ ذلكَ. واختَلفُوا في السَّمنِ المائعِ الذائِبِ والزَّيتِ المائعِ والخَلِّ والعَسلِ والمُرِّيِّ وسائرِ المائِعاتِ.

стр. 12008

فقالَ جُمهورُ العُلماءِ وجَماعةُ أئمَّةِ الفُتيَا بالأمصارِ: لا يُؤكلُ شَيءٌ مِنْ ذلكَ كلِّه إذا ماتَ فيه شَيءٌ مِنْ الحَيوانِ الذي له دمٌ سائلٌ كالفَأرةِ والعُصفورِ والدَّجاجةِ والوَزغةِ وسائرِ الحَيوانِ المَأكولِ بالذَّكاةِ، وما يُؤكلُ مِنْ الحَيوانِ أصلًا فهو بذلكَ عندَهم أحرَى. وشذَّتْ طائِفةٌ عَنْ الجَماعةِ منهُم داودُ فقالُوا: لا يُؤكلُ الجامِدُ المُتصلُ بالفَأرةِ مِنْ السَّمنِ، ويُؤكلُ غيرُ ذلكَ كلُّه مِنْ مائعٍ وجامِدٍ إذا لم تَظهرْ فيه النَّجاسةُ الواقِعةُ فيه ولم تُغيِّرْ شَيئًا منه، وحَكَموا هنا للمائِعاتِ حُكمَ الماءِ. ومِن أهلِ البِدعِ أيضًا مَنْ أجازَ أكْلَ الجامِدِ وغيرِ الجامِدِ إذا وقَعَتْ فيه الفَأرةُ، ورَدُّوا الحَديثَ كرَدِّهم لسائرِ أخبارِ الآحادِ العُدولِ، عَصَمَنا اللهُ برَحمتِه مِنْ الخُذلانِ. ويَلزمُ داوُدَ ومَن قالَ بقَولِه أنْ لا يَتعدَّى الفَأرةَ كما لا يَتعدَّى السَّمنَ، وأظَنُّه قالَه أو قالَه بعضُ أصحابِه، ويَلزمُهم أيضًا أنْ لا يَعتبِروا إلقاءَها في السَّمنِ الجامِدِ حتى تَكونَ هي التي وقَعَتْ بنَفسِها فماتَتْ؛ لأنَّ الحَديثَ إنما ورَدَ في فَأرةٍ وقَعَ في سَمنٍ، ليسَ فيه أُلقيَتْ، وكَفَى بقَولٍ يَؤولُ برَدِّ أصلِه إلى هذا فَسادًا وقُبحًا. فهذا ما كانَ في أكلِ المائعِ إذا وقَعَتْ فيه المَيتةُ والحَيوانُ فماتَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا وقَعَتِ النَّجاسةُ في مائعٍ كالدُّهنِ وما أشبَهَه نَجِسَ، واستَصبحَ به إنْ أحَبَّ، ولم يَحلَّ أكلُه ولا ثَمنُه).

стр. 12009

ظاهِرُ هذا أنَّ النَّجاسةَ إذا وقَعَتْ في مائعٍ غيرِ الماءِ نجَّسَتْه وإنْ كَثُرَ، وهذا ظاهِرُ المَذهبِ. وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرَى أنه لا يَنجسُ إذا كَثُرَ، قالَ حَربٌ: سألْتُ أحمَدَ عن كَلبٍ ولَغَ في سَمنٍ أو زَيتٍ قالَ: «إذا كانَ في آنِيةٍ كَبيرةٍ مِثلَ حبٍّ أو نَحوِه رَجوتُ أنْ لا يَكونَ به بأسٌ، يُؤكلُ، وإذا كانَ في آنيةٍ صَغيرةٍ فلا يُعجبُني أنْ يُؤكلَ»، وسُئلَ عن كَلبٍ وقَعَ في خَلٍّ أكثَرَ مِنْ قُلَّتينِ فخرَجَ منه وهو حَيٌّ فقالَ: هذا أسهَلُ مِنْ أنه لو ماتَ. وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: ما أصلُه الماءُ كالخَلِّ التَّمرِي يَدفعُ النَّجاسةَ عن نَفسِه إذا كَثُرَ، وما ليسَ أصلُه الماءُ لا يَدفعُ عن نَفسِه، قالَ المَروذيُّ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: فإنْ وقَعَتِ النَّجاسةُ في خَلٍّ أو دِبسٍ؟ فقالَ: أما الخَلُّ فأصلُه الماءُ، يَعودُ إلى أنْ يَكونَ ماءً إذا حُملَ عليهِ، وقالَ ابنُ مَسعودٍ في فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمنٍ: «إنَّما حَرُمَ مِنْ المَيتةِ لَحمُها ودَمُها». ولنا: ما رَوى أبو هُريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ «أنه سُئلَ عن فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمنٍ قالَ: إنْ كانَ جامِدًا فخُذُوها، وما حَولَها فأَلقُوهُ، وإنْ كانَ مائِعًا فلا تَقرَبوهُ»، ولأنَّ غيرَ الماءِ ليسَ بطَهورٍ، فلا يَدفعُ النَّجاسةَ عن نَفسِه (١). ما يُباحُ مِنْ سَمكِ البَحرِ وما لا يُباحُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُباحُ مِنْ سَمكِ البَحرِ وما لا يُباحُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ جَميعَ ما في البَحرِ مِنْ الحَيوانِ مُحرَّمُ الأكلِ،

стр. 12010

إلا السَّمكَ خاصَّةً بجَميعِ أنواعِه، الجَريثِ والمَارماهيِّ، فإنه يَحلُّ أكلُه إلا ما طَفَا منه. وأما غَيرُ السَّمكِ كالسَّرطانِ والسُّلحفاةِ والضُّفدعِ وخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه وإنسانِه فلا يَحلُّ أكلُه ولا بَيعُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما سِوى السَّمكِ خَبيثٌ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى حِلِّ جَميعِ ما في البَّحرِ في الجُملةِ على تَفصيلٍ عِندَهم تَقدَّمَ في كتابِ الصَّيدِ، ولكنْ لأهَميتِه هُنا أذكُرُه بالتَّفصيلِ. قالَ المالِكيةُ: صَيدُ البَحرِ كلُّه جائزٌ أكلُه، كَلبُه وخِنزيرُه، ما لَهُ شَبهٌ في البَرِّ وما لا شَبهَ له، لقَولِه تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فعَمَّ، وقولِه ﷺ : «هوَ الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»، ولأنهُ مِنْ صَيدِ البَحرِ كالسَّمكِ. ولا فصْلَ بينَ ما لهُ شَبهٌ في البَرِّ وبينَ ما لا شبَهَ له في جَوازِ أكلِه مِثلَ كَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وغيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ صُورِه؛ لعُمومِ الظَّواهرِ، ولأنه مِنْ صَيدِ البَحرِ كالذي لا شُبه له، ولا يَحتاجُ شَيءٌ منهُ إلى ذَكاةٍ، وهو حَلالٌ حَيًّا ومَيتًا (٢).

стр. 12011

وقالَ الشافِعيةُ: الحيَوانُ الذي لا يُهلِكُه الماءُ ضَربانِ: أحَدُهما: ما يَعيشُ في الماءِ وإذا خرَجَ منهُ كانَ عَيشُه عَيشَ المَذبوحِ كالسَّمكِ بأنواعِه فهو حَلالٌ، ولا حاجَةَ إلى ذَبحِه بلا خِلافٍ، بل يَحلُّ مُطلَقًا سَواءٌ ماتَ بسَببٍ ظاهرٍ كضَغطةٍ أو صَدمةِ حَجرٍ أو انحِسارِ ماءٍ أو ضَربٍ مِنْ الصيَّادِ أو غيرِه أو ماتَ حَتْفَ أنفِه، سَواءٌ طَفَا على وَجهِ الماءِ أم لا، وكلُّه حَلالٌ بلا خِلافٍ. وأما ما ليسَ على صُورةِ السُّموكِ المَشهورةِ ففيهِ ثَلاثةُ أوجُهٍ مَشهورةٍ: أصَحُّها عندَ الأصحابِ: يَحلُّ الجَميعُ، وهو المَنصوصُ للشافِعيِّ في «الأُم» و «مُختصَر المُزَني» و «اختِلاف العِراقيينَ»؛ لأنَّ الصَّحيحَ أنَّ اسمَ السَّمكِ يَقعُ على جَميعِها، وقدْ قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وغَيرُه: «صَيدُه ما صِيدَ، وطَعامُه ما قذَفَ»، ولقَولِه ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه». والوَجهُ الثاني: يَحرمُ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ. الثالِثُ: ما يُؤكلُ نَظيرُه في البَرِّ كالبَقرِ والشاةِ وغَيرِهما فحَلالٌ، وما لا يُؤكلُ كخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه فحَرامٌ، فعَلى هذا ما لا نَظيرَ له حَلالٌ. ولا تُشترطُ الذَّكاةُ في الجَميعِ علَى الصَّحيحِ. الضَّربُ الثاني: ما يَعيشُ في الماءِ وفي البَرِّ أيضًا، فمِنهُ طَيرُ الماءِ كالبَطِّ

стр. 12012

والإوزِّ ونَحوِهما، وهو حَلالٌ، ولا يَحلُّ مَيتتُه بلا خِلافٍ، بل تُشترطُ ذَكاتُه، ومِن هذا الضَّربِ الضِّفدعُ والسَّرطانِ، وهُمَا مُحرَّمانِ على المَذهبِ الصَّحيحِ المَنصوصِ، وبه قطَعَ الجُمهورُ؛ لِما رَواهُ سَعيدُ بنُ المُسيبِ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عُثمانَ قالَ: «ذكَرَ طَبيبٌ عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ دَواءً وذكَرَ الضُّفدعَ يُجعلُ فيه، فنَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن قَتلِ الضُّفدعِ» (١)، ولو حَلَّ أكلُه لم يَنْهَ عن قَتلِه. وفيهِما قَولٌ ضَعيفٌ أنها حَلالٌ. وذَواتُ السُّمومِ الضَّارةِ كالحَيةِ وغيرِها وما يُفضِي إلى مَوتٍ أو سُقمٍ فحَرامٌ بلا خِلافٍ ولا يَحلُّ أنْ يُؤكلَ. وأما التِّمساحُ فحَرامٌ على الصَّحيحِ المَشهورِ، وكذا السُّلحفاةُ حَرامٌ على أصَحِّ الوَجهينِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: كلُّ صَيدِ البَحرِ مُباحٌ إلا الضُّفدعَ، ورُويَ عن أبي بَكرٍ الصدِّيقِ ﵁ أنه قالَ في كُلِّ ما في البَحرِ «قد ذكَّاهُ اللهُ لكُم»، وعُمومُ قَولِه تعالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] يَدلُّ على إباحةِ جَميعِ صَيدِه، ورَوى عَطاءٌ وعَمرُو بنُ دِينارٍ أنهُما بلَغَهُما عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ ذبَحَ كُلَّ شَيءٍ في البَحرِ لابنِ آدَمَ».

стр. 12013

فأمَّا الضُّفدعُ «فإنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن قَتلِه» (١)، فيَدلُّ ذلكَ على تَحريمِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما التِّمساحُ فقدْ نُقلَ عنه ما يَدلُّ على أنه لا يُؤكلُ، وقالَ الأوزاعيُّ: لا بأسَ به لمَن اشتَهاهُ، وقالَ ابنُ حامِدٍ: لا يُؤكلُ التِّمساحُ ولا الكَوسَجُ؛ لأنهُما يَأكلانِ النَّاسَ، وقد رُويَ عن إبراهيمَ النخَعيِّ وغيرِه أنه قالَ: كانُوا يَكرهونَ سِباعَ البَحرِ كما يَكرهونَ سِباعَ البَرِّ؛ وذلكَ «لنَهيِ النبيِّ ﷺ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِنْ السِّباعِ». وقالَ أبو عليٍّ النجَّادُ: ما حَرُمَ نَظيرُه في البَرِّ فهو حَرامٌ في البَحرِ ككَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وإنسانِه … وكَلبُ الماءِ مُباحٌ، ورَكِبَ الحَسنُ بنُ عليٍّ ﵁ سرجًا عليهِ جِلدٌ مِنْ جُلودِ كِلابِ الماءِ، وهذا قولُ مالكٍ والشافِعيِّ والليثِ، ويَقتضيهِ قولُ الشعبيِّ والأوزاعيِّ، ولا يُباحُ عندَ أبي حَنيفةَ، وهو قولُ أبي عَليٍّ النجَّادِ وبعضِ أصحابِ الشافِعيِّ. ولنا: عُمومُ الآيةِ والخبَرِ، قالَ عبدُ اللهِ: «سألتُ أبي عن كَلبِ الماءِ فقالَ: حدَّثَنا يَحيَى بنُ سَعيدٍ عن ابنِ جُريجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ وأبي الزُّبيرِ سَمِعَا شُريحًا -رَجلٌ أدرَكَ النبيَّ ﷺ يَقولُ: كُلُّ شَيءٍ في البَحرِ فهوَ مَذبوحٌ، قالَ: فذَكَرتُ ذلكَ لعَطاءٍ فقالَ: أما الطَّيرُ فنَذبحُه، وقالَ أبو عبدِ اللهِ: كَلبُ الماءِ نَذبحُه (٢).

стр. 12014

وقالَ قبْلَ ذلكَ: كُلُّ ما يَعيشُ في البَرِّ مِنْ دَوابِّ البَحرِ لا يَحلُّ بغَيرِ ذَكاةٍ كطَيرِ الماءِ والسُّلحفاةِ وكَلبِ الماءِ، إلا ما لا دَمَ فيه كالسَّرطانِ فإنه يُباحُ بغَيرِ ذَكاةٍ، قالَ أحمَدُ: السَّرطانُ لا بأسَ به، قيلَ له: يُذبحُ؟ قالَ: لا؛ وذلكَ لأنَّ مَقصودَ الذَّبحِ إنما هو إخراجُ الدَّمِ منهُ وتَطييبُ اللَّحمِ بإزالتِه عنه، فما لا دَمَ فيه لا حاجَةَ إلى ذَبحِه، وأما سائرُ ما ذكَرْنَا فلا يَحلُّ إلا أنْ يُذبحَ، قالَ أحمَدُ: كَلبُ الماءِ يَذبحُه، ولا أرَى بأسًا بالسُّلحفاةِ إذا ذبَحَ، والرَّقُّ -العَظيمُ مِنْ السحَالفِ- يَذبحُه، وقالَ قَومٌ: يَحلُّ مِنْ غيرِ ذَكاةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ في البَحرِ: «هوَ الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتتُه»، ولأنه مِنْ حَيوانِ البَحرِ، فأُبيحَ بغيرِ ذَكاةٍ كالسَّمكِ والسَّرطانِ، وقالَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ ﵁: «كلُّ ما في البَحرِ قد ذكَّاهُ اللهُ تعالَى لكُم»، ورَوى الإمامُ أحمَدُ بإسنادِه عن شُريحٍ -رَجلٌ أدرَكَ النبيَّ ﷺ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «كُلُّ شَيءٍ في البَحرِ مَذبوحٌ»، ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «إنَّ اللهَ ذبَحَ كلَّ شَيءٍ في البَحرِ لابنِ آدَمَ». ولنا: إنه حَيوانُ يَعيشُ في البَرِّ له نَفسٌ سائِلةٌ، فلمْ يُبَحْ بغير ذَبحٍ كالطَّيرِ، ولا خِلافَ في الطَّيرِ فيما عَلِمناهُ، والأخبارُ مَحمولةٌ على ما لا يَعيشُ إلا في البَحرِ كالسَّمكِ وشَبهِه؛ لأنهُ لا يَتمكنُ مِنْ تَذكيتِه؛ لأنه لا يُذبحُ إلا بعدَ إخراجِه مِنْ الماءِ، وإذا خرَجَ ماتَ. فَصلٌ: فأما ما لا يَعيشُ إلا في الماءِ كالسَّمكِ وشَبهِه فإنهُ يُباحُ بغَيرِ ذَكاةٍ، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ الأخبارِ، وقد رُويَ عن النبيِّ

стр. 12015

ﷺ أنهُ قالَ: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فأما المَيتَتانِ فالسَّمكُ والجَرادُ»، وقد صَحَّ «أنَّ أبا عُبيدةَ وأصحابَه وَجَدوا على ساحِلِ البَحرِ دابَّةً يُقالَ لها العَنبَرُ مَيتةً، فأكَلُوا منها شَهرًا حتى سَمِنُوا وادَّهَنوا، فلما قَدِموا على النبيِّ ﷺ أخبَرُوهُ فقالَ: هو رِزقٌ أخرَجَه اللهُ لكُم، فهلْ مَعكُم مِنْ لَحمِه شيءٌ تُطعِمونَا؟» مُتفَقٌ عليهِ (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما يُباحُ مِنْ دَوابِّ البَحرِ وما لا يُباحُ. فقالَ أبو حَنيفةَ: لا يُباحُ شَيءٌ منه سِوى السَّمكِ. وقالَ مالكٌ: يُباحُ جَميعُه، سواءٌ كانَ ممَّا له شَبهٌ في البَرِّ أو ممَّا لا شَبهَ له، مِنْ غيرِ احتِياجٍ إلى ذَكاةٍ، وسَواءٌ تَلفَ بنَفسِه أو بسَببٍ، وسَواءٌ أتلَفَه مُسلمٌ أو مَجوسيٌّ، طَفَا أو لم يَطْفُ، وتَوقَّفَ في خِنزيرِ الماءِ خاصَّةً. وقالَ أحمَدُ: يُؤكَلُ جَميعُ ما في البَحرِ إلا الضُّفدعُ والتِّمساحُ والكَوشَجُ، ومِن أصحابِه مَنْ منَعَ مِنْ كَلبِ الماءِ وخِنزيرِه وحَيَّتِه وفأرَتِه وعَقربِه، وأنَّ كلَّ ما لهُ شبهٌ في البَرِّ لا يُؤكلُ فإنهُ لا يُؤكلُ في البَحرِ، وهو أبو عَليٍّ النجَّادُ، ويَفتقرُ عندَ أحمَدَ إباحةُ غيرِ السَّمكِ مِنْ ذلكَ إلى الذَّكاةِ كخِنزيرِ الماءِ وكَلبِه وإنسانِه ونحوِ ذلكَ. واختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ، فمِنهُم مَنْ قالَ: يُؤكلُ جَميعُه إلا الضُّفدعَ، ومنهُم مَنْ منَعَ إباحةَ الكُلِّ سِوى السَّمكِ كقَولِ أبي حَنيفةَ، ومنهُم مَنْ قالَ

стр. 12016

كقَولِ النجَّادِ مِنْ أصحابِ أحمَدَ، وقالَ أبو الطَّيبِ الطبَريُّ منهُم: لا يَحلُّ النَّسناسُ؛ لأنه على خِلقةِ الآدَميِّ (١). حكم أكل الجراد: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على حِلِّ أكلِ الجَرادِ إذا صادَهُ المُسلمُ؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ عن أبي يَعفورٍ قالَ: سَمِعتُ بنَ أبي أَوفَى ﵄ قالَ: «غَزَونَا مع النبيِّ ﷺ سَبعَ غَزَواتٍ أو سِتًّا، كُنَّا نَأكلُ معه الجَرادَ» (٢). ولقَولِه ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فأما المَيتَتانِ فالحُوتُ والجَرادُ، وأما الدَّمَانِ فالكَبدُ والطِّحَالُ» (٣). قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على إباحةِ الجَرادِ إذا صادَهُ المُسلمُ. واختَلفُوا فيهِ إذا ماتَ بغَيرِ سَببٍ، فقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: يَحلُّ أكلُه، وقالَ مالِكٌ: لا يُؤكلُ الجَرادُ إلا إذا تَلفَ بسَببٍ، قالَ عبدُ الوَهابِ في «التَّلقِين»: ومِن أصحابِنا مَنْ لا يُراعِي فيه السَّببَ، وعن أحمَدَ رِوايتانِ: أظهَرُهما: حِلهُّ مِنْ غيرِ اعتِبارِ السَّببِ، والثانيةُ: اعتِبارُ السَّببِ في حِلِّه (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على إباحَةِ أكلِ الجَرادِ إذا وُجدَ مَيتًا، وانفَردَ مالكُ بنُ أنسٍ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ فحَرَّماهُ (٥).

стр. 12017

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: يُباحُ أكلُ الجَرادِ بإجماعِ أهلِ العِلمِ، وقد قالَ عَبدُ اللهِ بنُ أبِي أَوفى: «غَزَونا معَ رَسولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نأكلُ الجَرادَ» رواهُ البُخاريُّ وأبو داودَ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَموتَ بسَببٍ أو بغَيرِ سَببٍ في قَولٍ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، منهُم الشافِعيُّ وأصحابُ الحَديثِ وأصحابُ الرأيِ وابنُ المُنذرِ. وعن أحمَدَ أنه إذا قتَلَه البَردُ لم يُؤكلْ، وعنهُ: لا يُؤكلُ إذا ماتَ بغَيرِ سَببٍ، وهو قولُ مالكٍ، ويُروَى أيضًا عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ. ولنا: عُمومُ قَولِه ﵇: «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمَانِ: فالمَيتتَانِ السَّمكُ والجَرادُ» ولم يُفصِّلْ، ولأنه تُباحُ مَيتتُه، فلمْ يُعتبَرْ له سَببٌ كالسَّمكِ، ولأنه لو افتَقرَ إلى سَببٍ لَافتَقرَ إلى ذَبحٍ وذابحٍ وآلةٍ كبَهيمةِ الأنعامِ (١). وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: الجَرادُ عندَ مالِكٍ لا يُؤكلُ إلا إذا ماتَ بسَببٍ، وقالَ مُحمدُ بنُ عَبدِ الحَكمِ: يُؤكلُ وإنْ ماتَ بغَيرِ سَببٍ، فوَجهُ قولِ مالِكٍ: أنه مِنْ حَيوانِ البَرِّ كسائرِ الحَيوانِ، ووَجهُ قولِ مُحمدٍ قَولُه ﷺ : «أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ، فذَكَر: السَّمكَ والجَرادَ» (٢). حُكمُ المُضطرِّ يَأكلُ مِنْ المَيتةِ، وما لا يَحلُّ أكلُه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على إباحَةِ أكلِ كلِّ ما هو حَرامٌ للمُضطرِّ الذي يَخشَى

стр. 12018

على نَفسِه الهَلاكَ مِنْ الجُوعِ والعَطشِ بمِقدارِ ما يَدفعُ المَوتَ عنهُ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وأجمَعُوا على أنه يَحرمُ ما زادَ على الشَّبعِ. إلا أنهُم اختَلفُوا هل له أنْ يَأكلَ حتَّى يَشبعَ أم لا؟ قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما المَيتةُ فحَلالٌ للمُضطرِّ على كلِّ حالٍ ما دامَ في حالِ الاضطِرارِ بإجماعٍ. وكذلكَ أكلُه زرْعَ غيرِه، أو إطعامُ غيرِه في تِلكَ الحالِ له حَلالٌ، ولا يَحلُّ لمَن عرَفَ حالَه تِلكَ أنْ يَتركَه يَموتُ وعندَه ما يُمسِكُ به رمَقَه، فإنْ كانَ واحِدًا تعيَّنَ ذلكَ عليهِ، وإنْ كانُوا جَماعةً كانَ قِيامُه به تِلكَ اللَّيلةِ أو اليومِ واللَّيلةِ فَرضًا على جَماعتِهم، فإنْ قامَ به مَنْ قامَ منهُم سقَطَ ذلكَ الفَرضُ عنهُم. ولا يَحلُّ لمَن اضطُرَّ أنْ يَكفَّ عمَّا يُمسِكُ رمَقَه فيَموتَ، وفي مثلِ هذا قالَ مَسروقٌ: إنْ اضطرَّ إلى المَيتةِ ولم يَأكلْها وماتَ دخَلَ النارَ، فهو فَرضٌ عليهِ وعلى غيرِه فيهِ. وهذا الذي وصَفْتُ لكَ عليهِ جَماعةُ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ، وباللهِ التَّوفيقُ. إلا أنهُم اختَلفُوا فيمَن أكَلَ شَيئًا له بالٌ وقيمةٌ مِنْ مالِ غيرِه وهو مُضطرٌّ، هل عليهِ ثَمنُ ذلكَ أم لا؟

стр. 12019

فقالَ قَومٌ: يَضمنُ ما أحيَا به نفْسَه. وقالَ الأكثَرُ: لا ضَمانَ عليهِ إذا اضطُرَّ إلى ذلكَ (١). وقالَ أيضًا: قالَ مالِكٌ: إنَّ أحسَنَ ما سُمعَ في الرَّجلِ يَضطرُّ إلى المَيتةِ أنه يَأكلُ منها حتَّى يَشبعَ ويَتزوَّدَ منها، فإنْ وجَدَ عنها غِنًى طرَحَها. قالَ أبو عُمرَ: رَوى فُضيلُ بنُ عِياضٍ وأبو مُعاويةَ وسُفيانُ وشُعبةُ عن الأعمَشِ عن مُسلمٍ عن مَسروقٍ قالَ: «مَنْ اضطُرَّ إلى المَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ فلمْ يَأكلْ حتَّى ماتَ دخَلَ النارَ»، وهذا لَفظُ حَديثِ فُضيلِ ابنِ عِياضٍ. واختَلفَ العُلماءُ في مِقدارِ ما يَأكلُ المُضطرُّ مِنْ المَيتةِ: فقالَ مالِكٌ في «مُوطَّئه» ما ذكَرْنا، وعليهِ جَماعةُ أصحابِه. وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأصحابُهما: لا يَأكلُ المُضطرُّ مِنْ المَيتةِ إلا مِقدارَ ما يَسدُّ الرَّمقَ والنفسَ. وقالَ عبدُ اللهِ بنُ الحَسنِ: المُضطرُّ يأكلُ مِنْ المَيتةِ ما يَسدُّ جَوْعتَه. وحُجةُ هَؤلاءِ أنَّ المُضطرَّ إنما أُبيحَ له أكلُ المَيتةِ إذا خافَ على نَفسِه المَوتَ، فإذا أكَلَ منها ما يُزيلُ الخَوفَ فقدْ زالَتِ الضَّرورةُ وارتَفعَتِ الإباحةُ، فلا يَحلُّ أكلُها. وحُجةُ مالكٍ أنَّ المُضطرَّ ليسَ ممَّن حُرِّمتْ عليهِ المَيتةُ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقالَ: ﴿إِلَّا مَا

стр. 12020

اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، فإذا كانَتِ المَيتةُ حَلالًا للمُضطرِّ إليها أكَلَ منها ما شاءَ، حتَّى يَجدَ غيرَها فتَحرمُ عليهِ، وهو قَولُ الحَسنِ. قالَ الحَسنُ: «إذا اضطُرَّ إلى المَيتةِ أكَلَ منها قُوْتَه». وقد قيلَ: «مَنْ تَغدَّى لم يَتعشَّ مِنها، ومَن تَعشَّى لم يَتغَدَّ منها. وفي الحَديثِ المَرفوعِ: «متَى تَحلُّ لنا المَيتةُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: ما لم تَصطَبِحوا أو تَغتَبِقوا» (١)، والصَّبوحُ: الغَداءُ، والغَبوقُ: العَشاءُ ونحوُ هذا (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ المَيتةَ والدمَ ولَحمَ الخِنزيرِ حَلالٌ لمَن خَشيَ على نَفسِه الهَلاكَ مِنْ الجُوعِ ولم يَأكلْ في أمسِه شَيئًا ولم يَكنْ قاطِعَ طَريقٍ ولا مُسافِرًا سَفرًا لا يَحلُّ له. واتَّفقُوا أنَّ مِقدارَ ما يَدفعُ به المَوتَ مِنْ ذلكَ حَلالٌ، واختَلفُوا في أكثَرَ وفي الخَمرِ للمُضطرِّ أيَحلُّ له ذلكَ أم لا؟ (٣). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ للمُضطرِّ أنْ يَأكلَ المَيتةَ بمِقدارِ ما يُمسكُ رمَقَه إذا لم يَكنِ المَيتةُ لحمَ بَني آدمَ ولم يَجدِ المُضطرُّ غيرَها، فقالَ مالكٌ في المَشهورِ عنه وأحمَدُ: لا يَجوزُ له أكلُه، وقالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ: يَجوزُ له ذلكَ.

стр. 12021

واختَلفُوا هل يَجوزُ للمُضطرِّ أنْ يَأكلَ مِنْ المَيتةِ غيرَ مَيتةِ الآدَميِّ حتَّى يَشبعَ: فقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَشبعُ مِنها، وعن مالِكٍ وأحمَدَ رِوايتانِ: إحداهُما: يَجوزُ له الشِّبعُ، وزادَ مالِكٌ جَوازَ التَّزودِ مِنها، والأخرَى: مِقدارُ الجَوازِ مِنْ ذلكَ المُسبلةِ ولا يَنتهِي إلى الشبعِ، وعن الشافِعيِّ قَولانِ كالرِّوايتينِ. واختَلفُوا فيما إذا وجَدَ المُضطرُّ مَيتةً غيرَ الآدَميِّ وطَعامًا للغيرِ ومالِكُ الطَّعامِ غائِبٌ: فقالَ مالكٌ وأكثَرُ أصحابِ الشافِعيِّ وبَعضُ أصحابِ أبي حَنيفةَ: يَأكلُ مِنْ مالِ الغَيرِ بشَرطِ الضَّمانِ. وقالَ أحمَدُ وبَقيةُ أصحابِ أبي حَنيفةَ وأصحابِ الشافِعيِّ: يَأكلُ مِنْ المَيتةِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ المُضطرَّ إذا لم يَجدْ طاهِرًا يَجوزُ له أكلُ النَّجاساتِ كالمَيتةِ والدمِ ولَحمِ الخِنزيرِ وما في مَعناها … واتَّفقُوا على أنَّ المُضطرَّ إذا وجَدَ طاهِرًا يَملكُه لَزمَه أكلُه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على تَحريمِ المَيتةِ حالَ الاختيارِ، وعلى إباحةِ الأكلِ منها في الاضطِرارِ، وكذلكَ سائِرُ المُحرَّماتِ، والأصلُ في هذا قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ

стр. 12022

الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ويُباحُ له أكلُ ما يَسدُّ الرَّمقَ ويَأمنُ معَه المَوتَ بالإجماعِ. ويَحرمُ ما زادَ على الشِّبعِ بالإجماعِ أيضًا. وفي الشِّبعِ رِوايتانِ: أظهَرُهما: لا يُباحُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وإحدَى الرِّوايتينِ عن مالِكٍ وأحَدُ القَولينِ للشافِعيِّ، قالَ الحَسنُ: يَأكلُ قدْرَ ما يُقيمُه؛ لأنَّ الآيةَ دلَّتْ على تَحريمِ المَيتةِ، واستُثنيَ ما اضطُرَّ إليهِ، فإذا اندَفعَتِ الضَّرورةُ لم يَحلَّ له الأكلُ كحَالةِ الابتِداءِ، ولأنه بعدَ سَدِّ الرَّمقِ غيرُ مُضطرٍّ، فلمْ يَحلَّ له الأكلُ؛ للآيةِ، يُحقِّقُه أنه بعدَ سَدِّ رَمقِه كهوَ قبلَ أنْ يَضطرَّ، وثَمَّ لم يُبَحْ له الأكلُ، كذا هاهنا. والثانيةُ: يُباحُ له الشِّبعُ، اختارَها أبو بَكرٍ؛ لِما رَوى جابرُ بنُ سَمرةَ «أنَّ رَجلًا نزَلَ الحَرةَ فنفَقَتْ عندَه ناقَةٌ، فقالَت له امرَأتُه: اسلَخْها حتَّى نُقدِّدَ شَحمَها ولَحمَها ونَأكلَه، فقالَ: حتَّى أسأَلَ رَسولَ اللهِ ﷺ ، فسَألَه فقالَ: هل عِنْدَكَ غِنًى يُغنيكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فكُلُوها» (١) ولم يُفرِّقْ، رواهُ أبو داودَ، ولأنَّ ما جازَ سَدُّ الرَّمقِ منه جازَ الشِّبعُ منه كالمُباحِ.

стр. 12023

ويَحتملُ أنْ يُفرِّقَ بينَ ما إذا كانَتِ الضَّرورةُ مُستمرَّةً، وبينَ ما إذا كانَتْ مَرجوَّةَ الزَّوالِ، فما كانَتْ مُستمرةً كحَالةِ الأعرابِيِّ الذي سألَ رَسولَ اللهِ ﷺ جازَ الشِّبعُ؛ لأنه إذا اقتَصرَ على سَدِّ الرَّمقِ عادَتِ الضَّرورةُ إليه عن قُربٍ، ولا يَتمكنُ مِنْ البُعدِ عن المَيتةِ مَخافةَ الضَّرورةِ المُستقبَلةِ ويُفضِي إلى ضَعفِ بَدنِه، ورُبما أدَّى ذلكَ إلى تَلفِه، بخِلافِ التي ليسَتْ مُستمرةً؛ فإنه يَرجُو الغِنى عنها بما يَحلُّ له، واللهُ أعلَمُ. إذا ثبَتَ هذا فإنَّ الضَّرورةَ المُبيحةَ هي التي يَخافُ التَّلفَ بها إنْ ترَكَ الأكلَ، قالَ أحمَدُ: إذا كانَ يَخشَى على نَفسِه، سَواءٌ كانَ مِنْ جُوعٍ، أو يَخافُ إنْ ترَكَ الأكلَ عجَزَ عن المَشيِ وانقَطعَ عن الرِّفقةِ فهلَكَ، أو يَعجزُ عن الرُّكوبِ فيَهلكَ، ولا يَتقيَّدُ ذلكَ بزَمنٍ مَحصورٍ. فَصلٌ: وهل يَجبُ الأكلُ مِنْ المَتيةِ على المُضطرِّ؟ فيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: يَجبُ، وهو قَولُ مَسروقٍ وأحَدُ الوَجهينِ لأصحابِ الشافِعيِّ، قالَ الأثرَمُ: سُئلَ أبو عَبدِ اللهِ عن المُضطرِّ يَجدُ المَيتةَ ولم يَأكلْ، فذكَرَ قَولَ مَسروقٍ: «مَنْ اضطُرَّ فلمْ يَأكلْ ولم يُشربْ فماتَ دخَلَ النارَ»، وهذا اختِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ وذلكَ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وتَركُ الأكلِ مع إمكانِه في هذا الحالِ إلقاءٌ بيَدِه إلى التَّهلكةِ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، ولأنه قادِرٌ على إحياءِ نَفسِه بما أحَلَّه اللهُ له، فلَزمَه كما لو كانَ معه طَعامٌ حَلالٌ.

стр. 12024

والثاني: لا يَلزمُه؛ لِما رُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ حُذافةَ السَّهميِ صاحبِ رَسولِ اللهِ ﷺ «أنَّ طاغِيةَ الرُّومِ حبَسَه في بيتٍ وجعَلَ معَه خَمرًا مَمزوجًا بماءٍ ولَحمَ خِنزيرٍ مَشويٍّ ثَلاثةَ إيامٍ فلمْ يَأكلْ ولم يَشربْ، حتَّى مالَ رَأسُه مِنْ الجُوعِ والعَطشِ وخَشَوا مَوتَه، فأخرَجُوهُ فقالَ: قد كانَ اللهُ أحَلَّه لي؛ لأني مُضطرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لِأشمِّتَكَ بدِينِ الإسلامِ»، ولأنَّ إباحةَ الأكلِ رُخصةٌ، فلا تَجبُ عليهِ كسائرِ الرُّخصِ، ولأنَّ له غَرضًا في اجتِنابِ النَّجاسةِ والأخذِ بالعَزيمةِ، ورُبما لم تَطبْ نَفسُه بتَناولِ المَيتةِ، وفارَقَ الحَلالَ في الأصلِ مِنْ هذهِ الوُجوهِ. فصلٌ: وتُباحُ المُحرَّماتُ عندَ الاضطِرارِ إليها في الحَضرِ والسفرِ جَميعًا؛ لأنَّ الآيةَ مُطلَقةٌ غيرُ مُقيَّدةٍ بإحدَى الحالتَينِ، وقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣] لفظٌ عامٌّ في حقِّ كلِّ مُضطرٍّ، ولأنَّ الاضطِرارَ يَكونُ في الحَضرِ في سَنةِ المَجاعةِ، وسَببُ الإباحةِ الحاجَةُ إلى حِفظِ النَّفسِ عن الهَلاكِ؛ لكَونِ هذهِ المَصلحةِ أعظَمَ مِنْ مَصلحةِ اجتِنابِ النَّجاساتِ والصِّيانةِ عن تَناولِ المُستخبَثاتِ، وهذا المعنَى عامٌّ في الحالتَينِ (١).

стр. 12025

كتاب الجهاد

стр. 12026

كتاب الجهاد تَعريفُ الجِهادِ: الجِهادُ لُغةً: الجِهادُ مَصدَرُ جاهَدَ جِهادًا ومُجاهَدةً، وجاهَدَ: فاعَلَ من (جَهَدَ) إذا بالَغَ في قَتلِ عَدوِّه وغيرِه، ويُقالُ: جهَدَه المَرضُ وأجْهدَه: إذا بلَغَ به المَشقةُ، وجهَدْتُ الفَرسَ وأجهَدْتُه: إذا استَخرَجتُ جُهدَه، والجَهدُ بالفَتحِ المَشقةُ، وبالضَّمِّ الطاقةُ، وقيلَ: يُقالُ: بالضَّمِّ وبالفَتحِ في كلِّ واحِدٍ منهما، فمادةُ (ج هـ د) حيثُ وُجِدت فيها معنى المُبالَغةِ (١). وقالَ ابنُ مَنظورٍ ﵀: الجِهادُ: هو المُبالَغةُ واستِفراغُ ما في الوُسْعِ والطاقةِ من قَولٍ أو فِعلٍ (٢).

стр. 12027

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: الجِهادُ بكَسرِ الجيمِ أصلُه لُغةً المَشقةُ، يُقالُ: جَهِدتُ جِهادًا، بلَغتُ المَشّقةَ (١). والجِهادُ شَرعًا: عرَّفَه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ: فعرَّفَه الحَنفيةُ -كما يَقولُ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀ بأنَّه: بَذلُ الوُسعِ والطاقةِ بالقتالِ في سَبيلِ اللهِ بالنَّفسِ والمالِ واللِّسانِ، أو غيرِ ذلك، أو المُبالَغةِ في ذلك (٢). وعرَّفَه ابنُ الكَمالِ ﵀ بأنَّه: بَذلُ الوُسعِ في القِتالِ في سَبيلِ اللهِ مُباشَرةً أو مُعاوَنةً بمالٍ أو رأيٍ، أو تَكثيرِ سَوادٍ، أو غيرِ ذلك (٣). قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: «في القِتالِ» أي: في أسبابِه وأنواعِه من ضَربٍ وهَدمٍ وحَرقٍ وقَطعِ أشجارٍ ونَحوِ ذلك. وقَولُه: «أو مُعاوَنةً … إلخ» أي: وإنْ لم يَخرجْ معهم بدَليلِ العَطفِ. وقَولُه: «أو تَكثيرِ سَوادٍ» السَّوادُ العَددُ الكَثيرُ، وسَوادُ المُسلِمينَ جَماعتُهم. وقَولُه: «أو غيرِ ذلك»، كمُداواةِ الجَرحى وتَهيئةِ المَطاعمِ والمَشاربِ (٤).

стр. 12028

وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: هو قِتالُ مُسلمٍ كافرًا غيرَ ذي عَهدٍ لإعلاءِ كَلمةِ اللهِ، أو حُضورِه له، أو دُخولِ أرضِه (١). فيَخرجُ قِتالُ الذِّميِّ المُحارِبِ على المَشهورِ أنَّه غيرُ نَقضٍ. وقالَ ابنُ هارونَ ﵀: هو قِتالُ العَدوِّ لإعلاءِ كَلمةِ الإسلامِ (٢). وعرَّفَه الشافِعيةُ بأنَّه: قِتالُ الكُفارِ لنُصرةِ الإسلامِ (٣). وعرَّفَه الحَنابِلةُ: بأنَّه قِتالُ الكُفارِ خاصةً، بخِلافِ المُسلِمينَ من البُغاةِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ وغيرِهم فبَينَه وبينَ القتالِ عُمومٌ مُطلَقٌ (٤). مَشروعيةُ الجِهادِ بالنَّفسِ في سَبيلِ اللهِ: الجِهادُ بالنَّفسِ في سَبيلِ اللهِ مَشروعٌ بالكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأُمةِ. أولًا: من الكِتابِ: الآياتُ الدَّالةُ على وُجوبِ الجِهادِ في القُرآنِ الكَريمِ كَثيرةٌ جِدًّا، منها: ١ - قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. ٢ - وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ

стр. 12029

تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ٣ - وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]. ٤ - وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. ٥ - وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. ثانيًا: من السُّنةِ: ورَدت في السُّنةِ النَّبويةِ أحاديثُ كَثيرةٌ تَدلُّ على مَشروعيةِ الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ بالنَّفسِ، منها: ١ - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ وَيُقيموا الصَّلاةَ وَيُؤتوا الزَّكاةَ، فَإذا فعَلوا ذلك عصَموا مني دماءَهم وأَموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (١).

стр. 12030

٢ - وعن أنسِ بنِ مالِكٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «جاهِدوا المُشرِكينَ بأموالِكم وأَنفسِكم وأَلسنَتِكم» (١). ٣ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ماتَ ولمْ يَغزُ ولمْ يُحدِّثْ به نَفسَه ماتَ على شُعبةٍ من نِفاقٍ» (٢)، وغيرُها من الأَحاديثِ. ثالثًا: الإجماعُ: وأمَّا الإجماعُ فقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ من أهلِ العِلمِ الإجماعَ على مَشروعيةِ الجِهادِ وعلى وُجوبِه، منهم ابنُ حَزمٍ والقاضي عبدُ الوَهَّابِ (٣) وابنُ رُشدٍ (٤) وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ (٥). قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ دَفعَ المُشرِكينَ وأهلِ الكُفرِ عن بَيضةِ أهلِ الإسلامِ وقُراهُم وحُصونِهم وحَريمِهم إذا نزَلُوا على المُسلِمينَ فَرضٌ على الأحرارِ البالِغينَ المُطيقِينَ (٦).

стр. 12031

مَراحلُ تَشريعِ الجِهادِ: يُمكنُ تَقسيمُ مَراحلِ تَشريعِ الجِهادِ إلى أربعِ مَراحلَ: المَرحلةُ الأُولى: مَكةُ المُكرَّمةُ، وهي مَرحلةُ الكفِّ والإعراضِ والصَّفحِ ؛ حيثُ كانَ القِتالُ مُحرَّمًا طيلةَ العَهدِ المَكيِّ، وكانَت مَرحلةَ إيذاءٍ وصبْرٍ. قالَ تَعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]. ورَوى النَّسائيُّ في «سُننَه» عن ابنِ عَباسٍ ﵄: أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ وَأصحابًا له أتَوُا النَّبيَّ ﷺ بِمَكةَ فقالُوا: يا رَسولَ اللهِ، إنّا كُنا في عزٍّ ونحنُ مُشرِكونَ، فلمَّا آمَنا صِرنا أذِلةً، فقالَ: «إني أُمِرتُ بالعَفوِ، فلا تُقاتِلوا، فلمَّا حوَّلَنا اللهُ إلى المَدينةِ أمَرَنا بِالقِتالِ، فَكفُّوا فأنزَلَ الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]» (١). قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: لمْ تَختلفِ الأُمةُ في أنَّ القِتالَ كانَ مَحظورًا قبلَ الهِجرةِ (٢).

стр. 12032

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ القِتالَ كانَ مَحظورًا قبلَ الهِجرةِ (١). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: كانَ النَّبيُّ ﷺ في أوَّلِ الأمرِ مَأمورًا بأنْ يُجاهِدَ الكُفارَ بلِسانِه لا بيَدِه، فيَدعوَهم ويَعِظَهم ويُجادِلَهم بالتي هي أحسَنُ، ويُجاهِدَهم بالقُرآنِ جِهادًا كَبيرًا؛ قالَ تَعالى في سُورةِ الفُرقانِ، وهي مَكيةٌ: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]. وكانَ مَأمورًا بالكَفِّ عن قِتالِهم لعَجزِه وعَجزِ المُسلِمينَ عن ذلك، ثم لمَّا هاجَرَ إلى المَدينةِ وصارَ له بها أعوانٌ أذِنَ له في الجِهادِ، ثم لمَّا قَوُوا كُتبَ عليهم القِتالُ، ولمْ يُكتبْ عليهم قِتالُ مَنْ سالَمهم؛ لأنَّهم لمْ يَكونوا يُطيقونَ قِتالَ جَميعِ الكُفارِ. فلمَّا فتَحَ اللهُ مَكةَ وانقطَعَ قِتالُ قُريشٍ -مُلوكِ العَربِ- ووفَدَت إليه وُفودُ العَربِ بالإسلامِ أمَرَه اللهُ تَعالى بقِتالِ الكُفارِ كلِّهم إلا مَنْ كانَ له عَهدٌ مُؤقَّتٌ، وأمَرَه بنَبذِ العُهودِ المُطلَقةِ (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ عن هذه المَرحَلةِ: واللهُ سُبحانَه يَأمرُهم بالصبْرِ والعَفوِ والصَّفحِ حتى قَوِيت الشَّوكةُ واشتَدَّ الجَناحُ فأذِنَ لهم

стр. 12033

بالقِتالِ، ولم يَفرضْه عليهم، فقالَ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] (١). وهذه هي المَرحَلةُ الثانِيةُ: مَرحلةُ الإذنِ بالقِتالِ. المَرحلةُ الثانِيةُ: المَدينةُ المُنوَّرةُ، الإذنُ بالقِتالِ دونَ أنْ يُفرضَ هذا عليهم، وذلك في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]. قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: فأوَّلُ ما شُرعَ الجِهادُ بعدَ الهِجرةِ النَّبويةِ إلى المَدينةِ اتِّفاقًا (٢). وقالَ الحافِظُ ابنُ كَثيرٍ ﵀: وإنَّما شرَعَ تَعالى الجِهادَ في الوَقتِ الأليَقِ به؛ لأنَّهم لمَّا كانُوا بمَكةَ كانَ المُشرِكونَ أكثَرَ عَددًا، فلو أمَرَ المُسلِمونَ -وهم أَقلُّ من العُشرِ- بقِتالِ الباقِينَ لَشقَّ عليهم، ولِهذا لمَّا بايَع أهلُ يَثرِبَ ليلةَ العَقبةِ رَسولَ اللهِ ﷺ وكانُوا نَيِّفًا وثَمانينَ قالُوا: يا رَسولَ اللهِ، ألَا نَميلُ على أهلِ الوادي -يَعنونَ أهلَ منًى- ليالي منًى فنَقتلُهم؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنِّي لم أُومرْ بهذا»، فلمَّا بَغى المُشرِكونَ وأَخرَجُوا النَّبيَّ ﷺ من بَينِ أظهُرِهم وهَمُّوا بقَتلِه وشرَّدوا أصحابَه شَذَرَ مَذَرَ، فذهَبَ منهم طائِفةٌ إلى الحَبشةِ وآخَرونَ إلى المَدينةِ، فلمَّا استقَرُّوا بالمَدينةِ وافاهُم رَسولُ اللهِ ﷺ

стр. 12034

واجتمَعوا عليه وقامُوا بنَصرِه، وصارَت لهم دارَ إسلامٍ ومَعقِلًا يَلجَؤونَ إليه، شرَعَ اللهُ جِهادَ الأعداءِ، فكانَت هذه الآيةُ أولَ ما نزَلَ في ذلك، فقالَ تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] (١). وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: قالَ عُلماؤُنا ﵏: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قبلَ بَيعةِ العَقبةِ لم يُؤذَنْ له في الحَربِ ولم تَحِلَّ له الدِّماءُ، إنَّما يُؤمرُ بالدُّعاءِ إلى اللهِ والصبْرِ على الأذى والصَّفحِ عن الجاهلِ مُدةَ عَشرةِ أعوامٍ؛ لإقامةِ حُجةِ اللهِ تَعالى عليهم، ووفاءً بوَعدِه الذي امتَنَّ به بفَضلِه في قَولِه : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فاستمَرَّ الطُّغيانُ، وما استدَلُّوا بواضِحِ البُرهانِ. وكانَت قُريشٌ قد اضطَهدَت من اتَّبَعه من قَومِه من المُهاجِرينَ حتى فتَنوهُم عن دِينِهم ونَفوْهم عن بِلادِهم، فهُم بينَ مَفتونٍ في دينِه ومُعذَّبٍ وبينَ هارِبٍ في البِلادِ مُغرَّبٍ، فمنهم مَنْ فرَّ إلى أرضِ الحَبشةِ ومنهم من خرَجَ إلى المَدينةِ، ومنهم من صبَرَ على الأذى، فلمَّا عتَت قُريشٌ على اللهِ ورَدُّوا أمَرْه وكَرامتَه وكذَّبوا نَبِيَّه وعذَّبوا مَنْ آمَن به وعبَدَه ووحَّدَه وصدَّقَ نَبيَّه واعتصَمَ بدِينِه أذِنَ اللهُ لرَسولِه ﷺ في القِتالِ والامتِناعِ والانتِصارِ ممن ظلَمهم وبَغى عليهم، فكانَت أوَّلُ آيةٍ أُنزِلت في إذنِه له بالحَربِ وإحلالِه له الدِّماءَ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى

стр. 12035

نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] أي: إنَّما أحلَلتُ لهم القِتالَ لأنَّهم ظُلِموا، ولم يَكنْ لهم ذَنبٌ فيما بينَهم وبينَ الناسِ إلا أنْ يَعبُدوا اللهَ (١). المَرحَلةُ الثالِثةُ: وهي الأمرُ بالقِتالِ لمَن قاتَلَهم دونَ مَنْ لم يُقاتِلْ، وذلك دِفاعًا عن النَّفسِ ومُعامَلةً بالمِثلِ: وذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. ولقد كانَ القِتالُ في هذه الفَترةِ -وهي الفَترةُ الواقِعةُ بينَ غَزوةِ بَدرٍ الكُبرى وغَزوةِ الأحزابِ- قِتالًا دِفاعيًّا. المَرحَلةُ الرابِعةُ: الأمرُ بقِتالِ جَميعِ الكُفارِ وابتِدائِهم بالقِتالِ أينَما كانُوا حتى يُسلِموا أو يُعطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ، وقد دلَّ على ذلك مِنْ القُرآنِ الكَريمِ: ١ - قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. ٢ - وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. ٣ - وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. ٤ - وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].

стр. 12036

وعن ابنِ عَباسٍ وأبي العاليةِ ومُجاهِدٍ والحَسنِ وقَتادةَ والرَّبيعِ بنِ أنَسٍ والسُّديِّ ومُقاتلِ بنِ حَيانَ وزَيدِ بنِ أسلَمَ: يَعني حتى لا يَكونَ شِركٌ. ومِن السُّنةِ: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عصَموا مِنِّي دِماءَهم وأَموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (١). وهذه المَرحَلةُ الأخيرةُ هي التي استقَرَّ عليها الأمرُ في مُعاملِة المُسلِمينَ للكُفارِ من جَميعِ الأجناسِ أهلِ الكِتابِ وغيرِهم. ولا يَختلِفُ العُلماءُ من المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرِهم على أنَّه يَلزمُ المُسلِمينَ عندَ القُدرةِ ابتِداءُ الكُفارِ بالقِتالِ ولو لم يُقاتِلوا المُسلِمينَ، وهذا جِهادُ الطَّلبِ من لوازِمِ جِهادِ الدَّفعِ بالإجماعِ. قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: ولا نَعلمُ أحدًا من الفُقهاءِ يَحظُرُ قتالَ من اعتزَلَ قِتالَنا من المُشرِكينَ، وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ تَركِ قِتالِهم لا في حَظرِه، فقد حصَلَ الاتِّفاقُ من الجَميعِ على نَسخِ حَظرِ القِتالِ لمَن كانَ وَصفُه ما ذكَرْنا (٢). وقد ذكَرَ الإمامُ ابنُ القَيمِ مَراحلَ تَشريعِ الجِهادِ فقالَ ﵀: فَصلٌ في تَرتيبِ سياقِ هَديِه مع الكُفارِ والمُنافِقينَ مِنْ حين بُعِث إلى حين لقِيَ اللهَ تَعالى، أوَّلُ ما أوْحَى إليه ربُّه أنْ يَقرأَ باسمِ ربِّه الذي خلَقَ، وذلك أوَّلُ

стр. 12037

نُبوَّتِه، فأمَرَه أنْ يَقرأَ في نَفسِه ولم يَأمرْه إذ ذاك بتَبليغٍ، ثم أنزَلَ عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢]. فنبَّأَه قَومَه، ثم أنذَرَ من حولَهم من العَربِ ثم أنذَرَ العَربَ قاطِبةً ثم أنذَرَ العالَمينَ. فأقام بِضعَ عَشرةَ سَنةً بعدَ نُبوَّتِه يُنذِرُ بالدَّعوةِ بغيرِ قِتالٍ ولا جِزيةٍ ويُؤمرُ بالكَفِّ والصبْرِ والصَّفحِ، ثم أذِنَ له في الهِجرةِ وأذِنَ له في القِتالِ، ثم أمَرَه أنْ يُقاتِلَ مَنْ قاتَلَه ويَكفَّ عمَّن اعتزَلَه ولم يُقاتلْه، ثم أمَرَه بقتالِ المُشرِكينَ حتى يَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ، ثم كانَ الكُفارُ معه بعدَ الأمرِ بالجِهادِ ثَلاثةَ أقسامٍ: كانُوا أهلَ صُلحٍ وهُدنةٍ، وأهلَ حَربٍ، وأهلَ ذِمةٍ، فأمَرَ أنْ يُتمَّ لأهلِ العَهدِ والصُّلحِ عَهدَهم، وأنْ يُوفِّيَ لهم به ما استَقامُوا على العَهدِ، فإنْ خافَ منهم خيانةً نبَذَ إليهم عَهدَهم ولم يُقاتلْهم حتى يُعلِمَهم بنَقضِ العَهدِ، وأمَرَ أنْ يُقاتِلَ مَنْ نقَضَ عَهدَه، ولمَّا نزَلَت سُورةُ «بَراءةٌ» نزَلَت ببَيانِ حُكمِ هذه الأقسامِ كلِّها، فأمَرَ أنْ يُقاتِلَ عَدوَّه من أهلِ الكِتابِ حتى يُعطُوا الجِزيةَ أو يَدخُلوا في الإسلامِ، وأمَرَه فيها بجِهادِ الكُفارِ والمُنافِقينَ والغِلظةِ عليهم، فجاهَدَ الكُفارَ بالسَّيفِ والسِّنانِ، والمُنافِقينَ بالحُجةِ واللِّسانِ، وأمَرَه فيها بالبَراءةِ من عُهودِ الكُفارِ ونَبذِ عُهودِهم إليهم، وجعَلَ أهلَ العَهدِ في ذلك ثَلاثةَ أقسامٍ هي: قِسمٌ: أمَرَه بقِتالِهم وهُم الذين نَقضُوا عَهدَه ولم يَستقِيموا له، فحارَبُهم وظهَرَ عليهم. وقِسمٌ: لهم عَهدٌ مُؤقَّتٌ لم يَنقُضوه ولم يُظاهِروا عليه، فأمَرَه أنْ يُتِمَّ لهم عَهدَهم إلى مُدَّتِهم.

стр. 12038

وقِسمٌ: لم يَكنْ لهم عَهدٌ ولم يُحارِبوه أو كانَ لهم عَهدٌ مُطلَقٌ، فأمَرَ أنْ يُؤجِّلَهم أربَعةَ أشهُرٍ فإذا انسَلَخت قاتَلَهم إلى أنْ قالَ: فقاتِلِ الناقِضَ لعَهدِه وأجِّلْ مَنْ لا عَهدَ له، أو له عَهدٌ مُطلَقٌ أربَعةَ أشهُرٍ، وأمَرَه أنْ يُتمَّ للمُوفِّي بعَهدِه عَهدَه إلى مُدَّتِه، فأسلَمَ هؤلاء كلُّهم ولم يُقيموا على كُفرِهم إلى مُدتِهم، وضَربَ على أهلِ الذِّمةِ الجِزيةَ، فاستقَرَّ أمرُ الكُفارِ معه بعدَ نُزولِ «بَرَاءَةٌ»، على ثَلاثةِ أقسامٍ هي: مُحارِبونَ له، وأهلُ عَهدٍ، وأهلُ ذِمةٍ، ثم آلَ حالُ أهلِ العَهدِ والصُّلحِ إلى الإسلامِ، فصاروا معه قِسمَينِ هما: مُحارِبونَ، وأهلُ ذِمةٍ. والمُحارِبونَ له خائِفونَ منه، فصارَ أهلُ الأرضِ معه ثَلاثةَ أقسامٍ: صاروا مُسلمًا مُؤمنًا به، ومُسالِمًا له آمِنًا، وخائِفًا مُحاربًا (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا بنُ مُحمدِ بنِ أحمدَ بنِ زَكريَّا الأنصاريُّ ﵀: كانَ الجِهادُ مَمنوعًا منه قبلَ الهِجرةِ ثم بعدَها أمَرَ بقِتالِ مَنْ قاتَلَه ثم أُبيحَ الابتِداءُ به في غيرِ الأشهُرِ الحُرُمِ ثم أمَرَ به مُطلَقًا (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ والأصحابُ ﵏: لمَّا بُعِث رَسولُ اللهِ ﷺ أُمِرَ بالتَّبليغِ والإنذارِ بلا قِتالٍ، واتَّبعَه قَومٌ بعدَ قَومٍ وفُرضَت الصَّلاةُ بمَكةَ ثم فُرضَ الصَّومُ بعدَ الهِجرةِ بسنتَينِ، واختَلفُوا في أنَّ الزَّكاةَ فُرضَت بعدَ الصَّومِ أو قبلَه.

стр. 12039

ثم فُرضَ الحَجُّ سَنةَ سِتٍّ وقيلَ سَنةَ خَمسٍ، وكانَ القِتالُ مَمنوعًا منه في أوَّلِ الإسلامِ وأُمِروا بالصبْرِ على أذَى الكُفارِ، فلمَّا هاجَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى المَدينةِ وجَبَت الهِجرةُ على مَنْ قدِرَ، فلمَّا فُتِحت مَكةُ ارتَفَعت الهِجرةُ منها إلى المَدينةِ ونُفِي وُجوبُ الهِجرةِ من دارِ الحَربِ على ما سَنذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، ثم أذِنَ اللهُ في القِتالِ للمُسلِمينَ إذا ابتَدَأهم الكُفارُ بقِتالٍ، ثم أباحَ القِتالَ ابتِداءً، لكنْ في غيرِ الأشهُرِ الحُرُمِ، ثم أمَرَ به من غيرِ تَقييدٍ بشَرطٍ ولا زَمانٍ (١).

стр. 12040

أقسامُ الجِهادِ: يَنقسِمُ الجِهادُ في الإسلامِ إلى قِسمَينِ، هما: جِهادُ الدَّفعِ، وجِهادُ الطَّلبِ. القِسمُ الأولُ: جِهادُ الدَّفعِ: وهو جِهادُ العَدوِّ الصائِلِ والمُعتَدي ومُقاوَمتُه -سَواءٌ كانَ فَردًا أو طائِفةً- ومَنعُه من الاستِيلاءِ على بِلادِ المُسلِمينَ ولو كانَ جُزءًا منها، ولو قليلًا، وكذا مَنعُه من الاعتِداءِ على الأنفُسِ والأعراضِ، ولو لمْ يَحتَلَّ أرضَهم بالفِعلِ، وكذا مَنعُه من فِتنةِ المُسلِمينَ في دِينِهم. حُكمُ جِهادِ الدَّفعِ: وهذا القِسمُ من الجِهادِ فَرضُ عَينٍ على كلِّ مُسلمٍ مُكلَّفٍ قادِرٍ ولو امرأةً؛ وذلك عندَما يُهاجِمُ الكُفارُ المُسلِمينَ في عُقرِ دارِهم، وهذا الجِهادُ يَجبُ على أهلِ البَلدِ الذي دَهمَه العَدوُّ أولًا، ثم بعدَ ذلك بصُورةٍ دائِريةٍ على ما حَولَه من بِلادِ المُسلِمينَ حتى يَتمكَّن المُسلِمونَ من رَدِّ هذا العَدوِّ الذي دهَمَ أرضَهم، لا يُشترطُ في ذلك أيُّ شَرطٍ من شُروطِ الجِهادِ التي هي مُتعلِّقةٌ بجِهادِ الطَّلبِ لا بجِهادِ الدَّفعِ، هذا باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ لا يُخالِفُ في ذلك أحَدٌ إطلاقًا. قالَ الإمامُ الجَصاصُ ﵀: ومَعلومٌ في اعتِقادِ جَميعِ المُسلِمينَ أنَّه إذا خافَ أهلُ الثُّغورِ من العَدوِّ ولم تَكنْ فيهم مُقاوَمةٌ لهم، فخافُوا على بِلادِهم وأنفُسِهم وذَراريِّهم أنَّ الفَرضِ على جَميعِ الأُمةِ أنْ يَنفِرَ إليهم مَنْ يَكفُّ عاديَتَهم عن المُسلِمينَ، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ الأُمةِ؛ إذْ ليسَ من

стр. 12041

قَولِ أحَدٍ من المُسلِمينَ إباحةُ القُعودِ عنهم حتى يَستَبيحوا دِماءَ المُسلِمينَ وسَبيَ ذَراريِّهم (١). وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: فإنْ هجَموا على بَلدةٍ من بَلداتِ المُسلِمينَ يَصيرُ من فُروضِ الأعيانِ، سَواءٌ كانَ المُستنفِرُ عَدلًا أو فاسِقًا، فيَجبُ على جَميعِ أهلِ تلك البَلدةِ النَّفرُ، وكذا مَنْ يَقرُبُ منهم إنْ لم يَكنْ بأهلِها كِفايةٌ، وكذا مَنْ يَقرُبُ ممَّن يَقرُبُ إنْ لم يَكنْ بمَن يَقرُبُ كِفايةٌ أو تَكاسَلوا أو عصَوْا، وهَكذا إلى أنْ يَجبَ على جَميعِ أهلِ الإسلامِ شَرقًا وغَربًا كجِهازِ المَيِّتِ والصَّلاةِ عليه يَجبُ أوَّلًا على أهلِ مَحلَّتِه، فإنْ لم يَفعَلوا عَجزًا وجَبَ على مَنْ ببلَدِهم على ما ذكَرْنا (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الجِهادُ يَنقسِمُ أيضًا إلى قِسمَينِ: أحدُهما: فَرضٌ عامٌّ مُتعيِّنٌ على كلِّ أحَدٍ ممَّن يَستطيعُ المُدافَعةَ والقِتالَ وحَملَ السِّلاحِ من البالِغينَ الأحرارِ، وذلك أنْ يَحِلَّ العَدوُّ بدارِ الإسلامِ مُحارِبًا لهم، فإذا كانَ ذلك وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا وشَبَابًا وشُيُوخًا، وألَّا يَتخلَّفَ أحَدٌ يَقدِرُ على الخُروجِ من مُقِلٍّ أو مُكثِرٍ، وإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاوَرَهم أنْ يَخرُجوا، قَلُّوا أو كَثُروا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ فيهم طاقةً على القيامِ بهم

стр. 12042

ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ مَنْ علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم، وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه أيضًا الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتَلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولمْ يَدخلُوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: إذا تَعيَّنَ الجِهادُ بغَلبةِ العَدوِّ على قُطرٍ من الأقطارِ … وجَبَ على جَميعِ أهلِ تلك الدارِ أنْ يَنفِروا، ويَخرُجوا إليه خِفافًا وثِقالَا، شَبابًا وشُيوخًا. كلٌّ على قَدرِ طاقَتِه … ، فإنْ عجَزَ أهلُ تلك البَلدةِ عن القيامِ بعَدوِّهم كانَ على مَنْ قارَبَهم وجاورَهم أنْ يَخرُجوا على حسَبِ ما لزِمَ أهلَ تلك البَلدةِ حتى يَعلَموا أنَّ منهم طاقةً على القيامِ بهم ومُدافَعتِهم، وكذلك كلُّ من علِمَ بضَعفِهم عن عَدوِّهم وعلِمَ أنَّه يُدرِكُهم ويُمكِنُه غِياثُهم لزِمَه -أيضًا- الخُروجُ إليهم، فالمُسلِمونَ كلُّهم يَدٌ على مَنْ سِواهم حتى إذا قامَ بدَفعِ العَدوِّ أهلُ الناحيةِ التي نزَلَ العَدوُّ عليها واحتلَّ بها سقَطَ الفَرضُ عن الآخَرينَ، ولو قارَبَ العَدوُّ دارَ الإسلامِ ولم يَدخُلوها لزِمَهم أيضًا الخُروجُ إليه حتى يَظهَرَ دينُ اللهِ وتُحمَى البَيضةُ وتُحفَظَ الحَوزةُ ويُخزَى العَدوُّ، ولا خِلافَ في هذا (٢).

стр. 12043

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا قِتالُ الدَّفعِ فهو أشَدُّ أنواعِ دَفعِ الصائِلِ عن الحُرمةِ والدِّينِ، فواجِبٌ إجماعًا، فالعَدوُّ الصائِلُ الذي يُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا لا شَيءَ أوجَبَ من دَفعِه فلا يُشترطُ له شرَطٌ؛ بل يُدفَعُ بحسَبِ الإمكانِ، وقد نَصَّ على ذلك العُلماءُ أصحابُنا وغيرُهم، فيَجبُ التَّفريقُ بينَ دَفعِ الصائِلِ الظالِمِ الكافِرِ وبينَ طَلبِه في بِلادِه (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ أيضًا: وإذا دخَلَ العَدوُّ بلادَ الإسلامِ فلا رَيبَ أنَّه يَجبُ دَفعُه على الأقربِ فالأقربِ؛ إذْ بلادُ الإسلامِ كلُّها بمَنزِلةِ البَلدةِ الواحِدةِ ويَجبُ النَّفيرُ إليه بلا إذنِ والِدٍ ولا غَريمٍ، ونُصوصُ أحمدَ صَريحةٌ بهذا (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ أيضًا: وقِتالُ الدَّفعِ مِثلُ أنْ يَكونَ العَدوُّ كَثيرًا لا طاقةَ للمُسلِمينَ به، لكنْ يُخافُ إنِ انصَرَفوا عن عَدوِّهم عطَفَ العَدوُّ على مَنْ يَخلُفون من المُسلِمينَ، فهنا قد صرَّحَ أصحابُنا بأنَّه يَجبُ أنْ يَبذُلوا مُهَجَهم ومُهَجَ من يُخافُ عليهم في الدَّفعِ حتى يَسلَموا. ونَظيرُها أنْ يَهجُمَ العَدوُّ على بِلادِ المُسلِمينَ وتَكونَ المُقاتِلةُ أقَلَّ من النِّصفِ، فإنِ انصَرَفوا استَولَوْا على الحَريمِ، فهذا وأمثالُه قِتالُ دَفعٍ لا قِتالُ طَلبٍ، لا يَجوزُ الانصِرافُ عنه بحالٍ، ووَقعةُ أُحُدٍ من هذا البابِ (٣).

стр. 12044

وقالَ: جِهادُ الدَّفعِ للكُفارِ يَتعيَّنُ على كلِّ أحَدٍ، ويَحرُمُ فيه الفِرارُ مِنْ مِثلَيْهم؛ لأنَّه جِهادُ ضَرورةٍ لا اختيارٍ، وثَبَتوا يَومَ أُحدٍ والأحزابِ وُجوبًا، وكذا لمَّا قدِمَ التَّتارُ دِمَشقَ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وجِهادُ الدَّفعِ أصعَبُ من جِهادِ الطَّلبِ؛ فإنَّ جِهادَ الدَّفعِ يُشبِهُ بابَ دَفعِ الصائِلِ، ولِهذا أُبيحَ للمَظلومِ أنْ يَدفعَ عن نَفسِه، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ قُتلَ دُونَ مالِه فهو شَهيدٌ، ومَن قُتلَ دُونَ دَمِه فهو شَهيدٌ» (٢)؛ لأنَّ دَفعَ الصائِلِ على الدِّينِ جِهادٌ وقُربةٌ، ولأنَّ دَفعَ الصائِلِ على المالِ والنَّفسِ مُباحٌ ورُخصةٌ؛ فإنْ قُتلَ فيه فهو شَهيدٌ. فقِتالُ الدَّفعِ أوسَعُ من قِتالِ الطَّلبِ وأعَمُّ وُجوبًا، ولِهذا يَتعيَّنُ على كلِّ أحَدٍ أنْ يَقومَ ويُجاهِدَ فيه، العبدُ بإذنِ سَيِّدِه وبدُونِ إذْنِه، والوَلدُ بدونِ إذنِ أبوَيْه، والغَريمُ بغيرِ إذنِ غَريمِه. وهذا كجِهادِ المُسلِمينَ يَومَ أُحُدٍ والخَندَقِ. ولا يُشترطُ في هذا النَّوعِ من الجِهادِ أنْ يَكونَ العَدوُّ ضِعفَيِ المُسلِمينَ فما دونَ؛ فإنَّهم كانُوا يَومَ أُحُدٍ والخَندَقِ أضعافَ المُسلِمينَ، فكانَ الجِهادُ واجِبًا عليهم؛ لأنَّه حينَئذٍ جِهادُ ضَرورةٍ ودَفعٍ لا جِهادُ اختيارٍ، ولِهذا تُباحُ فيه صَلاةُ الخَوفِ بحسَبِ الحالِ في هذا النَّوعِ.

стр. 12045

ومَعلومٌ أنَّ الجِهادَ الذي يَكونُ فيه الإنسانُ طالِبًا مَطلوبًا أوجَبَ من هذا الجِهادِ الذي هو فيه طالِبٌ لا مَطلوبٌ، والنُّفوسُ فيه أرغَبُ من الوَجهَينِ. وأمَّا جِهادُ الطَّلبِ الخالِصِ؛ فلا يَرغَبُ فيه إلا أحَدُ رَجلَينِ: إمَّا عَظيمُ الإيمانِ يُقاتِلُ لتَكونَ كَلمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ. وإمَّا راغِبٌ في المَغنَمِ والسَّبيِ، فجِهادُ الدَّفعِ يَقصِدُه كلُّ أحَدٍ، ولا يَرغَبُ عنه إلا الجَبانُ المَذمومُ شَرعًا وعَقلًا، وجِهادُ الطَّلبِ الخالِصُ للهِ يَقصِدُه ساداتُ المُؤمِنينَ. وأمَّا الجِهادُ الذي يَكونُ فيه طالبًا مَطلوبًا فهذا يَقصِدُه خيارُ الناسِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ ودِينِه، ويَقصِدُه أوساطُهم للدَّفعِ ولمَحبةِ الظَّفرِ (١).
следующие страницы →